٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
180
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد في الآيات المتقدمة شرع ههنا في التحريض على بذل المال في الجهاد، وبين الوعيد الشديد لمن يبخل ببذل المال في سبيل الله، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة {وَلاَ تَحْسَبَنَّ } بالتاء والباقون بالياء، أما قراءة حمزة بالتاء المنقطة من فوق فقال الزجاج: معناه ولا تحسبن بخل الذين يبخلون خيرا لهم، فحذف المضاف لدلالة يبخلون عليه، وأما من قرأ بالياء المنقطة من تحت ففيه وجهان: الأول: أن يكون فاعل {يَحْسَبَنَّ } ضمير رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ضمير أحد، والتقدير: ولا يحسبن رسول الله أو لا يحسبن أحد بخل الذين يبخلون خيراً لهم. الثاني: أن يكون فاعل {يَحْسَبَنَّ } هم الذين يبخلون، وعلى هذا التقدير يكون المفعول محذوفا، وتقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيراً لهم، وانما جاز حذفه لدلالة يبخلون عليه، كقوله: من كذب كان شراً له، أي الكذب، ومثله:شعر : إذا نهى السفيه جرى إليه تفسير : أي السفه، وأنشد الفراءشعر : هم الملوك وأبناء الملوك هم والآخذون به والسادة الأول تفسير : فقوله به: يريد بالملك ولكنه اكتفى عنه بذكر الملوك. المسألة الثانية: هو في قوله: {هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } تسميه البصريون فصلا، والكوفيون عماداً، وذلك لأنه لما ذكر «يبخلون» فهو بمنزلة ما اذا ذكر البخل، فكأنه قيل: ولا يحسبن الذين يبخلون البخل خيرا لهم، وتحقيق القول فيه أن للمبتدأ حقيقة، وللخبر حقيقة، وكون حقيقة المبتدأ موصوفا بحقيقة الخبر أمر زائد على حقيقة المبتدأ وحقيقة الخبر، فاذا كانت هذه الموصوفية أمرا زائدا على الذاتين فلا بد من صيغة ثالثة دالة على هذه الموصوفية وهي كلمة «هو». المسألة الثالثة: اعلم أن الآية دالة على ذم البخل بشيء من الخيرات والمنافع، وذلك الخير يحتمل أن يكون مالا، وأن يكون علما. فالقول الأول: ان هذا الوعيد ورد على البخل بالمال، والمعنى: لا يتوهمن هؤلاء البخلاء أن بخلهم هو خير لهم، بل هو شر لهم، وذلك لأنه يبقى عقاب بخلهم عليهم، وهو المراد من قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } مع أنه لا تبقى تلك الأموال عليهم وهذا هو المراد بقوله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }. والقول الثاني: أن المراد من هذا البخل: البخل بالعلم، وذلك لأن اليهود كانوا يكتمون نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته، فكان ذلك الكتمان بخلا، يقال فلان يبخل بعلمه، ولا شك أن العلم فضل من الله تعالى قال الله تعالى: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } تفسير : [النساء: 113] ثم إنه تعالى علم اليهود والنصارى ما في التوراة والأنجيل، فاذا كتموا ما في هذين الكتابين من البشارة بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك بخلا. واعلم أن القول الأول أولى، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه تعالى قال: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ } ولو فسرنا الآية بالعلم احتجنا الى تحمل المجاز في تفسير هذه الآية، ولو فسرناها بالمال لم نحتج الى المجاز فكان هذا أولى. الثاني: أنا لو حملنا هذه الآية على المال كان ذلك ترغيبا في بذل المال في الجهاد فحينئذ يحصل لهذه الآية مع ما قبلها نظم حسن، ولو حملناها على أن اليهود كتموا ما عرفوه من التوراة انقطع النظم، إلا على سبيل التكلف، فكان الأول أولى. المسألة الرابعة: أكثر العلماء على أن البخل عبارة عن منع الواجب، وان منع التطوع لا يكون بخلا، واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: ان الآية دالة على الوعيد الشديد في البخل، والوعيد لا يليق إلا الواجب. وثانيها: أنه تعالى ذم البخل وعابه، ومنع التطوع لا يجوز أن يذم فاعله وأن يعاب به. وثالثها: وهو أنه تعالى لا ينفك عن ترك التفضل لأنه لا نهاية لمقدوراته في التفضل، وكل ما يدخل في الوجود فهو متناه، فيكون لا محالة تاركا التفضل، فلو كان ترك التفضل بخلا لزم أن يكون الله تعالى موصوفا بالبخل لا محالة، تعالى الله عز وجل عنه علوا كبيرا. ورابعها: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : وأي داء أدوأ من البخل» تفسير : ومعلوم أن تارك التطوع لا يليق به هذا الوصف. وخامسها: أنه كان لو تارك التفضل بخيلا لوجب فيمن يملك المال كله العظيم أن لا يتخلص من البخل إلا باخراج الكل. وسادسها: أنه تعالى قال: {أية : وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } تفسير : [البقرة: 3] وكلمة «من» للتبعيض، فكان المراد من هذه الآية: الذين ينفقون بعض ما رزقهم الله، ثم إنه تعالى قال في صفتهم: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [البقرة: 5] فوصفهم بالهدى والفلاح، ولو كان تارك التطوع بخيلا مذموما لما صح ذلك. فثبت بهذه الآية أن البخل عبارة عن ترك الواجب، إلا أن الانفاق الواجب أقسام كثيرة، منها انفاقه على نفسه وعلى أقاربه الذين يلزمه مؤنتهم، ومنها ما يتصل بأبواب الزكاة، ومنها ما إذا احتاج المسلمون إلى دفع عدو يقصد قتلهم ومالهم، فههنا يجب عليهم انفاق الأموال على من يدفعه عنهم، لأن ذلك يجري مجرى دفع الضرر عن النفس، ومنها إذا صار أحد من المسلمين مضطراً فإنه يجب عليه أن يدفع اليه مقدار ما يستبقي به رمقه، فكل هذه الاتفاقات من الواجبات وتركه من باب البخل، والله أعلم. ثم قال تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذا الوعيد وجوه: الأول: أن يحمل هذا على ظاهره وهو أنه تعالى يطوقهم بطوق يكون سببا لعذابهم. قيل: انه تعالى يصير تلك الأموال في أعناقهم حياة تكون لهم كالاطواق تلتوي في أعناقهم، ويجوز أيضا أن تلتوي تلك الحيات في سائر أبدانهم، فأما ما يصير من ذلك في أعناقهم فعلى جهة أنهم كانوا التزموا أداء الزكاة ثم امتنعوا عنها، وأما ما يلتوي منها في سائر أبدانهم فعلى جهة أنهم كانوا يضمون تلك الأموال إلى أنفسهم، فعوضوا منها بأن جعلت حيات التوت عليهم كأنهم قد التزموها وضموها إلى أنفسهم. ويمكن أن يكون الطوق طوقا من نار يجعل في أعناقهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ }تفسير : [التوبة: 35] وعن ابن عباس رضي الله عنهما: تجعل تلك الزكاة الممنوعة في عنقهم كهيئة الطوق شجاعا ذا زبيبتين يلدغ بهما خديه ويقول: أنا الزكاة التي بخلت في الدنيا بي. القول الثاني: في تفسير قوله: {سَيُطَوَّقُونَ } قال مجاهد: سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ } تفسير : [البقرة: 184] قال المفسرون: يكلفونه ولا يطيقونه، فكذا قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي يؤمرون بأداء ما منعوا حين لا يمكنهم الاتيان به، فيكون ذلك توبيخا على معنى: هلا فعلتم ذلك حين كان ممكنا. والقول الثالث: أن قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ } أي سيلزمون إثمه في الآخرة، وهذا على طريق التمثيل لا على أن ثم أطواقا، يقال منه: فلان كالطوق في رقبة فلان، والعرب يعبرون عن تأكيد الزام الشيء بتصييره في العنق، ومنه يقال: قلدتك هذا الأمر، وجعلت هذا الأمر في عنقك قال تعالى: {أية : وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ } تفسير : [الإسراء: 13]. القول الرابع: إذا فسرنا هذا البخل بالبخل بالعلم كان معنى {سَيُطَوَّقُونَ } أن الله تعالى يجعل في رقابهم طوقا من نار، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة»تفسير : والمعنى أنهم عوقبوا في أفواههم وألسنتهم بهذا اللجام لأنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق. واعلم أن تفسير هذا البخل بكتمان دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم غير بعيد، وذلك لأن اليهود والنصارى موصوفون بالبخل في القرآن مذمومون به. قال تعالى في صفتهم: {أية : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً } تفسير : [النساء: 53] وقال أيضا فيهم: {أية : ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } تفسير : [النساء: 37] وأيضا ذكر عقيب هذه الآية قوله: {أية : لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } تفسير : [آل عمران: 181] وذلك من أقوال اليهود، ولا يبعد أيضاً أن تكون الآية عامة في البخل بالعلم، وفي البخل بالمال، ويكون الوعيد حاصلا عليهما معا. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على القطع بوعيد الفساق، وذلك لأن من يلزمه هذه الحقوق ولا تسقط عنه هو المصدق بالرسول وبالشريعة، أما قوله: {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ } فلأنه يؤدي إلى حرمان الثواب وحصول النار، وأما قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فهو صريح بالوعيد. واعلم أن الكلام في هذه المسألة تقدم في سورة البقرة. ثم قال تعالى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وفيه وجهان: الأول: وله ما فيها مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره. فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } تفسير : [الحديد: 7] والثاني: وهو قول الأكثرين: المراد أنه يفنى أهل السموات والأرض وتبقى الاملاك ولا مالك لها إلا الله، فجرى هذا مجرى الوراثة إذ كان الخلق يدعون الاملاك، فلما ماتوا عنها ولم يخلفوا أحدا كان هو الوارث لها، والمقصود من الآية أنه يبطل ملك جمع المالكين إلا ملك الله سبحانه وتعالى، فيصير كالميراث. قال ابن الانباري: يقال: ورث فلان علم فلان إذا انفرد به بعد أن كان مشاركا فيه، وقال تعالى: {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُود } تفسير : [النمل: 16] وكان المعنى انفراده بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركا له فيه وغالبا عليه. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو {بِمَا يَعْمَلُونَ } بالياء على المغايبة كناية عن الذين يبخلون، والمعنى والله بما يعملون خبير من منعهم الحقوق فيجازيهم عليه، والباقون قرؤا بالتاء على الخطاب، وذلك لأن ما قبل هذه الآية خطاب وهو قوله: {أية : وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }تفسير : [آل عمران: 179] والله بما تعملون خبير فيجازيكم عليه، والغيبة أقرب اليه من الخطاب قال صاحب الكشاف: الياء على طريقة الالتفات، وهي أبلغ في الوعيد.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولىٰ: قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ} «الذين» في موضع رفع، والمفعول الأوّل محذوف. قال الخليل وسيبويه والفَرّاء: المعنى البخل خيراً لهم، أي لا يحسبَنّ الباخلون البخلَ خيراً لهم. وإنما حذف لدلالة يبخلون على البخل؛ وهو كقوله: من صدق كان خيراً له. أي كان الصدق خيراً له. ومن هذا قول الشاعر:شعر : إذا نُهِيَ السّفِيه جَرَى إليه وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافِ تفسير : فالمعنى: جَرَىٰ إلى السَّفه؛ فالسّفيه دلّ على السَّفه. وأما قراءة حمزة بالتاء فبعيدة جدّاً؛ قاله النحاس. وجوازها أن يكون التقدير: لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم. قال الزجاج: وهي مثل {وَٱسْأَلِ الْقَرْيَةَ}. و «هو» في قوله {هُوَ خَيْراً لَّهُمْ} فاصلة عند البصريين، وهي العماد عند الكوفيين. قال النحاس: ويجوز في العربية «هو خير لهم» ابتداء وخبر. الثانية: قوله تعالىٰ: {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} ابتداء وخبر، أي البخل شرّ لهم. والسين في «سَيُطَوَّقُونَ» سين الوعيد، أي سوف يُطَوَّقُون؛ قاله المبرّد. وهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله، وأداء الزكاة المفروضة. وهذه كقوله: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. ذهب إلى هذا جماعةٌ من المتأوّلين، منهم ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وأبو مالك والسّدِّي والشَّعْبِيّ قالوا: ومعنى {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ} هو الذي ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «من آتاه الله مالاً فلم يُؤَدّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شُجاعاً أقْرَعَ له زَبِيبتان يُطَوّقه يوم القيامة ثم يأخذ بِلهزمتيه ثم يقول أنا مالُك أنا كنزك ـ ثم تلا هذه الآية ـ {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} الآيةتفسير : . أخرجه النسائي. وخرّجه ابن ماجه حديث : عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما مِن أحدٍ لا يُؤدِّي زكاةَ مالِهِ إِلاَّ مُثِّل له يومَ القيامة شُجاع أقْرَعُ حتى يُطَوَّقَ به في عنقه» ثم قرأ علينا النبيّ صلى الله عليه وسلم مِصداقه من كتاب الله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} الآيةتفسير : . وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «حديث : ما من ذي رَحِمٍ يأتي ذَا رَحِمه فيسأله من فضل ما عنده فيبخل به عليه إلاَّ أخرج له يوم القيامة شُجاعٌ من النار يتلمظّ حتى يُطَوِّقه»تفسير : . وقال ابن عباس أيضاً: إنما نزلت في أهل الكتاب وبخلهم ببيان ما علموه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ذلك مُجاهد وجماعة من أهل العلم. ومعنى {سَيُطَوَّقُونَ} على هذا التأويل سيحملون عقاب ما بخلوا به؛ فهو من الطاقة كما قال تعالىٰ: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} تفسير : [البقرة: 184] وليس من التّطويق. وقال إبراهيم النَّخَعِيّ: معنى {سَيُطَوَّقون} سيُجعل لهم يوم القيامة طَوْقٌ من النار. وهذا يجري مع التأويل الأوّل (أي) قول السدي. وقيل: يُلزَمون أعمالهم كما يلزم الطّوق العنق؛ يقال: طُوِّق فلان عملَه طَوْقَ الحمامة، أي ألزِم عمله. وقد قال تعالىٰ: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} تفسير : [الإسراء: 13]. ومن هذا المعنى قولُ عبد الله بن جَحْش لأبي سفيان:شعر : أبلِغْ أبا سفيان عن أمْرٍ عواقبُه ندامه دارَ ٱبن عمِّك بِعتَها تقضي بها عنك الغرامهْ وَحَلِيفـكُم باللَّه ربِّ الناسِ مجتهِـدُ القَسَامـهْ ٱذهب بها ٱذهب بها طُوِّقتَها طوقَ الحمامهْ تفسير : وهذا يجري مع التأويل الثاني. والبُخْل والبَخَل في اللغة أن يَمنع الإنسانُ الحقَّ الواجبَ عليه. فأما من منَع ما لاَ يجب عليه فليس ببخيل؛ لأنه لا يُذَمّ بذلك. وأهل الحجاز يقولون: يَبْخَلُون وقد بَخلُوا. وسائر العرب يقولون: بَخِلُوا يَبْخَلُون؛ حكاه النحاس. وبَخِل يَبْخَل بُخْلاً وَبَخَلاً؛ عن ابن فارس. الثالثة: في ثمرة البخل وفائدته. وهو ما رُوي حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «من سَيدكم» قالوا الجَدّ ابن قيس على بُخْلٍ فيه. فقال صلى الله عليه وسلم: «وأيُّ داء أَدْوَى من البخل» قالوا: كيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن قوماً نزلوا بساحل البحر فكَرِهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا: ليبعد الرجال منّا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف بِبُعْد النساء؛ وتعتذر النساء ببُعْد الرجال؛ ففعلوا وطال ذلك بهم فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء»تفسير : ذكره الماوردي في كتاب «أدب الدنيا والدين». والله أعلم. الرابعة: واختلف في البُخْل والشُّحّ؛ هل هما بمعنى واحد أو بمعنين. فقيل: البخل الامتناع من إخراج ما حصل عندك. والشُّح: الحِرصُ على تحصيل ما ليس عندك. وقيل: إن الشُّح هو مع حِرص. وهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اتقوا الظلم فإن الظلم ظُلماتٌ يوم القيامة وٱتقوا الشُّحَّ فإن الشُّح أهلك من كان قبلكم على أن سفكوا دماءهم وٱستحلوا محارمهم»تفسير : . وهذا يردّ قول من قال: إن البخلَ منعُ الواجب، والشحَّ منعُ المستحبّ. إذ لو كان الشح منع المستحب لما دخل تحت هذا الوعيد العظيم، والذم الشديد الذي فيه هلاك الدنيا والآخرة. ويؤيد هذا المعنى ما رواه النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يجتمع غُبارٌ في سبيل الله ودخان جهنم في مِنِخَرىْ رجلٍ مُسلمٍ أبداً ولا يجتمع شحُّ وإيمانٌ في قلب رجل مسلم أبداً»تفسير : . وهذا يدل على أن الشُّحَ أشدّ في الذم من البخل؛ إلا أنه قد جاء ما يدل على مساواتهما وهو قوله ـ وقد سئل: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: «لا» وذكر المارودي في كتاب «أدب الدنيا والدين» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «من سيدّكم» قالوا: الجدّ بن قيس على بُخْل فيه؛ الحديث. وقد تقدم. قوله تعالى: {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أخبر تعالى ببقائه ودوام مُلكه. وأنه في الأبد كهو في الأزل غنيٌّ عن العالمين، فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم؛ فتبقى الأملاك والأَموال لا مُدَّعى فيها. فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق، وليس هذا بميراث في الحقيقة؛ لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن مَلكَهُ من قبل، والله سبحانه وتعالى مالكُ السمواتِ والأرضِ وما بينهما، وكانت السموات وما فيها، والأرض وما فيها له، وأن الأموال كانت عارية عند أربابها؛ فإذا ماتوا رُدَّت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} تفسير : [مريم: 40] الآية. والمعنى في الآيتين أن الله تعالى أمر عباده بأن يُنفقوا ولا يَبْخَلُوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ } بالياء والتاء {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءَاتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } أي بزكاته {هُوَ } أي بخلهم {خَيْراً لَّهُمْ } مفعول ثان والضمير للفصل والأوّل( بخلهم) مقدّراً قبل الموصول على الفوقانية وقبل الضمير على التحتانية {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ } أي بزكاته من المال {يَوْمُ ٱلْقِيَٰمَةِ } بأن يُجْعَل حية في عنقه تنهشه كما ورد في الحديث {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } يرثهما بعد فناء أهلهما {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } التاءوبالياء {خَبِيرٌ } فيجازيكم به.
