Verse. 472 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

مَا كَانَ اللہُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِيْنَ عَلٰي مَاۗ اَنْتُمْ عَلَيْہِ حَتّٰى يَمِيْزَ الْخَبِيْثَ مِنَ الطَّيِّبِ۝۰ۭ وَمَا كَانَ اللہُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَي الْغَيْبِ وَلٰكِنَّ اللہَ يَجْتَبِىْ مِنْ رُّسُلِہٖ مَنْ يَّشَاۗءُ۝۰۠ فَاٰمِنُوْا بِاللہِ وَرُسُلِہٖ۝۰ۚ وَاِنْ تُؤْمِنُوْا وَتَتَّقُوْا فَلَكُمْ اَجْرٌ عَظِيْمٌ۝۱۷۹
Ma kana Allahu liyathara almumineena AAala ma antum AAalayhi hatta yameeza alkhabeetha mina alttayyibi wama kana Allahu liyutliAAakum AAala alghaybi walakinna Allaha yajtabee min rusulihi man yashao faaminoo biAllahi warusulihi wain tuminoo watattaqoo falakum ajrun AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ما كان الله ليذر» ليترك «المؤمنين على ما أنتم» أيها الناس «عليه» من اختلاط المخلص بغيره «حتى يَمِيزَ» بالتخفيف والتشديد يفصل «الخبيث» المنافق «من الطيب» المؤمن بالتكاليف الشاقة المبينة لذلك ففعل ذلك يوم أحد «وما كان الله ليطلعكم على الغيب» فتعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز «ولكنَّ الله يجتبي» يختار «من رسله من يشاء» فيطلعه على غيبه كما أطلع النبي صلى الله عليه وسلم على حال المنافقين «فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا» النفاق «فلكم أجر عظيم».

179

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الآية من بقية الكلام في قصة أحد، فأخبر تعالى أن الأحوال التي وقعت في تلك الحادثة من القتل والهزيمة، ثم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اياهم مع ما كان بهم من الجراحات الى الخروج لطلب العدو، ثم دعائه اياهم مرة أخرى الى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان، فأخبر تعالى أن كل هذه الأحوال صار دليلا على امتياز المؤمن من المنافق، لان المنافقين خافوا ورجعوا وشمتوا بكثرة القتلى منكم، ثم ثبطوا وزهدوا المؤمنين عن العود الى الجهاد، فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يجوز في حكمته أن يذركم على ما أنتم عليه من اختلاط المنافقين بكم وإظهارهم أنهم منكم ومن أهل الايمان بل كان يجب في حكمته إلقاء هذه الحوادث والوقائع حتى يحصل هذا الامتياز، فهذا وجه النظم. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ } بالتشديد، وكذلك في الافعال والباقون {يَمِيزَ } بالتخفيف وفتح الياء الأولى وكسر الميم وسكون الياء الأخيرة، قال الواحدي رحمه الله: وهما لغتان يقال مزت الشيء بعضه من بعض فأنا أميزه ميزا او أميزه تمييزاً، ومنه الحديث«حديث : من ماز أذى عن طريق فهو له صدقة» تفسير : وحجة من قرأ بالتخفيف وفتح الباء أن الميز يفيد فائدة التمييز وهو أخف في اللفظ فكان أولى، وحكى أبو زيد عن أبي عمرو أنه كان يقول: التشديد للكثرة، فاما واحد من واحد فيميز بالتخفيف، والله تعالى قال: {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } فذكر شيئين، وهذا كما قال بعضهم في الفرق والتفريق، وأيضا قال تعالى: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ } تفسير : [يۤس: 59] وهو مطاوع الميز، وحجة من قرأ بالتشديد: أن التشديد للتكثير والمبالغة، وفي المؤمنين والمنافقين كثرة، فلفظ التمييز ههنا أولى، ولفظ الطيب والخبيث وان كان مفردا إلا أنه للجنس، فالمراد بهما جميع المؤمنين والمنافقين لا اثنان منهما. المسألة الثانية: قد ذكرنا أن معنى الآية: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق واشباهه حتى يميز الخبيث من الطيب، أي المنافق من المؤمن. واختلفوا بأي شيء ميز بينهم وذكروا وجوها: أحدها: بالقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة، فمن كان مؤمنا ثبت على إيمانه وعلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن كان منافقا ظهر نفاقه وكفره. وثانيها: أن الله وعد بنصرة المؤمنين وإذلال الكافرين، فلما قوي الاسلام عظمت دولته وذل الكفر وأهله، وعند ذلك حصل هذا الامتياز. وثالثها: القرائن الدالة على ذلك، مثل ان المسلمين كانوا يفرحون بنصرة الاسلام وقوته، والمنافقين كانوا يغتمون بسبب ذلك. المسألة الثالثة: ههنا سؤال، وهو أن هذا التمييز إن ظهر وانكشف فقد ظهر كفر المنافقين، وظهور الكفر منهم ينفي كونهم منافقين، وان لم يظهر لم يحصل موعود الله. وجوابه: أنه ظهر بحيث يفيد الامتياز الظني، لا الامتياز القطعي. ثم قال تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ } معناه أنه سبحانه حكم بأن يظهر هذا التمييز، ثم بين بهذه الآية أنه لا يجوز أن يحصل ذلك التمييز بأن يطلعكم الله على غيبه فيقول: إن فلانا منافق وفلانا مؤمن، وفلانا من أهل الجنة وفلانا من أهل النار، فان سنة الله جارية بأنه لا يطلع عوام الناس على غيبه، بل لا سبيل لكم الى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات مثل ما ذكرنا من وقوع المحن والآفات، حتى يتميز عندها الموافق من المنافق، فأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع من الغيب فهو من خواص الأنبياء، فلهذا قال: {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } أي ولكن الله يصطفي من رسله من يشاء فخصهم باعلامهم أن هذا مؤمن وهذا منافق. ويحتمل ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فيمتحن خلقه بالشرائع على أيديهم حتى يتميز الفريقان بالامتحان، ويحتمل أيضا أن يكون المعنى: وما كان الله ليجعلكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، بل الله يخص من يشاء من عباده بالرسالة، ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل. ثم قال: {فآمنوا بالله ورسله} والمقصود أن المنافقين طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بوقوع الحوادث المكروهة في قصة أحد، فبين الله تعالى انه كان فيها مصالح. منها تمييز الخبيث من الطيب، فلما أجاب عن هذه الشبهة التي ذكرتموها قال: {فآمنوا بالله ورسله} يعني لما دلت الدلائل على نبوته وهذه الشبهة التي ذكرتموها في الطعن في نبوته فقد أجبنا عنها، فلم يبق إلا أن تؤمنوا بالله ورسله، وإنما قال: {وَرُسُلِهِ } ولم يقل: ورسوله لدقيقة، وهي أن الطريق الذي به يتوصل الى الاقرار بنبوة أحد من الأنبياء عليهم السلام ليس إلا المعجز وهو حاصل في حق محمد صلى الله عليه وسلم، فوجب الاقرار بنبوة كل واحد من الأنبياء، فلهذه الدقيقة قال: {وَرُسُلِهِ } والمقصود التنبيه على أن طريق إثبات نبوة جميع الأنبياء واحد، فمن أقر بنبوة واحد منهم لزمه الاقرار بنبوة الكل، ولما أمرهم بذلك قرن به الوعد بالثواب فقال: {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }، وهو ظاهر.

القرطبي

تفسير : قال أبو العالية: سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرّقون بها بين المؤمن والمنافق؛ فأنزل الله عزّ وجلّ: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} الآية. واختلفوا مَن المخاطب بالآية على أقوال. فقال ابن عباس والضحاك ومقاتِل والكلبيّ وأكثر المفسرين: الخطاب للكفار والمنافقين. أي ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق وعداوة النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال الكلبيّ: إن قريشاً من أهل مكة قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: الرجلُ منا تزعم أنه في النار، وأنه إذا ترك دِيننا وٱتبع دينكَ قلتَ هو من أهل الجنةٰ فأخبرنا عن هذا من أين هو؟ وأخبرنا مَن يأتيك منا؟ ومَن لم يأتك؟. فأنزل الله عزّ وجلّ {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} من الكفر والنفاق «حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ». وقيل: هو خطاب للمشركين. والمراد بالمؤمنين في قوله: {لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ} من في الأصلاب والأرحام ممن يؤمن. أي ما كان الله ليذر أولادكم الذين حكم لهم بالإيمان على ما أنتم عليه من الشرك، حتى يفرق بينكم وبينهم؛ وعلى هذا {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ} كلام مستأنف. وهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين. وقيل: الخطاب للمؤمنين. أي وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من ٱختلاط المؤمن بالمنافق، حتىٰ يميِّز بينكم بالمحنة والتكليف؛ فتعرفوا المنافق الخبيث، والمؤمن الطيب. وقد مَيَّزَ يوم أُحُد بين الفريقين. وهذا قول أكثر أهل المعاني. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} يا معشر المؤمنين. أي ما كان الله ليعيِّن لكم المنافقين حتى تعرفوهم، ولكن يظهر ذلك لكم بالتكليف والمحنة، وقد ظهر ذلك في يوم أُحُد؛ فإن المنافقين تخلفوا وأظهروا الشماتة، فما كنتم تعرفون هذا الغيب قبل هذا، فالآن قد أطلع الله محمداً عليه السَّلام وصحبه على ذلك. وقيل: معنى {ليطلعكم} أي وما كان (الله) ليعلمكم ما يكون منهم. فقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ (عَلَى الْغَيْبِ)} على هذا متصل، وعلى القولين الأوّلين منقطع. وذلك أن الكفار لما قالوا: لِمَ لَمْ يوح إلينا؟ قال: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} أي على من يستحق النبوّة، حتى يكون الوحي باختياركم. {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي} أي يختار {مِن رُّسُلِهِ} لإطلاع غيبه {مَن يَشَآءُ} يُقال: طلعت على كذا وٱطّلعت (عليه)، وأطلعت عليه غيري؛ فهو لازم ومعتد. وقرىء «حَتَّى يُمَيِّز» بالتشديد مِن مَيَّزَ، وكذا في «الأنفال» وهي قراءة حمزة. والباقون «يَمِيزَ» بالتخفيف مِن مَاز يَميز. يُقال: مِزت الشيء بعضه من بعض أمِيزه مَيْزاً، وميَّزتُهُ تمييزاً. قال أبو معاذ: مِزت الشيء أمِيزه ميزاً إذا فرّقت بين شيئين. فإن كانت أشياء قلت: ميزتها تمييزاً. ومثله إذا جعلت الواحد شيئين قلت: فرَقت بينهما، مخفّفاً؛ ومنه فَرَق الشعر. فإن جعلته أشياء قلت: فرّقته تفريقاً. قلت: ومنه ٱمتاز القوم، تميز بعضهم عن بعض. ويكاد يتميَّز: يتقطع؛ وبهذا فسِّر قوله تعالىٰ: {أية : تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ}تفسير : [المُلْك: 8] وفي الخبر: «حديث : من مَازَ أذًى عن الطريق فهو له صدقة».تفسير : قوله تعالىٰ: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} يُقال: إن الكفار لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيّن لهم من يؤمن منهم، فأنزل الله {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} يعني لا تشتغلوا بما لا يَعَنيكم، وٱشتغلوا بما يَعنيكم وهو الإيمان. {فَآمِنُواْ} أي صدقوا، أي عليكم التصديق لا التشوُّف إلى ٱطلاع الغيب. {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي الجنة. ويذكر أن رجلاً كان عند الحجّاج بن يوسفَ الثَّقَفِيّ مِنَجِّماً؛ فأخذ الحجاج حَصَياتٍ بِيده قد عَرف عددها فقال للمُنَجِّم: كم في يدي؟ فحسَب فأصاب المنَجِّم. فأغفله الحجّاج وأخذ حَصَياتٍ لم يُعدّهنّ فقال للمنجم؛ كم في يدي؟ فحسَب فأخطأ، ثم حسَب أيضاً فأخطأ؛ فقال: أيها الأمير، أظنك لا تعرف عدد ما في يدك؟ قال لا. قال: فما الفرق بينهما؟ فقال: إن ذاك أحْصيتَه فخرج عن حدّ الغيب، فحسَبتُ فأصبتُ، وإنّ هذا لم تَعرف عددَها فصار غَيْباً، ولا يعلم الغيب إلاَّ الله تعالىٰ. وسيأتي هذا البابُ في «الأنعام» إن شاء الله تعالىٰ.

