Verse. 468 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِنَّمَا ذٰلِكُمُ الشَّيْطٰنُ يُخَوِّفُ اَوْلِيَاۗءَہٗ۝۰۠ فَلَا تَخَافُوْھُمْ وَخَافُوْنِ اِنْ كُنْتُمْ ￁مِنِيْنَ۝۱۷۵
Innama thalikumu alshshaytanu yukhawwifu awliyaahu fala takhafoohum wakhafooni in kuntum mumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما ذلكم» أي القائل لكم إن الناس إلخ «الشيطان يخوِّفُ» ـكم «أولياءه» الكفار «فلا تخافوهم وخافون» في ترك أمري «إن كنتم مؤمنين» حقَّا.

175

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {ٱلشَّيْطَـٰنُ } خبر {ذٰلِكُمُ } بمعنى: انما ذلكم المثبط هو الشيطان {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ } جملة مستأنفة بيان لتثبيطه، أو {ٱلشَّيْطَـٰنُ } صفة لاسم الاشارة و{يُخَوّفُ } الخبر، والمراد بالشيطان الركب، وقيل: نعيم بن مسعود، وسمي شيطاناً لعتوه وتمرده في الكفر، كقوله: {أية : شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنّ }تفسير : [الأنعام: 112] وقيل: هو الشيطان يخوف بالوسوسة. أما قوله تعالى: {يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } ففيه سؤال: وهو أن الذين سماهم الله بالشيطان إنما خوفوا المؤمنين، فما معنى قوله: {ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } والمفسرون ذكروا فيه ثلاثة أوجه: الأول: تقدير الكلام: ذلكم الشيطان يخوفكم بأوليائه، فحذف المفعول الثاني وحذف الجار، ومثال حذف المفعول الثاني قوله تعالى: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱليَمّ } تفسير : [القصص: 7] أي فاذا خفت عليه فرعون، ومثال حذف الجار قوله تعالى: {أية : لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا }تفسير : [الكهف: 2] معناه: لينذركم ببأس وقوله: {أية : لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } تفسير : [غافر: 15] أي لينذركم بيوم التلاق، وهذا قول الفراء، والزجاج، وأبي علي. قالوا: ويدل عليه قراءة أبي بن كعب {يخوفكم بأوليائه}. القول الثاني: أن هذا على قول القائل: خوفت زيدا عمرا، وتقدير الآية: يخوفكم أولياءه، فحذف المفعول الأول، كما تقول: أعطيت الأموال، أي أعطيت القوم الأموال، قال ابن الانباري: وهذا أولى من ادعاء جار لا دليل عليه وقوله: { لِّيُنْذِرَ بَأْسًا } أي لينذركم بأساً وقوله: {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } أي لينذركم يوم التلاق والتخويف يتعدى إلى مفعولين من غير حرف جر تقول: خاف زيد القتال، وخوفته القتال وهذا الوجه يدل عليه قراءة ابن مسعود {يخوفكم أَوْلِيَاءهُ }. القول الثالث: أن معنى الآية: يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين، والمعنى الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره، فأما أولياء الله، فانهم لا يخافونه إذا خوفهم ولا ينقادون لأمره ومراده منهم، وهذا قول الحسن والسدي، فالقول الأول فيه محذوفان، والثاني فيه محذوف واحد، والثالث لا حذف فيه. وأما الأولياء فهم المشركون والكفار، وقوله: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ } الكناية في القولين الأولين عائدة إلى الأولياء. وفي القول الثالث عائدة إلى {ٱلنَّاسِ } في قوله: {أية : إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 173] {فَلاَ تَخَافُوهُمْ } فتقعدوا عن القتال وتجنبوا {وَخَافُونِ } فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يعني أن الايمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس.

القرطبي

تفسير : قال ابن عباس وغيره: المعنى يخوفكم أولياءه؛ أي بأوليائه،أو من أوليائه؛ فحذف حرف الجر ووصل الفعل إلى الاسم فنصب. كما قال تعالىٰ: {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} أي لينذركم ببأس شديد؛ أي يخوّف المؤمن بالكافر. وقال الحسن والسُّدِّي: المعنى يخوّف أولياءه المنافقين؛ ليقعدوا عن قتال المشركين. فأما أولياء الله فإنهم لا يخافونه إذا خوّفهم. وقد قيل: إن المراد هذا الذي يخوّفكم بجمع الكفار شيطانٌ من شياطين الإنس؛ إمّا نُعيم بن مسعود أو غيره، على الخلاف في ذلك كما تقدّم. {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} أي لا تخافوا الكافرين المذكورين في قوله: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ}. أو يرجع إلى الأولياء إن قلت: إن المعنى يخوّف بأوليائه أي يخوّفكم أولياءه. قوله تعالىٰ: {وَخَافُونِ} أي خافون في ترك أمري إن كنتم مصدّقين بوعدي. والخوف في كلام العرب الذُّعْر. وخَاوَفَنى فلان فَخُفْتُه، أي كنتُ أشدّ خوفاً منه. والخَوفاءُ المَفَازَة لا ماء بها. ويُقال: ناقةٌ خَوْفَاء وهي الجُرْبَاء. والخافة كالخريطة من الأَدَم يُشْتَارُ فيها العَسَل. قال سَهلُ بنُ عبد الله: اجتمع بعض الصدّيقين إلى إبراهيم الخَلِيلِ فقالوا: ما الخوفُ؟ فقال: لا تأمن حتى تبلغ المأمن. قال سهل: وكان الربيع بن خيثم إذا مرَّ بِكِيرٍ يُغْشَى عليه؛ فقيل لعليّ بن أبي طالب ذلك؛ فقال: إذا أصابه ذلك فأعلموني. فأصابه فأعلموه، فجاءه فأدخل يده في قميصه فوجد حركته عالية فقال: أشهد أنّ هذا أخوف (أهل) زمانِكم. فالخائف من الله تعالىٰ هو أن يخَافَ أن يُعاقبَه إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة؛ ولهذا قيل: ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، بل الخائفُ الذي يترك ما يخَافُ أن يُعذَّب عليه. ففرض الله تعالىٰ على العباد أن يخافوه فقال: {وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} وقال: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ}. ومدح المؤمنين بالخوف فقال: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ}. ولأرباب الإشارات في الخوف عبارات مرجعها إلى ما ذكرنا. قال الأستاذ أبو عليّ الدَّقاق: دخلت على أبي بكر بن فُورَك رحمه الله عائداً، فلما رآني دَمعتْ عيناه، فقلت له: إنّ الله يعافيك ويَشفِيك. فقال لي: أترى أنِّي أخاف من الموت؟ إنما أخاف مما وراء الموت. وفي سُنن ٱبن ماجه عن أبي ذَرٍّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنّي أرى ما لا تَرَوْن وأسمع ما لا تسمعون أطّت السماء وحُقّ لها أن تَئِط ما فيها موضع أربِع أصابع إلاَّ وَمَلَكٌ واضعٌ جبهتَه ساجداً لله واللَّهِ لو تعلمون ما أعلم لضَحِكتم قليلاً ولبكيَتَمْ كثيراً وما تلذّذتم بالنساء على الفُرُشَات ولخرجتم إلى الصُّعُدات تَجْأَرُون إلى الله واللَّهِ لَودِدْت أني كنت شجرة تُعْضَد»تفسير : . خرّجه الترمذيّ وقال: حديث حسَن غريب. ويُروى من غير هذا الوجه أن أبا ذَرٍّ قال: «لوَدِدْت أنّي كنت شجرة تُعْضَد». والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّمَا ذٰلِكُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ} يريد به المثبط نعيماً أو أبا سفيان، والشيطان خبر {ذٰلِكُمْ} وما بعده بيان لشيطنته أو صفته وما بعده خبر، ويجوز أن تكون الإِشارة إلى قوله على تقدير مضاف أي إنما ذلكم قول الشيطان يعني إبليس عليه اللعنة. {يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ} القاعدين عن الخروج مع الرسول، أو يخوفكم أولياؤه الذين هم أبو سفيان وأصحابه. {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} الضمير للناس الثاني على الأول وإلى الأولياء على الثاني. {وَخَافُونِ} في مخالف أمري فجاهدوا مع رسولي. {إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنينَ فإِن الإِيمان يقتضي إيثار خوف الله تعالى على خوف الناس.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ } أي القائل لكم إن الناس الخ {ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوّفُ } كم {أَوْلِيَاءهُ } الكفار {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ } في ترك أمري {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } حقًّا.

