٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
178
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى حكى عن الذين ذهبوا إلى المدينة لتثبيط أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إنما ثبطوهم لأنهم خوفوهم بأن يقتلوا كما قتل المسلمون يوم أحد، والله تعالى بين أن أقوال هؤلاء الشياطين لا يقبلها المؤمن ولا يلتفت اليها، وإنما الواجب على المؤمن أن يعتمد على فضل الله، ثم بين في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلفين ليس خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا بأحد، لأن هذا البقاء صار وسيلة الى الخزي في الدنيا والعقاب الدائم في القيامة، وقتل أولئك الذين قتلوا يوم أحد صار وسيلة إلى الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل. فهذا بيان وجه النظم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } تفسير : [آل عمران: 180] {أية : لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ} {أية : فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } تفسير : [آل عمران: 188] في الأربعة بالتاء وضم الباء في قوله: {تَحْسَبَنَّهُمْ } وقرأ نافع وابن عامر بالياء إلا قوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } فانه بالتاء، وقرأ حمزة كلها بالتاء، واختلاف القراء في فتح السين وكسرها قدمناه في سورة البقرة، أما الذين قرأوا بالياء المنقطة من تحت: فقوله: {يَحْسَبَنَّ } فعل، وقوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فاعل يقتضي مفعولين أو مفعولا يسد مسد مفعولين نحو حسبت، وقوله: حسبت أن زيدا منطلق، وحسبت أن يقوم عمرو، فقوله في الآية: {أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ } يسد مسد المفعولين، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ }تفسير : [الفرقان: 44] وأما قراءة حمزة بالتاء المنقطة من فوق فأحسن ما قيل فيه ما ذكره الزجاج، وهو أن {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } نصب بأنه المفعول الاول، و{أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ } بدل عنه. و{خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ } هو المفعول الثاني والتقدير: ولا تحسبن يا محمد إملاء الذين كفروا خيرا لهم. ومثله مما جعل «أن» مع الفعل بدلا من المفعول قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ } تفسير : [الأنفال: 7] فقوله: {أَنَّهَا لَكُمْ } بدل من إحدى الطائفتين. المسألة الثانية: «ما» في قوله: {أَنَّمَا } يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى الذي فيكون التقدير: لا تحسبن الذين كفروا أن الذين نمليه خير لأنفسهم، وحذف الهاء من «نملي» لأنه يجوز حذف الهاء من صلة الذي كقولك: الذي رأيت زيد، والآخر: أن يقال: «ما» مع ما بعدها في تقدير المصدر، والتقدير: لا تحسبن الذين كفروا أن إملائي لهم خير. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: «ما» مصدرية وإذا كان كذلك فكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في مصحف عثمان متصلة، واتباع خط المصاحف لذلك المصحف واجب، وأما في قوله: {أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ } فههنا يجب أن تكون متصلة لانها كافة بخلاف الأولى. المسألة الرابعة: معنى «نملي» نطيل ونؤخر، والاملاء الامهال والتأخير، قال الواحدي رحمه الله: واشتقاقه من الملوة وهي المدة من الزمان، يقال: ملوت من الدهر ملوة وملوة وملاوة وملاوة بمعنى واحد، قال الاصمعي: يقال: أملى عليه الزمان أي طال، وأملى له أي طول له وأمهله، قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة والملوان الليل والنهار. المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر من وجوه: الأول: أن هذا الاملاء عبارة عن اطالة المدة، وهي لا شك أنها من فعل الله تعالى، والآية نص في بيان أن هذا الاملاء ليس بخير، وهذا يدل على أنه سبحانه فاعل الخير والشر. الثاني: أنه تعالى نص على أن المقصود من هذا الاملاء هو أن يزدادوا الاثم والبغي والعدوان، وذلك يدل على أن الكفر والمعاصي بارادة الله، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } أي إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وليكون لهم عذاب مهين. الثالث: أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا خير لهم في هذا الاملاء، أنهم لا يحصلون إلا على ازدياد البغي والطغيان، والاتيان بخلاف مخبر الله تعالى مع بقاء ذلك الخير جمع بين النقيضين وهو محال، وإذا لم يكونوا قادرين مع ذلك الاملاء على الخير والطاعة مع أنهم مكلفون بذلك لزم في نفسه بطلان مذهب القوم. قالت المعتزلة: أما الوجه الأول: فليس المراد من هذه الآية أن هذا الاملاء ليس بخير، إنما المراد أن هذا الاملاء ليس خيرا لهم من أن يموتوا كما مات الشهداء يوم أحد، لأن كل هذه الآيات في شأن أحد وفي تثبيط المنافقين المؤمنين عن الجهاد على ما تقدم شرحه في الآيات المتقدمة، فبين تعالى أن إبقاء الكافرين في الدنيا وإملاءه لهم ليس بخير لهم من أن يموتوا كموت الشهداء، ولا يلزم من نفي كون هذا الاملاء أكثر خيرية من ذلك القتل، أن لا يكون هذا الاملاء في نفسه خيرا. وأما الوجه الثاني: فقد قالوا: ليس المراد من الآية أن الغرض من الاملاء إقدامهم على الكفر والفسق بدليل قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] وقوله: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 64] بل الآية تحتمل وجوها من التأويل: أحدها: أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة كقوله تعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }تفسير : [القصص: 8] وقوله: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ } تفسير : [الأعراف: 179] وقوله: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ } تفسير : [إبراهيم: 30] وهم ما فعلوا ذلك لطلب الاضلال، بل لطلب الاهتداء، ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا لزيادة في تماديك في الفسق اذا كانت عاقبة الموعظة ذلك، وثانيها: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم وثالثها: أنه تعالى لما أمهلهم مع علمه بأنهم لا يزدادون عند هذا الامهال إلا تماديا في الغي والطغيان، أشبه هذا حال من فعل الاملاء لهذا الغرض والمشابهة أحد أسباب حسن المجاز. ورابعها: وهو السؤال الذي ذكرته للقوم وهو أن اللام في قوله: {لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } غير محمول على الغرض باجماع الأمة، أما على قول أهل السنة فلأنهم يحيلون تعليل أفعال الله بالأغراض، وأما على قولنا فلأنا لا نقول بأن فعل الله معلل بغرض التعب والايلام، بل عندنا أنه تعالى لم يفعل فعلا إلا لغرض الاحسان، واذا كان كذلك فقد حصل الاجماع على أن هذه اللام غير محمولة على التعليل والغرض، وعند هذا يسقط ما ذكرتم من الاستدلال، ثم بعد هذا: قول القائل: ما المراد من هذه اللام غير ملتفت اليه، لأن المستدل إنما بنى استدلاله على أن هذه اللام للتعليل، فاذا بطل ذلك سقط استدلاله. وأما الوجه الثالث: وهو الاخبار والعلم فهو معارض بأن هذا لو منع العبد من الفعل لمنع الله منه، ويلزم أن يكون الله موجباً لا مختارا، وهو بالاجماع باطل. والجواب عن الأول: أن قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ } معناه نفي الخيرية في نفس الأمر، وليس معناه أنه ليس خيرا من شيء آخر، لأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا عند ذكر الراجح والمرجوح، فلما لم يذكر الله ههنا إلا أحد الأمرين عرفنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيرا من شيء آخر. وأما السؤال الثاني: وهو تمسكهم بقوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : [الذاريات: 56] وبقوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ } تفسير : [النساء: 64]. فجوابه: أن الآية التي تمسكنا بها خاص، والآية التي ذكرتموها عام، والخاص مقدم على العام. وأما السؤال الثالث: وهو حمل اللام على لام العاقبة فهو عدول عن الظاهر، وأيضاً فان البرهان العقلي يبطله؛ لأنه تعالى لما علم أنهم لا بد وأن يصيروا موصوفين بازدياد الغي والطغيان، كان ذلك واجب الحصول لأن حصول معلوم الله واجب، وعدم حصوله محال، وإرادة المحال محال، فيمتنع أن يريد منهم الايمان، ويجب أن يريد منهم ازدياد الغي والطغيان، وحينئذ ثبت أن المقصود هو التعليل وأنه لا يجوز المصير إلى لام العاقبة. وأما السؤال الرابع: وهو التقديم والتأخير. فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن التقديم والتأخير ترك للظاهر. وثانيها: قال الواحدي رحمه الله: هذا إنما يحسن لو جازت قراءة {أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ } بكسر «إنما» وقراءة {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } بالفتح. ولم توجد هذه القراءة ألبتة. وثالثها: أنا بينا بالبرهان القاطع العقلي أنه يجب أن يكون مراد الله من هذا الاملاء حصول الطغيان لا حصول الايمان، فالقول بالتقديم والتأخير ترك للظاهر والتزام لما هو على خلاف البرهان القاطع. وأما السؤال الخامس: وهو قوله: هذه اللام لا يمكن حملها على التعليل. فجوابه أن عندنا يمتنع تعليل أفعال الله لغرض يصدر من العباد، فأما أن يفعل تعالى فعلا ليحصل منه شيء آخر فهذا غير ممتنع، وأيضاً قوله: {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } تنصيص على أنه ليس المقصود من هذا الاملاء إيصال الخير لهم والاحسان اليهم، والقوم لا يقولون بذلك، فتصير الآية حجة عليهم من هذا الوجه. وأما السؤال السادس: وهو المعارضة بفعل الله تعالى. فالجواب: أن تأثير قدرة الله في إيجاد المحدثات متقدم على تعلق علمه بعدمه، فلم يمكن أن يكون العلم مانعاً عن القدرة. أما في حق العبد فتأثير قدرته في إيجاد الفعل متأخر عن تعلق علم الله بعدمه، فصلح أن يكون هذا العلم مانعاً للعبد عن الفعل، فهذا تمام المناظرة في هذه الآية. المسألة السادسة: اتفق أصحابنا أنه ليس لله تعالى في حق الكافر شيء من النعم الدينية، وهل له في حقه شيء من النعم الدنيوية، اختلف فيه قول أصحابنا، فالذين قالوا ليس له في حقه شيء من النعم الدنيوية تمسكوا بهذه الآية، وقالوا هذه الآية دالة على أن إطالة العمر وإيصاله الى مراداته في الدنيا ليس شيء منها نعمة، لأنه تعالى نص على أن شيئاً من ذلك ليس بخير، والعقل أيضا يقرره وذلك لأن من أطعم إنسانا خبيصا مسموما فانه لا يعد ذلك الا طعام إنعاما، فاذا كان المقصود من إعطاء نعم الدنيا عقاب الآخرة لم يكن شيء منها نعمة حقيقة، وأما الآيات الواردة في تكثير النعم في حق الكفار فهي محمولة على ما يكون نعما في الظاهر، وانه لا طريق إلى التوفيق بين هذه الآية وبين تلك الآيات الا أن نقول: تلك النعم نعم في الظاهر ولكنها نقم وآفات في الحقيقة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} الإملاء طول العمر ورَغَد العيش. والمعنى: لا يحسبن هؤلاء الذين يُخَوّفون المسلمين؛ فإن الله قادر على إهلاكهم. وإنما يُطوِّل أعمارهم ليعملوا بالمعاصي، لا لأنه خير لهم. ويُقال: «أنما نملِي لهم» بما أصابوا من الظَّفَر يومَ أُحُد لم يكن ذلك خيراً لأنفسهم؛ وإنما كان ذلك ليزدادوا عقوبة. ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: ما من أحد بَرّ ولا فاجر إلاَّ والموتُ خير له، لأنه إِنْ كان بَرّاً فقد قال الله تعالىٰ: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} وإن كان فاجراً فقد قال الله: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً}. وقرأ ٱبن عامرٍ وعاصم «لا يَحَسبن» بالياء ونصب السين. وقرأ حمزة: بالتاء ونصب السين. والباقون: بالياء وكسر السين. فمن قرأ بالياء فالذين فاعلون. أي فلا يحسبن الكفار. و {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} تسدّ مسدّ المفعولين. و «مَا» بمعنى الذي، والعائد محذوف، و «خير» خبر «أنّ». ويجوز أن تقدّر «ما» والفعل مصدراً؛ والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم. ومن قرأ بالتاء فالفاعل هو المخاطب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. و «الذِين» نصب على المفعول الأوّل لتحسب. وأن وما بعدها بدل من الذين، وهي تسدّ مسدّ المفعولين، كما تسد لو لم تكن بدلاً. ولا يصلح أن تكون «أنّ» وما بعدها مفعولاً ثانياً لتحسب؛ لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو الأوّل في المعنى: لأن حسِب وأخواتها داخلة على المبتدأ والخبر؛ فيكون التقدير: ولا تحسبن أنما نُملي لهم خير. هذا قول الزجاج. وقال أبو عليّ: لو صحّ هذا لقال «خيراً» بالنصب؛ لأن «أنّ» تصير بدلاً من «الذين كفروا»؛ فَكَأَنَّه قال: لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيراً؛ فقوله «خيراً» هو المفعول الثاني لحسِب. فإذاً لا يجوز أن يقرأ «لا تحسبن» بالتاء إلاَّ أن تكسر «إنّ» في «أنما» وتنصب خيراً، ولم يُرْوَ ذلك عن حمزة، والقراءة عن حمزة بالتاء؛ فلا تصح هذه القراءة إذاً. وقال الفَرَّاء والكسائيّ: قراءة حمزة جائزة على التكرير؛ تقديره ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن أنما نملي لهم خير؛ فسدّت «أن» مسدّ المفعولين لتحسب الثاني، وهي وما عملت مفعول ثانٍ لتحسب الأوّل. قال القشيرِيّ؛ وهذا قريب مما ذكره الزجاج في دعوى البدل، والقراءة صحيحة. فإذاً غرض أبي عليّ تغليظ الزجاج. قال النحاس: وزعم أبو حاتم أنّ قراءة حمزة بالتاء هنا، وقوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} لحن لا يجوز. وتبعه على ذلك جماعة. قلت: وهذا ليس بشيء؛ لما تقدم بيانه من الإعراب، ولصحة القراءة وثبوتها نقلاً. وقرأ يحيى بن وثاب «إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ» بكسر إنّ فيهما جميعاً. قال أبو جعفر: وقراءة يحيى حسنة. كما تقول: حسبت عمراً أبوه خالد. قال أبو حاتم: وسمعت الأخفش يذكر كسر «إن» يحتج به لأهل القدر؛ لأنه كان منهم. ويجعل على التقديم والتأخير «وَلاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً إنما نُملي لهم خير لأنفسهم». قال: ورأيت في مصحفٍ في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفاً فصار «إنما نملي لهم إيماناً» فنظر إليه يعقوب القارىء فتبين اللحن فحكه. والآية نصٌّ في بطلان مذهب القدرية؛ لأنه أخبر أنه يطيل أعمارهم ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي، وتوالي أمثاله على القلب. كما تقدم بيانه في ضده وهو الإيمان. وعن ابن عباس قال: ما من بَرّ ولا فاجر إلاَّ والموت خير له ثم تلا: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} وتلا {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} أخرجه رزِين.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ} خطاب للرسول عليه السلام، أو لكل من يحسب. والذين مفعول و {أَنَّمَا نُمْلِي} لهم بدل منه، وإنما اقتصر على مفعول واحد لأن التعويل على البدل وهو ينوب عن المفعولين كقوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ}. أو المفعول الثاني على تقدير مضاف مثل: ولا تحسبن الذين كفروا أصحاب أن الإِملاء خير لأنفسهم، أو ولا تحسبن حال الذين كفروا أن الإِملاء خير لأنفسهم، وما مصدرية وكان حقها أن تفصل في الخط ولكنها وقعت متصلة في الإِمام فاتبع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائي ويعقوب بالياء على {إِنَّ ٱلَّذِينَ} فاعل وإن مع ما في حيزه مفعول وفتح سينه في جميع القرآن ابن عامر وحمزة وعاصم. والإِملاء الإِمهال وإطالة العمر. وقيل تخليتهم وشأنهم، من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعي كيف شاء. {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} استئناف بما هو العلة للحكم قبلها، وما كافة واللام لام الإِرادة. وعند المعتزلة لام العاقبة. وقرىء {إِنَّمَا} بالفتح هنا وبكسر الأولى ولا يحسبن بالياء على معنى {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أن إملاءنا لهم لازدياد الإِثم بل للتوبة والدخول في الإِيمان، و {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ} اعتراض. معناه أن إملاءنا خير لهم أن انتبهوا وتداركوا فيه ما فرط منهم. {وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} على هذا يجوز أن يكون حالاً من الواو أي ليزدادوا إثماً معداً لهم عذاب مهين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ } بالياء والتاء {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى } أي إملاءنا {لَهُمْ } بتطويل الأعمار وتأخيرهم {خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ } و(أنَّ) ومعمولاها سدّت مسدّ المفعولين في قراءة التحتانية ومسدّ الثاني في الأخرى {أَنَّمَا نُمْلِى } نمهل {لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } بكثرة المعاصي {وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ذو إهانة في الآخرة.
ابن عطية
تفسير : {نملي} معناه: نمهل ونمد في العمر، والملاوة: المدة من الدهر والملوان الليل والنهار وتقول: ملاك الله النعمة أي منحكها عمراً طويلاً، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: "يحسبن" بالياء من أسفل وكسر السين وفتح الباء، وقرأ ابن عامر كذلك إلا في السين فإنه فتحها وقرأ حمزة تحسبن. بالتاء من فوق الباء، وقرأ ابن عامر كذلك إلا في -السين- فإنه فتحها، وقرأ حمزة "تحسبن". بالتاء من فوق وفتح السين، وقرأ عاصم والكسائي، كل ما في هذه السورة بالتاء من فوق إلا حرفين، قوله {ولا يحسبن الذين كفروا} في هذه الآية وبعدها {ولا يحسبن الذين يبخلون} فأما من قرأ "ولا يحسبن" بالياء من أسفل فإن {الذين} فاعل وقوله {إنما نملي لهم خير} بفتح الألف من "أنما" ساد مسد مفعولي حسب، وذلك أن "حسب" وما جرى مجراها تتعدى إلى مفعولين أو إلى مفعول يسد مسد مفعولين، وذلك إذا جرى في صلة ما تتعدى إليه ذكر الحديث والمحدث عنه، قال أبو علي: وكسر "إن" في قوله من قرأ "يحسبن" بالياء لا ينبغي، وقد قرىء فيما حكاه غير أحمد بن موسى وفي غير السبع، ووجه ذلك أن يتلقى بها القسم كما يتلقى بلام الابتداء، ويدخلان على الابتداء والخبر، أعني -اللام- وإن فعلق عن "إنما" عمل الحسبان كما تعلق عن اللام في قولك: حسبت لزيد قائم، فيعلق الفعل عن العمل لفظاً، وأما بالمعنى فما بعد "أن أو اللام" ففي موضع مفعولي "حسب"، وما يحتمل أن تكون بمعنى الذي، ففي {نملي} عائد مستكن، ويحتمل أن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى تقدير عائد وأما من قرأ "ولا تحسبن" بالتاء فالذين مفعول أول للحسبان، قال أبو علي: وينبغي أن تكون الألف من "إنما" مكسورة في هذه القراءة، وتكون "إن" وما دخلت عليه في موضع المفعول الثاني لتحسبن، ولا يجوز فتح الألف من "إنما" لأنها تكون المفعول الثاني، والمفعول الثاني في هذا الباب هو المفعول الأول بالمعنى، والإملاء لا يكون إياهم، قال مكي في مشكله: ما علمت أحداً قرأ "تحسبن" بالتاء من فوق وكسر الألف من "إنما" وجوز الزجّاج هذه القراءة "تحسبن" بالتاء و"أنما" بفتح الألف، وظاهر كلامه أنها تنصب خيراً، قال وقد قرأ بها خلق كثير وساق عليها مثالاً قول الشاعر: [الطويل] شعر : (فما كان قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ وَاحِدٍ) تفسير : بنصب هلك الثاني على أن الأول بدل، فكذلك يكون {إنما نملي} بدلاً من {الذين كفروا} كقوله تعالى: {أية : وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} تفسير : [الكهف: 63] وقوله {أية : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} تفسير : [الأنفال: 7] ويكون "خيراً" المفعول الثاني قال أبو علي: لم يقرأ هذه القراءة أحد، وقد سألت أحمد بن موسى عنها فزعم أنه لم يقرأ بها أحد، ويظهر من كلام أبي علي أن أبا إسحاق إنما جوز المسألة مع قراءة "خير" بالرفع، وأبو علي أعلم لمشاهدته أبا إسحاق، وذكر قوم أن هذه القراءة تجوز على حذف مضاف تقديره: ولا تحسبن شأن الذين كفروا أنما نملي لهم، فهذا كقوله تعالى: {أية : واسأل القرية} تفسير : [يوسف: 82] وغير ذلك ويذهب الأستاذ أبو الحسن بن الباذش: إلى أنها تجوز على بدل أن من الذين وحذف المفعول لحسب، إذ الكلام يدل عليه. قال القاضي: والمسألة جائزة إذ المعنى لا تحسبن إملاءنا للذين كفروا خيراً لهم أو نحو هذا ومعنى هذه الآية: الرد على الكفار في قولهم: إن كوننا ظاهرين ممولين أصحة دليل على رضى الله بحالنا واستقامة طريقتنا عنده، فأخبر الله أن ذلك التأخير والإمهال إنما هو إملاء واستدارج، ليكتسبوا الآثام، وقال عبد الله بن مسعود: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها، أما البرة فلتسرع إلى رحمة الله، وقرأ {أية : وما عند الله خير للأبرار} تفسير : [آل عمران: 198] وأما الفاجرة فلئلا تزداد إثماً، وقرأ هذه الآية ووصف العذاب بالمهين معناه: التخسيس لهم: فقد يعذب من لا يهان، وذلك إذا اعتقدت إقالة عثرته يوماً ما. واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {ما كان الله ليذر} فقال مجاهد وابن جريج وابن إسحاق وغيرهم: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: ما كان الله ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين مشكلاً أمرهم، يجري المنافق مجرى المؤمن، ولكنهم ميز بعضهم من بعض، بما ظهر من هؤلاء وهؤلاء في أحد من الأفعال والأقوال، وقال قتادة والسدي: الخطاب للكفار، والمعنى: حتى يميز المؤمنين من الكافرين بالإيمان والهجرة، وقال السدي وغيره: قال الكفار في بعض جدلهم: أنت يا محمد تزعم في الرجل منا أنه من أهل النار، وأنه إذا اتبعك من أهل الجنة، فكيف يصح هذا؟ ولكن أخبرنا بمن يؤمن منا وبمن يبقى على كفره، فنزلت الآية، فقيل لهم: لا بد من التمييز {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} فيمن يؤمن ولا فيمن يبقى كافراً ولكن هذا رسول الله مجتبى فآمنوا به. فإن آمنتم نجوتم وكان لكم أجر، وأما مجاهد وابن جريج وأهل القول، فقولهم في تأويل قوله تعالى: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} أنه في أمر "أحد" أي ما كان الله ليطلعكم على أنكم تهزمون، فكنتم تكعون عن هذا. وأيضاً فما كان ليطلعكم على المنافقين تصريحاً بهم وتسمية لهم، ولكن هذا بقرائن أفعالهم وأقوالهم في مثل هذا الموطن، وحتى - في قوله: {حتى يميز} غاية مجردة، لأن الكلام قبلها معناه: الله يخلص ما بينكم بابتلائه وامتحانه حتى يميز، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم: "حتى يَمِيز"- بفتح الياء وكسر الميم وتخفيف الياء، وكذلك "ليميز"، وقرأ حمزة والكسائي: "حتى يُميِّز" و "ليميز الله" بضم الياء والتشديد، قال يعقوب بن السكيت: مزت وميزت، لغتان بمعنى واحد، قال أبو علي: وليس ميزت بمنقول من مزت، بدليل أن ميزت لا يتعدى إلى مفعولين وإنما يتعدى إلى مفعول واحد كمزت، كما أن "ألقيت" ليس بمنقول من لقي، إنما هو بمعنى أسقطت، والغيب هنا: ما غاب عن البشر مما هو في علم الله من الحوادث التي تحدث ومن الأسرار التي في قلوب المنافقين: ومن الأقوال التي يقولونها إذا غابوا عن الناس، قال الزجّاج وغيره: روي أن بعض الكفار قال: لم لا يكون جميعنا أنبياء؟ فنزلت هذه الآية، و {يجتبي} - معناه: يختار ويصطفي، وهي من جبيت الماء والمال، وباقي الآية بين والله المستعان.