البيضاوي

تفسير : {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ} الخطاب لعامة المخلصين والمنافقين في عصره، والمعنى لا يترككم مختلطين لا يعرف مخلصكم من منافقكم حتى يميز المنافق من المخلص بالوحي إلى نبيه بأحوالكم، أو بالتكاليف الشاقة التي لا يصبر عليها ولا يذعن لها إلا الخلص المخلصون منكم، كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله، ليختبر النبي به بواطنكم ويستدل به على عقائدكم. وقرأ حمزة والكسائي {حَتَّىٰ يَمِيزَ}، هنا وفي «الأنفال» بضم الياء وفتح الميم وكسر الياء وتشديدها والباقون بفتح الياء وكسر الميم وسكون الياء. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء} وما كان الله ليؤتي أحدكم علم الغيب فيطلع على ما في القلوب من كفر وإيمان، ولكن الله يجتبي لرسالته من يشاء فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات، أو ينصب له ما يدل عليها. {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ} بصفة الإِخلاص، أو بأن تعلموه وحده مطلعاً على الغيب وتعلموهم عباداً مجتبين لا يعلمون إلا ما علمهم الله ولا يقولون إلا ما أوحي إليهم روي (أن الكفرة قالوا: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر) فنزلت. عن السدي أنه عليه السلام قال: «حديث : عرضت عليَّ أمتي وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر»تفسير : فقال المنافقون إن يزعم أنه يعرف من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فنزلت. {وَإِن تُؤْمِنُواْ} حق الإِيمان. {وَتَتَّقُواْ } النفاق. {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لا يقادر قدره. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ} القراءات فيه على ما سبق. ومن قرأ بالتاء قدر مضافاً ليتطابق مفعولاه أي ولا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، وكذا من قرأ بالياء إن جعل الفاعل ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من يحسب وإن جعله الموصول كان المفعول الأول محذوفاً لدلالة يبخلون عليه أي ولا يحسبن البخلاء بخلهم هو خيراً لهم. {بَلْ هُوَ} أي البخل. {شَرٌّ لَّهُمْ} لاستجلاب العقاب عليهم. {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} بيان لذلك، والمعنى سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق، وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعله الله شجاعاً في عنقه يوم القيامة»تفسير : {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وله ما فيهما مما يتوارث، فما لهؤلاء يبخلون عليه بماله ولا ينفقونه في سبيله، أو أنه يرث منهم ما يمسكونه ولا ينفقونه في سبيله بهلاكهم وتبقى عليهم الحسرة والعقوبة. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من المنع والإِعطاء. {خَبِيرٌ} فمجازيهم. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بالتاء على الالتفات وهو أبلغ في الوعيد. {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} قالته اليهود لما سمعوا {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا }تفسير : [البقرة: 245] وروي (حديث : أنه عليه الصلاة والسلام كتب مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإِسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً فقال فنحاص بن عازوراء: إن الله فقير حتى سأل القرض، فلطمه أبو بكر رضي الله عنه على وجهه وقال: لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك، فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله) فنزلت. تفسير : والمعنى أنه لم يخف عليه وأنه أعد لهم العقاب عليه. {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍ} أي سنكتبه في صحائف الكتبة، أو سنحفظه في علمنا لا نهمله لأنه كلمة عظيمة إذ هو كفر بالله عز وجل واستهزاء بالقرآن والرسول، ولذلك نظمه مع قتل الأنبياء، وفيه تنبيه على أنه ليس أول جريمة ارتكبوها وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد منه أمثال هذا القول. وقرأ حمزة «سيكتب» بالياء وضمها وفتح التاء وقتلهم بالرفع ويقول بالياء. {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي وننتقم منهم بأن نقول لهم ذوقوا العذاب المحرق، وفيه مبالغات في الوعيد. والذّوْق إدراك الطعوم، وعلى الاتساع يستعمل لإِدراك سائر المحسوسات والحالات، وذكره ها هنا لأن العذاب مرتب على قولهم الناشىء عن البخل والتهالك على المال، وغالب حاجة الإِنسان إليه لتحصيل المطاعم ومعظم بخله به للخوف من فقدانه ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال. {ذٰلِكَ} إشارة إلى العذاب. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} من قتل الأنبياء وقولهم هذا وسائر معاصيهم. عبر بالأيدي عن الأنفس لأن أكثر أعمالها بهن. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ} عطف على ما قدمت وسببيته للعذاب من حيث إن نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسيء. {ٱلَّذِينَ قَالُواْ} هم كعب بن الأشرف ومالك وحيي وفنحاص ووهب بن يهوذا. {إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} أمرنا في التوراة وأوصانا. {أَن لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ} بأن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بهذه المعجزة الخاصة التي كانت لأنبياء بني إسرائيل وهو أن يقرب بقربان فيقوم النبي فيدعو فتنزل نار سماوية فتأكله، أي تحيله إلى طبعها بالإِحراق. وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم لأن أكل النار القربان لم يوجب الإِيمان إلا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات شرع في ذلك. {قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} تكذيب وإلزام بأن رسلاً جاؤهم قبله كزكريا ويحيى بمعجزات أخر موجبة للتصديق وبما اقترحوه فقتلوهم، فلو كان الموجب للتصديق هو الإِتيان به وكان توقفهم وامتناعهم عن الإِيمان لأجله فما لهم لم يؤمنوا بمن جاء به في معجزات أخر واجترؤا على قتله. {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ جَاءوا بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ} تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه واليهود، والزبر جمع زبور وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرت الشيء إذا حسبته، والكتاب في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ولذلك جاء الكتاب والحكمة متعاطفين في عامة القرآن. وقيل الزبر المواعظ والزواجر، من زبرته إذا زجرته. وقرأ ابن عامر وبالزبر وهشام وبالكتاب بإعادة الجار للدلالة على أنها مغايرة للبينات بالذات. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ} وعد ووعيد للمصدق والمكذب. وقرىء {ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ} بالنصب مع التنوين وعدمه كقوله: {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ} تعطون جزاء أعمالكم خيراً كان أو شراً تاماً وافياً. {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} يوم قيامكم من القبور، ولفظ التوفية يشعر بأنه قد يكون قبلها بعض الأجور ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار». تفسير : {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ} بعد عنها، والزحزحة في الأصل تكرير الزح وهو الجذب بعجلة. {وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} بالنجاة ونيل المراد، والفوز الظفر بالبغية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه»تفسير : {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} أي لذاتها وزخارفها. {إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ} شبهها بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه، وهذا لمن آثرها على الآخرة. فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ والغرور مصدر أو جمع غار. {لَتُبْلَوُنَّ} أي والله لتختبرن. {فِي أَمْوٰلِكُمْ} بتكليف الإنفاق وما يصيبها من الآفات. {وأَنفُسِكُمْ} بالجهاد والقتل والأسر والجراح، وما يرد عليها من المخاوف والأمراض والمتاعب. {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً} من هجاء الرسول صلى الله عليه وسلم، والطعن في الدين وإغراء الكفرة على المسلمين. أخبرهم بذلك قبل وقوعها ليوطنوا أنفسهم على الصبر والاحتمال، ويستعدوا للقائها حتى لا يرهقهم نزولها. {وَإِن تَصْبِرُواْ} على ذلك. {وَتَتَّقُواْ} مخالفة أمر الله. {فَإِنَّ ذٰلِكَ} يعني الصبر والتقوى. {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} من معزومات الأمور التي يجب العزم عليها، أو مما عزم الله عليه أي أمر به وبالغ فيه. والعزم في الأصل ثبات الرأي على الشيءَ نحو إمضائه. {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ} أي اذكر وقت أخذه. {مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} يريد به العلماء. {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} حكاية لمخاطبتهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش بالياء لأنهم غيب، واللام جواب القسم الذي ناب عنه قوله: {أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ} والضمير للكتاب. {فَنَبَذُوهُ} أي الميثاق. {وَرَاء ظُهُورِهِمْ} فلم يراعوه ولم يتلفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر مثل في ترك الاعتداد وعدم الالتفات، ونقيضه جعله نصب عينيه وإلقاؤه بين عينيه. {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ}. وأخذوا بدله. {ثَمَناً قَلِيلاً} من حطام الدنيا وأعراضها. {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} يختارون لأنفسهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار»تفسير : وعن علي رضي الله تعالى عنه (ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا). {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ ٱلْعَذَابِ } الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ضم الباء جعل الخطاب له وللمؤمنين، والمفعول الأول {ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ } والثاني {بِمَفَازَةٍ }، وقوله {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } تأكيد والمعنى: لا تحسبن الذين يفرحون بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الوفاء بالميثاق وإظهار الحق والإِخبار بالصدق، بمفازة بمنجاة من العذاب أي فائزين بالنجاة منه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأول وضمها في الثاني على أن الذين فاعل ومفعولاً يحسبن محذوفان يدل عليهما مفعولاً مؤكده، فكأنه قيل؛ ولا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا فلا يحسبن أنفسهم بمفازة، أو المفعول الأول محذوف وقوله فلا تحسبنهم تأكيد للفعل وفاعله ومفعوله الأول. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } بكفرهم وتدليسهم. روي أنه عليه الصلاة والسلام (حديث : سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فأخبروه بخلاف ما كان فيها وأروه أنهم قد صدقوه وفرحوا بما فعلوا) تفسير : فنزلت. وقيل؛ نزلت في قوم تخلفوا عن الغزو ثم اعتذروا بأنهم رأوا المصلحة في التخلف واستحمدوا به. وقيل: نزلت في المنافقين فإنهم يفرحون بمنافقتهم ويستحمدون إلى المسلمين بالإِيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ } ليترك {ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ } أيها الناس {عَلَيْهِ } من اختلاط المخلص بغيره {حَتَّىٰ يَمِيزَ } بالتخفيف والتشديد يفصل {ٱلْخَبِيثَ } المنافق {مِنَ ٱلطَّيّبِ } المؤمن بالتكاليف الشاقة المبينة لذلك ففعل ذلك يوم أحد {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ } فتعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى } يختار {مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ } فيطلعه على غيبه كما أطلع النبي صلى الله عليه وسلم على حال المنافقين { فَئَاَمِنُواْ بٱللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُواْ } النفاق {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَمِيزَ الْخَبِيثَ} المنافق، أو الكافر، و {الطَّيِّبِ} المؤمن غير المنافق بتكليف الجهاد، والكافر بالدلالات التي يستدل بها عليهم. {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} قال قوم من المشركين: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا بمن يؤمن ومن يكفر فنزلت، السدي: ما أَطلع الله ـ تعالى ـ نبيه صلى الله عليه وسلم على الغيب، ولكن اجتباه فجعله رسولاً.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية فقال الكلبي قالت قريش يا محمد تزعم أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان وإن من أطاعك وتبعك على دينك فهو في الجنة والله عنه راض فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال السدي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عرضت على أمتي في صورها في الطين كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر بي" تفسير : فبلغ ذلك المنافقين فقالوا استهزاء زعم محمداً أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن لم يخلق بعد ونحن معه وما يعرفنا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: "حديث : ما بال أقوام طعنوا في علمي لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلاّ نبأتكم به" تفسير : فقام عبدالله بن حذافة السهمي فقال من أبي يا رسول الله فقال حذافة فقام عمر فقال يا رسول الله رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبك نبيّاً فاعفُ عنا عفا الله عنك فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : فهل أنتم منتهون فهل أنتم منتهون" تفسير : ثم نزل عن المنبر فأنزل الله هذه الآية. وقيل إن المؤمنين سألوا أن يعطوا آية يفرقون بها بين المؤمن والكافر فنزلت هذه الآية وقيل إن قوماً من المنافقين ادعوا أن إيمانهم كإيمان المؤمنين فأظهر الله نفاقهم يوم أحد وأنزل هذه الآية واختلفوا في معنى الآية وحكمها فقال ابن عباس وأكثر المفسرين الخطاب للكفار والمنافقين والمعنى ما كان ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه يا معشر الكفار والمنافقين من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث من الطيب وقيل الخطاب للمؤمنين والمعنى ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق والتباس بعضهم ببعض حتى يميز الخبيث من الطيب يعني المنافق من المؤمن الخالص فيميز الله المؤمنين من المنافقين يوم أحد فأظهر المنافقون النفاق وتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: إنما حصل التمييز يوم أحد بإلقاء الجميع في الخوف والقتل والهزيمة فمن كان مؤمناً ثبت على إيمانه وتصديقه ولم يتزلزل ومن كان منافقاً ظهر نفاقه وكفره وقيل في معنى الآية حتى يميز المؤمن من الكافر بالجهاد والهجرة. وقيل في معنى الآية ما كان الله ليذر المؤمنين في أصلاب الرجال المشركين وأرحام النساء المشركات. والمعنى ما كان الله ليدع أولادكم الذين جرى لهم الحكم بالإيمان على ما أنتم عليه من الشرك حتى يميز الخبيث من الطيب يعني يفرق بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين فيحكم لأهل الإيمان بالجنة ولأهل الشرك والكفر والنفاق بالنار {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} الخطاب في قوله ليطلعكم لكفار قريش الذين قالوا يا محمد أخبرنا عمن يؤمن بك ومن لا يؤمن والمعنى وما كان الله ليبين لكم أيها الكفار المؤمن من الكافر فيقول فلان مؤمن وفلان كافر أو منافق لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره وإن سنة الله جارية أنه لا يطلع على غيبه أحاد الناس فلا سبيل إلى معرفة المؤمن من الكافر والمنافق إلاّ بالامتحان بالآفات والمصائب فيتميز المؤمن المخلص بثباته على إيمانه ويتزلزل المنافق عن المحن والبلايا. وقيل في معنى الآية وما كان الله ليطلع محمداً على الغيب فيخبركم بالمؤمن من الكافر {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} يعني ولكن الله يصطفى ويختار من رسله من يشاء فيطلعه على ما يشاء من غيبه {فآمنوا بالله ورسله} يعني أنه لما قالت الدلائل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يبق إلاّ الإيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وإنما قال ورسله على الجمع ولم يقل ورسوله على التوحيد لقوله ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ولأنه إذا أقر بجميع الرسل كان مقراً بأحدهم وهذه صفة المؤمنين لأنهم آمنوا بجميع الرسل {وإن تؤمنوا وتتقوا} يعني وأن تصدقوا أجتبيته برسالتي وأطلعته على ما أشاء من غيبي وأعلمته بالمنافق منكم والمؤمن المخلص وتتقوا ربكم فيما أمركم به ونهاكم عنه {فلكم أجر عظيم} يعني فلكم بإيمانكم واتقائكم ثواب جزيل وهو الجنة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ}، أيْ: ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، مُشْكِلاً أمرَهُم؛ حتى يميز بعْضَهُم مِنْ بعض؛ بما يظهره مِنْ هؤلاء وهؤلاء في «أُحُدٍ» من الأفعال والأقوال، هذا تفسيرُ مجاهد وغيره. وقوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ}، أي: في أمر أُحُدٍ، وما كان من الهزيمة وأيضاً: فما كان اللَّه ليطلعكم على المنافقين تصريحاً وتسميةً لهم، ولكنْ بقرائنِ أفعالهم وأقوالهم. قال الفَخْر: وذلك أنَّ سنة اللَّه جاريةٌ بأنَّه لا يُطْلِعُ عوامَّ الناس على غَيْبِهِ، أي: لا سبيلَ لكم إلَىٰ معرفة ذلك الإمتياز إلاَّ بٱمتحاناتٍ؛ كما تقدَّم، فأمَّا معرفةُ ذلك علَىٰ سبيلِ الإطلاعِ مِنَ الغَيْبِ، فهو من خواصِّ الأنبياء، فلهذا قال تعالَىٰ: {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ}. انتهى. وقال الزَّجَّاج وغيره: رُوِيَ أنَّ بعض الكُفَّار قال: لِمَ لا يكونُ جميعنا أنبياءَ، فنَزَلَتْ هذه الآيةُ، و {يَجْتَبِي}: معناه: يَخْتَارُ ويصْطَفِي، وقوله سبحانه: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} الآية: قال السُّدِّيُّ وجماعةٌ من المتأوِّلين: الآية نزلَتْ في البُخْل بالمال، والإنفاقِ في سبيل اللَّه، وأداء الزكاة المفْرُوضَة، وَنحْو ذلك، قال: ومعنى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ} هو الذي ورد في الحديثِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: «حديث : مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمِهِ، فَيَسْأَلَهُ مِنْ فَضْلٍ عِنْدَهُ، فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إلاَّ أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعٌ مِنَ النَّارِ يَتَلَمَّظُ؛ حَتَّىٰ يُطَوَّقَه»تفسير : ، قُلْتُ: وفي البخاريِّ وغيره، عنه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجَاعاً أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَأْخُذُ بلَهْزَمَتَيْهِ، يَعْنِي: شِدْقَيهِ، يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلاَ هذه الآيةَ: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ...}» تفسير : الآية. قلْتُ: واعلم أنه قد وردَتْ آثار صحيحةٌ بتعذيبِ العُصَاة بنَوْعٍ مَا عَصَوْا به؛ كحديث: «حديث : مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَهُوَ يَجَأُ نَفْسَهُ بِحَدِيدَتِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَالَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ بِالسُّمِّ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ»تفسير : ، ونحو ذلك. قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهِرِ»: وٱعلم أنَّ المعانِيَ في عالم الآخرة تستتبعُ الصُّور، ولا تَتْبَعُها، فيتمثَّل كلُّ شيء بصورة تُوَازِي معناه، فيُحْشَرُ المتكبِّرون في صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمْ مَنْ أَقْبَل وأَدْبَر، والمتواضِعُون أعزَّاء. انتهى، وهو كلام صحيحٌ يشهد له صحيحُ الآثارِ؛ ويؤيِّده النظَرُ والإعتبار، اللَّهم، وفِّقنا لما تحبُّه وترضاه. قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»: قال عُلَماؤنا: البُخْل: مَنْعُ الواجبِ، والشُّحُّ: منع المستحَبِّ، والصحيحُ المختارُ أنَّ هذه الآيةَ في الزكاة الواجبَة؛ لأنَّ هذا وعيدٌ لمانعيها، والوعيدُ إذا ٱقْتَرَنَ بالفعْلِ المأمورِ به، أو المنهيِّ عنه، ٱقتضى الوجوبَ أو التحريمَ. انتهى. وتعميمها في جميع أنْواع الواجب أحْسَنُ. وقوله سبحانه: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خطابٌ علَىٰ ما يفهمه البشر، دَالٌّ على فناء الجميعِ، وأنه لا يبقَىٰ مَالِكٌ إلاَّ اللَّه سبحانه.

ابن عادل

تفسير : اللام في "ليذر" تُسمَّى لامَ الجحودِ، ويُنْصَب بعدها المضارع بإضمار "أن" ولا يجوز إظهارها. والفرق بينها لام "كي" أن هذه - على المشهور - شرطها أن تكون بعد كون منفي، ومنهم من يشترط مضي الكونِ، ومنهم من لم يشترط الكون. وفي خبر "كان" - هنا - وما أشبهه قولان: أحدهما: قولُ البصريينَ - أنه محذوفٌ، وأن اللامَ مقوية لتعدية ذلك الخبرِ المقدَّر لِضَعْفه، والتقدير: ما كان اللَّهُ مُريداً لأن يَذَر، و "أن يذر" هو مفعول "مريداً" والتقديرُ: ما كان اللَّهُ مُريداً ترك المؤمنين. الثاني: - قول الكوفيين - أن اللامَ زائدةٌ لتأكيدِ النفي، وأن الفعل بعدها هو خبرُ كانَ واللامُ عندهم هي العاملةُ النصْبَ في الفعل بنفسها، لا بإضمار "أن" والتقدير عندهم: ما كان الله ليذرَ المؤمنين. وضعَّف أبو البقاء مذهبَ الكوفيين بأنّ النصب قد وُجِد بعد هذه اللامِ، فإن كان النصبُ بها نفسها فليست زائدةً، وإن كانَ النصبُ بإضمار "أن" فسَد من جهة المعنى لأن "أن" وما في حيزها بتأويل مصدر، والخبر في باب "كان" هو الاسم في المعنى، فيلزم أن يكون المصدر - الذي هو معنى من المعاني - صادقاً على اسمها، وهو مُحَالٌ. وجوابه: أما قوله: إن كان النصبُ بها فليست زائدةً ممنوع؛ لأن العملَ لا يمنع الزيادةَ، ألا ترى أنَّ حروف الجَرِّ تُزاد، وهي عاملة وكذلك "أن" عند الأخفشِ، و "كان" في قول الشاعر: [الوافر] شعر : 1700-......................... وَجِيرَان لَنَا كَانُوا كِرَام تفسير : كما تقدم تحقيقه و "يذر" فعل لا يتصرف - كَيَدَعُ - استغناء عنه بتصرُّف [مرادفه] - وحُذِفت الواو من "يذر" من غير موجب تصريفي، وإنما حُمِلَت على "يدع" لأنها بمعناها، و "يدع" حُذِفت منه الواوُ لموجب، وهو وقوع الواو بين ياءٍ وكسرةٍ مقدرة وأما الواو في "يذر" فوقعت بين ياء وفتحةٍ أصليةٍ. وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى: {أية : وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا} تفسير : [البقرة: 278]. فصل وجه النظم: أن هذه الآية من بقية أحُد، فأخبر - تعالى - أن الأحوالَ التي وقعتْ في تلك الحادثةِ - من القتل والهزيمة، ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخروج إلى العدو مع ما كان بهم من الجراحاتِ، ثم دعاهم مرة أخْرَى إلى بدرٍ الصُّغْرَى، لموعد أبي سفيانَ - دليلٌ على امتيازِ المؤمنين من المنافقين، فأخبر - تعالى - بأنه لا يجوزُ - في حكمته - أن يترككم على ما أنتم عليه من اختلاط المنافقين بكم، وإظهارهم أنهم منكم - بل يجب في حكمته أن يُمَيِّز الخبيث - وهو المنافق - من الطيب - وهو المؤمن -. فصل في سبب النزول قال الكلبيُّ: قالت قريشُ: يا محمدُ، تزعم أن من خالفك، فهو في النَّارِ، واللَّهُ عليه غَضْبَانُ، وأن من اتبعك، وهو على دينك، فهو في الجَنَّةِ، واللَّهُ عَنْهُ راضٍ. فأخْبِرْنا بمن يُؤمنُ بك، ومَن لا يُؤمنُ؛ فأنزل الله هذه الآية. وقال السُّديُّ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عُرِضَتْ عليَّ أمَّتِي فِي صُورَتِهَا في العِلِّيِّينَ، كَمَا عُرِضَتْ عَلَى آدَمَ وأعْلِمتُ مَنْ يُؤْمِنُ ومَنْ يَكْفُرُ" فبلغ ذلك المنافقين، فقالوا: استهزاءً -: زعم محمدٌ أنه يعلم من يؤمن به، ومَنْ يكفرُ، ممن لم يُخْلَقْ بَعْدُ، ونحن معه، وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر فحمد اللَّهَ، وأَثْنَى عليه، ثم قال: "مَا بَالُ أقْوامٍ طَعَنُوا فِي عِلمي، لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ - فِيمَا بَيْنَكُم وبَيْنَ السَّاعَةِ - إلاَّ نَبَّأتُكمُ بِهِ" فقام عبد الله بن حذافة السهميّ، وقال: مَنْ أبي، يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال: "حُذَافة" فقام عُمَرُ، فقال: يا رسول الله، رضينا بالله رَبَّاً، وبالإسلامِ ديناً، وبالقرآن إماماً، وبك نبيًّا، فاعفُ عنا، عفا الله عنك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَهَل أنْتُمْ مُنْتَهٌونَ" - مرتين - ثم نزل عن المِنْبَرِ تفسير : فأنزل اللَّهُ هذه الآية. قوله: {حَتَّىٰ يَمِيزَ} حتى - هنا - قيل: هي الغائية المجرَّدة، بمعنى "إلى" والفعل بعدها منصوب بإضمار "أن" وقد تقدم تحقيقه في "البقرة". فإن قيل الغاية - هنا - مشكلة - على ظاهر اللفظ - لأنه يصير المعنى: أنه تعالى لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه الغاية - وهي التمييز بين الخبيثِ والطَّيِّبِ - ومفهومه أنه إذا وُجِدَت الغاية ترك المؤمنين على ما أنتم عليه. هذا ظاهرُ ما قالوه من كونها للغاية، وليس المعنى على ذلك قَطْعاً، ويصيرُ هذا نظيرُ قولكَ: لا أكَلِّم زيداً حتى يقدم عمرو، فالكلام منتفٍ إلى قدوم عمرو. فالجوابُ عنه: "حَتّى" غاية لمن يفهم من معنى هذا الكلام، ومعناه: أنه - تعالى - يخلص ما بينكم بالابتلاء والامتحان إلى أن يميز الخبيثَ من الطيبِ. وقرأ حمزة [والكسائي] - هنا وفي الأنفال - "يُمَيِّزَ" بالتشديد - والباقون بالتخفيف، وعن ابن كثيرٍ - أيضاً - "يُميز" من "أماز" فهذه ثلاث لغاتٍ، يقال: مَازَه وميَّزه وأمازه. والتشديد والهمزة ليسا للنقل؛ لأنّ الفِعْلَ - قبلهما - مُتَعَد، وإنما "فعّل" - بالتشديد - و "أفعل" بمعنى: المجرد. وهل "ماز" و "مَيَّز" بمعنًى واحدٍ، أو بمعنيين مختلفين؟ قولان. ثم القائلونَ بالفرق اختلفوا، فقال بعضهم: لا يقال: ماز، إلا في كثير، فأما واحدٌ من واحدٍ فميَّزت، ولذلك قال أبو مُعاذٍ: يقال ميزَّتُ بين الشيئين تَمْييزاً، ومِزْت بين الأشياء مَيْزاً. وقال بعضُهُمْ عكس هذا - مزت بين الشيئين مَيْزاً، وميَّزت بين الأشياء تمييزاً - وهذا هو القياس، فإنَّ التضعيفَ يؤذن بالتكثير، وهو لائقٌ بالمتعددات، وكذلك إذا جعلتَ الواحد شيئين قلت: فَرَقْت - بالتخفيف - ومنه: فرق الشعر، وإن جعلته أشياء، قلت: فرَّقْتها تَفْرِيقاً. ورجَّح بعضُهم "مَيَّز" - بالتشديد - بأنه أكثر استعمالاً، ولذلك لم يستعملوا المصدر إلا منه، قالوا: التمييز، ولم يقولوا: المَيْز - يعني لم يقولوه سماعاً، وإلا فهو جائز قياساً. فصل ومعنى الآية: حتى يميز المنافق من المخلصِ، وقد ميَّزهم يَوْمَ أحُدٍ؛ حيث أظهروا النفاق، وتخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: إنَّ التمييزَ إنْ ظَهَرَ وانكشفَ، فقد ظهر كُفْرُ المنافقينَ، وظهور كُفْرِهم ينفي كونهم منافقين، وإن لم يظهرْ لم يحصل الوَعْدُ. فالجوابُ: أنه ظهر بحيث يُفيد الامتيازَ الظنِّيّ، لا الامتيازَ القَطْعِيّ. قال قتادة: حتّى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهادِ. قال الضَّحَّاك: "مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أنْتُمْ عَلَيْهِ" في أصلاب الرَِّجَالِ، وأرحام النِّساءِ، يا معشرَ المنافقينَ، حتّى يفرق بينكم وبين مَنْ في أصْلابكم، وأرحام نسائكم من المؤمنينَ. وقيل: "حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ" وهو الذنب "مِنَ الطَّيِّبِ" وهو المؤمنُ، يعني يَحُطُّ الأوزار عن المؤمنين بما يُصيبهم من نكبةٍ ومحنةٍ ومصيبةٍ. وقيل: الخبيث: هو الكُفْر: أذلَّه اللَّهُ وأخْمَدَه، وأعلى الإسلامَ وأظهره، فهذا هو التمييزُ. قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} ومعناه: أنه لا يجوز أن يطلعكم على أصل ذلك التمييزِ، فيقول: إنَّ فلاناً منافق، وإن فلاناً مؤمنٌ؛ فإن سُنَّة اللَّهِ جارية بأنه لا يُطْلِع عوامَّ الناس على غَيْبه، ولا سبيلَ لَكُمْ إلى معرفة ذَلِكَ الامتيازِ إلا بالامتحاناتِ ووقوع المِحَن والآفاتِ - كما ذكرنا - وأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاعِ على الغيب، فذلك من خواصِّ الأنبياء، فلهذا قال: {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} فيخصهم بإعلام أن هذا مؤمن، وهذا منافق، نظيره قوله تعالى: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} تفسير : [الجن: 26، 27]. ويحتمل أن يكون المعنى: وما كان اللَّهُ ليجعَلَكم كلَّكم عالمينَ بالغيب كعلم الرسول، فتنشغلوا عن الرسول، بل اللَّهُ يخص من يشاءُ من عبادِهِ، ثم يُكلِّف الباقينَ طاعة هذا الرسولِ. قوله: "وَلكِنَّ" هذا استدراكٌ من معنى الكلامِ المتقدمِ؛ لأنه تعالى - لما قال: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ} أَوْهَمَ ذلك أنه لا يُطْلِعُ أحداً على غيبه؛ لعموم الخطابِ - فاستدرك الرُّسُلَ. والمعنى: {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي} أي يصطفي {مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} فَيَطْلِعُهُ على الغيبِ، فهو ضِدٌّ لما قبله في المعنى، وقد تقدم أنها بين ضِدَّيْنِ ونقيضَيْن، وفي الخلافين خلافٌ. يَجْتَبِي: يصطفي ويختار، من: جَبَوْت المال والماء، وجبيتهما - لغتان - فالياء في يجتبي يُحْتَمَل أن تكون على أصلها، ويُحْتَمل أن تكون منقلبةً عن واوٍ؛ لانكسارِ ما قبلها. ومفعول "يَشَاءُ" محذوفٌ، وينبغي أن يقدر ما يليق بالمعنى، والتقدير: يشاءُ إطلاعه على الغيب. قوله: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} يعني أن هذه الشبهة الذي ذكرتموها في الطعن في نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - من وقوع الحوادث المكروهة في قصة أُحُد، وقد أجبْنا عنها، فلم يَبْقَ إلا أن تُؤمِنوا بالله ورُسُله. وإنما قال: "وَرُسُلِهِ" ولم يَقُلْ: ورسوله؛ لأن الطريقةَ الموصلةَ إلى الإقرار بنبوَّة الأنبياء ليس إلا المُعْجِز، وهو حاصل في حقِّ محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فوجب الإقرار بنبوة الأنبياء، فلهذا قال: "وَرُسُلِهِ" لأن طريق إثبات نبوة جميع الأنبياءِ واحدٌ، فمن أقر بنبوة واحدٍ لزمه الإقرار بنبوَّة الكُلِّ، ثم لمَّا أمرهم بذلك وعدهم بالثواب فقال: {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.

