٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: لما علم حالهم بدليل قوله: {أية : مُنكِرُونَ } تفسير : [الذاريات: 25] لِـم لَـم يقنع بما بشروه لجواز أن يكون نزولهم للبشارة لا غير؟ نقول إبراهيم عليه السلام أتى بما هو من آداب المضيف حيث يقول لضيفه إذا استعجل في الخروج ما هذه العجلة، وما شغلك الذي يمنعنا من التشرف بالاجتماع بك، ولا يسكت عند خروجهم مخافة أن يكون سكوته يوهم استثقالهم، ثم إنهم أتوا بما هو من آداب الصديق الذي لا يسر عن الصديق الصدوق، لا سيما وكان ذلك بإذن الله تعالى لهم في إطلاع إبراهيم عليه السلام على إهلاكهم، وجبر قلبه بتقديم البشارة بخير البدل، وهو أبو الأنبياء إسحاق عليه السلام على الصحيح، فإن قيل فما الذي اقتضى ذكره بالفاء، ولو كان كما ذكرتم لقال ماهذا الاستعجال، وما خطبكم المعجل لكم؟ نقول: لو كان أوجس منهم خيفة وخرجوا من غير بشارة وإيناس ما كان يقول شيئاً، فلما آنسوه قال: ما خطبكم، أي بعد هذا الأنس العظيم، ما هذا الإيحاش الأليم. المسألة الثانية: هل في الخطب فائدة لا توجد في غيره من الألفاظ؟ نقول: نعم، وذلك من حيث إن الألفاظ المفردة التي يقرب منها الشغل والأمر والفعل وأمثالها، وكل ذلك لا يدل على عظم الأمر، وأما الخطب فهو الأمر العظيم، وعظم الشأن يدل على عظم من على يده ينقضي، فقال: {مَا خَطْبُكُمَا } أي لعظمتكم لا ترسلون إلا في عظيم، ولو قال بلفظ مركب بأن يقول ما شغلكم الخطير وأمركم العظيم للزم التطويل، فالخطب أفاد التعظيم مع الإيجاز. المسألة الثالثة: من أين عرف كونهم مرسلين، فنقول قالوا له بدليل قوله تعالى: {أية : إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ } تفسير : [هود: 70] وإنما لم يذكر ههنا لما بينا أن الحكاية ببسطها مذكورة في سورة هود، أو نقول لما قالوا لامرأته: {أية : كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ } تفسير : [الذاريات: 30] علم كونهم منزلين من عند الله حيث كانوا يحكون قول الله تعالى، يدل على هذا أن قولهم: {إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } كان جواب سؤاله منهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} لما تيقن إبراهيم عليه السلام أنهم ملائكة بإحياء العجل والبشارة قال لهم: {فَمَا خَطْبُكُمْ} أي ما شأنكم وقصتكم {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} {قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } يريد قوم لوط. {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} أي لنرجمهم بها. {مُّسَوَّمَةً} أي مُعَلَّمةً. قيل: كانت مخططة بسواد وبياض. وقيل: بسواد وحُمرة. وقيل: «مُسَوَّمةً» أي معروفة بأنها حجارة العذاب. وقيل: على كل حجر ٱسم من يهلك به. وقيل: عليها أمثال الخواتيم. وقد مضى هذا كله في «هود». فجعلت الحجارة تتبع مسافريهم وشُذَّاذهم فلم يفلت منهم مخبر. {عِندَ رَبِّكَ} أي عند الله وقد أعدّها لرجم من قضى برجمه. ثم قيل: كانت مطبوخة طبخ الآجر، قاله ٱبن زيد؛ وهو معنى قوله تعالى: {بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ} على ما تقدّم بيانه في «هود». وقيل: هي الحجارة التي نراها وأصلها طين، وإنما تصير حجارة بإحراق الشمس إياها على مر الدهور. وإنما قال: «مِنْ طِينٍ» ليعلم أنها ليست حجارة الماء التي هي البَرَد. حكاه القشيري. قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قومه من المؤمنين؛ لئلا يهلك المؤمنون، وذلك قوله تعالى: {أية : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ}تفسير : [هود: 81]. {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} يعني لوطاً وبنتيه وفيه إضمار؛ أي فما وجدنا فيها غير أهل بيت. وقد يقال بيت شريف يراد به الأهل. وقوله: «فِيهَا» كناية عن القرية ولم يتقدّم لها ذكر؛ لأن المعنى مفهوم. وأيضاً فقوله تعالى: {إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} يدل على القرية؛ لأن القوم إنما يسكنون قرية. وقيل: الضمير فيها للجماعة. والمؤمنون والمسلمون هاهنا سواء فجنّس اللفظ لئلا يتكرر، كما قال: {أية : إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [يوسف: 86]. وقيل: الإيمان تصديق القلب، والإسلام الانقياد بالظاهر، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً. فسماهم في الآية الأولى مؤمنين؛ لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. وقد مضى الكلام في هذا المعنى في «البقرة» وغيرها. وقوله: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ} تفسير : [الحجرات: 14] يدل على الفرق بين الإيمان والإسلام وهو مقتضى حديث جبريل عليه السلام في صحيح مسلم وغيره. وقد بيناه في غير موضع. قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً} أي عبرة وعلامة لأهل ذلك الزمان ومن بعدهم؛ نظيره: {أية : وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [العنكبوت: 35]. ثم قيل: الآية المتروكة نفس القرية الخِربة. وقيل: الحجارة المنضودة التي رُجِموا بها هي الآية. {لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ} لأنهم المنتفعون.