ابن عطية

تفسير : مقتضى {إنما} في اللغة الحصر، هذا منزع المتكلم بها من العرب، ثم إذا نظر مقتضاها -عقلاً- وهذا هو نظرالأصوليين - فهي تصلح للحصر وللتأكيد الذي يستعار له لفظ الحصر، وهي في هذه الآية حاصرة، والإشارة بـــ {ذلكم} إلى جميع ما جرى من أخبار الركب العبديين، عن رسالة أبي سفيان ومن تحميل أبي سفيان ذلك الكلام، ومن جزع من ذلك الخبر من مؤمن أو متردد، و {ذلكم} في الإعراب ابتداء، و {الشيطان} مبتدأ آخر، و {يخوف أولياءه} خبر عن الشيطان، والجملة خبر الابتداء الأول، وهذا الإعراب خير في تناسق المعنى من أن يكون {الشيطان} خبر {ذلكم} لأنه يجيء في المعنى استعارة بعيدة، و {يخوف} فعل يتعدى إلى مفعولين، لكن يجوز الاقتصار على أحدهما إذ الآخر مفهوم من بنية هذا الفعل، لأنك إذا قلت: خوفت زيداً، فمعلوم ضرورة أنك خوفته شيئاً حقه أن يخاف، وقرأ جمهور الناس {يخوف أولياءه} فقال قوم المعنى: يخوفكم أيها المؤمنون أولياءه الذين هم كفار قريش، فحذف المفعول الأول وقال قوم: المعنى يخوف المنافقين ومن في قلبه مرض وهم أولياؤه، فإذاً لا يعمل فيكم أيها المؤمنون تخويفه، إذ لستم بأوليائه، والمعنى: يخوفهم كفار قريش، فحذف هنا المفعول الثاني واقتصر على الأول، وقرأ ابن عباس فيما حكى أبو عمرو الداني "يخوفكم أولياءه" المعنى يخوفكم قريش ومن معهم، وذلك بإضلال الشيطان لهم وذلك كله مضمحل، وبذلك قرأ النخعي وحكى أبو الفتح بن جني عن ابن عباس أنه قرأ "يخوفكم أولياءه" فهذه قراءة ظهر فيها المفعولان، وفسرت قراءة الجماعة "يخوف أولياءه" قراءة أبي بن كعب "يخوفكم بأوليائه" والضمير في قوله {فلا تخافوهم} لكفار قريش وغيرهم من أولياء الشيطان، حقر الله شأنه وقوى نفوس المؤمنين عليهم، وأمرهم بخوفه هو تعالى وامتثال أمره، من الصبر والجلد، ثم قرر بقوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} كما تقول: إن كنت رجلاً فافعل كذا. وقرأ نافع وحده "يُحزنك" بضم الياء من أحزن، وكذلك قرأ في جميع القرآن، إلا في سورة الأنبياء {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر} تفسير : [الأنبياء: 103] فإنه فتح الياء، وقرأ الباقون "يَحزنك" بفتح الياء من قولك حزنت الرجل، قال سيبويه: يقال حزن الرجل وفتن إذا أصابه الحزن والفتنة، وحزنته وفتنته، إذا جعلت فيه وعنده حزناً وفتنة، كما تقول: دهنت وكحلت، إذا جعلت دهناً وكحلاً، وأحزنته وأفتنته، إذا جعلته حزيناً وفاتناً، كما تقول: أدخلته وأسمعته، هذا معنى قول سيبويه والمسارعة في الكفر هي المبادرة إلى أقواله وأفعاله والجد في ذلك، وقرأ الحر النحوي "يسرعون" في كل القرآن وقراءة الجماعة أبلغ، لأن من يسارع غيره أشد اجتهاداً من الذي يسرع وحده، ولذلك قالوا كل مجرٍ بالخلاء يسر، وسلَّى الله نبيه بهذه الآية عن حال المنافقين والمجاهدين إذ كلهم مسارع، وقوله تعالى: {إنهم لن يضروا الله شيئاً} خبر في ضمنه وعيد لهم أي: إنما يضرون أنفسهم، والحظ إذا لم يقيد فإنما يستعمل في الخير، ألا ترى قوله تعالى: {أية : وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} تفسير : [فصلت: 35]. وقوله تعالى: {إن الذين اشتروا} أطلق عليهم الشراء من حيث كانوا متمكنين من قبول هذا وهذا فجاء أخذهم للواحد وتركهم للآخر كأنه ترك لما قد أخذ وحصل، إذ كانوا ممكنين منه، ولمالك رحمه الله متعلق بهذه الآية في مسألة شراء ما تختلف آحاد جنسه مما لا يجوز التفاضل فيه، في أن منع الشراء على أن يختار المبتاع، وباقي الآية وعيد كالمتقدم.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ} يخوف المؤمنين من أوليائه الكفار، أو يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن الجهاد.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} يعني إنما ذلكم المخوف والمثبط هو الشيطان يخوف بالوسوسة بأن ألقى ذلك في أفواههم ليرهبوا المؤمنين ويخوفوهم ويجبنوهم قوله أولياءه يعني الشيطان يخوفكم يا معشر المؤمنين بأوليائه. وقيل معناه أولياءه في صدوركم لتخافوهم وقيل معناه يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين وأولياء الشيطان هم الكفار والمنافقون الذين يطيعونه ويؤثرون أمره وأولياء الله هم المؤمنون الذين لا يخافون الشيطان إذا خوفهم ولا يطيعونه إذا أمرهم {فلا تخافوهم} يعني فلا تخافوا أولياء الشيطان ولا تقعدوا عن قتلهم ولا تجبنوا عنهم {وخافون} أي فجاهدوا في سبيلي مع رسولي فإني وليكم وناصركم {إن كنتم مؤمنين} أي مصدقين بوعدي إني متكفل لكم بالنصر والظفر. قوله تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} قيل هم كفار قريش وقيل هم المنافقون ورؤساء اليهود وقيل هم قوم ارتدوا عن الإسلام والمعنى ولا يحزنك يا محمد من يسارع في الكفر ويجمع الجموع لمحاربتك فإن هذا المقصود لا يحصل له وقيل مسارعتهم في الكفر ومظاهرتهم الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى يسارعون في نصرة الكفر فلا يحزنك فعلهم فإنك منصور عليهم {إنهم لن يضروا الله شيئاً} يعني بمسارعتهم في الكفر إنما يضرون أنفسهم بذلك وقيل معناه لن يضروا أولياء الله شيئاً {يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة} يعني لا يجعل لهم نصيباً في ثواب الآخرة فلذلك خذلهم حتى سارعوا في الكفر. وفي الآية دليل على أن الخير والشرّ بإرادة الله تعالى وفيه رد على القدرية والمعتزلة {ولهم عذاب عظيم} يعني في الآخرة {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان} يعني المنافقين آمنوا ثم كفروا والمعنى أنهم استبدلوا الكفر بالإيمان فكأنهم أعطوا الإيمان وأخذوا الكفر كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلاً عنه {لن يضروا الله شيئاً} يعني باستبدالهم الكفر وإنما ضروا أنفسهم بذلك {ولهم عذاب أليم} يعني في الآخرة. قوله عز وجل: {ولا يحسبن الذين كفروا} قرئ تحسبن بالتاء والياء فمن قرأ بالتاء فمعناه ولا تحسبن يا محمد إملاءنا للكفار خير لأنفسهم ومن قرأ بالياء قال: معناه ولا يحسبن الكفار إملاءنا لهم خيراً نزلت في مشركي مكة وقيل نزلت في يهود بني قريظة والنضير {أنما نملي لهم} الإملاء الإمهال والتأخير وأصله من الملوءة وهي المدة من الزمان والمعنى ولا يظنن الذين كفروا أن إمهالنا إياهم بطول العمر والإنساء في الأجل {خير لأنفسهم} ثم قال تعالى: {أنما نملي لهم} ليزدادوا إثماً يعني إنما نمهلهم ونؤخر في آجالهم ليزدادوا إثماً {ولهم عذاب مهين} يعني في الآخرة روى البغوي بسنده عن عبدالرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّ الناس خير؟ قال: من طال عمره وحسن عمله قيل فأيّ الناس شرّ؟ قال: من طال عمره وساء عمله تفسير : وروى ابن جرير الطبري بسنده عن الأسود قال: قال عبدالله: ما من نفس برة ولا فاجرة إلاّ والموت خير لها. وقرأ: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً} وقرأ {أية : نزلاً من عند الله وما عند الله خير للأبرار}تفسير : [آل عمران: 198] وقال ابن الأنباري قال جماعة من أهل العلم أنزل الله عز وجل هذه الآية في قوم يعاندون الحق سبق في علمه أنهم لا يؤمنون فقال إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً بمعاندتهم الحق وخلافهم الرسول وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج من الله لخلقه تفسير : ثم تلا هذه الآية وقال الزجاج هؤلاء قوم أعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم لا يؤمنون أبداً وأن نفاقهم يزيدهم كفراً وإثماً وهذه الآية حجة ظاهرة على القدرية حيث أخبر الله تعالى أنه يطيل أعمار قوم ويمهلهم ليزدادوا كفراً وإثماً وغياً.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ...} الآية: إشارة إلى جميع ما جَرَىٰ من أخبار الرَّكْب عن رسالة أبِي سُفْيَان، ومِنْ جَزَعِ مَنْ جَزِعَ من الخَبَر. وقرأ الجمهورُ: «يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ»، قالَ قوم: معناه: يخوِّف المنافقينَ، ومَنْ في قلبه مرضٌ، وحكى أبو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي، عن ابن عَبَّاس؛ أنه قرأ «يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ»، فهذه قراءةٌ ظهر فيها المفعولانِ، وهي مفسِّرة لقراءة الجَمَاعة، وفي قراءة أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ»، وفِي كتاب «القَصْد إلى اللَّه تعالَىٰ»؛ للمحاسِبِيِّ، قال: وكلما عَظُمَتْ هيبةُ اللَّه عزَّ وجلَّ في صدورِ الأولياء، لم يهابوا معه غيره؛ حياءً منه عزَّ وجلَّ أن يخافوا معَهُ سواه. انتهى. وقوله سبحانه: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ}، والمسارعة في الكُفْر: هي المبادرة إلى أقواله وأفعاله، والجِدُّ في ذلك، وسَلَّى اللَّه تعالَىٰ نبيَّه ـــ عليه السلام ـــ بهذه الآية عنْ حالِ المنافقين والمجاهِرِين؛ إذ كلُّهم مسارعٌ، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً}: خبرٌ في ضِمْنِهِ وعيدٌ لهم، أي: وإنما يضرُّون أنفسهم، والحَظُّ: إذا أطلق، فإنما يستعملُ في الخير، وقوله سبحانه: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ}: نُمْلِي: معناه: نُمْهِلُ ونَمُدُّ في العمر، والمعنى: لا تَحْسَبَنَّ إملاءنا للذين كَفَرُوا خَيْراً لهم، فالآيةُ ردٌّ على الكفَّار في قولهم: إنَّ كوننا مموَّلِينَ أصحَّة دليلٌ علَىٰ رِضا اللَّه بحالتنا.