ابن عادل
تفسير : قرأ الجمهور "يحسبن" بالغيبة، وحمزة بالخطاب، وحكى الزّجّاج عن خلق كثير كقراءة حمزة إلا أنهم كسروا "أنما" ونصبوا "خير" وأنكرها ابن مجاهدٍ - وسيأتي إيضاح ذلك - وقرأ يحيى بن وثاب بالغيبة وكسر "إنما". وحكى عنه الزمخشري - أيضاً - أنه قرأ بكسر "أنما" الأولى وفتح الثانية مع الغيبة، فهذه خَمْسُ قراءاتٍ. فأما قراءة الجمهور، فتخريجها واضح، وهو أنه يجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى "الذين" و "أن" وما اتصل بها سادَّة مسد المفعولين - عند سيبويه - أو مسدَّ أحدهما، والآخر محذوف - عند الأخفش - ويجوز أن يكون مسنداً إلى ضمير غائب، يراد به النبي صلى الله عليه وسلم أي لا يحسبن النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا أن يكون "الذين كفروا" مفعولاً أول، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة، لتتحد هذه القراءة - على هذا الوجه - مع قراءة حمزة رحمه الله، وسيأتي تخريجها. و "ما" يجوز أن تكون موصولة اسمية، فيكون العائد محذوفاً، لاستكمال الشروط، أي: الذي نمليه ويجوز أن تكون مصدرية - أي: إملاءنا - وهي اسم "إن" و "خير" خبرها. قال أبو البقاء: "ولا يجوز أن تكون كافةً، وزائدة؛ إذ لو كان كذلك لانتصب "خير" بـ "نملي" واحتاجت "أن" إلى خبر، إذا كانت "ما" زائدة، أو قدر الفعل يليها، وكلاهما ممتنع" انتهى. وهي من الواضحات. وكتبوا "أنما" - في الموضعين - متصلة، وكان من حق الأولى الفصل؛ لأنها موصولة. وأما قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوال الناس وتخاريجهم، حتى أنه نُقل عن أبي حاتم أنها لحن. قال النحاس: وتابَعَهُ على ذلك [جماعة] وهذا لا يُلتفت إليه، لتواترها، وفي تخريجها ستة أوجُهٍ: أحدها: أن يكون فاعل "تحسبن" ضمير النبي صلى الله عليه وسلم و "الذين كفروا" مفعول أول، و {أنما نملي لهم خير} مفعول ثان، ولا بُدَّ - على هذا التخريج - من حَذْفِ مضافٍ، إما من الأول، تقديره: ولا تحسبن شأنَ الذين، وإما من الثَّاني، تقديره: أصحاب أن إملاءنا خير لهم. وإنما احتجْنَا إلى هذا التأويل؛ لأن "أنما نملي" بتأويل مصدر، والمصدر معنى من المعاني لا يَصْدُقُ على "الذين كفروا" والمفعول الثاني في هذا البابِ هُوَ الأولُ في المعنى. الثاني: أن يكون "أنما نملي لهم" بدلاً من "الذين كفروا". وإلى هذا ذهب الكسائي، والفرّاء، وتبعهما جماعة، منهم الزَّجَّاج والزمخشري، وابنُ الباذش، قال الكسائيُّ والفرّاء: وجه هذه القراءة التكرير والتأكيد، والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن أنما نملي. قال الفرّاءُ: ومثله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ} تفسير : [الزخرف: 66] أي: ما ينظرون إلا أن تأتيهم. انتهى. ورد بعضهم قولَ الكسائيِّ والفرّاءِ، بأن حَذْفَ المفعولِ الثاني - في هذه الأفعالِ - لا يجوز عند أحد. وهذا الردُّ ليس بشيءٍ؛ لأن الممنوعَ إنما هو حذف الاقتصارِ - وقد تقدم تحقيق ذلك. وقال ابنُ الباذش: ويكون المفعول الثاني قد حُذِف؛ لدلالة الكلامِ عليه، ويكون التقدير: ولا تحسبن الذين كفروا خَيْريَّةَ إملائنا لهم ثابتة، أو واقعة. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف صح مَجِيءُ البدلِ، ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصارُ بفعل الحسبانِ على مفعولٍ واحدٍ؟ قلتُ: صحَّ ذلك من حيثُ إنّ التعويلَ على البدل والمبدل منه في حكم المُنَحَّى، ألا تراك تقول: جَعَلْتُ متاعَك بعضَه فوقَ بَعْضٍ، مع امتناع سكوتك على: متاعك. وهذا البدلُ بدلُ اشتمالٍ - وهو الظاهرُ - أو يدل كُلٍّ من كُلٍّ، ويكون على حَذْف مضافٍ، تقديره: ولا تحسبن إملاء الذين، فحذف "إملاء" وأبدل منه: "أنما نملي" قولان مشهوران. الثالثُ - وهو أغربها -: أن يكون "الذين كفروا" فاعلاً بـ "تحسبن" على تأويل أن تكون التاء في الفعل للتأنيث، كقوله: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الشعراء: 105] أي: ولا تحسبن القوم الذين كفروا، و "الذين" وَصْف للقوم، كقوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ} تفسير : [الأعراف: 137]. فعلى هذا تتحد هذه القراءة مع قراءة الغيبة، وتخريجها كتخريجها، ذكر ذلك أبو القاسم الكرماني في تفسيره المُسمَّى بـ "اللُّباب". وفيه نظر؛ من حيث إن "الذين" جارٍ مَجْرَى جمع المذكر السالم، والجمع المذكر السالم لا يجوز تأنيث فعله - عند البصريين - لا يجوزُ: قامت الزيدون، ولا: تقوم الزيدون. وأما اعتذاره عن ذلك بأن "الذين" صفة للقوم - الجائز تأنيث فِعلهم - وإنما حذف، فلا ينفعه؛ لأن الاعتبارَ إنما هو بالملفوظ لا بالمقدَّر، لا يجيز أحدٌ من البصريين: قامت المسلمون - على إرادة: القوم المسلمون - ألبتة. وقال أبو الحسن الحوفيُّ: "أن" وما عملت فيه من موضع نصب على البدل، و "الذين" المفعول الأول، والثاني محذوف. وهو معنى قول الزمخشريِّ المتقدم. الرابع: أن يكون: {أنما نملي لهم} بدلاً من: "الذين كفروا" بدل اشتمال - أي: إملاءنا - و "خير" بالرفع - خبر مبتدأ محذوف، أي: هو خير لأنفسهم، والجملة هي المفعول الثاني، نقل ذلك أبو شامة عن بعضهم، ثم وقال: قُلْتُ: ومثل هذه القراءة بيت الحماسةِ. شعر : 1696- فِينَا الأنَاةُ، وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَحْسَبُنَا أَنَّا بِطَاءٌ، وَفِي إبْطَائِنَا سَرَعُ تفسير : كذا جاءت الرواية بفتح "أنا" بعد ذكر المفعول الأول، فعلى هذا يجوز أن تقول: حسبت زيداً أنه قائم، أي: حسبته ذا قيام. فوجه الفتح أنها وقعت مفعولاً، وهي ما عملت فيه من موضع مفرد، وهو المفعول الثاني لـ "حسبت" انتهى. وفيما قاله نظرٌ؛ لأن النحاة نصُّوا على وجوب كسر "إن" إذا وقعت مفعولاً ثانياً، والأول اسم عين، وأنشدوا البيتَ المذكورَ على ذلك، وعلَّلوا وجوب الكسر بأنا لو فتحنا لكانت في محل مصدر، فيلزم منه الاخبار بالمعنى عن العين. الخامس: أن يكون "الذين كفروا" مفعولاً أول، و {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} في موضع المفعول الثاني، و {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ} مبتدأ وخبر اعترض به بين مفعولي "تحسبن" ففي الكلام تقديم وتأخير، نُقِل ذلك عن الأخفشِ. قال أبو حاتم: وسمعتُ الأخفشَ يذكر فتح "أن" - يحتج به لأهل القَدَر؛ لأنه كان منهم - ويجعله على التقديم والتأخير، [أي]: ولا تحسبنَّ الذين كفروا أنما نُمْلي لهم ليزدادوا إثماً، إنما نملي لهم إلا ما هو خير لأنفسهم. انتهى. وإنما جاز أن تكون "أن" المفتوحة مبتدأ بها أول الكلام؛ لأن مذهبَ الأخفش ذلك، وغيره يمنع ذلك، فإن تقدم خبرها عليها - نحو: ظني أنك منطلق، أو "أما" التفصيلية، نحو أما أنك منطلق فعندي، جاز ذلك إجماعاً. وقول أبي حاتم: يذكر فتح "أن" يعني بها التي في قوله: {أنما نملي لهم خير}. ووجه تمسُّك القدرية أن الله تعالى لا يجوز أن يُمْلِي لهم إلا ما هو خير لأنفسهم، لأنه يجب - عندهم - رعاية الأصلح. السادس: قال المهدويّ: وقال قوم: قدم "الذين كفروا" توكيداً، ثم حالهم، من قوله: {أنما نملي لهم} رداً عليهم، والتقديرُ: ولا تحسبن أن إملاءنا للذين كفروا خيرٌ لأنفسهم. وأما قراءة يحيى - بكسر "إنَّما" مع الغيبة - فلا تخلو إما أن يُجْعَل الفعلُ مسنداً إلى "الذين" أو إلى ضميرٍ غائبٍ، فإن كانت الأولى كانت "أنما" وما في حيِّزها معلقة لـ "تحسبن" وإن لم تكن اللام في خبرها لفظاً، فهي مقدرة، فيكون "إنّما" - بالكسر - في موضع نَصْبٍ؛ لأنها معلقة لفعل الحسبان من نية اللام، ونظير ذلك تعليق أفعال القلوبِ عن المفعولينِ الصريحين - بتقدير لام الابتداء - في قوله [البسيط]: شعر : 1697- كَذَاكَ أدَّبتُ حَتَّى صَارَ مِنْ خُلُقِي أَنِّي وَجَدْتُ مِلاَكُ الشَّيْمَةِ الأدَبُ تفسير : فلولا تقدير اللام لوجب نصب "ملاك" و "الأدب". وكذلك في الآية لولا تقدير اللام لوجب فتح "إنما". ويجوز أن يكون المفعول الأول قد حُذِف - وهو ضمير الأمرِ والشأنِ - وقد قيل بذلك في البيت، وهو الأحسنُ فيه. والأصلُ: لا تحسبنه - أي الأمر - و {إنما نملي لهم} في موضع المفعول الثاني، وهي المفسرة للضمير وإن كان الثاني كان "الذين" مفعولاً أول، و "أنما نملي" في موضع المفعول الثاني. وأما قراءته التي حكاها عنه الزمخشريُّ، فقد خرَّجَها هو، فقال: على معنى: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لازدياد الإثم - كما يفعلون - وإنما هو ليتوبوا، ويدخلوا في الإيمان، وقوله: {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} اعتراض بين الفعل ومعموله، ومعناه: إن إملاءنا خيرٌ لأنفسهم إن عملوا فيه، وعرفوا إنعام الله عليهم، بتفسيح المُدَّةِ، وترك المعاجلةِ بالعقوبة. انتهى. فعلى هذا يكون "الذين" فاعلاً، و "أنما" - المفتوحة - سادة مسد المفعولين، أحدهما - على الخلاف - واعترض بهذه الجملة بين الفعل ومعموله. قال النَّحَّاسُ: قراءة يحيى بن وَثَّابٍ - بكسر "إن" فيهما جميعاً - حسنة، كما تقول: حسبت عمراً أبوه خارجٌ. وأما ما حكاه الزّجّاج - قراءةً - عن خلق كثير، وهو نصب "خير" على الظاهر من كلامه، فقد ذكر تخريجها، على أن {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} بدل من "الذين كفروا" و "خيراً" مفعول ثانٍ، ولا بد من إيراد نَصِّهِ، قال - رحمه الله -: مَنْ قرأ: "ولا يحسبن" بالياء، لم يَجُزْ عند البصريين إلا كسر "إن" والمعنى: لا يجسبن الذين كفروا إملاءنا خير لهم، ودخلت "إن" مؤكِّدةً، فإذا فتحت صار المعنى: ولا يحسبن الذين كفروا إملاءنا خير لهم، قال: وهو عندي يجوز في هذا الموضع على البدل من "الذين" والمعنى: ولا يحسبن إملاءنا للذين كفروا خيراً لهم، وقد قرأ بها خلقٌ كثير، ومثل هذه القراءة من الشعر قول الشاعر: [الطويل] شعر : 1698- فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ وَاحِدٍ وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا تفسير : جعل "هلكه" بدلاً من "قيس" والمعنى: فما كان هلك قيس هلك واحدٍ، 1هـ. يعني: "هلك" - الأول - بدل من المرفوع، فبقي "هلك واحد" منصوباً، خبراً لـ "ما كان" كذلك: {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} "أن" واسمها - وهي "ما" الموصولة - وصلتها، والخبر - وهو "لَهُم" في محل نصب، بدلاً من "الَّذِينَ كَفَرُوا" فبقي "خَيْراً" منصوباً على أنه مفعول ثانٍ لـ "تَحْسَبَنَّ". إلا أن الفارسي قد رد هذا على أبي إسحاقَ بأن هذه القراءة لم يقرأ بها أحد - أعني نصب "خَيْراً" - قال أبو علي الفارسي: لا يصح البدل، إلا بنصب "خَيْرٌ" من حيثُ كان المفعول الثاني لـ "حسبت" فكما انتصب "هلكَ واحدٍ" في البيت - لما أبدل الأول من "قيس" - بأنه خبر لـ "كان" كذلك ينتصب "خَيْرٌ لَهُمْ" إذا أُبْدِل الاملاء من "الَّذِينَ كَفَرُوا" بأنه مفعول ثانٍ لـ "تَحْسَبَنَّ". قال: وسألت أحمد بن مُوسَى عنها، فزعم أن أحداً لم يقرأ بها يعني بـ "أحمد" هذا أبا بكر بن مجاهد الإمام المشهور، وقال - في الحجة -: "الَّذِينَ كَفَرُوا" في موضع نصب؛ بأنها المفعول الأول، والمفعول الثاني هو الأول - في هذا الباب - في المعنى، فلا يجوزُ - إذَنْ - فتح "إن" في قوله: {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} لأن إملاءهم لا يكون إياهم. فإن قُلْتَ: لِمَ لا يجوز الفتح في"أن" وجعلها بدلاً من "الَّذِينَ كَفَرُوا" كقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} تفسير : [الكهف: 63] وكما كان "أن" من قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} تفسير : [الأنفال: 7]؟ قيل: لا يجوز ذلك؛ لأنك إذا أبدلت "أن" من "الذين كفروا" كما أبدلت "أنَّ" من "إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ" لزمك أن تنصب "خَيْراً" على تقدير: لاَ تَحْسَبَنَّ إملاء الذين كفروا خيراً لأنفسهم، من حيثُ كان المفعولُ لـ "تَحْسَبَنَّ". وقيل: إنه لم ينصبه أحد، فإذا لم يُنْصَب عُلِمَ أن البدل فيه لا يصح، فإذا لم يَصِح البدلُ، لم يجز فيه إلا كسر "إن" على أن تكون "إن" وخبرها في موضع المفعول الثاني من "تَحْسَبَنَّ". انتهى ما رد به عليه، فلم يَبْقَ إلا الترجيح بين نَقْل الزجَّاج وابنِ مجاهد. قال شهابُ الدين: "ولا شك أن ابنَ مجاهدٍ أَعْنَى بالقراءات، إلا أن الزَّجَّاجَ ثقةٌ، ويقول: قرأ به خلقٌ كثيرٌ وهذا يبعد غلطه فيه، والإثبات مقدم على النفي، وما ذكره أبو علي - من قوله: وإذا لم يجز إلا كسر "إن".... الخ - هذا - أيضاً مما لم يقرأ به أحد". قال مَكِّي: "وجه القراءة لمن قرأ بالتاء - يعني بتاء الخطاب - أن يكسر "إنَّما" فتكون الجملة في موضع المفعول الثاني، ولم يقرأ به أحدٌ علمته". وقد نقل أبو البقاء أن نصب "خَيْراً" قراءة شاذة قال: وقد قرئَ شَاذَّاً بالنصب، على أن يكون "لأَنْفُسِهِمْ" خبر "أن" و "لَهُمْ" تبيين، أو حال من "خَيْر". يعني: أنه لما جعل "لأَنْفُسِهِم" الخبر، جعل "لَهُم" إما تبييناً، تقديره: أعني لهم وإما حالاً من النكرة المتأخرة، لأنه كان في الأصل صفة لها. والظاهر - على هذه القراءة - ما تقدم من كون "لَهُمْ" هو الخبر، ويكون "لأَنْفُسِهِمْ" في محل نصب؛ صفة لـ "خَيْرٌ" - كما كان صفة له في قراءة الجمهور. ونقل - أيضاً - قراءة كسر "أن" وهي قراءة يحيى، وخرجها على أنها جواب قسم محذوف، والقسم وجوابه يسد مَسَدَّ المفعولينِ، ولا حاجة إلى ذلك، بل تخريجها على ما تقدم أَوْلَى؛ لأن الأصل عدم الحذفِ. والإملاء: الأمهالُ والمَدُّ في العمرِ ومنه مَلاَوَةُ الدهر - للمدة الطويلة - قال الواحدي واشتقاقه من الملْوة - وهي المدة من الزمان - يقال: مَلَوْتُ من الدهر مَلْوَةً ومِلْوَةً ومُلْوَةً ومَلاوةً ومِلاَوَةً ومُلاَوَةً بمعنىً واحد. قال الأصمعيُّ: يقال أملى عليه الزمان - أي: طال - وأملى له - أي: طوَّل له وأمهله - قال أبو عبيدة: ومنه: الملا - للأرض الواسعة - والمَلَوَان: الليل والنهار، وقولهم: مَلاَّكَ الله بِنعَمِه أي: مَنَحَكَها عُمْراً طَوِيلاً -. وقيل: المَلَوَانِ: تكرُّر الليل والنهار وامتدادُهما، بدليلِ إضافتهما إليهما في قول الشّاعرِ: [الطويل] شعر : 1699- نَهَارٌ وَلَيْلٌ دَائِمٌ مَلَوَاهُمَا عَلَى كُلِّ حَلِ المَرْءِ يَخْتَلِفَانِ تفسير : فلو كانا الليلَ والنَّهارِ لما أُضِيفا إليهما؛ إذ الشيءُ لا يُضاف إلى نفسه. فقوله: {أنما نملي لهم} أصل الياء واوٌ، ثم قُلِبَت لوقوعها رابعة. قوله: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} قد تقدم أن يحيى بن وثَّاب قرأ بكسر الأولى وفتح هذا فيما نقله الزمخشريُّ وتقدم تخريجُها، إلا أن أبا حيّان قال: إنه لم يَحْكِها عنه غير الزمخشريِّ بل الَّذِينَ نقلوا قراءةَ يحيى إنما نقلوا كسر الأولى فقط، قال: وإنما الزمخشريُّ - لولوعه بنْصرة مذهبه - يروم رد كل شيء إليه. قل شهابُ الدِّينِ: وهذا تحامُلٌ عليه؛ لأنه ثقةٌ، لا ينقل ما لم يُرْوَ. وأما على قراءة كسرها ففيها وجهان: الأول: أنها جملة مستأنفة، تعليلٌ للجملة قبلها، كأنه قيل: ما بالُهُمْ يحسبون الإملاء خيراً؟ فقيل: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} و "إنّ" - هنا مكفوفة بـ "ما" ولذلك كُتِبَتْ متصلة - على الأصل ولا يجوز أن تكون موصولة - اسمية ولا حرفية - لأن لام "كي" لا يصح وقوعها خبراً للمبتدأ ولا لنواسخه. الثاني: أنّ هذه الجملة تكريرٌ للأولى. قال أبو البقاء: وقيل: {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} تكريرٌ لَهُمْ" تكريرٌ للأول، و "لِيَزْدَادوا" هو المفعول الثاني لـ "تَحْسَبَنَّ" على قراءة التاء، والتقدير: ولا تحسبنّ يا محمد إملاء الذين كفروا ليزدادوا إيماناً، بل ليزدادوا إثماً. ويُرْوَى عن بعض الصحابة أنه قرأها كذلك. قال شِهَابُ الدينِ: وفي هذا نظر، من حيث إنه جعل "لِيَزْدَادوا" هو المفعول الثاني، وقد تقدم أن لام "كي" لا تقع خبراً للمبتدأ ولا لنواسخه، ولأن هذا إنما يتم له على تقدير فتح الثانيةِ، وقد تقدم أنّ أحداً لم ينقلها عن يحيى إلا الزمخشريّ والذي يقرأ "تَحْسَبَنَّ" - بتاء الخطاب - لا يفتحها ألبتة. واللام في "ليزدادوا" فيها وجهان: أحدهما: أنها لام "كي". والثاني: أنها لامُ الصَّيْرُورَةِ. قوله: {وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} في هذه الواو قولان: أحدهما: أنها للعطف. والثاني: أنها للحالِ، وظاهرُ قول الزمخشريُّ أنها للحالِ في قراءة يَحْيى بن وثَّاب فقط؛ فإنه قال: فإن قلت: ما معنى القراءة - يعني: قراءة يحيى التي نقلها هو عنه؟ قلتُ: معناه: ولا تحسبوا أن إملاءه لزيادة الإثم والتعذيب، والواو للحال، كأنه قيل: ليزدادوا إثْماً مُعَدًّا لهم عذابٌ مهينٌ. قال أبو حيَّان - بعد ما ذكر من إنكاره عليه نَقْل فَتْح الثانية عن يحيى كما تقدم -: ولما قَرَّرَ في هذه القراءة أن المعنى على نَهْي الكافر أن يحسب أنما يُملي اللَّهُ لزيادة الإثم، وأنه إنما يملي [لزيادة] الخير، كان قوله: {وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} يدفع هذا التفسير، فخرج ذلك على أن الواو للحالِ، حتى يزول هذا التدافعُ الذي بين هذه القراءة، وبين ظاهر آخر الآية. فصل أصل "ليزدادوا": ليزتادوا - بالتاء - لأنه افتعال من الزيادة، ولكن تاء الافتعال تقلب دالاً بعد ثلاثة أحرفٍ - الزاي، والذال، والدال - نحو ادكروا والفعل هنا - متعدٍّ لواحدٍ، وكان - في الأصل - متعدياً لاثنين، - كقوله تعالى: {أية : فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} تفسير : [البقرة: 10] ولكنه بالافتعالِ ينقص أبداً مفعولاً، فإن كان الفعلُ - قبل بنائه على "افتعل" للمطاوعة - مُتَعدياً لواحدٍ، صار قاصراً بعد المطاوعةِ، نحو مددتُ الحبلَ فامتدَّ، وإن كان متعدياً لاثنين صار - بعد الافتعال - متعدياً لواحدٍ، كهذه الآية. وخُتِمَتْ كل واحدة من هذه الآيات الثلاث بصفة للعذاب غير ما خُتِمَتْ به الأخْرَى؛ لمعنًى مناسب، وهو أن الأولى تضمنت الإخبار عنهم بالمسارعة في الكُفْرِ، والمسارعةُ في الشيء والمبادرة في تحصيله تقتضي جلالته وعظمته، فجُعِل جزاؤه {عَذَابٌ عَظِيمٌ} مقابلاً لهم، ويدل ذلك على خساسة ما سارعوا فيه. وأما الثانية فتضمنت اشتراءهم الكُفْر بالإيمان، والعادة سرورُ المشتري واغتباطه بما اشتراه، فإذا خسر تألَّم، فخُتِمَت هذه الآيةُ بألم العذابِ، كما يجد المشتري المغبون ألَمَ خسارته. وأما الثالثة فتضمنت الإملاء - وهو الإمتاع بالمال وزينة الدنيا - وذلك يقتضي التعزُّزَ والتكبُّرَ والجبروتَ فختمت هذه الآيةُ بما يقتضي إهانتهم وذِلَّتهم بعد عِزِّهم وتكبُّرهم. فصل قال ابنُ الخطيبِ: احتج أصحابُنا - بهذه الآية - في إثبات القضاء والقدر؛ لأن الإملاء عبارة عن تأخيره مدة - والتأخيرُ من فعلِ اللهِ تعالى - والآية دلَّت على أنَّ هذا الإملاء ليس بخير لهم، فهو سبحانَهُ خالقُ الخيرِ والشرِ. ودلَّت على أن المقصودَ من هذا الإملاء هو أن يزدادوا إثماً، فدل على أنّ المعاصيَ والكُفْر بإرادته وأكَّده بقوله: {وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. وأيضاً أخبر عنهم بأنهم لا خير لهم في هذا الإملاء؛ لأنهم لا يحصلون إلا زيادة البغي والطغيان، والإتيان بخلاف خبر الله - مع بقاء ذلك الخبر - جمع بين النقيضين، وهو محالٌ. وإذا لم يكونوا قادرين - مع ذلك الإملاء - على الخير والطاعة - مع أنهم مكلَّفُون بذلك - لزم في نفسه بُطْلان مذهب المعتزلة. وأجب المعتزلة عن الأول بأنّ المرادَ: ليس خيراً لهم بأن يموتوا كما مات الشهداءُ يومَ أُحُدٍ؛ لأن هذه الآيات في شأن أُحُدٍ، ولا يلزمُ من كَوْنه ليس خيراً من القتل يوم أحد إلا أن يكونَ في نفسه خيراً. وعن الثاني بأنه ليس المرادُ ليقدموا على الكفرِ والعصيانِ؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] فيُحْتَمَلُ أن تكونَ اللامُ للعاقبة - كقوله: {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8] - أو يكون فيه تقديم وتأخير، تقديره: لا يحسبن الذين كفروا أنما نُملي لهم ليزدادوا إثماً، إنما نُمْلي لهم خير لأنفسهم. أو لأنهم لما ازدادوا طغياناً - بإمهاله - أشبه حال مَنْ فعل الإملاء لهذا الغرضِ. أو تقول: اللام - هنا - ليست للتعليل بالإجماع، أما على مذهب أهلِ السُّنَّةِ فلأنهم يُحيلون تعليل أفعاله تَعَالَى بالأغراض، وأما على قولنا فلأنَّا إنما نُعَلِّل بغرض الإحسانِ، لا بالتعب فسقط ما ذكروه. وقول القائلِ: ما المرادُ بهذه الآية؟ لا يُلْتَفَتُ إليه؛ لأن المستدلَّ نَفَى الاستدلال على أن اللام للتعليلِ، فإذا بَطَلَ ذلك سقط استدلالُهُ. وعن الثالث، وهو مسألةُ العلمِ والخبر، أنه معارض بأنه يلزم أنه تعالى موجب لا مختار، وهو باطلٌ. والجوابُ عن الأول أنَّ المنفيَّ هو الخير في نفس الأمر لا بمعنى المفاضلةِ؛ لأن الذي للمفاضلة لا بد وأن يُذْكِر مُقابِلُه، فلما يُذْكَر دلَّ على المنفيَّ هو الخيرُ مطلقاً. وتمسُّكهم بقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ أِلاَّ لِيُطَاعَ} تفسير : [النساء: 64] جوابه: أن ما تمسَّكوا به عام، ودليلنا خاصّ. وقولهم: اللام للعاقبة، قلنا: خلاف الظاهر - مع أن البرهان العقليّ يُبْطله؛ لأنه تعالى لما علم ذلك وجب حصولُهُ؛ لأن حصولَ معلومِهِ واجبٌ، وعدم حصوله مُحَالٌ، وإرادة المحالِ مُحَالٌ فوجب أن يرد ما هو الواقع، فثبت أن المقصود هو التعليلُ. وأما التقديمُ والتأخيرُ، فجوابُهُ: أن ذلك على خلاف الأصل؛ لأن ذلك إنما يتم لو كانت "أَنَّمَا" الأولى مكسورة والثانية مفتوحة وقولهم: لا يمكن حَمْل اللام على التعليل، قلنا: الممتنع - عندنا - تعليل أفعاله - تعالى - بغرض يصدر عن العباد، فأما أنه يفعل فعلاً ليحصل منه شيءٌ آخرَ، فغير ممتنع. وأيضاً فالآيةُ نصٌّ على أنه ليس المقصود من الإملاء إيصال الخير لهم، والقوم لا يقولونَ به، فهي حجةٌ عليهم، وأما المعارضة فجوابها: أن تأثيرَ قدرة اللَّهِ تَعَالَى - في إيجاد المُحْدِثَات - متقدمٌ على تعلُّق علمه بعدمه، فلم يكن أن يكون العلم مانعاً من القدرة، وأما العبدُ فتأثير قدرته في إيجاد الفعل متأخر عن تعلُّق علم الله تعالى بعدمه، فصحَّ كَوْنُ هذا العلمِ مانعاً للعبدِ عن الفعل. قال ابن الخطيبِ: اتفق أصحابُنا، على أنه ليس لله تعالى على الكافر نعمةٌ دينيةٌ، واختلفوا في الدنيوية فتمسك النافون بهذه الآيةِ، وقالوا: دلت على إطالة عُمْره ليست بخير له، والعقل يُقَرِّره لك؛ لأن من أطعم إنساناً طعاماً مسموماً لا يعد ذلك إنعاماً، فإذا كان القصدُ من نعم الدنيا عذاب الآخرة فليست بنعمة، ومما ورد من النعم في حقِّ الكافرِ محمولٌ على ما هو نعمةٌ في الظَّاهر لكنه نقم في محض الحقيقة.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو بكر المروزي في الجنائز وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها من الحياة، إن كان براً فقد قال الله {وما عند الله خير للأبرار} وإن كان فاجراً فقد قال الله {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً} . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي الدرداء قال: ما من مؤمن إلا الموت خير له، وما من كافر إلا الموت خير له. فمن لم يصدقني فإن الله يقول {أية : وما عند الله خير للأبرار} تفسير : [آل عمران: 198] {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين} . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب قال: الموت خير للكافر والمؤمن، ثم تلا هذه الآية، ثم قال: إن الكافر ما عاش كان أشد لعذابه يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد عن أبي برزة قال: ما أحد إلا والموت خير له من الحياة، فالمؤمن يموت فيستريح، وأما الكافر فقد قال الله {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير} الآية.