ابن كثير
تفسير : قال الله تعالى مخبراً عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {أية : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ يإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} تفسير : [هود: 74 ــــ 76] وقال ههنا: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} أي: ما شأنكم، وفيم جئتم؟ { قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} يعنون: قوم لوط { لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ مُّسَوَّمَةً} أي: معلمة {عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ} أي: مكتتبة عنده بأسمائهم، كل حجر عليه اسم صاحبه، فقال في سورة العنكبوت: {أية : قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ}تفسير : [العنكبوت: 32] وقال تعالى ههنا: { فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وهم لوط وأهل بيته، إلا امرأته { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} احتج بهذه من ذهب إلى رأي المعتزلة ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين، وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن هؤلاء كانوا قوماً مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم، ولا ينعكس، فاتفق الاسمان ههنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال، وقوله تعالى: { وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} أي: جعلناها عبرة لما أنزلنا بهم من العذاب والنكال وحجارة السجيل، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة، ففي ذلك عبرة للمؤمنين {وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ } شأنكم {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ }.
الماوردي
تفسير : {فَتَوَلَّى} يعني فرعون، وفي توليه وجهان: أحدهما: أدبر. الثاني: أقبل، وهو من الأضداد. {بِرُكْنِهِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: بجموعه وأجناده، قاله ابن زيد. الثاني: بقوته، قاله ابن عباس، ومنه قول عنترة: شعر : فما أوهى مراس الحرب ركني ولكن ما تقادم من زماني. تفسير : الثالث: بجانبه، قاله الأخفش. الرابع: بميله عن الحق وعناده بالكفر، قاله مقاتل. ويحتمل خامساً بماله لأنه يركن إليه ويتقوى به. {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن العقيم هي الريح التي لا تلقح، قاله ابن عباس. الثاني: هي التي لا تنبث، قاله قتادة. الثالث: هي التي ليس فيها رحمة، قاله مجاهد. الرابع: هي التي ليس فيها منفعة، قاله ابن عباس. وفي الريح التي هي عقيم ثلاثة أقاويل: أحدها: الجنوب، روى ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الريح العقيم الجنوب ". تفسير : الثاني الدبور، قاله مقاتل. قال عليه السلام: (حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ). تفسير : الثالث: هي ريح الصبا، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. {إِلاَّ جَعَلْتْهُ كَالرَّمِيمِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أن الرميم التراب، قاله السدي. الثاني: أنه الذي ديس من يابس النبات، وهذا معنى قول قتادة. الثالث أن الرميم: الرماد، قاله قطرب. الرابع: أنه الشيء البالي الهالك، قاله مجاهد، ومنه قول الشاعر: شعر : تركتني حين كف الدهر من بصري وإذ بقيت كعظم الرمة البالي
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} أيْ إبراهيمُ عليهِ السَّلامُ لَمَّا عِلَم أنَّهم ملائكةٌ أُرسلوا لأمرٍ {فَمَا خَطْبُكُمْ} أيْ شأنُكم الخطيرُ الذَّي لأَجْلِه أرسلتْم سَوى البشارةِ {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} يعنون قومَ لوطٍ {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ} أيْ بعدَ ما قلبنَا قُرَاهُمْ وجعلنَا عاليَها سافلَها حسبَما فُصِّلَ في سائرِ السورِ الكريمةِ {حِجَارَةً مّن طِينٍ} أيْ طينٍ متحجرٍ هُوَ السجيلُ {مُّسَوَّمَةً} مُرسلةً منْ أسمتُ الماشيةَ أيْ أرسلتُها، أو معلمةً منَ السُّومةِ وهيَ العلامةُ وقدْ مَرَّ تفصيلُه في سورةِ هُودٍ {عِندَ رَبّكَ لِلْمُسْرِفِينَ} المجاوزينَ الحدَّ في الفُجورِ وقولُه تعالَى {فَأَخْرَجْنَا} الخ حكايةٌ منْ جهتِه تعالَى لِمَا جَرى عَلى قومِ لُوطٍ عليهِ السَّلامُ بطريقِ الإجْمَالِ بعدَ حكايةِ ما جَرَى بـينَ الملائكةِ وبـينَ إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ من الكلامِ والفاءُ فصيحةٌ مفصحةٌ عنْ جُملٍ قدْ حُذفتْ ثقةً بذكرِها في مواضعَ أُخرَ كأنَّه قيلَ فباشرُوا مَا أُمروا بهِ فأخرجنَا بقولِنا فأسرِ بأهلِكَ الخ {مَن كَانَ فِيهَا} أيْ في قُرى قومِ لُوطٍ وإضمارُهَا بغيرِ ذكرٍ لشهرتِها {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ممنْ أمنَ بلوطٍ {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ} أيْ غيرَ أهْلِ بـيتٍ {مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} قيلَ هُم لوطٌ وابنتاهُ وقيلَ كانَ لوطٌ وأهلُ بـيتِه الذينَ نجَوا ثلاثةَ عشرَ {وَتَرَكْنَا فِيهَا} أيْ في القريةِ {ءايَةً} أيْ علامةً دالةً على ما أصابهُم من العذابِ قيلَ هيَ تلكَ الأحجارُ أوْ صخرٌ منضودٌ فيهَا أَوْ ماءٌ منتنٌ {لّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} أيْ مِنْ شأنِهم أنْ يخافُوه لسلامةِ فطرتِهم ورقةِ قلوبِهم دونَ مَنْ عَداهُم منْ ذَوي القلوبِ القاسيةِ فإنَّهم لا يعتدونَ بَها وَلاَ يعدونها آيةً {وَفِى مُوسَىٰ} عطفٌ عَلى قولِه تعالَى وفي الأرضِ أو عَلى قولِه تعالَى وتركنَا فيهَا آيةً عَلى مَعْنى وجعلنَا في مُوسى آيةً كقولِ منْ قالَ: شعر : علفتُها تبناً وماءً بارداً تفسير : {إِذْ أَرْسَلْنَـٰهُ} قيلَ هُو منصوبٌ بآيةً وَقيلَ بمحذوفٍ أيْ كائنةً وقتَ إرسالِنا وقيلَ بترَكْنا {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} هُو ما ظهرَ عَلى يديهِ منْ المعجزاتِ الباهرةِ {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ} أيْ فأعرضَ عنِ الإيمانِ بهِ وازورّ كقولِه تعالَى: {أية : وَنَأَى بِجَانِبِهِ } تفسير : [سورة الإسراء، الآية 83، وسورة فصلتُ الآية 51] وقيلَ فتولَّى بما يتقوَّى بهِ منْ مُلْكِه وَعساكِره فإنَّ الركنَ اسمٌ لمَا يركنُ إليهِ الشيءُ وَقُرىءَ برُكُنِهِ بضمِّ الكافِ {وَقَالَ سَـٰحِرٌ} أيْ هُو ساحرٌ {أَوْ مَجْنُونٌ} كأنَّه نسبَ ما ظهرَ على يديهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ من الخوارقِ العجيبةِ إلى الجنِّ وترددَ في أنَّه حصل باختيارِه وسعيهِ أو بغيرِهما.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} ابراهيم عليه السلام لما علم انهم ملائكة ارسلوا لأمر {فما خطبكم} اى شأنكم الخطير الذى لاجله ارسلتم سوى البشارة فان الخطب يستعمل فى الامر العظيم الذى يكثر فى التخاطب وقلما يعبر به عن الشدآئد والمكاره حتى قالوا خطوب الزمان ونحو هذا والفاء فيه للتعقيب المتفرغ على العلم بكونهم ملائكة {ايها المرسلون} اى فرستاده شك كان
الطوسي
تفسير : لما سمع إبراهيم عليه السلام بشرى الملائكة له بالغلام العليم، وعلم أنهم ليسوا ببشر ولا أضياف {قال} لهم {فما خطبكم أيها المرسلون} أي ما شأنكم. والخطب هو الأمر الجليل، فكأنه قال قد بعثتم لأمر جليل، فما هو؟ ومنه الخطبة، لانها كلام بليغ لعقد أمر جليل تستفتح بالتحميد والتمجيد. والخطاب أجل من الابلاغ. وقوله {أيها} لا يثنى ولا يجمع لانه مبهم يقتضي البيان عنه ما بعده من غير أن يلزم ما قبله، كما يلزم (الذي وهذا) كقولك مررت بالرجلين هذين، فتبعه فى تثنيته، كما تبعه فى اعرابه. فاجابته الملائكة فقالوا: {إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} عاصين لله كافرين لنعمه أستحقوا العقاب والهلاك {لنرسل عليهم حجارة من طين مسمومة عند ربك للمسرفين} فالمسرف المكثر من المعاصي، وهو صفة ذم، لأنه خروج عن الحق. ونقيض الاسراف الاقتار، وهو التقصير عن بلوغ الحق. وليس فى الاكثار من طاعة الله سرف، ولا في نعمه اقتار، لأنه سائغ على مقتضى الحكمة، وإرسال الرسول إطلاقه بالأمر إلى المصير إلى من أرسل اليه، فالملائكة أمروا بالمصير إلى قوم لوط لاهلاكهم وإرسال الحجارة إطلاقها. وليست برسل ولكن مرسلة. والمسومة المعلمة بعلامات ظاهرة للحاسة، لان التسويم كالسيماء في انه يرجع إلى العلامة الظاهرة من قولهم: عليه سيماء الخير. ومنه قوله {يمددكم ربكم بخمسة الآف من الملائكة مسومين} والمجرم القاطع للواجب بالباطل، فهؤلاء أجرموا بقطع الايمان بالكفر. وأصل الصفة القطع. وقال ابن عباس: التسويم نقطة فى الحجر الأسود بيضاء، او نقطة سوداء فى الحجر الابيض. وقيل: كان عليها أمثال الخواتيم وقوله {حجارة من طين} أي أصلها الطين لا حجارة البرد التي أصلها الماء. والمسومة هي المعلمة بعلامة يعرفها بها الملائكة أنها مما ينبغي أن يرمى بها الكفرة عند أمر الله بذلك. وقيل: حجارة من طين كأنها آجر - فى قول ابن عباس - وقال الحسن: مسومة بأنها من حجارة العذاب. وقيل: مسومة بأن جعل على كل حجر اسم من يهلك به. وقوله {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين} أي اخرجنا من كان فى قرية لوط من المؤمنين، نحو لوط وأهله وخلصناهم من العذاب والاهلاك. وقوله {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} يدل على ان الاسلام هو الايمان والايمان هو التصديق بجميع ما اوجب الله التصديق به. والاسلام هو الاستسلام لوجوب عمل الفرض الذي اوجبه الله والزمه. والمسلم هو المخلص لعمل الفرض على ما أمر الله به، لان صفة (مسلم) كصفة مؤمن فى انها مدح. والبيت الذي وجده فى تلك القرية من المؤمنين هم أتباع لوط ووجدان الضالة هو إدراكها بعد طلبها، ووجدت الموجدة إدراك ما يوجب العتاب والائمة فى القلب، ووجدت المال أجده أدركت ملكاً لي كثيراً، ووجدت زيداً الصالح بمعنى علمته، ووجدت الضالة وجداناً. والبيت هو البناء المهيأ للايواء اليه والمبيت فيه. وقوله {وتركنا فيها آية} فالترك فى الاصل ضد الفعل ينافي الاخذ فى محل القدرة عليه، والقدرة عليه قدرة على الأخذ. والمعنى فى الآية أبقينا فيها آية، ومثله قوله {أية : وتركهم في ظلمات} تفسير : بمعنى لم ينفها مع انه قادر على نفيها، وفلان ترك السوق أي قطعها بأن صار لا يمضي اليها. ومعنى {تركنا فيها آية} بمنزلة ما فعل ضد ما تنافيه الآية. وقيل: إن الآية اقتلاع البلدان لا يقدر عليه إلا الله تعالى وقوله {للذين يخافون العذاب الأليم} إنما خص الخائفين من العذاب الأليم بالآية لأنهم الذين يعتبرون بها وينتفعون بها.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} ابراهيم (ع) بعد ما عرفهم وانس بهم {فَمَا خَطْبُكُمْ} امركم وشغلكم لمّا لم يكن نزول الاربعة الاملاك دفعةً معهوداً له علم انّهم لم ينزلوا الاّ لامرٍ عظيمٍ فسأل ما خطبكم؟ {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} قد مضى قصّتهم فى سورة هود وغيرها.
