٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
181
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في كيفية النظم وجهين: الأول: أنه تعالى لما أمر المكلفين في هذه الآيات ببذل النفس وبذل المال في سبيل الله وبالغ في تقرير ذلك، شرع بعد ذلك في حكاية شبهات القوم في الطعن في نبوته. فالشبهة الأولى: أنه تعالى لما أمر بانفاق الأموال في سبيله قالت الكفار: انه تعالى لو طلب الانفاق في تحصيل مطلوبه لكان فقيرا عاجزا، لأن الذي يطلب المال من غيره يكون فقيرا، ولما كان الفقر على الله تعالى محالا، كان كونه طالبا للمال من عبيده محالا، وذلك يدل على أن محمدا كاذب في إسناد هذا الطلب إلى الله تعالى. الوجه الثاني: في طريق النظم أن أمة موسى عليه السلام كانوا إذا أرادوا التقرب بأموالهم إلى الله تعالى، فكانت تجيء نار من السماء فتحرقها، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما طلب منهم بذل الأموال في سبيل الله قالوا له لو كنت نبياً لما طلبت الأموال لهذا الغرض، فانه تعالى ليس بفقير حتى يحتاج في اصلاح دينه إلى أموالنا، بل لو كنت نبياً لكنت تطلب أموالنا لأجل أن تجيئها نار من السماء فتحرقها، فلما لم تفعل ذلك عرفنا أنك لست بنبي، فهذا هو وجه النظم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه يبعد من العاقل أن يقول ان الله فقير ونحن أغنياء، بل الانسان إنما يذكر ذلك إما على سبيل الاستهزاء أو على سبيل الالزام، وأكثر الروايات أن هذا القول إنما صدر عن اليهود، روي أنه صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الاسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسنا، فقال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حتى سألنا القرض، فلطمه أبو بكر في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك، فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله، فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر رضي الله عنه. وقال آخرون: لما أنزل الله تعالى {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } تفسير : [البقرة: 245] قالت اليهود: نرى إله محمد يستقرض منا، فنحن إذن أغنياء وهو فقير، وهو ينهانا عن الربا ثم يعطينا الربا، وأرادوا قوله: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً }. واعلم أنه ليس في الآية تعيين هذا القائل، إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: أن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: إن يد الله مغلولة: يعنون أنه بخيل بالعطاء وذلك الجهل مناسب للجهل المذكور في هذه الآية. وثانيها: ما روي في الخبر أنهم تكلموا بذلك على ما رويناه في قصة أبي بكر. وثالثها: أن القول بالتشبيه غالب على اليهود، ومن قال بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه تعالى قادرا على كل المقدورات، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني وليس بفقير. والوجه الرابع: أن موسى عليه الصلاة والسلام لما طلب منهم أن يوافقوه في مجاهدة الأعداء قالوا: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. فموسى عليه السلام لما طلب منهم الجهاد بالنفس قالوا: لما كان الاله قادرا فأي حاجة به الى جهادنا، وكذا ههنا أن محمدا عليه الصلاة والسلام لما طلب منهم الجهاد ببذل المال قالوا: لما كان الإله غنيا فأي حاجة به الى أموالنا. فكان إسنادهم هذه الشبهة الى اليهود لائقا من هذا الوجه، وإن كان لا يمتنع أن يكون غيرهم من الجهال قد قال ذلك. والأظهر أنهم قالوه على سبيل الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، يعني لو صدق محمد في أن الاله يطلب المال من عبيده لكان فقيرا، ولما كان ذلك محالا ثبت أنه كاذب في هذا الإخبار، أو ذكروه على سبيل الاستهزاء والسخرية، فأما أن يقول العاقل مثل هذا الكلام عن اعتقاد فهو بعيد. المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أنه تعالى سميع للأقوال، ونظيره قوله تعالى: {أية : قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ } تفسير : [المجادلة: 1]. المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على أن قائل هذا القول كانوا جماعة، لأنه تعالى قال: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ } وظاهر هذا القول يفيد الجميع. وأما ما روي أن قائل هذا القول هو فنحاص اليهودي، فهذا يدل على أن غيره لم يقل ذلك، فلما شهد الكتاب أن القائلين كانوا جماعة وجب القطع بذلك. ثم قال تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة {سيكتب} بالياء وضمها على ما لم يسم فاعله {ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَاء } برفع اللام على معنى سيكتب قتلهم، والباقون بالنون وفتح اللام إضافة اليه تعالى. قال صاحب «الكشاف»: وقرأ الحسن والأعرج {سيكتب} بالياء وتسمية الفاعل. المسألة الثانية: هذا وعيد على ذلك القول وهو يحتمل وجوها: أحدها: أن يكون المراد من كتبه عليهم إثبات ذلك عليهم وأن لا يلغى ولا يطرح، وذلك لأن الناس إذا أرادوا إثبات الشيء على وجه لا يزول ولا ينسى ولا يتغير كتبوه، والله تعالى جعل الكتبة مجازا عن إثبات حكم ذلك عليهم. الثاني: سنكتب ما قالوا في الكتب التي تكتب فيها أعمالهم ليقرؤا ذلك في جرائد أعمالهم يوم القيامة، والثالث: عندي فيه احتمال آخر، وهو أن المراد: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يعلم الخلق الى يوم القيامة شدة تعنت هؤلاء وجهلهم وجهدهم في الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما قدروا عليه. ثم قال: {وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ } أي ونكتب قتلهم الأنبياء بغير حق، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الفائدة في ضم أنهم قتلوا الأنبياء إلى أنهم وصفوا الله تعالى بالفقر، هي بيان أن جهل هؤلاء ليس مخصوصاً بهذا الوقت، بل هم منذ كانوا، مصرون على الجهالات والحماقات. المسألة الثانية: في إضافة قتل الأنبياء إلى هؤلاء وجهان: أحدهما: سنكتب ما قال هؤلاء ونكتب ما فعله أسلافهم فنجازي الفريقين بما هو أهله، كقوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } أي قتلها أسلافكم {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ }تفسير : [البقرة: 49] {أية : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ }تفسير : [البقرة: 50] والفاعل لهذه الأشياء هو أسلافهم، والمعنى أنه سيحفظ على الفريقين معاً أقوالهم وأفعالهم. والوجه الثاني: سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم، ونكتب عليهم رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وعن الشعبي أن رجلا ذكر عنده عثمان رضي الله عنه وحسن قتله، فقال الشعبي: صرت شريكا في دمه، ثم قرأ الشعبي {أية : قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } تفسير : [آل عمران: 183] فنسب لهؤلاء قتلهم وكان بينهما قريب من سبعمائة سنة. ثم قال تعالى: {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة {سيكتب} على لفظ ما لم يسم فاعله {وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَاء } برفع اللام {وَيِقُولُ ذُوقُواْ } بالياء المنقطة من تحت، والباقون {سَنَكْتُبُ وَنَقُولُ } بالنون. المسألة الثانية: المراد أنه تعالى ينتقم من هذا القائل بأن يقول له ذق عذاب الحريق، كما أذقت المسلمين الغصص، والحريق هو المحرق كالأليم بمعنى المؤلم. المسألة الثالثة: يحتمل أن يقال له هذا القول عند الموت أو عند الحشر أو عند قراءة الكتاب ويحتمل أن يكون هذا كناية عن حصول الوعيد، وإن لم يكن هناك قول: المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: إنهم أوردوا سؤالا وهو أن من يطلب المال من غيره كان فقيرا محتاجا، فلو طلب الله المال من عبيده لكان فقيرا وذلك محال، فوجب أن يقال: إنه لم يطلب المال من عبيده، وذلك يقدح في كون محمد عليه الصلاة والسلام صادقا في ادعاء النبوة فهو هو شبهة القوم فأين الجواب عنها؟ وكيف يحسن ذكر الوعيد على ذكرها قبل ذكر الجواب عنها؟ فنقول: إذا فرعنا على قول أصحابنا من أهل السنة والجماعة قلنا: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر الله تعالى عبيده ببذل الأموال مع كونه تعالى أغنى الاغنياء. وإن فرعنا على قول المعتزلة في أنه تعالى يراعي المصالح لم يبعد أن يكون في هذا التكليف أنواع من المصالح العائدة إلى العباد: منها: أن إنفاق المال يوجب زوال حب المال عن القلب، وذلك من أعظم المنافع، فانه اذا مات فلو بقي في قلبه حب المال مع أنه ترك المال لكان ذلك سببا لتألم روحه بتلك المفارقة، ومنها: أن يتوسل بذلك الانفاق الى الثواب المخلد المؤبد، ومنها: أن بسبب الانفاق يصير القلب فارغا عن حب ما سوى الله، وبقدر ما يزول عن القلب حب غير الله فانه يقوى في حب الله، وذلك رأس السعادات، وكل هذه الوجوه قد ذكرها الله في القرآن وبينها مراراً وأطوارا، كما قال: {أية : وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا } تفسير : [الكهف: 46] وقال: {أية : وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ }تفسير : [الأعلى: 17] وقال: {أية : وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } تفسير : [التوبة: 72] وقال: {أية : فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ }تفسير : [يونس: 58] فلما تقدم ذكر هذه الوجوه على الاستقصاء كان إيراد هذه الشبهة بعد تقدم هذه البينات محض التعنت، فلهذا اقتصر الله تعالى عند ذكرها على مجرد الوعيد. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد ذكر سببه فقال: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } أي هذا العذاب المحرق جزاء فعلكم حيث وصفتم الله وأقدمتم على قتل الأنبياء، فيكون هذا العقاب عدلا لا جورا. المسألة الثانية: قال الجبائي: الآية تدل على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلما بتقدير أن لا يقع منهم تلك الذنوب، وفيه بطلان قول المجبرة: ان الله يعذب الأطفال بغير جرم، ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلا، وإلا لكان الظلم حاصلا. والجواب: ان ما ذكرتم معارض بمسألة الداعي ومسألة العلم على ما شرحناه مراراً وأطوارا. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [فصلت: 46] يفيد نفي كونه ظلاما، ونفي الصفة يوهم بقاء الأصل، فهذا يقتضي ثبوت أصل الظلم. أجاب القاضي عنه بأن العذاب الذي توعد بأن يفعله بهم لو كان ظلما لكان عظيما، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا، وهذا يؤكد ما ذكرنا أن إيصال العقاب اليهم يكون ظلما لو لم يكونوا مذنبين. المسألة الرابعة: اعلم أن ذكر الأيدي على سبيل المجاز، لأن الفاعل هو الانسان لا اليد، إلا أن اليد لما كانت آلة الفعل حسن إسناد الفعل اليها على سبيل المجاز، ثم في هذه الآية ذكر اليد بلفظ الجمع فقال: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } وفي آية أخرى ذكر بلفظ التثنية فقال: {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } تفسير : [الحج: 10] والكل حسن متعارف في اللغة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} ذكر تعالى قبيحَ قول الكفار لا سِيمَا اليهود. وقال أهل التفسير؛ لما أنزل الله {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} قال قوم من اليهود ـ منهم حُيّ بن أخطب؛ في قول الحسن. وقال عكرمة وغيره: وهو فنحاص بن عازوراء ـ إِنَّ الَلَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ يقترض منا. وإنما قالوا هذا تَموِيهاً على ضعفائهم، لا أنهم يعتقدون هذا؛ لأنهم أهل كتاب. ولكنهم كفروا بهذا القول؛ لأنهم أرادوا تشكيك الضعفاء منهم ومن المؤمنين، وتكذيبَ النبي صلى الله عليه وسلم. أي أنه فقير على قول محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه اقترض منِا. {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} سنجازيهم عليه. وقيل: سنكتبه في صحائف أعمالهم، أي نأمر الحَفَظة بإثبات قولهم حتى يقرءوه يوم القِيامة في كتبهم التي يُؤتونها؛ حتى يكون أوكدَ للحجة عليهم. وهذا كقوله: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} وقيل: مقصود الكتابة الحفظ، أي سنحفظ ما قالوا لنجازيهم. «وما» في قوله «ما قالوا» في موضع نصب بـ «سنكتب» وقرأ الأعمش وحمزة «سيُكتب» بالياء؛ فيكون «ما» اسم ما لم يُسمّ فاعله. واعتبر حمزة ذلك بقراءة ابن مسعود: {ويقال ذوقوا عذاب الحريق}. قوله تعالى: {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} أي ونكتب قتلَهم الأنبياء، أي رضاهم بالقتل. والمراد قتل أسلافهم الأنبياء؛ لكن لما رَضُوا بذلك الإضافة إليهم. وحسَّن رجل عند الشعبي قتْل عثمان رضي الله عنه فقال له الشعبي. شَرِكَت في دمه. فجعل الرضا بالقتل قتْلا؛ رضي الله عنه. قلت: وهذه مسألة عُظْمَى، حيث يكون الرضا بالمعصية معصيةً. وقد روى أبو داود عن العُرْس بن عميرة الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهِدَها فكرِهها ـ وقال مرة فأنكرها ـ كمن غاب عنها ومن غاب عنها فَرِضِيها كان كمن شهِدَها»تفسير : . وهذا نص. قوله تعالى: {بِغَيْرِ حَقٍّ} تقدم معناه في البقرة. {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي يقال لهم في جهنم. أو عند الموت، أو عند الحساب هذا. ثم هذا القول من الله تعالى، أو من الملائكة؛ قولان. وقراءة ٱبن مسعود «ويقال». والحريق اسم للملتهبة من النار، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة. قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي ذلك العذاب بما سلف من الذنوب. وخصّ الأيْدِي بالذكر ليدلّ على تولّى الفعل ومباشرته؛ إذ قد يُضاف الفعل إلى الأنسان بمعنى أنه أمر به؛ كقوله: {أية : يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ}تفسير : [القصص: 4] وأصل {أَيْدِيكُمْ} أيديكم فحذفت الضمة لثقلها. والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}تفسير : [البقرة: 245] قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك، فسأل عباده القرض؟ فأنزل الله: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} الآية، رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم. وقال محمد بن إِسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أنه حدثه عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت المدراس، فوجد من يهود أناساً كثيراً قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له أشيع، فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم، فو الله إِنك لتعلم أن محمداً رسول الله قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إِلى الله من حاجة من فقر، وإِنه إِلينا لفقير، ما نتضرع إِليه كما يتضرع إِلينا، وإِنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويُعْطناه، ولو كان غنياً ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر رضي الله عنه، فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً، وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد أبصر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «حديث : ما حملك على ما صنعت؟»تفسير : فقال: يا رسول الله، إِن عدو الله قد قال قولاً عظيماً، زعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك، غضبت لله مما قال، فضربت وجهه، فجحد فنحاص ذلك، وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله فيما قال فنحاص؛ رداً عليه، وتصديقاً لأبي بكر: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} الآية، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} تهديد ووعيد، ولهذا قرنه تعالى بقوله: {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} أي: هذا قولهم في الله، وهذه معاملتهم لرسل الله، وسيجزيهم الله على ذلك شر الجزاء، ولهذا قال تعالى: { وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ } أي: يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً وتحقيراً وتصغيراً، وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ} يقول تعالى تكذيياً أيضاً لهؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إِليهم في كتبهم، أن لا يؤمنوا لرسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته، فتقبلت منه، أن تنزل نار من السماء تأكلها، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. قال الله عز وجل: {قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي: بالحجج والبراهين، {وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ} أي: وبنار تأكل القرابين المتقبلة، {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} أي: فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل. ثم قال تعالى مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ} أي: لا يوهنك تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة بمن قبلك من الرسل الذين كذبوا مع ما جاؤوا به من البينات، وهي الحجج والبراهين القاطعة، {وَٱلزُّبُرِ} وهي الكتب المتلقاة من السماء؛ كالصحف المنزلة على المرسلين، {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ} أي: البين الواضح الجلي.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ } وهم اليهود قالوه لما نزل { أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } تفسير : [11:57,245:2] وقالوا لو كان غنيا ما استقرضنا {سَنَكْتُبُ } نأمر بكتب {مَا قَالُواْ } في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه، وفي قراءة بالياء مبنيا للمفعول {وَ} نكتب { قَٰتَلَهُمُ } بالنصب والرفع {ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍ وَنَقُولُ } بالنون والياء، أي الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } النار.