ابن عادل

تفسير : "إنما" حرف مكفوف بـ "ما" عن العمل وقد تقدم الكلام فيها أول الكتاب. وفي إعراب هذه الجملة خمسةُ أوجهٍ: الأول: أن يكون "ذلكم" مبتدأ، "والشيطان" خبره، و "يخوف أولياءه" حال؛ بدليل وقوع الحالِ الصريحةِ في مثل هذا التركيب، نحو قوله: {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} تفسير : [هود: 72] وقوله: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} تفسير : [النمل: 52]. الثاني: أن يكون "الشيطان" بدلاً، أو عطف بيان، و "يخوف" الخبر، ذكره أبو البقاء. الثالث: أن يكون "الشيطان" نعتاً لاسم الإشارة، و "يخوف" على أن يرادَ بـ "الشيطان" نعيم، أو أبو سفيان - ذكره الزمخشري قال أبو حيّان: "وإنما قال: والمراد بـ "الشيطان" نعيم، أو أبو سفيان؛ لأنه لا يكون نعتاً - والمراد به إبليس - لأنه إذ ذاك - يكون علماً بالغلبة، إذ أصله صفة - كالعيُّوق - ثم غلب على إبليس كما غلب العيُّوق على النَّجْمِ الَّذِي ينطلق عليه" وفيه نظرٌ. الرابع: أن يكون "ذلكم" ابتداء، و "الشيطان" خبر، و "يخوف" جملةٌ مستأنفةٌ، بيان لشيطنته، والمراد بالشَّيْطانِ هو المثبط للمؤمنين. الخامس: أن يكون "ذلكم" مبتدأ، و "الشيطان" مبتدأ ثانٍ، و "يخوف" خبر الثاني، والثاني وخبره خبرُ الأول؛ قاله ابنُ عطيةَ، وقال: "وهذا الإعرابُ خير - في تناسق المعنى - من أن يكون "الشيطان" خبر "ذلكم" لأنه يجيء في المعنى استعارة بعيدة". ورَدَّ عليه أبو حيّان هذا الإعراب - إن كان الضمير في "أولياءه" عائداً على "الشيطان" لخُلُوِّ الجملة الواقعة خبراً عن رابط يربطها بالمبتدأ - وليست نفس المبتدأ في المعنى، نحو: هِجِّيرَى أبِي بكر لا إلَه إلا الله وإن كان عائداً على "ذلكم" - ويراد بـ "ذلكم" غير الشيطان جاز، وصار نظير: إنما هند زيد [يضرب غلامها]، والمعنى: إنما ذلكم الركب، أو أبو سفيان الشيطان يخوفكم أنتم أولياؤه، أي: أولياء الركب، أو أولياء أبي سفيان - والمشار إليه بـ "ذلكم" هل هو عين أو معنى؟ فيه احتمالان: أحدهما: أنه إشارةٌ إلى ناسٍِ مخصوصين - كَنُعَيْم وأبي سفيانَ وأشياعهما - على ما تقدم. الثاني: إشارة إلى جميع ما جرى من أخبارِ الركبِ وإرسال أبي سفيان وجزع من جزع - وعلى هذا التقدير فلا بُدّ من حذف مضافٍ، أي: فعل الشيطان، وقدَّره الزمخشري: قول الشيطانِ، أي: قوله السابق، وهو: {أية : إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ} تفسير : [آل عمران: 173] وعلى كلا التقديرين - أعني كون الإشارة لأعيان أو معان - فالإخبار بـ "الشيطان" عن "ذلكم" مجاز؛ لأن الأعيان المذكورين والمعاني من الأقوال والأفعال الصادرة من الكفار - ليست نفس الشيطان، وإنما لما كانت بسببه ووسوسته جَازَ ذلك. قوله: {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} قد تقدم ما محله من الإعراب. والتضعيفُ فيه للتعدية، فإنه قَبْلَ التَّضْعيف متعدٍّ إلى واحدٍ، وبالتضعيف يكتسب ثانياً، وهو من باب "أعطى"، فيجوز حذف مفعوليه، أو أحدهما اقتصاراً واختصاراً، وهو في الآية الكريمة يحتمل أوجُهاً: أحدها: أنْ يكون المفعولُ الأولُ محذوفاً، تقديره: يخوفكم أولياءه، ويقوِّي هذا التقديرَ قراءة ابن عبَّاسٍ وابن مسعود هذه الآية كذلك، والمراد بـ "أولياءه" - هنا - الكفارُ، ولا بُدَّ من حذف مضافٍ، أي: شر أوليائه؛ لأن الذوات لا يخاف منها. الثاني: أن يكون المفعول الثاني هو المحذوف، و "أولياءه" هو الأول، والتقدير: يخوف أولياءه شَرَّ الكفار، ويكون المراد بـ "أولياءه" - على هذا الوجه - المنافقين ومَنْ في قلبه مرضٌ ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج. والمعنى: أن تخويفه بالكفار إنما يحصل للمنافقين الذين هم أولياؤه، وأما أنتم فلا يصل إليكم تخويفه قاله الحسنُ والسُّدِّي. الثالث: أن المفعولين محذوفان، و "أولياءه" نعتٌ - على إسقاط حرف الجر - والتقدير: يخوفكم الشر بأوليائه. والباء للسبب، أي: بسبب أوليائه فيكونون هم كآلةِ التخويف لكم. قالوا: ومثل حذف المفعول الثاني قوله تعالى: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ} تفسير : [القصص: 7] أي: فإذا خِفْتِ عليه فرعونَ. ومثال حذف الجارّ قوله تعالى: {أية : لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ} تفسير : [الكهف: 2] معناه لينذركم ببأسٍ، وقوله: {أية : لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} تفسير : [غافر: 15]. وهذا قول الفرّاء والزّجّاج وأبي عليّ، قالوا: ويدل عليه قراءة أبَيٍّ والنَّخَعِيِّ: يخوفكم بأوليائه. قال شهابُ الدّينِ: فكأن هذا القائل رأى قراءة أبَيّ والنخعيّ "يخوف بأوليائه" فظن أنَّ قراءة الجمهورِ مثلها في الأصل، ثم حُذِفتَ الباء، وليس كذلك، بل تُخَرَّج قراءةُ الجمهورِ على ما تقدم؛ إذ لا حاجةَ إلى ادِّعاء ما لا ضرورة له. وأما قراءة أبَيّ فيحتمل أن تكون الباء زائدة، كقوله: [البسيط] شعر : 1695-................................... سُودُ الْمَحَاجِرِ لا يَقْرَأنَ بِالسُّوَرِ تفسير : فتكون كقراءة الجمهور في المعنى. ويحتمل أن تكون للسبب، والمفعولان محذوفان - كما تقدم. قوله: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} في الضمير المنصوب ثلاثةُ أوجهٍ: الأول - وهو الأظهر -: أنه يعود على "أولياءه" أي: فلا تخافوا أولياءَ الشيطان، هذا إن أريد بالأولياء كفار قريش. الثاني: أنه يعود على "الناس" من قوله: {أية : إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 173] إن كان المراد بـ "أولياءه" المنافقين. الثالث: أنه يعود على "الشيطان" قال أبو البقاء: "إنما جمع الضمير؛ لأن الشيطان جنس" والياء في قوله: "وخافوني" من الزوائد، فإثبتها أبو عمرو وصلاً، وحَذَفَها وقفاً - على قاعدته - والباقون يحذفونها مطلقاً. فصل في ورود الخوف في القرآن الكريم ورد الخوف على ثلاثةِ أوجهٍ: الأول: الخوفُ بعينه، كهذه الآية. الثاني: الخوف: القتال، قال تعالى: {أية : فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} تفسير : [الأحزاب: 19] أي: إذا ذهب القتال. الثالث: الخوف: العِلْم، قال تعالى: {أية : فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً} تفسير : [البقرة:182] أي عَلِمَ، ومثله قوله: {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 229] وقوله: {أية : وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} تفسير : [الأنعام: 51]. أي: يعلمون وقوله: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} تفسير : [النساء: 35] أي: علمتم. وقوله: {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} جوابه محذوف، أو متقدم - عند مَنْ يرى ذلك - وهذا من باب الإلهاب والتهييج. إلا فهم ملتبسون بالإيمان. قوله: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ} قرأ نافع "يُحزنك" - بضم حرف المضارعة - من "أحزن" - رباعياً - في سائر القرآن إلا التي في قوله: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 103] فإنه كالجماعة. والباقون بفتح الباء - من "حزنه" ثلاثياً - فقيل: هما من باب ما جاء فيه فَعَلَ وأفْعَل بمعنى. وقيل: باختلاف معنى، فَحَزَنَه: جَعَل فيه حُزْناً - نحو: دهنه وكحله، أي: جعل فيه دهناً وكحلاً -وأحزنته: إذا جعلته حزيناً. ومثل حَزَنَه وأحْزَنَه فَتَنَه وأفتَنَه، قال سيبويه: "وقال بعضُ العربِ: أحزنت الرجل وأفتنته: أرادوا: جعلته حزيناً وفاتناً". وقيل: حزنته: أحدثت له الحُزْن، وأحزنته: عرَّضته للحُزْن. قاله أبو البقاء وقد تقدم اشتقاق هذه اللفظة في "البقرة". قال شهابُ الدينِ: "والحق أن حزنه وأحزنه لغتان فاشيتان، لثبوتهما متواترتين - وإن كان أبو البقاء قال: إن أحزن لغة قليلة، ومن عجيب ما اتفق أن نافعاً - رحمه الله - يقرأ هذه المادة من "أحزن" إلا التي في الأنبياء - كما تقدم - وأن شيخه أبا جعفر يزيد بن القعقاع يقرأها من "حزنه" - ثلاثياً - إلا التي في الأنبياء، وهذا من الجمع بين اللغتين، والقراءة سنة مُتَّبَعَة". وقرأ الجماعة: "يسارعون" بالفتح والإمالة، وقرأ النحوي "يسرعون" - من أسرع - في جميع القرآن، قال ابن عطيةَ: "وقراءة الجماعة أبلغ؛ لأن مَنْ يسارع غيرَه أشد اجتهاداً من الذي يُسرع وحده". قوله: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} في نصب "شيئاً" وَجْهَانِ: أحدهما: أنه مصدر، أي: لا يضرونه شيئاً من الضرر. الثاني: أنه منصوب على إسقاط الخافض، أي: لن يضروه بشيء. وهكذا كل موضع أشبهه ففيه الوجهان. فصل اختلفوا في هؤلاء المسارعين فقال الضَّحَّاك: هم كفار قريش، وقال غيره: هم المنافقون؛ يسارعون في الكفر مظاهرةً للكفار {إنهم لن يضروا الله} بمُسارعتهم في الكُفْر. وقيل: إن قوماً من الكفار أسلموا، ثم ارتدوا؛ خوفاً من قريش، فوقع الغمُّ في قَلْبِ الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك السبب فإنه صلى الله عليه وسلم ظن أنهم بسبب تلك الرِّدَّة يُلحِقون به مَضَرَّة، فبيَّن - تعالى - أن ردَّتَهم لا تؤثر في لُحُوقِ ضررٍ بك. قال القاضي: ويقوى هذا الوجه بأن المستمر على الكفر لا يوصَفُ بأنه يسارعُ في الكفرِ، وإنما يُوصَف بذلك مَنْ يكفر بعد الإيمان. وأيضاً فإن إرادته ألا يجعل لهم حَظَّاً في الآخرة لا تليق إلا بمن قد آمن واستوجب ذلك، ثم أحبط. وأيضاً فإن الحُزْن إنما يكون على فوات أمرٍ مقصودٍ، فلما قدَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الانتفاع بإيمانهم - ثم كفروا - حَزنَ صلى الله عليه وسلم عند ذلك؛ لفوات التكثير بهم، فآمنه الله من ذلك، وعرَّفه أن وجودَ إيمانهم كعدمه في أن أحوالَه لا تتغير. وقيل: المراد رؤساء اليهود - كعب بن الأشرف وأصحابه - كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم لمتاع الدنيا. قال القَفَّال ولا يبعد حمل الآية على جميع أصناف الكفار؛ لقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ} تفسير : [المائدة: 41]. فإن قيل: الحُزْن على كُفر الكافر، ومعصية العاصي طاعة، فكيف نهاه الله عن الطاعة؟ فالجوابُ من وجهين: الأول: أنه كان يفرط في الحُزْن على كُفْر قومه، حتَّى كاد يؤدي ذلك إلى لحوق الضرر به، فنهاه الله تعالى عن الإسراف فيه، كما قال: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} تفسير : [فاطر: 8]. الثاني: أن المعنى لا يُحْزنوكَ بخوف أن يضروك، ويعينوا عليك؛ ألا ترى إلى قوله: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} يعني: أنهم لا يضرون - بمسارعتهم في الكفر - غير أنفسهم، ولا يعود وبال ذلك على غيرهم ألبتة. ثم قال: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ} وهذا تنصيصٌ وردٌّ على المعتزلة بأنَّ الخيرَ والشر بإرادة الله تعالى، وتدل الآية - أيضاً - على أنَّ النكرةَ في سياق النَّفي تعم؛ إذ لو لم يحصل العموم لم يحصل في تهديد الكفار بهذه الآية، ثم قال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهذا كلام مبتدأ والمعنى: أنه كما لا حَظَّ لهم ألبتة من منافع الآخرة، فلهم الحَظُّ العظيمُ من [مضارِّها].