ابن عطية
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيآءُ} القراءات في قوله تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون} كالتي تقدمت آنفاً في قوله {ولا يحسبن الذين كفروا} سواء، وقال السدي وجماعة من المتأولين: الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله وأداء الزكاة المفروضة ونحو ذلك، قالوا: ومعنى: {سيطوقون بما بخلوا} هو الذي ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله عن فضل ما عنده فيبخل به عليه إلا خرج له يوم القيامة شجاع أقرع من الناس يتلمظ حتى يطوقه. والأحاديث في مثل هذا من منع الزكاة واكتناز المال كثيرة صحيحة. وقال ابن عباس: الآية إنما نزلت في أهل الكتاب وبخلهم ببيان ما علمهم الله من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ذلك مجاهد وجماعة من أهل التفسير، وقوله تعالى {سيطوقون} على هذا التأويل معناه سيحملون عقاب ما بخلوا به، فهو من الطاقة كما قال تعالى: {أية : وعلى الذين يطيقونه} تفسير : [البقرة: 184] وليس من التطويق، وقال إبراهيم النخعي: {سيطوقون} سيجعل لهم يوم القيامة طوق من نار، وهذا يجري مع التأويل الأول الذي ذكرته للسدي وغيره، وقال مجاهد: سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به يوم القيامة، وهذا يضرب مع قوله: إن البخل هو بالعلم الذي تفضل الله عليهم بأن علمهم إياه وإعراب قوله تعالى: {الذين يبخلون} رفع في قراءة من قرأ "يحسبن" بالياء من أسفل والمفعول الأول مقدر بالصلة تقديره "ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم من فضله بخلهم هو خيراً"، والمفعول الثاني خيراً، وهو فاصلة وهي العماد عند الكوفيين، ودل قوله: {يبخلون} على هذا البخل المقدر كما دل السفيه على السفه في قول الشاعر: [الوافر] شعر : إذا نُهِيَ السَّفيهُ جَرى إليهِ وَخَالَفَ، وَالسَّفيهُ إلى خلافِ تفسير : فالمعنى جرى إلى السفه، وأما من قرأ "تحسبن" بالتاء من فوق ففي الكلام حذف مضاف هو المفعول الأول، تقديره ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيراً لهم، قال الزّجاج، وهي مثل {أية : واسأل القرية} تفسير : [يوسف: 82] وقوله تعالى: {ولله ميراث السماوات} خطاب على ما يفعله البشر دال على فناء الجميع وأنه لا يبقى مالك إلى الله تعالى وإن كان ملكه تعالى على كل شيء لم يزل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "والله بما يعملون" بالياء من أسفل على ذكر الذين يبخلون ويطوقون، وقرأ الباقون بالتاء من فوق، وذلك على الرجوع من الغيبة إلى المخاطبة لأنه قد تقدم {أية : وإن تؤمنوا وتتقوا} تفسير : [آل عمران: 179]. وقوله تعالى: {لقد سمع الله} الآية، قال ابن عباس: نزلت بسبب فنحاص اليهودي وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه إلى بيت المدراس ليدعوهم فوجد فيه جماعة من اليهود قد اجتمعوا على فنحاص - وهو حبرهم- فقال أبو بكر له: يا فنحاص اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة وإنه إلينا لفقير وإنّا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً لما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، في كلام طويل غضب أبو بكر منه، فرفع يده فلطم وجه فنحاص وسبه وهمَّ بقتله، ثم منعه من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تحدث شيئاً حتى تنصرف إليَّ، ثم ذهب فنحاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا فعل أبي بكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟ قال يا رسول الله: إنه قال قولاً عظيماً فلم أملك نفسي أن صنعت ما صنعت، فنزلت الآية في ذلك وقال قتادة: نزلت الآية في حيي بن أخطب، وذلك أنه لما نزلت {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} تفسير : [البقرة: 245] قال: يستقرضنا ربنا؟ إنما يستقرض الفقير الغني، وقال الحسن بن أبي الحسن ومعمر وقتادة أيضاً وغيرهم: لما نزلت {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} تفسير : [البقرة: 245]، قالت اليهود: إنما يستقرض الفقير من الغني، ولا محالة أن هذا قول صدر أولاً عن فنحاص وحيي وأشباههما من الأحبار ثم تقاولها اليهود، وهو قول يغلط به الأتباع ومن لا علم عنده بمقاصد الكلام، وهذا تحريف اليهود التأويل على نحو ما صنعوا في توراتهم وقوله تعالى: {قول الذين كفروا} دال على أنهم جماعة. قوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَآءِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَـا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} قرأ حمزة وحده "سيكتب" بالياء من أسفل على بناء الفعل للمفعول و"قتلُهم" برفع اللام عطفاً على المفعول الذي لم يسم فاعله، و"يقول" بالياء من أسفل، وقرأ الباقون بنون الجمع، فإما أنها نون العظمة، وإما هي للملائكة و {ما} على هذه القراءة مفعولة بها، و"قتلَهم" بنصب اللام عطفاً على {ما} {ونقول} بالنون على نحو {سنكتب} والمعنى في هاتين القراءتين قريب بعضه من بعض، قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله بن مسعود "ويقال ذوقوا" وقال أبو معاذ النحوي في حرف ابن مسعود: "سنكتب ما يقولون ويقال لهم ذوقوا" وقرأ طلحة بن مصرف "سنكتب ما يقولون" وحكى أبو عمرو عنه أيضاً أنه قرأ "ستكتب" بتاء مرفوعة {ما قالوا}، بمعنى: ستكتب مقالتهم، وهذه الآية وعيد لهم، أي سيحصى عليهم قولهم، والكتب فيما قال كثير من العلماء هو في صحف تقيده الملائكة فيها، وتلك الصحف المكتوبة هي التي توزن وفيها يخلق الله الثقل والخفة بحسب العلم المكتوب فيها، وذهب قوم إلى أن الكتب عبارة عن الإحصاء وعدم الإهمال، فعبر عن ذلك بما تفهم العرب منه غاية الضبط والتقييد، فمعنى الآية: أن أقوال هؤلاء تكتب وأعمالهم، ويتصل ذلك بأفعال آبائهم من قتل الأنبياء بغير حق ونحوه، ثم يقال لجميعهم {ذوقوا عذاب الحريق} وخلطت الآية الآباء مع الأبناء في الضمائر، إذ الآباء هم الذين طوقوا لأبنائهم الكفر وإذ الأبناء راضون بأفعال الآباء متبعون لهم، والذوق مع العذاب مستعار، عبارة عن المباشرة، إذ الذوق من أبلغ أنواعها وحاسته مميزة جداً، و {الحريق} معناه: المحرق فعيل بمعنى مفعل وقيل: {الحريق} طبقة من طبقات جهنم. وقوله تعالى: {ذلك بما قدمت أيديكم} توبيخ وتوقيف داخل فيما يقال لهم يوم القيامة، ويحتمل أن يكون خطاباً لمعاصري النبي عليه السلام يوم نزول الآية، ونسب هذا التقديم إلى اليد إذ هي الكاسبة للأعمال في غالب أمر الإنسان، فأضيف كل كسب إليها، ثم بين تعالى: أنه يفعل هذا بعدل منه فيهم ووضع الشيء موضعه، والتقدير: وبأن الله {ليس بظلام للعبيد} وجمع "عبداً" في هذه الآية على عبيد، لأنه مكان تشفيق وتنجية من ظلم. وقوله تعالى: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا} صفة راجعة إلى قوله: {الذين قالوا إن الله فقير} وقال الزجاج: {الذين} صفة للعبيد، وهذ مفسد للمعنى والرصف، وهذه المقالة قالتها أحبار يهود مدافعة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أي إنك لا تأتي بنار فنحن قد عهد إلينا أن لا نؤمن لك، و {عهد} معناه: أمر والعهد: أخص من الأمر، وذلك أنه في كل ما يتطاول أمره ويبقى في غابر الزمان، وتعدى "آمن" في هذه الآية باللام والباء في ضمن ذلك، "وقربان" مصدر سمي به الشيء الذي يقرب كالرهن، وكان أمر القربان حكماً قديماً في الأنبياء، ألا ترى أن ابني آدم قربا قرباناً، وذلك أنهم كانوا إذا أرادوا معرفة قبول الله تعالى لصدقة إنسان أو عمله أو صدق قوله، قرب قرباناً شاة أو بقرة ذبيحة أو بعض ذلك وجعله في مكان للهواء وانتظر به ساعة، فتنزل نار من السماء فتحرق ذلك الشيء، فهذه علامة القبول، وإذا لم تنزل النار فليس ذلك العمل بمقبول، ثم كان هذا الحكم في أنبياء بني إسرائيل، وكانت النار أيضاً تنزل لأموال الغنائم فتحرقها، حتى أحلت الغنائم لمحمد صلى الله عليه وسلم حسب الحديث وروي عن عيسى بن عمر، أنه كان يقرأ "بقرُبان" بضم الراء وذلك للإتباع لضمة القاف وليست بلغة، لأنه ليس في الكلام فعلان بضم الفاء والعين، وقد حكى سبيويه: السلطان بضم اللام، وقال: إن ذلك على الإتباع. قوله تعالى: {قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قُتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} هذا رد عليهم في مقالتهم وتبيين لإبطالهم، أي: {قد جاءكم رسل} بالآيات الباهرة البينة، وفي جملتها ما قلتم من أمر القربان فلم قتلتموهم يا بني إسرائيل المعنى بل هذا منكم تعلل وتعنت، ولو أتيتكم بالقربان لتعللتم بغير ذلك، والاقتراح لا غاية له، ولا يجاب كل مقترح، ولم يجب الله مقترحاً إلا وقد أراد تعذيبه وأن لا يمهله، كقوم صالح وغيرهم، وكذلك قيل لمحمد في اقتراح قريش فأبى، وقال: بل أدعوهم وأعالجهم. ثم آنس تعالى نبيه بالأسوة والقدوة فيمن تقدم من الأنبياء أي: فلا يعظم عليك ذلك، وقرأ ابن عامر: و"بالزبر": بإعادة باء الجر، وسقوطها على قراءة الجمهور متجه، لأن الواو شركت الزبر في الباء الأولى فاستغني عن إعادة الباء، وإعادتها أيضاً متجهة لأجل التأكيد، وكذلك ثبتت في مصاحف أهل الشام، وروي أيضاً عن ابن عامر إعادة الباء في قوله: "وبالكتاب المنير" و {الزبر}: الكتاب المكتوب يقال: زبرت الكتاب إذا كتبته، وزبرته إذا قرأته، والشاهد لأنه الكتاب قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : لِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجَاني كَخَطِّ زَبورٍ في عَسِيبِ يَماني؟ تفسير : وقال الزجّاج: زبرت كتبت، وذبرت بالذال، قرأت، و"المنير": وزنه مفعل من النور أي سطع نوره.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} مانعو الزكاة، أو أهل الكتاب بخلوا ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم. {سَيُطَوَّقُونَ} بطوق من نار، أو شجاعاً أقرع.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم} يعني ولا يحسبن الذين يبخلون البخل خيراً لهم {بل هو} يعني البخل {شر لهم} والبخل هو إمساك المقتنيات عما لا يستحق حبسها عنه والبخيل هو الذي يكثر منه البخل والآية دالة على ذم البخل عن عبدالله بن عمر قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح"تفسير : . أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالفجور ففجروا أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية فقال عبدالله بن مسعود وأبو هريرة وابن عباس في رواية أبي صالح عنه والشعبي ومجاهد نزلت هذه الآية في الذين يبخلون أن يؤدوا زكاة أموالهم ووجه هذا القول أن أكثر العلماء ذهبوا إلى أن البخل عبارة عن منع الواجب وأن من منع التطوع لا يكون بخيلاً ويدل عليه الوعيد الشديد في سياق الآية. وهو قوله تعالى سيطوقون ما بخلوا به وهذا لا يكون إلاّ في ترك الواجب لا في التطوع وقال ابن عباس في رواية عطية عنه وابن جريج عن مجاهد أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وهذا القول هو اختيار الزجاج ووجه هذا القول أن البخل عبارة عن منع الخير والنفع ويدخل فيه العلم كما يقال بخل فلان بعلمه وصحح الطبري القول الأول واختاره وقوله {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} أي سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق فإن حملنا معنى الآية على منع الزكاة والبخل بها فقد قال ابن مسعود وابن عباس يجعل ما منعه من الزكاة حية تطوق في عنقه يوم القيامة تنهشه من فرقه إلى قدمه ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من آتاه الله مالاً فلم يود زكاته مثل له يوم القيام شجاع أقوع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم أخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم" تفسير : الآية أخرجه البخاري قوله زبيبتان قيل هما النكتتان السوداوان فوق عيني الحية وقيل هما نقطتان يكتنفان فاها وقيل هما زبيبتان في شدقيها وقد جاء في الحديث تفسير لهزمتيه بأنهما شدقاه وقيل إنهما مضغتان في أصل الحنك وقيل هما منحنى اللحيين أسفل من الأذنين وكله متقارب. (ق) عن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: "حديث : هم الأخسرون ورب الكعبة قال: فجئت حتى جلست فلم أتقار أن قمت فقلت يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال هم الأكثرون أموالاً إلاّ من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقيل ما هم ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلاّ جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما نفذت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس" تفسير : لفظ مسلم وفرقه البخاري، بمعناه في موضعين. وقيل في معنى الآية إنه يجعل في أعناقهم أطواق من النار وقيل يكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا به من أموالهم في الدنيا وإن حملنا تفسير البخل بالعلم وكتمانه فقد قال ابن عباس في قوله سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة أي يحملون وزره وإثمه فيكون على طريق التمثيل كما يقال قلدتك هذا الأمر وجعلته في عنقك وقيل يجعل في رقابهم طوق من نار ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سئل علماً يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار" تفسير : أخرجه الترمذي وفي رواية أبي داود "حديث : من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" تفسير : قيل في معنى الحديث إنهم لما سألوا عن العلم فكتموه ولم ينطقوا به بألسنتهم ولم يخرجوه من أفواههم عوضوا عن ذلك بلجام من نار في أفواههم عقوبة لهم والله أعلم. قوله تعالى: {ولله ميراث السموات والأرض} يعني أنه سبحانه وتعالى الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فيموتون وتبقى أملاكهم فيرثها سبحانه والمقصود من الآية أنه يبطل ملك جميع المالكين ويبقى الملك لله تعالى وقيل في معنى الآية وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وعلم وغير ذلك ذلك فما لهؤلاء البخلاء يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله {والله بما تعملون خبير} قرئ يعملون الياء على الغيبة على طريقة الالتفات وهي أبلغ في الوعيد والمعنى والله بما يعملون يعني البخلاء من منعهم الحقوق خبير فيجازيهم عليهم وقرئ بالتاء على خطاب الحاضرين
ابن عادل