البقاعي

تفسير : ولما كان مطلق المسارعة أعم مما بالعوض، وهو أعم مما بالرجوع، جاء نظم الآيات على ذاك؛ ولما كشفت هذه الوقعة جملة من المغيبات من أعظمها تمييز المخلص فعلاً أو قولاً من غيره، أخبر تعالى أن ذلك من أسرارها على وجه يشير إلى النعي على المنافقين بتأخيرهم أنفسهم بالرجوع وغيره فقال مشيراً بخطاب الأتباع إلى مزيد علمه صلى الله عليه وسلم وعلو درجته لديه وعظيم قربه منه سبحانه وتعالى: {ما كان الله} أي مع ما له من صفات الكمال. ولما كان ترك التمييز غير محمود، عبر بفعل الوذر، وأظهر موضع الإضمار لإظهار شرف الوصف تعظيماً لأهله فقال: {ليذر المؤمنين} أي الثابتين في وصف الإيمان {على ما أنتم عليه} من الاختلاط بالمنافقين ومن قاربهم من الذين آمنوا على حال الإشكال للاقتناع بدعوى اللسان دليلاً على الإيمان {حتى يميز الخبيث من الطيب} بأن يفضح المبطل وإن طال ستره بتكاليف شاقة وأحوال شيديدة، لا يصبر عليها إلا المخلص من العباد، المخلصون في الاعتقاد {وما كان الله} لاختصاصه بعلم الغيب {ليطلعكم على الغيب} أي وهو الذي لم يبرز إلى عالم الشهادة بوجه لتعلموا به الذي في قلوبهم مع احتمال أن يكون الرجوع للعلة التي ذكروها في الظاهر والقول لشدة الأسف على إخوانهم {ولكن الله} أي الذي له الأمر كله {يجتبي} أي يختار اختياراً بليغاً {من رسله من يشاء} أي فيخبر على ألسنتهم بما يريد من المغيبات كما أخبر أنهم برجوعهم للكفر أقرب منهم للإيمان، وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. ولما تسبب عن هذا وجوب الإيمان به قال: {فأمنوا بالله} أي في عالم الغيب والشهادة، له الأسماء الحسنى {ورسله} في أنه أرسلهم وفي أنهم صادقون في كل ما يخبرون به عنه. ولما كان التقدير: فإنكم إن لم تؤمنوا كان لكم ما تقدم من العذاب العظيم الأليم المهين، عطف عليه قوله: {وإن تؤمنوا} أي بالله ورسله {وتتقوا} أي بالمداومة على الإيمان, وما يقتضيه من العمل الصالح {فلكم أجر عظيم *} أي منه أنه لا يضركم كيد أعدائكم شيئاً كما تقدم وعدكم به. ولما كان من جملة مباني السورة الإنفاق، وتقدم في غير آية مدح المتقين به وحثهم عليه، وتقدم أن الكفار سارعوا في الكفر: أبو سفيان بالإنفاق في سبيل الشيطان على من يخذل الصحابة، ونعيم أو عبد القيس بالسعي في ذلك. وكان المبادرون إلى الجهاد قد تضمن فعلهم السماح بما آتاهم الله من الأنفس والأموال، وكان الله سبحانه وتعالى قد أخبر لما لهم عنده من الحياة التي هي خير من حياتهم التي أذهبوها في حبه، والرزق الذي هو أفضل مما أنفقوا في سبيله، ذم الله سبحانه وتعالى الباخلين بالأنفس والأموال في سبيل الله فقال راداً الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم لأنه أمكن لسروره وأوثق في إنجاز الوعد: {ولا تحسبن} أي أنت يا خير البرية - هذا على قراءة حمزة، وعند الباقين الفاعل الموصول في قوله: {الذين يبخلون} أي عن الحقوق الشرعية {بما آتاهم الله} أي بجلاله وعز كماله {من فضله} أي لا لاستحاقهم له ببخلهم {هو خيراً لهم} أي لتثمير المال بذلك {بل هو} أي البخل {شر لهم} لأنهم مع جعل الله البخل مَتلفة لأموالهم {سيطوقون} أي يفعل من يأمره بذلك كائناً من كان بغاية السهولة عليه {ما بخلوا به} أي يجعل لهم بوعد صادق لا خلف فيه بعد الإملاء لهم طوقاً بأن يجعله شجاعاً أي حية عظيمة مهولة، تلزم الإنسان منهم، محيطة بعنقه، تضربه في جانبي وجهه {يوم القيامة} لأن الله سبحانه وتعالى يرثه منهم بعد أن كان خوّلهم فيه، فيجعله بسبب ذلك التخويل عذاباً عليهم، روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعاً أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - يقول: أنا مالك! أنا كنزك! - ثم تلا هذه الآية". تفسير : ولما كان هذا طلباً منهم للإنفاق، وكان الطالب منا محتاجاً إلى ما يطلبه، وكان ذو المال إذا علم أنه ذاهب وأن ماله موروث عنه تصرف فيه؛ أخبر تعالى بغناه على وجه يجرئهم على الإنفاق فقال عاطفاً على ما تقديره: لأنه ثمرة كونه من فضله فلله كل ما في أيديهم: {ولله} أي الذي له الكمال كله {ميراث السماوات والأرض} أي اللذين هذا مما فيهما، بأن يعيد سبحانه وتعالى جميع الأحياء وإن أملى لهم، ويفنى سائر ما وهبهم من الأعراض، ويكون هو الوارث لذلك كله. ولما كانت هذه الجمل في الإخبار عن المغيبات دنيا وأخرى، وكان البخل من الأفعال الباطنة التي يستطاع إخفاؤها ودعوى الاتصاف بضدها كان الختم بقوله: {والله} أي الملك الأعظم. ولما كان منصب النبي صلى الله عليه وسلم الشريف في غاية النزاهة صرف الخطاب إلى الأتباع في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو، وهو أبلغ في الوعيد من تركه على مقتضى السياق من الغيبة في قراءتهما، وقدم الجار إشارة إلى أن علمه بأعمالهم بالغ إلى حد لا تدرك عظمته لأن ذلك أبلغ في الوعيد الذي اقتضاه السياق: {بما تعملون خبير *} . ولما كان العمل شاملاً لتصرفات الجوارح كلها من القلب واللسان وسائر الأركان قال - دالاًّ على خبره بسماع ما قالوه متجاوزين وهدة البخل إلى حضيض القبح مريدين التشكيك لأهل الإسلام بما يوردونه من الشبه قياساً على ما يعرفونه من أنفسهم من أنه - كما تقدم - لا يطلب إلا محتاج -: {لقد سمع الله} أي الذي له جميع الكمال {قول الذين قالوا} أي من اليهود {إن الله} أي الملك الأعظم {فقير} أي لطلبه القرض {ونحن أغنياء} لكونه يطلب منا، وهذا رجوع منه سبحانه وتعالى إلى إتمام ما نبه عليه قبل هذه القصة من بغض أهل الكتاب لأهل هذا الدين وحسدهم لهم وإرادة تشكيكهم فيه للرجوع عنه على أسنى المناهج وأعلى الأساليب. ولما تشوفت النفوس إلى جزائهم على هذه العظيمة، وكانت الملوك إذا علمت انتقاص أحدها وهي قادرة عاجلته لما عندها من نقص الأذى بالغيظ قال سبحانه وتعالى مهدداً لهم مشيراً إلى أنه على غير ذلك: {سنكتب} أي على عظمتنا لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه في الدنيا {ما قالوا} أي من هذا الكفر وأمثاله، والسين للتأكيد، ويجوز أن تكون على بابها من المهلة للحث على التوبة قبل ختم رتب الشهادة، وسيأتي في الزخرف له مزيد بيان. ولما كان هذا اجتراء على الخالق أتبعه اجتراءهم على أشرف الخلائق فقال - مشيراً بإضافة المصدر إلى ضميرهم، وبجمع التكسير الدال على الكثير إلى أنهم أشد الناس تمرداً تمرناً على ارتكاب العظائم، وأن الاجتراء على أعظم أنواع الكفر قد صار لهم خلقاً -: {وقتلهم الأنبياء} أي الذي أقمناهم فيهم لتجديد ما أوهوه من بنيان دينهم، ولما لم يكن في قتلهم شبهة أصلاً يقال: {بغير حق} فهو أعظم ذمّاً مما قبله من التعبير بالفعل المضارع في قوله {أية : ويقتلون الأنبياء بغير حق}تفسير : [آل عمران: 112]. ثم عطف على قوله {سنكتب} قوله: {ونقول} أي بما لنا من الجلال {ذوقوا} أي بما نمسكم به من المصائب في الدنيا والعقاب في الأخرى كما كنتم تذوقون الأطعمة التي كنتم تبخلون بها فلا تؤدون حقوقها {عذاب الحريق *} جزاء على ما أحرقتم به قلوب عبادنا، ثم بين السبب فيه بقوله: {ذلك} أي العذاب العظيم {بما قدمت أيديكم} أي من الكفر بقتلهم وبغيره {وأن} أي وبسبب أن {الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {ليس بظلام} أي بذي ظلم {للعبيد *} ولو لم يعذبكم لكان ترككم على صورة الظلم لمن عادوكم فيه واشتد أذاكم لهم. ولما كان القربان من جنس النفقات ومما يتبين به سماح النفوس وشحها حسن نظم آية القربان هنا بقوله - رادّاً شبة لهم أخرى ومبيناً قتلهم الأنبياء: {الذين قالوا} تقاعداً عما يجب عليهم من المسارعة بالإيمان {إن الله} أي الذي لا أمر لأحد معه {عهد إلينا} وقد كذبوا في ذلك {ألا نؤمن لرسول} أي كائن من كان {حتى يأتينا بقربان} أي عظيم نقربه لله تعالى، فيكون متصفاً بأن {تأكله النار} عند تقريبه له وفي ذلك أعظم بيان لأنهم ما أرادوا - بقولهم {إن الله فقير} حيث طلب الصدقة - إلا التشكيك حيث كان التقرب إلى الله بالمال من دينهم لاذي يتقربون إلى الله به، بل وادعوا أنه لا يصح دين بغيره. ولما افتروا هذا التشكيك أمر سبحانه بنقضه بقوله: {قل قد جاءكم رسل} فضلاً عن رسول. ولما كانت مدتهم لم تستغرق الزمان الماضي أثبت الجار فقال {من قبلي} كزكريا وابنه يحيى وعيسى عليه السلام {بالبينات} أي من المعجزات {وبالذي قلتم} أي من القربان فإن الغنائم لم تحل - كما في الصحيح - لأحد كان قبلنا، فلم تحل لعيسى عليه السلام فلم تكن مما نسخه من أحكام التوراة، وقد كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها إلا إن وقع فيها غلول {فلم قتلتموهم} أي قتَلَهم أسلافكم ورضيتم أنتم بذلك فشاركتموهم فيه {إن كنتم صادقين *} أي في أنكم تؤمنون لمن أتاكم على الوجه الذي ذكرتموه، وفي ذلك رد على الفريقين: اليهود المدعين أنهم قتلوه الزاعمين أنه عهد إليهم في الإيمان بمن أتاهم بذلك، والنصارى المسلمين لما ادعى اليهود من قتله المستلزم لكونه ليس بإله.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ قالوا إن كان محمد صادقاً فليخبرنا بمن يؤمن به منا ومن يكفر‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏يقول للكفار ‏{‏ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه‏} ‏ من الكفر ‏ {‏حتى يميز الخبيث من الطيب‏}‏ فيميز أهل السعادة من أهل الشقاوة‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال‏:‏ يقول للكفار لم يكن ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة حتى يميز الخبيث من الطيب، فميز بينهم في الجهاد والهجرة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال‏:‏ ميز بينهم يوم أحد‏.‏ المنافق من المؤمن‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن مالك بن دينار أنه قرأ ‏{‏حتى يميز الخبيث من الطيب‏}‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏{‏حتى يميز الخبيث من الطيب‏} ‏ مخففة منصوبة الياء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏وما كان الله ليطلعكم على الغيب‏} ‏ قال‏:‏ ولا يَّطلع على الغيب إلا رسول‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء‏} ‏ قال‏:‏ يختصهم لنفسه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك ‏{‏يَجْتَبي‏} ‏ قال‏:‏ يَسْتَخْلِص‏.‏