ابو السعود

تفسير : {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ} إشارةٌ إلى المثبَّط أو إلى مَنْ حمله على التثبـيط والخطابُ للمؤمنين وهو مبتدأ وقولُه تعالى: {ٱلشَّيْطَـٰنُ} إما خبرُه وقوله تعالى: {يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ} جملةٌ مستأنفةٌ مبـيِّنة لشيطنته أو حالٌ كما في قوله تعالى: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } تفسير : [النمل، الآية 52] الخ، وإما صفتُه والجملةُ خبرُه ويجوز أن تكون الإشارةُ إلى قوله على تقدير مضافٍ أي إنما ذلكم قولُ الشيطانِ أي إبليسَ، والمستكنُّ في {يُخَوّفُ} إما للمقدر وإما للشيطان بحذف الراجعِ إلى المقدر أي يخوِّف به، والمرادُ بأوليائه إما أبو سفيان وأصحابُه فالمفعولُ الأولُ محذوفٌ أي يخوفكم أولياءَه كما هو قراءةُ ابنِ عباس وابنِ مسعودٍ ويؤيِّده قولُه تعالى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} أي أولياءَه {وَخَافُونِ} في مخالفة أمري، وإما القاعدون فالمفعولُ الثاني محذوفٌ أي يخوفهم الخروجَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والضميرُ البارزُ في {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} للناس الثاني أي فلا تخافوهم فتقعُدوا عن القتال وتجبُنوا وخافوني فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمُركم به. والخطابُ لفريقَي الخارجين والقاعدين، والفاءُ لترتيب النهي أو الانتهاءِ على ما قبلَها فإن كونَ المَخوفِ شيطاناً مما يوجب عدمَ الخوفِ والنهي عنه {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فإن الإيمانَ يقتضي إيثارَ خوفِ الله تعالى على خوف غيرِه ويستدعي الأمنَ من شر الشيطانِ وأوليائِه. {وَلاَ يَحْزُنكَ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتشريفه بتخصيصه بالتسلية والإيذانِ بأصالته في تدبـير أمورِ الدينِ والاهتمامِ بشؤونه {ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ} أي يقعون فيه سريعاً لغاية حرصِهم عليه وشدةِ رَغبتِهم فيه، وإيثارُ كلمةِ {فِى} على ما وقع في قوله تعالى: {أية : وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ } تفسير : [آل عمران، الآية 133] الآية، للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ} فإن ذلك مؤذِنٌ بملابستهم للخيرات وتقلّبِهم في فنونها في طرفي المسارعةِ وتضاعيفِها، وأما إيثار كلمة {إِلَىٰ} في قوله تعالى: {أية : وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } تفسير : [المؤمنون، الآية 61] الخ، فلأن المغفرةَ والجنةَ منتهىٰ المسارعةِ وغايتُها، والمرادُ بالموصول المنافقون من المتخلفين وطائفةٌ من اليهود حسبما عُيِّن في قوله تعالى: {أية : يأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا بِأَفْوٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ } تفسير : [المائدة، الآية 41] وقيل: قوم ارتدوا عن الإسلام، والتعبـيرُ عنهم بذلك للإشارة بما في حيز الصلةِ إلى مَظِنة وجودِ المنهيِّ عنه واعترائِه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي لا يَحْزُنوك بمسارعتهم في الكفر ومبادرتِهم إلى تنفيذ أحكامِه ومُظاهرتِهم لأهله، وتوجيهُ النهي إلى جهتهم مع أن المقصودَ نهيُه عليه الصلاة والسلام عن التأثر منهم للمبالغة في ذلك لما أن النهيَ عن التأثير نهيٌ عن التأثّر بأصله ونفيٌ له بالمرة، وقد يُوجِّه النهيُ إلى اللازم والمرادُ هم النهيُ عن الملزوم كما في قولك: لا أُرَينّك هٰهنا. وقُرىء لا يُحزِنْك من أحزن المنقولِ من حزِن بكسر الزاء، والمعنى واحدٌ، وقيل: معنى حزَنه جعل فيه حُزْناً كما في دهَنه أي جعل فيه دُهْناً ومعنى أحزنه جعله حزيناً، وقيل: معنى حزَنه أحدث له الحزَن ومعنى أحزنه عرَّضه للحُزْن. {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ} تعليلٌ للنهي وتكميلٌ للتسلية بتحقيق نفيِ ضررِهم أبداً، أي لن يضروا بذلك أولياءَ الله البتةَ، وتعليقُ نفي الضررِ به تعالى لتشريفهم والإيذانِ بأن مُضارَّتَهم بمنزلة مضارَّتِه سبحانه، وفيه مزيدُ مبالغةٍ في التسلية، وقوله تعالى: {شَيْئاً} في حيز النصبِ على المصدرية أي شيئاً من الضرر، والتنكيرُ لتأكيد ما فيه من القلة والحقارةِ، وقيل: على نزع الجارِّ أي بشيء ما أصلاً، وقيل: المعنى لن يَنقصُوا بذلك من مُلكه تعالى وسلطانِه شيئاً كما روىٰ أبو ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يقول الله تعالى: «لو أنَّ أولَكم وآخِرَكم وجِنّكم وإنسَكُم كانوا على قلب أتقى رجُلٍ منكم ما زادَ ذلكَ في مُلكي شيئاً. ولو أنَّ أولَكم وآخرَكم وجنَّكُم وإنسَكُم كانوا على قلب أفجرِ رجلٍ منكم ما نَقَصَ ذلكَ من مُلكي شيئاً» تفسير : والأولُ هو الأنسبُ بمقام التسليةَ والتعليل. {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن لا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى ٱلآخِرَةِ} استئنافٌ مبـينٌ لسرّ ابتلائهم بما هم فيه من انهماكٍ في الكفر، وفي ذكر الإرادةِ ــ من الإيذان بكمال خلوصِ الداعي إلى حرمانهم وتعذيبِهم حيث تعلّقت بهما إرادةُ أرحمِ الراحمين ما لا يخفى، وصيغةُ الاستقبالِ للدِلالة على دوام الإرادةِ واستمرارِها، أي يريد الله بذلك أن لا يجعلَ لهم في الآخرة حظاً ما من الثواب ولذلك تركهم في طغيانهم يعمهون إلى أن يهلِكوا على الكفر {وَلَهُمْ} مع ذلك الحِرمانِ الكلي {عَذَابٌ عظِيمٌ} لا يقادَرُ قدرُه، قيل: لمّا دلت المسارعةُ في الشيء على عِظَم شأنِه وجلالةِ قدرِه عند المسارِعِ وُصف عذابُه بالعِظَم رعايةً للمناسبة وتنبـيهاً على حقارة ما سارعوا فيه وخساستِه في نفسه، والجملةُ إما مبتدَأةٌ مبـيِّنةٌ لحظهم من العقاب إثرَ بـيانِ أن لا شيءَ لهم من الثواب، وإما حالٌ من الضمير في لهم أي يريد الله حِرمانَهم من الثواب مُعدّاً لهم عذابٌ عظيم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} [الآية: 175]. قال الجنيد رحمة الله تعالى عليه: الخوف توقع العذاب مع كل نفس. قال بعضهم: خوف أهل المعرفة ثلاثة: خوف من تقلب القلب، وإفراط القول، وتخليط العمل. قال الواسطى: الخوف من شرط الإيمان والحسبة من شرط العلم. قال ابن عطاء فى قوله تعالى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} قال: ما دمتم متمسكين بالطريقة فخافونى فمن ترك الخوف فقد ترك الطريقة المستقيمة. وقال أيضًا فى هذه الآية: الخوف رقيب العمل والرجاء شفيع المحن. وقال أحمد بن عاصم: أنفع الخوف ما حجزك عن المعاصى، وأطال منك الحزن على ما قد فات وألزمك الفكر فى بقية عمرك وخاتمة أمرك. قال الواسطى: ليس الخوف من وقعت به العبرة كخوف من لم تقع به، بل ليس قلق من شاهد ما غاب كقلق من حذر ما غاب، بل ليست رهبة من هو غائب عن حضوره كرهبة من حضر فى غيبته، بل ليس خوف من هو فى وقاية الحق كمن هو فى رعاية الحق. قال سهل بن عبد الله فى قوله: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}: إن كنتم مصدقين أنه لا دافع ولا نافع غيرى.