تفسير : لمَّا حرَّضهم على بذل النفس في الجهاد - فيما تقدم - حرضهم على بذل المال في الجهاد، وبيَّن الوعيد لمن يبخل. قرأ حمزة بالخطاب في "تَحْسَبَنَّ" والباقون بالغيبة فأما قراءة حمزة فـ "الّذِينَ" مفعول أول، و "خَيْراً" هو المفعول الثّاني، ولا بد من حَذْف مضَاف؛ ليصدقَ الخبرُ على المبتدأ، وتقديره: ولا تحسبن بُخْل الّذين يبخلون. قال أبو البقاء: "وهو ضَعِيفٌ؛ لأن فيه إضمار البخلِ قبل ذِكْر ما يدل عليه". وفيه نظر؛ لأن دلالة المحذوفِ قد تكون متقدمةً، وقد تكون متأخرة، وليس هذا من بابِ الإضمارِ في شيءٍ، حتَّى يشترطَ فيه تقدُّم ما يدل على ذلك الضمير. و "هو" فيه وجهانِ: الأول: أنه فَصل بين مفعولي "يَحْسَبَنَّ". والثاني - قاله أبو البقاء -: أنه توكيدٌ، وهو خطأٌ؛ لأنَّ المضمَرَ لا يؤكِّد المظهر. والمفعولُ الأولُ اسم مظهرٌ، ولكنه حُذِف - كما تقدم - وبعضُهم يُعَبِّر عنه، فيقول: أُضْمِر المفعولُ الأولُ - يعني حذف فلا يعبر عنه بهذه العبارة. و "هو" - في هذه المسألة - تتعينُ فصيلتُه لأنه لا يخلو إمّا أن يكونَ مبتدأً، أو بدلاً، أو توكيداً، والأول مُنْتَفٍ؛ لنَصْب ما بعده - وهو خير - وكذلك الثاني؛ لأنه كان يلزمُ أن يوافقَ ما قبله في الإعراب، فكان ينبغي أن يقال: إياه، لا "هُوَ" وكذلك الثالثُ - كما تقدم. أما قراءة الجماعة، فيجوز أن يكونَ الفعلُ مُسْنَداً إلى ضميرِ غائبٍ - إما الرسولُ، أو حاسب ما - ويجوز أن يكونَ مسنداً إلى الذين فإن كان مسنداً إلى ضمير غائب، فـ "الذِينَ" مفعول أولٌ، على حذف مضافٍ، ما تقدّم في قراءة حمزة، أي: بُخْل الذين، والتقدير: ولا يحسبنَّ الرسولُ - أو أحد - بُخْلَ الذين يبخلون خيراً لأنفسهم. و "هُوَ" فَصْل - كما تقدم - فتتحد القراءتان معنى وتخريجاً. وإن كان مسنداً إلى "الذِينَ" ففي المفعول الأول وجهان: أحدهما: أنه محذوف؛ لدلالة "يَبْخَلُونَ" عليه، كأنه قيل: ولا يحسبن الباخلون بُخْلَهم هو خيراً لهم و "هو" فَصْل. قال ابن عطية: ودل على هذا البخل "يَبْخَلُونَ" كما دَلَّ "السَّفيه" على السَّفهِ في قول الشاعر: شعر : 1701- إذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إلَيْهِ وَخَالَفَ وَالسَّفِيهُ إلى خِلاَفِ تفسير : أي: جرى إلى السفه. قال أبو حيّان: وليست الدلالةُ فيهما سواء، لوجهين: أحدهما: أن الدالَّ في الآية هو الفعلُ، وفي البيتِ هُوَ اسم الفاعِل، ودلالةُ الفعلِ على المصدرِ أقوى من دلالة اسم الفاعل، ولذلك كَثر إضمار المصدرِ؛ لدلالة الفعل عليه - في القرآن وكلام العربِ - ولم يؤثر دلالةُ اسم الفاعل على المصدر، إنما جاء في هذا البيتِ، أو في غيره أن وُجد أن في الآية حَذفاً لظاهرٍ؛ إذ قدَّروا المحذوف "بخلهم" وأما فهو إضمارٌ لا حذفٌ. الوجه الثاني: أن المفعول نفس "هُوَ" وهو ضمير البخل الذي دَلّ عليه "يَبْخَلُونَ" - كقوله: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة: 8] - قاله أبو البقاء. وهو غلطٌ أيضاً، لأنه كان ينبغي أن يأتي به بصيغة المنصوب، فيقول: "إياه" لكونه منصوباً بـ "يَحْسَبَن" ولا ضرورة بنا إلى أن نَدَّعِيَ أنه من باب استعارة ضمير الرفع مكان النصب كقولهم: ما أنا كأنت، ولا أنتَ كأنا. وفي الآية وجهٌ غريبٌ، خرَّجه أبو حيَّان، قال: وهو أن تكون المسألة من باب الإعمال، إذا جعلنا الفعل مسنداً لـِ "الذِينَ" وذلك أن "يَحْسَبَنَّ" يطلب مفعولين، و "يَبْخَلُونَ" يطلب مفعولاً بحرف جَر فقوله "ما أتاهم" يَطْلبه "يَحْسَبَنَّ" على أن يكون المفعول الأول، ويكون "هُوَ" فَصْلاً، و "خَيْراً" المفعول الثاني، ويطلبه "يَبْخَلونَ" بتوسُّط حرف الجَر، فأعمل الثانيَ - على الأفصح في لسان العرب، وعلى ما جاء في القرآن - وهو "يَبْخَلُونَ" فعدي بحرف الجر، وأخذ معموله، وحذف معمول "يَحْسَبَنَّ" الأول، وبقي معموله الثاني؛ لأنه لم يتنازع فيه، إنما جاء التنازع بالنسبة إلى المفعول الأولِ، وساغ حذفه - وحده - كما ساغ حذف المفعولين في مسألة سيبويه: متى رأيت أو قلت: زيد منطلقٌ؟ لأن رأيت وقلت - في هذه المسألة - تنازعا في زيدٌ منطلقٌ، وفي الآية لم يتنازعا إلاَ في الأولِ، وتقدير المعنى: ولا يحسبن ما آتاهم اللَّهُ من فَضْلِه هو خيراً لهم الناس الذين يبخلون به، فَعَلَى هذا التقدير يكون "هُوَ" فصلاً لـ "ما آتاهم" المحذوف، لا لبخلهم المقدَّر في قول الجماعة. ونظير هذا التركيبِ: ظَنَّ الذي مَرَّ بهند هي المنطلقة، المعنى: ظن هند الشخص الذي مر بها هي المنطلقة، فالذي تنازعه الفعلان هو المفعول الأولُ، فأعمل الفعل الثانيَ فيه، وبقي الأول يطلب محذوفاً، ويطلب الثاني مثبتاً، إذ لم يقعْ فيه التنازعُ. ومع غرابة هذا التخريج، وتطويله بالتنظير والتقدير، فيه نظر؛ وذلك أن النحويين نصوا على أنه إذا أعملنا الفعل الثانيَ، واحتاج الأول إلى ضمير المتنازع فيه، فإنْ كان يطلبه مرفوعاً أضمر فيه، وإن كان يطلبه غيرَ مرفوع حُذِف، إلا أن يكون أحد مفعولي "ظن" فلا يحذف، بل يُضْمَر ويُؤخر وعللوا ذلك بأنه لو حذف لبقي خبر دون مخبر عنه - أو بالعكس - وهذا مذهبُ البصريين، وفيه بحثٌ، لأن لقائلٍ أن يقول: حُذِف اختصاراً، لا اقتصاراً، وأنتم تجيزون حذف أحدهما اختصاراً في غير التنازع، فليَجُزْ في التنازع؛ إذْ لا فارق، وحينئذ يَقْوَى تَخْرِيجُ الشَّيْخِ بهذا البحثِ، أو يلتزم القول بمذهب الكوفيين، فإنهم يُجِيزون الحَذْف فيما نحن فيه. وذكر مكيٌّ ترجيحَ كُلٍّ من القراءتين، فقال: "فأما القراءة بالتاء - وهي قراءة حمزة - فإنه جعل المخاطب هو الفاعل، وهو النبي صلى الله عليه وسلم و "الذِينَ" مفعول أول - على تقدير حَذْف مضاف، وإقامة المضاف إليه - الذين - مُقامه - و "هو" فصل، و "خَيْراً" مفعول ثانٍ، تقديره: ولا تحسبن يا محمد بُخْل الذين يَبْخَلُون خَيْراً لهم، ولا بد من هذا الإضمار، ليكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى، وفيها نظرٌ؛ لجواز ما في الصلة تفسير ما قبل الصلة، على أن في هذه مزية على القراءة بالياء؛ لأنك إذا حذفْتَ المفعول أبقيتَ المضافَ إليه يقوم مقامه، ولو حذفت المفعولَ في قراءة الياء لم يَبْقَ ما يقوم مقامه. وفي القراءة بالياء - أيضاً - مزية على القراءة بالتاء، وذلك أنك حذفت البُخْلَ بعد تقدُّم "يَبْخَلُونَ" وفي القراءة بالتاء حذفتَ البُخْلَ قبل إتيان "يَبْخَلُونَ" وجعلْتَ ما في صلة "الذِينَ" تفسيرَ من قبل الصلة، فالقراءتان متوازيتان في القوة والضَّعف". والميراثُ: مصدر كالميعاد، وياؤه منقلبة عن واو، لانكسار ما قبلها - وهي ساكنةٌ - لأنها من الوراثة كالميقات والميزان - من الوقت والوزن - وقرأ أبو عمرو وابن كثير "يَعْمَلُونَ" بالغيبةِ، جَرْياً على قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} - والباقون بالخطابِ، وفيها وجهانِ: أحدهما: أنه التفات، فالمراد: الذين يبخلون. الثاني: أنه رَدٌّ على قوله: {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ}. فصل الآية دالَّة على ذَمِّ البُخْل بشيء من الخيراتِ سواء كان مالاً أو علماً. فإن كان على البُخْلِ بالمال فالمعنى: لا يحسبن البخلاءُ أن بُخْلَهم هو خير لهم، بل هو شرٌّ لهم، لأن المالَ يزول، ويبقى عقابُ بُخْلِهم عليهم، كما قال: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} وهذا هو المراد من قوله: {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال ابنُ مسعودٍ وابن عباسٍ، وأبو وائل والشعبيُّ والسُّدَّي: يُجْعَل ما منعه من الزكاة حَيَّةً يُطَوَّقُ بها في عنقه يوم القيامة تنهشه من رأسه إلى قَدَمِهِ. وإن كان المرادُ البُخْلَ بالعلم؛ فلأنّ اليهود كانوا يكتمون نعت محمد صلى الله عليه وسلم فكان ذلك الكتمانُ بُخْلاً، ولا شك أن العلم فَضْل من الله. والقول الأول أوْلَى؛ لقوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} وإذا فسَّرنا الآية بالعِلْم احتجنا إلى تحمُّل المجاز، وإذا فسَّرْناها بالمال لم نَحْتَجْ إلى المجازِ. وأيضاً فالحَمْل على البُخْل بالمال تكون الآية ترغيباً في بَذْل المالِ في الجهادِ، فيحْسُن نظم الآية مع ما قبلها، وبحَمْلها على البُخْل بالعلم ينقطع النَّظْمُ إلا بتكلُّفٍ بعيدٍ. فصل في اختلافهم في البخل في الآيات اختلفوا في هذا البخلِ، فقال أكثرُ العلماءِ: المراد به مَنْع الواجب، واستدلُّوا بوجوهٍ: أحدها: أن الآية دالةٌ على الوعيدِ الشديدِ في البُخْل، وذلك الوعيدُ لا يليق إلا بالواجبِ. ثانيها: أن اللَّهَ - تعالى - ذَمَّ البُخْل وعابه، ومَنْعُ التطوُّعِ لا يجوز أن يُذَمَّ فاعِلُه وأن يُعَابَ به. ثالثها: أنه لو كان تارك التفضُّل بخيلاً لوجب على مَنْ ملك المالَ العظيمَ أن يُخْرج الكلَّ، وإلا لم يتخلَّص من الذم. رابعها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : وَأيُّ دَاءٍ أدْوَأُ مِنَ البُخْلِ" تفسير : ومعلوم أن تارك التطوُّع لا يليق به هذا الوصف. خامسها: أنه - تعالى - لا ينفك عن ترك التفضُّل؛ لأنه لا نهايةَ لمقدوراته في التفضُّل، وكل ما يدخل في الوجود، فهو متناهٍ، فيكون لا محالة - تاركاً للتفضُّل فلو كان ترك التفضُّل بُخْلاً لزم أنْ يكونَ اللَّهُ موصوفاً بالبُخْل، تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيراً. فصل اعلم أنَّ إنفاقَ الواجبِ أقسامٌ: منها: إنفاقه على نفسه، وعلى أقاربه الذين تلزمه نفقتهم. ومنها: الزكوات، ومنها: ما إذا احتاج المسلمونَ إلى دَفْع عَدُوٍّ يقصد قَتْلَهُم ومالهم، فيجب عليهم إنفاق المالِ على مَنْ يدفع عنهم. ومنها: دَفْع ما يسد رَمَقَ المضطر، فهذه الاتفاقات واجبة. قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} اختلفوا في هذا الوعيد، فقال ابنُ مسعودٍ وابنُ عباس: إنَّ هذه الأموالَ تصير حيّاتٍ يطوقون بها - كما تقدم - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَلَمْ يُؤدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أقْرَعَ، لَهُ زَبيبتانِ، يُطَوِّقهُ يَوْم القِيَامَةِ ثُمَّ يأخُذُ بِلهزمتيهِ - يعني: شِدقيهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أنَا مَالُكَ، أنَا كَنزُكَ" تفسير : ثم تلا قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ}. وقال مجاهدٌ: معنى "سَيُطَوَّقُونَ" سَيُكَلَّفون أن يأتوا بما بَخِلوا به يومَ القيامةِ، أي: يُؤمرون بأداء ما منعوا، فلا يمكنهم الإتيان به، فيكون توبيخاً. وقيل: سيلزَمون إثمه في الآخرة، وهذا على طريق التمثيلِ، يقال: فلانٌ كالطَّوق في رقبة فلان، كما يقال: قلدتك هذا الأمر، وجعلت هذا الأمر في عنقك، قال تعالى: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} تفسير : [الإسراء: 13]. وإن حملنا البخل على البُخْل بالعلم كان معناه: أنَّ اللَّهَ تعالى يجعل في أعناقهم طوقاً من نار، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْم يَعْلَمُهُ، فَكَتَمَهُ، ألْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلجامٍ مِنْ نَارٍ ". تفسير : قوله: {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فيه وجهانِ: أحدهما: أن له ما فيهما مما يتوارثه أهلُهما من مالٍ وغيره، فما لهم يبخلون عليه بملكه، كقوله: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} تفسير : [الحديد: 7]. ثانيهما: - وهو قول الأكثرين -: أنه يُفنى أهلَ السموات والأرض، ويُبْقى الأملاك، ولا مالك لها إلا الله، فجرَى هذا مَجْرَى الوراثة. قَالَ ابنُ الأنباريّ: يقال: وَرِثَ فلانٌ عِلْمَ فُلان، إذا انفرد به بعد أن كانَ مشاركاً فيه، وقال تعالى: {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} تفسير : [النمل: 16] لأنه انفردَ بذلك الأمر بعد أن كان داودُ مشاركاً له فيه. قال القرطبيُّ: أخبر - تعالى - ببقائه ودوام مُلْكِه، وأنه في الأبد كهو في الأزلِ، غنيّ عن العالمين، فيرث الأرضَ بعد فناءِ خَلْقِه، وزوال أملاكِهِم، فتبقى الأملاكُُ والأموالُ لا مدعى فيها، فجرى هذا مجرى الوراثةِ في عادة الخلقِ، وليس بميراث في الحقيقة؛ لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئاً لم يكن ملكَهُ من قبل، والله - سبحانه وتعالى - مالك السمواتِ والأرضِ وما بينهما، وكانت السَّمواتُ وما فيها له، وأن الأموالَ كانت عارية عند أربابها، فإذا ماتُوا رُدّت العاريةُ إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل ثم قال: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} يعني بذلك أهل الكتاب أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس {سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة} ألم تسمع أنه قال {أية : يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} تفسير : [النساء: 37] يعني أهل الكتاب يقول: يكتمون ويأمرون الناس بالكتمان. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} قال: هم يهود. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} قال: بخلوا أن ينفقوها في سبيل الله ولم يُؤدوا زكاتها. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: هم كافر ومؤمن بخل أن ينفق في سبيل الله. وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له شجاع أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - فيقول: أنا مالك. أنا كنزك. ثم تلا هذه الآية {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله...} الآية ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة والنسائي وابن جرير وابن خزيمة وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه فيقول: أنا كنزك حتى يطوّق في عنقه. ثم قرأ علينا النبي صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله...} الآية . تفسير : وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله {سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة} قال: من كان له مال لم يؤد زكاته طوقه الله يوم القيامة شجاعاً أقرع بفيه زبيبتان ينقر رأسه حتى يخلص إلى دماغه. ولفظ الحاكم: ينهسه في قبره فيقول: ما لي ولك؟! فيقول: أنا مالك الذي بخلت بي. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: يكون المال على صاحبه يوم القيامة شجاعاً أقرع إذا لم يعط الله منه، فيتبعه وهو يلوذ منه. وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده وابن جرير عن حجر بن بيان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله إياه فيبخل عليه إلا خرج له يوم القيامة من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه. ثم قرأ {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله...} الآية ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير والبيهقي في الشعب عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يأتي الرجل مولاه فيسأله من فضل مال عنده، فيمنعه إياه إلا دعى له يوم القيامة شجاع يتلمظ فضله الذي منع ". تفسير : وأخرج الطبراني عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله فضلاً أعطاه الله إياه فيبخل عليه إلا أخرج الله له حية من جهنم يقال لها شجاع يتلمظ فيطوّق به ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يؤتى بصاحب المال الذي أطاع الله فيه وماله بين يديه كلما تكفأ به الصراط قال له ماله: أمض فقد أديت حق الله فيّ. ثم يُجاء بصاحب المال الذي لم يطع الله فيه وماله بين كتفيه كلما تكفأ به الصراط قال له ماله: ويلك ألا أديت حق الله فيّ؟! فما يزال كذلك حتى يدعو بالويل والثبور ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مسروق في الآية قال: هو الرجل يرزقه الله المال فيمنع قرابته الحق الذي جعله الله لهم في ماله، فيجعل حية فيطوقها فيقول للحية: مالي ولك؟! فتقول: أنا مالك. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله {سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة} قال: طوقاً من نار. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {سيطوّقون ما بخلوا به} قال: سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة.
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ} بـيانٌ لحال البخلِ ووخامةِ عاقبتِه وتخطئةٌ لأهله في توهم خِيرتِه حسَبَ بـيانِ حالِ الإملاءِ، وإيرادُ ما بخِلوا به، بعنوان إيتاءِ الله تعالى إياه من فضله، للمبالغة في بـيان سوءِ صنيعِهم فإن ذلك من موجبات بَذلِه في سبـيله كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} تفسير : [الحديد، الآية 7] والفعلُ مسندٌ إلى الموصول، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ لدِلالة الصلةِ عليه، وضميرُ الفصل راجعٌ إليه أي لا يحسَبن الباخلون بما آتاهم الله من فضله من غير أن يكون لهم مَدخلٌ فيه أو استحقاقٌ له هو خيراً لهم من إنفاقه، وقيل: الفعلُ مسندٌ إلى ضمير النبـي صلى الله عليه وسلم أو إلى ضمير من يحسَبُ، والمفعولُ الأولُ هو الموصولُ بتقدير مضافٍ، والثاني ما ذُكر كما هو كذلك على قراءة الخِطاب أي ولا تحسبن بخلَ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} التنصيصُ على شرِّيته لهم مع إدراكها من نفي خيريّتِه للمبالغة في ذلك، والتنوينُ للتفخيم، وقوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} بـيانٌ لكيفية شرِّيته أي سيلزَمون وبالَ ما بخِلوا به من الزكاة حيةً في عنقه تنهشُه من قَرنه إلى قدمه وتنقُر رأسَه وتقول: أنا مالُك. {وَللَّهِ} وحده لا لأحد غيرِه استقلالاً أو اشتراكاً {مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي ما يتوارثه أهلُهما من مال وغيرِه من الرسالات التي يتوارثها أهلُ السمواتِ والأرض فما لهم يبخلون عليه بمُلكه ولا يُنفقونه في سبـيله؟ أو أنه يرث منهم ما يُمسِكونه ولا ينفقونه في سبـيله تعالى عند هلاكِهم وتدوم عليهم الحسرةُ والندامة {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من المنع والبخلِ {خَبِيرٌ} فيجازيكم على ذلك. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لتربـية المهابةِ، والالتفاتُ للمبالغة في الوعيد، والإشعارِ باشتداد غضبِ الرحمٰنِ الناشىءِ من ذكر قبائحِهم، وقرىء بالياء على الظاهر.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [الآية: 180]. قال ابن عطاء: السلوك فى طريق الحضِّ على السخاء واجتناب البخل، وهو بذل المال والنفس والسرّ والروح والكل، فمن بخل بشىء فى طريق الحق حجب به وبقى معه، ومن نظر فى طريق الحق إلى الغير حُرم فوائد الحق وسواطع أنوار القرب كما رُوى عن النبى صلى الله عليه وسلم " حديث : ما جبُلَ ولىُّ الله إلا على السخاء ".