الشوكاني
تفسير : قال أهل التفسير: لما أنزل الله: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا }تفسير : [البقرة: 245، الحديد: 11] قال قوم من اليهود: هذه المقالة تمويهاً على ضعفائهم، لا أنهم يعتقدون ذلك؛ لأنهم أهل الكتاب، بل أرادوا أنه تعالى إن صح ما طلبه منا من القرض على لسان محمد، فهو فقير ليشككوا على إخوانهم في دين الإسلام. وقوله: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ } سنكتبه في صحف الملائكة، أو سنحفظه، أو سنجازيهم عليه. والمراد: الوعيد لهم، وأن ذلك لا يفوت على الله، بل هو معدّ لهم ليوم الجزاء. وجملة سنكتب على هذا مستأنفة جواباً لسؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا صنع الله بهؤلاء الذين سمع منهم هذا القول الشنيع؟ فقال: قال لهم: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ }. وقرأ الأعمش، وحمزة: «سيكتب» بالمثناة التحتية مبني للمفعول. وقرأ برفع اللام من «قتلهم» و"يقول" بالياء المثناة تحت. قوله: {وَقَتْلِهِمُ ٱلأنْبِيَاء } عطف على {ما قالوا}، أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، أي: قتل أسلافهم للأنبياء، وإنما نسب ذلك إليهم لكونهم رضوا به، جعل ذلك القول قريناً لقتل الأنبياء تنبيهاً على أنه من العظم، والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء. قوله: {وَنَقُولُ } معطوف على {سَنَكْتُبُ } أي: ننتقم منهم بعد الكتابة بهذا القول الذي نقوله لهم في النار، أو عند الموت، أو عند الحساب. والحريق: اسم للنار الملتهبة وإطلاق الذوق على إحساس العذاب فيه مبالغة بليغة. وقرأ ابن مسعود: «ويقال ذوقوا» والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى العذاب المذكور قبله، وأشار إلى القريب بالصيغة التي يشار بها إلى البعيد للدلالة على بعد منزلته في الفظاعة، وذكر الأيدي لكونها المباشرة لغالب المعاصي. وقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } معطوف على {مَّا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُم } ووجه أنه سبحانه عذبهم بما أصابوا من الذنب، وجازاهم على فعلهم، فلم يكن ذلك ظلماً، أو بمعنى: أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وليس بظالم لمن عذبه بذنبه، وقيل: إن وجهه أن نفي الظلم مستلزم للعدل المقتضي لإثابة المحسن، ومعاقبة المسيء، ورد بأن ترك التعذيب مع وجود سببه، ليس بظلم عقلاً، ولا شرعاً، وقيل: إن جملة قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } في محل رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: والأمر أن الله ليس بظلام للعبيد، والتعبير بذلك عن نفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم عند أهل السنة فضلاً عن كونه ظلماً بالغاً لبيان تنزهه عن ذلك، ونفي ظلام المشعر بالكثرة، يفيد ثبوت أصل الظلم. وأجيب عن ذلك بأن الذي توعد بأن يفعله بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً، فنفاه على حدّ عظمه لو كان ثابتاً. قوله: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ } هو خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين قالوا، وقيل: نعت للعبيد، وقيل: منصوب على الذم، وقيل: هو في محل جر بدل من {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ } وهو ضعيف؛ لأن البدل هو المقصود دون المبدل منه، وليس الأمر كذلك هنا، والقائلون هؤلاء هم جماعة من اليهود، كما سيأتي، وهذا المقول، وهو أن الله عهد إليهم أن لا يؤمنوا لرسول حتى يأتيهم بالقربان هو من جملة دعاويهم الباطلة. وقد كان دأب بني إسرائيل أنهم كانوا يقربون القربان، فيقوم النبي، فيدعو، فتنزل نار من السماء، فتحرقه، ولم يتعبد الله بذلك كل أنبيائه، ولا جعله دليلاً على صدق دعوى النبوة، ولهذا ردّ الله عليهم، فقال: {قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ } من القربان {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } كيحيـى بن زكريا وشعياء، وسائر من قتلوا من الأنبياء. والقربان: ما يتقرب به إلى الله من نسيكة وصدقة وعمل صالح، وهو فعلان من القربة؛ ثم سلّى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ جَاءوا } بمثل ما جئت به من البينات. والزبر جمع زبور: وهو الكتاب، وقد تقدم تفسيره {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ } الواضح الجلي المضيء، يقال نار الشيء، وأنار، ونوره، واستناره بمعنى. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر بيت المدراس، فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص، وكان من علمائهم، وأحبارهم. فقال أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه، كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً عنا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا، ويعطينا، ولو كان غنياً عنا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد انظر ما صنع صاحبك بي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: حديث : ما حملك على ما صنعت؟ تفسير : فقال: يا رسول الله قال قولاً عظيماً، يزعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربت وجهه، فجحد فنحاص فقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله فيما قال فنحاص تصديقاً لأبي بكر: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ } الآية، ونزل في أبي بكر، وما بلغه في ذلك من الغضب {أية : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذىً كَثِيراً }تفسير : [آل عمران: 186] الآية. وقد أخرج هذه القصة ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة، وأخرجها ابن جرير، عن السدي بأخصر من ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتت اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } تفسير : [البقرة: 245] فقالوا: يا محمد أفقير ربك يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة: أن القائل لهذه المقالة حيي بن أخطب، وأنها نزلت فيه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن العلاء بن بدر أنه سئل عن قوله: {وَقَتْلِهِمُ ٱلأنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ } وهم: لم يدركوا ذلك، قال: بموالاتهم من قتل الأنبياء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } قال: ما أنا بمعذب من لم يجترم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا } قال: هم اليهود. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {أية : حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ }تفسير : [التوبة: 30] قال: يتصدق الرجل منا، فإذا تقبل منه أنزلت عليه النار من السماء، فأكلته. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا } قال: كذبوا على الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } قال: الحلال، والحرام {وَٱلزُّبُر} قال: كتب الأنبياء {والكتاب المنير} قال: هو القرآن.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفِسُكُمْ وَلَتْسَمُعنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذىً كَثِيراً}. وفي هذا الأذى ثلاثة أقاويل: أحدها: ما روي أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ويحرض عليهم المشركين حتى قتله محمد بن مسلمة، وهذا قول الزهري. والثاني: أن فنحاص اليهودي سيد بني قينقاع لما سئل الإمداد قال: احتاج ربكم إلى أن نمده، وهذا قول عكرمة. والثالث:أن الأذى ما كانوا يسمعونه من الشرك كقول اليهود: عزيز ابن الله، وكقول النصارى: المسيح ابن الله وهذا قول ابن جريج.