اطفيش
تفسير : {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ} أي شأنكم وقيل الخطب الامر العظيم* {أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} مشركين من قوم لوط
اطفيش
تفسير : {قالَ} ابراهيم بعد علمه بأنهم ملائكة {فما خَطْبُكم} شأنكم الخطير الذى جئتم فيه {أيُّها المرسَلون * قالُوا إنَّا أرسِلنا إلى قَومٍ مُجرمين} قوم لوط.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } أي إبراهيم عليه السلام لما علم أنهم ملائكة أرسلوا لأمر {فَمَا خَطْبُكُمْ } أي شأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم سوى البشارة {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ }.
ابن عاشور
تفسير : علم إبراهيم من محاورتهم فيما ذكر في هذه الآية وما ورد ذكره في آيات أخرى أنهم ملائكة مرسلون من عند الله فسألهم عن الشأن الذي أرسلوا لأجله. وإنما سألهم بعد أن قَراهم جرياً على سنة الضيافة أن لا يُسأل الضيف عن الغرض الذي أَورده ذلك المنزلَ إلا بعد استعداده للرحيل كيلا يتوهم سآمة مُضيِّفة من نزوله به، وليعينه على أمره إن كان مستطيعاً، وهم وإن كانوا قد بشروه بأمر عظيم إلا أنه لم يعلم هل ذلك هو قصارى ما جاءوا لأجله. وحكي فعل القول بدون عاطف لأنه في مقاوله محاورة بينه وبين ضيفه. والفاء فيما حُكي من كلام إبراهيم فصيحة مؤذنة بكلام محذوف ناشىء عن المحاورَة الواقعة بينه وبين ضيفه وهو من عطف كلام على كلام متكلم آخر ويقع كثيراً في العطف بالواو نحو قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: {أية : قال ومن ذُريتي}تفسير : [البقرة: 124] بعد قوله تعالى: {أية : قال إني جاعلك للناس إماماً}تفسير : [البقرة: 124] وقوله حكاية عن نوح: {أية : قال وما علمي بما كانوا يعملون}تفسير : [الشعراء: 112]. فإبراهيم خاطب الملائكة بلغته ما يؤدي مثله بفصيح الكلام العربي بعبارة {فما خطبكم أيها المرسلون}. وتقدير المحذوف: إذ كنتم مرسلين من جانب الله تعالَى فما خطبكم الذي أُرسلتم لأجله. وقد علم إبراهيم أن نزول الملائكة بتلك الصورة لا تكون لمجرد بشارته بابن يولد له ولزوجه إذ كانت البشارة تحصل له بالوحي، فكان من عِلم النبوءة أن إرسال الملائكة إلى الأرض بتلك الصورة لا يكون إلا لخطب قال تعالى: {أية : ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذاً منظرين}تفسير : [الحجر: 8] والخطب: الحدث العظيم والشأن المهمّ، وإضافته إلى ضميرهم لأدنى ملابسة. والمعنى: ما الخطب الذي أُرسلتم لأجله إذ لا تَنزل الملائكة إلا بالحق. وخاطبهم بقوله: {أيها المرسلون} لأنه لا يعرف ما يسميهم به إلا وصف أنهم المرسلون، والمرسلون من صفات الملائكة كما في قوله تعالى: {أية : والمرسلات عرفاً}تفسير : [المرسلات: 1] عن أحد تفسيرين. والمراد بالقوم المجرمين أهل سَدوم وعَمُورية، وهم قوم لوط، وقد تقدمت قصتهم في سورة الأعراف وسورة هود. والإِرسال الذي في قوله: {لنرسل عليهم حجارة من طين} مستعمل في الرمي مجازاً كما يقال: أرسل سهمه على الصيد، وهذا الإِرسال يكون بعد أن أصعدوا الحجارة إلى الجوّ وأرسلتها عليهم، ولذلك سميت مطراً في بعض الآيات. وحصل بين {أرسلنا} وبين {لنرسل} جناس لاختلاف معنى اللفظين. والحجارة: اسم جمع للحجر، ومعنى كون الحجارة من طين: أن أصلها طين تحجَّر بصهر النار، وهي حجارة بركانية من كبريت قذفتها الأرض من الجهة التي صارت بحيرة تدعى اليوم بحيرة لوط، وأصعدها ناموس إلهِي بضغط جعله الله يرفع الخارج من البركان إلى الجو فنزلت على قرى قوم لوط فأهلكتهم، وذلك بأمر التكوين بواسطة القوى الملكية. والمُسَوّمة: التي عليها السُّومة أي العلامة، أي عليها علامات من ألوان تدل على أنها ليست من الحجارة المتعارفة. ومعنى {عند ربك} أن علاماتها بخلق الله وتكوينه. والمسرفون: المفرطون في العصيان، وذلك بكفرهم وشيوع الفاحشة فيهم، فالمسرفون: القوم المجرمون، عدل عن ضميرهم إلى الوصف الظاهر، لتسجيل إفراطهم في الإِجرام.