القشيري
تفسير : مَن آثرَ شيئاً على الله لم يبارِك له فيه؛ فلا يدوم له - في الدنيا - بذلك استمتاع، ولا للعقوبة عليه - في الآخرة - عنه دفاع. والبخل - على لسان العلماء - منع الواجب، وعلى مقتضى الإشارة إبقاءُ شيءٍ ولو ذرةً من المال أو نَفَساً من الأحوال.
البقلي
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} ان الله تعالى نجر الا ستارين ههنا بكتمان المكاشفات وحقائق الواردات ووقائع المغيبات عن الطالبين لان الصل السخا تخليص المتحيرين عن درك الامتحان ورشاد هم الى طريق العرفان واى سخاء اعظم من اظهار ماوهب الله على المريدين لاستزاد محتبهم وجه الله سبحانه واستكبار رشوقهم الى جماله وتحبيبهم اعمالهم وعبودتيه وتصديق ذلك قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} تفسير : ومن كان تطيق ما ذكرنا من اراداة الخير على طلاب الله كيف لا يطيق بذل نفسه وماله وروحه فى طريق الحق فداء الاولياء الله لانهم معدن السخاء والسخاء منهم يتشعب والسخاء بالمال وصف بالمال وصف المريدين وبالنفس وصف المحبين والروح وصف العارفين والبخل بجميع الاشياء اعمى النفس الامارة عن رؤية من بحار القدم والسخاء انفتاح عين القلب على ذخائر القدرة وكنوز الالوهية المملوة من الالاء والنعماء ومباشرة تجلى الوهابية الازلية السرمدية قلوب الصديقين العاشقين وتلك الجلة وحبلة الاولياء ليس للاعداء فيها نصيب كما روى النبى صلى الله عليه وسلم ما جبل ولى الله الا على السخاءوالذى نبانا الله من اخبار اليهود ودليل على ما ذكرنا انهم سرقوا نعت النبى صلى الله عليه وسلم الذى وصف اللهبه نبيه فى التورتة والانجيل وهذا الكتمان اصل النجل فمن كان فى الدنيا محجوبا بالمال عن مقام السخاء والتخلق بوصف الله سبحانه من الغنى والعطاء بقى فيه ذلك حجاب الى الابد ويكون متفضحا فى الدنيا والاخرة مشهورا بعلامة الليم وسمة البعد وذلك قوله تعالى {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} وبخ المفلسين حيث وصف نفسه ببقائه مع ملكه القديم بعد فناء خلقه وانقطاعهم عن ما مولهم بقوله {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ} اى انا صاحب المواهب السنية اجازى بها المنفقين وجودهم فى طريقى واعطيهم مالم يوت احد من العالمين قال ابن عطا السلوم فى طريق الحق على السخاء واجتناب البخل وهو بذل النفس والمال والسر والروح والكل من بخل بشئ فى طريق الحق حجب به وبقى معه ومن نظر فى طريق الحق الى الغير حلم فوائد الحق وسواطع انوار القرب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} الموصول فاعل لا يحسبن والمفعول الاول محذوف لدلالة يبخلون عليه اى ولا يحسبن البخلاء بخلهم {هو} ضمير فصل لا محل له من الاعراب {خيرا لهم} من انفاقهم مفعول ثان للفعل المذكور {بل هو} اى البخل {شر لهم} لاستجلاب العقاب عليهم {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيمة} بيان لقوله هو شر لهم اى سيلزمون وبال ما بخلوا به الزام الطوق اذ لا طوق ثمة فيكون من قبيل الاستعارة التمثيلية شبه لزوم وبال البخل واثمه بهم بلزوم طوق نحو الحمامة بها فى عدم زوال كل واحد منهما عن صاحبه فعبر عن لزوم الوبال بهم بالتطويق واشتق منه يطوقون كما يقال منة فلان طوق فى رقبة فلان وقيل هو على حقيقته وانهم يطوقون حية او طوقا من نار استدلالا بالحديث وسيجيئ {ولله} وحده لا لاحد غيره استقالا واشتراكا {ميراث السموات والارض} اى ما يتوارثه اهلهما من مال وغيره من الرسالات التى يتوارثها اهل السموات فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه فى سبيله او انه يورث منهم ما يمسكونه ولا ينفقونه فى سبيله تعالى عند هلاكهم وتبقى عليهم الحسرة والندامة {والله بما تعملون} من المنع والاعطاء {خبير} فيجازيكم على ذلك. واعلم ان البخل عبارة عن امتناع اداء الواجب والامتناع عن التطرع لا يكون بخلا ولذلك قرن به الوعيد والذم والواجب كثير كالانفاق على النفس والاقارب الذين يلزمه مؤونتهم والصدقة على الغير حال المخمصة وفى حال الجهاد عند الاحتياج الى التقوية بالمال. ثم ان فى الآية اشارة الى ان البخل اكسير الشقاوة كما ان السخاء اكسير السعادة وذلك لان الله تعالى سمى المال فضله كما قال {من فضله} والفضل لاهل السعادة فباكسير البخل يصير الفضل قهرا والسعادة شقاوة كما قال {هو خيرا لهم بل هو شر لهم} يعنى باكسير البخل يجعلون خيرية ما آتاهم الله من فضله شرا لهم ولو انهم طرحوا على ما هو فضله اكسير السخاء لجعلوه خيرا لهم فصيروه سعادة ولصاروا بها اهل الجنة ولن يلج الجنة الشحيح ثم عبر عن آفة حب الدنيا والمال بالطوق لانها تحيط بالقلب ومنها تنشأ معظم الصفات الذميمة مثل البخل والحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب وغير ذلك ولهذا قال النبى عليه السلام "حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة " .تفسير : فبمنع الزكاة يصير الروح الشريف العلوى النورانى محفوفا بهذه الصفات الخسيسة السفلية الظلمانية مطوقا بآفاتها وحجبها وعذابها يوم القيامة وبعد المفارقة فانه من مات فقد قامت قيامته شعر : نه منعم بمال از كسى بهترست خررا جل اطلس بيوشد خرست هنر بايد وفضل ودين وكمال كه كه آيد و كه رود جاه ومال بسنديده رأيى كه بخشيد وخورد جهان ازبى خويشتن كرد كرد تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من آتاه الله ما لا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا اقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه " .تفسير : يعنى بشدقيه "حديث : ثم يقول انا مالك انا كنزك ثم تلا ولا يحبسن الذين يبخلون " .تفسير : الآية وفى رواية "حديث : يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوقها فى عنقه يوم القيامة تنهشه من قرنه الى قدمه وتنقر رأسه وتقول انا مالك " .تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من رجل يكون له ابل او بقر او غنم لا يؤدى حقها الا اتى بها يوم القيامة اعظم ما تكون واسمنه تطأه باخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت اخراها ردت عليه اولاها حتى يقضى بين الناس " .تفسير : قال ابو حامد. مانع زكاة الابل يحمل بعيرا على كاهله له رغاء وثقل يعدل الجبل العظيم. ومانع زكاة البقر يحمل ثورا على كاهله له خوار وثقل يعدل الجبل العظيم. ومانع زكاة الغنم يحمل شاة لها ثغاء وثقل يعدل الجبل العظيم والرغاء والخوار والثغاء كالرعد القاصف. ومانع زكاة الزرع يحمل على كاهله اعدالا قد ملئت من الجنس الذى كان يبخل به بر كان او شعيرا اثقل ما يكون ينادى تحته بالويل والثبور. ومانع زكاة المال يحمل شجاعا اقرع له زبيبتان وذنبه قد انساب فى منخريه واستدار بجيده وثقل على كاهله كأنه طوق بكل رحى فى الارض وكل واحد ينادى ما هذا فيقول الملائكة هذا ما بخلتم به فى الدنيا رغبة فيه وشحا عليه فمنع الزكاة سبب للعقاب فى العقبى كما ان ايتاءها سبب للثواب فى الاخرى وحصن لماله فى الدنيا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : حصنوا اموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستقبلوا البلايا بالدعاء " .تفسير : قال عليه السلام "حديث : لا صلاة لمن لا زكاة له " .تفسير : ـ روى ـ ان موسى عليه السلام مرّ برجل وهو يصلى مع حضور وخشوع فقال يا رب ما احسن صلاته قال الله تعالى (لو صلى فى كل يوم وليلة الف ركعة واعتق الف رقبة وصلى على الف جنازة وحج الف حجة وغزا الف غزوة لم ينفعه حتى يؤدى زكاة ماله) وقال عليه الصلاة والسلام "حديث : ملعون مال لا يزكى كل عام وملعون بدن لا يبتلى فى كل اربعين ليلة ومن البلاء العثرة والنكبة والمرضة والخدشة واختلاج العين فما فوق ذلك " .تفسير : فاذا سمعت هذه الاخبار وقفت على وزر من وقف على الاصرار ولم يؤد زكاة ماله بطيبة النفس وصفاء البال الى ان يرجع فقيرا ميتا بعدما ساعدته الاحوال والاموال شعر : بريشان كن امروز كنجينه جست كه فردا كليدش نه دردست تست تو باخود ببر توشه خويشتن كه شفقت نيايد ز فرزند وزن بخيل توانكر بدينار وسيم طلسمست بالاى كنجى مقيم ازان سالها مى بماند زرش كه لرزد طلسمى جنين بر سرش بسنك اجل نا كهان بشكنند بآسودكى كنج قسمت كنند جو در زندكانى بدى باعيال كرت مرك خواهند از ايشان منال تو غافل در انديشه سود مال كه سر مايه عمر شد بايمال بكن سرمه غفلت از جشم باك كه فردا شوى سرمه درجشم خاك
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ بالخطاب؛ فالموصول مفعول أول، و {خيراً}: مفعول ثان، والضمير للفصل، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بد من حذف مضاف، أي: لا تحسبن بُخلَ الذين يبخلون خيراً لهم، ومن قرأ بالغيب؛ فـ {الذين}: فاعل، والمفعول الأول محذوف، لدلالة {يبخلون} عليه، لا يحسبن البخلاء خيراً لهم، والطوق: ما يدار بالعنق. يقول الحقّ جلّ جلاله: ولا يظنن {الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} من الأموال، فلم يؤدوا زكاتهم، أن بخلهم خير لهم، {بل هو شر لهم}؛ لاستجلابه العذاب إليهم، ثم بيَّنه بقوله: {سيطوقون ما بخلوا به} أي: يلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق للعنق، وقيل: يطوق به حقيقة، لقوله عليه الصلاة والسلام:"حديث : ما من رَجُل لا يؤدي زكاة ماله إلا إذا كان يوم القيامة - مُثِّلَ له شُجَاعاً أقْرع، له زَبِيبتَان، يطوِّقُه، ثم يأخُذُ بِلْهزِمتيه - أي: شدقيه - يقول: أنا كنْزكَ، أنا مَالُكَ، ثم تلا هذه الآية:{ولا يحسبن...}"تفسير : . وقيل: يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقاً من نار. والمال الذي بخل به هو لله، وسيرجع لله، {ولله ميراث السماوات والأرض} فهو الذي يرث الأرض ومن عليها، فكيف يبخل العبد بمال الله، وهو يعلم أنه يرجع لله، فيموت ويتركه لمن يسعد به! ولله درّ القائل، حيث قال: شعر : يا جَامِعَ الْمَالِ كَمْ تُضَرُّ به تَطْمَعُ بالله فِي الخُلُودِ معَهْ هَلْ حَمَل المالَ مَيِّتٌ مَعَهْ؟ أمَا تَراهُ لِغَيْرِه جَمَعَهْ؟! تفسير : {والله بما تعملون خبير} لا يخفى عليه منعكم ولا إعطاؤكم، فيجازي كُلاً بعمله. الإشارة: لا يحسبن الذي يبخلون بما أتاهم الله من فضل الرئاسة والجاه، أن يبذلوها في طلب معرفة الله، وبذلها: إسقاطها وإبدالها بالخمول، والذل لله، وإسقاط المنزلة بين عباد الله، فلا يظنون أن بخلهم بذلك خير لهم، بل هو شرٌّ لهم، سيلزمون وبال ما بخلوا به يوم القيامة، حين يرون منازل المقربين كالشمس الضاحية في أعلى عليين، وهم مع عوام أهل اليمين، محجوبون عن شهود رب العالمين، إلا في وقت مخصوص وحين.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة "ولا تحسبن" بالتاء المعجمة من فوق الباقون بالياء، وهو الأقوى، لأن عليه أكثر القراء، فمن قرأ بالتاء، فالتقدير على قراءته ولا تحسبن بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم. وجاز حذف البخل مع الفصل لدلالة يبخلون عليه، كما يقال من كذب كان شراً له. والمعنى كان الكذب شراً له. قال الشاعر: شعر : إذا نُهي السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف تفسير : ومعناه خالف إلى السفه. قال الزجاج: إنما تكون هو، وهما، وهم، وأنا وأنت، ونحن فصولا مع الافعال التي تحتاج إلى اسم وخبر، ولم يذكر سيبويه الفصل مع الابتداء، والخبر. قال: ولو تأول متأول قوله الفصل ها هنا أنه يدل على أنه جائز في المبتدأ والخبر كان جائزاً. قال: والقراءة بالياء عندي هو الاجود ويكون الاسم محذوفاً، قال: والقراءة بالتاء لا تمتنع مثل قوله: {أية : واسأل القرية} تفسير : وتقديره ولا تحسبن بخل الباخلين خيراً. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها ما قاله السدي: إن المعنى بخلوا أن ينفقوا في سبيل الله كما بخلوا بمنع الزكاة. وقيل إنها نزلت في أهل الكتاب بخلوا أن يبينوه للناس - على قول ابن عباس - والوجه الأول أظهر لأن أكثر المفسرين على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وهو قول أبي جعفر (ع) وقوله: {هو خيراً لهم} فلفظة "هو" فصل، بين الاسم، والخبر على تقدير ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله البخل هو خيراً لهم فيمن قرأ بالياء وقوله: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} قيل في معناه قولان: أحدهما - رواه ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه شجاع أقرع يطوقونه، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وقال ابراهيم النخعي: انهم يطوقون طوقاً من نار. وقال أبو علي: هو كقوله: {أية : يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم} تفسير : وقال البلخي معناه سيجازون كأنهم طوقوا. وقوله: {ولله ميراث السماوات والأرض} معناه أنه يبطل ملك كل شيء إلا ملك الله، فيصير كالميراث لصحة الملك الثاني بعد زوال الأول وإن لم يكن في صفات الله على جهة الانتقال، لأنه لم يزل مالكاً (عز وجل) والبخل هو منع الواجب لأنه تعالى ذم به وتوعد عليه، وأصله في اللغة مشقة الاعطاء، وإنما يمنع الواجب لمشقة الاعطاء.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} قرئ بالغيبة فالفاعل ضمير راجع الى الرّسول او الى من يتأتّى منه الحسبان والمفعول الاوّل الّذين يبخلون بتقدير مضافٍ ليطابق المفعول الثّانى او الفاعل الّذين يبخلون والمفعول الاوّل محذوف وقرئ بالخطاب خطاباً للرّسول (ص) او لكلّ من يتأتّى منه الخطاب والّذين يبخلون مفعوله الاوّل بتقدير مضاف اى لا تحسبنّ بخل الّذين يبخلون {بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} لانّ البخل يستجلب العقاب عليهم وليس الامساك يبقى المال ولا الانفاق يفنيه {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} عن الصّادقين (ع): ما من احدٍ يمنع زكاة ماله شيئاً الاّ جعل الله ذلك يوم القيامة ثعباناً من نار مطوّقاً فى عنقه ينهش من لحمه حتّى يفرغ من الحساب وهو قول الله تعالى: {سيطوّقون ما بخلوا}: وعن الصّادق (ع) عن رسول الله (ص): ما من ذى زكاة مال نخل او زرع او كرم يمنع زكاة ماله الاّ قلّده الله تعالى تربة ارضه يطوّق بها من سبع ارضين الى يوم القيامة، اعلم انّ البخل لا يكون الاّ لتعلّق القلب بما يبخل البخيل به وكلّما تعلّق القلب به يكون بملكوته حاضراً فى القلب وثابتاً فيه وكلّما كان ثابتاً فى القلب يتمثّل عند القلب يوم تبلى السّرائر، وبتفاوت التعلّق يكون حضوره متفاوتاً بنحو الطّوق او بنحو اللّباس مشتملاً على جميع البدن، او بنحو البيت وغير ذلك من انواع الحضور سواء كان ذلك الّذى يبخل به من الاموال او القوى والابدان، او العلوم النّفسانيّة الّتى بخلوا بها ولم يظهروها لاهلها مثل اليهود والنّصارى بخلوا بما علموا من اوصاف محمّد (ص) وعلىّ (ع) الّتى كانت فى كتبهم واخبار اسلافهم، ومثل المنافقين من الامّة بخلوا بما علموا من حقّيّة محمّد (ص) ومن بعده بما علموا من حقّيّة علىّ (ع) فانّ من كتم علماً ألجمه الله تعالى يوم القيامة بلجامٍ من النّار {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يعنى له ما فى السّماوات والارض وادّاه بلفظ الميراث للاشعار بانّ ما فيها يبقى من بعض ويرثه بعض آخر، وهكذا كان حاله وما كان حاله هكذا فلا ينبغى للعاقل ان يبخل به ولا يعطيه بيده وقال الله للاشارة الى انّ الكلّ ملكه فلا ينبغى للعاقل ان يبخل بملك الغير ولا يعطيه بأمره او المعنى لله ميراث هى السّماوات وما فيها والارض وما فيها من العالم الكبير والصّغير يعنى يفنى الكلّ ويبقى الله الواحد القهّار وارثاً لها ولما فيها؛ فما بال متروكٍ به المرء يبخل؟! {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من البخل والاعطاء {خَبِيرٌ} وعد ووعيد وقرئ بالخطاب بطريق الالتفات من الغيبة الى الخطاب.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ}: أى لا تحسبن يا محمد، ويا من يمكن منه الحسبان، بخل الذين يبخلون، بحذف المضاف، وهو بخل ولفظ هو عائد إليه لدلالة المقام، ولفظ يبخلون عليه، ضمير لا محل له، أو توكيد للمضاف المحذوف مستعار للنصب، والمشهور أن لا يؤكد الظاهر بالضمير، قيل: بالجواز أو عائد إلى الله توكيد الهاء، فضله، والذين مفعول أول على حذف مضاف وخبراً: مفعول ثان، ويجوز تقدير المضاف هكذا لا يحسبن مال الذين يبخلون، أو موتى الذين يبخلون بما آتاهم. وقرئ بالتحتية هنا من قرأ بها هنالك. فالذين فاعل والمفعول الأول محذوف، أى: لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله بخلهم أو موتاهم أو مالهم {هو خيرا لهم} ومرجع هو على حد ما مر، ويجوز كون فاعله يحسب بالتحتية ضمير، صلى الله عليه وسلم أو ضمير الحاسب، فيكون الذين مفعولا أولا على حذف مضاف على حد ما مر، وقرأ الأعمش بإسقاط هو. {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ}: يدخلون به النار، والبخل: منع الواجب كالزكاة، ونفقة الأولياء والأزواج، وتنجية المضطر الموحد غير المحارب وغير من لا يطعم ولا يسقى، وكالنفقة فى الجهاد، والإنفاق فيما يجاهد به، وكإطعام الضيف، ويدل لذلك ذكر الوعيد عقب هذا، وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالفجور ففجروا"تفسير : . رواه عبد الله بن عمرو. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خصلتان لا تجتمعان فى مؤمن: البخل، وسوء الخلق"تفسير : . رواه أبو سعيد الخدرى، والحديث الأول دل على أن البخل غير الشح، وأنه مولد من الشح، لأنه جعل الشح آمر بالبخل، فالشح منع النفس والجوارح عن الإعطاء، والبخل مطاوعة الجوارح. فانظر شرح النيل. وقال ابن العربى: الشح منع المستحب، والبخل منع الواجب، ولما تم الكلام على الجهاد، ذكر تحريم البخل والوعيد عليه، ليشتروا السلاح، والخيل، وآلات القتال للجهاد، وينفقوا فيه، وليفعلوا كل واجب فىالمال. وقال عبد الله بن عباس فى رواية أبى صالح عنه وأبى هريرة والشعبى ومجاهد فى رواية غير ابن جريح عنه نزلت الآية فى البخل بالزكاة. وقال ابن عباس فى رواية عطية ومجاهد فى رواية ابن جريح، نزلت فى كتم أحبار اليهود صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، لأنه يقال: بخل بالعلم، وبخل بذكر الله، وبخل بالصلاة على رسول الله، كما يقال: بخل بالمال، فالبخل عبارة عن منع الخير عن مستحقه مالاً أو غيره، واختاره الزجاج، والصحيح ما مر لظاهر قوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: يجعل لهم أطواقاً فى أعناقهم حقيقة يعذبون به فى النار، أو شبه لزوم الوبال لهم بلزوم الطوق اللازم المخلوق فى الجسم، كطوق الحمامة، وهذا ألزم وألصق، ويجوز أن يراد ما يلبس من الأطواق فى العنق، أو فى الذراع، كما قال ابن عباس يحملون وزره، وإثمه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من رجل لا يؤدى زكاة ماله إلا جعل الله شجاعاً فى عنقه يوم القيامة"تفسير : . والشجاع: ضرب من الحيات يقال له الأشجع، وعن أبى هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاع أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه ثم يقول أنا مالك أنا كنزك" ثم تلا {ولا يحسبن الذين يبخلون..