القشيري

تفسير : الإشارة في تسليط دواعي الشيطان على قلوب الأولياء صدق فرارهم إلى الله؛ كالصبيِّ الذي يُخوَّف بشيء يفزع الصبيان، فإذا خاف لم يهتدِ إلى غير أمه، فإذا أتى إليها آوَتْه إلى نفسها، وضمَّتهُ إلى نَحْرِها، وألصقَتْ بِخَدِّه خدَّها. كذلك العبد إذا صدق في ابتهاله إلى الله، ورجوعه إليه عن مخالفته، آواه إلى كنف قربته، وتداركه بحسن لطفه.

البقلي

تفسير : {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} قدس الحق سبحانه حضرة الكبرياء عن تهمة الاغيار ونفى الانداد عن ساحة الجلال قال خافون فى التفاتكم بالاسرار بنعت الخوف من الاغيار رفع ما استحق له عم نليسله اسحقاق وهوف العباد منه حقوق ربوبيته وليس فى هذا الخوف من الغير نصيب قرن الخوف والايمان محل البرهان عند وقوع الامتحان فاذا وقع نور المشاهدة تظهر انوار الهيبة وتذهب علة الخوف خوفهم بنفسه لامن عذابه اى من نظر الى غيرى بنعت اجلاله احتجب عنى به وانا ابقيه فى الخوف من غيرى وهو محل اشرك به اى من خافنى فهو فى محل الايمان ومن خاف غيرى فهو فى محل اشرك وهذا الشرك خفى قال الواسطى الخفو من شرط الايمان والخشية من شرط العلم واشارته فى ذلك الى قوله تعالى {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} تفسير : وقال ابن عطا ما دمتم متمسيكن بالطريقة فخافونى فمن ترك الخوف فقد ترك الطريقة المستقيمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {انما ذلكم} اى المثبط ايها المؤمنون وهو مبتدأ {الشيطان} خبره {يخوف اولياءه} المنافقين غلبة المشركين وقهرهم ليقعدوا عن قتالهم فهم المنافقون الذين فى قلوبهم مرض وقد تخلفوا عن رسول الله فى الخروج والمعنى ان تخويفه بالكفار انما يتعلق بالمنافقين الذين هم اولياؤه واما انتم ايها المؤمنون فاولياء الله وحزبه الغالبون لا يتعلق بكم تخويفه {فلا تخافوهم} اى الشيطان واولياءه من ابى سفيان وغيره {وخافون} فى مخالفة امرى {ان كنتم مؤمنين} فان الايمان يقتضى ايثار خوف الله عز وجل على خوف غيره ويستدعى الامن من شر الشيطان واوليائه. والخوف على ثلاثة اقسام. خوف العام وهو من عقوبة الله. وخوف الخاص وهو من بعد الله. وخوف الاخص وهو من الله والى هذه المراتب اشار النبى عليه السلام بقوله "حديث : اعوذ بعفوك من عقابك واعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك " .تفسير : فعلى السالك ان يفنى عن نفسه وصفاتها ولا يرى فى الكون وجودا غير وجوده فلا يخاف الا منه فانه هو القاهر فوق عباده وهو الكافى جميع الامور. قال نجم الدين الكبرى قدس سره آخر مقام الخلة ان يكبر على نفسه وجميع المكونات اربع تكبيرات ويتحقق له ان الله حسبه من كل شىء وهو نعم الوكيل عن نفسه وما سواه: قال الحافظ الشيرازى شعر : من همان دمكه وضو ساختم ازجشمه عشق جار تكبير زدم يكسره برهر جه كه هست تفسير : يشير الى انه وقت قيامه بالعشق رأى وجود غير الله ميتا بمنزلة الجماد وقد قال كل شىء هالك الا وجهه وصلاة الميت باربع تكبيرات لا غير وهذا هو الفناء عن نفسه وعن المكونات حققنا الله تعالى بحقيقة التوحيد. قال ابو يزيد كنت اثنتى عشرة سنة حدادا لنفسى وخمسين سنة مرآة قلبى وسنة انظر فيها فاذا فى وسطى زنار ظاهر فعملت فى قطعه اثنتى عشرة سنة ثم نظرت فاذا فى باطنى زنار فعملت فى قطعه خمس سنين انظر كيف اقطع فكشف لى فنظرت الى الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم اربع تكبيرات. وقيل لابى يزيد البسطامى بعد وفاته كيف كان حالك مع منكر ونكير فقال لما قالا لى من ربك قلت لهما اسألا ربى فان قال هو عبدى يكفى وإلا فلو قلت انا عبده مرارا لا يفيد بلا قبوله وحقيقة العبودية بالتبرى من جميع ما سوى الله ولو من صومه وصلاته وسائر عباداته ـ روى ـ ان ابا يزيد فى آخر عمره دخل محرابه وقال الهى لا أذكر صومى ولا صلاتى ولا غيرهما بل اقول افنيت عمرى فى الضلالة فالآن قطعت زنارى وجئت بابك بالاستسلام وهو الاسلام وهذا هو الإنصاف من نفسه حقيقة. قال الشيخ السعدى فى حق شيخه السهروردى شعر : شبى دائم ازهول دروزخ تحفت بكوش آمدم صبحكا هى كه كفت جه بودى كه دوزخ زمن برشدى مكر ديكرانرا رهايى بدى تفسير : فالعاقل لا يزكى نفسه ولا يراها محلا لكرامة الله بل يتواضع بحيث يرى اعماله السيئة كثيرة بالنسبة الى اعماله الصالحة بل ولا يرى فى نفسه الا العدم المحض. واعلم ان من شعار المسلمين وعادة المؤمنين ان يجاهدوا فى سبيل الله ولا يخافوا لومة اللائمين ألا يرى ان الله تعالى كيف مدح قوما حالهم كذلك بقوله {أية : يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} تفسير : [المائدة: 54]. فمن كان مع الله فهو يعصمه وينصره على اعدائه خصوصا عدو النفس الامارة شعر : كسى رادانم اهل استقامت كه باشد برسر كوى ملامت زاوصاف طبيعت باك مرده باطلاق هويت جان سبرده برفته سايه وخرشيد مانده تمام ازكرد خوددا من فشانده تفسير : اوصلنا الله واياكم الى الخلوص واليقين والتمكين آمين.

الطوسي

تفسير : معنى الآية انما ذلك التخويف الذي كان من نعيم بن مسعود من فعل الشيطان، وباغوائه، وتسويله. يخوف أولياءه المؤمنين. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يخوف المؤمنين بالكافرين. وقال الزجاج، وأبو علي الفارسي، وغيرهما من أهل العربية: إن تقديره يخوفكم أولياءه. أي من أوليائه بدلالة قوله: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} أي إن كنتم مصدقين بالله فقد أعلمتكم أني انصركم عليهم، فقد سقط عنكم الخوف. ومثله قوله: {أية : لينذر بأساً شديداً من لدنه} تفسير : ومعناه لينذركم بأساً والتقدير لينذركم ببأس شديد، فلما حذف الجار نصبه. وقيل: إن {يخوف} يتعدى إلى مفعولين، لأنك تقول: خفت زيداً وخوفت زيداً عمراً. ويكون في الآية حذف أحد المفعولين، كما قلناه في قولهم: فلان يعطي الدراهم ويكسو الثياب. وقال بعضهم: هذا لا يشبه الآية، لأنه انما أجازوا حذف المفعول الثاني في أعطى الدراهم، لأنه لا يشتبه أن الدراهم هي التي اعطيت. وفي الآية تشتبه الحال في من المخوف ومن المخوّف وقال قوم: {يخوف أولياءه} أي انما خاف المنافقون ومن لا حقيقة لايمانه. وقال الحسن، والسدي: يخوف أولياءه المنافقين، ليقعدوا عن قتال المشركين ويخوف يتعدى إلى مفعولين كما يتعدى، يعطي لأن أصله خاف زيد القتال. وخوفته القتال. كما تقول عرف زيد أخاك وعرفته أخاك. فان قيل: كيف يكون الاولياء على المفعول الثاني وانما التخويف من الاولياء لغيرهم؟ قيل: ليس التقدير هكذا. وانما هو على (خاف المؤمنون أولياء الشيطان). وهو خوفهم أولياءه. قال الرماني: وغلط من قدر التقدير الأول. وقوله: {فلا تخافوهم} يعني لا تخافوا المشركين. وانما قال: (ذلك) وهي انما يشار بها إلى ما هو بعيد لأنه أراد ذلك القول تقدم من المخوف لهم من قوله: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم}.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} الشّيطان خبر ذلكم او صفته والخبر {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} والمراد بالمشار اليه نعيم بن مسعود المثبّط او ابو سفيان او المثبّط من ركب عبد القيس واولياءه مفعول اوّل او مفعول ثانٍ {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} اى الشّيطان ومن معه او اولياء الشّيطان {وَخَافُونِ} فانّ الضّرر من كلّ ضارّ لا يصل الى احد الاّ باذنى {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} فانّ شأن الايمان والاعتقاد بتوحيد الله ان لا يرجو المؤمن ولا يخاف الاّ الله.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {إنما ذلِكُم الشيطان يخوّف أولياءه} أي يخوفهم بأوليائه، قيل: هو أبو سفيان. وقيل: برسوله، قوله تعالى: {ولا يحسبنَّ الذين كفروا إنّما نملي لهم} نزلت في مشركي مكة، وقيل: في بني قريظة والنضير والمعنى ولا يحسبن أن الإملاء خير لهم من منعهم أو قطع آجالهم إنما نملي لهم ما هذه حقها أن تكتب متصلة لأنها كافة دون الأولى وهذه جملة مستأنفة تعليلاً للجملة قبلها فكأنه قيل: ما لهم لا يحسبون الاملاء خيراً لهم؟ فقيل لهم: {أنَّما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين}.