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ} عطفٌ على قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ}تفسير : [آل عمران، الآية 176] الآية، والفعلُ مسندٌ إلى الموصول و{أن} بما في حيّزها سادةٌ مسدَّ مفعوليه عند سيبويهِ لتمام المقصودِ بها وهو تعلقُ الفعلِ القلبـيِّ بالنسبة بـين المبتدأ والخبرِ أو مسدَّ أحدِهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش، وما مصدريةٌ أو موصولةٌ حذف عائدُها ووصلُها في الكتابة لاتّباع الإمامِ أي لا يحسبن الكافرون أن إملأَنا لهم أو أن ما نُمليه لهم خيرٌ لأنفسهم، أو لا يحسبن الكافرون خيريةَ إملائِنا لهم أو خيريةَ ما نُمليه لهم ثابتةٌ أو واقعةٌ ومآلُه نهيُهم عن السرور بظاهر إملائِه تعالى لهم بناءً على حُسبان خيريّتِه لهم وتحسيرِهم ببـيان أنه شرٌّ بحتٌ وضررٌ محضٌ كما أن مآلَ المعطوفِ عليه نهيُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم عن الحزن بظاهر حالِ الكفرةِ بناءً على توهم الضررِ من قِبَلهم وتسليتِه عليه السلام ببـيان عجزِهم عن ذلك بالكلية، والمرادُ بالموصول إما جنسُ الكفرةِ فيندرج تحت حكمِه الكليِّ أحكامُ المعهودين اندراجاً أولياً، وإما المعهودون خاصة فإيثارُ الإظهارِ يدلّ على الإضمار لرعاية المقارنةِ الدائمة بـين الصلةِ وبـين الإملاءِ الذي هو عبارةٌ عن إمهالهم وتخليتِهم وشأنَهم دهراً طويلاً، فإن المقارنَ له دائماً إنما هو الكفرُ المستمرُّ لا المسارعةُ المذكورةُ ولا الاشتراءُ المذكورُ فإنهما من الأحوال المتجددةِ المنْقضيةِ في تضاعيف الكفرِ المستمرِّ. وقرىء لا تحسبن بالتاء والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الأنسبُ بمقام التسليةِ، أو لكل من يتأتى منه الحُسبانُ قصداً إلى إشاعة فظاعةِ حالِهم، والموصولُ مفعولٌ و{إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ} [آل عمران، الآية 178] إما بدلٌ منه وحيث كان التعويلُ على البدل وهو سادٌّ مسدَّ المفعولين كما في قوله تعالى: {أية : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ } تفسير : [الفرقان، الآية 44] اقتُصر على مفعولٍ واحدٍ كما في قولك: جعلتُ المتاعَ بعضَه فوق بعضٍ، وإما مفعولٌ ثانٍ بتقدير مضافٍ: إما فيه أي لا تحسبن الذين كفروا أصحابَ أن الإملاءِ خيرٌ لأنفسهم أو في المفعول الأولِ أي لا تحسبن حالَ الذين كفروا أن الإملاء خيرٌ لأنفسهم، ومعنى التفضيلِ باعتبارِ زعمِهم. {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} استئنافٌ مبـينٌ لحكمةِ الإملاءِ، وما كافة واللامُ لامُ الإرادة وعند المعتزلةِ لامُ العاقبة، وقرىء بفتح الهمزة هٰهنا على إيقاع الفعلِ عليه، وكسرُها فيما سبق على أنه اعتراضٌ بـين الفعل ومعمولِه مفيدٌ لمزيد الاعتناءِ بإبطال الحسبانِ وردِّه على معنى لا يحسَبن الكافرون أن إملأَنا لهم لازدياد الإثمِ حسبما هو شأنُهم بل إنما هو لتلافي ما فَرَط منهم بالتوبة والدخولِ في الإيمان {وَلَهُمْ} في الآخرة {عَذَابٌ مُّهِينٌ} لمّا تضمّنَ الإملاءُ التمتيعَ بطيبات الدنيا وزينتِها وذلك مما يستدعي التعزّزَ والتجبّر وُصف عذابُهم بالإهانة ليكون جزاؤهم جزاءً وفاقاً، والجملةُ إما مبتدأةٌ مبـيّنةٌ لحالهم في الآخرة إِثرَ بـيانِ حالِهم في الدنيا، وإما حالٌ من الواو أي ليزدادوا إثماً مُعداً لهم عذابٌ مهين، وهذا متعيِّن على القراءة الأخيرة.
القشيري
تفسير : ومن تمام المكر بهم، والمبالغة في عقوبتهم أَنَّا نعذِّبهم وهم لا يشعرون؛{أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 182] نملي لهم فيظنون ذلك إنعاماً، ولا يحسبونه انتقاماً، فإذا برزت لهم كوامنُ التقدير عند مغاراتها علموا أنهم لفي خسران، وقد اتَّضح لكلِّ ذي بصيرة أن ما يكون سببَ العصيان وموجبَ النسيان غيرُ معدودٍ من جملة الإنعام.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا يحسبن الذين كفروا} الموصول مع صلته فاعل لا يحسبن {انما} بما فى حيزها سادة مسد مفعوليه لتمام المقصود بها وهو تعلق الفعل القلبى بالنسبة بين المبتدأ والخبر وما مصدرية او موصولة حذف عائدها وكان حقها فى قياس علم الخط ان تكتب مفصولة ولكنها وقعت فى مصحف عثمان رضى الله تعالى متصلة فلا يخالف وتتبع سنة الامام فى خط المصاحف {نملى لهم} الاملاء الامهال واطالة المدة والملى مقصورا الدهر والملوان الليل والنهار لتعاقبهما اى ان املاءنا لهم او ان ما نمليه لهم {خير لانفسهم} من منعهم عن اراداتهم ومعنى التفضيل باعتبار زعمهم {انما} كافة حقها الاتصال {نملى لهم ليزدادوا اثما} اللام لام الارادة عند اهل السنة القائلين بانه تعالى فاعل الخير والشر مريد لهما فان الاملاء الذى هو اطالة العمر لا شك انه من افعاله تعالى وانه ليس بخير لهم لانهم يتوسلون به الى ازدياد الاثم والطغيان فهو تعالى لما امهلهم واطال عمرهم بارادته واكتسبوا بذلك مآثم من الكفر والطغيان كان خالقا لتلك المآثم ايضا ولا تخلق الا بالارادة فهو مريد لها كما انه مريد لاسبابها المؤدية اليها وليست لام العلة لان افعاله تعالى ليست معللة بالاغراض وعند المعتزلة لام العاقبة {ولهم عذاب مهين} اى يهانون به فى الآخرة قال عليه السلام "حديث : خير الناس من طال عمره وحسن عمله وشر الناس من طال عمره وساء عمله " .تفسير : ودلت الآية على ان اطالة عمر الكافر والفاسق وايصاله الى مراداته فى الدنيا ليس بخير بل هى نعمة فى الصورة ونقمة فى الحقيقة ألا يرى ان من اطعم انسانا خبيصا مسموما لا يعد ذلك نعمة عند الحقيقة لافضائه الى الهلاك والعقوبة فينبغى للعبد ان لا يغتر بطول العمر وامتداده ولا بكثرة امواله ولا اولاده شعر : غره مشو بآن كه جهانت عزيز كرد اى بس عزيز راكه جهان كردزودخوار مارست اين جهان وجها نجوى ماركير وزماركير مار برآرد كهى دمار تفسير : قال الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج "حديث : ان من نعمى على امتك انى قصرت اعمارهم كيلا تكثر ذنوبهم واقللت اموالهم كيلا يشتد فى القيامة حسابهم واخرت زمانهم كيلا يطول فى القبور حبسهم " .تفسير : وقال ايضا "حديث : يا احمد لا تتزين بلين اللباس وطيب الطعام ولين الوطاء فان النفس مأوى كل شر وهى رفيق سوء كلما تجرها الى طاعة تجرك الى معصية وتخالفك فى الطاعة وتطيع لك فى المعصية وتطغى اذا شبعت وتتكبر اذا استغنت وتنسى اذا ذكرت وتغفل اذا امنت وهى قرينة للشيطان " .تفسير : وقيل مثل النفس كمثل النعامة تأكل الكثير واذا حملت عليها لا تطير واذا قيل انت طائر قالت انا بعير وهذه رجلى واذا حملت عليها شيأ قالت انا طائر وهذا جناحى فكثرة المال وكمال الاستغناء تغر النفس قال تعالى {أية : كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} تفسير : [العلق: 6-7]. شعر : مبر طاعت نفس شهوت برست كه هر ساعتش قبله ديكرست تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : شنيده ام كه بقصاب كوسفندى كفت دران زمانكه بخنجر سرش زتن ببريد جزاى هر بن خارى كه خورده ام ديدم كسى كه بهلوى جربم خوردجه خواهدديد حديث : وعن عائشة رضى الله عنها انها قالت قلت يا رسول الله ألا تستطعم الله فيطعمك قالت وبكيت لما رأيت به من الجوع وشد الحجر من السغب فقال "يا عائشة والذى نفسى بيده لو سألت ربى ان يجرى معى جبال الدنيا ذهبا لاجراها حيث شئت من الارض ولكنى اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن الدنيا على فرحها. يا عائشة ان الدنيا لا تنبغى لمحمد ولا لآل محمد" .تفسير : قال عليه السلام" حديث : الدنيا والآخرة ضرتان فمن يطلب الجمع بينهما فهو ممكور ومن يدعى الجمع بينهما فهو مغرور " .تفسير : فمن رام مع متابعة الهوى البلوغ الى الدرجات العلى فهو غريق فى الغفلة فالله تعالى يمهله فى طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوز فى طلبها حد الاحتياج اليها ويفتح ابواب المقاصد الدنيوية عليه ليستغنى بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانه شعر : بناز ونعمت دنيا منه دل كه دل بر داشتن كاريست مشكل تفسير : فيا ايها الاخوان الذين مضوا قبلنا من الامم قد عاشوا طويلا وجمعوا كثيرا فتذكروا موتهم ومصارعهم تحت التراب وتأملوا كيف تبددت اجزاؤهم وكيف ارملوا نساءهم وايتموا اولادهم وضيعوا اموالهم وهلكت بعدهم صغارهم وكبارهم وانقطت آثارهم وديارهم فلم يرجع من كفر بنعمة الله الا الى العذاب والخسران ولم يصر الا الى دركات النيران فمن كانت غفلته كغفلتهم فسيصير الى ما صاروا اليه وان عاش طويلا فان الله يمهل ولا يهمل قال تعالى {أية : نمتعهم قليلا ثم نضطرهم الى عذاب غليظ} تفسير : [لقمان: 24]. وما الحياة والتمتع بها الا قليل. فالدنيا ساعة فاجعلها طاعة لعلك تلحق بالجماعة من اهل الوصول وارباب القبول. وجميع الطاعات من اسباب الفلاح خصوصا الصلاة افضل العبادات واعلاها واشرف الطاعات واسناها. والصوم سبب الولوج فى ملكوت السموات وواسطة الخروج من رحم مضايق الجسمانيات المعبر عنه بالنشأة الثانية كما اشير اليه بقول عيسى عليه السلام [لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين] بل مجاهدة الصوم رابطة مشاهدة اللقاء واليه يشير الحديث القدسى وهو قوله جل شانه "حديث : الصوم لى وانا اجزى به " .تفسير : يعنى انا جزاؤه ولهذا علق سبحانه نيل سعادة الرؤية بالجوع حيث قال فى مخاطبة عيسى عليه السلام [تجوع ترانى] شعر : همى آيد ازحق ندا متصل تجوع ترانى تجرد تصل تفسير : رزقنا الله واياكم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ بالتحتية، فالذين كفروا: فاعل، و {إن} وما بعدها: سد مسد المفعولين، ومن قرأ بالفوقية فالذين: مفعول أول، و {إنما}: سد مسد الثاني، و {ما}: مصدرية، والإملال: الإمهال والتأخير. ومنه:{أية : وَاهْجُرْنِى مَلِيّاً}تفسير : [مريم: 46]. يقول الحقّ جلّ جلاله: ولا يظنن الذين كفروا أن إمهالي لهم وإمدادهم بطول الحياة، هو خير لهم، إنما نمهلهم استدراجاً {ليزدادوا} إثماً وعقوبة، {ولهم عذاب مهين} يهينهم، ويخزيهم يوم يُعز المؤمنين. الإشارة: إمهال العبد وإطالة عمره، إن كانت أيامه مصروفةً في الطاعة واليقطةِ، وزيادة المعرفة، فإطالتها خير، والبركة في العمر إنما هي بالتوفيق وزيادة المعرفة، وفي الحكم: "من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمان ما لا تدركه العبارة ولا تلحقه الإشارة". وإن كانت أيام العمر مصروفة في الغفلة والبطالة وزيادة المعصية، فالموت خير منها. وقد سُئل - عليه الصلاة والسلام - أيُّ الناس خَيْرٌ؟ قال:"حديث : مَنْ طَالَ عُمرُه وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قيل: فَأَيُّ النّاسِ شر؟ قال: مَنْ طَالَ عَمُرُهُ وَسَاءَ عَمله"تفسير : . والله تعالى أعلم. ولمّا قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : إنَّ اللهَ أطلعني على من يُؤمِنُ بي ممن يكْفُر"تفسير : . قال المنافقون: نحن معه ولا يعرفنا.
