Verse. 469 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِيْنَ يُسَارِعُوْنَ فِي الْكُفْرِ۝۰ۚ اِنَّھُمْ لَنْ يَّضُرُّوا اللہَ شَـيْــــًٔـا۝۰ۭ يُرِيْدُ اللہُ اَلَّا يَجْعَلَ لَھُمْ حَظًّا فِي الْاٰخِرَۃِ۝۰ۚ وَلَھُمْ عَذَابٌ عَظِيْمٌ۝۱۷۶
Wala yahzunka allatheena yusariAAoona fee alkufri innahum lan yadurroo Allaha shayan yureedu Allahu alla yajAAala lahum haththan fee alakhirati walahum AAathabun AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا يُحْزِنْكَ» بضم الياء وكسر الزاي وبفتحها وضم الزاي من أحزنه «الذين يسارعون في الكفر» يقعون فيه سريعا بنصرته وهم أهل مكة أو المنافقون أي لا تهتم لكفرهم «إنَّهمُ لن يضروا الله شيئا» بفعلهم وإنما يضرون أنفسهم «يريد الله ألا يجعل لهم حظّا» نصيبا «في الآخرة» أي الجنة فلذلك خذلهم الله «ولهم عذاب عظيم» في النار.

176

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع {يَحْزُنكَ } بضم الياء وكسر الزاي، وكذلك في جميع ما في القرآن إلا قوله: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء: 103] في سورة الأنبياء، فانه فتح الياء وضم الزاي، والباقون كلهم بفتح الياء وضم الزاي. قال الأزهري: اللغة الجيدة: حزنه يحزنه على ما قرأ به أكثر القراء، وحجة نافع أنهما لغتان يقال: حزن يحزن كنصر ينصر، وأحزن يحزن كأكرم يكرم لغتان. المسألة الثانية: اختلفوا في سبب نزول الآية على وجوه: الأول: أنها نزلت في كفار قريش، والله تعالى جعل رسوله آمنا من شرهم، والمعنى: لا يحزنك من يسارع في الكفر بأن يقصد جمع العساكر لمحاربتك، فانهم بهذا الصنيع إنما يضرون أنفسهم ولا يضرون الله، ولا بد من حمل ذلك على أنهم لن يضروا النبي وأصحابه من المؤمنين شيئا، واذا حمل على ذلك فلا بد من حمله على ضرر مخصوص، لأن من المشهور أنهم بعد ذلك ألحقوا أنواعا من الضرر بالنبي عليه الصلاة والسلام، والأولى أن يكون ذلك محمولا على أن مقصودهم من جمع العساكر إبطال هذا الدين وإزالة هذه الشريعة، وهذا المقصود لا يحصل لهم، بل يضمحل أمرهم وتزول شوكتهم، ويعظم أمرك ويعلو شأنك. الثاني: أنها نزلت في المنافقين، ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوفون المؤمنين بسبب وقعة أحد ويؤيسونهم من النصرة والظفر، أو بسبب أنهم كانوا يقولون إن محمداً طالب ملك، فتارة يكون الأمر له، وتارة عليه، ولو كان رسولا من عند الله ما غلب، وهذا كان ينفر المسلمين عن الاسلام، فكان الرسول يحزن بسببه. قال بعضهم: إن قوما من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفا من قريش فوقع الغم في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك السبب، فانه عليه السلام ظن أنهم بسبب تلك الردة يلحقون به مضرة. فبين الله أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك قال القاضي: ويمكن أن يقوي هذا الوجه بأمور: الأول: أن المستمر على الكفر لا يوصف بانه يسارع في الكفر، وإنما يوصف بذلك من يكفر بعد الايمان. الثاني: أن إرادته تعالى أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة لا يليق إلا بمن قد آمن، فاستوجب ذلك، ثم أحبط. الثالث: أن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود، فلما قدر النبي صلى الله عليه وسلم الانتفاع بايمانهم، ثم كفروا حزن صلى الله عليه وسلم عند ذلك لفوات التكثير بهم، فآمنه الله من ذلك وعرفه أن وجود إيمانهم كعدمه في أن أحواله لا تتغير. القول الرابع: أن المراد رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف وأصحابه الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم لمتاع الدنيا. قال القفال رحمه الله: ولا يبعد حمل الآية على جميع أصناف الكفار بدليل قوله تعالى: {أية : يأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ }تفسير : [المائدة: 41] إلى قوله: {أية : وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ }تفسير : [المائدة: 41] فدلت هذه الآية على أن حزنه كان حاصلا من كل هؤلاء الكفار. المسألة الثالثة: في الآية سؤال: وهو أن الحزن على كفر الكافر ومعصية العاصي طاعة، فكيف نهى الله عن الطاعة؟ والجواب من وجهين: الأول: أنه كان يفرط ويسرف في الحزن على كفر قومه حتى كاد يؤدي ذلك إلى لحوق الضرر به، فنهاه الله تعالى عن الاسراف فيه ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } تفسير : [فاطر: 8] الثاني: أن المعنى لا يحزنوك بخوف أن يضروك ويعينوا عليك، ألا ترى إلى قوله: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، ولا يعود وبال ذلك على غيرهم ألبتة. ثم قال: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } والمعنى أنهم لن يضروا النبي وأصحابه شيئاً، وقال عطاء: يريد: لن يضروا أولياء الله شيئاً. ثم قال تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى ٱلأَخِرَةِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه رد على المعتزلة، وتنصيص على أن الخير والشر بارادة الله تعالى، قال القاضي: المراد أنه يريد الاخبار بذلك والحكم به. واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين: الأول: أنه عدول عن الظاهر، والثاني: بتقدير أن يكون الأمر كما قال، لكن الاتيان بضد ما أخبر الله عنه وحكم به محال فيعود الاشكال. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: الارادة لا تتعلق بالعدم، وقال أصحابنا ذلك جائز، والآية دالة على قول أصحابنا لأنه قال: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى ٱلأَخِرَةِ } فبين أن إرادته متعلقة بهذا العدم. قالت المعتزلة: المعنى أنه تعالى ما أراد ذلك كما قال: {أية : وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185] قلنا: هذا عدول عن الظاهر. المسألة الثالثة: الآية تدل على أن النكرة في موضع النفي تعم، إذ لو لم يحصل العموم لم يحصل تهديد الكفار بهذه الآية ثم قال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } وهذا كلام مبتدأ والمعنى أنه كما لاحظ لهم البتة من منافع الآخرة فلهم الحظ العظيم من مضار الآخرة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} هؤلاء قوم أسلموا ثم ٱرتدّوا خوفاً من المشركين؛ فاغْتمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجلّ: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ}. وقال الكَلْبِيّ: يعني به المنافقين ورؤساءَ اليهود؛ كَتَموا صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم في الكتاب فنزَلت. ويُقال: إن أهل الكتاب لمّا لم يُؤمنوا شَقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون إنهم أهل كتاب؛ فلو كان قولُه حقّاً لاتبعوه. فنزلت {وَلاَ يُحْزِنْكَ}. قراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع إلاَّ في ـ الأنبياء ـ {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 103] فإنه بفتح الياء وبضم الزاي. وضِده أبو جعفر. وقرأ ابن مُحَيْصِن كلّها بضم الياء و (كسر) الزاي. والباقون كلّها بفتح الياء وضمّ الزاي.وهما لغتان: حَزَنَني الأمر يَحْزُنُنِي، وأحْزَنَنِي أيضاً وهي (لغة) قليلة؛ والأولى أفصح اللّغتين؛ قاله النحاس. وقال الشاعر في «أحزن»: شعر : مَضَـىٰ صُحْبِـي وأحْزَنَنِـي الدِّيـارُ تفسير : وقراءة العامة «يُسَارِعُونَ». وقرأ طلحة «يُسْرِعون في الكفر». قال الضحّاك: هم كفار قريش. وقال غيره: هم المنافقون. وقيل: هو ما ذكرناه قبلُ. وقيل: هو عامّ في جميع الكفار. ومُسارعتهم في الكفر المظاهرةُ على محمد صلى الله عليه وسلم. قال القُشَيريّ: والحُزْن على كُفرِ الكافر طاعة؛ ولكنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُفرِط في الحُزن على كفر قومه، فنُهي عن ذلك؛ كما قال: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} وقال: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}. {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} أي لا ينقصون من مَلْك الله وسلطانه شيئاً؛ يعني لا ينقص بكفرهم. وكما رُوي عن أبي ذَرٍّ حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما رَوى عن الله تبارك وتعالىٰ أنه قال: «يا عبادِي إني حرّمت الظُّلَم على نفسي وجعلته بينكم مُحرَّماً فلا تَظَالَموا. يا عبادِي كلُّكم ضالٌّ إلاَّ من هَدَيْتُه فاستهدوني أهْدِكم. يا عبادي كلُّكم جائعٌ إلاَّ من أطعمته فاستطعمُوني أُطْعِمْكم. يا عبادي كلكم عارٍ إلاَّ من كَسْوتُه فاسْتكْسُوني أَكْسُكم. يا عبادي إنكم تُخطِئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي إنكم لن تَبلغوا ضَرِّي فَتُضرُّوني ولن تَبلْغُوا نفعي فَتَنْفَعُوني. يا عبادي لو أن أوّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أَتْقَى قلبِ رجُلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً. يا عبادي لو أن أوّلَكُمْ وآخركُم وإنْسَكُم وجِنَّكُم كانوا على أفْجَر قلبِ رجُلٍ واحدٍ ما نَقَصَ ذلك من مُلْكِي شيئاً. يا عبادي لو أن أوّلَكُم وآخرَكُمْ وإنْسَكُم وجِنَّكم قاموا في صَعيدٍ واحدٍ فَسألُوني فأعطيتُ كُلّ إنسان مَسْألَتَه ما نَقَصَ ذلك مما عندي إلاَّ كما يَنْقُضُ المِخْيَطُ إذا أدْخِلَ البحر. يا عبادي إنما هي أعمالُكُم أُحْصِيها لكم ثم أُوَفِّيكُم إياها فمن وَجَد خَيْراً فليَحْمَدِ الله ومن وَجَد غيرَ ذلك فلا يَلُوَمَنَّ إلاَّ نَفْسَه»تفسير : . خَرّجَهُ مسلم في صحيحه والترمذي وغيرهما، وهو حديث عظيم فيه طول يكتب كله. وقيل: معنى {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} أي لن يَضُرُّوا أولياء الله حين تركوا نصرهم إذ كان الله عزّ وجلّ ناصِرهم. قوله تعالىٰ: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي نصيباً. والحظّ النصيب والجَدّ. يُقال: فلان أحظّ من فلان، وهو محظوظ. وجمع الحَظ أحاظٍ على غير قياس. قال أبو زيد: يُقال رجل حَظِيظ، أي جديدٌ إذا كان ذا حظّ من الرزق. وحَظِظْت في الأمر أحَظّ. وربما جُمع الحظ أحُظّاً. أي لا يَجعل لهم نصيباً في الجنة. وهو نَصّ في أن الخير والشر بإرادة الله تعالىٰ.