اطفيش

تفسير : {إِنَّمَا ذلِكُمُ}: المذكور، وهم الناس القائلون: إن الناس قد جَمَعُوا لكُم، أو المذكور الذى هو نعيم بن مسعود القائل ذلك أو أبو سفيان. {الشَّيْطَانُ}: خبر {ذلكم}، وجملة قوله: {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}: حال من الشيطان أو خبر ثان، كقوله: هو رجل خبيث، أو الشيطان: نعت ذلكم، وجملة {يخوف أولياءه} خبر شبه الجماعة بالشيطان، أو أبا سفيان، أو نعيماً تشبيهاً بليغاً كزيد أسد، وتشبيه الجماعة بالواحد جائز، سواء أريد أن كل واحد منها ككذا، أو أريد أن مجموعها كله ككذا، ويجوز أن تكون الإشارة إلى قولهم: {إن الناس قد..} إلخ فَيُقَدَّر مضاف، أى: إنما ذلكم القول الشيطان، فمن هذه الجهة يكون المجاز بالحذف، وبعد ذكر المضاف يحتمل المجاز العقلى بأن سمى قولهم قول الشيطان وأسنده إليه، ويحتمل التشبيه البليغ أو الاستعارة على الخلاف فى زيد أسد، أى قولهم الذى نطقوا به من ألسنتهم، كقول الشيطان الذى نطق به، لأن نطق كل أحد غير نطق الآخر، ولو اتحد اللفظ والمعنى، ويجوز أن تكون الإشارة إلى المفعول، فيكون التجوز بالحذف، فقط أى: إنما ذلكم المقول مقول الشيطان، كما تقول: الرجل الذى أكرمت هو الذى أكرم زيد، فإن الرجل لا يتعدد حقيقة بتعدد مكرمه، والشيطان: إبليس، وإن أريد الجنس، كان من التشبيه من تشبيه الجماعة بالجماعة، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الشأن والشيطان مبتدأ ويخوف أولياءه خبره مفسر له، كما هو حال ضمير الشأن، والشيطان فى هذا الوجه: إبليس أو الجنس على الحقيقة، أو الجماعة أو نعيم، أو أبو سفيان، على التشبيه أو الاستعارة، والمراد بالأولياء المنافقين، القاعدين عن القتال، أو الغزو، فالمفعول الثانى محذوف، أى: يخوف أولياءه غلبة المشركين، أو المفعول الأول محذوف، فالأولياء المشركون: أى يخوفكم أيها المسلمون، أولياءه المشركين - أبا سفيان وأصحابه - أى: يصيركم خائفين غلبة أوليائه عليكم، ويدل لهذا الوجه قراءة أبى: يخوفكم بأوليائه، وقراءة ابن عباس: يخوفكم أولياءه. قال المحاسبى: كلما عظمت هيبة الله عز وجل فى صدور أوليائه لم يهابوا معه غيره حياءً منه عز وجل، أن يخافوا معه سواء. {فَلاَ تَخَافُوهُمْ}: أى لا تخافوا الناس الجامعين، فالهاء عائدة إلى الناس من قوله {أية : إن الناس قد جمعوا}تفسير : أو لا تخافوا أبا سفيان وأصحابه، فالهاء عائدة إلى الأولياء. {وَخَافُونِ}: أى عظمونى، أو خافوا عقابى على مخالفة أمرى إن خالفتموه فجاهدوا مع رسولى. {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}: مصدقين بوعدى أو مطيعين، فإن الإيمان الحقيق يصرف الخوف كله إلى الله فلا يخاف إلا منه فهو المتكفل بالنصر للمؤمنين.

اطفيش

تفسير : {إنمَّا ذَلِكُمُ} القائل، أو الأمر له بالقول من الناس، أو القائل جنى، إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم {الشَّيْطَانُ} أى إبليس، أو بعض أولاده، أو الإنسى إبو سفيان، أو نعيم بن مسعود، أو الحنس الشامل له الصادق بركب عبد القيس، أو جنس الخبيث المضر الشامل لهؤلاء كلهم من الجن والإنس إلا أن تفسير الشيطان بنعيم لا يناسب إسلامه بعد ولو بتأويل تشبيه فعله بفعل الشيطان، والكاف خطاب للمؤمنين {يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ} منافقى المدينة، والمفعول الثانى محذوف، أى القتال، أو غلبة المشركين، أو حذف الأول، أى يخوف نعيم أو الركب أو إبليس، المسلمين أولياءه، الذين هم أبو سفيان وأصحابه {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} لا تخافوا أيها المسلمون بالخروج مع الرسول الله صلى الله عليه وسلم الناس الذين قيل إنهم قد جمعوا لكم، أو لا تخافوا أولياء الشيطان أبا سفيان وأصحابه فى القعود عن القتال {وَخَافُونِ} فى مخالفة أمرى وترك الذهاب معه صلى الله عليه وسلم إلى القتال، بحذف ياء المتكلم خطاً ونطقا، وجملة ما حذف خطا اثنتان وستون، يوقف بحذفها وإسكان ما قبلها {إن كُنتُم مُّؤْمِنِينََ} حقَّا، فإن الإيمان الحقيقى يحمل على إيثار ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، وقيل الخطاب للخارجين والمتخلفين، والقصد التعريض بالمتخلفين، وقيل الخطاب للمتخلفين، لأن الخارجين لم يخافوا إلا الله، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، ووضع الظاهر موضع المضمر نعياً عليهم بأنهم أولياء للشيطان،وإذا كان للمؤمنين فقوله إن كنتم مؤمنين زيادة تهييج إلى الإيمان.