}تفسير : الآية. وفى رواية "حديث : إلا مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه حتى يطوقه فى عنقه"تفسير : . وعن ابن مسعود وابن عباس: يجعل ما منعه من الزكاة، وفى لفظ ما بخل به من الزكاة حية يطوقها فى عنقه يوم القيامة تهشه من قرنه إلى قدمه، وتنفر رأسه وتقول أنا مالك. واللهزمتان: الشدقان. وقيل: أعلى الشدقين أسفل الأذنين، والزبيبتان: الزبدتان فى شدقيه أم لحمتان كقوتين متدليتين كما يكون فى الشاة أو نكتتان سوداوان فوق عينيه، والأقرع: الذى لم يبق على رأسه شعر لكبره، والنهش، بالشين المعجمة: لسع الحية، وأما بالمهملة ففى الحية والعقرب والكلب ونحوهن، حديث : وعن أبى ذر: انتهيت إلى النبى صلى الله علية وسلم وهو جالس فى ظل الكعبة، فلما رآنى قال: "هم الأخسرون ورب الكعبة"، فجئت حتى جلست، فلم ألبث أن قمت، فقلت: يا رسول الله فداك أبى وأمى من هم؟ قال: "هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله"تفسير : . وعنه صلى الله علية وسلم: "حديث : ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدى زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، تنطحه بقرونها وتعلوه بأظلافها، كلما تعدت آخراها عادت أولاها حتى يقضى بين الناس"تفسير : . ومثله فى كتاب الوضع وذلك من التعذيب بجنس ما عصى به كحديث: "حديث : من قتل نفسه بحديدة فهو يوحى نفسه بها فى نار جهنم"تفسير : وحديث "حديث : من قتل نفسه بالسم فهو يتحساه فى نار جهنم"تفسير : وبعكسه. كما روى أن المتكبرين يحشرون فى صور الذر، يطؤهم من أقبل ومن أدبر، والمتواضعون أعزاء. وعنه صلى الله علية وسلم: "حديث : ما من ذى رحم بأتى ذا رحمه فيسأله من فضل عنده فيبخل عليه، إلا أخْرِج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ حتى يطوقه"تفسير : . وعنه صلى الله علية وسلم: "حديث : يجىء كنز أحدكم يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيقول أنا كنزك فيطلبه فما يزال يطلبه حتى يلقم يده فيعضعضها، حتى يأتى على سائر يديه"تفسير : . وعن الكلبى: يطوق شجاعان فى عنقه فيلدغان جبهته ووجهه، ويقول كل منها أنا كنزك الذى كنزت أنا الزكاة التى بخلت بها، وقيل فى معنى الآية: تجعل فى أعناقهم أطواق من النار، وقيل: يأتون يوم القيامة بما منعوا فى الدنيا يحملونه على رقابهم، فلا يقبل منهم يومئذ. وقال مجاهد فى غير تفسير الآية: يكلفون بما منعوه أن يأتوا به يوم القيامة فلا يجدونه وإذا فسرنا لآية بالبخل بالعلم أو به وبالبخل بغيره، فمعنى التطويق إلزام العقاب، كالطوق، قال أبو هريرة، قال رسول الله صلى الله علية وسلم "حديث : من سئل علماً يعلمه فكتمه، ألجم بلجام من نار يوم القيامة عوضوا لحام النار كما منعوا ألسنتهم عن النطق به لسائله ". تفسير : {وَللَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}: بمعنى أن الخلق سيفنون، وتبقى السماوات والأرض لله وحده، كمن يموت عن مال ويخلفه لوارثه، فإذا كانت الأرض تبقى مع ما فيها لله، فكيف يبخل بمال أو علم عن أهله، فإن مع منع العلم أيضاً عن مستحقه، إنما هو لغرض دنيوى فالله يرث السماوات ويرث الأرض، وما فيها من مال، ونحوه فكيف به يبخل، فإنه ولو بقى له لم يدم بل يفنى فى آخر من ينتقل إليه، وميراث مصدرعلى خلاف، ما يجعلونه قياساً، بمعنى الإرث، ويجوز أن يراد أن الله جل وعلا يرث ما فى السماوات من ولايات الملائكة، أو ولايات أهل الأرض، وأموالها وعلم أهل السماوات والأرض فكيف يبخل ما فيها من مال وجاه، وولاية وعلم عن أهله وميراث أيضاً على هذا مصدر، ويجوز أن يكون المعنى: بأن الله جل وعلا يرث ما يأتى أهل السماء من رزق، ومنافع وجاه وإعزاز ونحو ذلك، وما آتاهم فيموت الإنسان فيكون ما عنده وما يعتاد إتيانه، لله وضعه حيث شاء من وارث أو غيره، وقد كان الإنسان يأتيه ما يأتيه من السماء، فإذ مات انقطع عنه، وأتى غيره، فميراث بمعنى ما يورث. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ}: أيها الناس كلكم بركم وفاجركم. {خَبِيرٌ}: فيجازى المحسن أو يعاقب البخيل وغيره ممن فجروا بما تعملون أيها البخلاء، وفى هذا الوجه طريق التفات من غيبة البخلاء إلى خطابهم، تأكيداً فى وعيدهم، ويدل له قراءة أبى عمرو وأبى بكر {يعملون} بالغيبة، أى بما يعمل الذين يبخلون.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} بحقوق ما آتاهم الله من المال إياه، كزكاة، وضيافة وجبت، ونفقة عيال، ولو حيوانا، ونفقة أولياء لزمت، ونفقت جهاد تعينت، لفقد مال بيت المال وفراغه ونفقة المضطر، وقد صرح العلماء بأنه يجب على المؤمنين جمع ما يحتاج إليه بيت المال من أموالهم والذين فاعل يحسب المفعول الأول محذوف ألا لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله بخلهم {هُوَ} أى البخل المفهوم من يبخل ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وهو بين معرفة تحقيقاً، وهى بخلهم المقدر، ومعرفة حكماء وهو اسم التفضيل الذى هو مفعول ثان فى قوله {خَيْراً لَّهُمْ} إذ كان لا يقبل التأنيث والتثنية والجمع حال تجريده من أل والإضافة إلى معرفة، ولهم نعت خيراً أو متعلق به، وإن لم تجعل خيراً اسم تفضيل بل بمعنى نفع لم يكن هو ضمير فصل، بل يكون توكيداً للهاء فى فضله ويجوز هذا، ولو جعلنا خيراً اسم تفضيل، وقد تحصل أن المفعول الأول محذوف، أى بخلهم لجوازه حذفه بلا شرط إذا علم، وخيراً مفعول ثان {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} اسم تفضيل أى بمعنى ضر، ومن سوئه تطويقه المذكورة بقوله {سَيُطَوَّقُونَ} وهو كالتعليل لما قبله {مَا} مفعول ثان، والأول نائب الفاعل، وهوالواو {بَخِلُوا بِهِ} من المال {يَوْمَ القِيَامَةِ} يصيرهم الله يوم القيامة متطوقين فى أعناقهم ما بخلوا به فيطوقهم دائرة فى أعناقهم، يلزمهم وبال ما بخلو به، كلزوم الطوق فى العنق، وهو طوق الحمامة ونحوها، مما فى عنقه فقط مستدير، ويكون أيضاً على الحقيقة كما بين بعض الطوق فى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثلّ له شجاعاً أقرع، له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه، اى شدقيه، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا: ولا يحسبن الذين"تفسير : الآية، رواه البخارى عن أبى هريرة، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من ذى رحم يأتيه ذو رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله إياه فيبخل عليه إلا خرج له يوم القيامة من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه"تفسير : ، ثم قرأ الآية، وأخرج عبد الرزاق عن النخعى أنه يجعل ما بخلوا بخ طوقاً من النار فى أعناقهم، والمشهور أن الآية فى الزكاة، وقيل ليس المراد حقيقة التطويق بل إلزام الوبال، وقيل المراد تكليفهم أن يأتوا يوم القيامة بالمال الذى بخلوا به، وأخرج الطبرى وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنها فى أهل الكتاب، كتموا رسالته صلى الله عليه وسلم التى فى التوراة، وفضل الله التوراة، وتطويقهم إلزام وبال ذلك لهم، أو تطويقهم بطوق من نار جزاء على ذلك، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من كتم علماً آتاه الله إياه ألجمه بلجام من نار"تفسير : ، ويروى، "حديث : إلا مثلِّ له يوم القيامة شجاعاً أقرع يفر عنه وهو يتبعه حتى يطوقه فى عنقه"تفسير : ، وفى رواية "حديث : يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوقها يوم القيامة، تنهشه من قرنه إلى قدميه وتنقر رأسه، وتقول: أنا مالك، والزبيبة نكتة فوق عينيه أو جانب فيه أو زبد شدة وغضب فى جانب شفتيه" تفسير : ، والأقرع زائل الشعر، وهو هنا من شدة السم وبسط ذلك فى تفسير الحديث والفروع، وليس فى ذكر ذلك فى الحديث ما يحصر الطوق فى ذلك بل الحديث ذكر لبعض ما تضمنته الآية، من لزوم الوبال على العموم، بحيث يعم التطويق المذكور فى الحديث، والتطويق بالنار وغير ذلك وغير الزكاة أيضاً {وَلِلهِ مِيراثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ذواتهما مع ما فيهما، ويفنى الملاك، ولا يبقى مالك إلا الله، والميراث الإرث، أو المراد ما يتوارث أهلها من مال وعز، وإمارة وصحة، وسائر ما ينتقل كالأحوال قى مراتب الملائكة والإرسالات، ولا مانع من أن يكون لأهل السماوات أحوال كما سقطت منزلة هاروت وماروت فيما قيل، وملك سقط ريشه لعقاب فشفع فيه نبى، شبه بقاء السماوات والأرض وما فيهما لله بعد فناء أهلهما بالإرث، إلا أن الله جل وعلا ملكهما قبل فناء أهلهما وبعده، وإذا كان ذلك فكيف تبخلون بما ينزع عنكم بموت كل واحد لأجله، وبموت الخلق كلهم وتبقى عليكم حسرته والعقاب عليه {واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من منع مطلقاً، أو عن أهله، وإعطاء لغير أهله أو بلا قصد تقرباً إلى الله {خَيرٌ} فيجازيكم، ولما نزل قوله تعالى: "أية : من ذا الذى يقرض الله قرضاً حسناً" تفسير : [البقرة: 245] وكتب صلى الله عليه وسلم مع أبى بكر الصديق رضى الله عنه إلى يهود بنى قينقاع، يدعوهم إلى الإسلام، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً، وقال فنحاص بن عازوراء من علماء اليهود، لذلك إن الله فقير حتى استقرض، ولطمه أبو بكر بقوله وقال: لولا العهد بيننا وبينكم لضربت عنقك، وشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد فنزل قوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} تصديقاً للصديق، إنشاء اليمين بحسب قصد المتكلم، وإما الإخبار بواقعة، فأما باللفظ الذى لفظ به، ومنه ليبينه للناس، وإما بالغيبة تخبر عن شىء كان، نحو استحلفته ليقومن، وإما بلفظ التكلم نحو استحلفته لأقومن، وروى أن أبا بكر رضى الله عنه، دخل مدارس اليهود، فوجد ناساً كثيراً من اليهود، فقال: يا فنحاص، اتق الله وأسلم، فو الله لتعلم أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جاءكم بالحق من الله، تجدونه مكتوباً عندكم فى التوراة، فآمن، وصدق، وأقرض الله قرضاً حسناً يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب، فقال يا أبا بكر: تزعم أن ربنا يستقرض من أموالنا على أن يعطى قرضه إيانا مع الفضل والربا، فغضب أبو بكر رضى الله عنه، وضرب وجهه ضربة شديدة فشكا إليه صلى الله عليه وسلم، فقال: ما حملك يا أبا بكر على هذا قال إنه قال كذا وكذا، وجحد فنحاص، فنزل لقد سمع الله الخ، ونزل فى أبى بكر وضربه لفنحاص، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب الخ، يعنى أن محمداً غير صارق فى ذلك، فهو غير نبى، لأن الله لا يفتقر ولا يحتاج ولا يفعل الربا وهو حرام، وليس ذلك احتياجا من الله تعالى، ولا ربا، وبل جزاء من الجنة على العمل، أو قال ذلك، لعنه الله، عبثا وعناداً واستهزاء {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} نأمر الملائكة تكتبه فى ديون الناس كلهم، بعد ما كتبوه، لكل قائل فى ديوانه الخاص، أو نأمرهم فينسخونه من اللوح المحفوظ على طبق ما كتبوه أولا، أو تزيد له حفظا أو نجازيهم عليه، فظهر الاستقبال {وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَآءِ بِغَيْرِ حَقٍّ} رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء، عارفين أنه غير حق، وفجرهم بهم، أنزل هذا مع قولهم وكتابته إشارة إلى أنه من عادتهم الفجور، وأنه ليس قولهم بأول جرم، وكيف لا يقوله من اجترأ على قتل الأنبياء، وقد علم أنه غير حق {وَنَقُولُ} تهكما بهم واستهزاء وإهانة وتحقيرا، تقول ملائكتنا يوم القيامة أو الإسناد مجاز عقلى لأن الله يأمر الملائكة بالقول {ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ} الذوق إدراك وصف الطعام أو الشراب، وتوسع فيه باستعماله فى إدراك الحال مطلقا، وإشارة إلى أن ما يصيبهم من العذاب أولا كالذوق بالنسبة إلى ما يتجدد به منه، والحريق الاحتراق أو الجسم المحرق، وهو النار، على أن الحريق بمعنى الإحراق أو متعمد أو هو ذو حريق أى يحصل به الاحتراق ويقال لهم بعد دخولها.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ} بيان لحال البخل وسوء عاقبته وتخطئة لأهله في دعواهم خيريته حسب بيان حال الإملاء وبهذا ترتبط الآية بما قبلها. وقيل: وجه الارتباط أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل الأرواح في الجهاد وغيره شرع هٰهنا في التحريض على بذل المال وبين الوعيد الشديد لمن يبخل وإيراد ما بخلوا به بعنوان إيتاء الله تعالى إياه من فضله للمبالغة في بيان سوء صنيعهم فإن ذلك من موجبات بذله في سبيله سبحانه وفعل الحسبان مسند إلى الموصول والمفعول الأول محذوف لدلالة الصلة عليه. واعترض بأن المفعول في هذا الباب مطلوب من جهتين من جهة العامل فيه ومن جهة كونه أحد جزأي الجملة فلما تكرر طلبه امتنع حذفه ونقض ذلك بخبر كان فإنه مطلوب من جهتين أيضاً ولا خلاف في جواز حذفه إذا دل عليه دليل. ونقل الطيبـي عن صاحب «الكشاف» أن حذف أحد مفعولي حسب إنما يجوز إذا كان فاعل حسب ومفعولاه شيئاً واحداً في المعنى كقوله تعالى:{وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} [آل عمران: 169] على القراءة بالياء التحتية، ثم قال: وهذه الآية ليست كذلك فلا بدّ من التأويل بأن يقال: إن (الذين يبخلون) الفاعل لما اشتمل على البخل كان في حكم اتحاد الفاعل والمفعول ولذلك حذف، وقيل: إن الزمخشري كنى عن قوة القرينة بالاتحاد الذي ذكره وكلا القولين ليسا بشيء، والصحيح أن مدار صحة الحذف القرينة فمتى وجدت جاز الحذف ومتى لم توجد لم يجز. والقول بأن هو ضمير رفع استعير في مكان المنصوب وهو راجع إلى البخل أو الايتاء على أنه مفعول أولاً تعسف جداً لا يليق بالنظم الكريم ـ وإن جوزه المولى عصام الدين تبعاً لأبـي البقاء ـ حتى قال في «الدر المصون»: إنه غلط، والصحيح أنه ضمير فصل بين مفعولي حسب لا توكيد للمظهر كما توهم، وقيل: الفعل مسند إلى ضمير النبـي صلى الله عليه وسلم، أو ضمير من يحسب، والمفعول الأول هو الموصول بتقدير مضاف أي بخل الذين، والثاني {خَيْرًا } كما في الوجه الأول وهو خلاف الظاهر، نعم إنه متعين على قراءة الخطاب. وعلى كل تقدير يقدر بين الباء ومجرورها مضاف أي لا يحسبن، أو لا تحسبن الذين يبخلون بإنفاق أو زكاة ما آتاهم الله من فضله هو صفة حسنة أو خيراً لهم من الانفاق. {بَلْ هُوَ شَرٌّ } عظيم {لَهُمْ } والتنصيص على ذلك مع علمه مما تقدم للمبالغة {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } بيان لكيفية شَرِّيته لهم، والسين مزيدة للتأكيد، والكلام عند الأكثرين إما محمول على ظاهره، فقد أخرج البخاري عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من آتاه الله تعالى مالاٍ فلم يؤد زكاته مُثّلَ له شجاع أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا هذه الآية»تفسير : . وأخرج غير واحد عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله تعالى إياه فيبخل عليه إلا خرج له يوم القيامة من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوّقه» تفسير : ثم قرأ الآية. / وأخرج عبد الرزاق وغيره عن إبراهيم النخعي أنه قال: يجعل ما بخلوا به طوقاً من نار في أعناقهم. وذهب بعضهم إلى أن الظاهر غير مراد، والمعنى كما قال مجاهد: سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم فلا يأتون، وقال أبو مسلم: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق على أنه حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه للإيذان بكمال المناسبة بينهما، ومن أمثالهم تقلدها طوق الحمامة، وكيفما كان فالآية نزلت في مانعي الزكاة كما روي ذلك عن الصادق وابن مسعود والشعبي والسدي وخلق آخرين وهو الظاهر، وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن عباس أنها نزلت في أهل الكتاب الذين كتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوته التي نطقت بها التوراة، فالمراد بالبخل كتمان العلم وبالفضل التوراة التي أوتوها، ومعنى سيطوقون ما قاله أبو مسلم، أو المراد أنهم يطوّقون طوقاً من النار جزاء هذا الكتمان. فالآية حينئذ نظير قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار» تفسير : وعليه يكون هذا عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب قيل: ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم. {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أي لله تعالى وحده لا لأحد غيره استقلالا أو اشتراكاً ما في السماوات والأرض مما يتوارث من مال وغيره كالأحوال التي تنتقل من واحد إلى آخر كالرسالات التي يتوارثها أهل السماء مثلاً فما لهؤلاء القوم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله وابتغاء مرضاته، فالميراث مصدر كالميعاد وأصله موراث فقلبت الواو ياءاً لانكسار ما قبلها، والمراد به ما يتوارث، والكلام جار على حقيقته ولا مجاز فيه، ويجوز أنه تعالى يرث من هؤلاء ما في أيديهم مما بخلوا به وينتقل منهم إليه حين يهلكهم ويفنيهم وتبقى الحسرة والندامة عليهم، ففي الكلام على هذا مجاز قال الزجاج: أي إن الله تعالى يفني أهلهما فيبقيان بما فيهما ليس لأحد فيهما ملك فخوطبوا بما يعلمون لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ميراثاً ملكاً له. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من المنع والبخل {خَبِيرٌ } فيجازيكم على ذلك، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والالتفات إلى الخطاب للمبالغة في الوعيد لأن تهديد العظيم بالمواجهة أشدّ وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالياء على الغيبة.