البيضاوي

تفسير : {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ} يقعون فيه سريعاً حرصاً عليه، وهم المنافقون من المتخلفين، أو قوم ارتدوا عن الإسلام. والمعنى لا يحزنك خوف أن يضروك ويعينوا عليك لقوله: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} أي لن يضروا أولياء الله شيئاً بمسارعتهم في الكفر، وإنما يضرون بها أنفسهم. وشيئاً يحتمل المفعول والمصدر وقرأ نافع {يَحْزُنكَ} بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع ما خلا قوله في الأنبياء لا يحزنهم الفزع الأكبر، فإنه فتح الياء وضم الزاي فيه والباقون كذلك في الكل. {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ} نصيباً من الثواب في الآخرة، وهو يدل على تمادي طغيانهم وموتهم على الكفر، وفي ذكر الإِرادة إشعار بأن كفرهم بلغ الغاية حتى أراد أرحم الراحمين أن لا يكون لهم حظ من رحمته، وإن مسارعتهم في الكفر لأنه تعالى لم يرد أن يكون لهم حظ في الآخرة. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} مع الحرمان عن الثواب.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ} وذلك من شدة حرصه على الناس، كان يحزنه مبادرة الكفار إِلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: لا يحزنك ذلك {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى ٱلآخِرَةِ} أي: حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته أن لا يجعل لهم نصيباً في الآخرة {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ}، ثم قال تعالى مخبراً عن ذلك إِخباراً مقرراً: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ} أي: استبدلوا هذا بهذا {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} أي: ولكن يضرون أنفسهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، ثم قال تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} كقوله: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 55 ـ 56] وكقوله: {أية : فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [القلم: 44] وكقوله: {أية : وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ}تفسير : [التوبة: 85] ثم قال تعالى: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} أي: لا بد أن يعقد سبباً من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفضح به عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهتك به ستر المنافقين. فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال تعالى: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} قال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد، وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة، وقال السدي: قالوا: إِن كان محمد صادقاً فليخبرنا عمن يؤمن به منا ومن يكفر، فأنزل الله تعالى: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} أي: حتى يخرج المؤمن من الكافر، روى ذلك كله ابن جرير. ثم قال تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} أي: أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك. ثم قال تعالى: {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} كقوله تعالى: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} تفسير : [الجن: 26 ـ 27] ثم قال تعالى: {فَـآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي: أطيعوا الله ورسوله، واتبعوه فيما شرع لكم {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. وقوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه، بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان في دنياه. ثم أخبر بمآل أمر ماله يوم القيامة، فقال: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، قال البخاري: حدثنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن، هو ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من آتاه الله مالاً، فلم يؤد زكاته، مثل له شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه ـ يعني: بشدقيه ـ ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك»تفسير : ثم تلا هذه الآية: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} إِلى آخر الآية، تفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الليث بن سعد عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، به. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : إِن الذي لا يؤدي زكاة ماله، يمثل الله له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان، ثم يلزمه يطوقه يقول: أنا كنزك أنا كنزك»تفسير : وهكذا رواه النسائي عن الفضل بن سهل عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن عبد العزيز بن عبد الله ابن أبي سلمة، به. ثم قال النسائي: ورواية عبد العزيز عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أثبت من رواية عبد الرحمن عن أبيه عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عن أبي هريرة. (قلت): ولا منافاة بين الروايتين، فقد يكون عند عبد الله بن دينار من الوجهين، والله أعلم، وقد ساقه الحافظ أبو بكر بن مردويه من غير وجه عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ومن حديث محمد بن حميد، عن زياد الخطمي، عن أبي هريرة، به. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا سفيان عن جامع، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله، إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه، يفر منه وهو يتبعه، فيقول: أنا كنزك»تفسير : ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد، زاد الترمذي: وعبد الملك بن أعين، كلاهما عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود، به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي بكر بن عياش وسفيان الثوري، كلاهما عن أبي إِسحاق السبيعي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، به، ورواه ابن جرير من غير وجه عن ابن مسعود موقوفاً. (حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من ترك بعده كنزاً، مثل له شجاعاً أقرع يوم القيامة له زبيبتان يتبعه، ويقول: من أنت؟ ويلك، فيقول: أنا كنزك الذي خلفت بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يتبع سائر جسده» تفسير : إِسناده جيد قوي، ولم يخرجوه. وقد رواه الطبراني عن جرير بن عبد الله البجلي، ورواه ابن جرير وابن مردويه من حديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : لا يأتي الرجل مولاه، فيسأله من فضل ماله عنده، فيمنعه إياه، إِلا دُعي له يوم القيامة شجاع يتلمظ فضله الذي منع»تفسير : لفظ ابن جرير، وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود عن أبي قزعة، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه، فيسأله من فضل جعله الله عنده، فيبخل به عليه، إِلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه»تفسير : ثم رواه من طريق أخرى عن أبي قزعة، واسمه حجير بن بيان، عن أبي مالك العبدي موقوفاً، ورواه من وجه آخر عن أبي قزعة مرسلاً. وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها، رواه ابن جرير، والصحيح الأول وإِن دخل هذا في معناه، وقد يقال: إن هذا أولى بالدخول، والله سبحانه وتعالى أعلم، وقوله تعالى: {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ}تفسير : [الحديد: 7] فإن الأمور كلها مرجعها إِلى الله عز وجل. فقدموا من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: بنياتكم وضمائركم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ يَحْزُنكَ } بضم الياء وكسر الزاي وبفتحها وضم الزاي من(حزنه) لغه في (أحزنه) {ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ } يقعون فيه سريعاً بنصرته وهم أهل مكة أو المنافقون أي لا تهتم لكفرهم {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } بفعلهم وإنما يضرون أنفسهم {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً } نصيباً {فِى ٱلأَخِرَةِ } أي الجنة فلذلك خذلهم الله {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } في النار.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَلاَ يَحْزُنكَ } قرأ نافع بضم الياء، وكسر الزاي، وقرأ ابن محيصن بضم الياء، والزاي، وقرأ الباقون بفتح الياء، وضم الزاي، وهما لغتان، يقال: حزنني الأمر، وأحزنني، والأولى أفصح. وقرأ طلحة: {يُسَـٰرِعُونَ } قيل: هم قوم ارتدّوا، فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فسلاه الله سبحانه، ونهاه عن الحزن، وعلل ذلك بأنهم لن يضروا الله شيئاً، وإنما ضروا أنفسهم بأن لا حظ لهم في الآخرة، ولهم عذاب عظيم، وقيل: هم كفار قريش، وقيل: هم المنافقون، وقيل: هو عام في جميع الكفار. قال القشيري، والحزن على كفر الكافر طاعة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرط في الحزن، فنهى عن ذلك، كما قال الله تعالى: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } تفسير : [فاطر: 8] {أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً } تفسير : [الكهف: 6] وعدى يسارعون بفي دون إلى للدلالة على أنهم مستقرون فيه مديمون لملابسته، ومثله {أية : يسارعون في الخيرات}تفسير : [المؤمنون: 61] وقوله: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } تعليل للنهي، والمعنى: أن كفرهم لا ينقص من ملك الله سبحانه شيئاً، وقيل المراد: لن يضروا أولياءه، ويحتمل أن يراد لن يضروا دينه الذي شرعه لعباده، وشيئاً منصوب على المصدرية: أي: شيئاً من الضرر، وقيل: منصوب بنزع الخافض: أي بشيء. والحظ: النصيب. قال أبو زيد: يقال رجل حظيظ إذا كان ذا حظّ من الرزق، والمعنى أن الله يريد أن لا يجعل لهم نصيباً في الجنة، أو نصيباً من الثواب، وصيغة الاستقبال للدلالة على دوام الإرادة، واستمرارها {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } بسبب مسارعتهم في الكفر، فكان ضرر كفرهم عائداً عليهم جالباً لهم عدم الحظ في الآخرة، ومصيرهم في العذاب العظيم. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإيمَـٰنِ } أي: استبدلوا الكفر بالإيمان، وقد تقدم تحقيق هذه الاستعارة: {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } معناه كالأول، وهو للتأكيد لما تقدمه، وقيل: إن الأول خاص بالمنافقين، والثاني يعم جميع الكفار، والأول أولى. قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ } قرأ ابن عامر، وعاصم، وغيرهما: {يَحْسَبَنَّ } بالياء التحتية، وقرأ حمزة بالفوقية، والمعنى على الأولى: لا يحسبن الكافرون أنما نملي لهم بطول العمر، ورغد العيش، أو بما أصابوا من الظفر يوم أحد {خَيْرٌ لأِنفُسِهِمْ } فليس الأمر كذلك بل {إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين}. وعلى القراءة الثانية: لا تحسبن يا محمد أن الإملاء للذين كفروا بما ذكر خير لأنفسهم، بل هو شرّ واقع عليهم، ونازل بهم، وهو أن الإملاء الذي نمليه لهم؛ ليزدادوا إثماً، فالموصول على القراءة الأولى فاعل الفعل، وأنما نملي، وما بعده ساد مسد مفعولي الحسبان عند سيبويه، أو سادّ مَسَدَّ أحدهما، والآخر محذوف عند الأخفش. وأما على القراءة الثانية، فقال الزجاج: إن الموصول هو: المفعول الأول، وإنما، وما بعدها بدل من الموصول سادّ مسدّ المفعولين، ولا يصح أن يكون إنما، وما بعده هو المفعول الثاني؛ لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو: الأوّل في المعنى. وقال أبو علي الفارسي: لو صح هذا لكان خيراً بالنصب؛ لأنه يصير بدلاً من الذين كفروا، فكأنه قال: لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيراً. وقال الكسائي، والفراء: إنه يقدر تكرير الفعل كأنه قال: ولا تحسبنّ الذين كفروا، ولا تحسبن إنما نملي لهم، فسدت مسدّ المفعولين. وقال في الكشاف: فإن قلت كيف صح مجيء البدل، ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد؟ قلت: صح ذلك من حيث أن التعويل على البدل، والمبدل منه في حكم المنحي، ألا تراك تقول جعلت متاعك بعضه فوق بعض مع امتناع سكوتك على متاعك. انتهى. وقرأ يحيـى بن وثاب: {أَنَّمَا نُمْلِى } بكسر إن فيهما، وهي قراءة ضعيفة باعتبار العربية. وقوله: {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } جملة مستأنفة مبينة لوجه الاملاء للكافرين. وقد احتج الجمهور بهذه الآية على بطلان ما تقوله المعتزلة؛ لأنه سبحانه أخبر بأنه يطيل أعمار الكفار، ويجعل عيشهم رغداً؛ ليزدادوا إثماً. قال أبو حاتم: وسمعت الأخفش يذكر كسر: {أَنَّمَا نُمْلِى } الأولى، وفتح الثانية، ويحتج بذلك لأهل القدر؛ لأنه منهم، ويجعله على هذا التقدير: ولا يحسبنّ الذين كفروا أنما نملي لهم؛ ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم. وقال في الكشاف: إن ازدياد الإثم علة، وما كل علة بعرض ألا تراك تقول: قعدت عن الغزو للعجز، والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشرّ، وليس شيء يعرض لك، وإنما هي علل، وأسباب. قوله: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } كلام مستأنف، والخطاب عند جمهور المفسرين للكفار، والمنافقين، أي: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر، والنفاق {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } وقيل: الخطاب للمؤمنين، والمنافقين، أي: ما كان الله؛ ليترككم على الحال التي أنتم عليه من الاختلاط حتى يميز بعضكم من بعض؛ وقيل: الخطاب للمشركين. والمراد بالمؤمنين من في الأصلاب، والأرحام، أي: ما كان الله ليذر أولادكم على ما أنتم عليه حتى يفرق بينكم، وبينهم، وقيل: الخطاب للمؤمنين، أي: ما كان الله؛ ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط بالمنافقين حتى يميز بينكم، وعلى هذا الوجه، والوجه الثاني يكون في الكلام التفات. وقرىء: {يَمِيزَ } بالتشديد للمخفف، من ماز الشيء يميزه ميزاً إذا فرق بين شيئين، فإن كانت أشياء قيل: ميزه تمييزاً {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ } حتى تميزوا بين الطيب، والخبيث، فإنه المستأثر بعلم الغيب لا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول من رسله يجتبيه، فيطلعه على شيء من غيبه، فيميز بينكم، كما وقع من نبينا صلى الله عليه وسلم من تعيين كثير من المنافقين، فإن ذلك كان بتعليم الله له، لا بكونه يعلم الغيب؛ وقيل المعنى: وما كان الله ليطلعكم على الغيب في من يستحق النبوة، حتى يكون الوحي باختياركم {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى } أي: يختار {مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء }. قوله: {فآمنوا بالله ورسوله} أي: افعلوا الإيمان المطلوب منكم، ودعوا الاشتغال بما ليس من شأنكم من التطلع لعلم الله سبحانه: {وَإِن تُؤْمِنُواْ } بما ذكر {وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ } عوضاً عن ذلك: {أَجْرٌ عَظِيمٌ } لا يعرف قدره، ولا يبلغ كنهه. قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } الموصول في محل رفع على أنه فاعل الفعل على قراءة من قرأ بالياء التحتية، والمفعول الأول محذوف، أي: لا يحسبنّ الباخلون البخل خيراً لهم. قاله الخليل، وسيبويه، والفراء، قالوا: وإنما حذف لدلالة يبخلون عليه، ومن ذلك قول الشاعر:شعر : إذا نُهِى السَفِيه جَرَى إليه وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافِ تفسير : أي: جرى إلى السفه، فالسّفيه دلّ على السَّفه. وأما على قراءة من قرأ بالفوقية، فالفعل مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمفعول الأول محذوف، أي: لا تحسبنّ يا محمد بخل الذين يبخلون خيراً لهم. قال الزجاج: هو: مثل {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] والضمير المذكور هو ضمير الفصل. قال المبرد: والسين في قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ } سين الوعيد، وهذه الجملة مبينة قوله: {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ } قيل: ومعنى التطويق هنا أنه يكون ما بخلوا به من المال طوقاً من نار في أعناقهم. وقيل معناه: أنه سيحملون عقاب ما بخلوا به، فهو من الطاقة، وليس من التطويق، وقيل المعنى: أنهم يلزمون أعمالهم، كما يلزم الطوق العنق، يقال: طوق فلان عمله طوق الحمامة: أي: ألزم جزاء عمله، وقيل: إن ما لم تؤدّ زكاته من المال يمثل له شجاعاً أقرع حتى يطوّق به في عنقه، كما ورد ذلك مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي: والبخل في اللغة أن يمنع الإنسان الحق الواجب، فأما من منع ما لا يجب عليه، فليس ببخيل. قوله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ} أي: له وحده لا لغيره، كما يفيده التقديم. والمعنى: أن له ما فيهما مما يتوارثه أهلها، فما بالهم يبخلون بذلك، ولا ينفقونه، وهو لله سبحانه لا لهم، وإنما كان عندهم عارية مستردة! ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا } تفسير : [مريم: 40] وقوله: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } تفسير : [الحديد: 7] والميراث في الأصل: هو ما يخرج من مالك إلى آخر، ولم يكن مملوكاً لذلك الآخر قبل انتقاله إليه بالميراث، ومعلوم أن الله سبحانه هو المالك بالحقيقة لجميع مخلوقاته. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإيمَـٰنِ } قال: هم المنافقون، وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال: ما من نفس برّة، ولا فاجرة إلا، والموت خير لها من الحياة إن كان براً، فقد قال الله: {أية : وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لّلأبْرَارِ } تفسير : [آل عمران: 198] وإن كان فاجراً، فقد قال: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن أبي الدرداء نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن محمد بن كعب، نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي برزة أيضاً نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال: قالوا إن كان محمد صادقاً، فليخبرنا بمن يؤمن به منا، ومن يكفر، فأنزل الله: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: يميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: يميز بينهم في الجهاد، والهجرة، وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ } قال: ولا يطلع على الغيب إلا رسول. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد: {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى } قال: يختص. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك قال: يستخلص. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } قال: هم أهل الكتاب بخلوا أن يبينوه للناس. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال: هم يهود. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال: بخلوا أن ينفقوها في سبيل الله لم يؤدوا زكاتها. وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من آتاه الله مالاً، فلم يؤد زكاته، مثل له شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمته - يعني بشدقه - فيقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية»تفسير : وقد ورد هذا المعنى في أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة يرفعونها.