ابو السعود

تفسير : {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ} كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لوعد المؤمنين ووعيدِ المنافقين بالعقوبة الدنيويةِ التي هي الفضيحةُ والخِزْيُ إثرَ بـيانِ عقوبتِهم الأخرويةِ، والمرادُ بالمؤمنين المخلصون، وأما الخطابُ فقد قيل: إنه لجمهور المصدِّقين من أهل الإخلاصِ وأهلِ النفاقِ، ففيه التفاتٌ في ضمن التلوينِ، والمرادُ بما هم عليه اختلاطُ بعضِهم بعضاً واستواؤهم في إجراء أحكامِ الإسلامِ عليهم، إذ هو القدرُ المشترك بـين الفريقين، وقيل: إنه للكفار والمنافقين وهو قولُ ابنِ عباسٍ والضحاكِ ومقاتلٍ والكلبـيِّ وأكثرِ المفسرين، ففيه تلوين فقط، ولعل المنافقين عطفٌ تفسيريٌ للكفار وإلا فلا شركةَ بـين المؤمنين والمنافقين في أمر من الأمور، والمرادُ بما هم عليه ما مر من القدر المشتركِ فإنه كما يجوز نسبتُه إلى الفريقين معاً يجوز نسبتُه إلى كل منهما لا الكفرُ والنفاقُ كما قيل، فإن المؤمنين ما كانوا مشاركين لهم في ذلك حتى لا يُتركوا عليه، وقيل: إنه للمؤمنين خاصة وهو قولُ أكثرِ أهلِ المعاني ففيه تلوينٌ والتفاتٌ كما مر، والتعرضُ لإيمانهم قبل الخطابِ للإشعار بعلة الحُكم، والمرادُ بما هم عليه ما مر غيرَ مرةٍ، والأولُ هو الأقربُ وإليه جنَح المحقِّقون من أهل التفسير لكونه صريحاً في كون المرادِ بما هم عليه ما ذُكر من القدر المشتركِ بـين الفريقين من حيث هو مشترَكٌ بـينهما بخلاف القولين الأخيرين فإنهما بمعزل من ذلك، كيف لا والمفهومُ مما عليه المنافقون هو الكفرُ والنفاقُ، ومما عليه المؤمنون هو الإيمانُ والإخلاصُ لا القدرُ المشتركُ بـينهما، ولئن فُهم ذلك فإنما يفهم من حيث الانتسابُ إلى أحدهما لا من حيث الانتسابُ إليهما معاً، وعليه يدور أمرُ الاختلاطِ المُحوِجِ إلى الإفراز. واللام في ليذر إما متعلقةٌ بالخبر المقدّرِ لكان كما هو رأيُ البَصْريةِ، وانتصابُ الفعل بعدها بأن المقدرةِ أي ما كان الله مريداً أو متصدياً لأن يذَرَ المؤمنين الخ، ففي توجيهِ النفيِ إلى إرادة الفعلِ تأكيدُ مبالغةٍ ليست في توجيهه إلى نفسه، وإما مزيدةٌ للتأكيد ناصبةٌ للفعل بنفسها كما هو رأيُ الكوفية، ولا يقدح في ذلك زيادتُها كما لا يقدح زيادةُ حروفِ الجرِّ في عملها. وقوله عز وجل: {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ} غايةٌ لما يفيده النفيُ المذكورُ كأنه قيل: ما يتركهم الله تعالى على ذلك الاختلاطِ بل يقدِّر الأمورَ ويرتب الأسبابَ حتى يعزِلَ المنافقَ من المؤمن، وفي التعبـير عنهما بما ورد به النظمُ الكريمُ تسجيلٌ على كلَ منهما بما يليق به، وإشعارٌ بعلة الحُكمِ. وإفرادُ الخبـيثِ والطيبِ مع تعددهما أريد بكل منهما وتكثره لا سيما بعد ذكرِ ما أريد بأحدهما أعني المؤمنين بصيغة الجمعِ للإيذان بأن مدارَ إفرازِ أحدِ الفريقين من الآخر هو اتصافُهما بوصفهما لا خصوصيةُ ذاتِهما وتعددُ آحادِهما كما في مثل قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ } تفسير : [النساء، الآية 3] ونظيرُه قولُه تعالى: {أية : تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } تفسير : [الحج، الآية 2] حيث قصد الدَلالةَ على الاتصاف بالوصف من غير تعرضٍ لكون الموصوفِ من العقلاء أو غيرِهم، وتعليقُ المَيْزِ بالخبـيث المعبَّرِ به عن المنافق مع أن المتبادرَ مما سبق من عدم تركِ المؤمنين على الاختلاطِ تعلقُه بهم وإفرازُهم عن المنافقين لما أن المَيْزَ الواقع بـين الفريقين إنما هو بالتصرف في المنافقين وتغيـيرِهم من حال إلى حال مغايرةٍ للأولى مع بقاء المؤمنين على ما كانوا عليه من أصل الإيمانِ وإن ظهر مزيدُ إخلاصِهم لا بالتصرف فيهم وتغيـيرِهم من حال إلى حالٍ أخرى مع بقاء المنافقين على ما هم عليه من الاستتار، ولأن فيه مزيدَ تأكيدٍ للوعيد كما أشير إليه في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} تفسير : [البقرة، الآية 220] وإنما لم يُنسَبْ عدمُ التركِ إليهم لما أنه مُشعِرٌ باعتناءٍ بشأنِ من نُسب إليه فإن المتبادرَ منه عدمُ تركِه على حالة غيرِ ملائمةٍ كما يشهد به الذوقُ السليمُ، وقرىء حتى يُميِّزَ من التميـيز، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} تمهيدٌ لبـيان المَيزِ الموعودِ على طريق تجريدِ الخطابِ للمخلِصين تشريفاً لهم وقوله عز وجل: {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء} إشارةٌ إلى كيفية وقوعِه على سبـيل الإجمالِ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في الموضعين لتربـية المهابةِ، فالمعنى ما كان الله ليترُك المخلِصين على الاختلاط بالمنافقين بل يرتبُ المبادىءَ حتى يُخرِجَ المنافقين من بـينهم وما يفعل ذلك باطلاعكم على ما في قلوبهم من الكفر والنفاقِ ولكنه تعالى يوحي إلى رسوله عليه السلام فيخبرُه بذلك وبما ظهر منهم من الأقوال والأفعال حسبما حُكي عنهم بعضُه فيما سلف فيفضحهم على رؤوس الأشهادِ ويخلّصكم من خسة الشركاءِ وسوءِ جوارِهم، والتعرضُ للاجتباء للإيذان بأن الوقوفَ على أمثال تلك الأسرار الغيبـيةِ لا يتأتى إلا ممن رشحه الله تعالى لمنصِب جليلٍ تقاصرت عنه هممُ الأممِ واصطفاه على الجماهير لإرشادهم، وتعميمُ الاجتباء لسائر الرسل عليهم السلام للدِلالة على أن شأنَه عليه السلام في هذا البابِ أمرٌ متينٌ له أصلٌ أصيلٌ جارٍ على سنة الله تعالى المسلوكةِ فيما بـين الرسلِ الخاليةِ عليهم السلام. وتعميمُ الأمر في قوله تعالى: {فآمنوا بالله ورسله} مع أن سَوْقَ النظمِ الكريم للإيمان بالنبـي عليه الصلاة والسلام لإيجاب الإيمانِ بالطريق البرهاني والإشعارِ بأن ذلك مستلزِمٌ للإيمان بالكل، لأنه مصدِّقٌ لما بـين يديه من الرسل وهم شهداءُ بصحة نبوتِه عليه الصلاة والسلام، والمأمورُ به الإيمانُ بكل ما جاء به عليه الصلاة والسلام فيدخُل فيه تصديقُه عليه السلام فيما أخبَر به من أحوال المنافقين دخولاً أولياً هذا هو الذي تقتضيه جزالةُ النظمِ الكريمِ. وقد جُوِّز أن يكون المعنى لا يتركُكم مختلطين حتى يميزَ الخبـيثَ من الطيب بأن يكلّفَكم التكاليفَ الصعبةَ التي لا يصبِر عليها إلا الخُلّصُ الذين امتحن الله تعالى قلوبَهم كبذل الأرواحِ في الجهاد وإنفاقِ الأموالِ في سبـيل الله تعالى فيُجعل ذلك عِياراً على عقائدكم وشاهداً بضمائركم حتى يعلمَ بعضُكم بما في قلب بعض بطريق الاستدلالِ من جهة الوقوفِ على ذات الصدورِ فإن ذلك مما استأثر الله تعالى به. وأنت خبـيرٌ بأن الاستدراكَ باجتباء الرسلِ المنبىءَ عن مزيد مزيتِهم وفضلِ معرفتِهم على الخلق ــ إثرَ بـيانِ قصورِ رتبتِهم عن الوقوف على خفايا السرائرِ ــ صريحٌ في أن المرادَ إظهارُ تلك السرائرِ بطريق الوحيِ لا بطريق التكليفِ بما يؤدي إلى خروج أسرارِهم عن رتبة الخفاءِ، وأقربُ من ذلك حملُ الآيةِ الكريمةِ على أن تكون مسوقةً لبـيان الحِكمة في إملائه تعالى للكفرة إثرَ بـيانِ شريعتِه لهم فالمعنى ما كان الله ليذر المخلِصين على الاختلاط أبداً كما تركهم كذلك إلى الآن لسرٍّ يقتضيه بل يفرُز عنهم المنافقين، ولذلك فعله يومئذ حيث خلّى الكفرةَ وشأنَهم فأبرز لهم صورةَ الغَلَبةِ فأظهر مَنْ في قلوبهم مرضٌ ما فيها من الخبائث وافتُضحوا على رؤوس الأشهادِ. وقيل: قال الكافرون: إن كان محمدٌ صادقاً فليُخبِرْنا مَنْ يؤمن منا ومن يكفرُ فنزلت. {وَإِن تُؤْمِنُواْ} أي بما ذكر حقَّ الإيمان {وَتَتَّقُواْ} أي عدمَ مراعاةِ حقوقِه أو النفاقَ {فَلَكُمْ} بمقابلة ذلك الإيمانِ والتقوى {أَجْرٌ عَظِيمٌ} لا يُبلغ كُنهُه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} [الآية: 179]. قيل فى هذه الآية: ما كان الله ليطلعكم على الغيب وأنتم تلاحظون أشباحكم وأفعالكم وأحوالكم، فإنما يطلع على الغيب من كان أمين السرّ والعلانية موثوق الظاهر والباطن، فيفتح له من طريق الغيب بقدر أمانته ووثاقته ألا تراه يقول: { أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } تفسير : [الجن: 26-27]. وهو الفانى عن أوصافه المتصف بأوصاف الحق. قوله تعالى: {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ}. أى فيطلعه على الغيب، ألا ترى النبى صلى الله عليه وسلم كيف حكم على الغيب بقوله: " حديث : عشرة من قريش فى الجنة ".

القشيري

تفسير : جمعهم اليومَ من حيث الأشخاص والمباني، ولكنه فرَّقهم في الحقائق والمعاني؛ فَمِنْ طيِّبةٍ سجيته، وزمن خبيئةٍ طِينَتُه. وهم وإن كانوا مشائب ففي بصيرة الخواص هم ممتازون. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ}: فإنَّ أسرار الغيب لا تظهر للمتلوثين بأدناس البشرية، وإن الحق سبحانه مستأثر بعلم ما جلَّ وقلَّ، فيختص من يشاء من أنبيائه بمعرفة بعض أسراره.

البقلي

تفسير : {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} ان الله غيوبا غيب الظاهر وغيب الباطن وغيب الغيب وسر الغيب وغيب السر اما غيب الظاهر فما اخبر الله تعالى عن امر الاخرة ولا يطلع عليها الا من بلغ مقام اليقين وصحب خارج عن شواغل النفوس وخطرات الشياطين لكن لم يكن على حد الاستقامة فروية الاخرة له تارة لان اليقين خطرات وهذا الخطاب بهذا المعنى خطاب الاضداد واما غيب الباطن فغيب للمقدورات المكتومة عن قلوب الاغيار وذلك الخطاب خطاب اهل الايمان واما غيب الغيب فهو سر الصفات فى الافعال وفى هذا المعنى خطاب المريدين واما سر الغيب فهو نور الذات فى الصفة وهذا الخطاب للمحبين واما غيب السر فهو عينيه القدم التى لا يطلع عليها اسرار الخليقة ابدا واذا كان هذا الغيب المذكور فى قوله تعالى وما كان الله ليطلعكم على الغيب فخطابه مع جميع الانبياء والمرسلين والملئكة المقربين والاصفياء الصديقين العارفين الموحيدن لان الازلية منزهة عن ادراك الخلائق اجمعين وخاصية نبينا صلى الله عليه وسلم فى هذا المعنى روية هذه المعانى بنعت الكشف له وابتسام اصباح الازل فى وجهة لا بنعت الاحاطة وادراك الكلية وذلك قوله تعالى {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} مثل محمد وعيسى وموسى وابراهيم وأدم صلوات الله عليهم اجمعين وذلك مشروح فى قوله تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدا الا من ارتضى من رسول قيل ما كان الله ليطلعكم على الغيب وانتم تلاحظون اشباحكم وافعالكم واحوالكم وانما يطلع على الغيب من كان امين السر والعلانية موثوق الظاهر والباطن ثم يفتح له من طريق الغيب بقدر امانته ووثاقته الا تراه يقول عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احد الا من اترضى من رسول هو الفانى من اوصافه المتصف باوصاف الحق وبين ان بعض الغيب فظهر للنبى صلى الله عليه وسلم بقوله ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء عينى محمد صلى الله عليه وسلم وذلك حكمخ بالغيب وحكمه على الغيب بقولع عشرة من قريش فى الجنة ومثل ما خبر عن الله سبحانه وعن امر الدنيا والاخرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما كان الله} مريدا {ليذر} لان يترك {المؤمنين} المخلصين {على ما انتم عليه} الخطاب لعامة المخلصين والمنافقين فى عصره {حتى يميز الخبيث من الطيب} ماز الشىء يميزه ميزا عزله وافرزه والمعنى ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التى انتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض وانه لا يعرف مخلصكم من منافقكم لاتفاقكم على التصديق جميعا حتى يميز المنافق من المخلص بالوحى الى نبيه باحوالكم او بالجهاد او بالهجرة {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} اى وما كان الله ليؤتى احدكم علم الغيب فيطلع على ما فى القلوب من كفر وايمان {ولكن الله يجتبى} يصطفى {من رسله من يشاء} فيوحى اليه ويخبره ببعض المغيبات او ينصب له ما يدل عليها {فآمنوا بالله ورسله} بصفة الاخلاص او بان تعلموه وحده مطلعا على الغيب وتعلموهم عبادا مجتبين لا يعلمون الا ما علمهم الله ولا يعلمون الا ما اوحى اليهم {وان تؤمنوا} حق الايمان {وتتقوا} النفاق {فلكم} بمقابلة ذلك الايمان والتقوى {اجر عظيم} لا يبلغ كنهه وهذا الاجر على قدر عظم التقوى فان السير الى المقصد الاعلى والوصول الى منازل الاجتباء لا يتهيأ الا بقدمى التقى شعر : قدم بايد اندر طريقت نه دم كه اصلى ندارد دم بى قدم تفسير : قال ابراهيم بن ادهم بت ليلة تحت صخرة بيت المقدس فلما كان بعض الليل نزل ملكان فقال احدهما لصاحبه من ههنا فقال الآخر ابراهيم بن ادهم فقال ذلك الذى حط الله درجة من درجاته فقال لم قال لانه اشترى بالبصرة التمر فوقعت تمرة على تمره من تمر البقال قال ابراهيم فمضيت الى البصرة واشتريت التمر من ذلك الرجل واوقعت تمرة على تمره ورجعت الى بيت المقدس وبت فى الصخرة فلما كان بعض الليل اذا انا بملكين قد نزلا من السماء فقال احدهما لصاحبه من ههنا فقال احدهما ذلك الذى رد التمرة الى مكانه فرفعت درجته فهذا هو التقوى على الحقيقة ومراعاة الحقوق على الوجه اللائق ولا يتيسر ذلك الا بالتوسل الى جناب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فان غيب الحقائق والاحوال لا ينكشف بلا واسطة الرسول واليه الاشارة بقوله تعالى {وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن} الخ وكيف يترقى الى حقيقة التقوى وعالم الاطلاق من تقيد برأيه واختياره قال الله تعالى {أية : وابتغوا إليه الوسيلة} تفسير : [المائدة: 35]. فلا بد من متابعة النبى عليه السلام شعر : حقا كه بى متابعت سيد رسل هر كز كسى بمنزل مقصود ره نيافت ازهيج او بهيج درى ره نمى دهند انران كه زآستانه او روى دل بتافت تفسير : فالايمان بالله وبرسوله هو التصديق القلبى والارادة والتمسك بالشريعة والنجاة فيه لا فى غيره ـ روى ـ ان المؤمن اذا ورد النار بمقتضى قوله تعالى {أية : وإن منكم إلا واردها} تفسير : [مريم: 71]. يصير الله ثواب التوحيد سفينة والقرآن حبلها والصلاة شراعها ويكون المصطفى عليه السلام ملاحها والمؤمنون يجلسون عليها ويكبرون الله وتجرى السفينة على بحر نار جهنم بريح طيبة فيعبرون عنها سالمين. فيا اخى لا تضيع ايامك فان ايامك رأس مالك وانك ما دمت قابضا على رأس مالك فانك قادر على طلب الربح فاجتهد فى تحصيله بالتوغل فى الطاعات والعبادات واحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه قبل الموت والفوت فان الموتى يتمنون ان يؤذن لهم بان يصلوا ركعتين او يقولوا مرة لا اله الا الله او يسبحوا مرة فلا يؤذن لهم ويتعجبون من الاحياء كيف يضيعون ايامهم فى الغفلة شعر : اكر مرده مسكين زبان داشتى بفرياد وزارى فغان داشتى كه اى زنده هست امكان كفت لب زاذ كرجون مرده برهم مخفت جومارا بغفلت بشد روز كار توبارى دمى جند فرصت شمار تفسير : قال عليه السلام "حديث : الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا " .تفسير : فتميز المنافق من المخلص كما يكون فى الدنيا بالاقوال والافعال وغيرهما كذلك يكون فى الآخرة ببياض وجه هذا وسواد وجه ذلك كما قال تعالى {أية : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} تفسير : [آل عمران: 106]. فعلى العاقل ان يتحمل مشاق الطاعات والتكاليف والامتحانات الآلهية لعله يفوز بالمرام ويظفر بالبغية يوم يخيب المعرضون والمنافقون ويخسرون شعر : خوش بود كر محك تجربه آيدبميان باسيه روى شود هر كه دروغش باشد تفسير : قال بعض الكبار وعند الامتحان يكرم الرجل او يهان عصمنا الله واياكم من المخالفة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: ماز يميز، وميّز يُمَيِّز، بمعنى واحد، لكن في ميّز معنى التكثير. يقول الحقّ جلّ جلاله: لعامة المؤمنين والمنافقين: {ما كان الله} ليترك {المؤمنين على ما أنتم عليه} من الاختلاط، لا يعرف مخلصكم من منافقكم، بل لا بد أن يختبركم حتى يتميز المنافق من المخلص، بالوحي أو بالتكاليف الشاقة، التي لا يصبر عليها إلا المخلصون، كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله، ليختبر به بواطنكم، ويستدل به على عقائدكم، أو بما ظهر في غزوة أحد من الأقوال والأفعال التي تدل على الإيمان أو النفاق، {وما كان الله ليُطلعكم على الغيب} حتى تعرفوا ما في القلوب من كفر أو إيمان، أو تعرفوا: هل تَغْلُبون أو تُغْلَبُون. {ولكن الله يجتبي} لرسالته {من يشاء}، فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات، أو ينصب له ما يدل عليها، {فآمنوا بالله} الذي اختص بعلم الغيب الحقيقي، وآمنوا برسله الذين اختارهم لأسرار الغيوب، لا يعلمون إلا ما علَّمهم. رُوِيَ أن الكفرة قالوا: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا: من يؤمن منا ومن يكفر؟ فنزلت الآية. وقيل: سببها ما تقدم من قول المنافقين، ووجه المناسبة: هو ما صَدَرَ منهم يوم أُحُد من المقالات التي ميزتهم من المؤمنين. {وإن تؤمنوا} إيماناً حقيقياً {وتتقوا} النفاق والشرك {فلكم أجر عظيم} عند الله. الإشارة: من سُنّة الله في المتوجهين إليه إذا كثروا، وظهرت فيهم دعوى القوى، أرسل الله عليهم ريح التصفية، فيثبت الصحيح، والخاوي تذروه الريح، وما ان الله ليذرهم على ما هم عليه من غير اختبار، حتى يميز الخبيث من الطيب، أي: مَنْ هِمَّتُه الله ومَنْ هِمَّتُه سواه، وما كان الله ليُطلعكم على الغيب حتى يعلموا من يثبت ممن يرجع، أو يعلموا ما يلحقهم من الجلال والجمال، وإنما ذلك خاص بالرسل عليهم السلام، وقد يُطلع على شيء من ذلك بعض خواص ورثتهم الكرام، فالواجب على المريد أن يُؤمن بالقدر المغيب، ولا يستشرف على الاطلاع عليه؛ "استشرافُك على ما بطن فيك من العيوب، خير من استشرافك على ما حُجب عنك من الغيوب". {وإن تؤمنوا} بمواقع القضاء والقدر، {وتتقوا} القنوط والكدر، {فلكم أجر عظيم}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي {يميز} - بالتشديد - الباقون بالتخفيف. يقال: مازه يميزه، وميزه يميزه - لغتان -. ومعنى الآية لم يكن الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه، فلا يميز المؤمن من المنافق، والكافر {حتى يميز الخبيث من الطيب}. وقيل في معنى الخبيث ها هنا: قولان: أحدهما - قال مجاهد، وابن اسحاق، وابن جريج: هو المنافق. قالوا: كما ميز المؤمن من المنافق يوم أحد. بالامتحان على ما مضى شرحه. الثاني - قال قتادة، والسدي: حتى يميز المؤمن من الكافر. وسبب نزول الآية ما قاله السدي: إن المشركين قالوا: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا من يؤمن منا، ومن يكفر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال قوم: إن كان يعلم المنافقين، فما حاجته إلى اختبارهم؟ فأنزل الله تعالى انه يميزهم. وذلك يكون: تارة باختبارهم، وتارة بتعيينهم. والتمييز بين الكافر وبين المؤمن أو المنافق والمؤمن بالامتحان والاختبار في تكليف الجهاد، ونحوه: مما يظهر به حالهم، وتنكشف ضمائرهم وقيل: بالدلالات، والعلامات التي يستدل بها عليهم من غير نص اعلام لهم فان قيل: هل اطلع نبيه (صلى الله عليه وسلم) على الغيب؟ قلنا: عن ذلك جوابان: أحدهما - قال السدي: لا، ولكنه اجتباه، فجعله رسولا وقال ابن اسحاق: ولكن الله اجتبى رسوله باعلامه كثيراً من الغايبات. وهذا هو الأليق بالآية. وقال الزجاج قوله: {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} سببه أن قوماً قالوا: هلا جعلنا الله أنبياء؟ فأخبر الله تعالى أنه {يجتبي من رسله من يشاء} و (من) في الآية لتبيين الصفة لا للتبعيض، لأن الأنبياء كلهم مجتبون.