النسفي
تفسير : {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} قال ذلك اليهود حين سمعوا قوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا }تفسير : [البقرة: 245]. وقالوا: إن إله محمد يستقرض منا فنحن إذاً أغنياء وهو فقير. ومعنى سماع الله له أنه لم يخف عليه وأنه أعد له كفاء من العقاب {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ } سنأمر الحفظة بكتابة ما قالوا في الصحائف، أو سنحفظه إذ الكتاب من الخلق ليحفظ ما فيه فسمي به مجازاً. و«ما» مصدرية أو بمعنى «الذي» {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} معطوف على «ما». جعل قتلهم الأنبياء قرينة له إيذاناً له بأنهما في العظم أخوان، وأن من قتل الأنبياء لم يستبعد منه الاجتراء على مثل هذا القول {وَنَقُولُ } لهم يوم القيامة {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } أي عذاب النار كما أذقتم المسلمين الغصص. قال الضحاك: يقول لهم ذلك خزنة جهنم، وإنما أضيف إلى الله تعالى لأنه بأمره كما في قوله «سنكتب» «سيكتب» و«قتلهم» و«يقول»: حمزة. {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم من عقابهم {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } أي ذلك العذاب بما قدمتم من الكفر والمعاصي، والإضافة إلى اليد لأن أكثر الأعمال يكون بالأيدي فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب، ولأنه يقال للآمر بالشيء فاعله فذكر الأيدي للتحقيق يعني أنه فعل نفسه لا غيره بأمره {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } وبأن الله لا يظلم عباده فلا يعاقبهم بغير جرم {ٱلَّذِينَ قَالُواْ } في موضع جر على البدل من «الذين قالوا» أو نصب بإضمار أعني أو رفع بإضمارهم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا } أمرنا في التوراة وأوصانا {أَلاَّ نُؤْمِنَ } بأن لا نؤمن {لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ } أي يقرب قرباناً فتنزل نار من السماء فتأكله فإن جئتنا به صدقناك، وهذه دعوى باطلة وافتراء على الله لأن أكل النار القربان سبب الإيمان للرسول الآتي به لكونه معجزة فهو إذاً وسائر المعجزات سواء {قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالمعجزات سوى القربان {وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ } أي بالقربان يعني قد جاء أسلافكم الذين أنتم على ملتهم ورضوان بفعلهم {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } أي إن كان امتناعكم عن الإيمان لأجل هذا فلم لم تؤمنوا بالذين أتوابه ولم قتلتموهم {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في قولكم إنما نؤخر الإيمان لهذا {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } فإن كذبك اليهود فلا يهولنك فقد فعلت الأمم بأنبيائها كذلك {جَاءُو بِٱلْبَيّنَـٰتِ } بالمعجزات الظاهرات {وَٱلزُّبُرِ } الكتب جمع زبور من الزبر وهو الكتابة. «وبالزبر»: شامي {وَٱلْكِتَـٰبِ } جنسه {ٱلْمُنِيرِ } المضيء. قيل: هما واحد في الأصل وإنما ذكرا لاختلاف الوصفين، فالزبور كتاب فيه حكم زاجرة، والكتاب المنير هو الكتاب الهادي. {كُلُّ نَفْسٍ } مبتدأ والخبر {ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } وجاز الابتداء بالنكرة لما فيه من العموم، والمعنى لا يحزنك تكذيبهم إياك فمرجع الخلق إليّ فأجازيهم على التكذيب وأجازيك على الصبر وذلك قوله {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي تعطون ثواب أعمالكم على الكمال يوم القيامة فإن الدنيا ليست بدار الجزاء {فَمَن زُحْزِحَ } بعد، والزحزحة: الإبعاد {عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } ظفر بالخير. وقيل: فقد حصل له الفوز المطلق. وقيل: الفوز نيل المحبوب والبعد عن المكروه {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ } شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، والشيطان هو المدلس الغرور. وعن سعيد بن جبير: إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ. وعن الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل لها {لَتُبْلَوُنَّ } والله لتبلون أي لتختبرن {فِى أَمْوٰلِكُمْ } بالإنفاق في سبيل الله وبما يقع فيها من الآفات {وأَنفُسِكُمْ} بالقتل والأسر والجراح وما يرد عليه من أنواع المخاوف والمصائب، وهذه الآية دليل على أن النفس هي الجسم المعاين دون ما فيه من المعنى الباطن كما قال بعض أهل الكلام والفلاسفة، كذا في شرح التأويلات {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } يعني اليهود والنصارى {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } كالطعن في الدين وصد من أراد الإيمان وتخطئة من آمن ونحو ذلك {وَأَن تَصْبِرُواْ } على أذاهم {وَتَتَّقُواْ } مخالفة أمر الله {فَإِنَّ ذٰلِكَ } فإن الصبر والتقوى {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } من معزومات الأمور أي مما يجب العزم عليه من الأمور، خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الشدائد والصبر عليها حتى إذا لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه. {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } واذكر وقت أخذ الله ميثاق أهل الكتاب {لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } عن الناس بالتاء على حكاية مخاطبتهم كقوله {أية : وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَتُفْسِدُنَّ }تفسير : [الإسراء: 4] وبالياء: مكي وأبو عمرو وأبو بكر، لأنهم غيب والضمير للكتاب، أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم أي لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه، والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الاعتداد، وهو دليل على أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئاً لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم، أو لجر منفعة أو دفع أذية، أو لبخل بالعلم، وفي الحديث "حديث : من كتم علماً عن أهله ألجمه الله بلجام من نار"تفسير : {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } عرضاً يسيراً {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ }. والخطاب في {لاَ تَحْسَبَنَّ } لرسول الله وأحد المفعولين {ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ } والثاني بمفازة، وقوله «فلا تحسبنهم» تأكيد تقديره: لا تحسبنهم فائزين {بِمَا أَتَوْاْ } بما فعلوا وهي قراءة أبيّ و «جاء» و «أتى» يستعملان بمعنى فعل {أية : إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } تفسير : [مريم: 61]. {أية : لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً }تفسير : [مريم: 27]. وقرأ النخعي «بما آتوا» أي أعطوا {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ ٱلْعَذَابِ } بمنجاة منه {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه وأروه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرحوا بما فعلوا من تدليسهم، فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم أي لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه، ناجين من العذاب. وقيل: هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين وتوصلهم بذلك إلى أغراضهم، ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة. وفيه وعيد لمن يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ويحب أن يحمده الناس بما ليس فيه. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فهو يملك أمرهما، وفيه تكذيب لمن قال «إن الله فقير» {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فهو يقدر على عقابهم. {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لاَيَاتٍ } لأدلة واضحة على صانع قديم عليم حكيم قادر {لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } لمن خلص عقله عن الهوى خلوص اللب عن القشر، فيرى أن العرض المحدث في الجواهر يدل على حدوث الجواهر، لأن جوهراً ما لا ينفك عن عرض حادث وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث، ثم حدوثها يدل على محدثها وذا قديم وإلا لاحتاج إلى محدث آخر إلى ما لا يتناهى، وحسن صنعه يدل على علمه، وإتقانه يدل على حكمته، وبقاؤه يدل على قدرته، قال عليه السلام " حديث : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" تفسير : وحكي أنه كان في بني إسرائيل من إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبدها فتى فلم تظله فقالت له أمه: لعل فرطة فرطت منك في مدتك. قال: ما أذكر. قالت: لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر. قال: لعل. قالت: فما أوتيت إلا من ذاك {ٱلَّذِينَ } في موضع جر نعت لـ «أولي» أو نصب بإضمار أعني أو رفع بإضمارهم {يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ } يصلون {قِيَاماً } قائمين عند القدرة {وَقُعُوداً } قاعدين «وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ» أي مضطجعين عند العجز وقياماً وقعوداً حالان من ضمير الفاعل في «يذكرون». و«وعلى جنوبهم» حال أيضاً، أو المراد الذكر على كل حال لأن الإنسان لا يخلو عن هذه الأحوال، وفي الحديث"حديث : من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله"تفسير : {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وما يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبر فيها مما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه من عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه، وعن النبي عليه السلام حديث : بينا رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً، اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له"تفسير : وقال عليه السلام "حديث : لا عبادة كالتفكر"تفسير : وقيل؛ الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكر. {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } أي يقولون ذلك وهو في محل الحال أي يتفكرون قائلين، والمعنى ما خلقته خلقاً باطلاً بغير حكمة بل خلقته لحكمة عظيمة وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك، و«هذا» إشارة إلى الخلق على أن المراد به المخلوق، أو إلى السماوات والأرض لأنها في معنى المخلوق كأنه قيل: ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلاً {سُبْحَـٰنَكَ } تنزيهاً لك عن الوصف بخلق الباطل وهو اعتراض {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } الفاء دخلت لمعنى الجزاء تقديره إذا نزهناك فقنا.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} قال الحسن وقتادة لما نزلت هذه الآية من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً قالت اليهود إن الله فقير يستقرض منا ونحن أغنياء وذكر الحسن أن القائل هذه المقالة هو حيي بن أخطب وقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق كتب النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً فدخل أبو بكر ذات يوم بيت مدراسهم فوجد ناساً كثيراً قد اجتمعوا على فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم ومعه حبر آخر يقال له أسبيع فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة فآمن وصدق وأقرض الله قرضاً حسناً يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب. فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرض أموالنا وما يستقرض إلاّ الفقير من الغنى فإن كان ما تقول حقاً فإن الله إذاً فقير ونحن أغنياء فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ما حملك على ما صنعت فقال يا رسول الله إن هذا عدو الله قال قولاً عظيماً زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فغضبت لله وضربت وجهه فجحد ذلك فنحاص فأنزل الله تصديقاً لأبي بكر وتكذيباً لفنحاص ورداً عليهم: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} وهذه المقالة وإن كانت قد صدرت من واحد من اليهود لكنهم يرضون بمقالته هذه فنسبت إلى جميعهم ولا يخلوا أن يكونوا قالوا هذه المقالة عن اعتقاد لذلك القول أو قالوها استهزاء وأيهما كان فهذه المقالة عظيمة القبح لا تصدر عن عاقل وإنما صدرت عن كافر متمرد في كفره وضلاله {سنكتب ما قالوا} يعني قولهم إن الله فقير ونحن أغنياء لأن ذلك كذب وافتراء والمعنى سنحفظ عليهم ما قالوا وقيل: سنثبت ذلك القول في صحائف أعمالهم التي تكتبها الحفظة عليهم حتى يوافوا بها يوم القيامة فهو وعيد وتهديد لهم {وقتلهم الأنبياء بغير حق} قيل معناه سنكتب ما قال هؤلاء اليهود ونكتب ما فعله أسلافهم فنجازي كلا الفريقين بما هو أهله وإنما نسب قتل الأنبياء إلى اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما فعله أسلافهم وأوائلهم لأنهم رضوا بفعلهم فنسب إليهم. وقيل في معنى الآية سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم ونكتب عليهم أيضاً رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء والفائدة في ضم قتلهم الأنبياء إلى ما وصفوا الله تعالى بالفقر الإعلام بذلك أنهما أخوان في العظم وإن هذا القول منهم ليس بأول ما ارتكبوه من العظائم وأنهم أصلاء في الكفر والجهل والضلال ولهم في ذلك سوابق، وأن من قتل الأنبياء لا يبعد منه الإجتراء على مثل هذا القول العظيم الفحش والقبح {ونقول} يعني لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة {ذوقوا عذاب الحريق} أي ننتقم منهم بأن نقول لهم يوم القيامة ذوقوا عذاب الحريق كما أذقتم المسلمين الغصص في الدنيا {ذلك} أي ذلك العذاب المحرق جزاء فعلكم حيث وصفتم الله بالفقر وأقدمتم على قتل الأنبياء {بما قدمت أيديكم} إنما ذكر الأيدي على سبيل المجاز لأن الفاعل هو الإنسان لا اليد إلاّ أن اليد لما كانت آلة الفعل حسن إسناد الفعل إليها ولأن أكثر الأعمال يكون باليد فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب {وأن الله ليس بظلام للعبيد} فيعذب بغير ذنب بل هو سبحانه وتعالى عادل ومن العدل أن يعاقب المسيء ويثبت المحسن.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ...} الآية: نزلَتْ بسبب فِنْحَاصٍ اليَهُودِيِّ وأشباهه؛ كَحُيَـيِّ بْنِ أَخْطَبَ وغيره، لمَّا نزلَتْ: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [الحديد:11]، قالوا: يستقرضُنا ربُّنا، إنما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، وهذا مِنْ تحريف اليهودِ للتأويل علَى نحو ما صَنَعُوا في تَوْرَاتِهِمْ. وقوله تعالى: {قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ}: دالٌّ على أنَّهم جماعةٌ. وقوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ...} الآية: وعيدٌ لهم، أي: سنُحْصِي عليهم قولَهُمْ، ويتصلُ ذلك بفعل آبائهم مِنْ قَتْل الأنبياءِ بغَيْر حَقٍّ. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ}؛ أي: وبأنَّ اللَّه ليس بظَلاَّم للعبيد. قال * ص *: قيل: المراد هنا نفْيُ القليلِ والكثيرِ مِنَ الظُّلْم؛ كقول طَرَفَةَ: [الطويل]. شعر : وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً وَلَكِنْ مَتَىٰ يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أَرْفِدِ تفسير : ولا يريدُ: أنه قدْ يحلُّ التلاعَ قليلاً. وزاد أبو البقاءِ وجْهاً آخر، وهو أنْ يكون على النَّسَبِ، أي: لا ينسب سبحانه إلى ظُلْمٍ، فيكون من باب بَزَّاز وعَطَّار. انتهى، قلتُ: وهذا القولُ أحْسَنُ ما قيل هنا، فمعنَىٰ وما ربُّكَ بظَلاَّم، أي: بذي ظُلْم.