الماوردي

تفسير : {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} فيهم قولان: أحدهما: هم المنافقون وهو قول مجاهد وابن إسحاق. والثاني: قوم من العرب ارتدوا عن الإسلام. {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللهَ شَيئاً، يُرِيدُ اللهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرةِ} في إرادته لذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: أن يحكم بذلك. والثاني: معناه أنه سيريد في الآخرة أن يحرمهم ثوابهم لإحباط إيمانهم بكفرهم. والثالث: يريد أن يحبط أعمالهم بما استحقوه من ذنوبهم، وهذا قول ابن إسحاق. {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} الطيب المؤمنون، والخبيث فيه ها هنا قولان: أحدهما المنافق، وهو قول مجاهد. والثاني: الكافر، وهو قول قتادة، والسدي. واختلفوا في الذي وقع به التمييز على قولين: أحدهما: بتكليف الجهاد، وهذا قول من تأوّل الخبيث بالمنافق. والثاني: بالدلائل التي يستدل بها عليهم وهذا قول من تأوله للكافر. {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ} قيل إن سبب نزول هذا أن قوماً من المشركين قالواْ: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا من يؤمن ومن لا يؤمن، فنزلت هذه الآية. قال السدي: ما أطلع الله نبيه على الغيب، ولكنه اجتباه فجعله رسولاً. قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءَآتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرُ لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُم} فيه قولان. أحدهما: أنهم مانعو الزكاة، وهو قول السدي. والثاني: أنهم أهل الكتاب وبخلواْ أن يُبيِّنوا للناس ما في كتبهم من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قول ابن عباس، قال ألم تسمع أنه قال: {يبخلون ويأمرون الناس بالبخل}، أي يكتمون ويأمرون الناس بالكتمان. {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَومَ الْقِيَامَةِ} فيه قولان: أحدهما: أن الذي يطوَّقونه شجاع أقرع، وهذا قول ابن مسعود. والثاني: أنه طوق من النار، وهذا قول إبراهيم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فَى الْكُفْرِ} المنافقون، أو قوم من العرب ارتدوا عن الإسلام. {يُرِيدُ اللَّهُ أَلآَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًا} أي يحكم، أو سيريد في الآخرة أن يحرمهم الثواب لكفرهم، أو يريد إحباط أعمالهم بذنوبهم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات:{ولا يحزنك} من الأفعال حيث كان إلا قوله: {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر} تفسير : [الأنبياء:103] نافع ومثله {أية : ليحزنني} تفسير : [يوسف:13] و {أية : ليحزن الذين آمنوا} تفسير : [المجادلة: 10] وقرأ يزيد على ضده. الباقون: بفتح الياء وضم الراء. ولا خلاف في مثل {أية : يحزنون} تفسير : [البقرة:38] و {أية : لا تحزن} تفسير : [الحجر:88] مما هو لازم {ولا يحسبن} وثلاثة بعدها بالياء التحتانية مع ضم الباء في {تحسبنهم} أبو عمرو وابن كثير، وقرأ حمزة كلها بتاء الخطاب، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب كلها بالتحتانية إلا قوله: {فلا تحسبنهم} فإنها بالتاء وفتح الباء. الباقون: الأولياء على الغيبة والأخريان بالخطاب. / {يميز} بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب عياش مخير. الباقون: خفيف بفتح الياء وكسر الميم. {يعملون خبير} بياء الغيبة: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو {لقد سمع} وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام. {سيكتب} بضم الياء وفتح التاء {وقتلهم} برفع اللام و {ويقول} على الغيبة: حمزة الباقون: بالنون فيهما على التكلم. ونصب اللام في {وقتلهم} {وبالزبر} ابن عامر {وبالكتاب} الحلواني عن هشام. الباقون: بغير إعادة الخافض فيهما {زحزع عن} مدغماً: شجاع وأبو شعيب من طريق العطار وابن مهران {ليبيننه} {ولا يكتمونه} بالياء فيهما لأنهم غيب: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير رويس وأبو بكر وحماد. الباقون: بتاء الخطاب فيهما على حكاية مخاطبتهم. الوقوف: {في الكفر} ج للابتداء بأن ولاحتمال إضمار اللام أو الفاء {شيئاً} ط {في الآخرة} ج لعطف المختلفين مع اتحاج مقصود الكلام {عظيم} ه {شيئاً} ج لما ذكر {في الآخرة} ط {أليم} 5 {لأنفسهم} ط {إثما} ج لما ذكر أياَ {مهين} ه {من الطيب} ط {ورسله} ط {عظيم} ه {خيراً لهم} ط {شراً لهم} ط {القيامة} ط {والأرض} ط {خبير} ه {أغنياء} م لئلا يصير ما بعده من مقولهم، ومن قرأ بضم الياء فوقفه مطلق. {بغير حق} ج لمن قرأ {ويقول} بالياء لأن التقدير: ويقول الله أو يقول الزبانية فلا ينعطف على قوله: {سيكتب} مع اتساق المعنى. {الحريق} ه {للعبيد} ج ه لاحتمال الصفة وأن يكون المراد هم الذين، والوقف أولى لأنه لا يظلم العبيد ملطقاً لا العبيد الموصوفة. نعم لو كان بدلاً من الذين قالوا إن الله فقير صح {تأكله النار} ط {صادقين} ه {المنير} ه {الموت} ط {يوم القيامة} ط لابتداء شرط في أمر معظم. {فقد فاز} ط {الغرور} ه {كثيراً } ط {الأمور} ه {ولا تكتمونه} ز لأن الجملتين وان اتفقتا لم يكن النبذ متصلاً بأخذ الميثاق فلم يضف إلى ظرف "إذ" {قليلاً} ط {يشترون} ه {من العذاب} ج لما ذكر. {أليم} ه {والأ{ض} ط {قدير} ه. التفسير: نزلت في كفار قريش وإنه تعالى جعل رسوله آمناً من شرهم وأتاح العاقبة له وإن جمعوا الجموع وجهزوا الجيوش حتى يظهر هذا الدين على الأديان كلها، وقيل في المنافقين ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوّفون المؤمنين بسبب واقعة أحد، ويؤيسونهم من النصر والظفر، وربما يقولون: إن محمداً لطالب ملك فتارة يكون الأمر له وتارة يكون عليه، ولو كان رسولاً ما غلبه أحد. وقيل: إن قوماً من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش، فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فبيّن الله تعالى أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك. ونصر بعضهم هذا القول بأن المسارعة وهي شدة الرغبة في الكفر إنما تناسب من كفر بعد الإيمان / المستمر على الكفر، وبأن إرادته أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة إنما تليق بمن آمن فاستوجب الحظ ثم أحبط، وبأن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود وذلك هو ما قدر النبي صلى الله عليه وسلم من الانتفاع بإيمانهم أو انتفاعهم بالإيمان فبيّن الله تعالى أنه لا يلحق بسبب فوات ذلك ضرر بالدين، وأن وبال ذلك يعود عليهم كما دل عليه بقية الآية. فإن قيل: الحزن على كفر الكافر وعلى معصية العاصي طاعة، فكيف نهى نبي الله عن ذلك؟ فالجواب أنه نهي عن الإسراف في الحزن بحيث يأتي عليه ونظيره {أية : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} تفسير : [الشعراء:3] أو المراد لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك {إنهم لن يضروا الله} أي دينه {شيئاً} من الضرر. {يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة} فيه دليل على أن إرادة الله تتعلق بالعدم، وتنصيص على أن الخير والشر والنفع والضر بإرادة الله، ومعنى قوله: {ولهم عذاب عظيم} أنه كما لاحظ لهم من منافع الآخرة فلهم حظ عظيم من مضارها. وفي الإخبار عن إرادة عدم الجعل دون الإخبار عن عدم الجعل إشعار بأن استحقاقهم للحرمان بلغ إلى حد أراد أرحم الراحمين أن لا يرحمهم وأن الداعي إلى تعذيبهم خلص خلوصاً لم يبق معه صارف ألبتة. ثم أنزل في اليهود خاصة وهو الأشبه أو في الكفار عامة {إن الذين اشتروا} الآية. والغرض تأكيد تقوية قلب الرسول كأنه قيل: إن أكثرهم ينازعونك في الدين لا لأجل شبهة لهم بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا. ومن كان عقله هذا القدر - وهو أن يبيع بالقليل من الدنيا السعادة الكثيرة في الآخرة - كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر على إلحاق الضرر بالغير. ولو قيل: إن الآية في المرتدين فالمعنى أن اختيار دين بعد دين ثم الارتداد على العقبين يدل على الاضطراب وضعف الرأي، والإنسان المضطرب الحال لا قدرة له على إيصال الضرر إلى الغير. ثم بين أن بقاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد والكفار الذين بقوا بعد شهداء أحد لا خير فيه فقال: {ولا يحسبن} من قرأ بالياء فقوله: {الذين كفروا} فاعل، و"أن" مع ما في حيزه ساد مسد مفعوليه. ومن قرأ بتاء الخطاب فـ {الذين كفروا} مفعول أول و"أن" مع ما في حيزه بدل منه. وصح الإبدال وإن لم يمض إلا أحد المفعولين لأن المبدل في حكم المنحي. ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض. مع امتناع السكوت على متاعك؟ والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملائي خير لهم على أن "ما" مصدرية. ويجوز أن يقدر مضاف محذوف أي لا تحسبنهم أصحاب أن الإملاء خير لهم، أو لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم. قال الأصمعي: يقال أملى عليه الزمان أي طال. وأملى له أي طوّل له وأمهله. قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة، والملوان الليل والنهار. ويقال: أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حيناً وبرهة. و{إثماً} نصب على التمييز. وفي / وصف العذاب أوّلاً بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق، وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى. قالت الأشاعرة ههنا: إن إطالة المدة من فعل الله لا محالة. والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه سبحانه فاعل الخير والشر. وأيضاً إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء، أن يزدادوا إثماً، فإذن الكفر والمعاصي بإرادة الله. وأيضاً أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد الغي والإثم، والإتيان بخلاف خبر الله تعالى محال، فعلمنا أنهم مجبورون على ذلك في صورة مختارين. أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيراً من موت الشهداء إذ الآية من تتمة قصة أحد، لا أنه ليس بخير مطلقاً. وزيف بأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيراً من شيء آخر، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس كل علة بغرض كقولك: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة. ومثله {أية : وجعلو لله أنداداً ليضلوا} تفسير : [إبراهيم: 30] وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال. ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك. ورد بأن حمل اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه تعالى بأنهم مزدادون إثماً على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثماً فكان تعالى فاعلاً للازدياد ومريداً له. قالوا: في الكلام تقديم وتأخير وترتيبه: لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم. ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر "إن" الأولى وفتح الثانية. وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحدي أنكرها. ثم إنه تعالى أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد. شعر : لله در النائبات فإنها صدأ اللئام وصيقل الأحرار تفسير : فقال: {ما كان الله ليذر} اللام لتأكيد النفي والخطاب في {أنتم} للمصدقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق. خوطبوا بأنه ما كان في حكمة الله أن يترك المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض. وماز وميَّز لغتان. مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزاً، وميّزته تمييزاً. وفي الحديث " حديث : من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة " تفسير : ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفرداً إلا أنه للجنس والمراد جميع / المنافقين من المؤمنين، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته، فإن الميز يقع على الأدون والأهون. وبم يحصل هذا الميز؟ قيل: بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخروج مع ما بهم من القروح، فبمثل ذلك يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل. وقيل: بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله. وقيل: بالوحي إلى نبيه ولهذا أردفه بقوله: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي} أي يصطفي ويختار {من رسله من يشاء} وبناء الكلام على ثلاث مراتب: الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر الله تعالى بعلمه لا يليق بكل منكم، وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عيبده. الثانية أن الرسول أيضاً لا يعلم المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه، ولكنه إنما يعلم ذلك من طريق الوحي وإطلاع الله تعالى إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق. الثالثة أن هذا أيضاً مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته. {فآمنوا بالله ورسله} ومن جملة الإيمان بالله أن تعتقدوه وحده علاماً للغيوب، ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيداً مصطفين لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى. ووجه النظم على القول الأول: لا تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم الله على غيبه ويقول إن فلاناً مؤمن وفلاناً منافق، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع العوام على غيبه ولا يكون لهم سبيل إلى معرفة الأمور إلا بالامتحان والقرائن المفيدة للظن الغالب، ولكنه يصطفي من رسله من يشاء، فيعلمهم أن هذا مؤمن وذاك منافق ويختارهم للرسالة ووضع التكاليف الشاقة التي بمثلها يتميز الفريقان ويخلص أهل الوفاء من أهل الجفاء. أو المراد ما كان الله ليطلعكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، ولكنه يخص من يشاء بالرسالة ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل، فآمنوا بالله ورسله كلهم، لأن طريق ثبوت نبوّتهم واحد، فمن أقر بنبوّة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوّة كلهم ثم اتبعه الوعد بالثواب فقال: {وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم} قال السدي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر "تفسير : فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤا فقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله {ما كان الله ليذر المؤمنين}. وقال الكلبي: قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فنزلت. وقال أبو العالية: نزلت حين سأل المؤمنون أن يعطو علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق. / ثم إنه عز من قائل لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد، حرض على بذل المال في سبيل الله فقال: {ولا تحسبن الذين يبخلون} من قرأ بتاء الخطاب قدر مضافاً أي لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعله ضمير النبي أو أحد. ومن جعل الموصول فاعلاً فالمفعول الأول محذوف للدلالة. التقدير: ولا تحسبن هؤلاء بخلهم هو خيراً وهو صيغة الفصل. قال الواحدي: جمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة لترتب الوعيد عليه وسوق الكلام في معرض الذم، ولأن تارك التفضل لو عدّ بخيلاً لم يتخلص الإنسان من البخل إلا بإخراج جميع المال. وفي حكم الزكاة سائر المصارف الواجبة كالإنفاق على النفس وعلى الأقربين الذين يلزمه مؤنتهم، وعلى المضطر، وفي الذب عن المسلمين إذا قصدهم عدوّ وتعين دفعهم بالمال. وروى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته. وأراد بالبخل كتمان العلم الذي آتاهم الله، وعلى هذا يكون عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم. وعلى هذا التفسير فمعنى {سيطوّقون} أن الله تعالى يجعل في رقابهم طوقاً من النار كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار" تفسير : والسر فيه أنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق. وعلى التفسير الأول فإما أن يكون محمولاً على ظاهره وهو أن يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوّقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه ويقول: أنا مالك. عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله إلا جعل طوقاً في عنقه شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه " تفسير : ثم قرأ مصداقه من كتاب الله عز وجل {ولا تحسبن الذين يبخلون} الآية. وعن ابن عمر قال: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيلزمه أي يطوّقه يقول: أن كنزك " تفسير : وأما أن يكون على طريق التمثيل لا على أن ثمة أطواقاً أي سيلزمون إثمه في الآخرة إلزام الطوق. وفي أمثالهم "يقلدها طوق الحمامة" إذا جاء بهنة يسب بها ويذم. وقال مجاهد: معناه سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة. ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ {أية : وعلى الذين يطوّقونه فدية} تفسير : [البقرة:184] قال المفسرون: يكلفونه ولا يطيقونه أي يؤمرون بأداء ما منعوه حتى لا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخاً على معنى هلا فعلتم ذلك حين كان ممكناً؟ {ولله ميراث السموات والأرض} وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره. فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله؟ ونظيره قوله: {أية : وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} تفسير : [الحديد:7] وقال كثير من المفسرين: المقصود أنه يبطل ملك جميع المالكين إلا ملك الله فيصير كالميراث. قال ابن الأنباري: يقال ورث فلان علم فلان إذا تفرد به بعد أن كان مشاركاً له فيه. ومثله {أية : وورث سليمان داود} تفسير : [النمل:16] أي انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه أو غالباً عليه {والله بما تعملون خبير} من قرأ على الغيبة فظاهر، أي يجازيهم على منعهم الحقوق. ومن قرأ على الخطاب فللالتفات وهي أبلغ في الوعيد لأن الغضب كأنه تناهى إلى حد أقبل على الخطاب وشافه بالعتاب. ثم شرع في حكاية شبه الطاعنين في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وذلك أنه لما أمر بالإنفاق في سبيل الله قالوا: لو كان محمد صادقاً في أن الله تعالى يطلب منا المال فهو إذن فقير ونحن أغنياء، لكن الفقر على الله محال فمحمد غير صادق. وأيضاً لو كان نبياً لكان إنما يطلب المال لأجل أن تجيء نار من السماء فتحرقه كما كان في الأزمنة السالفة، فلما لم يفعل ذلك عرفنا أنه ليس بنبي. فهذا بيان النظم وليس في الآية تعيين القائلين إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود لعنهم الله لقولهم في موضع آخر {أية : يد الله مغلولة} تفسير : [المائدة:64] عنوا أنه بخيل. وذلك الجهل يناسب هذا الجهل، ولأن التشبيه غالب عليهم، والقائل بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه تعالى قادراً على كل المقدورات، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني، ولما روي عكرمة ومحمد بن إسحق والسدي ومقاتل حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً. فقال فنحاص عن عازوراء ـ وهو من علمائهم - أتزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا فهو إذن فقير ونحن أغنياء، فغضب أبو بكر ولطمه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك. فقال رسول الله صلى الله لأبي بكر: ما الذي حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله إن عدوّ الله قال هكذا. فجحد ذلك فنحاص فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكرتفسير : . وأيضاً إن موسى لما طلب منهم الجهاد ببذل النفوس قالوا له: إذهب أنت وربك فقاتلا. فلا يبعد أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما طلب منهم الأموال قالوا له: لو كان الإله غنياً فأي حاجة إلى أموالنا. ثم إن القائل لو كان فنحاصاً وحده فإنما / يستقيم قوله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا} لأن أتباع الرجل والمقتدين به حكمهم حكمه. ثم إنه تعالى لم يجبهم عن شبهتهم. أما على قواعد أهل السنة فبأن يقول يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر عبيدة ببذل الأموال مع كونه أغنى الإغنياء. وأما على قوانين المعتزلة فبأن في هذا التكليف فوائد منها: إزالة حب المال عن القلب، ومنها التوسل إلى الثواب المخلد، ومنها تسخير البعض للبعض فبذلك ترتبط أمور التمدن وتنتظم أحوال صلاح المعاش والمعاد وإنما لم يجب لكثرة ورودها في القرآن {أية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} تفسير : [آل عمران:92] {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرة} تفسير : [البقرة:245] {أية : وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} تفسير : [البقرة:272] ولأن وجوب الوجود عبارة عن الغنى المطلق حتى لا يحتاج في ذاته ولا في شيء من صفاته ولا بجهة من جهاته إلى ما سوى ذاته. فمن اعترف بوجوب وجوده ثم شك في كمال غناه في وجوده فقد عاد بالنقض على موضوعه فلا يستحق الجواب عند أولي الألباب، وإنما يستأهل صنوفاً من العتاب وضروباً من العذاب فلهذا قال على جهة الوعيد {سنكتب ما قالوا} في صحائف الحفظة، أو نستحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فلا ينسى. وفي التفسير الكبير: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يبقى على لسان الأمة إلى يوم القيامة. ثم عطف عليه قتلهم الأنبياء ليدل على أنهم كما لو يقدروا الله حق قدره حتى نسبوا إليه ما نسبوه، فكذلك لم يقضوا حقوق الأنبياء ففعلوا بهم ما فعلوا. {ونقول ذوقوا عذاب الحريق} وهو من أسماء جهنم. "فعيل" بمعنى "مفعول" كالأليم بمعنى المؤلم. أو سميت باسم صاحبها أي ذات حرقة. والمعنى: ينتقم منهم فيقول لهم ذوقوا عذاب النار كما أذقتم المسلمين جرع الغصص. وهذا القول يحتمل أن يقال عند الموت، أو عند الحشر، أو عند قراءة الكتب. ويحتمل أن يكون كناية عن الوعيد وإن لم يكن ثمة قول {ذلك} العذاب أو الوعيد {بما قدمت أيديكم} من السب والقتل. وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يباشر باليد، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب وإن كان بعضه باللسان أو بسائر الجوارح والآلات. وإنما جمع لأن المخاطب جمع ولو كان مفرداً. قيل: بما قدمت يداك مثنى كما في سورة الحج. قال الجبائي: قوله: {وأن الله} أي وبأن الله ليس بظلام للعبيد، فيه دلالة على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلماً بتقدير أن لا يقع منهم الذنوب. وفيه بطلان قول المجبرة أن الله يعذب الأطفال بغير جرم ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلاً وإلا لكان الظلم حاصلاً. والجواب أنه لم ينف الظلم عن نفسه بمعنى أن الجزاء إنما كان مرتباً على الذنب الصادر بكسب العبد وفعله فلا ظلم، بل بمعنى / أنه مالك الملك، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء لم يكن ذلك ظلماً، فخلق ذلك الفعل فيهم وترتيب العذاب عليه لا يكون ظلماً. قيل: إنه نفى الظلم الكثير عن نفسه وذلك يوهم ثبوت أصل الظلم له، أجاب القاضي بأن العذاب الذي توعد بأن يفعل بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتاً. وهذا يؤكد ما ذكر أن إيصال العقاب إليهم كان يكون ظلماً عظيماً لو لم يكونوا مذنبين، أقو ل: إنه تعالى نفى حقيقة الظلم عنه في قوله: {أية : وما ظلمناهم} تفسير : [هود:101] {أية : وهم لا يظلمون} تفسير : [البقرة:281] وبحقيقة ما ذكرناه أنه مالك الكل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه نفى ههنا كثرة الشر والظلم أن يصدر عنه كأنه قال: إن خُيِّلَ إليكم أن في الوجود شراً بناء على ما في ظنكم من أن الحكيم قد يصدر عنه الشر القليل بتبعية الخير الكثير، فاعلموا أني منزه عن صدور الشر الكثير مني، وأن هذا من الشر القليل الذي في ضمنه خير كثير. ونقول: أراد نفي الشر القليل وأصل الظلم عنه، ولكن القليل من الظلم بالنسبة إلى رحمته الذاتية كثير، فلهذا عبر عنه بلفظ الكثرة والمبالغة. ثم قرر الشبهة الأخرى لهم فقال: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا} قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وأنزل عليك الكتاب، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك فنزلت. قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان وهو البر الذي يتقرب به إلى الله. وأصله مصدر كالكفران والرجحان. ثم سمي به نفس المتقرب به إلى الله ومنه قوله عليه السلام لكعب بن عجرة: " حديث : يا كعب، الصوم جنة والصلاة قربان" تفسير : أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه. وللعلماء فيما ادعاه اليهود قولان: قال السدي: إن هذا الشرط جاء في التوراة مع الاستثناء. قال: من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمداً. فكانت هذه العادة جارية إلى مبعث المسيح ثم زالت. وقيل: إنه افتراء لأن المعجزات كلها في كونها خارقة للعادة وآية لصحة النبوة سواء، فأي فائدة في تخصيصها؟ ولأنه إما أن يكون في التوراة أن مدعي / النبوة وإن جاء بجميع الآيات لا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه الآية المعينة، وحينئذٍ لا تكون سائر المعجزات دالة على الصدق، وإذا جاز الطعن فيها جاز في هذه. وإما أن يكون فيها أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة أية كانت. وحينئذٍ يكون طلب هذا المعجز المعين عبثاً فلهذا نسبهم الله تعالى إلى الجحود والعناد فقال: {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم} أي بمدلوله ومؤدّاه {فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين} إنما الإيمان يجب عند الإتيان بالقربان. وإنما ذكر مجيء الرسل بالبينات ولم يقتصر على مجيء القربان ليتم الإلزام. وذلك أن القوم يحتمل أن يقولوا إن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط. فلو اكتفى بذكر القربان لم يتم الإلزام، وحيث أضاف إليه البينات ثبت أنهم أتوا بالموجب وبالشرط جميعاً، فكان الإقرار بالنبوة واجباً. ثم سلى رسوله بقوله: {فإن كذبوك} في أصل الشريعة والنبوة أو في قولك إن الأنبياء الأقدمين جاؤهم بالبينات وبالقربان فقتلوهم {فقد كذب رسل من قبلك} وأي رسل والمصيبة إذا عمت طابت {جاؤا بالبينات} وهي الحجج الواضحات والمعجزات الباهرات. والزبر هي الصحف جمع زبور بمعنى مزبور أي مكتوب. وقال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة فيشبه أن يكون من الزبر بمعنى الزجر عن خلاف الحق وبه سمي زبور داود لما فيه من الزواجر والمواعظ والكتاب المنير الموضح أو الواضح المستنير. يعلم من عطف الزبور والكتاب على البينات، أن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم، وأنها لم تكن معجزة لهم والإعجاز من خواص القرآن. وعطف الكتاب المنير على الزبر لأن الكتاب بوصفه بالإثارة أو الاستنارة أشرف من مطلق الزبر فخص بعد العموم لشرفه مثل {أية : وملائكته ورسله وجبريل وميكال} تفسير : [البقرة:98] وقيل: المراد بالزبر الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل والزبور. ثم أكد التسلية بقوله: {كل نفس ذائقة الموت} لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الغموم والأشجان الدنيوية، وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويرى كل منهما جزاء عمله. والمراد لكل نفس ذائقة الموت كل ذات. فالقضية لا يمكن إجراؤها على عمومها لاستثناء الله تعالى منها {أية : تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} تفسير : [المائدة:116] وكذا كل الجمادات لأن لها ذوات. ولقوله: {أية : فصعق من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله} تفسير : [الزمر:68] ولأنه لا موت لأهل الجنة ولأهل النار. فالمراد المكلفون الحاضرون في دار التكليف، والملائكة عند من يجوّز الموت عليهم. روي عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: {أية : كل من عليها فان} تفسير : [الرحمن: /26] قالت الملائكة: مات أهل الأرض. فلما نزل {كل نفس ذائقة الموت} قالت الملائكة: متنا. وفي الآية دليل على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن، لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول الذوق. قالت الحكماء: الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية لأنها لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تقليل الرطوبة الغريزية. وإذا قلت: الرطوبة الغريزية ضعفت الحرارة الغريزية، ولا يزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضرورياً في هذه الحياة. قالوا: والأرواح المجردة لا موت لها، وناقشهم المسلمون فيه {وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} في ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور يعطى قبل ذلك اليوم كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" تفسير : . {فمن زحزح عن النار} الزح التنحية والإبعاد والزحزحة تكريره {فقد فاز} لم يقيد الفوز بشيء لأنه لا فوز وراء هذين الأمرين: الخلاص من العذاب والوصل إلى الثواب. فمن حصل له هذان فقد فاز الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به. قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه "تفسير : فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد. ثم شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، وذلك أن لذاتها تفنى وتبعاتها تبقى. والغرور بالضم مصدر، الغار المدلس هو الشيطان. عن علي بن أبي طالب: لين مسها قاتل سمها. وعن بعضهم: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور. وعن سعيد بن جبير: إنما هذا المن آثرها على الآخرة. فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ. {لتبلون في أموالكم} اللام جواب القسم المقدر، والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو للساكنين ولما كان يجب لما قبلها من الضم. والمراد ما نالهم من الفقر والضر والقتل والجرح، والتكاليف الشاقة البدينة والمالية من الصلاة والزكاة والصوم والجهاد, والذي كانوا يسمعونه من الكفرة كالطعن في الدين الحنيف وأهليه، وإغراء المخالفين وتحريضهم عليهم وإغواء المنافقين وتنفيرهم عنهم {وإن تصبروا} على ما ابتلاكم الله به {وتتقوا} المخالفة أو تصبروا على أداء الواجبات وتتقوا ارتكاب المحظورات {فإن ذلك} الصبر والتقوى {من عزم الأمور} من معزوماتها الذي لا يترخص العاقل في تركه لكونه حميد العاقبة بين الصواب، أو هو من / عزائم الله ومما ألزمكم الأخذ به. قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية القتال. وقال القفال: الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية السيف. والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم من كثير من الأحوال. والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه. عن كعب بن مالك حديث : أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط - المسلمون والمشركون واليهود - فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستصلحهم كلهم. فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك فنزلت الآيةتفسير : . روي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله. فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا. فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف. فنزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا. ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك. فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون. فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا. ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي؟ قال: كذا وكذا. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلمتفسير : ، وأنزل الله هذه الآية. ثم إنه تعالى عجب من حال اليهود أنه كيف يليق بحالهم إيراد الطعن في نبوته مع أن كتبهم ناطقة به- وأيضاً من جملة إيذائهم الرسول أنهم كانوا يكتمون من نعته وصفته فلهذا قال: {وإذا أخذ الله} بإضمار "اذكر" والضمير في {لتبيننه} قيل لمحمد لأنه معلوم وإن كان غير مذكور أي لتبينن حاله وهذا قول سعيد بن جبير والسدي. وقال الحسن وقتادة: يعود إلى الكتاب كأنه أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه. وقيل له الله لتفعلن {ولا يكتمونه} قيل: الواو للحال أي غير كاتمين. ويحتمل أن تكون للعطف وإن لم يكن مؤكداً بالنون. والأمر بالبيان يتضمن النهي عن الكتمان، لكنه صرح به للتأكيد {فنبذوه / وراء ظهورهم} جعلوه كالشيء المطروح المتروك. وعن علي رضي الله عنه: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. وقال قتادة: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب. وطوبى لعالم ناطق ولمستمع واع، هذا علم علماً فبذله، وهذا سمع خيراً فوعاه. ومعنى قوله: {واشتروا به ثمناً قليلاً} أنهم كتموا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان حظ يسير من الدنيا {فبئس ما يشترون} هو ويدخل في الوعيد كل من كتم شيئاً من أمر الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارّهم واستجذاب لمبارّهم، أو لتقية من غير ضرورة، أو لبخل بالعلم وغيره أن ينسب إلى غيره. ثم ذكر نوعاً آخر من إيذاء اليهود وأوعدهم عليه وسلى رسوله بذلك فقال: {لا تحسبن الذين يفرحون} من قرأ بتاء الخطاب وفتح الباب فالخطاب للرسول أو لكل أحد، وأحد المفعولين {الذين يفرحون} والثاني {بمفازة}. وقوله: {فلاتحسبنهم} إعادة للعامل لطول الكلام وإفادة التأكيد. ومن ضم الباء في الثاني مع تاء فالخطاب للمؤمنين، ومن ضمها مع ياء الغيبة فالضمير للذين يفرحون، والمفعول الأول محذوف أي لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، والثاني للتأكيد. ومعنى {بما أتوا} بما فعلوا. وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل. قال تعالى: {أية : إنه كان وعده مأتياً} تفسير : [مريم: 61] {أية : لقد جئت شيئاً فرياً} تفسير : [مريم: 27]. ومعنى بمفازة من العذاب بمنجاة منه أي بمكان الفوز. وقال الفراء: أي ببعد منه لأن الفوز التباعد عن المكروه. في الصحيحين حديث : أن مروان قال لرافع أبوابه: اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهوداً فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} الآيتينتفسير : . وقال الضحاك: حديث : كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتاب من اليهود في الأرض كلها أن محمداً ليس نبي الله فأثبتوا على دينكم واجمعوا كلمتكم على ذلك. فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا ونحن أهل الصوم والصلاة، نحن أولياء الله. فذلك قول الله {يفرحون بما أتوا} بما فعلوا {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} / فأنزل الله هذه الآيةتفسير : . يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة. وعن أبي سعيد الخدري حديث : أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا عنده وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل الله هذه الآيةتفسير : . وهذه الوجوه كلها مشتركة في الإتيان بما لا ينبغي ومحبة / الحمد عليه ووصفه بسداد السيرة وحسن السريرة. ونحن إذا أنصفنا من انفسنا وجدنا أكثر مجاري أمورنا على هذه الحالة، فنسأله العصمة والهداية. ثم ختم الكلام بقوله: {ولله ملك السموات والأرض} ولغرض أنه كيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب؟ التأويل: {هو خيراً لهم بل هو شر لهم} كل واحد من صفتي البخل والسخاء بمنزلة الإكسير حتى يجعل الخير شراً وبالعكس. {سيطوّقون} شبه بالطوق لأنه يحيط بالقلب ومنه ينشأ معظم الصفات الذميمة كالحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب والبخل "حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة ". تفسير : {ولله ميراث السموات والأرض} الإنسان ورث الدنيا والآخرة أولئك هم الوارثون. والوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال. فالإشارة فيه أن من غلب عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد وراثته فميراثه لله {إن الله فقير ونحن أغنياء} فيه أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، فيعكس القضايا فيصف الرب بصفات العبد والعبد بصفات الرب وذلك لغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى والشيطان، فيقول تارة: أنا ربكم الأعلى، وتارة إن الله فقير ونحن أغنياء. {بقربان تأكله النار} قالت يهود صفات النفس البهيمية والسبعية والشياطنية لا ننقاد لرسول أي لخاطر رحماني أو إلهام رباني حتى يأتينا بقربان هو الدنيا وما فيها يجعلها نسيكة لله عز وجل، تأكله نار الله الموقدة التي تقدح من زناد محبتهم،فإن كثيراً من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قرباناً لله فلا تأكله نار الله، قل يا وارد الحق {قد جاءكم رسل من قبلي} أي واردات الحق بالبينات بالحجج الباهرة {وبالذي قلتم} أي بجعل الدنيا قرباناً {فلم قتلتموهم} غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم يبق أثر الواردات. {كل نفس ذائقة الموت} كلهم مستعدون للفناء في الله، ولا بد لها من موت. فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه في الله يكون بقاؤه بالله. {لتبلون} بالجهاد الأكبر {ولتسمعن} من أهل العلم الظاهر ومن أهل الرياء {أذى كثيراً} بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض {وإن تصبروا} على جهاد النفس {وتتقوا} بالله عما سواه {فإن ذلك من عزم الأمور} أي من أمور أولي العزم {أية : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} تفسير : [الأحقاف: 35] والله أعلم.