الجنابذي

تفسير : {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} اى على الحال الّتى انتم عليها من اختلاط المخلص بالمنافق والمحقّق بالمنتحل بل كان شيمته القديمة الابتلاء والامتحان بالتّكاليف المخالفة للأهواء {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ} كأنّه قيل: ان اطلعنا الله على ما فى القلوب من الاخلاص والنّفاق اجتنبنا عن المنافق فقال: وما كان الله {لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} من بيانيّة والظّرف حال من {من يشاء} يعنى انّ الله يختار {من يشاء} حال كونه عبارة من رسله للاطّلاع على المغيبات عنكم بارائتها لهم او اخبارهم بها بتوسّط الملائكة او بلا واسطة فلا تقولوا برأيكم فيما هو غيب عنكم من قولكم لو كان كذا لكان كذا، ومن نسبة الخير والشّرّ الى العباد {فَآمِنُواْ} اذعنوا او اسلموا حقيقةً كما اسلمتم ظاهراً، او آمنوا بالايمان الخاصّ والبيعة الخاصّة وقبول الدّعوة الباطنة {بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} اى خلفائه من الرّسل واوصيائهم {وَإِن تُؤْمِنُواْ} تذعنوا او تسلموا بالبيعة العامّة او تؤمنوا بالبيعة الخاصّة {وَتَتَّقُواْ} سخط الله باتّباع خلفائه فيما أمروا به ونهوا عنه؛ او تتّقوا الانحراف عن الطّريق بالبيعة الخاصّة، او تتّقوا الخروج عن الطّريق بعد البيعة الخاصّة والدّخول فيه {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لمّا كان عظم الاجر خاصّاً بمن قبل ولاية علىّ (ع) بالبيعة الخاصّة وقبول الدّعوة الباطنة فالشّرط لا بدّ وان يفسّر بما يشمل الايمان الخاصّ.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه} من اختلاط المؤمن المخلص والمنافق {حتى يميز الخبيث من الطيب} حتى يعزل المنافق عن المخلص {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} وروي أن المشركين قالوا لأبي طالب: إن كان محمد صادقاً فيما يزعم يخبرنا من يؤمن منَّا ومن يكفر فإن وجدناه صادقاً آمنَّا به، فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب}، وقيل: سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق فنزلت، قال جار الله: المعنى ما كان الله ليؤتي أحداً منكم علم الغيب فلا تتوهموا عند إخبار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب اطلاع الله تعالى فيخبر عن إيمانها وكفرها ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره أن في الغيب كذا، وأن فلاناً في قلبه النفاق، وفلاناً في قلبه الإِيمان، فيعلم ذلك من إخبار الله لا من جهة إطلاعه، قوله تعالى: {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} فيخبر ببعض المغيبات {فآمنوا بالله ورسله} بأن تقدروه حق قدره وتعظموه وحده مطلعاً على الغيوب، قوله تعالى: {ولا يحسبنَّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله}: نزلت في مانع الزكاة روي أنه يجعل ما بخل به من الزكاة حيَّة يطوقها في عنقه يوم القيامة، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مانع الزكاة: "حديث : ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له شجاع أقرع يفرّ منه وهو يتبعه" تفسير : ثم تلا هذه الآية: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} يطوق بشجاع أقرع، وعن النخعي: سيطوقون بِطوق من نار، قوله تعالى: {ولله ميراث السموات والأرض} أي وله ما فيهما مما يتوارثه أهلها من مال وغيره فما بالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله، وقيل: نزلت في أهل الكتاب الذين كتموا صفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، قوله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} الآية نزلت في فنحاص اليهودي وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} تفسير : [البقرة: 245] قال فنحاص اليهودي: إن الله فقير يحتاج الى قرض فنزلت الآية، ومعنى {سمع الله قولهم} أنه لم يُخْف عليه وأنه أعدَّ له كناية من العقاب {سنكتب ما قالوا} في صحائف اعمالهم وهذا على جهة الوعيد {ونقول لهم} يوم القيامة {ذوقوا عذاب الحريق} كما أذقتم المسلمين الغصَص {ذلك} إشارةً إلى ما تقدَّم من عقابهم، وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يقع بها، قوله تعالى: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا} الآية نزلت في جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب قالوا: يا محمد إن الله عهد إلينا في التوراة {ألاَّ نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار} فإن زعمت أن الله بعثك إلينا فجئنا به نُصدقك، فنزلت الآية، وعن الكلبي والسدي قال: أن الله تعالى: أمر بني إسرائيل في التوراة من جاءكم يزعم أنه نبي فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، حتى يأتيكم المسيح ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان وقد ألزمهم الله تعالى أن أنبياءهم جاؤوهم بالبيّنات الكثيرة وبالذي قالوا القربان حتى أوجب عليهم التصديق، وجاؤوهم بالبيّنات أيضاً بهذه الآية التي اقترحوها {فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين}، قوله تعالى: {فإن كذَّبوك} تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {فقد كذِّب رسل من قبلك جاؤوا بالبينَّات} الكثيرة التي توجب الصدق {والزبر} وهي الصحائف {والكتاب المنير} للتوراة والإِنجيل والزبور.

الهواري

تفسير : قوله: {مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} أي المنافق من المؤمن. وقد ميّز المنافقين من المؤمنين يوم أحد. وقال بعضهم: يعني الكفار؛ لم يكن ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة، حتى يميز الخبيث من الطيب، فميَّزَ بينهم بالجهاد والهجرة. قوله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} ذكروا أن المنافقين قالوا: ما شأن محمد، إن كان محمد نبياً لا يخبرنا بمن يؤمن به قبل أن يؤمن به. فقال الله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ}. {وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ}. يقول: يستخلص من رسله من يشاء فيطلعه على ما يشاء من الغيب، ثم يعرضه عليكم. كقوله: (أية : عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ)تفسير : [الجن:25-26]. قوله: {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي: الجنة. قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُم} أي ليس ذلك بخير لهم {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ}. قال مجاهد: يعني اليهود. {سَيُطَوَّقونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يجيء كنز أحدكم يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيقول: أنا كنزك فيطلبه، فما زال يطلبه حتى يُلْقِمَهُ يده فيقضقضها حتى يأتي على سائر بدنه . تفسير : قال الكلبي: يُطَوَّق شجاعين في عنقه فيلدغان جبهته ووجهه فيقول: أنا كنزك الذي كنزت، أنا الزكاة التي بَخِلت بها. وقال بعضهم: يحملونها على رقابهم وظهورهم فلا تقبل منهم. وقال مجاهد: سيكلَّفون أن يأتوا بما بَخِلوا به يوم القيامة. قوله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي يبقى وتفنون أنتم. {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِبِيرٌ}.

اطفيش

تفسير : {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} كلكم من إيمان وكفر. {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَنْ يَشَآءُ}: فيطلعه على ما شاء من غيبه لا على كله، وبعد أن يطلعه لا يخبر إلا بما أمره أن يخبر به، فهو عالم بمن يؤمن، ومن يكفر ولم يخبركم، وقد كان قبل ذلك لم يعلم. وروى حديث : أنه لما بلغه مقال المنافقين، قام على المنبر فحمد وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال أقوام طعنوا فى علمى، لا تسألونى عن شىء فيما بينكم وبين الساعة إلا نبأتكم به" فقام عبد الله بن حذافة السهمى فقال: من أبى يا رسول الله؟ فقال: "أبوك حذافة". فقام عمر فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبك نبيا، فاعف عنا عفا الله عنك. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "فهل أنتم منتهون؟"تفسير : ثم نزل عن المنبر، فأنزل الله هذه الآية. وقال الكلبى: قالت قريش: يا محمد تزعم أن من خالفك فهو فى النار والله عليه غضبان، وإن من أطاعك وتبعك على دينك فهو فى الجنة والله عليه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك؟ فأنزل الله هذه الآية، وقيل: نزلت فى قوم من المنافقين ادّعوْا أن إيمانهم كإيمان المؤمنين، واختلفوا فى التمييز تم كان، فقيل: بالوحى بأن هؤلاء المشركين يؤمنون، هؤلاء لا يؤمنون، وهؤلاء المنافقين لا يكونون مؤمنين، وهؤلاء إيمانهم غير خالص، وكما مر أنه عرضت عليه صور أمته كما عرضت على آدم، وقيل: بالتكليف الشاق، كالقتال وبذل المال، وتحريم ما رغبوا فيه، وإيجاب الهجرة، فالمؤمن يمتثل، والمنافق لا يمتثل، وكذا المشرك لا يفعل ذلك، وقد تميز المنافقون يوم أحد بالرجوع، كما مر عن أبى، وبعدم خروج بعض من المدينة إلى أحد، وقول من قال: لو كان رسولا لكان كذا، أو لفعل كذا، والخطاب للمؤمنين والمنافقين والمشركين أو للمؤمنين والمنافقين، أى ما كان الله ليترك المؤمنين مختلطين بالمنافقين لا يعرف مخلصكم من منافقكم، أو ما كان الله ليترك ذلك، ولا ليترك بيان من يموت مشركاً، وقيل: الخطاب للمؤمنين، أى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما هم عليه من الاختلاط، ووضع المضمر الخطابى موضع المضمر الغيبى على طريق الالتفات، وقيل: الخطاب للمنافقين، أى على ما أنتم عليه من الاختلاط بهم، أعنى بالمؤمنين، ويحتمل أن يكون أيضاً للمشركين، أو لهم وللمشركين، وقيل المعنى ما كان الله ليترك المؤمنين فى أصلاب المشركين وأرحام المشركات، ولا بد أن تتم الكلمة بالولادة، وإثابة المسلم بالجنة، والمشرك بالنار، واللام فى {ليذر} لام الجحود والنصب بعدها بأن محذوفة وجوباً، ولا الجحود فيها، وجاز أحدهما الزيادة وهى للتأكيد المحض، والمصدر من الفعل بعدها خبر الكون، فيقدر بالوصف أو يقدر مضاف قبله، أو قبل اسم الكون، أى ترك، أى تاركاً أو ذا ترك أو ما كان أمر الله تركاً، والثانى أنها لام التقوية، تقوى خبرا يقدر للكون، أى مريداً لتركهم، وكذا أى ليطيلعكم ونحوه، قال الكوفيون: اللام زائدة للتأكيد ناصبة للفعل، ولا يقدرون أن، والخبيث: المنافق أو المشرك أو هما، والطيب: المؤمن، ويجتبى: يختار، و{من} فى قوله {من رسله} للبيان مقدماً على ما يبين به، وهو من يشاء لا للتبعيض، لأن الرسل كلهم شاء الله اختيارهم للغيب نعم يجوز التبعيض باعتبار ما الكلام فيه، وهو الإخبار بمن يؤمن ومن لا يؤمن، كما أن الكلام فى هذا المعنى، فإنه لم يخبر الرسل بذلك كلهم، بل بعضاً كآدم وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. {فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}: مخلصين فى الإيمان، لا تخلطوا فيه شركاً أو نفاقاً، ومقرين لذى الحق بحقه، لا زائدة ولا ناقصة، وحق الله لا يبلغ حده، فالإيمان بالله أن يعتقدوا أنه علام الغيوب، ولا يعلم غيره منها إلا ما علمه الله إياه، والإيمان برسله أن تعتقدوا أنهم لا يعلمون منها إلا ما أوحى إليهم، ولا يفتعلون من أنفسهم، وجمع الرسول لأن إثبات النبوة للرسل كلهم بطريق واحد وهو المعجزات، فمن لم يؤمن بواحد كفر بهم كلهم ومن آمن بواحد تحقيقاً فقد آمن بهم. {وَإِنْ تُؤْمِنُواْ}: بالله ورسوله حق الإيمان، أو إن تؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه يعلم من الغيب ما أعلمه إياه. {وَتَتَّقُواْ}: تجتنبون النفاق والشرك، أو تتقوا الله فيما أمركم به أو نهاكم عنه. {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}: لم تره عين، ولا سمعت به أذن، ولا خطر فى قلب.

اطفيش

تفسير : {مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ} يبرك {المُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} لام الجحود زائدة لتأكيد النفى أى ما كان شأن الله ترك المؤمنين، أو ما كان الله ذا ترك للمؤمنين، أو تاركا، أو للتقوية، أى ما كان الله مريداً لتركهم على ما أنتم عليه من التباس المنافق المخلص، وجريان أحكام الإيمان عليه، وزعم الكوفيون أنها زائدة ناصبة للمضارع، ولا تقدر أن ولا المصدر ولا حذف، والجملة خبر كان، والخطاب كما رأيت للمؤمنين والمنافقين والمرتابين، وقيل للمؤمنين، وقيل للمنافقين والمرتابين، وفى الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ووعد لهم، ووعيد لغيرهم {حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ} المنافق لخبثه اعتقاداً وفعلا {مِنَ الطَّيِِّبِ} المخلص اعتقاداً وفعلا وقولا، ومعنى الغاية أن الله تعالى يفعل التخليص بينهم حتى يتبين لكم، وذلك التمييز إنما هو بعدم تحمل المشاق وبذل الأموال فى سبيل الله، وبرجوعهم عن أحد وإبائهم من الخروج إلى قتال أبى سفيان حين رجع من أحد ومن الخروج قابلا إلى بدر الصغرى، وما ينفلت أحياناً منهم من كلمات الكفر وترك الفرائض، وقولهم، لو كان رسولا لم تصبه هذه المكارة، ونحو ذلك، لا بأن يقول فلان من أهل الجنة وفلان منافق من أهل النار، فإنما هو للأنبياء لا للعامة كما قال الله جل وعلا {وَمَا كَانَ اللهُ ليُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ} أن فلانا وفلانا منافقون ويخبر الله نبيه بهذا كغيره من الغيب، فيسره فى حذيفة رضى الله عنه كماقال {وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِى} يختار {مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} كما اجتبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بهم بأعيانهم لا بوصفهم فقط، وروى أن الكفار قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عرضتْ علىَّ أمتى وأعلمتُ من يؤمن بى ومن يكفر، كما عرضت على آدم ذريته"تفسير : ، فقال المنافقون: إنه يزعم أنه يعرف من يؤمن ومن يكفر، ونحن معه ولا يعرفنا، فنزل وما كان الله ليطلعكم على الغيب، ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء، وقيل قالت قريش يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن ويكون فى رضى الله فى الجنة ومن يكون بعكس ذلك فليخبرنا بهم، فنزلت، فلت: لعلها نزلت فى ذلك كله {فَأمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ} بإخلاص وجزم، ولا تتوقفوا إلى أن يعلم الغيب، فإنه ليس يعلم كل غيب، وقد أعلمه من يؤمن ومن يكفر، وبأن تعلموا أنه لا يعرف الغيب إلا من عرفه الله إياه، واجتباه لذلك من الأنبياء {وَإن تُؤْمِنُوا} إيماناً خالصاً {وَتَتَّقُوا} ما فيكم من الكفر والعقاق، والخطاب فى المواضع الثلاثة يقوى أن الخطاب فى قوله عز وجل: ما أنتم عليه للمنافقين والمرتابين {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لا يعلم قدره إلا الله.