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قال فما خطبكم أيها المرسلون: أي ما شأنكم أيها المرسلون. إلى قوم مجرمين: أي إلى قوم كافرين فاعلين لأكبر الجرائم وهي إتيان الفاحشة. حجارة من طين: أي مطبوخ بالنار. مُسَوَّمةً: أي معلمة على كل حجر اسم من يرمى به. للمسرفين: أي المبالغين في الكفر والعصيان كإتيان الذكران. غير بيت من المسلمين: وهو بيت لوط وَابْنَتَيْهِ ومن معهم من المؤمنين. وتركنا فيها آية: أي بعد إهلاكهم تركنا فيها علامة على إهلاكهم وهي ماء أسود مُنتنٌ. للذين يخافون العذاب الأليم: أي عذاب الآخرة فلا يفعلون فعلهم الشنيع. معنى الآيات: ما زال السياق في قصة إبراهيم مع ضيفه من الملائكة إنه لاحظ بعد أن عرف أنهم سادات الملائكة أن مهمتهم لم تكن مقصورة على بشارته فقط بل هي أعظم فلذا سألهم قائلا: فما خطبكم أيها المرسلون؟ فأجابوه قائلين: إنا أرسلنا أي أرسلنا ربُّنا عز وجل إلى قوم مجرمين أي على أنفسهم بالكفر، وفعل الفاحشة، والعِلَّة من إرسالنا إليهم هي لنرسل عليهم حجارة من طين مطبوخ بالنار، وتلك الحجارة مسومة أي معلمة عند ربك للمسرفين أي قد كتب على كل حجر إسم من يرمى به، وذلك في السماء قبل أن تنزل إلى الأرض، وقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا} أي من تلك القرية وهي سدوم من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وهو بيت لوط عليه السلام وما به سوى لوط وابنتيه ومن الجائز أن يكون معهم بعض المؤمنين إذ قيل كانوا ثلاثة عشر نسمة وقوله تعالى: {وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً} أي علامة على إهلاكهم وهي ماء أسود منتن كالبحيرة وتعرف الآن بالبحر الميت. وقوله {لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} وهم المؤمنون الذين يخافون عذاب الآخرة حتى لا يفعلوا فعل قوم لوط من الكفر وإيتان الفاحشة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- جواز تشكل الملائكة بصورة رجال من البشر. 2- التنديد بالإِجرام وفاعليه. 3- جواز الإِهلاك بالعذاب الخاص الذي لم يعرف له نظير. 4- تقرير حقيقة علمية وهي أن كل مؤمن صادق الإِيمان مُسلم، وليس كل مسلم مؤمنا حتى يحسن إسلامه بانبنائه على أركان الإِيمان الستة.
القطان
تفسير : ما خطبكم: ما شأنكم الذي أُرسلتم من أجله، والخطب: الشأن الخطير. الى قوم مجرمين: هم قوم لوط. مسوَّمة: معلّمة، عليها علامة خاصة. للمسرفين: الذين جاوزوا الحد في الفجور. آية: علامة. بسلطان مبين: بحجّة واضحة. فتولى بركنه: فتولى بقوته معتزاً بها وبجنوده. نبذناهم: طرحناهم، ألقيناهم في البحر. مُليم: فعلَ ما يلام عليه من الكفر والعناد. الريح العقيم: التي لا خير فيها، لا تلقح شجرا، ولا تحمل مطرا. كالرميم: كالبالي من كل شيء. فعتَوا: فاستكبروا عن امتثال الأوامر. الصاعقة: نار تنزل من السحاب بالاحتكاكات الكهربائية. قال إبراهيمُ يخاطب الضيوفَ بعد ان سلَّم عليهم وهو لا يعرفهم: ما شأنُكم، وفيم أُرسِلتم؟ فقالوا له: إنّا أُرسِلنا الى قومِ لوطٍ المجرِمين، ومعنا أوامرُ من الله تعالى بإهلاكهم. ولم يجِدوا فيها غيرَ أهلِ بيتٍ من المسلمين. {وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} وجعلنا بَلَدهم عِبرةً بما أنزلنا بِها من العذابِ والدّمارِ، وذِكرى للّذين يخافون الله. وكذلك أرسل اللهُ موسى إلى فرعونَ وقومه بحجّةٍ واضحة ومعجزاتٍ باهرة، فأعرض فرعونُ عن الإيمان برسالة موسى معتدّاً بقوّته وما عندَه من جنودٍ ومُلكٍ، وقال عن موسى: إنه ساحر او مجنون. فأغرقه الله هو وجنودَه في البحر {وَهُوَ مُلِيمٌ} أيْ مقترفٌ من الأعمال ما يُلام عليه. وكذلك في قصة عادٍ عبرةٌ وعظةٌ، حيث أهلكهم اللهُ بالرِيح العقيمِ العاتية. ومثلُهم قومُ ثمودٍ، أهلكهم اللهُ بالصاعقة، وقبلَهم قومُ نوحٍ أغرقَهم الله بذُنوبهم،. وقد تقدمت قصة الجميع اكثر من مرة في سورة الأعراف وهود بأوسعَ من ذلك. قراءات: قرأ الكسائي: فاخذتهم الصعقة: والباقون: الصاعقة.