الالوسي

تفسير : {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ } الإشارة إلى المثبط بالذات أو بالواسطة، والخطاب للمؤمنين وهو مبتدأ، وقوله: {ٱلشَّيْطَـٰنُ } بمعنى إبليس لأنه علم له بالغلبة خبره على التشبيه البليغ، وقوله تعالى: {يُخَوّفُ أَوْلِيَاءَهُ } جملة مستأنفة مبينة لشيطنته، أو حال كما في قوله تعالى: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً }تفسير : [النمل: 52]. ويجوز أن يكون الشيطان صفة لاسم الإشارة على التشبيه أيضاً، ويحتمل أن يكون مجازاً حيث جعله هو ويخوف هو الخبر، وجوز أن يكون ذا إشارة إلى قول المثبط فلا بدّ حينئذ من تقدير مضاف أي قول الشيطان، والمراد به إبليس أيضاً ولا تجوز فيه على الصحيح، وإنما التجوز في الإضافة إليه لأنه لما كان القول بوسوسته وسببه جعل كأنه قوله، والمستكن في {يُخَوّفُ } إما للمقدر وإما للشيطان بحذف الراجع إلى المقدر أي يخوف به، والمراد بأوليائه إما أبو سفيان وأصحابه، فالمفعول الأول ليخوف محذوف أي يخوفكم أولياءه بأن يعظمهم في قلوبكم، ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا } تفسير : [الكهف: 2] وبذكر هذا المفعول قرأ ابن عباس. وقرأ بعضهم (يخوفكم بأوليائه)، وعلى هذا المعنى أكثر المفسرين، وإليه ذهب الزجاج وأبو علي الفارسي وغيرهما، ويؤيده قوله تعالى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ } أي فلا تخافوا أولياءه الذين خوفكم إياهم {وَخَافُونِ } في مخالفة أمري، وإما المتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأولياءه هو المفعول الأول والمفعول الثاني إما متروك أو محذوف للعلم به أي يوقعهم في الخوف، أو يخوفهم من أبـي سفيان وأصحابه؛ وعلى هذا لا يصح عود ضمير {تَخَافُوهُمْ } إلى الأولياء بل هو راجع إلى {أية : ٱلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 173] الثاني كضمير ـ اخشوهم ـ فهو ردّ له أي فلا تخافوا الناس وتقعدوا عن القتال وتجبنوا وخافون فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى امتثال ما يأمركم به، وإلى هذا الوجه ذهب الحسن والسدي، وادعى الطيبـي أن النظم يساعد عليه، والخطاب حينئذ لفريقي الخارجين / والمختلفين والقصد التعريض بالطائفة الأخيرة، وقيل: الخطاب لها و {أَوْلِيَاءهُ } إذ ذاك من وضع الظاهر موضع المضمر نعياً عليهم بأنهم أولياء الشيطان؛ واستظهر بعضهم هذا القيل مطلقاً معللاً له بأن الخارجين لم يخافوا إلا الله تعالى وقالوا حسبنا الله وأنت تعلم أن قيام احتمال التعريض يمرض هذا التعليل، والفاء لترتيب النهي أو الانتهاء على ما قبلها فإن كون المخوف شيطاناً أو قولاً له مما يوجب عدم الخوف والنهي عنه، وأثبت أبو عمرو ياء {وَخَافُونِ } وصلاً وحذفها وقفاً والباقون يحذفونها مطلقاً وهي ضمير المفعول. وقوله تعالى: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إن كان الخطاب للمتخلفين فالأمر فيه واضح، وإن كان للخارجين كان مساقاً للإلهاب والتهييج لهم لتحقق إيمانهم، وإن كان للجميع ففيه تغليب، وأيّاً مّا كان فالجزاء محذوف، وقيل: إن كان الخطاب فيما تقدم للمؤمنين الخلص لم يفتقر إلى الجزاء لكونه في معنى التعليل، وإن كان للآخرين افتقر إليه وكأن المعنى إن كنتم مؤمنين فخافوني وجاهدوا مع رسولي لأن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله تعالى على خوف الناس. هذا ومن باب الإشارة: في الآيات {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } بسيف المحبة {أَوْ مُتُّمْ } بالموت الاختباري {لَمَغْفِرَةٌ } أي ستر لوجودكم {مّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ } منه تعالى بتحليكم بصفاته عز وجل {أية : خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ }تفسير : [آل عمران: 157] أي أهل الكثرة {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } أي باتصافك برحمة رحيمية أي رحمة تابعة لوجودك الموهوب الإلهي لا الوجود البشري {لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً } موصوفاً بصفات النفس كالفظاظة والغلط {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } ولم يتحملوا مؤنة ذلك، أو يقال: لو لم تغلب صفات الجمال فيك على نعوت الجلال لتفرقوا عنك ولماصبروا معك، أو يقال: لو سقيتهم صرف شراب التوحيد غير ممزوج بما فيه لهم حظ لتفرقوا هائمين على وجوههم غير مطيقين الوقوف معك لحظة؛ أو يقال: لو كنت مدققاً عليهم أحكام الحقائق لضاقت صدورهم ولم يتحملوا أثقال حقيقة الآداب في الطريق ولكن سامحتهم بالشريعة والرخص {فَٱعْفُ عَنْهُمْ } فيما يتعلق بك من تقصيرهم معك لعلو شأنك وكونك لا ترى في الوجود غير الله {وَٱسْتَغْفِرَ لَهُمْ } فيما يتعلق بحق الله تعالى لاعتذارهم أو استغفر لهم ما يجري في صدورهم من الخطرات التي لا تليق بالمعرفة {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَْمْرِ } إذا كنت في مقام الفعل اختباراً لهم وامتحاناً لمقامهم {فَإِذَا عَزَمْتَ } وذلك إذا كنت في مقام مشاهدة الربوبية والخروج من التفرقة إلى الجمع {أية : فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ }تفسير : [آل عمران: 159] فإنه حسبك فيما يريد منك وتريد منه، وذكر بعض المتصوفة أنه يمكن أن يفهم من الآية كون الخطاب مع الروح الإنساني وأنه لان لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية لتستوفي حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش ولولا ذلك لاضمحلت تلك القوى وتلاشت واختلت الحكمة وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها {أية : إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 160] تحقيق لمعنى التوكل والتوحيد في الأفعال. وقد ذكر بعض السادة قدس الله تعالى أسرارهم إن نصر الله تعالى لعباده متفاوت المراتب، فنصره المريدين بتوفيقهم لقمع الشهوات، ونصره المحبين بنعت المدانات، ونصره العارفين بكشف المشاهدات، وقد قيل: إنما يدرك نصر الله تعالى من تبرأ من حوله وقوته واعتصم بربه في جميع أسبابه {أية : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}تفسير : [آل عمران: 161] لكمال قدسه وغاية أمانته فلم يخف حق الله تعالى عن عباده وأعطى علم الحق لأهل الحق ولم يضع أسراره إلا عند الأمناء من أمته {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} أي النبـي في مقام الرضوان التي هي جنة الصفات لاتصافه بصفات / الله تعالى {كَمَن بَاء بِسَخَطٍ مّنَ ٱللَّهِ } وهو الغال المحتجب بصفات نفسه {أية : وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ }تفسير : [آل عمران: 162] وهي أسفل حضيض النفس المظلمة {أية : هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 163] أي كل من أهل الرضا والسخط متفاوتون في المراتب حسب الاستعدادات {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ }تفسير : [آل عمران: 164] إذ هو صلى الله عليه وسلم مرآة الحق يتجلى منه على المؤمنين ولو تجلى لهم صرفاً لاحترقوا بأول سطوات عظمته، ومعنى كونه عليه الصلاة والسلام {مّنْ أَنفُسِهِمْ } كونه في لباس البشر ظاهراً بالصورة التي هم عليها وحمل المؤمنين على العارفين والرسول على الروح الإنساني المنور بنور الأسماء والصفات المبعوث لإصلاح القوى غير بعيد في مقام الإشارة {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ } في أثناء السير في الله تعالى وهي مصيبة الفترة بالنسبة إليكم {قَدْ أَصَبْتُمْ } قوى النفس {مّثْلَيْهَا } مرة عند وصولكم إلى مقام توحيد الأفعال ومرة عند وصولكم إلى مقام توحيد الصفات {قُلْتُمْ أَنّىٰ } أصابنا {هَـٰذَا } ونحن في بيداء السير في الله تعالى عز وجل {أية : قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 165] لأنه بقي فيها بقية مّا من صفاتها ولا ينافي قوله سبحانه: {أية : قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 78] لأن السبب الفاعلي في الجميع هو الحق جل شأنه والسبب القابلي أنفسهم، ولا يفيض من الفاعل إلا ما يليق بالاستعداد ويقتضيه، فباعتبار الفاعل يكون من عند الله، وباعتبار القابل يكون من عند أنفسهم، وربما يقال ما يكون من أنفسهم أيضاً يكون من الله تعالى نظراً إلى التوحيد إذ لا غير ثمة {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } سواء قتلوا بالجهاد الأصغر وبذل الأنفس طلباً لرضا الله تعالى أو بالجهاد الأكبر وكسر النفس وقمع الهوى بالرياضة {أَمْواتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ } بالحياة الحقيقية مقربين في حضرة القدس {أية : يُرْزَقُونَ } تفسير : [آل عمران: 169] من الأرزاق المعنوية وهي المعارف والحقائق، وقد ورد في بعض الأخبار أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تدور في أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، ونقل ذلك بهذا اللفظ بعض الصوفية، وجعل الطير الخضر إشارة إلى الأجرام السماوية، والقناديل من ذهب إشارة إلى الكواكب، وأنهار الجنة منابع العلوم ومشارعها، وثمارها الأحوال والمعارف. والمعنى أن أرواح الشهداء تتعلق بالنيرات من الأجرام السماوية بنزاهتها وترد مشارع العلوم وتكتسب هناك المعارف والأحوال، ولا يخفى أن هذا مما لا ينبغي اعتقاده كما أشرنا إليه فيما سبق فإن كان ولا بدّ من التأويل فليجعل الطير إشارة إلى الصور التي تظهر بها الأرواح بناءاً على أنها جواهر مجردة، وأطلق اسم الطير عليها إشارة إلى خفتها ووصولها بسرعة حيث أذن لها. ونظير ذلك في الجملة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث: «حديث : الأطفال هم دعاميص الجنة» تفسير : والدعاميص جمع دعموص وهي دويبة تكون في مستنقع الماء كثيرة الحركة لا تكاد تستقر، ومن المعلوم أن الأطفال ليسوا تلك الدويبة في الجنة لكنه أراد صلى الله عليه وسلم الإخبار بأنهم سياحون في الجنة فعبر بذلك على سبيل التشبيه البليغ، ووصف الطير بالخضرة إشارة إلى حسنها وطراوتها، ومنه خبر «حديث : إن الدنيا حلوة خَضِرة تفسير : وقول عمر رضي الله تعالى عنه: إن الغزو حلو خضر، ومن أمثالهم النفْس خضراء، وقد يريدون بذلك أنها تميل لكل شيء وتشتهيه، وأمر الظرفية في الخبر سهل، وباقي ما فيه إما على ظاهره، وأما مؤل، وعلى الثاني: يراد من الجنة الجنة المنوية وهي جنة الذات والصفات، ومن أنهارها ما يحصل من التجليات، ومن ثمارها ما يعقب تلك التجليات من الآثار، ومن القناديل المعلقة في ظل العرش مقامات لا تكتنه معلقة في ظل عرش الوجود المطلق المحيط، وكونها من ذهب إشارة إلى عظمتها وأنها لا تنال إلا بشق الأنفس. / وحاصل المعنى على هذا أن أرواح الشهداء الذين جادوا بأنفسهم في مرضاة الله تعالى، أو قتلهم الشوق إليه عز شأنه تتمثل صوراً حسنة ناعمة طرية يستحسنها من رآها تطير بجناحي القبول والرضا في أنواع التجليات الإلهية وتكتسب بذلك أنواعاً من اللذائذ المعنوية التي لا يقدر قدرها ويتجدد لها في مقدار كل ليلة مقام جليل لا ينال إلا بمثل أعمالهم، وذلك هو النعيم المقيم والفوز العظيم، وكأن من أول هذا الخبر وأمثاله قصد سدّ باب التناسخ ولعله بالمعنى الذي يقول به أهل الضلال غير لازم كما أشرنا إليه في آية البقرة. {فَرِحِينَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } من الكرامة والنعمة والزلفى عنده {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ } وهم الغزاة الذين لم يقتلوا بعد، أو السالكون المجاهدون أنفسهم الذين لم يبلغوا درجتهم إلى ذلك الوقت {أية : أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }تفسير : [آل عمران: 170] لفوزهم بالمأمن الأعظم، والحبيب الأكرم {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } عظيمة وهي جنة الصفات {وَفَضْلٍ } أي زيادة عليها وهي جنة الذات، {و} مع ذلك {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ } إيمان {أية : ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [آل عمران: 171] الذي هو جنة الأفعال وثواب الأعمال {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } بالفناء بالوحدة الذاتية والقيام بحق الاستقامة {مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ } أي كسر النفس {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ } وهم الثابتون في مقام المشاهدة {وَٱتَّقَوْاْ } النظر إلى نفوسهم لهم {أية : أَجْرٌ عَظِيمٌ }تفسير : [آل عمران: 172] وراء أجر الإيمان {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } المنكرون قبل الوصول إلى المشاهدة {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } وتحشدوا للإنكار عليكم {فَٱخْشَوْهُمْ } واتركوا ما أنتم عليه {فَزَادَهُمْ } ذلك القول {إِيمَـاناً } أي يقيناً وتوحيداً بنفي الغير وعدم المبالاة به وتوصلوا بنفي ما سوى الله تعالى إلى إثباته {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ } فشاهدوه ثم رجعوا إلى تفاصيل الصفات بالاستقامة {و} قالوا {أية : نِعْمَ ٱلْوَكِيلُ }تفسير : [آل عمران: 173] {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ } أي رجعوا بالوجود الحقاني في جنة الصفات والذات {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ } لم يؤذهم أحد إذ لا أحد إلا الأحد {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوانَ ٱللَّهِ } في حال سلوكهم حتى فازوا بجنة الذات المشار إليها بقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 174] كما أشرنا إليه {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} المحجوبين بأنفسهم ـ فلا تخافوا ـ المنكرين {وَخَافُونِ } إذ ليس في الوجود سواى {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] أي موحدين توحيداً حقيقياً والله تعالى الموفق للصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