ابن عادل
تفسير : في كيفية النظم وجهانِ: الأول: أنه - تعالى - لما أمر المكلَّفين ببَذْلِ النفسِ والمالِ في سبيل اللَّهِ - فيما تقدم - وبالغ في تقريرِ ذلك، قالت الكفارُ: إنه - تعالى - لما طلب الإنفاقَ في تحصيلِ مطلوبِهِ كان فقيراً عاجزاً، والفقر على اللَّهِ مُحَالٌ، فَطَلَبُه للمال من عبيده مُحَالٌ، وذلك يدل على كذب مُحَمَّدٍ في إسناد هذا الطلب إلى الله. الثاني: أن أمة موسى كانوا إذا أرادوا التقرُّبَ إلى اللَّهِ تعالى بأموالهم، كانت تجيء نارٌ من السّماء فتحرقها، فلما طلب النبيّ صلى الله عليه وسلم منهم بذْلَ المال في سبيل الله قالوا له: لو كنت نبياً لما طلبتَ الأموال لهذا الغرض؛ فإنه - تعالى - ليس بفقيرٍ حَتَّى يحتاجَ - في إصلاح دينِهِ - إلى أموالنا، فلو كان يطلب أموالَنا لجاءت نارٌ من السماء فتحرقها، فلما لم تفعل ذلك عرفنا أنك لستَ بنبيٍّ. قوله: {قَالُوۤاْ إِنَّ} العامل في "إنَّ هو "قاَلُوا" فـ "إنَّ" وما في حيِّزها منصوب المحل بـ "قَالُوا" لا بالقول، وأجاز أبو البقاء أن تكون المسألة من باب التنازع، أعني بين المصدر، وهو "قَوْلَ" وبين الفعلِ وهو "قَالُوا" تَنَازعَا في "إنَّ" وما في حيِّزها، قال: "ويجوز أن يكون معمولاً لـ "قَوْلَ" المضاف؛ لأنه مصدر، وهذا يُخَرَّج على قول الكوفيين في إعمال الأول، وهو قولٌ ضعيفٌ، ويزداد هنا ضَعفاً بأنَّ الثاني فِعْل، والأول مصدرٌ، وإعمال الفعل أَقْوَى". وظاهر كلامه أن المسألة من التنازع، وإنما الضعف عنده من جهة إعمالِ الأولِ، فلو قدَّرْنا إعمال الثاني لكان ينبغي أن يجوز عنده، لكنه يمنع من ذلك مانع آخر، وهو أنه إذا احتاج الثاني إلى ضمير المتنازع فيه أخذه، ولا يجوز حذفه، وهو - هنا - غير مذكور، فدلَّ على أنها ليستْ عنده من التنازع إلا على قول الكوفيين، وهو ضعيفٌ كما ذكر. وانظر كيف أكَّدوا الجملةَ المشتملة على ما أسندوه إليه - تعالى - وإلى عدم ذلك فيما أسندوه لأنفسهم كأنه عند الناس أمر معروف. فصل قال الحسنُ ومجاهدٌ: لما نزل قوله: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة: 245]. قالت اليهودُ: إنَّ اللَّهَ فقيرٌ يستقرض منا، ونحن أغنياء. وذكر الحسن أنَّ قائل هذه المقالة هو حُيَيّ بن أخْطَبَ. حديث : وقال عكرمةُ والسدِّيُّ ومقاتلٌ ومحمدُ بنُ إسحاقَ: كتب النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق إلى يهود بني قَيْنُقَاع؛ يدعوهم إلى الإسلام، وإلى إقام الصلاة, وإيتاء الزَّكَاةِ، وأن يُقْرِضوا الله قَرْضاً حسناً، فدخَلَ أبو بكر - ذات يومٍ - بيت مِدْراسهم، فوجد كثيراً من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم، يقال له: فنحاص بن عازوراء، وكان من علمائهم، ومعه حَبْرٌ آخَرُ، يقال له: أشيع، فقال أبو بكرٍ لفنحاصٍ: اتَّقِ اللَّهَ وأَسْلِم؛ فوالله إنك لتَعلم أن محمداً رسولُ الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، فآمِنْ وصَدِّقْ، وأَقْرِض اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، ويضاعفْ لك الثَّوابَ، فقال فنحاص: يا أبا بكر، تزعم أن ربنا يستقرض من أموالنا، وما يستقرض إلا الفقيرُ من الغنيّ، فإن كان كما تقول حقاً فإن الله - إذَنْ - فقيرٌ ونحن أغنياء، وأنه ينهاكم عن الرِّبَا ويُعْطِينا، ولو كان غنياً ما أعطانا الربا - يعني في قوله:{فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: 245] فغضب أبو بكرٍ، وضرب وَجْه فنحاص ضربةً شديدةً، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عَدُوَّ الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمدُ، انظر ما صنع بي صاحبُك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر، ما حملك ما صنعتَ؟ قال يا رسولَ اللَّهِ، إن عدوّ الله قال قولاً عظيماً، زعم أن الله فقير وهم أغنياء، فغضبت لله، وضربت وجهه، فجحد ذلك فِنْحاصٌ، فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية رَدًّا على فنحاصٍ، وتصديقاً لأبي بكر . تفسير : واعلم أنَّ ظاهر الآية يدل على أن قائل هذا القول كانوا جماعةً؛ لقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} وأما ما روي عن فِنْحاص فلا يدل على أن غيره لم يَقُلْ ذلك، والكتاب يشهد بأن القائلين جماعة، فيجب القطع بذلك. قوله: {سَنَكْتُبُ} قرأ حمزة بالياء، مبنياً لما لم يُسَمَّ فاعله، و "ما" وصلتها قائم مقام الفاعل، و "قَتْلُهم" - بالرفع - عَطْفاً على الموصول، و "يَقُولُ" - بياء الغيبة - والمعنى: سيحفظ عليهم. والباقون بالنون للمتكلم العظيم، فـ "ما" منصوبة المحل، و "قَتْلَهُمْ" بالنصب عَطْفاً عليها، و "نَقُولُ" بالنون - أيضاً - والمعنى: سنأمر الحفظةَ بالكتابةِ. وقرأ طلحة بن مُصَرَِّف "سَتُكْتَبُ" - بتاء التأنيث - على تأويل "مَا قَالُوا" بـ "مَقَالَتُهُمْ". وقرأ ابن مسعود - وكذلك هي في مصحفه - سنكتب ما يقولون ويقال. والحسنُ والأعرج "سَيَكْتُب" - بالغيبة - مبنياً للفاعل، أي: الله تعالى: أو الملك. و "ما" - في جميع ذلك - يجوز أن تكون موصولة اسمية - وهو الظاهر - وحذف العائدُ لاستكمال شروطِ الْحَذْفِ، تقديره: سنكتب الذي يقولونه - ويجوز أن تكون مصدرية، أي: قولهم - ويراد به - إذ ذاك - المفعول به، أي: مقولهم، كقولهم: ضَرْب الأمير. قوله: {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} أي: ونكتب قتلهم، أي: رضاهم بالقتل، والمراد قتل أسلافهم الأنبياء، ولكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم، حسّنَ رجل عند الشعبي قتلَ عثمانَ، فقال الشعبي: قد شركت في دمه، فجعل الرضا بالقتل قتلاً، قال القرطبيُّ: وهذه مسألة عظمى، حيثُ يكون الرضا بالمعصية معصية، وقد روى أبو داود عن العُرس ابن عُمَيْرة الكِنديّ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا - أو فَأنْكَرَهَا - كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، ومَنْ غَابَ فَرَضِيَها كَانَ كَمَن شَهِدَها" تفسير : وتقدم الكلام على إضافة قتل الأنبياء إلى هؤلاء الحاضرين. والفائدةُ في ضَمِّ أنهم قتلوا الأنبياء إلى وصفهم الله تعالى بالفقر بيان أن جَهْلهم ليس مخصوصاً بهذا الوقت، بل هم - منذ كانوا - مُصِرُّون على الجهالات والحماقات. ثم قال: {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي: النار، وهو بمعنى المُحْرِق - كالأليم بمعنى المُؤلم - وهذا القول يحتمل أن يقال لهم عند الموت، أو عند الحشر، وإن لم يكن هناك قَوْلٌ. فإن قيل: إنهم أوردوا سؤالاً، وهو أن من طلب المالَ من غيره كان فقيراً، فلو طلب اللَّهُ المالَ من عبيده لكان فقيراً، وذلك مُحَالٌ، فوجب أن يقال: إنه لم يَطْلبِ المال من وعبيده، وذلك قادحٌ في كونه صلى الله عليه وسلم صادقاً في ادِّعاء النُّبوةِ، فهذا هو شُبْهَتُهم، فأين الجوابُ؟ وكيف يحسن ذِكر الوعيد قبل ذلك الجوابِ عَنْهَا؟. فالجوابُ: إن فرَّعْنا على قول أهل السُّنَّةِ والجماعة قلنا: يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر اللَّهُ عبيده ببذل الأموال، مع كونه تعالى أغنى الأغنياء. وأما على قول المعتزلة - فإنه تعالى يُراعي المصالح - فلا يَبْعد أن يكون في هذا التكليف أنواع من المصالح العائدة إلى العباد؛ فإن إنفاق المال يوجب زوال حُبِّ المالِ عن القلب، وذلك من أعظم المنافع، وتتفرع عليه مصالحُ كثيرةٌ: منها: أن إنفاقه سببٌ للبقاء المخلد في دار الثَّوابِ. ومنها: أن يصير القلبُ - بذلك الإنفاقِ - فارغاً من حُبِّ ما سوى اللَّهِ تَعَالَى. ومنها: أنه لو ترك الإنفاق لبقي حُبُّ المالِ في قلبه، فتتألم روحه لمفارقته. قوله: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ} مبتدأ وخبر، تقديره: ذلك مستحق بما قدمت، كذا قدره أبو البقاء، وفيه نظر. و "ما" يجوز أن تكون موصولة، وموصوفة، و "ذلك" إشارةٌ إلى ما قدَّم من عقابهم، وهذه الجملة تحتملُ وجهينِ: أحدهما: أن تكون في محلِّ نَصْبٍ بالقول؛ عَطْفاً على "ذُوقُوا" كأنه قيل: ونقول لهم - أيضاً - ذلك بما قدمت أيديكم، وُبِّخُوا بذلك، وذكر لهم السبب الذي أوجب العقاب. الثاني: أن لا تكونَ داخلةً في حكاية القولِ، بل تكون خطاباً لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نزولِ الآيةِ. وذكرت الأيدي؛ لأن أكثرَ الأعمال تُزاوَل بها، قال القرطبيُّ: وخص الأيدي بالذكر؛ ليدل على تَوَلي الفعل ومباشرته؛ إذ قد يضاف الفعلُ إلى الإنسان بمعنى أنه أمر به، كقوله: {أية : يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ} تفسير : [القصص: 4] وأصل "أيْدِيكُمْ" أيْدِيُكُم، فحُذِفت الضمةُ؛ لثقلها. قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} عطف على "ما" المجرورة بالباء، أي: ذلك العقاب حاصل بسبب كَسْبكم، وعدم ظُلْمه لكم. فإن قيل: إن "ظلاماً" صيغة مبالغة، تقتضي التكثير، فهي أخص من "ظالم"، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فإذا قلت: زيد ليس بظلامٍ، أي: ليس كثير الظُّلم - مع جواز أن يكون ظالماً - وإذا قُلْتَ: ليس بظالم، انتفى الظلم من أصله فكيف قال تعالى: {لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}؟ فالجوابُ من وجوهٍ: الأول: أن "فَعَّالاً" قد لا يُراد به [التكثير]، كقول طرَفة: [الطويل] شعر : 1702- وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً وَلكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ الْقَوْمُ أرْفِدِ تفسير : لا يريد - هنا - أنه قد يحل التلاع قليلاً؛ لأن ذلك يدفعه آخر البيت الذي يدل على نَفْي البخل على كل حالٍ، وأيضاً تمام المدح لا يحصل بإرادة الكثرة. الثاني: أنه للكثرة، ولكنه لما كان مقابلاً بالعباد - وهم كثيرون - ناسب أن يقابلَ الكثيرَ بالكثيرِ. الثالث: أنه إذا نفي الظلم الكثير انتفى الظلم القليلُ ضرورة؛ لأن الذي يظلم إنما يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة نفعه في حق مَنْ يجوز عليه النفع والضر - كان للظلم القليل المنفعة أترك. الرابع: أن يكون على النسب، أي: لا يُنسَب إليه ظُلم، فيكون من باب بَزَّازٍ وعَطَّارٍ، كأنه قيل: ليس بذي ظلم ألبتة. ذكر هذه الأربعة أبو البقاء. وقال القاضي أبو بكرٍ: العذاب الذي توعد أن يفعلَه بهم، لو كان ظُلْماً لكان عظيماً، فنفاه على حَدِّ عِظَمِه لو كان ثابتاً. وقال الراغبُ: "العبيد - إذا أُضيف إلى اللَّهِ تَعَالَى - أعم من العباد، ولهذا قال: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [ق: 29] فنبَّه على أنه لا يظلم من تخصص بعبادته، ومن انتسب إلى غيره من الذين يُسَمَّون بعبد الشمس وعبد اللات ونحو ذلك". وكأن الراغبَ قد قدّم الفرق بين "عبيد" و "عباد" فقال: وجمع العَبْد - الذي هو مسترق - عبيد وقيل: عِبِدَّى وجمع العبَدْ - الذي هو العابد - عباد، وقد تقدم اشتقاقُ هذه اللَّفْظَةِ وجموعها وبقية الوجوه مذكورة في سورة "ق". فصل قالت المعتزلةُ: هذه الآية تدل على أنَّ أفعال العِبَادِ مخلوقة لَهُمْ، وإلا لم تكن مما قدمت أيديهم، وأجيبوا بمسألة العلمِ والداعي على ما تقدم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: حديث : دخل أبو بكر بيت المدراس فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم فقال أبو بكر: ويلك يا فنحاص.! اتق الله وأسلم، فوالله أنك لتعلم أن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً عنا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنياً عنا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدوّ الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع صاحبك بي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر "ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله قال قولاً عظيماً: يزعم أن الله فقير وأنهم أغنياء. فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه. فجحد فنحاص فقال: ما قلت ذلك. فأنزل الله فيما قال فنحاص تصديقاً لأبي بكر {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير....} الآية تفسير : . ونزل في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب {أية : ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً....} تفسير : [آل عمران: 186]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن عكرمة "حديث : "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص اليهودي يستمده، وكتب إليه وقال لأبي بكر: لا تفتت عليّ بشيء حتى ترجع إليَّ. فلما قرأ فنحاص الكتاب قال: قد احتاج ربكم. قال أبو بكر، فهممت أن أمده بالسيف، ثم ذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تفتت عليّ بشيء. فنزلت {لقد سمع الله قول الذين قالوا...} الآية. وقوله {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [آل عمران: 186] وما بين ذلك في يهود بني قينقاع "تفسير : . وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير} قالها فنحاص اليهودي من نبي مرثد لقيه أبو بكر فكلمه فقال له: يا فنحاص اتق الله، وآمن وصدق، وأقرض الله قرضاً حسناً. فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربنا فقير وتستقرضنا أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني، إن كان ما تقول حقاً فإن الله إذن لفقير. فأنزل الله هذا فقال أبو بكر: فلولا هدنة كانت بين بني مرثد وبين النبي صلى الله عليه وسلم لقتلته. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: صك أبو بكر رجلاً منهم {الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} لم يستقرضنا وهو غني. وهم يهود. وأخرج ابن جرير عن شبل في الآية قال: بلغني أنه فنحاص اليهودي وهو الذي قال {أية : إن الله ثالث ثلاثة} تفسير : [المائدة : 73] و {أية : يد الله مغلولة} تفسير : [المائدة: 64]. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} تفسير : [البقرة: 245] فقالوا: يا محمد أفقير ربنا يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله {لقد سمع الله قول الذين قالوا...} الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {لقد سمع الله....} الآية. قال: ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب لما نزلت {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} تفسير : [البقرة: 245] قال: يستقرضنا ربنا إنما يستقرض الفقير الغني. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن العلاء بن بدر أنه سئل عن قوله {وقتلهم الأنبياء بغير حق} وهم لم يدركوا ذلك قال: بموالاتهم من قتل أنبياء الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {ونقول ذوقوا عذاب الحريق} قال: بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وأن الله ليس بظلام للعبيد} قال: ما أنا بمعذب من لم يجترم.