الالوسي

تفسير : {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } كلام مستأنف مسوق لوعد المؤمنين ووعيد المنافقين بالعقوبة الدنيوية وهي الفضيحة والخزي إثر بيان عقوبتهم الأخروية، وقدم بيان ذلك لأنه أمس بالإملاء لازدياد الآثام، وفي هذا الوعد والوعيد أيضاً ما لا يخفى من التسلية له صلى الله عليه وسلم كما في الكلام السابق، وقيل: الآية مسوقة لبيان الحكمة في إملائه تعالى للكفرة إثر بيان شريته لهم، ولا يخفى أنه بعيد فضلاً عن كونه أقرب، والمراد من المؤمنين المخلصون والخطاب على ما يقتضيه الذوق لعامة المخلصين والمنافقين ففيه التفات في ضمن التلوين، والمراد بما هم عليه اختلاط بعضهم ببعض واستواؤهم في إجراء أحكام الإسلام عليهم، وإلى هذا جنح المحققون من أهل التفسير، وقال أكثرهم: إن الخطاب للمنافقين ليس إلا ففيه تلوين فقط، وذهب أكثر أهل المعاني إلى أنه للمؤمنين خاصة ففيه تلوين والتفات أيضاً. وأخرج ابن أبـي حاتم من طريق علي عن ابن عباس وابن جرير وغيره عن قتادة أنه للكفار، ولعل المراد بهم المنافقون وإلا فهو بعيد جداً، واللام في {لِيَذَرَ } متعلقة بمحذوف هو الخبر لكان، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها ـ كما ذهب إليه البصريون ـ أي ما كان الله مريداً لأن يذر المؤمنين الخ؛ وقال الكوفيون اللام مزيدة للتأكيد وناصبة للفعل بنفسها والخبر هو الفعل؛ ولا يقدح في عملها زيادتها إذ الزائد قد يعمل كما في حروف الجر المزيدة فلا ضعف في مذهبهم من هذه الحيثية كما وهم، وأصل يذر يوذر فحذفت الواو منها تشبيهاً لها بيدع وليس لحذفها علة هناك إذ لم تقع بين ياء وكسرة ولا ما هو في تقدير الكسرة بخلاف يدع فإن الأصل يودع فحذفت الواو لوقوعها بين الياء وما هو في تقدير الكسرة، وإنما فتحت الدال لأن لامه حرف حلقي فيفتح له ما قبله ومثله ـ يسع ويطأ ويقع ـ ولم يستعملوا من يذر ماضياً ولا مصدراً ولا اسم فاعل مثلاً استغناءاً بتصرف مرادفه وهو يترك. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } غاية لما يفهمه النفي السابق كأنه قيل: ما يتركهم على ذلك الإختلاط بل يقدر الأمور ويرتب الأسباب حتى يعزل المنافق من المؤمن وليس غاية للكلام السابق نفسه إذ يصير المعنى أنه تعالى لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه الغاية، ويفهم منه كما قال السمين: إنه إذا وجدت الغاية ترك المؤمنين ما أنتم عليه، وليس المعنى على ذلك وعبر عن المؤمن والمنافق بالطيب والخبيث تسجيلاً على كل منهما بما يليق به وإشعاراً بعلة الحكم، وأفرد الخبيث والطيب مع تعدد ما أريد بكل إيذاناً بأن مدار/ إفراز أحد الفريقين من الآخر هو اتصافهما بوصفهما لا خصوصية ذاتهما وتعدد آحادهما، وتعليق الميز بالخبيث مع أن المتبادر مما سبق من عدم ترك المؤمنين على الاختلاط تعليقه بهم وإفرازهم عن المنافقين لما أن الميز الواقع بين الفريقين إنما هو بالتصرف في المنافقين وتغييرهم من حال إلى حال أخرى مع بقاء المؤمنين على ما كانوا عليه من أصل الإيمان وإن ظهر مزيد إخلاصهم لا بالتصرف فيهم وتغييرهم من حال إلى حال مع بقاء المنافقين على ما هم عليه من الاستتار وإنما لم ينسب عدم الترك إليهم لما أنه مشعر بالاعتناء بشأن من نسب إليه فإن المتبادر منه عدم الترك على حالة غير ملائمة كما يشهد به الذوق السليم قاله بعض المحققين، وقيل: إنما قدم الخبيث على الطيب وعلق به فعل الميز إشعاراً بمزيد رداءة ذلك الجنس فإن الملقى من الشيئين هو الأدون. وقرأ حمزة والكسائي {يَمِيزَ } بالتشديد وماضيه ميز، وماضي المخفف ماز، وهما ـ كما قال غير واحد ـ لغتان بمعنى واحد، وليس التضعيف لتعدي الفعل كما في فرح وفرح، لأن ماز وميز يتعديان إلى مفعول واحد، ونظير ذلك عاض وعوض، وعن ابن كثير أنه قرىء {يَمِيزَ } بضم أوله مع التخفيف على أنه من أماز بمعنى ميز، واختلف بم يحصل هذا الميز؟ فقيل: بالمحن والمصائب كما وقع يوم أحد، وقيل: بإعلاء كلمة الدين وكسر شوكة المخالفين، وقيل: بالوحي إلى النبـي صلى الله عليه وسلم ولهذا أردفه سبحانه بقوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } ومن هنا جعل مولانا شيخ الإسلام ما قبل الاستدراك تمهيداً لبيان الميز الموعود به على طريق تجريد الخطاب للمخلصين تشريفاً لهم، والاستدراك إشارة إلى كيفية وقوعه على سبيل الإجمال وأن المعنى ما كان الله ليترك المخلصين على الاختلاط بالمنافقين بل يرتب المبادي حتى يخرج المنافقين من بينهم، وما يفعل ذلك بإطلاعكم على ما في قلوبهم من الكفر والنفاق ولكنه تعالى يوحي إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فيخبره بذلك وبما ظهر منهم من الأقوال والأفعال حسبما حكي عنهم بعضه فيما سلف فيفضحهم على رؤوس الأشهاد ويخلصكم مما تكرهون، وذكر أنه قد جوز أن يكون المعنى لا يترككم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب بأن يكلفكم التكاليف الصعبة التي لا يصبر عليها إلا الخلص الذين امتحن الله تعالى قلوبهم كبذل الأرواح في الجهاد، وإنفاق الأموال في سبيل الله تعالى، فيجعل ذلك عياراً على عقائدكم وشاهداً بضمائركم حتى يعلم بعضكم بما في قلب بعض بطريق الاستدلال لا من جهة الوقوف على ذات الصدور، فإن ذلك مما استأثر الله تعالى به، وتعقبه بأن الاستدراك باجتباء الرسل المنبىء عن مزيد مزيتهم وفضل معرفتهم على الخلق إثر بيان قصور رتبتهم عن الوقوف على خفايا السرائر صريح في أن المراد إظهار تلك السرائر بطريق الوحي لا بطريق التكليف بما يؤدي إلى خروج أسرارهم عن رتبة الخفاء. وأنت تعلم أن دعوى أن الاستدراك صريح فيما ادعاه من المراد مما لا يكاد يثبته الدليل، ولهذا قيل: إن حاصل المعنى ليس لكم رتبة الاطلاع على الغيب وإنما لكم رتبة العلم الاستدلالي الحاصل من نصب العلامات والأدلة، والله تعالى سيمنحكم بذلك فلا تطمعوا في غيره فإن رتبة الاطلاع على الغيب لمن شاء من رسله، وأين أنتم من أولئك المصطفين الأخيار؟ نعم ما ذكره هذا المولى أظهر وأولى، وقد سبقه إليه أبو حيان، والمراد من قوله سبحانه: {لِيُطْلِعَكُمْ } إما ليؤتي أحدكم علم الغيب فيطلع على ما في القلوب أو ليطلع جميعكم أي أنه تعالى لا يطلع جميعكم على ذلك بل يختص به من أراد، وأيد الأول بأن سبب النزول أكثر ملاءمة له. / فقد أخرج ابن جرير عن السدي أن الكفرة قالوا إن كان محمد صادقاً فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر فنزلت. ونقل الواحدي عن السدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عرضت عليَّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بـي ومن يكفر فبلغ ذلك المنافقين فاستهزءوا قالوا: يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله تعالى هذه الآية» وقال الكلبـي: قالت قريش: «تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله تعالى عليه غضبان وأن من تبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله تعالى عنه راض فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأيد الثاني بأن ظاهر السوق يقتضيه قيل: والحق اتباع السوق ويكفي أدنى مناسبة بالقصة في كونها سبباً للنزول على أن في سند هذه الآثار مقالاً حتى قال بعض الحفاظ في بعضها: إني لم أقف عليه، وقد روي عن أبـي العالية ما يخالفها وهو أن المؤمنين سئلوا أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق فنزلت، والاجتباء الاستخلاص كما روي عن أبـي مالك ويؤول إلى الاصطفاء والاختيار وهو المشهور في تفسيره، ويقال جبوت المال وجبيته بالواو والياء فياء يجتبـي هنا إما على أصلها أو منقلبة من واو لانكسار ما قبلها، وعبر به للإيذان بأن الوقوف على الأسرار الغيبية لا يتأتى إلا ممن رشحه الله تعالى لمنصب جليل تقاصرت عنه همم الأمم واصطفاه على الجماهير لارشادهم. و {مِنْ } لابتداء الغاية وتعميم الاجتباء لسائر الرسل عليهم السلام للدلالة على أن شأنه عليه الصلاة والسلام في هذا الباب أمر متين له أصل أصيل جار على سنة الله تعالى المسلوكة فيما بين الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم. وقيل: إنها للتبعيض فإن الاطلاع على المغيبات مختص ببعض الرسل، وفي بعض الأوقات حسبما تقتضيه مشيئته تعالى ولا يخفى أن كون ذلك في بعض الأوقات مسلم، وأما كونه مختصاً ببعض الرسل ففي القلب منه شيء. ولعل الصواب خلافه ولا يشكل على هذا أن الله تعالى قد يطلع على الغيب بعض أهل الكشف ذوي الأنفس القدسية لأن ذلك بطريق الوراثة لا استقلالاً وهم يقولون: إن المختص بالرسل عليهم السلام هو الثاني على أنه إذا كان المراد ما أيده السوق بعد هذا الاستشكال وإظهار الاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة ومثله على ما قيل ما في قوله تعالى: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} والمراد آمنوا بصفة الاخلاص فلا يضر كون الخطاب عاماً للمنافقين وهم مؤمنون ظاهراً. وتعميم الأمر مع أن سوق النظم الكريم للإيمان بالنبـي صلى الله عليه وسلم لإيجاب الإيمان به بالطريق البرهاني والإشعار بأن ذلك مستلزم للإيمان بالكل لأنه صلى الله عليه وسلم مصدق لما بين يديه من الرسل وهم شهداء بصحة نبوته، والمأمور به الإيمان بكل ما جاء به عليه الصلاة والسلام فيدخل فيه تصديقه فيما أخبر به من أحوال المنافقين دخولاً أولياً، وقد يقال: إن المراد من الإيمان بالله تعالى أن يعلموه وحده مطلعاً على الغيب. ومن الإيمان برسله أن يعلموهم عباداً مجتبين لا يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى ولا يقولون إلا ما يوحي إليهم في أمر الشرائع، وكون المراد من الإيمان بالله تعالى الإيمان بأنه سبحانه وتعالى لا يترك المخلصين على الاختلاط حتى يميز الخبيث من الطيب بنصب العلامات وتحصيل العلم الاستدلالي بمعرفة المؤمن والمنافق. ومن الإيمان برسله الإيمان بأنهم المترشحون للاطلاع على الغيب لا غيرهم بعيد كما لا يخفى. {وَإِن تُؤْمِنُواْ } أي بالله تعالى ورسله / حق الإيمان {وَتَتَّقُواْ } المخالفة في الأمر والنهي أو تتقوا النفاق {فَلَكُمْ } بمقابلة ذلك فضلاً من الله تعالى {أَجْرٌ عَظِيمٌ } لا يكتنه ولا يحد في الدنيا والآخرة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي، وهو رجوع إلى بيان ما في مصيبة المسلمين من الهزيمة يوم أُحُد من الحِكم النافعة دُنيا وأخرى، فهو عود إلى الغرض المذكور في قوله تعالى: {أية : وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين}تفسير : [آل عمران: 166] بيّن هنا أنّ الله لم يرد دوام اللبس في حال المؤمنين والمنافقين واختلاطهم، فقدّر ذلك زماناً كانت الحكمة في مثله تقتضي بقاءه وذلك أيّام ضعف المؤمنين عقب هجرتهم وشدّة حاجتهم إلى الاقتناع من الناس بحسن الظاهر حتّى لا يبدأ الانشقاق من أوّل أيّام الهجرة، فلمّا استقرّ الإيمان في النفوس، وقرّ للمؤمنين الخالصين المُقام في أمْن، أراد الله تعالى تنهية الاختلاط وأن يميز الخبيث من الطيّب وكان المنافقون يكتمون نفاقهم لمَّا رأوا أمر المؤمنين في إقبال، ورأوا انتصارهم يوم بدر، فأراد الله أن يفضحهم ويظهر نفاقهم، بأن أصاب المؤمنين بقَرح الهزيمة حتّى أظهر المنافقون فرحهم بنصرة المشركين، وسجّل الله عليهم نفاقهم بادياً للعيان كما قال: شعر : جَزَى الله المصائبَ كلّ خير عرفتُ بها عدوّي من صديقي تفسير : ومَا صَدْقُ {ما أنتم عليه} هو اشتباه المؤمن والمنافق في ظاهر الحال. وحَرْفَا (على) الأوّلُ والثاني، في قوله: {ما أنتم عليه} للاستعلاء المجازي، وهو التمكّن من معنى مجرورها ويتبيّن الوصف المبهم في الصلة بما وردَ بعد (حتَّى) من قوله: {على ما أنتم عليه}، فيعْلم أنّ ما هُم عليه هو عدمُ التمييز بين الخبيث والطيّب. ومعنى {ما كان الله ليذر المؤمنين} نفي هذا عن أن يكون مراداً لله نفياً مؤكَّداً بلام الجُحود، وقد تقدّم نظيره في قوله تعالى: {أية : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب}تفسير : [آل عمران: 79] إلخ... فقوله: {على ما أنتم عليه} أي من اختلاط المؤمن الخالص والمنافق، فالضمير في قوله: {أنتم عليه} مخاطب به المسلمون كلّهم باعتبار من فيهم من المنافقين. والمراد بالمؤمنين المؤمنون الخُلَّص من النفاق، ولذلك عبّر عنهم بالمؤمنين، وغيّر الأسلوب لأجل ذلك، فلم يقل: ليذركم على ما أنتم عليه تنبيهاً على أنّ المراد بضمير الخطاب أكثر من المراد بلفظ المؤمنين، ولذلك لم يقل على ما هم عليه. وقوله: {حتى يميز الخبيث من الطيب} غاية للجحود المستفاد من قوله: {ما كان الله ليذر} المفيد أنّ هذا الوَذْر لا تتعلّق به إرادة الله بعد وقت الإخبار ولا واقعاً منه تعالى إلى أن يحصل تمييز الخبيث من الطيّب، فإذا حصل تمييز الخبيث من الطّيب صار هذا الوذر ممكناً، فقد تتعلّق الإرادة بحصوله وبعدم حصوله، ومعناه رجوع إلى حال الاختيار بعد الإعلام بحالة الاستحالة. ولحتّى استعمال خاصّ بعد نفي الجحود، فمعناها تنهية الاستحالة: ذلك أنّ الجحود أخصّ من النفي لأنّ أصل وضع الصيغة الدلالة على أنّ ما بعد لام الجحود مناف لحقيقة اسم كان المنفية، فيكون حصوله كالمستحيل، فإذا غيّاه المتكلّم بغاية كانت تلك الغاية غاية للاستحالة المستفادة من الجحود، وليست غاية للنفي حتّى يكون مفهومها أنّه بعد حصول الغاية يثبت ما كان منفياً، وهذا كلّه لمح لأصل وضع صيغة الجحود من الدلالة على مبالغة النفي لا لغلبة استعمالها في معنى مطلق النفي، وقد أهمل التنبيه على إشكال الغاية هنا صاحب «الكشاف» ومتابعوه، وتنّبه لها أبو حيّان، فاستشكلها حتّى اضطرّ إلى تأوّل النفي بالإثبات، فجعل التقدير: إنّ الله يخلّص بينكم بالامتحان، حتّى يميز. وأخذ هذا التأويل من كلام ابنِ عطية، ولا حاجة إليه على أنّه يمكن أن يتأوّل تأويلاً أحسن، وهو أن يجعل مفهوم الغاية معطّلاً لوجود قرينة على عدم إرادة المفهوم، ولكن فيما ذكرته وضوح وتوقيف على استعمال عربيّ رشيق. و(مِنْ) في قوله: {من الطيب} معناها الفصْل أي فصل أحد الضدين من الآخر، وهو معنى أثبته ابن مالك وبحث فيه صاحب «مغني اللبيب»، ومنه قوله تعالى: {واللَّه يعلم المفسد من المصلح} وقد تقدّم القول فيه عند قوله تعالى:{أية : واللَّه يعلم المفسد من المصلح}تفسير : في سورة [البقرة: 220]. وقيل: الخطاب بضمير {ما أنتم} للكفار، أي: لا يترك الله المؤمنين جاهلين بأحوالكم من النفاق. وقرأ الجمهور: يَميز ــــــ بفتح ياء المضارعة وكسر الميم وياء تحتية بعدها ساكنة ــــــ من ماز يميز، وقرأه حمزة، والكسائي ويعقوب، وخَلَف ــــــ بضمّ ياء المضارعة وفتح الميم وياء بعدها مشدّدة مكسورة ــــــ من ميَّز مضاعف ماز. وقوله: {وما كان الله ليطلعكم} عطف على قوله: {ما كان الله ليذر} يعني أنّه أراد أن يميز لكم الخبيث فتعرفوا أعداءكم، ولم يكن من شأن الله إطلاعكم على الغيب، فلذلك جعل أسباباً من شأنها أن تستفزّ أعداءكم فيظهروا لكم العداوة فتطلّعوا عليهم، وإنّما قال: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} لأنّه تعالى جعل نظام هذا العالم مؤسّساً على استفادة المسبّبات من أسبابها، والنتائج من مقدّماتها. وقوله: {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} يجوز أنّه استدراك على ما أفاده قوله: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} حتّى لا يجعله المنافقون حجّة على المؤمنين. في نفي الوحي والرسالة، فيكون المعنى: وما كان الله ليطلعكم على الغيب إلاّ ما أطلع عليه رسوله ومن شأن الرسول أن لا يفشي ما أسرّه الله إليه كقوله: {أية : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول}تفسير : [الجن: 26، 27] الآية، فيكون كاستثناء من عموم {ليطلعكم}. ويجوز أنّه استدراك على ما يفيده {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} من انتفاء اطّلاع أحد على علم الله تعالى فيكون كاستثناء من مفاد الغيب أي: إلاّ الغيب الراجع الى إبلاغ الشريعة، وأمّا ما عداه فلم يضمن الله لرسله إطلاعهم عليه بل قد يطلعهم، وقد لا يطلعهم، قال تعالى: {أية : وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم}تفسير : [الأنفال: 60]. وقوله: {فآمنوا بالله ورسله} إن كان خطاباً للمؤمنين فالمقصود منه الإيمان الخاصّ، وهو التصديق بأنّهم لا ينطقون عن الهوى، وبأنّ وعد الله لا يخلف، فعليهم الطاعة في الحرب وغيره أو أريد الدوام على الإيمان، لأنّ الحالة المتحدّث عنها قد يتوقع منها تزلزل إيمان الضعفاء ورواج شبه المنافقين، وموقع {وإن تؤمنوا وتتقوا} ظاهر على الوجهين، وإن كان قوله: {فآمنوا} خطاباً للكفار من المنافقين بناء على أنّ الخطاب في قوله: {على ما أنتم عليه} وقوله: {ليطلعكم على الغيب} للكفّار فالأمر بالإيمان ظاهر، ومناسبة تفريعه عمّا تقدّم انتهاز فرص الدعوة حيثما تأتّت.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ليذر: ليترك. يمييز: يميزّ ويبيّن. الخبيث: من خبثت نفسه بالشرك والمعاصي. الطيب: من طهرت نفسه بالإِيمان والعمل الصالح. الغيب: ما غاب فلم يدرك بالحواس. يجتبي: يختار ويصطفي. يبخلون: يمنعون ويضنون. يطوقون به: يجعل طوقا في عنق أحدهم. معنى الآيتين: ما زال السياق في أحداث وقعة أحد، وما لازمها من ظروف وأحوال فأخبر تعالى في هذه الآية [179] إنه ليس من شأنه تعالى أن يترك المؤمنين على ما هم عليه فيهم المؤمن الصادق في إيمانه، والكاذب فيه وهو المنافق. بل لا بد من الابتلاء بالتكاليف الشاقة منها كالجهاد والهجرة والصلاة والزكاة، وغير الشاقة من سائر العبادات حتى يميز المؤمن الصادق وهو الطيب الروح، من المؤمن الكاذب وهو المنافق الخبيث الروح، قال تعالى: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} وذلك أن الله لم يكن من سنته في خلقه أن يطلعهم على الغيب فيميزُ المؤمن من المنافق، والبار من الفاجر، وإنما يبتلى بالتكاليف ويظهر بها المؤمن من الكافر والصالح من الفاسد. إلا أنه تعالى قد يجتبي من رسله من يشاء فيطلعه على الغيب، ويظهره على مواطن الأمور وبناء على هذا فآمنوا بالله ورسوله حق الإِيمان، فإنكم إن آمنتم صادق الإِيمان واتقيتم معاصي الرحمان كان لكم بذلك أعظم الأجور وهو الجنة دار الحبور والسرور هذا ما دلت عليه الآية [179] أما الآية الثانية [180] فإن الله تعالى يخبر عن خطا البخلاء الذين يملكون المال ويبخلون به فيقول: ولا يحسبنَّ أي ولا يظنن الذين يبخلون بما آتاهم الله من المال الذي تفضل الله به عليهم أن بخلهم به خير لأنفسهم كما يظنون بل هو أي البخل شرٌّ لهم، وذلك لسببين الأولى ما يلحقهم في الدنيا من معرة البخل وآثاره السيئة على النفس، والثاني أن الله تعالى سيعذبهم به بحيث يجعله طوقاً من نار في أعناقهم، أوبصورة ثعبان فيطوقهم، ويقول لصاحبه: "أنا مالك أنا كنزك" كما جاء في الحديث. فعلى من يظن هذا الظن الباطل أن يعدل عنه، ويعلم أن الخير في الإِنفاق لا في البخل. وأن ما يبخل به هو مال الله، وسيرثه، ولم يجن البخلاء إلا المعرة في الدنيا والعذاب في الآخرة. قال تعالى: {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}، فاتقوه فيما آتاكم فآتوا زكاته وتطوعوا بالفضل فإن ذلك خير لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- من حِكم التكليف إظهار المؤمن الصادق من المؤمن الكاذب. 2- استئثار الرب تعالى بعلم الغيب دون خلقه إلا ما يطلع عليه رسله لحكمة اقتضت ذلك. 3- ثمن الجنة الإِيمان والتقوى. 4- البخل بالمال شر لصاحبه، وليس بخير له كما يظن البخلاء. 5- من أوتي مالاً ومنع حق الله فيه عذب به يوم القيامة دلت على ذلك هذه الآية وآية التوبة وحديث البخاري: "حديث : من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه - أي شدقيه - يقول أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا الآية {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ...} الآية ".