القطان

تفسير : ان الذي وسوس الى أعوانه ان يقولوا: ان الناس قد جمعوا لكم، لهو الشيطان. لقد أراد أن يخوّفكم بأوليائه وأنصاره المشركين ويوهمكم ان المشركين أولو قوة وبأس شديد، فمن مصلحتكم ان تقعدوا عن لقائهم. لا تخافوا أيها المؤمنون من أبي سفيان وأنصاره، ولا ترهبوا جمعهم، بل خافوني وأطيعوا أوامري لأنكم أوليائي وأنا وليُّكم، متكفل لكم بالنصر والظفَر ما ظَلَلْتم صادقين في ايمانكم قائمين بما يفرضه عليكم هذا الايمان.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} (175) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ، أنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ الذِي يُخَوِّفُكُمْ مِنْ أوْلِيَائِهِ المُشْرِكِينَ، وَيُوهِمُكُمْ أنَّهُمْ ذَوُو بَأسٍ وَقُوَّةٍ، وَهُوَ الذِي قَالَ لَكُمْ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَلاَ تَخَافُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ، وَتَوكَّلُوا عَلَى اللهِ، وَالْجَؤُوا إليهِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ حَقّاً، فَإنَّهُ كَافِيكُمْ إيَّاهُمْ، وَنَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ. وَخَافُوهُ هُوَ فَهو القَادِرُ عَلَى النَّصْرِ وَعَلَى الخِذْلاَنَ، وَعلى الضَّرِّ وَالنَّفْعِ. يُخَوِّفُ أوْلِيَاءَه - يُخَوِّفُكُمْ مِنْ أنْصَارِهِ المُشْرِكِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنها صرخة الشيطان الذي يخوِّف أولياءه، ويَصحُّ أن يصرخ الشيطان صرخته وهو يتمثل في صورة بشر، ويصح أن ينزغ الشيطان بصرخته لواحد من البشر فيصرخُ هذا الإنسان بنزغ الشيطان له {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175]. وعندما نقرأ القرآن بدقة صفائية إيمانية فلا بد أن نفهم عن القرآن بعمق، فمن هم أولياء الشيطان؟ أولياء الشيطان في هذا الموقف، إما كفّار قريش، وإما المنافقون أو هما معاً. و"أولياءه" هم أحبابه الذين ينصرون فكرته. كأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يُبلّغنا: إنما ذلكم الشيطان الذي قال: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، هذا الشيطان إنما يخوف أولياءه. وللوهلة الأولى نجد أن الشيطان مُفترض فيه أن يخوّف أعداءه. ونحن هنا أمام شيطان ينزغ بعبارة التخويف، فمن الذي يخاف وممن يخاف؟ المفروض أن يُخيف الشيطانُ أعداءه، هذا هو المنطق. فنحن في حياتنا العادية نقول: خوّفت فلاناً من فلان، أو خوفت فلاناً فلاناً إذن فالشيطان يحاول هنا أن يتسلط على المؤمنين ويخوفهم من أوليائه الكفار والمنافقين، ونعرف في اللغة أن هناك في بعض المواقف يمكننا أن نحذف حرف الجر ونصل الجملة، ونُسمّيه "مفعولاً منه". مثال ذلك قول الحق: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً ..}تفسير : [الأعراف: 155]. فموسى عليه السلام اختار من قومه سبعين رجلاً. وعلى ذلك نقرأ قول الحق: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175] ونفهم منها؛ أن ذلك الشيطان يخوِّفكم أنتم من أوليائه، لأن حرف الجر في الآية الكريمة محذوف، ويعاضد هذا ويقويه قراءة ابن عباس وابن مسعود: يخوفكم أولياءه، وينبه الحق المؤمنين ألاّ تخافوا من أولياء الشيطان فيقول: "فلا تخافوهم". وهذا يوضح لنا أن الشيطان إنما أراد أن يُخوّف المؤمنين من أوليائه وهم المنافقون والكافرون. وبعض المفسرين قال: "يخوّف أولياءه" المقصود بهم أن الشيطان يخوّف أولياءه حتى يَجْبُنوا من القتال، فنزغ فيهم أنهم إن خرجوا للقتال فقد يموتون. ولكن إن جاز ذلك القول على المنافقين الذين لم يخرجوا مع الرسول لملاقاة المشركين فكيف يجوز ذلك على الصنف الثاني من أوليائه وهم الكفار؟ إن الكفار قد خرجوا فعلاً لقتال المؤمنين. ونفهم من قول الحق: "فلا تخافوهم وخافون" أن أولياء الشيطان ليسوا هم الخائفين ولكنهم هم المخوِّفون: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]. فالحق سبحانه يطلب من المؤمنين أن يصنعوا معادلة ومقارنة، أيخافون أولياء الشيطان، أم يخافون الله؟ ولابد أن يصلوا إلى الخوف من الله القادر على دحر أولياء الشيطان. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [الآية: 175] يقول يخوفكم بأَوليائه. أَو أَولياؤه الشياطين، يخوفونكم بالفقر. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} [الآية: 176] قال: هم المنافقون. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا: ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} [الآية: 179] قال: يخلصهم لنفسه.

الأندلسي

تفسير : {ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} ظاهره الإِشارة إلى مفرد ويكون على حذف مضاف إي فعل الشيطان. وإنما نسب إليه وأضيف لأنه ناشىء عن وسوسته وإغوائه وإلقائه. {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} فيه محذوفان مفعول وحرف جر والتقدير يخوفكم بأوليائه كما جاء ذلك المحذوفان مصرحاً بهما في قوله: {أية : يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ}تفسير : [الزمر: 16]. قال الزمخشري: الشيطان خبر ذلكم، بمعنى إنما ذلكم التثبيط هو الشيطان ويخوف أولياءه جملة مستأنفة بيان لشيطنته أن الشيطان صفة لاسم الاشارة ويخوف الخبر والمراد بالشيطان نعيم أو أبو سفيان. "انتهى" فعلى تقدير القول تكون الجملة لا موضع لها من الاعراب، وإنما قال والمراد بالشيطان نعيم أو أبو سفيان لأنه لا يكون صفة، والمراد به إبليس لأنه إذا أريد به إبليس كان إذ ذاك علماً بالغلبة إذ أصله صفة كالعيوق ثم غلب على إبليس كما غلب العيّوق على النجم الذي ينطلق عليه. قال ابن عطية: وذلكم في الإِعراب ابتداء، والشيطان مبتدأ آخر، ويخوف أولياءه خبر عن الشيطان، والجملة خبر الابتداء الأول، وهذا الاعراب خير في تناسق المعنى من أن يكون الشيطان خبر ذلكم لأنه يجيء في المعنى استعارة بعيدة. "انتهى". هذا الذي اختاره إعراب لا يجوز إذا كان الضمير من أولياءه عائداً على الشيطان لأن الجملة الواقعة خبراً عن ذلكم ليس فيها رابط يربطها بقوله: ذلكم، وليست نفس المبتدأ في المعنى نحو قولهم: هجير أبي بكر لا إله إلا الله، وإن كان عائداً على ذلكم ويكون ذلكم خبراً عن الشيطان جاز وصار نظير إنما هند زيد يضرب غلامها، والمعنى إذا ذاك إنما ذلكم الركب أو أبو سفيان الشيطان يخوفكم أولياءه أي أولياء الركب أو أبي سفيان. {وَلاَ يَحْزُنكَ} الآية. قرىء يحزنك مضارع حزن ويحزنك ومضارع أحزن. والذين كفروا عام في كل من يسارع في الكفر. وقرىء يسرعون مضارع أسرع. {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية إنما احتملت ما أن تكون موصولة اسم ان والخبر خبر، واحتمل أن تكون ما مصدرية فيكون ذلك المصدر اسم ان وخبر ان خبر فعلي، التقدير الأول: يكون معناه أن الذي نمليه خير وحذف الضمير من نمليه وهو عائد على الذي، وعلى التقدير الثاني: يكون انّ املأنا خير وسدت انّ مسد مفعولي يحسبن. ومعنى نملي: نمهل ونمد في العمر. والملاوة: المدة من الدهر. والملوان: الليل والنهار. وقراءة الجمهور: ولا يحسبن بالياء فيكون الذين كفروا فاعلاً وعلى هذه القراءة يخرج ذانّك الاعرابان. وقرأ حمزة ولا تحسبن بالتاء، والذين كفروا مفعول أول ولا يكون ما بعده مفعولاً ثانياً لأن المعنى لا يكون الذات فخرّج على أن يكون الذين على حذف مضاف تقديره ولا تحسبن شأن الذين كفروا ان كان الحذف في الأول وعلى حذف بعد الذين كفروا تقديره أصحاب إنما نملي لهم. وخرّج ابن الباذش هذه القراءة على إنما نملي بدل من الذين ويكون المفعول الثاني محذوفاً وتقديره ولا تحسبن الذين كفروا خيريّة املائنا لهم كائنة أو واقعة وعلى البدل خرجه الزمخشري وتقدمها إلى ذلك الكسائي والفراء. وقرىء خيراً بالنصب، فيكون إنما نملي لهم بدلاً من الذين والتقدير ولا تحسبن املاءنا للكفار خيراً لأنفسهم. وقرأ يحيى بن وثاب ولا يحسبن بالياء وإنما نملي بالكسر فإِن كان الفعل مسنداً للنبي صلى الله عليه وسلم فيكون المفعول الأول الذين كفروا ويكون إنما نملي لهم جملة في موضع المفعول الثاني وإن كان مسنداً للذين كفروا فيحتاج تحسبن إلى مفعولين فلو كانت إنما مفتوحة سد مسدّ المفعولين، ولكن يحيى قرأ بالكسر فخرج ذلك على التعليق فكسرت انّ وان لم تكن اللام في خبرها والجملة المعلق عنها الفعل في موضع مفعوليّ يحسبن وهو بعيد لحذف اللام ونظير تعليق الفعل عن العمل مع حذف اللام من المبتدأ قول الشاعر: شعر : اني وجدت ملاك الشيمة الأدب تفسير : أي لملاك: والذين كفروا ليس عاماً بل هو خاص فيمن علم الله أنه لا يؤمن. ألا ترى إلى قوله: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} واللام مني ليذر المؤمنين لام الجحود وهي تأتي بعد كون ماض لفظاً أو معنى بحرف نفي وهو ما أو لم، وخبر كان محذوف عند البصريين تتعلق به اللام وانْ مضرة بعد اللام والتقدير عندهم ما كان الله مزيداً لأن يذر ومذهب الكوفيين ان اللام زائدة ناصبة للفعل والخبر هو نفس يذر ولولا اللام كان الفعل يذر والخطاب في قوله: على ما أنتم عليه، للمؤمنين وغيرهم من الكفار أي لا يترك الله أمر الجميع مشتبهاً حتى يميّز الخبيث من الطيب بامتثال تكاليفه تعالى فيمتثله الطيب وهو المؤمن ويجتنبه الخبيث وهو الكافر، وهو العليم بالأحوال وما ينتهي إليه كل واحد منهما، ولذلك قال: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} والغيب هنا ما غاب عن البشر مما هو في علم الله تعالى من الحوادث التي تحدث ومن الأسرار التي في قلوب المنافقين ومن الأقوال التي يقولونها إذا غابوا عن الناس. {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي} أي يصطفي: {مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} فيطلعه على ما يشاء من غيبه.