سيد قطب
تفسير : انتهى الاستعراض القرآني للمعركة - معركة أحد - ولكن المعركة الدائبة بين الجماعة المسلمة وأعدائها المحيطين بها في المدينة - وبخاصة اليهود - لم تكن قد انتهت بعد. معركة الجدل والمراء، والتشكيك والبلبلة، والكيد والدس، والتربص والتدبير.. هذه المعركة التي استغرقت الشطر الأكبر من هذه السورة. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أجلى بني قينقاع عن جواره في المدينة، بعد ما كان منهم - عقب غزوة بدر- من غيظ وكيد، وتحرش بالمسلمين، ونقض للمواثيق التي عقدها معهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عند مقدمه إلى المدينة، وقيام الدولة المسلمة برياسته مرتكنة إلى المسلمين من الأوس والخزرج.. ولكن كان بقي من حوله: بنو النضير، وبنو قريظة، وغيرهم من يهود خيبر وسواهم في الجزيرة.. وكلهم يتراسلون ويتجمعون، ويتصلون بالمنافقين في المدينة، وبالمشركين في مكة وفيما حول المدينة، ويكيدون للمسلمين كيداً لا ينقطع ولا يكف. وقد ورد في أوائل سورة آل عمران تحذير لليهود أن يصيبهم على أيدي المسلمين ما أصاب المشركين: {أية : قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. قد كان لكم آية في فئتين التقتا. فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم رأي العين، والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار}تفسير : فلما أبلغهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا التحذير- الذي جاء رداً على أفاعيلهم وما بدا منهم من الغيظ والدس والكيد عقب بدر- أساءوا أدبهم في استقباله؛ وقالوا: يا محمد. لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال. إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس, وإنك لم تلق مثلنا. ثم مضوا في دسهم وكيدهم، الذي روت هذه السورة منه الواناً شتى، حتى انتهى أمرهم بنقض ما بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - من العهد. فحاصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلوا على حكمه، فأجلاهم عن المدينة إلى أذرعات.. وبقيت الطائفتان الأخريان: بنو قريظة وبنو النضير بالمدينة على عهدهما - في الظاهر- مع الكيد والدس والتلبيس والتضليل والبلبلة والفتنة.. وسائر ما برعت فيه يهود في تاريخها كله، وسجله عليها السجل الصادق - كتاب الله - وتعارفه أهل الأرض كلهم، عن ذلك الجنس الملعون! وفي هذا الدرس استعراض لبعض أفاعيل يهود وأقاويلها. يبدو فيه سوء الأدب مع الله - سبحانه - بعد سوء الفعل مع المسلمين. وهم يبخلون بالوفاء بتعهداتهم المالية للرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم يزيدون فيقولون: {إن الله فقير ونحن أغنياء}! ويبدو فيه التعلل الواهي، الذي يدفعون به دعوة الإسلام الموجهة إليهم؛ وكذب هذا التعلل، ومخالفته لواقعهم التاريخي المعروف. هذا الواقع الذي ينضح بمخالفتهم لعهد الله معهم، وبكتمانهم لما أمرهم الله ببيانه من الحق، ونبذه وراء ظهورهم, وشرائهم به ثمناً قليلاً. وبقتلهم أنبياءهم بغير حق، وقد جاءوهم بالخوارق التي طلبوها، وجاءوهم بالبينات فرفضوها. وهذا الكشف المخجل لأفاعيل اليهود مع أنبيائهم، وأقاويلهم على ربهم، كان هو الأمر الذي يقتضيه سوء موقفهم من الجماعة المسلمة، وتأثير كيدهم ودسهم وإيذائهم - هم والمشركون - للمسلمين. كما كانت تقتضيه تربية الله للجماعة المسلمة تربية واعية؛ تبصرهم بما حولهم، وبمن حولهم; وتعرفهم طبيعة الأرض التي يعملون فيها، وطبيعة العقبات والفخاخ المنصوبة لهم، وطبيعة الآلام والتضحيات المرصودة لهم في الطريق.. وقد كان الكيد اليهودي للجماعة المسلمة في المدينة أقسى وأخطر من عداوة المشركين لهم في مكة. ولعله ما يزال أخطر ما يرصد للجماعات المسلمة في كل مكان، على مدار التاريخ.. ومن ثم نجد التوجيهات الربانية تتوالى على المسلمين في ثنايا الاستعراض المثير.. نجد توجيههم إلى حقيقة القيم الباقية والقيم الزائلة. فالحياة في هذه الأرض محدودة بأجل. وكل نفس ذائقة الموت على كل حال. إنما الجزاء هناك، والكسب والخسارة هناك. {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}.. وهم مبتلون في أموالهم وأنفسهم، والأذى سينالهم من أعدائهم المشركين وأهل الكتاب. فلا عاصم لهم إلا الصبر والتقوى، والمضي مع المنهج، الذي يزحزحهم عن النار! وهذا التوجيه الإلهي للجماعة المسلمة في المدينة ما يزال هو هو، قائماً اليوم وغداً، يبصر كل جماعة مسلمة تعتزم سلوك الطريق، لإعادة نشأة الإسلام ولاستئناف حياة إسلامية في ظل الله.. يبصرها بطبيعة أعدائها - وهم هم مشركين وملحدين وأهل كتاب - الصهيونية العالمية والصليبية العالمية والشيوعية! - ويبصرها بطبيعة العقبات والفخاخ المرصودة في طريقها، وبطبيعة الآلام والتضحيات والأذى والابتلاء. ويعلق قلوبها وأبصارها بما هنالك. بما عند الله. ويهوّن عليها الأذى والموت والفتنة في النفس والمال. ويناديها - كما نادى الجماعة المسلمة الأولى -: {كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة. فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. لتبلون في أموالكم وأنفسكم؛ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً. وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}.. والقرآن هو القرآن. كتاب هذه الأمة الخالد. ودستورها الشامل. وحاديها الهادي. وقائدها الأمين. وأعداؤها هم أعداؤها.. والطريق هو الطريق.. {ولا يحسبن الذي يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيراً لهم، بل هو شر لهم، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة. ولله ميراث السماوات والأرض، والله بما تعملون خبير. لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء. سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق, ونقول ذوقوا عذاب الحريق. ذلك بما قدمت أيديكم، وأن الله ليس بظلام للعبيد. الذين قالوا: إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار. قل: قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم، فلم قتلتموهم، إن كنتم صادقين؟ فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير}.. لم ترد في الآية الأولى من هذه المجموعة رواية مؤكدة، عمن تعنيهم، ومن تحذرهم البخل، وعاقبة يوم القيامة.. ولكن ورودها في هذا السياق يرجح أنها متصلة بما بعدها من الآيات، في شأن اليهود. فهم - قبحهم الله - الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء. وهم الذين قالوا: إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار. والظاهر أن الآيات في عمومها نزلت بمناسبة دعوة اليهود إلى الوفاء بالتزاماتهم المالية الناشئة عن معاهدتهم مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعوتهم كذلك إلى الإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والإنفاق في سبيل الله. وقد نزل هذا التحذير التهديدي، مع فضح تعلات اليهود في عدم الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - رداً على ما بدا من سوء أدبهم مع ربهم، ومن كذب تعلاتهم؛ ونزلت معه المواساة للرسول - صلى الله عليه وسلم - عن تكذيبهم، بما وقع للرسل قبله مع أقوامهم. ومنهم أنبياء بني إسرائيل، الذي قتلوهم بعد ما جاءوهم بالبينات والخوارق كما هو معروف في تاريخ بني إسرائيل: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم، بل هو شر لهم، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة. ولله ميراث السماوات والأرض. والله بما تعملون خبير}.. إن مدلول الآية عام. فهو يشمل اليهود الذين بخلوا بالوفاء بتعهداتهم، كما يشمل غيرهم ممن يبخلون بما آتاهم الله من فضله؛ ويحسبون أن هذا البخل خير لهم، يحفظ لهم أموالهم، فلا تذهب بالإنفاق. والنص القرآني ينهاهم عن هذا الحسبان الكاذب؛ ويقرر أن ما كنزوه سيطوقونه يوم القيامة ناراً.. وهو تهديد مفزع.. والتعبير يزيد هذا البخل شناعة حين يذكر أنهم {يبخلون بما آتاهم الله من فضله}.. فهم لا يبخلون بمال أصيل لهم. فقد جاءوا إلى هذه الحياة لا يملكون شيئاً.. ولا جلودهم..! فآتاهم الله من فضله فأغناهم. حتى إذا طلب إليهم أن ينفقوا {من فضله} شيئاً لم يذكروا فضل الله عليهم. وبخلوا بالقليل، وحسبوا أن في كنزه خيراً لهم. وهو شر فظيع. وهم - بعد هذا كله - ذاهبون وتاركوه وراءهم. فالله هو الوارث: {ولله ميراث السماوات والأرض}.. فهذا الكنز إلى أمد قصير. ثم يعود كله إلى الله. ولا يبقى لهم منه إلا القدر الذي أنفقوه ابتغاء مرضاته. فيبقى مدخراً لهم عنده، بدلاً من أن يطوقهم إياه يوم القيامة! ثم يندد باليهود الذين وجدوا في أيديهم المال - الذي آتاهم الله من فضله - فحسبوا أنفسهم أغنياء عن الله، لا حاجة بهم إلى جزائه، ولا إلى الأضعاف المضاعفة التي يعدها لمن يبذل في سبيله - وهو ما يسميه تفضلاً منه ومنة إقراضاً له سبحانه - وقالوا في وقاحة: ما بال الله يطلب الينا أن نقرضه من مالنا. ويعطينا عليه الأضعاف المضاعفة، وهو ينهى عن الربا والأضعاف المضاعفة؟! وهو تلاعب بالألفاظ ينم عن القحة وسوء الأدب في حق الله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء. سنكتب ما قالوا! وقتلهم الأنبياء بغير حق، ونقول ذوقوا عذاب الحريق. ذلك بما قدمت أيديكم، وأن الله ليس بظلام للعبيد}. وسوء تصور اليهود للحقيقة الإلهية شائع في كتبهم المحرفة. ولكن هذه تبلغ مبلغاً عظيماً من سوء التصور ومن سوء الأدب معاً.. ومن ثم يستحقون هذا التهديد المتلاحق: {سنكتب ما قالوا}.. لنحاسبهم عليه، فما هو بمتروك ولا منسي ولا مهمل.. وإلى جانبه تسجيل آثامهم السابقة - وهي آثام جنسهم وأجيالهم متضامنة فيه - فكلهم جبلة واحدة في المعصية والإثم: {وقتلهم الأنبياء بغير حق}.. وقد حفظ تاريخ بني إسرائيل سلسلة أثيمة في قتل الأنبياء، آخرها محاولتهم قتل المسيح عليه السلام.. وهم يزعمون أنهم قتلوه، متباهين بهذا الجرم العظيم..! {ونقول ذوقوا عذاب الحريق}.. والنص على {الحريق} هنا مقصود لتبشيع ذلك العذاب وتفظيعه. ولتجسيم مشهد العذاب بهوله وتأججه وضرامه.. جزاء على الفعلة الشنيعة: قتل الأنبياء بغير حق. وجزاء على القولة الشنيعة: إن الله فقير ونحن أغنياء. {ذلك بما قدمت أيديكم}.. جزاء وفاقاً، لا ظلم فيه، ولا قسوة: {وأن الله ليس بظلام للعبيد}.. والتعبير بالعبيد هنا، إبراز لحقيقة وضعهم - وهم عبيد من العبيد - بالقياس إلى الله تعالى. وهو يزيد في شناعة الجرم. وفظاعة سوء الأدب. الذي يتجلى في قول العبيد: {إن الله فقير ونحن أغنياء} والذي يتجلى كذلك في قتل الأنبياء.. هؤلاء الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، والذين قتلوا الأنبياء.. هم الذين يزعمون أنهم لا يؤمنون بمحمد - محمد صلى الله عليه وسلم - لأن الله عهد إليهم - بزعمهم - ألا يؤمنوا لرسول، حتى يأتيهم بقربان يقدمونه، فتقع المعجزة، وتبهط نار تأكله، على نحو ما كانت معجزة بعض أنبياء بني إسرائيل. وما دام محمد لم يقدم لهم هذه المعجزة فهم على عهد مع الله!! هنا يجبههم القرآن بواقعهم التاريخي.. لقد قتلوا هؤلاء الأنبياء الذين جاءوهم بالخوارق التي طلبوها وجاءوهم بآيات الله بينات: {الذين قالوا: إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول، حتى يأتينا بقربان تأكله النار. قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم، فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين؟}. وهي مجابهة قوية، تكشف عن كذبهم والتوائهم وإصرارهم على الكفر، وتبجحهم بعد ذلك وافترائهم على الله! وهنا يلتفت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسلياً مواسياً، مهوناً عليه ما يلقاه منهم، وهو ما لقيه إخوانه الكرام من الرسل على توالي العصور: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك، جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير}. فما هو أول رسول يتلقى بالتكذيب. والأجيال المتعاقبة - وبخاصة من بني إسرائيل - تلقوا بالتكذيب رسلاً جاءوهم بالبينات والخوارق، وجاءوهم بالصحائف المتضمنة للتوجيهات الإلهية - وهي الزبر - وجاءوهم بالكتاب المنير كالتوراة والإنجيل.. فهذا هو طريق الرسل والرسالات.. وما فيه من عناء ومشقة. وهو وحده الطريق. بعد ذلك يتجه السياق إلى الجماعة المسلمة؛ يحدثها عن القيم التي ينبغي لها أن تحرص عليها، وتضحي من أجلها؛ ويحدثها عن أشواك الطريق ومتاعبها وآلامها، ويهيب بها إلى الصبر والتقوى والعزم والاحتمال: {كل نفس ذائقة الموت, وإنما توفون أجوركم يوم القيامة, فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز, وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. لتبلون في أموالكم وأنفسكم, ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً, وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}.. إنه لا بد من استقرار هذه الحقيقة في النفس: حقيقة أن الحياة في هذه الأرض موقوتة، محدودة بأجل؛ ثم تأتي نهايتها حتماً.. يموت الصالحون يموت الطالحون. يموت المجاهدون ويموت القاعدون. يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد. يموت الشجعان الذين يأبون الضيم، ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن.. يموت ذوو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية، ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص. الكل يموت.. {كل نفس ذائقة الموت}.. كل نفس تذوق هذه الجرعة، وتفارق هذه الحياة.. لا فارق بين نفس ونفس في تذوق هذه الجرعة من هذه الكأس الدائرة على الجميع. إنما الفارق في شيء آخر. الفارق في قيمة أخرى. الفارق في المصير الأخير: {وإنما توفون أجوركم يوم القيامة. فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}.. هذه هي القيمة التي يكون فيها الافتراق. وهذا هو المصير الذي يفترق فيه فلان عن فلان. القيمة الباقية التي تستحق السعي والكد. والمصير المخوف الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}.. ولفظ {زحزح} بذاته يصور معناه بجرسه، ويرسم هيئته، ويلقي ظله! وكأنما للنار جاذبية تشد إليها من يقترب منها، ويدخل في مجالها! فهو في حاجة إلى من يزحزحه قليلاً قليلاً ليخلصه من جاذبيتها المنهومة! فمن أمكن أن يزحزح عن مجالها، ويستنقذ من جاذبيتها، ويدخل الجنة.. فقد فاز.. صورة قوية. بل مشهد حي. فيه حركة وشد وجذب! وهو كذلك في حقيقته وفي طبيعته. فللنار جاذبية! أليست للمعصية جاذبية؟ أليست النفس في حاجة إلى من يزحزحها زحزحة عن جاذبية المعصية؟ بلى! وهذه هي زحزحتها عن النار! أليس الإنسان - حتى مع المحاولة واليقظة الدائمة - يظل أبداً مقصراً في العمل.. إلا أن يدركه فضل الله؟ بلى! وهذه هي الزحزحة عن النار؛ حين يدرك الإنسان فضل الله، فيزحزحه عن النار! {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}.. إنها متاع. ولكنه ليس متاع الحقيقة، ولا متاع الصحو واليقظة.. إنها متاع الغرور. المتاع الذي يخدع الإنسان فيحسبه متاعاً. أو المتاع الذي ينشىء الغرور والخداع! فأما المتاع الحق. المتاع الذي يستحق الجهد في تحصيله.. فهو ذاك.. هو الفوز بالجنة بعد الزحزحة عن النار. وعندما تكون هذه الحقيقة قد استقرت في النفس. عندما تكون النفس قد أخرجت من حسابها حكاية الحرص على الحياة - إذ كل نفس ذائقة الموت على كل حال - وأخرجت من حسابها حكاية متاع الغرور الزائل.. عندئذ يحدث الله المؤمنين عما ينتظرهم من بلاء في الأموال والأنفس. وقد استعدت نفوسهم للبلاء: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً. وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}.. إنها سنة العقائد والدعوات. لا بد من بلاء، ولا بد من أذى في الأموال والأنفس، ولا بد من صبر ومقاومة واعتزام. إنه الطريق إلى الجنة. وقد حفت الجنة بالمكاره. بينما حفت النار بالشهوات. ثم إنه هو الطريق الذي لا طريق غيره، لإنشاء الجماعة التي تحمل هذه الدعوة، وتنهض بتكاليفها. طريق التربية لهذه الجماعة؛ وإخراج مكنوناتها من الخير والقوة والاحتمال. وهو طريق المزاولة العملية للتكاليف؛ والمعرفة الواقعية لحقيقة الناس وحقيقة الحياة. ذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عوداً. فهؤلاء هم الذين يصلحون لحملها إذن والصبر عليها.. فهم عليها مؤتمنون. وذلك لكي تعز هذه الدعوة عليهم وتغلو, بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلاء, وبقدر ما يضحون في سبيلها من عزيز وغال. فلا يفرطوا فيها بعد ذلك، مهما تكن الأحوال. وذلك لكي يصلب عود الدعوة والدعاة. فالمقاومة هي التي تستثير القوى الكامنة، وتنميها وتجمعها وتوجهها. والدعوة الجديدة في حاجة إلى استثارة هذه القوى، لتتأصل جذورها وتتعمق؛ وتتصل بالتربة الخصبة الغنية في أعماق الفطرة.. وذلك لكي يعرف أصحاب الدعوة حقيقتهم هم أنفسهم؛ وهم يزاولون الحياة والجهاد مزاولة عملية واقعية. ويعرفوا حقيقة النفس البشرية وخباياها. وحقيقة الجماعات والمجتمعات. وهم يرون كيف تصطرع مبادئ دعوتهم، مع الشهوات في أنفسهم وفي أنفس الناس. ويعرفون مداخل الشيطان إلى هذه النفوس، ومزالق الطريق، ومسارب الضلال! ثم.. لكي يشعر المعارضون لها في النهاية أنه لا بد فيها من خير، ولا بد فيها من سر، يجعل أصحابها يلاقون في سبيلها ما يلاقون وهم صامدون.. فعندئذ قد ينقلب المعارضون لها إليها.. أفواجاً.. في نهاية المطاف! إنها سنة الدعوات. وما يصبر على ما فيها من مشقة؛ ويحافظ في ثنايا الصراع المرير على تقوى الله، فلا يشط فيعتدي وهو يرد الاعتداء؛ ولا ييأس من رحمة الله ويقطع أمله في نصره وهو يعاني الشدائد.. ما يصبر على ذلك كله إلا أولو العزم الأقوياء: {وأن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}.. وهكذا علمت الجماعة المسلمة في المدينة ما ينتظرها من تضحيات وآلام. وما ينتظرها من أذى وبلاء في الأنفس والأموال. من أهل الكتاب من حولها. ومن المشركين أعدائها.. ولكنها سارت في الطريق. لم تتخاذل، ولم تتراجع, ولم تنكص على أعقابها.. لقد كانت تستيقن أن كل نفس ذائقة الموت. وأن توفية الأجور يوم القيامة. وأنه من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. وأن الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور.. على هذه الأرض الصلبة المكشوفة كانت تقف؛ وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو.. والأرض الصلبة المكشوفة باقية لأصحاب هذه الدعوة في كل زمان. والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل إنسان. وأعداء هذه الدعوة هم أعداؤها, تتوالى القرون والأجيال؛ وهم ماضون في الكيد لها من وراء القرون والأجيال.. والقرآن هو القرآن.. وتختلف وسائل الابتلاء والفتنة باختلاف الزمان؛ وتختلف وسائل الدعاية ضد الجماعة المسلمة، ووسائل إيذائها في سمعتها وفي مقوّماتها وفي أعراضها وفي أهدافها وأغراضها.. ولكن القاعدة واحدة: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً}! ولقد حفلت السورة بصور من مكايد أهل الكتاب والمشركين؛ وصور من دعايتهم للبلبلة والتشكيك. أحياناً في أصول الدعوة وحقيقتها، وأحياناً في أصحابها وقيادتها. وهذه الصور تتجدد مع الزمان. وتتنوع بابتداع وسائل الدعاية الجديدة، وتوجه كلها إلى الإسلام في أصوله الاعتقادية، وإلى الجماعة المسلمة والقيادة الإسلامية. فلا تخرج على هذه القاعدة التي كشف الله عنها للجماعة المسلمة الأولى، وهو يكشف لها عن طبيعة الطريق، وطبيعة الأعداء الراصدين لها في الطريق.. ويبقى هذا التوجيه القرآني رصيداً للجماعة المسلمة كلما همت أن تتحرك بهذه العقيدة، وأن تحاول تحقيق منهج الله في الأرض؛ فتجمعت عليها وسائل الكيد والفتنة، ووسائل الدعاية الحديثة، لتشويه أهدافها، وتمزيق أوصالها.. يبقى هذا التوجيه القرآني حاضراً يجلو لأبصارها طبيعة هذه الدعوة، وطبيعة طريقها. وطبيعة أعدائها الراصدين لها في الطريق. ويبث في قلبها الطمأنينة لكل ما تلقاه من وعد الله ذاك؛ فتعرف حين تتناوشها الذئاب بالأذى، وحين تعوي حولها بالدعاية، وحين يصيبها الابتلاء والفتنة.. أنها سائرة في الطريق، وأنها ترى معالم الطريق! ومن ثم تستبشر بالابتلاء والأذى والفتنة والادعاء الباطل عليها وإسماعها ما يكره وما يؤذي.. تستبشر بهذا كله، لأنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها الله لها من قبل. وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق. ويبطل عندها الكيد والبلبلة ويصغر عندها الابتلاء والأذى؛ وتمضي في طريقها الموعود، إلى الأمل المنشود.. في صبر وفي تقوى.. وفي عزم أكيد.. ثم يمضي السياق القرآني يفضح موقف أهل الكتاب في مخالفتهم عن عهد الله معهم يوم آتاهم الكتاب. ونبذهم له. وكتمانهم لما ائتمنهم عليه منه، حين يسألون عنه: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب: لتبينَّنه للناس ولا تكتمونه. فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً. فبئس ما يشترون}! وقد تضمن سياق السورة الكثير من أفاعيل أهل الكتاب وأقاويلهم - وبخاصة اليهود - وأبرز هذه الأفاعيل والأقاويل كتمانهم للحق الذي يعلمونه، ولبسه بالباطل، لإحداث البلبلة والاضطراب في مفهوم الدين، وفي صحة الإسلام، وفي وحدة الأسس والمبادىء بينه وبين الأديان قبله، وفي تصديقه لها وتصديقها له.. وكانت التوراة بين أيديهم يعلمون منها أن ما جاء به محمد حق؛ وأنه من ذات المصدر الذي جاءتهم منه التوارة.. فالآن يبدو هذا الموقف منهم بشعاً غاية البشاعة؛ حين ينكشف أيضاً أن الله - سبحانه - قد أخذ عليهم العهد - وهو يعطيهم الكتاب - أن يبينوه للناس، ويبلغوه، ولا يكتموه أو يخفوه. وأنهم نبذوا هذا العهد مع الله - والتعبير يجسم إهمالهم وإخلافهم للعهد؛ فيمثله في حركة: {فنبذوه وراء ظهورهم}! وأنهم فعلوا هذه الفعلة الفاضحة، ابتغاء ثمن قليل: {واشتروا به ثمناً قليلاً}. هو عرض من أعراض هذه الأرض، ومصلحة شخصية للأحبار أو قومية لليهود! وكله ثمن قليل، ولو كان ملك الأرض كلها طوال الدهور! فما أقل هذا الثمن ثمناً لعهد الله! وما أقل هذا المتاع متاعاً حين يقاس بما عند الله! {فبئس ما يشترون}! وقد ورد في رواية للبخاري - بإسناده - عن ابن عباس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل اليهود عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه"تفسير : . وأنه في هذا نزلت آية: {ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم}.. وفي رواية أخرى للبخاري - بإسناده - عن أبي سعيد الخدري، أن رجالاً من المنافقين في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا إذا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو وتخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فنزلت: {ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا...}. ومسألة نزول آية بعينها في مسألة بعينها ليست قطعية في هذا. فكثيراً ما يكون الذي وقع هو الاستشهاد بالآية على حادثة بعينها. فيروى أنها نزلت فيها. أو تكون الآية منطبقة على الحادثة فيقال كذلك: إنها نزلت فيها.. ومن ثم لا نجزم في الروايتين بقول. فأما إذا كانت الأولى، فهناك مناسبة في السياق عن أهل الكتاب، وكتمانهم لما ائتمنهم الله عليه من الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه. ثم هم يكتمونه. ويقولون غير الحق ويمضون في الكذب والخداع، حتى ليطلبوا أن يحمدوا على بيانهم الكاذب وردهم المفتري! وأما إذا كانت الثانية، ففي سياق السورة حديث عن المنافقين يصلح أن تلحق به هذه الآية. وهي تصور نموذجاً من الناس يوجد على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويوجد في كل جماعة. نموذج الرجال الذين يعجزون عن احتمال تبعة الرأي، وتكاليف العقيدة، فيقعدون متخلفين عن الكفاح. فإن غُلب المكافحون وهزموا رفعوا هم رؤوسهم وشمخوا بأنوفهم, ونسبوا إلى أنفسهم التعقل والحصافة والأناة.. أما إذا انتصر المكافحون وغنموا، فإن أصحابنا هؤلاء يتظاهرون بأنهم كانوا من مؤيدي خطتهم؛ وينتحلون لأنفسهم يداً في النصر، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا! إنه نموذج من نماذج البشرية يقتات الجبن والادعاء. نموذج يرسمه التعبير القرآني في لمسة أو لمستين. فإذا ملامحه واضحة للعيان، وسماته خالدة في الزمان.. وتلك طريقة القرآن. هؤلاء الناس يؤكد الله للرسول - صلى الله عليه وسلم - أنهم لا نجاة لهم من العذاب. وأن الذي ينتظرهم عذاب أليم لا مفر لهم منه و لا معين: {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم}. والذي يتوعدهم به هو الله. مالك السماوات والأرض. القادر على كل شيء. فأين المفازة إذن؟ وكيف النجاة؟ {ولله ملك السماوات والأرض، والله على كل شيء قدير}..
ابن عاشور
تفسير : عطف على {ولا يحسبن الذين كفروا}، لأنّ الظاهر أنّ هذا أنزل في شأن أحوال المنافقين، فإنّهم كانوا يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، كما حكى الله عنهم في سورة النساء (37) بقوله: {أية : الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل}تفسير : وكانوا يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضُّوا، وغير ذلك، ولا يجوز بحال أن يكون نازلاً في شأن بعض المسلمين لأنّ المسلمين يومئذ مبرّؤون من هذا الفعل ومن هذا الحسبان، ولذلك قال معظم المفسّرين: إنّ الآية نزلت في منع الزكاة، أي فيمن منعوا الزكاة، وهل يمنعها يومئذ إلاّ منافق. ولعلّ مناسبة ذكر نزول هذه الآية هنا أنّ بعضهم منع النفقة في سبيل الله في غزوة أُحُد. ومعنى حسبانه خيراً أنّهم حسبوا أن قد استبقوا مالهم وتنصّلوا عن دفعه بمعاذير قُبلت منهم. أمّا شمولها لِمنع الزكاة، فإن لم يكن بعموم صلة الموصول إن كان الموصول للعهد لا للجنس، فبدلالة فحوى الخطاب. وقرأ الجمهور: {ولا يحسبنّ الذين يبخلون} ــــــ بياء الغيبة ــــــ، وقرأه حمزة ــــــ بتاء الخطاب ــــــ كما تقدّم في نظيره. وقرأ الجمهور: تحسِبنّ ــــــ بكسر السين ــــــ، وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم ــــــ بفتح السين ــــــ. وقوله: {هو خيراً لهم} قال الزمخشري (هو) ضمير فصْل، وقد يبنى كلامه على أنّ ضمير الفصل لا يختصّ بالوقوع مع الأفعال التي تطلب اسماً وخبراً، ونقل الطيبي عن الزجاج أنّه قال: زعم سيبويه أنّه إنّما يكون فصلاً مع المبتدأ والخبر، يعني فلا يصحّ أن يكون هُنا ضمير فصل ولذلك حكى أبو البقاء فيه وجهين: أحدهما أن يكون (هو) ضميراً واقعاً موقع المفعول الأوّل على أنه من إنابة ضمير الرفع عن ضمير النصب، ولعلّ الذي حسنّه أنّ المعاد غير مذكور فلا يهتدي إليه بضمير النصب، بخلاف ضمير الرفع لأنّه كالعمدة في الكلام، وعلى كلّ تقدير فالضمير عائد على البخل المستفاد من {يبخلون}، مثل {أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى}تفسير : [المائدة: 8]، ومثل قوله: شعر : إذَا نُهِي السفيهُ جَرى إليه وخَالف والسفيهُ إلى خلاف تفسير : ثم إذا كان ضمير فصل فأحد مفعولي حسب محذوف اختصاراً لدلالة ضمير الفصل عليه، فعلى قراءة الفوقية فالمحذوف مضاف حَلّ المضافُ إليه محلّه، أي لا تحسبنّ الذين يبخلون خيراً وعلى قراءة التحتيّة: ولا يحسبنّ الذين يبخلون بُخلهم خيراً. والبُخْل ــــــ بضم الباء وسكون الخاء ــــــ ويقال: بَخَل بفتحهما، وفعلُه في لغة أهل الحجاز مضموم العين في الماضي والمضارع. وبقية العرب تجعله بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع، وبلغة غير أهل الحجاز جاء القرآن لِخفّة الكسرة والفتحة ولذا لم يقرأ إلاّ بها. وهو ضدّ الجود، فهو الانقباض عن إعطاء المال بدون عوض، هذا حقيقته، ولا يطلق على منع صاحب شيء غير مال أن ينتفع غيره بشيئه بدون مضرّة عليه إلاَّ مجازاً، وقد ورد في أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : البخيل الذي أُذكُر عنده فلا يصلّي عليّ»تفسير : ويقولون: بخِلت العين بالدموع، ويرادف البخلَ الشحّ، كما يرادف الجودَ السخاء والسماح. وقوله: {بل هو شر لهم} تأكيد لنفي كونه خيراً، كقول امرىء القيس: شعر : وتعطو برخص غير ششن تفسير : وهذا كثير في كلام العرب، على أنّ في هذا المقام إفادة نفي توهّم الواسطة بين الخير والشرّ. وجملة {سيطوّقون} واقعة موقع العلّة لقوله: {بل هو شر لهم}. ويطوّقون يحتمل أنه مشتقّ من الطاقة، وهي تحمُّل ما فوق القدرة أي سيحملون ما بخلوا به، أي يكون عليهم وزراً يوم القيامة، والأظهر أنّه مشتقّ من الطَّوْق، وهو ما يلبس تحت الرقبة فوق الصدر، أي تجعل أموالهم أطواقاً يوم القيامة فيعذّبون بحملها، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : من اغتصب شبراً من أرض طُوّقه من سبع أرضين يوم القيامة»تفسير : . والعرب يقولون في أمثالهم تقلّدها (أي الفعلة الذميمة) طوقَ الحمامة. وعلى كلا الاحتمالين فالمعنى أنّهم يشهَّرون بهذه المذمّة بين أهل المحشر، ويلزمون عقاب ذلك. وقوله: {ولله ميراث السموات والأرض} تذييل لموعظة البَاخلين وغيرهم: بأنّ المال مال الله، وما من بخيل إلاّ سيذهب ويترك ماله، والمتصرّف في ذلك كلّه هو الله، فهو يرث السماوات والأرض، أي يستمرّ ملكه عليهما بعد زوال البشر كلّهم المنتفعين ببعض ذلك، وهو يملك ما في ضمنهما تبعاً لهما، وهو عليم بما يعمل الناس من بخل وصدقة، فالآية موعظة ووعيد ووعد لأنّ المقصود لازم قوله: {خبير}.