د. أسعد حومد
تفسير : (31) - فَقَالَ إبراهيمُ، عَليهِ السَّلامُ، لِرُسُلِ اللهِ تَعَالى: مَا شَأنُكُمْ؟ وَلأيِّ أمْرٍ خَطِيرٍ أتَيتُم يَا أيُّها المُرْسَلُونَ؟ الخَطْبُ - الأمرُ الخَطِيرُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {قَالَ ..} [الذاريات: 31] أي: سيدنا إبراهيم عليه السلام للقوم الذين دخلوا عليه {فَمَا خَطْبُكُمْ ..} [الذاريات: 31] يعني: ما شأنكم؟ وما حكايتكم؟ وما الأمر الخطير الذي جئتم من أجله؟ كلمة الخطب تدل على الأمر الخطير وحدث هام أراد أنْ يعرف ما هو وهل هو متعلق به أم بغيره؟ وهذا الكلمة جاءت بهذا المعنى أيضاً في قوله تعالى في قصة سيدنا يوسف: أية : قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ..}تفسير : [يوسف: 51] أي: الأمر العجيب الذي حملكن على هذا الفعل. وقالها سيدنا موسى لما رأى ابنتيْ سيدنا شعيب قد خرجتا لسَقْي الغنم {أية : قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ..}تفسير : [القصص: 23] أي: ما الذي ألجأكنَّ للخروج، فكأنه أمر عجيب غير عادي. إذن: هذه الكلمة وُضِعت للأمر الخطير الذي يدعو إلى الدهشة والتعجب. فردَّ الملائكة {قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} [الذاريات: 32] وهنا اطمأن سيدنا إبراهيم، وعرف أن الأمر لا يتعلق به، والقوم المجرمون في هذا الوقت هم قوم لوط، ثم بيَّنوا مهمتهم {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} [الذاريات: 33]. ومفهوم أن الحجارة تختلف عن الطين، الحجارة فيها صلابة وقساوة تختلف قوة وصلابة حسب نوع الحجر بداية من المرمر، ثم الجرانيت والرخام والجير. فكيف تكون الحجارة من طين، وهما وصفان في الظاهر متناقضان؟ قالوا: هو طين أحْمِي عليه في النار حتى صار صَلْباً قاسياً، كما نفعل مثلاً في صناعة الفخار. ومعنى {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ} [الذاريات: 34] أي: مُعلَّمة، فكلُّ حجر منها يحمل اسم صاحبه وعنوانه، فهو مُخصص له لا لغيره ومُوجَّه إليه لا يخطئه. وقوله {عِندَ رَبِّكَ ..} [الذاريات: 34] دلّ على أنها نزلتْ من السماء وليستْ من حجارة الأرض، وأنها مُعلَّمة من عند الله جاءت هكذا جاهزة، ونحن مهمتنا أنْ نرميهم بها بأسماء أصحابها، فلا يختلط حجر بحجر. ومعنى {لِلْمُسْرِفِينَ} [الذاريات: 34] المسرف هو الذي تجاوز الحدَّ في المعصية فكأن هناك حدوداً للأمور، وحدوداً للحلال وحدوداً للحرام، وقد بيَّنها الحق سبحانه، وعلَّمنا كيف نقف عند هذه الحدود، فقال تعالى في الحلال {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 229]. وقال في الحرام {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 187] أي: قِفْ عند حدود الحلال لا تتجاوزه إلى غيره، أما الحرام فإياك أنْ تقربه. احذر مجرد الاقتراب منه، لأنك لو اقتربتَ منه تُوشك أنْ تقع فيه فهي حماية لك. كما قال سبحانه لآدم {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ..}تفسير : [البقرة: 35] وقال {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ ..}تفسير : [الإسراء: 32] ففي الحرام لا يمنعنا من الفعل، بل يمنعنا من الاقتراب من أسبابه. ففي أيِّ شيء أسرف هؤلاء المجرمون المسرفون؟ أسرفوا في فعل مُحرَّم يناقض الطبيعة النقية التي خلقها الله؛ لأن الله تعالى لما أراد أنْ يجعل خليفة في الأرض خلق آدم وخلق معه زوجه ليتم التكاثر، وتأتي القبائل التي تعمر الأرض، لأن عمارتها لا تقوم بواحد أو اثنين إنما تحتاج إلى جمهرة من الناس. ثم جعل التكاثر أيضاً في كل شيء يريد له النمو والاستمرار ليخدم هذا الخليفة {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ..}تفسير : [الذاريات: 49]. فإذا كان الإنسانُ سيتكاثر فلا بدَّ أنْ تكبر رقعة الأرض التي يعيش عليها ويتكاثر النبات الذي يعيش عليه، قال تعالى: {أية : وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ..}تفسير : [النساء: 1] إذن: نحتاج إلى زرع يتناسب وهذه الزيادة. والمتأمل في مسألة التكاثر هذه في النبات وفي الإنسان يجدها بحسب أهمية الشيء ومدى الاستفادة منه والانتفاع به. قلنا مثلاً: حينما تزرع الفجل يمكن أنْ تأكل منه بعد عشرة أيام، والخيار بعد أربعين يوماً. والتمر بعد أربعة أعوام. فكل شيء قبل أن يعطيك يأخذ منك على قدر أهميته، فإنْ أردتَ الإنسان فإنه ولا شكَّ يحتاج إلى كثير من الجهود والتبعات، لذلك ربطه الخالق سبحانه في مسألة التكاثر بلذة جامحة تفوق كلَّ لذة أخرى يشعر بها الإنسانُ في كُلِّ جوارحه تفوق لذة العين حين ترى، والأذن حين تسمع، واللسان حينما يتذوق، والأنف حينما يشم، واليد حينما تلمس، لأن الجوارح لكل منها مهمته ووجهته. أما لذة الجنس فهي تستغرق الجوارح كلها، ولولا أن الخالق سبحانه ربط التكاثر بهذه اللذة ما أقبل أحدٌ عليه ولا تحمَّل تبعاته. ولك أنْ تتصور الفرق بين تربية طفل وتربية حَمَل أو عجل مثلاً، الحَمَل يقوم ويمشي خلف أمه بعد عدة دقائق من ولادته، والطفل يمشي بعد عام ونصف العام. ومَشْيه يأتي على مراحل، فبعد عدة شهور يستطيع أنْ يجلس، وبعد عدة شهور أخرى يحبو ثم يقف ثم يمشي. لذلك نرى طفولة الإنسان أطول طفولة في المخلوقات كلها، ومن هنا ربط الخالق سبحانه عملية التكاثر في الإنسان بهذه اللذة الجارفة التي لا يستطيع الإنسانُ مقاومتها لتكون حافزاً له على التكاثر، وإلا ما أقبل على تحمُّل هذه المسئولية وهذه المعاناة. ومن هنا أيضاً اهتم الإسلام بتكوين الأسرة، ووضع لها من الضوابط ما يكفل لها النجاح، فهذه الغريزة لا تأتي هكذا كما في الحيوانات، إنما جعل لها قواعد لاختيار الزوجة الصالحة، وحَثَّ على اختيار ذات الدِّين، وجعل فترة للخطوبة ليتعرَّف كلُّ طرف على الآخر. وأباح لكل منهما أنْ ينظر إلى الآخر ليختار كلٌّ من الزوجين ما يناسبه ويُرضى ذوقه ورغبته في الجنس الآخر، ثم شرع المهر وعقد القرآن، كل ذلك لتكون نواة الأسرة قوية متينة، مُعدَّة لاستقبال الحياة بكلِّ ما فيها من تبعات ومسئوليات. والجريمة التي ارتكبها هؤلاء القوم واستحقوا بها ما حاق بهم من ألوان العذاب أنهم صرفوا هذه الغريزة التي جعلها الله في الإنسان عن وجهها الحلال إلى وجه آخر محرم لا فائدة منه ولا ثمرةَ له. وجه ينافي الفطرة السليمة والأذواق المستقيمة، فكانوا يأتون الذكران بدل أنْ يأتوا النساء كما أحل الله، ومعلوم أن الإتيان مقصور على مكان الحرث والاستنبات. {أية : فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ..}تفسير : [البقرة: 223]. إذن: فعلتهم هذه كانت إسرافاً منهم على أنفسهم، ومجاوزة للحد الذي شرعه الله، والإتيان في غير المحلِّ يستوي فيه إتيان الرجل وإتيان المرأة فكله محرم. ولما كان هذا الفعل زنا يستحق الرجم رجمهم الله لا بحجارة من الأرض، إنما بحجارة من السماء تنزل على كلِّ واحد منهم باسمه تخصُّه دون غيره، بحيث لم تُبْقِ منهم أحداً وأبادتهم عن بَكْرة أبيهم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَمَا خَطْبُكُمْ} معناه فما أَمْركُم.