الطوسي
تفسير : القراءة، والاعراب: قرأ حمزه "ولا تحسبن" بالتاء وفتح السين. الباقون بالياء، وهو الأقوى، لأن حسبت يتعدى إلى مفعولين (وأن) على تقدير مفعولين، لأن قوله: {إنما نملي لهم خير لأنفسهم} سد مسد المفعولين لأنه لا يعمل في {أنما} إلا ما يتعدى إلى مفعولين: نحو حسبت وظننت واخواتهما. وحسبت يتعدى إلى مفعولين أو مفعول يسد مسد المفعوين نحو حسبت أن زيداً منطلق وحسبت أن يقوم عمرو. فقوله: {أنما نملي لهم خير لأنفسهم} سد مسد المفعولين اللذين يقتضيهما {يحسبن} وكسر (إن) مع القراءة بالياء ضعيف وقرئ به. ووجه ذلك قال أبو علي الفارسي (إن) يتلقى بها القسم كما يتلقى بلام الابتداء، ويدخل كل واحد منهما على الابتداء والخبر فكسر (إن) بعد {يحسبن} وعلق عنها الحسبان، كما يعلق باللام، فكأنه قال: لا يحسبن الذين كفروا للاخرة خير لهم. ومن قرأ بالتاء فعلى البدل، كقوله: {أية : هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} تفسير : وكما قال الشاعر: شعر : فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما تفسير : وقال الفراء: يجوز أن يكون عمل فيه {يحسبن} مقدرة تدل عليها الاولى. وتقديره: ولا تحسبن الذين كفروا يحسبون انما نملي لهم وهكذا في قوله: {هل ينظرون} ويجوز كسر {إنما} مع التاء في {يحسبن} وهو وجه الكلام، لتكون الجملة في موضع الخبر: نحو حسبت زيداً انه كريم. غير انه لم يقرأ به أحد من السبعة. وقوله: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً} معنى اللام ها هنا للعاقبة وليست بلام الغرض. كأنه قال: إن عاقبة أمرهم ازدياد الاثم كما قال: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} تفسير : وكما قال: {أية : وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله} تفسير : وكقوله: {أية : لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذ اضربوا في الأرض..}تفسير : إلى قوله: {أية : ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} تفسير : وما قالوا ذلك ليكون حسرة وإنما كان عاقبته كذلك وقال الشاعر: شعر : وأمُ سماك فلا تجزعي فللموت ما تلد الوالده تفسير : وقال آخر: شعر : أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها تفسير : وقال: شعر : وللمنايا تربي كل مرضعة وللخراب يجد الناس بنيانا تفسير : وقال آخر: شعر : لدوا للموت وابنوا للخراب [فكلكم يصير إلى ذهاب] تفسير : ويقول القائل: ما تزيدك موعظتي الا شرّا، وما أراها عليك إلا وبالا. ولا يجوز أن يحمل ذلك على لام الغرض والارادة، لوجهين: أحدهما - ان ارادة القبيح قبيحة ولا تجوز ذلك عليه تعالى. والثاني - لو كانت اللام لام الارادة لكان الكفار مطيعين لله من حيث فعلوا ما أراده الله وذلك خلاف الاجماع. وقد قال الله تعالى: {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} تفسير : وقال: {أية : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} تفسير : وقال أبوالحسن الاخفش والاسكافي: في الآية تقديم وتأخير. وتقديره ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً أنما نملي لهم خير لأنفسهم. وهذا ضعيف، لأنه كان يجب لو كان على التقديم، والتأخير أن تكون انما الاخيرة مفتوحة الهمزة لأنها معمول تحسبن - على هذا القول - وأن تكون الاولى مكسورة، لأنها مبتدأة في اللفظ والتقديم والتأخير لا يغير الاعراب عن استحقاقه وذلك خلاف ما عليه جميع القراء، فانهم أجمعوا على كسر الثانية. والاكثر على فتح الاولى. ويمكن أن يقال: - نصرة لأبي الحسن - أن يكون التقدير ولا تحسبن الذين كفروا قائلين: إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، بل فليعلموا أنما نملي لهم خير لأنفسهم. فيكون الحسبان قد علق، ولم يعمل. وتكون إنما الثانية كسرت، لأنها بعد القول. وتكون في موضع نصب بالقول المقدر وتكون أنما الاولى منصوبة بالعلم المقدر الذي بيناه. وعلى هذا يجوز أن يكون الوعد عاماً، ويكون الوعيد المذكور مشروطاً بالمقام على الكفر. وعلى الوجه الأول الذي حملنا اللام على العاقبة لا بد من تخصيصها بمن علم منه انه لا يؤمن، لأنه لو كان فيهم من يؤمن لما توجه إليهم هذا الوعيد المخصوص وقال البلخي: معناه لا تحسبن الذين كفروا ان املاءنا لهم رضاء بافعالهم، وقبول لها بل هو شر لهم، لأنا نملي لهم وهم يزدادون إثماً يستحقون به عذاباً أليما. ومثله: {أية : ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس}تفسير : أي ذرأنا كثيراً من الخلق سيصيرون إلى جهنم بسوء فعالهم و "ما" في قوله: {إنما} تحتمل أمرين: أحدهما - أن تكون بمعنى الذي والتقدير: إن الذي نمليه خير لأنفسهم. والآخر - أن يكون ما نملي بمنزلة الاملاء فتكون مصدراً. وإذا كانت كذلك فلا تحتاج إلى عائد يعود إليها. والاملاء: طول المدة. "فنملي لهم" معناه نطول أعمارهم. ومنه قوله: {أية : واهجرني ملياً} تفسير : أي حيناً طويلا. ومنه قوله: عشت طويلا، وتمليت حينا. والملأ: الدهر والملوان: الليل والنهار، لطول تعاقبهما. واملاء الكتاب وانما أنكر تعالى أن يكون الاملاء خير لهم - وان كانت نعمة دنيوية - من وجهين: أحدهما - قال الجبائي: أراد خير من القتل في سبيل الله، كشهداء أحد الثاني - قال البلخي: لا تحسبن ان ذلك خير استحقوه بفعلهم، أي لا تغتروا بذلك فتظنوا انه لمنزلة لهم، لأنهم كانوا يقولون: إنه تعالى لو لم يرد ما هم عليه، لم يمهلهم.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ}: ما: اسم أن، وخير: خبرها، والمصدر من خبر {أن} مفعول لتحسب على حذف مضاف، والأول الذين، أى: ولا تحسبن يا محمد، أو يا من يصلح للحساب الذين كفروا أصحاب، إنما نملى لهم خير، أى: أصحاب خيرية ما نملى لهم، أوله مفعول واحد وهو {الذين}، والمصدر من خبر {أن} بدله على اعتبار البدل، والتأويل عليه لأنه لو سلط الحسبان على أن وما بعدها بلا تقدم المبدل منه لكفى ذلك مفعولين له معنى، فإن المصدر من خبر أن قائم مقام مفعولين لاشتمال الكلام قبل التأويل على المسند والمسند إليه. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائى، وعاصم، ويعقوب: ولا يحسبن بالياء التحتية، فالذين فاعل، والمصدر من خبر أن قائم مقام مفعولين على حد ما مر، وقيل فى مثل ذلك: إن المفعول الثانى محذوف، أى: ولا يحسبن الذين كفروا خيرية ما نملى لهم ثابتة. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة: بفتح السين مضارع حسب فى جميع القرآن، وليست مصدرية وصلت بأن فى مصحف عثمان، فكان وصلها سنة متبعة وقياس الخط فصلها بل هى اسم موصول، اسم لـ {أن} بدليل رفع {خير} وهو خبر {أن} ولو كانت مصدرية لنصب {خير} على المفعولية {لنملى} أو يحسب، و{ما} واقعة على الإملاء، أى: لا يحسبن الذين كفروا أن الإملاء الذى نملى لهم خير، والرابط محذوف، أى: نمليه، أو {ما} واقعة على العمر، أى إن العمر الذى نمليه لهم، أى نطيله خير، وقيل: الإملاء تركهم يفعلون ما شاءوا خذلاناً لهم، فما واقعة على الإملاء، و{لأنفسهم} نعت لخير، والخير بمعنى ما يرغب فيه وينتفع به، ويجوز كونه اسم تفضيل، أى خيراً لهم من عدم ذلك، فيجوز تعليق اللام به على هذا، والآية فى مشركى مكة، وقيل: فى قريظة والنضير، وكانوا يقولون لو لم يرض الله محيانا ماكان أصحاء ممولين، أحياء ممدودة آجالنا. {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}: رد عل حسبانهم مستأنف مبين لعلة الإملاء، وما كافة، أى: ما أملينا لهم إلا ليزدادوا إثماً، قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: حديث : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى الناس خير؟، قال: "من طال عمره وحسن عمله" قيل: فأى الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله"تفسير : . قيل: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها. يريد: أن الفاجرة الموت خير لها لئلا تزداد إثماً، والبرة: الموت خير لها لتستريح من الدنيا، ولئلا تزل قدمها، والأولى أن يعتبر فى المؤمنة عند الله، أن الحياة خير لها، إذ تزداد خيراً، ولا تزل، وما يصيبها من الآلام تثاب عليه، وأما الفاجرة فحياتها نجاة من النار ما دامت حية، لكن يزيد عذابها بها لأنها تزيد سوءاً وقد جف القلم بالموت والحياة، والشقاوة، والسعادة، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا رأيت الله يعطى على المعاصى، فإن ذلك استدراج من الله"تفسير : قال جماعة من أهل العلم منهم الزجاج: هؤلاء قوم أعلم الله نبيه، صلى الله عليه وسلم، أنهم لا يؤمنون وأن نفاقهم يزيد ويموتون معاندين، واللام فى {ليزدادوا إثماً} لام الإرادة، أى أراد الله ازديادهم الإثم، لأن الله جل وعلا أراد المعصية من العاصى، والطاعة من المطيع، إذ لا يعصى مغلوباً، والإرادة غير الحب، والمعتزلة لما قالوا: لا يريد المعصية، وقد زلوا بذلك، قالوا: اللام للصيرورة، فإن الله أملى لهم ليطيعوه فصار إملاؤه وسيلة إلى ازدياد المعصية، وقرأ يحيى ابن وثاب: بكسر همزة إن الأولى، وفتح الثانية، ويحسبن بالياء فيكون الذين فاعلا، والمصدر من نملى الثانى مفعوله قائم مقام مفعوليه؛ لاشتمال اللفظ قبل التأويل على المسند والمسند إليه، أو يقدر مفعوله الثانى على حد ما قرئ لا يحسبن الذين كفروا إملاؤنا لهم ثابتاً ليزدادوا إثماً، وجملة {إنما نملى لهم خيراً لأنفسهم} بكسر همزة {إن} فى هذه القراء معترضة بين يحسب ومفعوله، أى: لا يحسبن الذين كفروا إملاؤنا لهم ليزدادوا إثماً، بل إملاؤنا لهم إنما هو ليؤمنوا ويطيعوا، فإملاؤنا لهم خير لو علقوا، قال السدى: عرضت على أمتى وأعلمت من يؤمن بى ومن يكفر. وفى رواية: عرضت على أمتى فى صورها فى الطين كما عرضت على آدم، وأعلمت بمن يؤمن بى ومن يكفر بى، فبلغ ذلك المنافقين فقالوا استهزاءً: زعم محمد ممن؟ أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر به، ممن لم يخلق ونحن معه ولا يعرفنا؟ فنزل قوله تعالى:{مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ}.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْمَا نُمْلِى} نمهل، وما اسم للإملاء أو للعمر، أى نملية، أو مصدرية أى أن إملاءنا {لَهُمْ خَيْرٌ} خبر إن {لأَنفُسِهِمْ} والمصدر من خبرها سد مسد المفعولين، أى لا يحسبن الذين كفروا خيرة ما نملى لهم، ويجوز كون ما مصدرية، أى أن إملاءنا لهم خير {إنَّمَا} إن العمر الذى {نُمْلِى لهُمْ} أو أن الإملاء الذى نملى، واللام بمعنى على، أو للنفع بحسب ظنهم لعنهم الله {لِيَزْدَادُوا} ثابت ليزدادوا، أو ما نملى لهم والعلة الباعثة تتقدم على المعلول، تعالى الله عن ذلك، ولكن لا مانع من اعتبار أن لكل ازدياد جزءاً من الإملاء قبله، والله يريد الشر لخلقه كما يريد لهم الخير، فيقال اللام للإرادة، وأخطأ المعتزلة إذ قالوا لا يريد لهم إلا الخير {إِثْماً وَلَهُمْ} فى الآخرة {عَذَابٌ مُّهِينٌ} مذل، جزاء، وفاقا على ترفعهم وتعززهم فى الدنيا وتكبرهم فى أعمارهم الطويلة بطيبات الدينا، ورد لتوهمهم أنهم أعزة عند الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَِّّنفُسِهِمْ } عطف على قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحْزُنكَ }تفسير : [آل عمران: 176] والفعل مسند إلى الموصول، و (أن) وما عملت فيه سادّ مسدّ مفعوليه عند سيبويه لحصول المقصود وهو تعلق أفعال القلوب بنسبة بين المبتدأ والخبر، وعند الأخفش المفعول الثاني محذوف، و (ما) إما مصدرية أو موصولة وكان حقها في الوجهين أن تكتب مفصولة لكنها كتبت في الإمام موصولة، واتباع الإمام لازم، ولعل وجهه مشاكلة ما بعده، والحمل على الأكثر فيها، و {خَيْرٌ } خبر، وقرىء (خيراً) بالنصب على أن يكون ـ لأنفسهم ـ هو الخبر و {لَهُمْ } تبيين، أو حال من {خَيْرٌ } والإملاء في الأصل إطالة المدة والملأ الحين الطويل، ومنه الملوان / لليل والنهار لطول تعاقبهما، وأما إملاء الكتاب فسمي بذلك لطول المدة بالوقوف عند كل كلمة. وقيل: الإملاء التخلية والشأن يقال: أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء. وحاصل التركيب لا يحسبن الكافرون أن إملاءنا لهم، أو أن الذي نمليه خير لأنفسهم أو لا يحسبن الكافرون خيرية إملائنا لهم، أو خيرية الذي نمليه لهم ثابتة أو واقعة، ومآل ذلك نهيهم عن السرور بظاهر إطالة الله تعالى أعمارهم وإمهالهم على ما هم فيه، أو بتخليتهم وشأنهم بناءاً على حسبان خيريته لهم، وتحسيرهم ببيان أنه شر بحت وضرر محض، وقرأ حمزة {وَلاَ تَحْسَبَنَّ } بالتاء، والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الأنسب بمقام التسلية إلا أن المقصود التعريض بهم إذ حسبوا ما ذكر، وإما لكل من يتأتى منه الحسبان قصداً إلى إشاعة فظاعة حالهم، والموصول مفعول، و {أَنَّمَا نُمْلِى } الخ بدل