القطان
تفسير : سيطوَّقون ما بخلوا: سيُلزمون به لزوم الطوق للأعناق. كان الكلام فيما مضى في التحريض على بذل النفس في الجهاد، وهنا شرع يحثُّ على بذل المال في سبيل ذلك. والمال بطبعه عزيز جدًّا على الناس، حتى ان بعضهم لَيفدي نفسه من أجل ماله. لذلك ذكر أشد أنواع الوعيد لمن يبخل بماله على الجهاد، واللهُ يرث الأرض والسماوات، ويبقى الملك له وحده. قراءات: قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} بالتاء كما هو هنا، والباقون "يعملون" بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَاهُمُ} {ٱلْقِيَامَةِ} {مِيرَاثُ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (180) - وَلاَ يَظُنَّنَّ أحَدٌ أنَّ الذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَنِعَمِهِ، (كَمَنْعِ الزَّكَاةِ، وَعَدَمِ البَذْلِ حِينَمَا تَتَعرَّضُ الأمَّةُ لِلْمَكَارِهِ ..) هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ، وَإنَّمَا هُوَ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، لأنَّ العَبْدَ مُطَالَبٌ بِشُكْرِ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ، وَالبُخْلُ كُفْرَانٌ لاَ يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ عَنْ عَاقِلٍ. وَحِينَمَا يَتَهَدَّدُ الخَطَرُ الأمَّةُ، وَيَقْتَضِي الأمْرُ مِنَ المُؤْمِنينَ البَذْلَ، فَعَلَيهِمْ أنْ لاَ يَبْخَلُوا لأنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ وَالمَالِ؛ وَالبُخْلُ وَالامْتِنَاعُ عَنِ البَذْلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الظُرُوفِ شَرٌّ لَهُمْ فِي دُنيَاهُمْ. أمَّا فِي دِينِهِمْ فَإنَّ اللهَ يَتَهَدَّدُهُمْ بِأنَّهُمْ سُيُطَوَّقُونَ بِالمَالِ الذِي بَخِلُوا بِهِ، وَيَلْزَمُهُمُ الإِثْمُ وَالذَنْبُ، وَلاَ يَجِدُونَ إلى دَفْعِهِ سَبِيلاً. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي يَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَالمَالَ كُلُّهُ صَائِرٌ إليهِ، فَمَا لِهَؤلاءِ يَبْخَلُونَ عَلَيهِ بِمَالِهِ، وَلاَ يُنْفِقُونَ فِي سَبِيلِهِ، وَهُوَ لاَ تَخْفَى عَلِيهِ خَافِيَةٌ مِنْ أَعْمَالِ العِبَادِ؟ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا - سَيُلْزَمُونَ إثْمَهُ فِي الآخِرَةِ كَمَا يَلزَمُ الطَّوقُ الرَّقَبَةَ مِيراثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ - مَا يَتَوارَثُهُ أهْلُهُمَا مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد ظن بعض من المنافقين والكفار أن طول العمر ميزة لهم، وها نحن أولاء بصدد قوم آخرين ظنوا أن المال الذي يجمعونه هو الخير فكلما زاد فرحوا. فيقول الحق: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [آل عمران: 180]. فالمال قد جاءهم من فضل الله، ذلك بأنهم دخلوا الدنيا بغير جيوب. ولا أحد فينا قد رأى كفناً له جيوب. ولا أحد فينا قد رأى قماط طفل وليد له جيوب. فالإنسان يدخل الدنيا بلا جيب، ويخرج بلا جيب. وكل ما يأتي للإنسان هو من فضل الله، فلا أحد قد ابتكر الأشياء التي يأتي منها الرزق. ويمكن أن تبتكر من رزق موجود. فتطور في الوسائل والأسباب وللإنسان جزء من الحركة التي وهبها الله له ليضرب في الأرض، ولكن لا أحد يأتي بأرض من عنده ليزرع فيها، ولا أحد يأتي ببذور من عنده لم تكن موجودة من قبل ويزرعها، ولا أحد يأتي بماء لم يوجد من قبل ليروي به، فالأرض من الله، والبذور عطاء من الله، والماء من رزق الله، وحتى الحركة التي يتحرك بها الإنسان هي من فضل الله. فبالله لو أراد إنسان أن يحمل الفأس ليضرب في الأرض ضربة، فهل يعرف الإنسان كم عضلة من العضلات تتحرك ليرفع الفأس؟ وكم عضلة تتحرك حين ينزل الفأس؟!! وعندما يضرب الإنسان الفأس. فهو يضربها في أرض الله. والذي أراد لنفسه فأساً فإنه يذهب إلى الحداد ليصنعها له، لكن هل سأل الإنسان نفسه من أين أتى الحديد؟ وفي هذه قال الحق: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..}تفسير : [الحديد: 25]. إذن فماذا تُوجد أنت أيها الإنسان؟ أنت تأخذ المواد الخام الأولية من عند الله، وتبذل فيها الحركة الممنوحة لك من الله، وأنت لا توجد شيئاً من معدوم؛ بل إنك توجد من موجود، فكل شيء من فضل الله. وأنت أيها الإنسان مضارب في كون الله. فعقلك الذي يفكر، من الذي خلقه؟ إنه الله. وجوارحك التي تنفعل للعقل من الذي خلقها؟ إنه الله. وجوارحك تنفعل في منفعل هو الأرض، بآلة هي الفأس، ثم ترويها بماء هو نازل من السماء. فما الذي هو لك أيها الإنسان؟ إن عليك أن تعرف أنه ليس لك شيء في كل ذلك، إنما أنت مضارب لله. فلتعطه حق المضاربة. والحق سبحانه لا يطلب إلا قدراً بسيطاً من نتاج وثمرة الأرض .. إن كانت تروى بماء السماء فعليك عشر نتاجها. وإن كانت الأرض تروى بآلة الطنبور أو الساقية فعليك نصف العشر. والذي يزرع أرضاً فإنه يحرثها في يوم، ويرويها كل أسبوعين. أما الذي يتاجر في صفقات تجارية فهي تحتاج إلى عمل في كل لحظة، لذلك فإن الحق قدّر الزكاة عليه بمقدار اثنين ونصف بالمائة. إذن فكلما زادت حركة الإنسان قلل الله قدر الزكاة. وهذه العملية على عكس البشر. فكلما زادت حركته. فإنهم يأخذون منه أكثر!! والله سبحانه يريد أن توجد الحركة في الكون؛ لأنه إن وجدت الحركة في الكون انتفع الناس وإن لم يقصد التحرك. وبعد ذلك فأين يذهب الذي يأخذه الله منك؟. إنه يعطيه لأخ لك ولغيره. فما دام سبحانه يعطي أخاً لك وزميلاً لك من ثمرة ونتيجة حركتك، ففي هذا اطمئنان وأمان لك، لأن الغير سيعطيك لو صرت عاجزاً غير قادر على الكسب. وفي هذا طمأنينة لأغيار الله فيك. فإن جاءت لك الأغيار فستجد أناساً يساعدونك، وبذلك يتكاتف المجتمع, وهذا هو التأمين الاجتماعي في أرقى معانيه. أليس التأمين أن تعطي وأنت واجد وأن تأخذ وأنت فاقد؟. إذن فهذا كله من فضل الله. {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} [آل عمران: 180] إن الذين يبخلون بفضل الله يظنون أن البخل خير لمجرد أنه يكدس عندهم الأموال، وليس ذلك صحيحاً؛ لأن الحق يقول: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] أي أن ما بخلوا به يصنعه الله طوقاً في رقبة البخيل، وساعة يرى الناس الطوق في رقبة البخيل يقولون: هذا منع حق الله في ماله. والرسول صلى الله عليه وسلم يصور هذه المسألة تصويراً دقيقاً حين يبين لنا أن من يُطلب منه حق الله ولم يؤده، يأتي المال الذي منعه وضن وبخل به يتمثل لصاحبه يوم القيامة "شجاعاً أقرع" وهو ثعبان ضخم، ويطوق رقبته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّلَ له شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - يقول: "أنا مالُك أنا كنزك" ثم تلا قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} إلى آخر الآية . تفسير : إذن فالذي يدخر بخلاً على الله فهو يزيد من الطوق الذي يلتف حول رقبته يوم القيامة. {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180] نعم فلله ميراث السماوات والأرض، ثم يضعها فيمن يشاء، فكل ما في الكون نسبته إلى الله، ويوزعه الله كيفما شاء. إن الإيمان يدعونا ألاَّ ننتظر بالصدقة إلى حالة بلوغ الروح الحلقوم، فقد روي عن أبي هريرة أنه قال: حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: "أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان" تفسير : لأنه عند وصول الروح الى الحلقوم لا يكون له مال. قول الحق: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180] قضية تجعل القلب يرتجف خوفاً ورعباً، فقد يدلس الإنسان على البشر، فتجد من يتهرب من الضرائب ويصنع تزويراً دفترين للضرائب، واحداً للكسب الصحيح وآخر للخسارة الخاطئة ويكون هذا المتهرب من الضرائب يملك المال ثم ينكر ذلك، هذا الإنسان عليه أن يعرف أن الله خبير بكل ما يعمل. وبعد ذلك يقول الحق: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ} [الآية: 180] يقول: يكلفون أَن يأْتوا بما بخلوا به يوم القيامة. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: قال رجل: {إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [الآية: 181] فلم يستقرضنا، وهو غنى. فصكه أَبو بكر الصديق رضي الله عنه. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [الآية: 187] قال: يعني تبديل اليهود والنصارى، صفة محمد، صلى الله عليه وسلم، ونعته، في كتبهم، ونبوته. يقول: اشتروا به ما كانوا يصيبون من سفلتهم. فبئس ما يشترون.
الأندلسي
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما بلغ في التحريض على بذل الأرواح في الجهاد في الآيات السابقة شرع في التحريض هنا على بذل الأموال في الجهاد وغيره، وبين الوعيد الشديد لمن يبخل والبخل الشرعي عبارة عن منع بذل الواجب. وقرىء ولا تحسبن بالتاء فيكون الذين أول مفعولين لتحسبن وهو على حذف مضاف أي بخل الذين. وقرىء بالياء والفعل مسند إلى ضمير أحد فيكون الذين هو المفعول الأول على ذلك التقدير وإن كان الذين هو الفاعل فيكون المفعول الأول محذوفاً تقديره بخلهم وحذف لدلالة يبخلون عليه وحذفه عزيز جداً عند الجمهور فلذلك الأولى تخريج هذه القراءة على قراءة التاء من كون الذين هو المفعول الأول على حذف مضاف وهو فصل، وخيراً المفعول الثاني ليحسبن، ويظهر لي تخريج غريب في الآية تقتضيه قواعد العربية وهو أن تكون المسألة من باب الأعمال إذا جعلنا الفعل مسنداً للذين وذلك أن يحسبن يطلب مفعولين ويبخلون بيطلب مفعولاً بحرف جر فقوله: ما آتاهم بطلبه يحسبن على أن يكون المفعول الأول ويكون هو فصلاً وخيراً المفعول الثاني، ويطلبه يبخلون متوسط حرف الجر. فاعمل الثاني على الأفصح في لسان العرب وعلى ما جاء في القرآن وهو يبخلون فعدى بحرف الجر وأخذ معموله وحذف معمول يحسبن الأول ونفى معموله الثاني لأنه لم يتنازع فيه إنما جاء التنازع بالنسبة إلى المفعول الأول وساغ حذفه وحده كما ساغ حذف المفعولين في مسألة سيبويه متى رأيت أو قلت زيد منطلق لأن رأيت. وقلت في هذه المسألة: تنازعاً زيد منطلق وفي الآية لم يتنازعا إلا في المفعول الواحد وتقدير المعنى ولا يحسبن ما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم الناس الذين يبخلون به فعلى هذا التقدير والتخريج يكون هو فصلاً لما آتاهم المحذوف لا لتقديرهم بخلهم. ونظير هذا التركيب ظن الذي مرّ بهند هي المنطلقة المعنى ظن هذا الشخص الذي مرّ بها هي المنطلقة فالذي تنزعه الفعلان هو الاسم الأول فاعمل الثاني وبقي الأول يطلبه محذوفاً ويطلب المفعول الثاني مثبتاً إذ لم يقع فيه التنازع، ولما تضمن النهي انتفاء كون البخل أو المبخول به خيراً لهم وكان تحت الانتفاء قسمان: أحدهما أن لا خير ولا شر، والآخر: إثبات الشر، أتى بالجملة التي تعني أحد القسمين وهو إثبات كونه شراً لهم. {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} هذا تفسير لقوله: {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ}. والظاهر حمله على المجاز أي سليزمون عقابه الزام الطوق. {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ} الآية نزلت في فنحاص بن عازوراء حاوره أبو بكر في الاسلام وأن يقرض الله قرضاً حسناً، فقال: هذه المقالة، فضربه أبو بكر ومنعه من قبله العهد. فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكر. ما قال فنزلت تكذيباً لفنحاص وتصديقاً للصديق رضي الله عنه. قال ابن عباس: وشمل قوله: الذين قالوا فنحاصاً، ومن قال بمقالته كحيّ بن أخطب والياس بن عمرو. {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} الظاهر إجراء الكتابة على أنها حقيقة فتكتب الأعمال في صحف وان تلك الصحف هي التي توزن ويحدث الله الثقل فيها والخفة. وقيل: الكتابة مجاز ومعناها الاحصاء للشيء وضبطه وعدم إهماله وكينونته في علم الله مثبتاً محفوظاً لا ينسى كما يكتب المكتوب. وقرىء سنكتب بالنون وقتلهم نصباً ونقول بالنون. وقرىء سيكتب مبنياً للمفعول وقتلهم رفعاً ويقول بالياء، ولما كان الصادر منهم قولاً وفعلاً ناسب أن يكتب الجزاء قولاً وفعلاً فتضمن القول والفعل، قوله: ونقول ذوقوا عذاب الحريق وفي الجمع لهم بين القول والفعل أعظم انتقام ويقال للمنتقم فيه أخْسَ وذق. {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} الإِشارة إلى ما تقدم من عقابهم ونسب ما قدموه من المعاصي القولية والفعلية والاعتقادية إلى الأيدي على سبيل التغليب لأن الأيدي تزاول أكثر الأعمال فكان كل عمل واقع بها. وهذه الجملة داخلة في المقول وبّخوا بذلك وذكر لهم السبب الذي أوجب لهم العقاب. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} هذا معطوف على قوله: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ}، أي ذلك العقاب حاصل بسبب معاصيكم وعدل الله فيكم وجاء لفظ ظلام الموضوع للتكثير وهذا تكثير بسبب المتعلق.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله، من المال والجاه والعلم، وغير ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم به، وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك، وأمسكوه، وضنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خير لهم، بل هو شر لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم وآجلهم { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } أي: يجعل ما بخلوا به طوقا في أعناقهم، يعذبون به كما ورد في الحديث الصحيح، "حديث : إن البخيل يمثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان، يأخذ بلهزمتيه يقول: أنا مالك، أنا كنزك" تفسير : وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداق ذلك، هذه الآية. فهؤلاء حسبوا أن بخلهم نافعهم، ومجد عليهم، فانقلب عليهم الأمر، وصار من أعظم مضارهم، وسبب عقابهم. { ولله ميراث السماوات والأرض } أي: هو تعالى مالك الملك، وترد جميع الأملاك إلى مالكها، وينقلب العباد من الدنيا ما معهم درهم ولا دينار، ولا غير ذلك من المال. قال تعالى: {أية : إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون } تفسير : وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي والسبب الغائي، الموجب كل واحد منهما أن لا يبخل العبد بما أعطاه الله. أخبر أولا أن الذي عنده وفي يده فضل من الله ونعمة، ليس ملكا للعبد، بل لولا فضل الله عليه وإحسانه، لم يصل إليه منه شيء، فمنعه لذلك منع لفضل الله وإحسانه؛ ولأن إحسانه موجب للإحسان إلى عبيده كما قال تعالى: {أية : وأحسن كما أحسن الله إليك } . تفسير : فمن تحقق أن ما بيده، فضل من الله، لم يمنع الفضل الذي لا يضره، بل ينفعه في قلبه وماله، وزيادة إيمانه، وحفظه من الآفات. ثم ذكر ثانيا: أن هذا الذي بيد العباد كلها ترجع إلى الله، ويرثها تعالى، وهو خير الوارثين، فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك منتقل إلى غيرك. ثم ذكر ثالثا: السبب الجزائي، فقال: { والله بما تعملون خبير } فإذا كان خبيرا بأعمالكم جميعها -ويستلزم ذلك الجزاء الحسن على الخيرات، والعقوبات على الشر- لم يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان عن الإنفاق الذي يجزى به الثواب، ولا يرضى بالإمساك الذي به العقاب.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 170 : 34 : 2 - سفين عن منصور عن إبراهيم في قوله {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} قال، طوقاً من نار. [الآية 180]. 171 : 35 : 5 - سفين عن أبي اسحاق عن ابي وائل عن عبد الله في قوله {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} قال، يجيء ماله ثعباناً، ينقر رأسه، يقول: "أنا مالك الذي بخلت بي". فينطوي على عنقه.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ} [180] 104- أنا مجاهد بن موسى، نا ابن عُيينة، عن جامع بن ابي راشد، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله، إلا جعل له طوقا في عنقه شجاع أقرع فهو يفر منه وهو يتبعه"تفسير : قال: ثم قرأ مصداقهُ من كتاب الله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} إلى قوله: {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}.
همام الصنعاني
تفسير : 486- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}: [الآية: 180]، قال: يطوقونه في أعناقهم يوم القيامة. 489- عبد الرزاق، قال: حدثنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم في قوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ}: [الآية: 180]، قال: طوق من النار. 490- عبد الرزاق، قال: أخبرني الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: يجيء ماله يوم القيامة ثعباناً فينقر رأسه ويقول: أنا مالك الذي بخلت بي، فينطوي على عنقه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):