السيوطي

تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏}‏ قال‏:‏ هم المنافقون‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ‏ {‏ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏} ‏ قال‏:‏ هم الكفار‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏إن الذين اشتروا الكفر بالإِيمان‏} ‏ قال‏:‏ هم المنافقون‏.‏ والله أعلم‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} [الآية: 176]. قال الواسطى: الحزن فى الأحوال كلها، وفى الحقيقة تعريف لهم وتنبيه، وهذه الآية من حياد الحقائق التى جرت أنهم لن يضروا الله شيئًا. قال: لأنهم جحدوا ما يليق بطبائعهم. قوله تعالى: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} [الآية: 176]. لأنه الذى تولاهم وفى البلية ألقاهم. قوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ}. شغلهم فيما فيه هلاكهم من تكبير أنفسهم وطلب معاشهم، وقد سبق القضاء فيهما ولا تغيير ولا تبديل.

القشيري

تفسير : زاد في قوة قلبه بما جدَّدَ من تأكيد العهد، بأنه لا يشْمِتُ به عدوًّا، ولا يُوَصِّل إليه من قِبَلِهم سوءاً.

البقلي

تفسير : {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} امتحن النبى صلى الله عليه وسلم بعزائم الامر فى التوكل والرضا حين احزنه بحث الكفار وتخويفهم اياه ثم امره بفتح عين سره فى جلال قدمه الذى سبب ذهاب جميع الاحزان من غيره من قلبه فان من استحكم فى معرفته فلا يجرى احاكم التلوين على قلبه قال الواسطى الحزن فى الاحوال كلها كلها وفى الحقيقة تعريف لهم وتنبيه وهذه الاية من خيار الحقائق التى جرت انهم لن يضروا الله شيئا لانهم حجدوا ما يليق بطبائعهم قوله تعالى {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} اخبر عن كمال اهتمام النبى صلى الله عليه وسلم وشفقته على شريعة الله ونظام دينه حيث اخبر بقوله ولا يحزنك الذين يسارعون لان حزن من اجله فلا تحزن فان ساحة الكبرياء مقدسة عن هجوم ضلال الضلال وفيه ايضا اشارة الاتحاد بقوله لن يضروا الله شييئا اي كيدهم بك لايضرك ابهر عنه اقام نفسه حيث تخلق الحبيب بالحبيب وتوحد الحبيب بالحبيب وقيل فى قوله انهم لن يضروا الله شيئا لانه الذى تولاهم وفى البلية القاهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر} اى يقعون فيه سريعا لغاية حرصهم عليه وشدة رغبتهم فيه وهم المنافقون المتخلفون الذين يسارعون الى ما ابطنوه من الكفر مظاهرة للكفار وسعيا فى اطفاء نور الله {انهم لن يضروا الله شيأ} اى لن يضروا بذلك اولياء الله ودينه البتة شيئاً من الضرر {يريد الله ان لا يجعل لهم حظا فى الآخرة} اى يريد الله بذلك ان لا يجعل لهم في الآخرة نصيبا ما من الثواب ولذلك تركهم فى طغيانهم يعمهون الى ان يهلكوا على الكفر. وفى ذكر الارادة اشعار بان كفرهم بلغ النهاية حتى اراد ارحم الراحمين ان لا يكون لهم حظ من رحمته وان مسارعتهم الى الكفر لانه تعالى لم يرد لهم ان يكون لهم حظ فى الآخرة {ولهم} مع ذلك الحرمان الكلى بدل الثواب {عذاب عظيم} لا يقادر قدره.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: حَزَنَ يحزُن كبلغ يبلُغ، وأحزن يُحْزِن، كأَكْرم يكرم، لغتان، والأولى أفصح. يقول الحقّ جلّ جلاله: ولا يهولك شأن {الذين يسارعون في الكفر} أي: يبادرون إلى الوقوع فيه، كالمنافقين او الكفار جميعاً، فلا تخف ضررهم؛ {إنهم لن يضروا الله شيئاً} أي: لن يضروا أولياء الله، وإنما يرجع ضررهم إلى انفسهم. {يريد الله} - بسبب ما أظهر فيهم من المسارعة إلى الكفر - {ألاَّ يجعل لهم حظّاً في} ثواب {الآخرة}؛ لِمَا سبق لهم من الشقاء، حتى يموتوا على الكفر. وفي ذكر الإرادة إشعار بأن كفرهم بلغ الغاية، حتى أراد أرحم الراحمين ألاَّ يكون لهم حظ من رحمته. {ولهم} مع ذلك {عذاب عظيم}. ثم كرّر شأنهم تأكيد فقال: {إن الذين اشتروا الكر بالإيمان} أي: استبدلوا الإيمان الذي ينجيهم من العذاب، لو دخلوا فيه، بالكفر الذي يُوجب العذاب، {لن يضروا الله ولهم عذاب أليم} موجع، أو يكون في الكفار أصالة، وهذا في المرتدين، والله تعالى أعلم. الإشارة: إنكار العوام على الخصوص لا يضرهم، ولا يغض من مرتبتهم، بل يزيدهم رفعةً وعلواً وعزّاً وقرباً، قال تعالى:{أية : لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}تفسير : [النُّور: 11]، وسَمِعتُ شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: "كلامُ الناس في الولي كناموسة نفخت على جبل". أي: لا يلحقهم من ذلك إلا ما يلحق الجبل من نفخ الناموسة، يريد الله ألا يجعل لهم من نصيب القرب شيئاً، ولهم عذاب البعد والنصب، في غم الحجاب وسوء الحساب، لا سيما من تمكن من معرفتهم، ثم استبدل صحبتهم بصحبة العوام، فلا تسأل عن حرمانه التام، والعياذ بالله.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ نافع في جميع القرآن {يحزنك} - بضم الياء - إلا قوله: {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر}. تفسير : الباقون بفتح الياء في جميع القرآن. وقرأ أبو جعفر عكس ما قرأ نافع. فانه فتح في جميع القرآن إلا قوله {لا يحزنهم} فانه ضم الياء وحكى البلخي عن ابن أبي محيص الضم في الجميع. اللغة: قال سيبويه: تقول: فتن الرجل، وفتنته. وحزن، وحزنته. وزعم الخليل أنك حيث قلت فتنته، وحزنته، لم ترد أن تقول: جعلته حزيناً وجعلته فاتناً. كما انك حين قلت: أدخلته جعلته داخلا، ولكن أردت أن تقول: جعلت فيه حزناً، وفتنة. فقلت فتنته كما قلت كحلته أي جعلت فيه كحلا. ودهنته جعلت فيه دهناً. فجئت بفعلته - على حده - ولم ترد بفعلته ها هنا نفس قولك حزن وفتن ولو أردت ذلك لقلت أحزنته وأفتنته. وفتن من فتنته مثل حزن من حزنته قال: وقال بعض العرب: أفتنت الرجل وأحزنته إذا جعلته حزيناً، وفاتناً، فغيره إلى أفعل - هذا حكاه أبو علي الفارسي حجة لنافع - وقال قوله: {لا يحزنهم} إنما ضم على خلاف أصله لعله اتبع أثراً أو أحب الأخذ بالوجهين: المعنى: والمعني بقوله: {الذين يسارعون في الكفر} - على قول مجاهد - وابن اسحاق - المنافقون. وفي قول أبي علي الجبائي: قوم من العرب ارتدوا عن الاسلام. فان قيل: كيف قال: {يريد الله أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة} والارادة لا تتعلق بألا يكون الشيء وإنما تتعلق بما يصح حدوثه؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - قال ابن اسحاق: {يريد الله} أن يحبط أعمالهم بما استحقوه من المعاصي والكبائر. والثاني - ان الله يريد أن يحكم بحرمان ثوابهم الذى عرضوا له بتكليفهم، وهو الذي يليق بمذهبنا، لأن الاحباط عندنا ليس بصحيح فان قيل كيف قال: {يريد الله} وهذا إخبار عن كونه مريداً في حال الاخبار، وإرادة الله تعالى لعقابهم تكون يوم القيامة، وتقديمها على وجه يكون عزماً وتوطيناً للنفس لا يجوز عليه تعالى؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - قال أبو علي: معناه أنه سيريد في الآخرة حرمانهم الثواب، لكفرهم الذي ارتكبوه. والثاني - أن الارادة متعلقة بالحكم بذلك، وذلك حاصل في حال الخطاب. وقال الحسن: يريد بذلك فيما حكم من عدله. وقوله: {يسارعون في الكفر} أي يبادرون إليه. والسرعة وإن كانت محمودة في كثير من المواضع، فانها مذمومة في الكفر. والعجلة مذمومة على كل حال إلا في المبادرة إلى الطاعات. وقيل: إن العجلة هي تقديم الشيء قبل وقته، وهي مذمومة على كل حال، والسرعة فعل لم يتأخر فيه شيء عن وقته، ولا يقدم قبله، ثم بين تعالى أنهم لمسارعتهم إلى الكفر لا يضرون الله شيئا، لأن الضرر يستحيل عليه تعالى. وانما يضرون أنفسهم بأن يفوتوا نفوسهم الثواب، ويستحقوا العظيم من العقاب، ففي الآية تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) عما يناله من الغم باسراع قوم إلى الكفر بأن وبال ذلك عائد عليهم، ولا يضرون الله شيئاً.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} فى الذّهاب الى الكفر لخوفك ان يضرّوك او يضرّوا المؤمنين بتقوية الكافرين او مقاتلة المؤمنين والمراد بهم المنافقون المتخلّفون عن الجهاد {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ} فى مقام التّعليل والمعنى لن يضرّوا اولياء الله ومظاهره فى الارض {شَيْئاً} من الضّرر على ان يكون شيئاً قائماً مقام المصدر ويجوز ان يكون بدلاً من الله نحو بدل الاشتمال بتقدير لن يضرّوا الله شيئاً منه، ويجوز ان يكون منصوباً بنزع الخافض اى بشيءٍ من الله {يُرِيدُ ٱللَّهُ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او حال {أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ} وفيه تسلية للرّسول (ص) ودلالة على انّ تسرّعهم الى الكفر انّما هو بارادة الله وان لم يكن برضاه {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فى الدّنيا والآخرة فانّ التعبير بالجملة الاسميّة الدّالّة على الاستمرار الثّبوتىّ يدلّ على كونه ثابتاً لهم من حين التّكلّم.