الجيلاني
تفسير : وبعدما جرى منهم ما جرى، أخذ إبراهيم عليه السلام يسأل عن سبب نزولهم وإرسالهم {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ} وشأنكم الذي جئتم لأجله {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} [الذاريات: 31]. {قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} [الذاريات: 32] أقبح الجرائم وأفحش المنكرات؛ يعنون: قوم لوط عليه السلام المبالغين في الفعلة الشنيعة، والديدنة القبيحة المتناهية في القبح والفحش. وإنما أرسلنا {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً} متحجرة {مِّن طِينٍ} [الذاريات: 33] يريد منه السجيل المركب من الحجر المسحوق مع الطين، {مُّسَوَّمَةً} معلمة كل منها باسم من رُمي بها {عِندَ رَبِّكَ} لتكون جزاء {لِلْمُسْرِفِينَ} [الذاريات: 34] الذين أسرفوا في الخروج عن متقضى الحدود الإلهية، وعن الطريقة المعتادة لحكمة الإيلاد والاستيلاد. ثم لما أردنا رجمهم وإهلاكهم، {فَأَخْرَجْنَا} بإذن ربنا {مَن كَانَ فِيهَا} أي: في تلك القرية {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 35] المصدقين بنبوة لوط عليه السلام ودينه، الممتثلين بالأوامر والنواهي الجارية على لسانه. {فَمَا وَجَدْنَا} وصادفنا {فِيهَا} أي: في تلك القرى بعدما فتشناها، وكشفنا عن أهلها {غَيْرَ بَيْتٍ} أي: سوى أهل بيت فقط {مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 36] المتصفين المجتمعين بين الإيمان والتسليم، وهو أهل بيت لوط عليه السلام. وبالجملة: أهلكنا الكل {وَتَرَكْنَا} آثار هلاكهم واستئصالهم {فِيهَآ} أي: في الأرض التي تلك القرى فيها {آيَةً} علامة، وأمارة مستمرة إلى يوم القيامة {لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} [الذاريات: 37] النازل على أهل الجرائم والآثام، فيمتنعون عنها ويعتبرون بها. {وَ} تركنا أيضاً {فِي} إهلاك مكذبي {مُوسَىٰ} الكليم آية للمتذكرين المعتبرين، اذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ أَرْسَلْنَاهُ} أصالة وأخاه معه تبعاً {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} الطاغي الباغي، المبلغ في العتو والعناد وأيدناه {بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [الذاريات: 38] وحجة واضحة ولديل لائح. {فَتَوَلَّىٰ} وأعرض عن عدوته إلى الإيمان مستظهراً {بِرُكْنِهِ} أي: ملئه وجنوده الذين يتقوى بهم، ويركن إليهم في الخطوب والملمات {وَقَالَ} في جوابه من كمال بطره وعناده: هو {سَاحِرٌ} فيا أتى من الخوارق {أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 39] يعمل له الجن جميع ما يظهر منه الإرهاصات. وبالجملة: كذبه، وأنكر عليه ونسب معجزاته إلى السحر وأعمال الجن {فَأَخَذْنَاهُ} غيرة منَّا وتقوية لرسولنا {وَجُنُودَهُ} المظاهرين له {فَنَبَذْنَاهُمْ} وإغرقناهم {فِي ٱلْيَمِّ وَهُوَ} حينئذ {مُلِيمٌ} [الذاريات: 40] نفسه بما يلام عليه من الكفر والعناد وأنواع العتو والفساد، نادم عن جميع ما صدر عنه وما ينفعه من الندم. {وَ} تركنا أيضاً آية عظيمة للمعتبرين {فِي} إهلاك قوم {عَادٍ} اذكر {إِذْ أَرْسَلْنَا} وسلطنا {عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} [الذاريات: 41] لا يثمر نفعاً سوى العقم والهلاك على وجه الاستئصال، مع أنهم أملوا نفعاً عظيماً فيها. إذ {مَا تَذَرُ} وتترك {مِن شَيْءٍ أَتَتْ} وهبت {عَلَيْهِ} من الأنفس والمواشي {إِلاَّ جَعَلَتْهُ} وصيرته {كَٱلرَّمِيمِ} [الذاريات: 42] أي: اليابس البالي من النبات وأوراق الأشجار، وبالجملة: صيَّرتهم هباء منثوراً تذروه الرياح حيث شاءت. {وَ} كذا {فِي ثَمُودَ} وإهلاكهم آية عظيمة لأجل العبرة، اذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ قِيلَ لَهُمْ} على لسان نبيهم حين أردنا أخذهم وإهلاكهم: {تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ} [الذاريات: 43] أي: تمتعوا وترفهوا ثلاثة أيام، فكذبوا المخبر، وأنكروا عليه خبره. {فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} وما تندموا وتضرعوا، من أن المناسب لهم هذا حينئذ {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} الهائلة المهولة صبيحة اليوم الرابع {وَهُمْ يَنظُرُونَ} [الذاريات: 44] إتيانها عياناً، ولا يقدرون على دفعها. بل {فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ} وما قدروا {مِن قِيَامٍ} نهوض، وحركة عن أمكنتهم التي كانوا فيها عند ظهورها {وَ} بالجملة: {مَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ} [الذاريات: 45] ممتنعين من عذابنا منتقمين منا. {وَ} مثل ما أهكلنا المذكورين، أهلكنا {قَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ} أي: قبل إهلاك هؤلاء {إِنَّهُمْ} أيضاً أمثال هؤلاء الطغاة البغاة الهالكين في تيه العتو والعناد {كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [الذاريات: 46] خارجين عن مقتضى الحدود والإلهية بأنواع الكفر والفسوق والعصيان، لذلك أهلكناهم وبالطوفان، {وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ} [الذاريات: 45]. ثم قال سبحانه إظهاراً لكمال قدرته على الإنعام والانتقام: {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا} أي: كيف يسع لهم الإباء والامتناع عن مقتضيات قدرتنا، والخروج عن رقبة إطاعتنا وعبوديتنا، مع أنَّا بنينا السماء المرفوعة المحفوظة {بِأَييْدٍ} غالبة وقدرة كاملة {وَ} بالجملة: {إِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] قادرون غالبون بالاستقلال والاختيار، لا يعارض فعلنا، ولا ينازع أمرنا وحكمنا. {وَٱلأَرْضَ} أيضاً {فَرَشْنَاهَا} ومهدناها بالاستقلال والاستيلاء التام {فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ} [الذاريات: 48] الباسطون نحن بلا مشاركة. {وَ} مثل ما خلقلنا العلويات فواعل مؤثرات، والسفليات قوابل متأثرات {مِن كُلِّ شَيْءٍ} من الأشياء الكائنة في بقعة الإمكان، وعرصة الزمان والمكان {خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} صنفين مزدوجين {لَعَلَّكُمْ} أيها المجبولون على فطرة المعرفة والتوحيد، المؤيدون بالعقل المفاض المتشعب من العقل الكل {تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] فتعلمون أن الكل منه بدأ وإليه يعود، ولا شيء سواه موجود. وبعدما ثبت أن ظهور الكل منه ورجوعه إليه سبحانه: {فَفِرُّوۤاْ} أيها العارفون الموحدون {إِلَى ٱللَّهِ} المسقط لعموم الإضافات من مقتضيات عالم الناسوت، وانخلعوا عن لوازم هوياتكم الباطلة وأنانياتكم العاطلة {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ} بمقتضى وحيه وإلهامه {نَذِيرٌ} أنذركم عما يعوقكم من سلوك طريق توحيده {مُّبِينٌ} [الذاريات: 50] مظهر لكم آداب الطريقة الموصلة إلى مقصد الحقيقة، التي هي الوحدة الذاتية الإلهية. {وَ} بالجملة: لا تجعلوا {لاَ تَجْعَلُواْ} ولا تتخذوا، ولا تعتقدوا {مَعَ ٱللَّهِ} الواحد الأحد، المنزه عن التعدد مطلقاً {إِلَـٰهاً آخَرَ} مستحقاً للإطاعة والرجوع، مستقلاً في الوجود، وما يترتب عليه من الآثار {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الذاريات: 51] أنذركم عن الوعيدان الهائلة العاجلة والآجلة، واللاحقة عليكم بالشرك والإشراك وأنواع الفسوق والعصيان.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قَالَ} [الذاريات: 31]؛ يعني إبراهيم الروح: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} [الذاريات: 31]؛ يعني: التجليات {قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} [الذاريات: 32] وهم النفس وصفاتها الذميمة؛ {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ} [الذاريات: 33-34]، هلاك {لِلْمُسْرِفِينَ} [الذاريات: 34]، وهي الأذكار والأوراد والمجاهدات والرياضات والمعاملات المهلكة للنفس وأوصافها؛ {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 35] سالمين من الهلاك، {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا} [الذاريات: 36]؛ أي: في مدينة الشخص الإنساني {غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 36]؛ أي: القلب السليم وأوصافة الحميدة، {وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً} [الذاريات: 37] من تزكية النفس وتهذيب أخلاقها، عبرة {لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} [الذاريات: 37]، بوعيد قوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}تفسير : [الشمس: 9-10]. ثم أخبر عن عذاب أهل العقاب بقوله تعالى: {وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [الذاريات: 38]، يشير إلى موسى القلب إذ أرسله إلى فرعون النفس بسلطان وهو عصا لا إله إلا الله مبين إعجازها بأن يتلقف ما تؤفكون من سحر تمويهات سحرة فرعون النفس، {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ} [الذاريات: 39]؛ أي: أعرض رؤية الإعجاز والإيمان به بجميع صفاته، {وَقَالَ} [الذاريات: 39] فرعون النفس لموسى القلب: {سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ} [الذاريات: 39-40]؛ يعني: فرعون النفس وصفاتها، {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} [الذاريات: 40]؛ أي: يم الدنيا ليهلكوا فيها، {وَهُوَ مُلِيمٌ} [الذاريات: 40]؛ أي: مستحق اللوم إنما هو فرعون النفس؛ لأنها هي الأمارة بالسوء والصفات تبع لها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):