القطان

تفسير : يميز ويُمييٍِّز معناهما واحد وقرىء بهما، يجتبي: يختار. يبين الله تعالى هنا ان الشدائد هي محكّ صدق الايمان، ولذلك يقول: ما كان الله ليترككم يا معشر المؤمنين على ما أنتم من اختلاط المؤمن بالمنافق حتى يميز بينكم بالمحنة والتكاليف والشدائد. بذلك يَظهر المنافق الخبيث والمؤمن الطيب الصادق الايمان. ولم يكن من شأنه تعالى أن يُطلع الناس على الغيب، فلو فعل ذلك لأخرج الانسان من طبيعته. لذا جرت سنته بأن يميز الخبيث من الطيب بالامتحان بالشدائد، كما تم يوم أُحد، حيث ابتلى المؤمنين بظهور العدو عليهم، جزاء ما فعلوا من المخالفة. وقد قال تعالى {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ}. ولكن الله يصطفي من رسُله من يشاء، فيطلعه على ما يشاء من الغيب، فيعلم ذلك الرسول المؤمنَ من المنافق. أما أنتم يا أصحاب محمد {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} الذين ذكرهم في كتابه. وإن تؤمنوا بما جاؤا به من أخبار الغيب وتتقوا الله بترك ما نهى عنه، وفعل ما أمر به، فلكم أجر عظيم لا يقدَّر ولا يوصف. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "يُمَيِّز" بضم الياء الأولى وفتح الميم وكسر الياء الثانية وتشديدها والباقون: "يَمِيز" بفتح الياء وكسر الميم.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَآمِنُواْ} (179) - مَا كَانَ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي عِبَادِهِ أنْ يَذَرَ المُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ امْتِحَانٍ وَتَمْحِيصٍ، لِيَظْهَرَ لَهُ المُؤْمِنُ الصَّابِرُ، وَيَنْكَشِفَ المُنْافِقُ الفَاجِرُ، وَيَبِينَ وَليُّ اللهِ، وَيَفْتَضِحَ عَدُوُّهُ، فَامْتَحَنَهُمُ اللهُ يَوْمَ أحُدٍ، فَظَهَرَ المُؤْمِنُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِمْ، وَهَتَكَ أسْتَارَ المُنَافِقِينَ، بِإظْهَارِ مُخَالَفَتِهِمْ، وَنُكُولِهِمْ عَنِ الجِهَادِ، وَخِيَانَتِهِمْ لِلرَّسُولِ، فَعَرَفَهُمُ المُؤْمِنُونَ، وَأخَذُوا يَحْذَرُونَهُمْ. وَأنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ لاَ تَعْلَمُونَ غَيْبَ اللهِ فِي خَلْقِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِ اللهِ تَعَالَى أنْ يُطْلِعَ عَامَّةَ خَلْقِهِ عَلَى غَيْبِهِ. وَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ تَكُونَ هُنَاكَ وَسِيلَةٌ تُمَيِّزُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَالمُؤْمِنَ مِنَ المُنَافِقِ، وَهذِهِ الوَسِيلَةُ تَبْتَدِئُ بِإرْسَالِ الرُّسُلِ، فَيُؤْمِنَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ، وَيَكْفُرَ مَنْ يَكْفُرُ، ثُمَ يَقُومُ الرُّسُلُ بِالجِهادِ فَيَبْتَلِي الرُسُلُ أصْحَابَهُمْ بِهِ، وَفي ذَلِكَ كُلِّهِ يَتمُّ أمْرُ اللهِ وَيَتَمَيَّزُ الخَبيثُ مِنَ الطَّيِّبِ، وَتَطْهَرُ القُلُوبُ وَالنُّفُوسُ. ثُمَّ يَدْعُو اللهُ تَعَالَى النَّاسَ إلى الإِيمَانِ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ - وَمِنْهُمْ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم - وَمَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ فَقَدْ آمَنَ بِالرُّسُلِ السَّابقينَ جَميعاً، لأنَّهُ جَاءَ مُصَدِّقاً الرُّسُلَ السَّابقينَ. مَيَّزْتُ الشَّيءَ بعضَهُ عَنْ بَعْضٍ - فَرزْتُهُ وَأزَلْتُهُ. اجْتَبَى - اصْطَفَى وَاخْتَارَ.