اشتمال منه، وحيث كان المقصود بالذات هو البدل وكان هنا مما يسدّ مسدّ المفعولين جاز الاقتصار على مفعول واحد، وإلا فالاقتصار لولا ذلك غير صحيح على الصحيح، ويجوز أنه يكون {أَنَّمَا نُمْلِى } مفعولاً ثانياً إلا أنه لكونه في تأويل المصدر لا يصح حمله على الذوات فلا بد من تقدير، أما في الأول: أي لا تحسبن حال الذين كفروا وشأنهم، وأما في الثاني: أي لا تحسبن الذين كفروا أصحاب أنما نملي لهم الخ، وإنما قيد الخير بقوله تعالى: {لأَِّنفُسِهِمْ } لأن الإملاء خير للمؤمنين لما فيه من الفوائد الجمة، ومن جعل خيراً فيما نحن فيه أفعل تفضيل، وجعل المفضل عليه القتل في سبيل الله تعالى جعل التفضيل مبنياً على اعتبار الزعم والمماشاة، والآية نزلت في مشركي مكة ـ وهو المروي عن مقاتل ـ أو في قريظة والنضير ـ وهو المروي عن عطاء ـ. {أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً } استئناف بما هو العلة للحكم قبلها، والقائلون بأن الخير والشر بإرادته تعالى يجوزون التعليل بمثل هذا، إما لأنه غرض وإما لأنه مراد مع الفعل فيشبه العلة عند من لم يجوز تعليل أفعاله بالأغراض. وأما المعتزلة فإنهم وإن قالوا بتعليلها لكن القبيح ليس مراداً له تعالى عندهم ومطلوباً وغرضاً، ولهذا جعلوا ازدياد الإثم هنا باعثاً نحو قعدت عن الحرب جبناً لا غرضاً يقصد حصوله، ولما لم يكن الازدياد متقدماً على الإملاء هنا، والباعث لا بد أن يكون متقدماً جعلوه استعارة بناءاً على أن سبقه في علم الله تعالى القديم الذي لا يجوز تخلف المعلوم عنه شبهه بتقدم الباعث في الخارج ولا يخفى تعسفه، ولذا قيل: إن الأسهل القول بأن اللام للعاقبة. واعترض بأنه وإن كان أقل تكلفاً إلا أن القول بها غير صحيح لأن هذه الجملة تعليل لما قبلها فلو كان الإملاء لغرض صحيح يترتب عليه هذا الأمر الفاسد القبيح لم يصح ذلك ولم يصلح هذا تعليلاً لنهيهم عن حسبان الإملاء لهم خيراً فتأمل قاله بعض المحققين. وقرأ يحيـى بن وثاب بفتح أنما هذه وكسر الأولى وبياء الغيبة في يحسبن على أن الذين كفروا فاعل يحسبن و أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً قائم مقام مفعولي الحسبان، والمعنى ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم لازدياد الإثم بل للتوبة والدخول في الإيمان وتدارك ما فات، وإنما نملي لهم خير لأنفسهم اعتراض بين الفعل ومعموله ومعناه أن إملاءنا خير لهم إن انتبهوا وتابوا، والفرق بين القراءتين أن الإملاء على هذه القراءة لإرادة التوبة والإملاء للازدياد منفي، وعلى القراءة الأخرى هو مثبت، والآخر منفي ضمناً ولا تعارض بينهما لأنه عند أهل السنة يجوز إرادة كل منهما ولا يلزم تخلف المراد عن الإرادة لأنه مشروط بشروط كما علمت. وزعم بعضهم أن جملة {أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ } الخ حالية أي لا يحسبن في هذه الحالة هذا، وهذه الحالة منافية له / وليس بشيء. {وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } جملة مبتدأة مبينة لحالهم في الآخرة إثر بيان حالهم في الدنيا أو حال من الواو أي ليزدادوا إثماً معدّاً لهم عذاب مهين وهذا متعين في القراءة الأخيرة ـ كما ذهب إليه غير واحد من المحققين ـ ليكون مضمون ذلك داخلاً في حيز النهي عن الحسبان بمنزلة أن يقال: ليزدادوا إثماً وليكون لهم عذاب، وجعلها بعضهم معطوفة على جملة {لِيَزْدَادُواْ } بأن يكون {عَذَابٌ مُّهِينٌ } فاعل الظرف بتقدير ويكون لهم عذاب مهين وهو من الضعف بمكان، نعم قيل: بجواز كونها اعتراضية وله وجه في الجملة، هذا وإنما وصف عذابهم بالإهانة لأنه ـ كما قال شيخ الإسلام ـ لما تضمن الإملاء التمتع بطيبات الدنيا وزينتها وذلك مما يستدعي التعزز والتجبر وصفه به ليكون جزاؤهم جزاءاً وفاقاً ـ قاله شيخ الإسلام ـ ويمكن أن يقال إن ذلك إشارة إلى رد ما يمكن أن يكون منشأ لحسبانهم وهم أنهم أعزة لديه عز وجل إثر الإشارة إلى ردّه بنوع آخر.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً}تفسير : [آل عمران: 169] والمقصود مقابلة الإعلام بخلاف الحسبان في حالتين: إحداهما تلوح للناظر حالة ضرّ، والأخرى تلوح حالة خير، فأعلم الله أن كلتا الحالتين على خلاف ما يتراءى للناظرين. ويجوز كونه معطوفا على قوله: {أية : ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}تفسير : [آل عمران: 176] إذ نهاه عن أن يكون ذلك موجباً لحزنه، لأنهم لا يضرّون الله شيئاً، ثم ألقى إليه خبراً لقصد إبلاغه إلى المشركين وإخوانهم المنافقين: أن لا يحسبوا أن بقاءهم نفع لهم بل هو إملاء لهم يزدادون به آثاماً، ليكون أخذُهم بعد ذلك أشدّ. وقرأه الجمهور {ولا يَحسبنّ الذين كفروا} ــــــ بياء الغيبة ــــــ وفاعلُ الفعل (الذين كفروا)، وقرأه حمزة وحده ــــــ بتاء الخطاب ــــــ. فالخطاب إما للرسول ــــــ عليه السلام ــــــ وهو نهي عن حسبان لم يقع، فالنهي للتحذير منه أو عن حسبان هو خاطر خطر للرسول صلى الله عليه وسلم غير أنّه حسبان تعجّب، لأنّ الرسول يعلم أنّ الإملاء ليس خيراً لهم، أو المخاطب الرسول والمقصود غيره، ممّن يظنّ ذلك من المؤمنين على طريقة التعريض مثل {أية : لئن أشركت ليحبطنّ عملك}تفسير : [الزمر: 65]، أو المراد من الخطاب كلّ مخاطب يصلح لذلك. وعلى قراءة ــــــ الياء التحتية ــــــ فالنهي مقصود به بلوغه إليهم ليعلموا سوء عاقبتهم، ويُمِرَّ عيشهم بهذا الوعيد، لأنّ المسلمين لا يحسبون ذلك من قبل والإملاء: الإمهال في الحياة، والمراد به هنا تأخير حياتهم، وعدمُ استئصالهم في الحرب، حيث فرحوا بالنصر يوم أُحُد، وبأنّ قتلى المسلمين بوم أحُد كانوا أكثر من قتلاهم. ويجوز أن يراد بالإملاء التخلية بينهم وبين أعمالهم في كيد المسلمين وحربهم وعدم الأخذ على أيديهم بالهزيمة والقتل كما كان يوم بدر، يقال: أملى لفرسه إذا أرخى له الطِّوَل في المرعى، وهو مأخوذ من الملْو بالواو وهو سيرُ البعير الشديدُ، ثم قالوا: أمليت للبعير والفرس إذا وسَّعت له في القيد لأنّه يتمكّن بذلك من الخَبَب والركض، فشُبِّه فعله بشدّة السير، وقالوا: أمليت لزيد في غيّه أى تركته: على وجه الاستعارة، وأملى الله لفلان أخّر عقابه، قال تعالى: {أية : وأملي لهم إن كيدي متين}تفسير : [الأعراف: 183] واستعير التملّي لطول المدّة تشبيهاً للمعقول بالمحسوس فقالوا: ملأَّك الله حبيبَك تمليئة، أي أطال عمرك معه. وقوله: {أنما نملي لهم خير لأنفسهم} (أَنّ) أخت (إنّ) المكسورة الهمزة، و(ما) موصولة وليست الزائدة، وقد كتبت في المصحف كلمة واحدة كما تكتب إنّما المركبة من (إن) أخت (أنّ) و(ما) الزائدةِ الكافّةِ، التي هي حرف حصر بمعنى (مَا) و(إلاّ)، وكان القياس أن تكتب مفصولة وهو اصطلاح حدث بعد كتابة المصاحف لم يكن مطّرداً في الرسم القديم، على هذا اجتمعت كلمات المفسّرين من المتقدّمين والمتأخّرين. وأنا أرى أنّه يجوز أن يكون (أنّما) من قوله: {أنما نملي لهم خير لأنفسهم} هي أنّما أخت إنّما المكسورة وأنّها مركّبة من (أنّ) و(ما) الكافّة الزائدة وأنها طريق من طرق القصر عند المحقّقين، وأنّ المعنى: ولا يحسبنّ الذين كفروا انحصار إمهالنا لهم في أنّه خير لهم لأنّهم لمّا فرحوا بالسلامة من القتل وبالبقاء بقيد الحياة قد أضمروا في أنفسهم اعتقاد أنّ بقاءهم ما هو إلاّ خير لهم لأنّهم يحسبون القتل شرّاً لهم، إذ لا يؤمنون بجزاء الشهادة في الآخرة لكفرهم بالبعث. فهو قصر حقيقي في ظنّهم. ولهذا يكون رسمهم كلمة (أنَّما) المفتوحة الهمزة في المصحف جارياً على ما يقتضيه اصطلاح الرسم. و{أنّما نملي لهم خير لأنفسهم} هو بدل اشتمال من {الذين كفروا}، فيكون سادّاً مسدّ المفعولين، لأنّ المبدل منه صار كالمتروك، وسلكت طريقة الإبدال لما فيه من الإجمال، ثمّ التفصيل، لأنّ تعلّق الظنّ بالمفعول الأول يستدعي تشوّف السامع للجهة التي تعلَّق بها الظنّ، وهي مدلول المفعول الثاني، فإذا سمع ما يسدّ مسدّ المفعولين بعد ذلك تمكّن من نفسه فضْل تمكّن وزاد تقريراً. وقوله: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً} استئناف واقع موقع التعليل للنهي عن حسبان الإملاء خيراً، أي ما هو بخير لأنّهم يزدادون في تلك المدّة إثماً. و(إنما) هذه كلمة مركّبة من (إِنّ) حرف التوكيد و(ما) الزائدة الكافّة وهي أداة حصر أي: ما نملي لهم إلاّ ليزدادوا إثماً، أي فيكون أخذهم به أشدّ فهو قصر قلب. ومعناه أنّه يملي لهم ويؤخّرهم وهم على كفرهم فيزدادون إثماً في تلك المدّة، فيشتدّ عقابهم على ذلك، وبذلك لا يكون الإملاء لهم خيراً لهم، بل هو شرّ لهم. واللام في {ليزدادوا إثماً} لام العاقبة كما هي في قوله تعالى: {أية : ليكون لهم عدواً وحزناً}تفسير : [القصص: 8] أي: إنما نملي لهم فيزدادون إثماً، فلمّا كان ازدياد الإثم ناشئاً عن الإملاء، كان كالعلّة له، لا سيما وازدياد الإثم يعلمه الله فهو حين أملَى لهم علم أنّهم يزدادون به إثماً، فكان الازدياد من الإثم شديد الشبه بالعلّة، أمّا علّة الإملاء في الحقيقة ونفس الأمر فهي شيء آخر يعلمه الله، وهو داخل في جملة حكمة خلق أسباب الضلال وأهله والشياطين والأشياء الضارّة. وهي مسألة مفروغ منها في علم الكلام، وهي ممّا استأثر الله بعلم الحكمة في شأنه. وتعليلُ النهي على حسبان الإملاء لهم خيراً لأنفسهم حاصل، لأنّ مداره على التلازم بين الإملاء لهم وبين ازديادهم من الإثم في مدّة الإملاء .
الشنقيطي
تفسير : ذكر في هذه الآية الكريمة أنه يملي للكافرين ويمهلهم لزيادة الإثم عليهم وشدة العذاب. وبين في موضع آخر: أنه لا يمهلهم متنعمين هذا الإمهال إلا بعد أن يبتليهم بالبأساء والضراء، فإذا لم يتضرعوا أفاض عليهم النعم وأمهلهم حتى يأخذهم بغتة، كقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرِّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون} تفسير : [الأعراف: 94-95] وقوله: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} تفسير : [الأنعام: 42-43] إلى قوله: {أية : أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُون} تفسير : [الأنعام: 44]. وبين في موضع آخر: أن ذلك الاستدراج من كيده المتين، وهو قوله: {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين}تفسير : [القلم: 44-45]. وبين في موضع آخر: أن الكفار يغترون بذلك الاستدراج فيظنون أنه من المسارعة لهم في الخيرات، وأنهم يوم القيامة يؤتون خيراً من ذلك الذي أوتوه في الدنيا، كقوله تعالى: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 55-56] وقوله: {أية : أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدا}تفسير : [مريم: 77] وقوله: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36] وقوله: {أية : وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} تفسير : [فصلت: 50] وقوله: {أية : وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} تفسير : [سبأ: 35] الآية. كما تقدم، والبأساء: الفقر والفاقة، والضراء: المرض على قول الجمهور، وهما مصدران مؤنثان لفظاً بألف التأنيث الممدودة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 178- لا يحسبن هؤلاء الكافرون أن إمهالنا لهم - حين نُمدُ فى أعمارهم، ونهيئ لهم أسباب النعيم فى حياتهم الدنيا - خير لهم، فإن إطالة العمر وسعة الرزق يفضيان بهم إلى الاستمرار فى اكتساب الإثم واستحقاق ما أعد اللَّه لهم من عذاب مهين. 179- ما كان اللَّه ليترككم - يا معشر المؤمنين - على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق، حتى يميز بينكم بالمحنة والتكليف لتروا المنافق الخبيث والمؤمن الطيب، ولم تجر سنة اللَّه بإطلاع أحد من خلقه على شئ من غيبه، ولكن اللَّه يصطفى من يشاء بإطلاعه على ما يشاء من غيبه، وإن تؤمنوا وتتقوا ربكم بالتزام طاعته يدخلكم الجنة جزاء، ونعم الجزاء إذ هى جزاء عظيم. 180- لا يظن الذين يبخلون بما أنعم الله عليهم من المال تفضلاً منه، ولا يبذلونه فى الواجبات وسبل الخير أنَّ البخل خير لهم، بل إنه شر سيئ العاقبة عليهم، سيجزون عليه شر الجزاء يوم القيامة، وسيكون العذاب ملازماً لهم ملازمة الطوق للعنق. وإن كل ما فى الوجود يؤول لله - سبحانه وتعالى - وهو المالك له، وهو - سبحانه - يعلم كل ما تعملون، وسيجازيكم عليه. 181- ومع أن الله له ملك السموات والأرض وميراثهما، فقد قال بعض اليهود متهكمين: إن الله فقير يطلب منا أن نقرضه بالإنفاق، ونحن أغنياء ننفق أو لا ننفق، لقد سمع الله قولهم هذا وسجَّل عليهم ذلك القول كما سجل عليهم قتلهم الأنبياء ظلماً وإثماً وعدواناً، وسيقول لهم يوم القيامة: ذوقوا عذاب النار المحرقة. 182- وذلك العذاب بما قدمت أيديهم من الآثام، وعقاب الله لا يكون إلا عدلا، فهو لا يظلم العباد أبداً.