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ}: بقولهم أنت ساحر أو مجنون، أو نحو ذلك، وبقتالك، وأنواع الأذى ككفار قريش، وبالخذلان والطعن فيك، والتثبط عن نصرك، وتغيير صفاتك وكتمانها، كاليهود، وبإسرار الشرك، وإظهار التوحيد، والطعن إذا خلا مع من هو مثله أو مع ضعيف، كما فسر مجاهد والحسن الآية بهذا إسرار، وبالردة مثل الذين ارتدوا ولحقوا بقريش وبجمع الجموع لقتالك ومعونتهم. {ويحزن} مضارع أحزن، مكسور الزاى، موافق حزن بفتح الثلاثى المتعدى، أو معدى حزن الثلاثى اللازم، وهكذا قرأ نافع فى القرآن إلا قوله تعالى {لا يحزنهم} فإنه بفتح الياء وبضم الزاى من حزن المتعدى المفتوح الزاى، وهو لغة. وقيل: حزن لازم إذا كسرت زاؤه، ويتعدى بفتحها، وقرأ غير نافع: {يحزنك} بفتح الياء وضم الزاء فى جميع القرآن، أو اختير لفظ المفاعلة فى يسارعون، لأن ما تفعله، لأن تسبق فيه غيرك تجتهد فيه أكثر مما تفعله بدون ذلك، فيسارعون للمفاعلة، أو لموافقة أسرع، لماء بلفظها لذلك. وقرئ: يُسْرعُون بسكون السين مضارع أسرع، ولا مفاعلة فيه وعدى يسارع بفى لا بإلى، لتضمينه هنا معنى الوقوع، أى: لا يحزنك الكفار بوقوع كفرهم سريعاً، وبحرصهم على الكفر، ويجوز تقدير الإضافة، أى: لا يحزنك خوف ضر الكفار إياك، فإنهم لا يقدرون لك على مضرة، كما قال. {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً}: فيقدر مضاف، أى: لن يضروا أولياء الله ضرا ما، فشيئاً: مفعول مطلق، ولن يضروا الله بشىء، فهو منصوب على حذف الباء، روى أى قوماً من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش، فوقع الغم فى قلبه صلى الله عليه وسلم، فإن اهتداءهم تكثير المؤمنين بهم، ولأنه يتوقع أن يعنيوا المشركين فنزل {ولا يحزنك} الآية تنبيهاً له على أن الإسلام قائم بدونهم، وأنهم ما ضروا بمسارعتهم فى الكفر إلا أنفسهم بحرمان ثواب الآخرة، وإيجاب عقابها، وعقاب الدنيا، كما قال فى حرمان الثواب وإيجاب عذاب الآخرة: {يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الآخِرَةِ}: نصيباً فى رحمة الله وجنته يوم القيامة. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}: عذاب جهنم، ويجوز تفسيره بعذاب يصيبهم فى الدنيا كالقتل، والسبى، فتشمل الآية حرمان ثواب الآخرة، وإيجاب عذاب الدنيا باللفظ، وعذاب الآخرة بالفهم، لأن من حرم ثواب الآخرة وقع فى عذابها، وذلك دليل على أنهم لا يتوبون، وذكر الإرادة تنبيهاً على أن كفرهم غاية، حتى إن واسع الرحمة غاية لا يزيد لهم نصيباً فى الجنة وأن مسارعتهم فى الكفر لأنه أراد خذلانهم حتى لا يكون لهم نصيب فيها، وفى الآية رد على القدرية، ومنهم المعتزلة، إذ قالوا إن الله لا يريد الكفر من الكافر، بل أراد الطاعة منه.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الكُفْرِ} إلى الكفر، أو ضمن يسارعون معنى يقعون، فعدى بفى إشارة إلى الرسوخ، مثل يسارعون فى الخيرات وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على تعنتهم فى الكفر وتعرضهم له بالأذى، والمراد يسارعون فى زيادة الكفر، وزيادته كفر، كلما عنّ لهم أمر كفر دخلوه، أو هم المنافقون كلما خلوا أظهروا ما أبطنوا من الشرك، أو كلما تخيل غلبة المشركين على المؤمنين أظهروا الشرك معاونة للمشركين، أو يسارعون من الإيمان إلى الشرك على أنهم قوم أسلموا، ثم ارتدوا سريعاً خوفاً من قريش،أو المنافقون وطائفة من اليهود، كما ذكروا معاً فى قوله تعالى: {أية : يا أيها الرسول لا يحزنك} تفسير : [المائدة: 41] الخ، والمراد، والله أعلم، لا تحزن على ما فاتك من نصرهم لك على المشركين ولا على واقع من إعانتهم لهم، كما قال {إنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا} بمسارعتهم للكفر {اللهَ} أولياءه {شَيْئاً} أى ضرَّا أو بشىء ما، ولا يبطلون دينه عز وجل، وإنما ضروا أنفسهم بذل الدنيا وعذاب الآخرة وفوت نعيمها {يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظَّا} نصيباً {فِى الآخِرَةِ} من نعيمها،مع أنه أرحم الراحمين، لمزيد كفرهم ومسارعتهم إليه وإصرارهم، بل كفرهم ومسارعتهم إليه خذلان لهم، إذ لم يرد الله لهم حظا فى الآخرة، ولا أثر لشىء إلا بالله، ولا يكون فى الوجود شىء إلا بإرادة الله تعالى ومشيئته من كفر وإيمان وغيرها، وإرادته ومشيئته لا تتبدلان، بخلاف حبه وبغضه إذا كانا بمعنى أمره بالشىء ونهيه عن الشىء، فإنه يحب الشىء، أى يأمر به ولا يفعله عاص، وببغض الشىء أى ينهى ويفعله عاص، وأما حبه بمعنى إثابته أو مدحه، وبغضه بمعنى عقابه أو ذمة فلا يتخلفان، وبطل بالآية قول المعتزلة إن الله أراد الإيمان والطاعة للعاصى وإنما يريدهما لفاعلهما، والآية فى قوم أشقياء {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} على تلك المسارعة الحقيرة فى النار.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ } خطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم وتوجيهه إليه تشريفاً له بالتسلية مع الإيذان بأنه الرئيس المعتنى بشؤونه. والمراد من الموصول إما المنافقون المتخلفون ـ وإليه ذهب مجاهد وابن إسحق ـ وإما قوم من العرب ارتدوا عن الإسلام لمقاربة عبدة الأوثان ـ وإليه ذهب أبو علي الجبائي ـ وإما سائر الكفار ـ وإليه ذهب الحسن ـ وإما المنافقون وطائفة من اليهود حسبما عين في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ } تفسير : [المائدة: 41] ـ وإليه ذهب بعضهم ـ ومعنى: {يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ } يقعون فيه سريعاً لغاية حرصهم عليه وشدة رغبتهم فيه، ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بفي دون إلى الشائع تعديتها بها كما في {أية : سَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } تفسير : [آل عمران: 133] وغيره، وأوثر ذلك قيل: للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله سبحانه: {أية : يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } تفسير : [الأنبياء: 90] في حق المؤمنين، وأما إيثار كلمة إلى في آيتها فلأن المغفرة والجنة منتهى المسارعة وغايتها والموصول فاعل {يَحْزُنكَ } وليست الصلة علة لعدم الحزن كما هو المعهود في مثله لأن الحزن من الوقوع في الكفر هو الأمر اللائق لأنه قبيح عند الله تعالى يجب أن يحزن من مشاهدته فلا يصح النهي عن الحزن من ذلك، بل العلة هنا / ما يترتب على تلك المسارعة من مراغمة المؤمنين وإيصال المضرة إليهم إلا أنه عبر بذلك مبالغة في النهي. والمراد لا يحزنك خوف أن يضروك ويعينوا عليك، ويدل على ذلك إيلاء قوله تعالى: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } رداً وإنكاراً لظن الخوف، والكلام على حذف مضاف، والمراد أولياء الله مثلاً للقرينة العقلية عليه، وفي حذف ذلك وتعليق نفي الضرر به تعالى تشريف للمؤمنين وإيذان بأن مضارتهم بمنزلة مضارته سبحانه وتعالى، وفي ذلك مزيد مبالغة في التسلية، و {شَيْئاً } في موضع المصدر أي لن يضروه ضرراً ما، وقيل: مفعول بواسطة حرف الجر أي لن يضروه بشيء ما أصلاً، وتأويل يضروا بما يتعدى بنفسه إلى مفعولين مما لا داعي إليه، ولعل المقام يدعو إلى خلافه، وقرأ نافع ـ يحزن ـ بضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن إلا قوله تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء: 103] فإنه فتحها وضم الزاي، وقرأ الباقون كما قرأ نافع في المستثنى. وقرأ أبو جعفر عكس ما قرأ نافع، والماضي على قراءة الفتح من حزن، وعلى قراءة الضم من أحزن، ومعناهما واحد إلا أن حزن لغة قليلة، وقيل: حزنته بمعنى أحدثت له حزناً، وأحزنته بمعنى عرضته للحزن، وقال الخليل: حزنته بمعنى جعلت فيه حزناً كدهنته بمعنى جعلت فيه دهناً، وأحزنته بمعنى جعلته حزيناً. وقرىء يسرعون بغير ألف من أسرع ويسارعون بالإمالة والتفخيم. {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى ٱلأَخِرَةِ } استئناف لبيان الموجب لمسارعتهم كأنه قيل: لِمَ يسارعون في الكفر مع أنهم لا ينتفعون به؟ فأجيب بأنه تعالى يريد أن لا يجعل لهم نصيباً مّا من الثواب في الآخرة فهو يريد ذلك منهم فكيف لا يسارعون، وفيه دليل على أن الكفر بإرادة الله تعالى وإن عاقب فاعله وذمه لأن ذلك لسوء استعداده المقتضي إفاضة ذلك عليه، وذكر بعض المحققين أن في ذكر الإرادة إيذاناً بكمال خلوص الداعي إلى حرمانهم وتعذبيهم حيث تعلقت بهما إرادة أرحم الراحمين، وزعم بعضهم أنه مبني على مذهب الاعتزال وليس كذلك كما لا يخفى لأنه لم يقل لم يرد كفرهم ولا رمز إليه، وصيغة المضارع للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها، ويرجع إلى دوام واستمرار منشأ هذا المراد وهو الكفر ففيه إشارة إلى بقائهم على الكفر حتى يهلكوا فيه. {وَلَهُمْ } مع هذا الحرمان من الثواب بالكلية {عَذَابٌ عظِيمٌ } لا يقدر قدره، نقل عن بعضهم أنه لما دلت المسارعة في الشيء على عظم شأنه وجلالة قدره عند المسارع وصف عذابه بالعظم رعاية للمناسبة وتنبيهاً على حقارة ما سارعوا فيه وخساسته في نفسه، وقيل: إنه لما دل قوله تعالى: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } على عظم قدر من قصدوا إضراره وصف العذاب بالعظم إيذاناً بأن قصد إضرار العظيم أمر عظيم يترتب عليه العذاب العظيم، والجملة إما حال من الضمير في لهم أي يريد الله تعالى حرمانهم من الثواب معداً لهم عذاب عظيم، وإما مبتدأة مبينة لحظهم من العذاب إثر بيان أن لا شيء لهم من الثواب. وزعم بعضهم أن هاتين الجملتين في موضع التعليل للنهي السابق، وأن المعنى ولا يحزنك أنهم يسارعون في إعلاء الكفر وهدم الإسلام لا خوفاً على الإسلام ولا ترحماً عليهم أما الأول: فلأنهم لن يضروا الله شيئاً فلا يقدرون على هدم دينه الذي يريد إعلاءه، وحينئذ لا حاجة إلى إرادة أولياء الله، وأما الثاني: فلأنه يريد الله أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة ولهم عذاب عظيم. واستأنس له بأنه كثيراً ما وقع نهي النبـي صلى الله عليه وسلم عن إيقاعه نفسه الكريمة في المشقة لهدايتهم / وعن كونه ضيق الصدر لكفرهم وخوطب بأنه ـ ما عليك إلا البلاغ ـ ولست عليهم بمسيطر ولا يخلو عن بعد.