الثعلبي

تفسير : {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ}، اختلفوا في نزولها: فقال الكلبي: قالت قريش: يا محمد تزعم أن من خالفك فهو في النار، والله عليه غضبان وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا من يؤمن بك ومن لا يؤمن بك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال السدي: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عرضت عليَّ أُمّتي في صورها في الطين كما عرضت على آدم (عليه السلام) وأُعلمت من يؤمن بي ومن لا يؤمن" فبلغ ذلك المنافقين واستهزؤا وقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر به ممّن لم يخلق بعد، ونحن معه ولا يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال (القوم) حملوني وطعنوا في حلمي، لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلاّ أنبأتكم". فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال: "حذافة"، فقام عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبك نبيّاً فاعف عنّا عفا الله عنك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "فهل أنتم منتهون، فهل أنتم منتهون؟ " ثم نزل عن المنبر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فقالت أم حذافة له: ويحك ما أردت إلاّ أن تعرضني لرسول الله. فقال: كان الناس قد أذوني فيك فأحببت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كانوا صدقوا رضيت وسكت، وإن كذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كفّوا عني . تفسير : وقال أبو العالية: سأل المؤمنون أن يُعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمنين والمنافقين، فأنزل الله عزّ وجلّ {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} واختلفوا في حكم الآية ونظمها: فقال بعضهم: الخطاب للكفار والمنافقين من الكفر والنفاق {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين. وقال آخرون: الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم، ومعنى الآية: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق، حتى يميز الخبيث من الطيب، وعلى هذا القول هو من خطاب التلوين، رجع من الخبر إلى الخطاب كقوله: {أية : وَجَرَيْنَ بِهِم} تفسير : [يونس: 22]. وكقول الشاعر: شعر : يا لهف نفسي كان جلدة خالد وبياض وجهك للتراب الأعفر تفسير : وهذا قول أكثر أهل المعاني، واللام في قوله: { لِيَذَرَ} لام الجحد، وهي في تأويل كي، ولذلك نصب ما بعدها حتى يميّز. قرأ الحسن وقتادة وأهل الكوفة: بضم الياء والتشديد وكذلك التي في الأنفال، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. الباقون: بفتح الياء مخففاً. يقال: بان الشيء يميّزه ميزاً وميّزه تميّزاً، إذا فرّقه وامتاز وانماز هو بنفسه. قال أبو معاذ يقال: مزت الشيء أميزه ميزاً إذا فرقت بين شيئين، فإذا كانت أشياء قلت: ميّزتها تمييزاً، ومثله إذا جعلت الشيء الواحد شيئين، قلت: فرّقت بينهما، ومنه فرق الشعر، فإن جعلت أشياء قلت: فرقه وفرقها تفريقاً، ومعنى الآية: حتى يميّز المنافق من المخلص فيميّز الله المؤمنين يوم أُحد من المنافقين، حيث أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قتادة: حتى يميّز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد، ونظيرها في سورة الأنفال. ابن كيسان {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} من الإقرار حتى نفرض عليهم الجهاد والفرائض التي فيها تخليصهم، ليميّز بها بين من يثبت على إيمانه ممّن ينقلب على عقبيه. الضحاك: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} في أصلاب الرجال وأرحام النساء، يا معشر المنافقين والمشركين حتى يفرّق بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين. وقال بعضهم: حتى يميّز الخبيث وهو المذنب، من الطيب وهو المؤمن، يعني حتى يحط الأوزار من المؤمن ما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي} يختار {مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} بالغيب فيطلعه على بعض علم الغيب، نظيره قوله تعالى: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} تفسير : [الجن: 26-2]. وقال السدي: وما كان الله ليطلع محمداً صلى الله عليه وسلم على الغيب ولكن الله اجتباه {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. وروى الفضل بن موسى عن رجل قد سمّاه قال: كان عند الحجاج منجم فأخذ الحجاج حصيات لم يعدّهن وقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب فأصاب المنجم، ثم اعتقله الحجاج، فأخذ حصيات لم يعدّهن فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب وحسب ثم أخطأ ثم حسب أيضاً فأخطأ، فقال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها في يدك؟ قال: فما الفرق بينهما؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب فحسبت وأصبت، وإن هذا لم يعرف عددها فصار غيباً ولا يعلم الغيب إلاّ الله. {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ}. من قرأ بالياء جعل هو [ابتداء] وجعل الاسم مضمراً وجعل الخير خيراً بحسبان تقديره: ولا تحسبن الباخلون البخل خيراً لهم، فاكتفا بذكر [يبخلون] من البخل كما تقول في الكلام: قد قدم زيد فسررت به، وأنت تريد سررت بقدومه. قال الشاعر: شعر : إذا نهي السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف تفسير : أي جرى إلى السفه ونظير هذا قوله: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال: 32] هو ابتداء والحق خبر كان، وقوله: {أية : وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ} تفسير : [سبأ: 6]. ومن قرأ بالتاء فعلى التكرير والبدل، كما ذكرنا في آية الاملاء، قال الله تعالى: {بَلْ هُوَ} يعني البخل {شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. قال المبرد: السين في قوله: {سَيُطَوَّقُونَ} سين الوعيد وتأويلها: سوف يطوقون، واختلفوا في معنى الآية: فقال قوم: معناها فجعل ما بخل به وما يمنعه من الزكاة حيّة تطوق في عنقه يوم القيامة تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه، تقول: أنا مالك، فلا يزال كذلك حتى يساق إلى النار ويغل، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وأبي [وائِل] وابن مالك وابن فرعة والشعبي والسدي، ويدل عليه ما روى أبو وائل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلاّ جُعل له شجاع في عنقه يوم القيامة" تفسير : ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداق من كتاب الله تعالى {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. وعن رجل من بني قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه يسأله من فضل الله إيّاه فيبخل به عنه إلاّ أخرج الله له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه"تفسير : ثم تلا {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} الآية. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من عبد يكون له مال فيمنعه من حقه ويضعه في غير حقه إلاّ مثله الله شجاعاً أقرع منتن الريح لا يمر بأحد إلاّ استعاذ منه حتى دنا من صاحبه، فإذا دنا من صاحبه قال له أعوذ بالله منك، قال: لمَ تستعيذ مني وأنا مالك الذي كنت تبخل به في الدنيا فيطوقه في عنقه فلا يزال في عنقه حتى يدخله الله جهنّم " تفسير : وتصديق ذلك في القرآن {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. فقال إبراهيم النخعي: معناه يُجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقاً من نار. مجاهد: يكلفون يوم القيامة أن يأتوا ممّا بخلوا به في الدنيا من أموالهم يوم القيامة. المؤرّخ: يلزمون أعمالهم مثل ما يلزم الطوق بالعنق، يقال: طوق فلان عمله مثل طوق الحمامة. عن يسار بن سعد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مانع الزكاة يوم القيامة في النار ". تفسير : هشام بن عروة عن أبيه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تخالط الصدقة مالا إلاّ أهلكته ". تفسير : عن عكرمة عن جبير بن مهاجر عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما حبس قوم الزكاة إلاّ حبس الله عنهم القطر ". تفسير : وعن الحسن البصري قال: كان أعرابي صاحب ماشية، وكان قليل الصدقة فتصدق بعريض من غنمه، فرأى فيما يرى النائم كأنما وثبت عليه غنمه كلها فجعل العريض يحامي عنه، فلما انتبه قال: والله لئن استطعت لأجعلن أتباعك كثيراً. قال: وكان بعد ذلك يقسم. قال الثعلبي: أنشدنا أبو القاسم الحسين بن محمد قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن عبد الله قال: أنشدنا العلائي قال: أنشدني المهدي بن سابق: شعر : يا مانع المال كم تضمن به أتطمع بالله في الخلود معه هل حمل المال ميت معه أما تراه لغيره جمعه تفسير : ابن سعيد عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وأراد بالبخل كتمان العلم الذي أتاهم الله، يدل عليه قوله تعالى في سورة النساء: {أية : ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [الآية: 37] الآية، ومعنى قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ} أي يحملون وزره وإثمه كقوله تعالى: {أية : يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} تفسير : [الأنعام: 31]، {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يعني أنه الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فيموتون ويرثهم، نظيره قوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} تفسير : [مريم: 40]. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالياء، الباقون: بالتاء. {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ}. قال الحسن ومجاهد: لما نزلت {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة: 245] قال اليهود: إن الله فقير يستقرض منّا ونحن أغنياء، (والقائل فنحاص بن عازوراء) عن ابن عباس. وروى الحسن: أن قائل هذه المقالة حيي بن أخطب. قال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق: حديث : كتب النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً، فدخل أبو بكر(رضي الله عنه) ذات يوم بيت مدراسهم فوجد ناساً كثيراً من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم، ومعه حبرآخر يُقال له: أشيع، فقال أبو بكر (رضي الله عنه) لفنحاص: إتق الله وأسلم إنك لتعلم أن محمداً قد جاءكم بالحق من عند الله {يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157] فأمن وصدّق واقرض الله قرضاً حسناً يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب. قال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربّنا يستقرضنا أموالنا ولا يستقرض إلاّ الفقير من الغني، فإن كان ما تقول حقاً فإن الله إذاً لفقير ونحن أغنياء، ولو كان غنياً ما أعطاناه ربّي، فغضب أبو بكر (رضي الله عنه) وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أنظر ما صنع بيّ صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "ما الذي حملك على ما صنعت؟ " فقال يا رسول الله: إن عدوّ الله قد قال قولا عظيماً، زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء فغضبت لله وضربت وجهه فجحد ذلك فنحاص، فأنزل الله عزّ وجلّ رداً على فنحاص وتصديقاً لأبي بكر (رضي الله عنه) تفسير : {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ}{سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} من الإفك والفرية على الله عزّ وجلّ فنجازيه به. وقال مقاتل وابن عبيد: سيحفظ عليهم، الكلبي: سنوجب عليهم في الآخرة جزاء ما قالوا في الدنيا، الواقدي: سيؤمن الحفظة من الكتاب، نظيره قوله: {أية : وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} تفسير : [الأنبياء: 94] . قرأ حمزة والأعمش والأعرج: بياء مضمومة. {وَقَتْلَهُمُ} برفع اللام {وَيَقُولُ} بالياء، اعتباراً بقراءة عبد الله ويقال {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي النار، والنار اسم جامع للملتهبة منها وغير الملتهبة، والحريق اسم للملتهبة منها، وهو بمعنى المحرق كما يقال: عذاب أليم وضرب وجيع. {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} فيعذب بغير ذنبه {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} الآية. قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن تابوه وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا وأنزل علينا كتاباً، فإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك، فأنزل الله عزّ وجلّ {قَالُوۤاْ} يعني وسمع الله قول الذين قالوا، ومحل (الذين) خفض ردّاً على الذين الأول {إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} أي أمرنا وأوصانا في كتبه على ألسنة رُسله. {أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ} أي لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند الله {حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ} فيكون ذلك دلالةً على صدقه، والقربان كل ما يتقرب به العبد إلى الله عزّ وجلّ من زكاة وصدقة وعمل صالح، وهو فعلان من القربة مثل الرفعان من الرّفع [والغنيان] من الغنى، ويكون اسماً ومصدراً فمثال الاسم: السلطان والبرهان، ومثال المصدر: العدوان والخسران. وكان عيسى بن عمر يقرأ: قُربان فبضم الراء والقاف كما يقال في جمع ظلمة: ظلمات، وفي جمع حجرة: حجرات. قال المفسرون: كانت القرابين والغنائم تحل لبني إسرائيل، فكانوا إذا قرّبوا قرباناً وغنموا غنيمة فإن تقبل منهم ذلك جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف، فتأكل ذلك القربان وتلك الغنيمة وتحرقهما، فيكون ذلك علامة القبول، وإذا لم يقبل بقي على حاله. وقال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطائب اللحم فيضعونها في وسط البيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربّه، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت، فتنزل نار فتأخذ ذلك القربان فيخر النبي ساجداً فيوحي الله عزّ وجلّ إليه بما شاء. قال السدي: إن الله تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة: من جاءكم من أحد يزعم أنه رسول فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان، قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم {قُلْ} يا محمد {قَدْ جَآءَكُمْ} يا معشر اليهود {رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} من القربان {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} يعني زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء، وأراد بذلك أسلافهم، فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل أسلافهم، ومعنى الآية تكذيبهم يا محمد إياك مع علمهم بصدقك، كقتل آبائهم الأنبياء مع الإتيان بالقربان والمعجزات، ثم قال معزياً نبيه صلى الله عليه وسلم {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ} وبالزبر أي الكتب المزبورة يعني المكتوبة أصلها من زبرت أي كتبت، واحدها زبور مثل رسول ورسل، وكل كتاب فهو زبور. قال امرؤ القيس: شعر : لمن طلل أبصرته فشجاني كخط زبور في عسيب يماني تفسير : وقال بعضهم: هو الكتاب الحسن حكاه المفضل وأنشد: شعر : عرفت الديار كخط الدويّ يحبره الكاتب الحميري تفسير : وقرأ ابن عامر: وبالزبر بزيادة باء، وكذلك هو في مصاحفهم. وقال عكرمة ومقاتل والواقدي: يعني بالزبر أحاديث من كان قبلهم، نظيرها في سورة الحج والملائكة. {وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} الواضح المضيء {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}. قرأه العامة: بالإضافة، وقرأ الأعمش: (ذائقة) بالتنوين، (الموت) نصباً، وقال: لأنها لم تذق بعد. وقال أمية بن الصلت: شعر : من لم يمت عبطة يمت هدما للموت كأس والمرء ذائقها تفسير : أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما خلق الله عزّ وجلّ آدم (عليه السلام) اشتكت الأرض إلى ربّها لما أخذ منها، فواعدها أن يرد منها ما أُخذ منها، فما من أحد إلاّ يدفن في الثرى التي خُلق منها ". تفسير : {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ} توفون جزاء أعمالكم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} إن خيراً فخير وإن شراً فشر {فَمَن زُحْزِحَ} نجا وأُزيل {عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} ظفر بما يرجوا ونجا ممّا يخاف {وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} يعني منفعة ومتعة، كالفأس والقدر والقصعة ثم يزول ولا يبقى، قاله أكثر المفسرين. وقال عبد الرحمن بن سابط: كزاد الراعي، الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل له. قتادة: هي متاع متروكة توشك أن تضمحل بأهلها، فخذوا من هذا المتاع بطاعة الله ما استطعتم، والغرور الباطل، ونظيرها في سورة الحديد. عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سرّه أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا اله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، ويأتي الناس ما يحب أن يؤتى إليه ". تفسير : أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها فأقرؤا إن شئتم {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحياةُ الدُّنْيَآ إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} ". تفسير : {لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} الآية. قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريج: حديث : نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق وفنحاص، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) إلى فنحاص بن عازورا سيد بني قينقاع يستمده وكتب إليه كتابه، وقال لأبي بكر: "لا تفتت عليَّ بشيء حتى يرجع"، فجاءه أبو بكر (رضي الله عنه) وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأه قال: قد أحتاج ربّكم إلى أن يمده، فهمَّ أبو بكر أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تفتت بشيء حتى يرجع"تفسير : ، فكفَّ ونزلت هذه الآية. وقال الزهري: حديث : نزلت في كعب بن الأشرف وذلك أنه كان يهجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسب المؤمنين ويحرض المشركين على النبي وأصحابه في شعره وينسب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "من لي بابن الأشرف". فقال محمد بن سلمة الأنصاري: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: "فافعل إن قدرت على ذلك" فرجع محمد بن سلمة فمكث ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب إلاّ ما تعلق نفسه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه فقال: "لم تركت الطعام والشراب؟ " قال: يا رسول الله قد قلت قولا ولا أدري هل أفي به أم لا ؟ قال: "إنما عليك الجهد" فقال: يا رسول الله إنه لابد لنا من أن نقول، قال: "قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك" فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلاحة بن وقش وهو ابو نائلة وكان أخا كعب من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش والحرث بن أوس بن معاذ وأبو عبس بن جبر فمشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجهّهم وقال: "انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم". ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في ليلة مقمرة، فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فقدّموا أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة فتناشدا الشعر وكان أبو نائلة يقول الشعر ثم قال: ويحك يابن الأشرف إني قد جئتك بحاجة أريد ذكرها لك فأكتم عليَّ. قال: أفعل. قال: كان قدوم هذا الرجل بلاء، عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة، وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت الأنفس. فقال كعب: أنا ابن الأشرف أما والله لقد أخبرتك يابن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا. فقال أبو نائلة: إن معي أصحاباً أردنا أن تبيعنا طعامك و نرهنك ونوثق لك ونحسن في ذلك. قال: ترهنوني أبناءكم؟ قال: إنّا نستحي أن يعير أبناؤنا. فقال: هذا رهينة وسق وهذا رهينة وسقين. قال: أترهنونني نساءكم؟ قالوا: أنت أجمل الناس ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك، ولكنّا نرهنك الحلقة يعني السلاح ولقد علمت حاجتنا اليوم إلى السلاح. فقال: نعم ائتوني بسلاحكم، فأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا جاؤا بها، فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته، وأخذت امرأته بناحيتها وقالت: إنك رجل محارب وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة. قال: إن هؤلاء لو وجدوني نائماً ما أيقظوني وإنه أبو نائلة أخي. قالت: فكلمهم من فوق الحصن. فأبى عليها إلاّ أن ينزل إليهم، فتحدث معهم ساعة ثم قالوا: يابن الأشرف هل لك أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه. قال: إن شئتم فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شمّ يده فقال: ما رأيت كالليلة طيب عروس قط. قال: إنه طيب أم فلان، يعني امرأته ثم مشى ساعة ثم عاد بمثلها حتى اطمأن، ثم مشى ساعة فعاد لمثلها، ثم أخذ بفودي رأسه حتى استمكن ثم قال: اضربوا عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئاً. قال محمد بن سلمة: فذكرت معولا في سيفي، فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلاّ أوقدت عليه ناراً. قال: فوضعته في ثندوّته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، ووقع عدو الله وقد أصيب الحرث بن أوس في رأسه بجرح أصابه بعض أسيافنا. قال: فخرجنا وقد أبطأ علينا صاحبنا الحرث ونزفه، الدم فوقفنا ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه، فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه، وتفل على جرح صاحبنا ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت اليهود لوقعتنا بعدو الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه" فوثب محيصة بن مسعود على سنينة رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله، وكان حويصة بن مسعود إذ ذلك لم يسلم، وكان أسنّ من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه وهو يقول: أي عدو الله قتلته، أما والله لربّ شحم في بطنك من ماله. فقال محيصة: والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك قال: فوالله إن كان لأول إسلام حويصة، فقال: لو أمرك محمد بقتلي لقتلنني؟ قال: نعم. قال: والله إن ديناً بلغ بك هذا لعجب فأسلم حويصة، فأنزل الله في شأن كعب بن الأشرف تفسير : {لَتُبْلَوُنَّ} لتخبرن واللام للتأكيد، وفيه معنى القسم، والنون تأكيد القسم. {فِيۤ أَمْوَالِكُمْ} بالحوادث والعاهات والخسران والنقصان. {وَأَنْفُسِكُمْ} بالأمراض، وقيل بمصائب الأقارب والعشائر. قال عطاء: هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم وباعوا رباعهم وعذبوهم. قال الحسن: هو ما فرض عليهم في أموالهم وأنفسهم من الحقوق، كالصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة. {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني اليهود والنصارى {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} يعني مشركي العرب، {أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ} على أذاهم {وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} من حق الأمور وجدّ الأمور وخيرها، قال عطاء: من حقيقة الإيمان.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة نسمع "ما كان" فلنعرف أن هنا "جحوداً" أي أن هناك من يجحد القضية, ويسمونها "لام الجحود". فقبل حادثة أُحُد، كان المنافقون متداخلين مع المؤمنين. أكان الله يترك الأمر مختلطاً هكذا، ولا يُظهر المنافقين بأحداث تبين مواقعهم الحقة من الإيمان؟ لا، إنه سبحانه وتعالى لا يقبل ذلك؛ حتى لا يظل المنافقون دسيسة في صفوف المؤمنين. وكان لابد أن تأتي الأحداث لتكشفهم. وجاءت أحداث أُحُد لتهيج الصف المنسوب إلى الإيمان، وتفرزه ليتميز الخبيث من الطيب، مصداقاً لقوله الحق: {أية : فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الرعد: 17]. إذن كانت أحداث أُحُد ضرورية. وقوله الحق: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 179] مقصود بها أن الله لم يكن ليدع المؤمنين ويتركهم عرضة لاختلاط المنافقين بهم بدون أن يتميز المنافقون بشيء من الأشياء، حتى لا تظل المسألة مقصورة على ما يُعلمه الله لرسوله من أمر المنافقين. فلو أعلم الله رسوله فقط بأمر المنافقين، ولو أعلن الرسول ذلك للمؤمنين دون اختبار واقعي للمنافقين لكان ذلك مجرد تشخيص نظري للنفاق يأتي من جهة واحدة، وأراد الله أن تأتي حادثة واضحة وتجربة معملية واقعية تبين وتظهر الواقع، حتى ينكشف المنافقون، وحتى لا يعترض أحد منهم عندما يوصف بأنه منافق، وحتى لا يكون هذا الوصف مجرد كلام من الخصم، بل بفعل ارتكبوه هم عملياً، وبذلك تكون الحجة قوية للغاية. لقد كان المنافقون أسبق الناس إلى الصفوف الأولى في الصلاة؛ لأن كل منافق منهم أراد أن يَحْبِكَ مسألة نفاقه، ويُواريه، فيحرص على ما يندفع المؤمنون إليه، والمنافق كان يعرف أن المؤمنين يتسابقون إلى الصلاة، فهو يسارع ليكون في الصف الأول من الصلاة. ويخبر الله سبحانه وتعالى رسوله: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ}تفسير : [محمد: 30]. أي لو لاحظت كلامهم لعرفتهم، مثلهم مثل كل المنافقين في الدنيا، تلاحظ في كلامهم لقطة من نفاق؛ فالمؤمن حين يجلس مع جماعة من المنافقين ويأتي وقت صلاة الظهر ويدعو الأذان إلى الصلاة، تجد المؤمن يقول: فلنقم إلى الصلاة, وهنا يسخر المنافق ويقول للمؤمن: لتأخذني على جناحك للجنة يوم القيامة. ومثل هذه الكلمة يكون "لحن القول". أو عندما يدخل مؤمن على جماعة من الناس فيهم منافق، فيستقبل المنافق المؤمن بلهجة من السخرية في التحية، "كيف حالك أيها الشيخ (فلان)"؟ ومعنى ذلك أنه غير مستريح لوجود المؤمن فيسخر منه. وذلك من "لحن القول" الذي يظهر به المنافق. ومثل هذه العمليات عندما يواجهها المؤمن الواعي المستنير الذي يتجلّى الله عليه بالإشراقات النورانية، مثل هذه العمليات تكون وقوداً للمؤمن وتزيد من إيمانه؛ لأن المؤمن على منهج الحق، وقادر على نفسه؟ هذا ما يغيظ المنافق كثيراً؛ فالمنافق يتسائل بينه وبين نفسه: لماذا يقدر المؤمن على نفسه؟ والمنافق لا يقدر على نفسه؛ لذلك يريد أن يسحب المؤمن من عقيدته ليكون معه على النفاق والعياذ بالله. وعلى المؤمن أن يوطن نفسه على أنه سيواجه منافقين يريدون أن يردوه عن الإيمان، وسيجد أناساً يسخرون منه ويتغامزون عليه، مصداقاً لقوله الحق: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ}تفسير : [المطففين: 29-33]. والمنافق أو الكافر قد يقول لأهله: لقد رأيت اليوم شيخاً أو رجل دين أو متديناً فسخرت منه وأهنته ويتندر المنافق بمثل هذا القول في بيئته الفاسدة، ويكشفها الحق لنا بقوله الكريم. ليطمئن المؤمنين، ويعوض كل مؤمن عما يصيبه من أهل النفاق والفساد: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}تفسير : [المطففين: 34-36]. فالحق سبحانه يسأل المؤمنين يوم القيامة: هل قدرنا أن نجازي الكفار والمنافقين الذين سخروا منكم؟ فيقولون: نعم يارب العالمين قد جوزوا وأثيبوا على فعلهم أوفى الجزاء وأتمه وأكمله. إن سخرية المنافقين والكافرين من المؤمنين لها أمد دنيوي ينقضي، ولكن السخرية في الآخرة لا تنقضي أبداً. وعندما نقيسها نحن المؤمنين، نجد أننا الفائزون الرابحون إن شاء الله. فلو ترك أي منافق ليتداخل في أحضان المؤمنين، ولا يظهر ذلك للمؤمنين لكانت المسألة صعبة العلاج، ولهذا يقول الحق للرسول صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ}تفسير : [محمد: 30]. والحق لا يكتفي بذلك، لكنه يكشف لنا واقع المنافقين بتجارب معملية حتى لا يقول واحد منهم: لست منافقاً. وعندما يظهر الله المنافق ويكشفه بحادثة مدوية فعليه، ومخجلة تبين أنه منافق، فيكون قد وُصم بالنفاق، لأن كثيراً من الناس الذين يظلون طوال عمرهم ينافقون اعتماداً على أنهم مسلمون في الظاهر لا يتركهم الله، بل لا بد أن يأتي الله لهم بخاطر من الخواطر ويقعوا في فخ اكتشاف المؤمنين لهم حتى يعرفهم المؤمنون ويقيّموهم على حقيقتهم، فسبحانه وتعالى القائل: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} [آل عمران: 179]. وكلمة "يذر" تعني "يترك" أو "يدع". والدارسون للنحو يعرفون أن هناك فعلين هما "يذر" و"يدع"، أهملت العرب الفعل الماضي لهما، فهذان الفعلان ليس لهما فعل ماضٍ. ونستخدمهما في صيغة المضارع. والحق سبحانه لم يكن ليدع المؤمنين على ما هم عليه من الاختلاط واندساس المنافقين بينهم وعدم معرفة المؤمنين للمنافقين؛ لذلك يميز ويظهر الخبيث من الطيب. فلا يكتفي بإخبار النبي بأمر الخبثاء فقط، ولكنه يكشف الخبثاء بفعل واقعي. فيقول: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} [آل عمران: 179]؛ لأن الله لو أطلعكم على الغيب لتعرفوا المنافقين لأنكروا أنفسهم منكم وستروها عنكم، ولذلك يجري سبحانه الوقائع لتكشف الخبيث من الطيب، وبعد ذلك يوصم المنافق بالنفاق بإقرار نفسه وإقرار فعله. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 179]. إنه جل وعلا يختار من رسله من يشاء ليطلعهم على بعض الغيب حتى يزدادوا ثقة في أن الله لا يتخلّى عنهم، أي يعطي للرسول دلالات على المنافقين، حتى يزداد الرسول ثقة في أن الله لا يتخلّى عنه. والله برحمته لا يكشف الغيب لكل المؤمنين، فلو اطلع المؤمن على الغيب لفسدت أمور كثيرة في الكون. وَهَبْ أن الله أطلع الإنسان على غيب حياته، فعرف الإنسان ألف حادثة سارة ثم حادثة واحدة مكدرة؛ فإن كدر الإنسان بالحادثة الواحدة المكدرة التي تقع بعد عشرين عاماً يفسد على الإنسان تنعمه بالأحداث السارة. وإن كان الإنسان يريد أن يطلع على غيب الناس فهل يقبل أن يطلع على غيبه أحد؟ فلماذا تريد أيها الإنسان أن تعرف غيب غيرك؟ أيرضى أي واحد منا أن يعرف الناس غيبه؟ لا. إذن فستر المعلومات عن الناس وجعلها غيباً هي نعمة كبرى. ومع ذلك فالناس تُلح أن تعرف الغيب. ونرى من يجري على الدجالين والعرافين ومن يدعون كذباً أنهم أولياء لله، وكل ذلك من أجل أن يعرف الواحد بعضاً من الغيب. وهنا نقول: ليست مهارة العارف في أن يقول لك ماذا سيحدث لك في المستقبل، لكنها في أن يقول واحد من هؤلاء المدّعين لمعرفة الغيب: إن حادثاً مكروهاً سيقع لك، وسأمنعه أو أدفعه بعيداً عنك. لا أحد يستطيع دفع قدر الله, ولذلك فلنترك المستقبل إلى أن يقع. لماذا؟ حتى لا يحيا الواحد منا في الهم والحزن قبل أن يقع. إذن فقول الحق: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} [آل عمران: 179] هو سنة من الله لأن نظام الملك ينتظم بها ويحتاج إليها. فكل إنسان له هزات مع نفسه، وقد تأتي له فترة يضعف فيها في شيء من الأشياء، فإذا ما عرف الغير منطقة الضعف في إنسان ما، وعرف هذا الإنسان منطقة الضعف في أخيه، فلسوف يبدو كل الناس في نظر بعضهم بعضاً ضعافاً .. ومن فضل الله أن أخفى غيب الناس عن الناس. وجعل الله إنساناً ما قوياً فيما لا نعلم، وذلك قوياً فيما لا نعلم، وبذلك تسير حركة الحياة بانتظامها الذي أراده الله. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 179] والحق يجتبي من الرسل، أي بعضاً من الرسل - لا كل الرسل - ليطلعهم على الغيب حتى يعطي لهم الأمان بأنهم موصولون بمن أرسلهم، فهو سبحانه لم يرسلهم ليتخلّى عنهم، لا، إنهم موصولون به؛ لذلك يطلعهم على الغيب، وقلنا: إن الغيب أنواع: فمطلق الغيب: هو ما غاب عنك وعن غيرك. ولكنَّ هناك غيباً غائباً عنك وهو معلوم لغيرك، وهذا ليس غيباً. مثال ذلك إن ضاعت من أحدكم حافظة نقوده، وسارقها غيب، ومكانها غيب عن صاحبها، لكن الذي سرقها عارف بمكانها، إذن فهذا غيب على المسروق، ولكنه ليس غيباً على السارق. لأنه ليس غيباً مطلقاً، وهذا ما يضحك به الدجالون على السذج من الناس، فبعض من الدجالين والمشعوذين قد يتصلون بالشيطان أو الجن؛ ويقول للمسروق حكاية ما عن الشيء الذي سُرق منه وهؤلاء المشعوذون لا يعرفون الغيب؛ لأن الغيب المطلق هو الذي لا يعلمه أحد، فقد استأثر به الله لنفسه. ومثال آخر: الأشياء الابتكارية التي يكتشفها البشر في الكون، وكانت سراً ولكن الله كشف لهم تلك الأشياء، وقد يتم اكتشافها على يد كفار أيضاً. فهل قال أحدٌ: إنهم عرفوا غيباً؟ لا؛ لأن لمثل هذا الغيب مقدمات، وهم بحثوا في أسرار الله، ووفقهم سبحانه أن يأخذوا بأسبابه ما داموا قد بذلوا جهداً، والله يعطي الناس - مؤمنهم وكافرهم - أسبابه. وما داموا يأخذون بها فهو يعطيهم المكافأة على ذلك. ولله المثل الأعلى، وسبحانه منزه عن كل تشبيه، أقول لكم هذا المثل للتقريب: المدرس الذي يعطي تمرين هندسة للتلميذ ليقوم بحله، فهل مجيء الحل غيب.؟ لا؛ لأن التلميذ يعرف كيف يحل التمرين الهندسي؛ لأن فيه المعطيات التي يتدبر فيها بأسلوب معين فتعطي النتيجة. وما دام التلميذ يخرج بنتيجة لتمرين ما بعد معطيات أخذها، فذلك ليس غيباً. ولذلك فعلينا أن نفطن إلى أن الغيب هو ما غاب عن الكل، وهذا ما استأثر الله بعلمه وهو الغيب المطلق، وهو سبحانه وتعالى يطلع عليه بعضاً من خلقه من الرسل، وهو سبحانه القائل: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ ..}تفسير : [الجن: 26-27]. وأما الأمر المخفي في الكون، وكان غيباً على بعض من الخلق ثم يصبح مشهداً لخلق آخرين فلا يقال إنه غيب، وعرفنا ذلك أثناء تناولنا بالخواطر لآية الكرسي: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ}تفسير : [البقرة: 255]. إن الحق سبحانه قد نسب هنا الإحاطة للبشر، ولكن بإذن منه، فهو يأذن للسر أن يولد، تماماً كما يوجد للإنسان سلالات ولها أوقات معلومة لميلادها، كذلك أسرار الكون لها ميلاد. وكل سر في الكون له ميلاد، هذا الميلاد ساعة يأتي ميعاده فإنه يظهر، ويحيط به البشر. فإن كان العباد قد بحثوا عن السر وهم في طريق المقدمات ليصلوا إليه ووافق وصولهم ميعاد ميلاده، ليكونوا هم المكتشفين له. وإن لم يحن ميعاد ميلاد هذا السر فلن يتم اكتشافه واذا حان ميلاد السر ولم يوجد عالم معملي يأخذ بالأسباب والمقدمات فالله يخرج هذا السر كمصادفة لواحد من البشر. وحينئذ يقال: إن هذا السر قد ولد مصادفة من غير موعد ولا توقع. وأسرار الله التي جاءت على أساسها الاكتشافات المعاصرة، كثير منها جاء مصادفة. فالعلماء يكونون بصدد شيء، ويعطيهم الله ميلاد سر آخر. إذن فليس كل اكتشاف ابناً لبحث العلماء في مقدمات ما، ولكن العلماء يشتغلون من أجل هدف ما، فيعطيهم الله اكتشاف أسرار أخرى؛ لأن ميلاد تلك الأسرار قد جاء والناس لم يشتغلوا بها. ويتكرم الله على خلقه ويعطيهم هذه الأسرار من غير توقع ولا مقدمات. ويستمر سياق الآية {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179] وهو سبحانه يخاطب المؤمنين. والحق سبحانه وتعالى إذا خاطب قوماً بوصف، ثم طلب منهم هذا الوصف فما معناه؟. ومثال ذلك قول الحق سبحانه: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ ..}تفسير : [النساء: 136]. إنهم مؤمنون، والحق قد ناداهم بهذا الوصف. معنى ذلك أنه يطلب منهم الالتزام بمواصفات الإيمان على مر الأزمان لأن الإيمان هو يقين بموضوعات الإيمان في ظرف زمني، والأزمان متعاقبة لأن الزمن ظرف غير قارٍ. و"غير قارٍ" تعني أن الحاضر يصير ماضياً، والحاضر كان مستقبلاً من قبل. فالماضي كان في البداية مستقبلاً، ثم صار حاضراً، ثم صار ماضياً. والزمن "ظرف"، ولكن ظرف غير قار .. أي غير ثابت. لكن المكان ظرف ثابت قار. فكأن الله يخاطبك: إن الزمن الذي مر قبل أن أخاطبك شُغِل بإيمانك، والزمن الذي يجيء أيضاً اشغله بالإيمان. ّإذن معنى ذلك: يا أيها الذين آمنوا داوموا على إيمانكم. {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179] ولنا أن نتصور عظمة عطاء الحق، فالمنهج الإيماني يعود خيره على من يؤديه، ومع ذلك فالله يعطي أجراً لمن اتبع المنهج. إذن فعندما يضع الحق سبحانه وتعالى منهجاً فإنه قد فعله لصالح البشر وأيضاً يثيبهم عليه، وهو يقول: {أية : فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ}تفسير : [طه: 123-124]. إن المتَّبع للمنهج يأخذ نفعه ساعة تأدية هذا المنهج. ويزيد الله فوق ذلك أنه سبحانه يعطي المتبع للمنهج أجراً، وهذا محض الفضل، وقلنا من قبل: إن العمر الذي يمده الله للكافرين والمنافقين ليس خيراً. إذن فعلى الناس أن يأخذوا المسائل والأزمنة بتبعات وآثار ونتائج ما يحدث فيها. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ} معناهُ يَخْتَارُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ما كان في حكمة الله أن يترك المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط وعدم التميز حتى يميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب. ولم يكن في حكمته أيضا أن يطلع عباده على الغيب الذي يعلمه من عباده، فاقتضت حكمته الباهرة أن يبتلي عباده، ويفتنهم بما به يتميز الخبيث من الطيب، من أنواع الابتلاء والامتحان، فأرسل [الله] رسله، وأمر بطاعتهم، والانقياد لهم، والإيمان بهم، ووعدهم على الإيمان والتقوى الأجر العظيم. فانقسم الناس بحسب اتباعهم للرسل قسمين: مطيعين وعاصين، ومؤمنين ومنافقين، ومسلمين وكافرين، ليرتب على ذلك الثواب والعقاب، وليظهر عدله وفضله، وحكمته لخلقه.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 168 : 32 : 31 - سفين عن عطاء بن السايب عن أبي عبد الرحمن السلمي إنه كان يقرأ {حَتَّىٰ يَمِيزَ}. [الآية 17]. 169 : 33 : 35 - سفين قال، كان أصحاب عبد الله يقرءونها {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ}.

همام الصنعاني

تفسير : 485- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ}: [الآية: 179]، قال: حتى تَمِيز الكافر من المؤمن.