القطان
تفسير : نُملي لهم: نُمهلهم. اثما: ذنبا. ولا يحسبنّ هؤلاء الكافرون ان إمهالَنا لهم ـ حين نمد في أعمارهم ونهيّىء لهم أسباب النعيم في حياتهم الدنيا ـ هو خير لهم، كلا، ان اطالة العمر وسعة الرزق دون إيمان ولا عمل صالح يُفْضِيان بهم الى الاستمرار في المعاصي.. ومن ثَم استحقاق ما أعد الله لهم من عذاب مهين مقابلَ ما كانوا فيه من مقام ومكانة ونعمة.
د. أسعد حومد
تفسير : (178) - إذَا كَانَ الكَافِرُونَ يَعْتَقِدُونَ بِأنَّ مَا يَمُدُّهُمْ بِهِ اللهُ مِنْ مَالٍ وَبَنينَ وَإمْهَالٍ وَإِطَالَةِ عُمْرٍ، هُوَ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ لأنَّهُ فِي ظَنهِمْ دَلِيلٌ عَلَى صَوَابِ مَسْلَكِهِمْ، وَعَلَى رِضا اللهِ عَنْهُمْ، فَهُمْ وَاهِمُونَ، فَإنَّ اللهَ يَمُدُّهُمْ لِيَزْدَادُوا ضَلاَلاً وَإثماً، فَتَحِقَّ عَلَيهِمْ كَلِمةُ اللهِ، وَقَدْ أعَدَّ اللهُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَاباً مُهِيناً. مُهِينٌ - مُذِلٌّ. أمْلَى لِفَرَسِهِ - أرْخَى لَهَا الطِّوَلَ لِتَرْعَى، وَهُنَا مَعْنَاهُ الإِمْهَالُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وعندما نسمع قول الله: "ولا يحسبن" فهو نهي، وقد نهى الله الكافرين عن ماذا؟ إن الكافر عندما يجد نفسه قد أفلت في المعركة من سيف المؤمنين وأن عمره قد طال في الكفر، فهو يظن أن الحق سبحانه وتعالى تركه لخير له؛ لأنه يفهم أن عمره هو أثمن شيء عنده، فما دام قد حوفظ له على عمره فهو الخير. نقول لمثل هذا الكافر: إن العمر زمن، والزمن وعاء الأحداث، إذن فالزمن لذاته لا يُمَجد إلا بالحدث الذي يقع فيه، فإن كان الحدث الذي يقع في الزمن خيراً؛ فالزمن خير. وإن كان الحدث الذي يقع في الزمن شراً، فالزمن شر، وما دام هؤلاء كافرين، فلا بد أن كل حركاتهم في الوجود والأحداث التي يقومون بها هي من جنس الشر لا من جنس الخير، لأنهم يسيرون على غير منهج الله. وربما كانوا على منهج المضادة والمضارة لمنهج الله. وذلك هو الشر. إذن فالله لا يملي لهم بقصد الخير، إنما يملي الله لهم لأنهم ما داموا على الكفر فهم يشغلون أوقات أعمارهم بأحداث شرّية تخالف منهج الله. وكل حدث شرّى له عذابه وجزاؤه. إذن, فإطالة العمر لهم شر. والحق سبحانه يقول: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 178] و"يحسَبَنَّ" هي فعل مضارع، والماضي بالنسبة له هو "حسِب" - بكسر السين - ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر من القرآن الكريم: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}تفسير : [العنكبوت: 2]. إن الماضي هو "حَسِبَ" - بكسر السين - والمضارع "يحسَب" - بفتح السين -. أما حَسَبَ "يحسِب" - بكسر السين - في المضارع وفتحها في الماضي فهي من الحساب والعدد، وهو عدد رقمي مضبوط. أمر "حَسِبَ" و"يحسَب" فتأتي بمعنى الظن، والظن كما نعرف أمر وهمي، والحق سبحانه يذكرهم أن ظنونهم بأن بقاء حياتهم هو خير لهم ليست حقاً. بل هي حدس وتخمين لا يرقى إلى اليقين. صحيح أن العمر محسوب بالسنوات؛ لأن العمر طرف للأحداث، والعمر بذاته - مجرداً عن الأحداث - لا يقال إن إطالته خير أو شر، وإنما يقال: إن العمر خير أو شر بالأحداث التي وقعت فيه، والأحداث التي تقع من الكافر تقع على غير منهج إيماني فلا بد أن تكون شراً، حتى ولو فعل ما ظاهره أنه خير فإنه يفعله مضارة لمنهج الله. فلو كانت المسألة بالعملية الرقمية؛ لقلنا: "حسَب" و"يحسِب" - بفتح السين في الماضي وكسر السين في المضارع - لكن هي مسألة وهمية ظنية؛ لذلك نقول "يحسَب" - بفتح السين في المضارع - أي يظن. وهو سبحانه يقول: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} [آل عمران: 178] ما الإملاء؟ الإملاء هو تمديد الوقت وإطالته. ولذلك نجد في القرآن: {أية : قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً}تفسير : [مريم: 46]. إنه يأمر سيدنا إبراهيم أن يهجره مدة طويلة. هذا هو معنى "واهجرني ملياً". والمقصود هنا أن إطالة أعمارهم بعد أن أفلتوا من سيوف المؤمنين. ليست خيراً لهم ولا يصح أن يظنوا أنها خير لهم، لأن الله إنما يملي لهم؛ "ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين" وهنا نجد "لام العاقبة". وإياك أن تقول أيها المؤمن: إن الله قد فعل ذلك ليعاقبهم. لا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد وضع سننه في الكون ويطبقها على من يخرج على منهجه، فمن يصنع إثماً يعاقبه الله عليه {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} [آل عمران: 178] فكل ظرف من الزمن يمر عليهم يصنعون فيه أعمالاً آثمة على غير المنهج. {وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [آل عمران: 178] وتأتي كلمة "مهين" وصفاً للعذاب مناسبة تماماً؛ لأن الكافر قد يخرج من المعركة وقد تملكه الزهو والعجب بأن أحداً لم يستطع أن يقطع رقبته بالسيف، ويتيه بالعزة الآثمة، لذلك فالإيلام هنا لا يكفي، لأنه قد يكتم الألم ويتجلد عليه، ولكن العذاب عندما يكون مهيناً فهو العقاب المناسب لمثل هذا الموقف. والمتكلم هنا هو الله، وسبحانه العليم بالمناسب لكل حال. ومن بعد ذلك يقول الحق: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} معناهُ نُطِيلُ لَهُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {عَذَابٌ مُّهِينٌ} معناهُ مُذَلِلٌ.
الجيلاني
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ} المفسر بقراءة: "ولا تحسبن" يا أكمل الرسل {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} أي: إمهالنا إياهم في النشأة الأولى {خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} ولهم فيه نفع وعزة، بل {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} موجباً للعذاب {وَلَهْمُ} في النشأة الأخرى {عَذَابٌ مُّهِينٌ} [آل عمران: 178] مذل ومخز؛ جزاء لاستكبارهم واستعدائهم في الدنيا. ثم لما اختلط المنافقون مع المؤمنين، وتشاركوا في إظهار الإيمان، والقول به على طرفي اللسان بلا اعتقاد منهم وإخلاص، أراد سبحانه أن يبيِّن ويميِّز المؤمن من المنافق، والمخلص من المرائي فقال: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ} المطلع لضمائر عباده {لِيَذَرَ} وليترك {ٱلْمُؤْمِنِينَ} المخلصين {عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} من الالتباس والمشاركة مع اهل الكفر والنفاق بحسب الظاهر، بل يختبر ويمتحن إخلاصكم بأنواع البليات والمصيبات {حَتَّىٰ يَمِيزَ} ويفصل {ٱلْخَبِيثَ} المنافق، المصر على النفاق {مِنَ ٱلطَّيِّبِ} المؤمن، الموقن بتوحيد الله، الراضي بما جرى عليه من قضائه. {وَ} بعد تميزه وفصله سبحانه {مَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ} أي: جميعكم {عَلَى ٱلْغَيْبِ} الذي هو الاطلاع على خفيات ضمائر عباده {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ} المحيط بجميع القابليات {يَجْتَبِي} ويختار {مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} بأن يوحي إليه، ويلهمه التمييز بين استعدادات عباده للإيمان والكفر، وإذا كان أمركم عند الله ورسوله {فَآمِنُواْ} أيها المؤمنون {بِٱللَّهِ} المميز لكم أصالة {وَرُسُلِهِ} الملهمين بالتمييز بأمره تبعاً {وَإِن تُؤْمِنُواْ} وتحافظوا على شعائر الإيمان بعدما آمنتم {وَتَتَّقُواْ} عن مخالفاته {فَلَكُمْ} عند الله {أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179] هو إيصالكم إلى التحقيق بمقام العبودية والتوحيد؛ إذ لا أجر أعظم منه. {وَ} من جملة الأمور التي يجب الاتقاء والتحرز عنه: البخل {لاَ يَحْسَبَنَّ} البخلاء {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} اختيارهم تدخيراً أو توريثاً لأولادهم {هُوَ} أي: البخل {خَيْراً لَّهُمْ} ينفعهم عند الله، ويثيبهم به أو يدفع عنهم العذاب بسببه {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} يستجلب العذاب عليهم؛ إذ هم {سَيُطَوَّقُونَ} ويسلسلون مع {مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} ويسحبون على وجوههم إلى نار البعد والحرمان؛ جزاء لبخلهم الذي كانوا عليها. {وَ} اعلموا أيها المؤمنون {للَّهِ} لا لغيره؛ إذ لا غير {مِيرَاثُ} أي: حيازة وإحاطة ما في {ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: عالم الأرواح {وَ} ما في {ٱلأَرْضِ} أي: علام الأجسام تملكاً وتصرفاً، لا ينازعه في ملكه، ولا يشارك في سلطانه، له الحكم، وإليه الرجوع في جميع ما كان ويكون {وَٱللَّهُ} المتوحد، المتفرد في ملكوته وجبروته {بِمَا تَعْمَلُونَ} من التصرفات الجارية {خَبِيرٌ} [آل عمران: 180] لا يغيب عن شيء من أفعالكم وأقوالكم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إملائهم لابتلائهم بقوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 178]، الإشارة في الآيات: إن ازدياد إثم الكفر وتماديه في الكفر من نتائج قهر الله وخذلانه في صورة امتنانه في العصيان والكفران، إنما علا لهم {لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [آل عمران: 178]، في الدنيا بالقتل والنهب والأسر والنبي وفي الآخرة بالسلاسل والأغلال {أية : يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} تفسير : [القمر: 48]. ثم ذكر من نتائج فضل الله وكرمه مع المؤمنين وقال تعالى: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} [آل عمران: 179]، الخطاب مع أهل الخذلان؛ يعني: لا يذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الخذلان والكفر، بل يجذبهم بجذبات العناية من حضيض الضلالة إلى ذروة الهداية {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ} [آل عمران: 179]، النخذول المقهور {مِنَ ٱلطَّيِّبِ} [آل عمران: 179]، المجذوب المشكور، {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} [آل عمران: 179]؛ لتميز المقبول من المردود، والسعيد من الشقي {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 179]، فتطلعون بهم على الغيب أن المجتبي هو المقبول السعيد، {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} [آل عمران: 179]؛ لتكونوا من أهل الاجتباء، ثم قال تعالى: {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ} [آل عمران: 179]، بمجرد صورة الإيمان والإقرار لا تكونون من أهل الاجتباء، بل بحقيقة تقوى الظاهرة والباطن تنالون كرامة الاجتباء، كما قال الله: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ}تفسير : [الحجرات: 13]، {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179]، على قدر عظيم التقوى، فإن السير إلى المقصد الأعلى والوصول إلى منازل الزلفى لا يكون إلا بقدمي الإيمان والنفي. ثم أخبر عن البخيل وحاله إذا بخل بقوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [آل عمران: 180]، إشارة في الآية: إن البخل إكسير الشقاوة، كما أن السييء إكسير السعادة، فبإكسير البخل يصير الفضل قهراً والسعادة شقاوة، كما قال تعالى: {هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} [آل عمران: 180]، بإكسير البخل يجعلون حيرته ما أتاهم الله من فضله شراً لهم، ولو أنهم طرحوا على ما هو من فضله من المال إكسير السخاء لجعلوه خيراً لهم، فيصيروه سعادة ولصاروا بها أهل الجنة إذ لا يلج الجنة الشحيح. ثم عبَّر عن آفة حب الدنيا والمال بالطواف {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180]، وإنما شبهها بالطوق؛ لأنها تحيط بالقالب، ومنها ينشأ معظم الصفات الذميمة مثل: البخل والحرص، والحسد والحقد، والعداوة والكبر، والتعصب وغير ذلك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة"تفسير : ، فبالمنع يصير الروح الشريف العلوي النوراني محفوظاً بهذه الصفات الخسيسة السفلية الظلمانية مطوقاً بآفاتها وحجبها وعذابها يوم القيامة، وبعد المفارقة فإن مات قد قامت قيامته {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [آل عمران: 180]؛ يعني: إن الله تعالى خلق الإنسان وارث الدنيا والآخرة استعداداً، أو قال لكامليهم {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ}تفسير : [المؤمنون: 10]، الوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال، فالإشارة فيه: إن من غلبت عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداده وارثيه السماوات والأرض، فإن السيد يرث من العبد ميراثه، {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 180]، من الأعمال التي نميت القلوب {خَبِيرٌ} [آل عمران: 180]، لا يخفى عليه شيء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ولا يظن الذين كفروا بربهم ونابذوا دينه، وحاربوا رسوله أن تركنا إياهم في هذه الدنيا، وعدم استئصالنا لهم، وإملاءنا لهم خير لأنفسهم، ومحبة منا لهم. كلا ليس الأمر كما زعموا، وإنما ذلك لشر يريده الله بهم، وزيادة عذاب وعقوبة إلى عذابهم، ولهذا قال: { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين } فالله تعالى يملي للظالم، حتى يزداد طغيانه، ويترادف كفرانه، حتى إذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر، فليحذر الظالمون من الإمهال، ولا يظنوا أن يفوتوا الكبير المتعال.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):