ابن عاشور

تفسير : نهي للرسول عن أن يحزن من فعل قوم يحرصون على الكفر أي على أعماله ومعنى {يسارعون في الكفر} يتوغّلون فيه ويَعجَلون إلى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص، ويحرصون على إلقائه في نفوس الناس، فعبّر عن هذا المعنى بقوله: {يسارعون}، فقيل: ذلك من التضمين ضمّن يسارعون معنى يقعون، فعدّي بفي، وهي طريقة «الكشاف» وشروحه، وعندي أنّ هذا استعارة تمثيلية: شبّه حال حرصهم وجدّهم في تفكير الناس وإدخال الشكّ على المؤمنين وتربّصهم الدوائر وانتهازهم الفرص بحال الطالب المسارع الى تحصيل شيء يخشى أن يَفوته وهو متوغّل فيه متلبس به، فلذلك عدّي بفي الدالة على سرعتهم سرعة طالب التمكين، لا طالب الحصول، إذ هو حاصل عندهم ولو عدّي بإلى لفهم منه أنّهم لم يكفروا عند المسارعة.l قيل: هؤلاء هم المنافقون، وقيل: قوم أسلموا ثم خافوا من المشركين فارتدّوا. وجملة {إنهم لن يضروا الله شيئاً} تعليل للنهي عن أن يحزنه تسارعهم الى الكفر بعلّة يوقن بها الرسول ــــــ عليه الصلاة والسلام ــــــ. وموقع إنّ في مثل هذا المقام إفادة التعليل، وإنّ تُغني غناء فاء التسبّب، كما تقدّم غير مرّة. ونفي {لن يضروا الله} مراد به نفي أن يعطّلوا ما أراده إذ قد كان الله وعد الرسول إظهار دينه على الدّين كلّه، وكان سعي المنافقين في تعطيل ذلك، نهي الله رسوله أن يحزن لما يبدو له من اشتداد المنافقين في معاكسة الدعوة، وبيّن له أنّهم لن يستطيعوا إبطال مراد الله، تذكيراً له بأنه وعده بأنّه متمّ نوره. ووجه الحاجة الى هذا النهي: هو أنّ نفس الرسول، وإن بلغت مرتقى الكمال، لا تعدو أن تعتريها في بعض أوقات الشدّة أحوال النفوس البشرية: من تأثير مظاهر الأسباب، وتوقّع حصول المسبّبات العادية عندها، كما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وهو في العريش، وإذا انتفى إضرارهم الله انتفى إضرارهم المؤمنين فيما وعدهم الله. وقرأ الجمهور: يَحْزُنك ــــــ بفتح الياء وضمّ الزاي ــــــ من حَزَنَه إذا أدخل عليه الحزن، وقرأه نَافع ــــــ بضم الياء وكسر الزاي ــــــ من أحزنه. وجملة {يريد الله} استئناف لبيان جزائهم على كفرهم في الآخرة، بعد أن بيّن السلامة من كيدهم في الدنيا والمعنى: أنّ الله خذلهم وسلبهم التوفيق فكانوا مسارعين في الكفر لأنّه أراد أن لا يكون لهم حظّ في الآخرة. والحظّ: النصيب من شيء نافع.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الحزن: غمّ يصيب النفس لرؤية أو سماع ما يسوءه ويكرهه. الكفر: الكفر تكذيب الله تعالى ورسوله فيما جاء به الرسول وأخبر به. يسارعون: يبادرون. حظا: نصيباً. اشتروا الكفر: اعتاضوا الكفر عن الإيمان. نملي لهم: الإِملاء: الإِمهال والإرخاء بعدم البطش بهم وترك الضرب على أيديهم بكفرهم. إثْماً: الإِثم: كل ضار قبيحِ ورأسه: الكفر والشرك. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة أحد ففي هذه الآيات الثلاث - وقد كشفت الأحداث عن أمور خطيرة حيث ظهر النفاق مكشوفا لا ستار عليه، وحصل من ذلك ألم شديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين -يخاطب الله تعالى رسوله قائلا له: لا يحزنك مسارعة هؤلاء المنافقين في الكفر، وقال في الكفر ولم يقل إلى الكفر إشارة إلى أنهم ما خرجوا منه لأن إسلامهم كان نفاقا فقط، {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً}، والله يريد أن لا يجعل لهم نصيباً من نعيم الآخرة فلذا تركهم في كفرهم كلما خرجوا منه عادوا إليه، وحكم عليهم بالعذاب العظيم فقال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} هذا ما تضمنته الآية الأولى [176]. أما الآية الثانية [177] فقد تضمنت حكم الله تعالى على الذين يرتدون بعد إيمانهم فيبيعون الإِيمان بالكفر، ويشترون الضلالة بالهدى حكم عليهم بأنهم لن يضروا الله شيئا من الضرر، ولهم عذاب أليم فقال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} والعذاب الأليم هو عذاب النار إذ لا آلم ولا أشد إيجاعاً منه. وأما الآية الثانية [178] فقد تضمنت بطلان حسبان الكافرين أن الله تعالى عندما يمهلهم ويَمُدّ في أعمارهم ولم يعاجلهم بالعذاب أن ذلك خيرٌ لهم، لا، بل هو شر لهم، إذ كلما تأخروا يوما اكتسبوا فيه إثماً فبقدر ما تطول حياتهم يعظم ذنبهم وتكثر آثامهم، وحينئذ يوبقون ويهلكون هلاكاً لا نظير له قال تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي ذو إهانة، لأنهم كانوا ذوي كبر وعلو في الأرض وفساد، فلذا ناسب أن يكون في عذابهم إهاناتٌ لهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- لا ينبغي للمؤمن أن يُحزنه كفر كافرٍ ولا فسق فاسق، لأن ذلك لا يضر الله تعالى شيئاً، وسيجزي الله الكافر والفاسق بعدله. 2- لا ينبغي للعبد أن يغره إمهال الله له، وعليه أن يبادر بالتوبة من كل ذنب إذ ليس هناك إهمال وإنما هو إمهال. 3- الموت للعبد خير من الحياة، لأنه إذا كان صالحاً فالآخرة خير له من الدنيا وإن كان غير ذلك حتى لا يزداد إثما فيوبق بكثرة ذنوبه.

القطان

تفسير : يتجه الخطاب الى الرسول الكريم بهذه الآية ليسلّيه، كما سلاّه في كثير من الآيات، عما يُحزنه من إعراض الكافرين عن الايمان. ذلك ان بعض المنافقين أظهروا كفرهم وصاروا يخوّفون المؤمنين ويقولون لهم: ان محمداً طالب مُلك، فتارة يكون الأمر له وتارة عليه، ولو كان رسولا من عند الله ما غُلب. ومن شأن هذه المقالة ان تنفِّر الناس من الاسلام. فقال الله: لا تحزن أيها النبي الكريم من مسارعة المنافقين وبعض اليهود الى نصرة الكافرين بكل ما أُوتوا من الوسائل، انهم لن يضرّوك والمؤمنين معك شيئاً. اما عاقبة هذه المسارعة الى الكفر فهي وبال عليهم: فالله يريد الا يجعل لهم نصيباً من ثواب الآخرة بل ان يذيقهم عذاباً عظيماً.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُسَارِعُونَ} (176) - لاَ يَحْزُنْكَ يَا أيُّهَا الرَّسُولُ، مُسَارَعَةُ المُنَافِقِينَ وَاليَهُودِ إلَى نُصْرَةِ المُشْرِكِينَ، وَاهْتِمَامُهُمْ بِهِمْ، وَمُحَاوَلَةُ تَثْبِيطِ عَزَائِمِ المُؤْمِنِينَ عَنْ حَرْبِهِمْ وَمُقَاوَمَتِهِمْ، وَذَلِكَ لأنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا أوْلِيَاءَ اللهِ شَيْئاً (وَهُمُ النَّبِيُّ وَأتْبَاعُهُ). وَعَاقِبَةُ مُسَارَعَتِهِمْ فِي الكُفْرِ سَتَكُونُ وبَالاً عَلَيْهِمْ، لاَ عَلَيكَ، وَلاَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَإنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يُحَارِبُونَكَ، وَإنَّمَا يُحَارِبُونَ اللهَ، وَهُمْ أعْجَزُ مِنْ أنْ يُحَارِبُوا اللهَ، وَلِذَلِكَ فَإنَّهُمْ لاَ يَضُرُّونَ إلاَّ أنْفُسَهُمْ، وَاللهُ يَمُدُّ لَهُمْ فِي كُفْرِهِمْ لأنَّهُ قَضَى بِأنْ يَحْرِمَهُمْ مِنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ وَثَوَابِهَا، وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً عَظِيماً. لاَ يَحْزُنْكَ - لاَ يَحْمِلْكَ تَصَرُّفُهُمْ عَلَى الحُزْنِ. يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ - يُسَارِعُونَ فِي نُصْرَةِ الكَافِرِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد كان المنافقون في أول المعركة مُختفين ومستورين، ثم ظهرت منهم بادرة الانخذال في أُحُد فكانوا أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان، ولكنهم من بعد ذلك سارعوا إلى الكفر، كأن هناك من يلاحقهم بسوط ليتسابقوا إلى الكفر. وها هو ذا الحق سبحانه قد حدّد عناصر المعركة، أو قوى المعركة، أو ميدان المعركة أو جنود المعركة، فينبه رسوله: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} [آل عمران: 176] ولم يقل: لن يضروكم شيئاً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته المؤمنين ليسوا طرفاً في المسألة، فعداء الذين يسارعون في الكفر هو عداء لله؛ لذلك يقول الحق: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} [آل عمران: 176]. كأن المعركة ليست مع المؤمنين. ولكنها معركة الكافرين مع الله، وما دامت المعركة مع الله فالمؤمنون جند الله؛ وهم الصورة التي أرادها الله لهزيمة الكافرين: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [التوبة: 14]. فلو كانت معركة الكفر مع المؤمنين بالله فقط لقال الله: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروكم شيئاً، لكن المسألة ليست هكذا، لقد أراد معسكر الكفر والنفاق أن يدخل معركة مع الله، ولا توجد قوة قادرة على ذلك، ولهذا يطمئن الله المؤمنين أكثر، ليزدادوا ثباتاً على الإيمان؛ لأن الكل من البشر مؤمنين وكفاراً أغيار، وقد يتحول بعض من البشر المؤمنين الأغيار عن المنهج قليلاً، فعندما تكون المعركة بين بشر وبشر فقد يغلب أحد الطرفين بقوته. ومن أجل المزيد من الاطمئنان الكامل نقل الله المعركة مع الكفر إلى مسألة أخرى، إنه بجلاله وكماله وجبروته هو الذي يقف ضد معسكر الكفار. والمهم فقط أن يظل المؤمنون في حضانة الله. والرسول كان يحزنه أن يُسارع البعض إلى الكفر. فهل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم أنه إنما جاء مُبلِّغًا فقط؟. إنه يعلم ولكنه كان يحرص - صلى الله عليه وسلم - على أن يؤمن الناس جميعاً ليذوقوا حلاوة ما جاء به، هذا الحرص هو الذي يدفع الحُزن إلى قلب الرسول، وعندما يرى واحداً لا يتذوق حلاوة المنهج، فالرسول يأمل أن يذوق الناس كلهم حلاوة الإيمان؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رءوف رحيم بالمؤمنين، بل وبالناس جميعاً {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ودليل ذلك أن جاءه التخيير. حديث : فقد نادى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليّ ثم قال: يا محمد، إن الله قد بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أُطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا" . تفسير : فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يبقى على هؤلاء فقط ولكنه يحرص أيضاً على الأجيال القادمة. وقد كان. وخرج من أولاد كفار قريش صناديد وأبطال وجنود دعوة وشهداء. فَكَان رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما أخبر الله في آيات القرآن - يحزن عندما لا يذوق أحد حلاوة الإيمان، ويقول الحق: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}تفسير : [الكهف: 6]. وفي موقع آخر يقول الحق: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}تفسير : [الشعراء: 3-4]. والحق سبحانه وتعالى لا يريد أعناقاً، لكنه يريد قلوباً تأتي له بعامل الاختيار والمحبة، فباستطاعته وهو الخالق الأكرم أن يخلق البشر على هيئة عير قابلة للمعصية، كما خلق الملائكة، إن كل الأجناس تُسبّح بحمده، إذن فالقرآن يُبيّن حِرصَه صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن الناس جميعاً وأن يذوقوا حلاوة اللقاء بربهم، واتّباع منهج الله, وحلاوة التشريع الذي يُسعدهم ويُسعد كل ملكاتهم. فإذا ما جاءت المسائل على غير ما يُحبُّ رسول الله. فها هو ذا قول الله سبحانه: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} [آل عمران: 176]. وهذا دليل على أن الله يريد أن يُبلّغ البشر: أيها الناس إن من فَرْط حُبّ الرسول لكم أنه يحزن من أجل عِصيانكم وأنا الذي أقول له: لا تحزن. والرسول صلى الله عليه وسلم رحيم بالأمَّة كلّها، كما يقول القرآن: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 107]. ويكفيه موقفه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، حين تذهب كل أمة إلى رسولها ليردّها، فتأتي الأمم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُكرمه الله بقبول شفاعته حتى يُعجّل الله بالفصل والحساب، وهذه رحمة للعالمين؛ لأنهم من هول الموقف يتمنّون الانصراف ولو إلى النار. ونحن قلنا سابقاً: إن الحق سبحانه وتعالى علم انشغال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته وبرحمته بهم، فقال له الله - ليريح عواطفه ومواجيده - ما ورد هنا في الحديث الشريف: فعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: {أية : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} تفسير : [إبراهيم: 36]. وقول عيسى - عليه السلام - {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 118]. حديث : فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: "إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك" . تفسير : ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - له موقف آخر يدل على كمال رحمته بأمته، فقد أنزل الله فيما أنزل من القرآن الكريم - بعد فترة الوحي - قوله تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 5]. انظروا إلى ما ورد عن سيدنا علي في هذه الآية، فقد روِيَ أنه - رضي الله عنه - قال لأهل العراق: إنكم تقولون: إن أرجى آية في كتاب الله تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} تفسير : [الزمر: 53]. قالوا: إنا نقول ذلك قال: ولكنّا - أهل البيت - نقول: إن أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 5]. وفي الحديث لما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: حديث : إذاً لا أرضى وواحد من أمتي في النار . تفسير : كما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : لكل نبيّ دعوة مستجابة فتعجل كل نبيّ دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة ". تفسير : وهكذا نرى شغل رسول الله بأمته كأمر واضح موجود في بؤرة شعوره. إذن فقول الله: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} [آل عمران: 176] هو توضيح من الله لرسوله بأنهم لم يسارعوا في الكفر تقصيراً منك، فأنت قد أديت واجبك، ويضيف سبحانه: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} [آل عمران: 176] ولم يقل سبحانه: إنهم لن يضروك، أو لن يضروا المؤمنين، لا بل لقد جعل سبحانه وتعالى المعركة معه وهو القوي ذو الجبروت إنّه هنا يطمئن المؤمنين. ويريد الله ألا يجعل للذين يسارعون إلى الكفر حظاً في الآخرة فيقول: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 176] وما دامت هذه إرادات الله في ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة، أيكون لهم عمل يصادم مرادات ربهم؟ لا. إنه سبحانه يريد بما شرّع من منهج أن تأتيهم سُنّته، والله يعذّب من يخالف سُنته التي شرعها. لأنه جلت قدرته يطلب من المكلفين أن يطبقوا سنته التي شرعها لهم. وفرق بين وجود "لام العاقبة" التي تأتي حين يكون في مُراد العبد شيء، ولكن القُدرة الأعلى تريد شيئاً آخر، وهي تختلف عن "لام الإرادة والتعليل" فـ "لام الإرادة والتعليل" تتضح في قولنا: ذاكر التلميذ لينجح، لأن علّة المذاكرة هي الرغبة في النجاح، أما "لام العاقبة", فتتضح عندما يقول الأب لابنه: أنا دللتك لترسب آخر العام. أدللّ الأب ابنه حتى يرسب؟ لا، ولكن الأب يأتي هنا بـ "لام العاقبة" أي كان للأب مراد، ولكن قدرة أعلى جاءت على خلاف المراد. ونوضح المسألة أكثر، فالحق يقول في قصة سيدنا موسى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [القصص: 7]. ونحن لا بد أن نتنبه إلى قول الحق: "فألقيه في اليم" والإنسان العادي لو قال لامرأة تحمل رضيعها: إن خفت على ابنك فألقيه في البحر. هذه المرأة لن تُصدّق هذا القائل، لكن أم موسى تلقت هذا الوحي من الله، والتّلقّي من الله لا يُصادمه فكر شيطان ولا فكر بشر، فالإلهام من الله يتجلّى في قوله: "وأوحينا إلى أم موسى". وما دام الله هو الذي ألهمها، فإن خاطر الشيطان لا يجيء. ولذلك قامت أم موسى بتنفيذ أمر الله. ويطمئنها الله فقال لها: {أية : وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [القصص: 7]. ويُنبّه سُبحانه أم موسى أنه لن يردّه إليها لمجرد أنه قُرة عين، ولكن لأن لموسى أيضاً مُهمّة مع الله. وفي لقطة أخرى يقول الحق عن مسألة الوحي لأم موسى: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ}تفسير : [طه: 38-39]. والحق هنا في هذه اللقطة يصف وقت تنفيذ العملية التي أوحى بها، ففيه فرق بين التمهيد للعملية قبل أن تقع كما حدث في اللقطة السابقة حيث قال لها الحق: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ} تفسير : [القصص: 7]. كان ذلك هو الإعداد، ثم جاء وقت التنفيذ، فقال الحق لموسى: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ} تفسير : [طه: 38]. إنها سلسلة من الأوامر المتلاحقة التي تدل على أن هذه العملية كانت في وقت أخذ جنود فرعون لأطفال بني إسرائيل ليقتلوهم، إنه سبحانه يبين لنا أن جنود الله من الجمادات التي لا تعي تلقت الأمر الإلهي بأن تصون موسى، فكلمة "اقذفيه" تدل على السرعة، وتلقّي "اليم" الأمر من الله بأن موسى عندما يُلقى في البحر، فلا بد أن يلقيه إلى الساحل. {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} تفسير : [طه: 38-39] إنها أوامر للمُسخّر من المخلوقات التي لا تعصي. لكن كيف تكون أوامر الحق لعدو لله؟ إن الله يدخلها كخاطر مُلحّ في رأس فرعون ليُنفّذ مُراد الله. إن امرأة فرعون تقول له ما جاء في قوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [القصص: 9]. لقد دخل أمر الله كخاطر، والتقطه آل فرعون لا ليكون قرة عين لامرأة فرعون، ولكن لأمر مختلف أراده الله. فهل ساعة الالتقاط كان في بالهم أن يكون موسى عدوّاً أو قرة عين؟ إنها "لام العاقبة" التي تتضح في قوله: {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8]. فالإنسان يكون في مُراده شيء، ولكن القدرة الأعلى من الإنسان - وهو الله - تريد شيئاً آخر. الإنسان في تخطيطه أن يقوم بالعملية لكذا، ولكن القوة الأعلى من الإنسان تريد العملية لهدفٍ آخر، وهي التي أوحت للإنسان أن يقوم بهذه العملية. ويتجلّى ذلك بوضوح في العلة لالتقاط آل فرعون لموسى. كان فرعون يريده قٌرّة عين له، ولكن الله أراده أن يكون عدوّاً لفرعون. وفي هذا المثال توضيح شامل للفرق بين "لام العاقبة" و"لام الإرادة والتعليل" وعندما نرى أحداثاًَ مثل هذه الأحداث فلا نقول: "هذا مراد الله" ولكن فلنقل: (العاقبة فيما فعلوا وأحدثوا خلاف ما خططوا). وبعد ذلك يقول الحق: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ} معناهُ نَصيبٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على الخلق، مجتهدا في هدايتهم، وكان يحزن إذا لم يهتدوا، قال الله تعالى: { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } من شدة رغبتهم فيه، وحرصهم عليه { إنهم لن يضروا الله شيئا } فالله ناصر دينه، ومؤيد رسوله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبالهم ولا تحفل بهم، إنما يضرون ويسعون في ضرر أنفسهم، بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في الأخرى، من هوانهم على الله وسقوطهم من عينه، وإرادته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة من ثوابه. خذلهم فلم يوفقهم لما وفق له أولياءه ومن أراد به خيرا، عدلا منه وحكمة، لعلمه بأنهم غير زاكين على الهدى، ولا قابلين للرشاد، لفساد أخلاقهم وسوء قصدهم. ثم أخبر أن الذين اختاروا الكفر على الإيمان، ورغبوا فيه رغبة من بذل ما يحب من المال، في شراء ما يحب من السلع { لن يضروا الله شيئا } بل ضرر فعلهم يعود على أنفسهم، ولهذا قال: { ولهم عذاب أليم } وكيف يضرون الله شيئا، وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان، ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟! فالله غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم، وأعد له -ممن ارتضاه لنصرته- أهل البصائر والعقول، وذوي الألباب من الرجال الفحول، قال الله تعالى: { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا } الآيات.