ابو السعود
تفسير : {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} قالته اليهودُ لما سمعوا قوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} وروي أنه عليه السلام كتب مع أبـي بكر رضي الله عنه إلى يهودِ بني قَينُقاعَ يدعوهم إلى الإسلام وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وأن يُقرضوا الله قرضاً حسناً، فقال فنحاصُ: إن الله فقيرٌ حتى سألنا القَرْضَ فلطمه أبو بكر رضي الله عنه في وجهه وقال: لولا الذي بـيننا وبـينكم من العهد لضربت عُنقَك فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله فنزلت. والجمعُ حينئذ مع كون القائلِ واحداً لرضا الباقين بذلك والمعنى أنه لم يخْفَ عليه تعالى وأعد له من العذاب كِفاءً. والتعبـيرُ عنه بالسماع للإيذان بأنه من الشناعة والسماجة بحيث لا يرضىٰ قائلُه بأن يسمَعَه سامعٌ، والتوكيدُ القَسَميُّ للتشديد في التهديد والمبالغةِ في الوعيد. {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} أي سنكتب ما قالوه من العظيمة الشنعاءِ في صحائف الحفَظةِ أو سنحفظه ونُثبته في علمنا لا ننساه ولا نَهمله كما يثبت المكتوب، والسين للتأكيد أي لن يفوتنا أبداً تدوينُه وإثباتُه لكونه في غاية العِظم والهولِ كيف لا وهو كفرٌ بالله تعالى واستهزاءٌ بالقرآن العظيم والرسولِ الكريمِ ولذلك عُطف عليه قوله تعالى: {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنْبِيَاء} إيذاناً بأنهما في العِظم إخوانٌ وتنبـيهاً على أنه ليس بأول جريمةٍ ارتكبوها بل لهم فيه سوابقُ، وأن من اجترأ على قتل الأنبـياءِ لم يُستبعَدْ منه أمثالُ هذه العظائمِ، والمرادُ بقتلهم الأنبـياءَ رضاهم بفعل أسلافِهم، وقوله تعالى: {بِغَيْرِ حَقّ} متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من قتلهم، أي كائناً بغير حقَ في اعتقادهم أيضاً كما هو في نفس الأمرِ، وقرىء سيَكتُب على البناء للفاعل وسيُكتَبُ على البناء للمفعول وقتلُهم بالرفع {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي وننتقم منهم بعد الكَتْبةِ بأن نقول لهم: ذوقوا العذابَ المُحرِقَ كما أذقتم المسلمين الغُصَصَ. وفيه من المبالغات ما لا يخفى، وقرىء ويقول بالياء ويُقال على البناء للمفعول {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى العذاب المذكورِ وما فيه من معنى البعدِ للدِلالة على عِظَم شأنِه وبُعدِ منزلتِه في الهول والفظاعةِ، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي بسبب ما اقترفتموه من قتل الأنبـياءِ والتفوُّه بمثل تلك العظيمةِ وغيرِها من المعاصي، والتعبـيرُ عن الأنفس بالأيدي لما أن عامة أفاعيلِها تزاوَلُ بهن، ومحلُّ {أنّ} في قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ} الرفعُ على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ، والجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها، أي والأمرُ أنه تعالى ليس بمعذِّب لعبـيده بغير ذنبٍ من قِبلهم، والتعبـيرُ عن ذلك بنفي الظلمِ مع أن تعذيبَهم بغير ذنبٍ ليس بظلم ــ على ما تقرر من قاعدة أهلِ السنة، فضلاً عن كونه ظلماً بالغاً ــ لبـيان كمالِ نزاهتِه تعالى عن ذلك بتصويره بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنه سبحانه من الظلم، كما يعبّر عن ترك الإثابةِ على الأعمال بإضاعتها مع أن الأعمالَ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزَمَ مِنْ تخلُّفِه عنها ضياعُها. وصيغةُ المبالغةِ لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذُكر من التعذيب بغير ذنبٍ في صورة المبالغةِ في الظلم، وقيل: هي لرعاية جمعيةِ العبـيدِ من قولهم: فلانٌ ظالمٌ لعبده وظلاّم لعبـيده على أنها للمبالغة كماً لا كيفاً. هذا وقد قيل: محلُّ {أن} الجرُّ بالعطف على ما قدَّمت وسببـيتُه للعذاب من حيث أن نفيَ الظلمِ مستلزِمٌ للعدل المقتضي لإثابة المحسِنِ ومعاقبةِ المُسيءِ، وفسادُه ظاهرٌ فإن تركَ التعذيبِ من مستحِقه ليس بظلم شرعاً ولا عقلاً حتى ينتهضَ نفيُ الظلم سبباً للتعذيب حسبما ذكره القائلُ في سورة الأنفالِ، وقيل: سببـيةُ ذنوبهم لعذابهم مقيّدةٌ بانضمام انتفاءِ ظلمِه تعالى إليها إذ لولاه لأمكن أن يعذبَهم بغير ذنوبهم. وأنت خبـير بأن إمكانَ تعذيبِه تعالى لعبـيده بغير ذنبٍ بل وقوعُه لا ينافي كونَ تعذيبِ هؤلاءِ الكفرةِ بسبب ذنوبهم حتى يُحتاجَ إلى اعتبار عدمِه معه، وإنما يُحتاج إلى اعتبار عدمِه معه، وإنما يحتاج إلى ذلك أنْ لو كان المدعىٰ أن جميعَ تعذيباتِه تعالى بسبب ذنوبِ المعذبـين.
القشيري
تفسير : هذا الخطاب لو كان بين المخلوقين لكان شكوى. والشكوى إلى الأولياء من الأعداء سُنَّةُ الأحباب. ويقال علم أن في المؤمنين مَنْ يغتاب الناس، وذلك قبيح من قالتهم، فَأَظْهَرَ قُبْحاً فوق ذلك ليتصاغر قبح قول المؤمنين بالإضافة إلى قبح قول الكفار، فكأنه قال: لئن قبحت قالتهم في الاغتياب فأقبحُ من قولهم قولُ الكفار حيث قالوا في وصفنا ما لا يليق بنعمتنا. وفيه أيضاً إشارة إلى الدعاء إلى الخَلْق، والتجاوز عن الخَصْم، فإن الله - سبحانه - لم يسلبهم ما أولاهم مع قبيح ما ارتكبوه من التقصير في حقوقه. قوله: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ}: هذه الكلمة من موجبات الخجلة لأهل التقصير بأدقّ إشارة؛ يعني أنهم وإنْ نَسُوا أحوالهم وأقوالَهم فإنا ننشر لهم ما كتبنا عليهم قال قائلهم: شعر : صحائفُ عِنْدِي للعِتاب طويتها سَتُنْشَرُ يوماً والعتابُ يطولُ سأصبر حتى يجمع الله بيننا فإنْ نلتقِ يوماً فسوف أقول تفسير : قوله: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} هذا لو كان من مخلوقٍ مع مخلوق لأشبه العذر مما عمله به، فكأنه - سبحانه - يقول: "عبدي: هذا الذي تلقاه - اليوم - من العقوبة لأن الذنب لك، ولو لم تفعله لما عذَّبنُك".
اسماعيل حقي
تفسير : {لقد سمع الله قول الذين قالوا ان الله فقير ونحن اغنياء} قالته اليهود لما سمعوا قوله تعالى {أية : من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا} تفسير : [البقرة: 245]. ـ وروى ـ انه عليه الصلاة والسلام كتب مع ابى بكر رضى الله تعالى عنه الى يهود بنى قينقاع يدعوهم الى الاسلام والى اقام الصلاة وايتاء الزكاة وان يقرضوا الله قرضا حسنا فدخل ابو بكر رضى الله عنه ذات يوم بيت مدارسهم فوجد ناسا كثيرا من اليهود قد اجتعوا الى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم ومعه حبر آخر يقال له اشيع فقال ابو بكر لفنحاص اتق الله واسلم فوالله انك لتعلم ان محمدا رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم فى التوراة فآمن وصدق واقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب فقال فنحاص يا ابا بكر تزعم ان ربنا يستقرض اموالنا وما يستقرض الا الفقير من الغنى فان كان ما تقول حقا فان الله اذا لفقير ونحن اغنياء وانه ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنيا ما اعطانا الربا فغضب ابو بكر وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال والذى نفسى بيده لولا العهد الذى بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله فذهب فنحاص الى النبى صلى الله عليه وسلم فشكاه وجحد ما قاله فنزلت ردا عليه وتصديقا لابى بكر والجمع حينئذ مع كون القائل واحدا لرضى الباقين بذلك والمعنى انه لم يخف عليه تعالى واعد له من العقاب كفاءه والتعبير عنه بالسماع للايذان بانه من الشناعة والسماجة بحيث لا يرضى قائله بان يسمعه سامع {سنكتب ما قالوا} اى سنكتب ما قالوه من الخطة الشنعاء فى صحائف الحفظة او سنحفظه ونثبته فى علمنا لا ننساه ولا نهمله كما يثبت المكتوب. والسين للتأكيد اى لن يفوتنا ابدا تدوينه واثباته لكونه فى غاية العظم والهول كيف لا وهو كفر بالله تعالى واستهزاء بالقرآن العظيم والرسول الكريم عليه السلام {وقتلهم الانبياء} عطف عليه ايذانا بانهما فى العظم اخوان وتنبيها على انه ليس باول جريمة ارتكبوها بل لهم فيه سوابق وان من اجترأ على قتل الانبياء لم يبعد منه امثال هذه العظائم والمراد بقتلهم الانبياء رضاهم بفعل اسلافهم {بغير حق} متعلق بمحذوف وقع حالا من قتلهم اى كائنا بغير حق وجرم فى اعتقادهم ايضا كما هو فى نفس الامر {ونقول} عند الموت او عند الحشر او عند قراءة الكتاب {ذقوا عذاب الحريق} اى وننتقم منهم بعد الكتبة بان نقول لهم ذوقوا العذاب المحرق كما اذقتم المرسلين الغصص {ذلك} اشارة الى العذاب المذكور {بما قدمت ايديكم} بسبب ما اقترفتموه من قتل الانبياء والتفوه بمثل تلك العظيمة وغيرها من المعاصى والتعبير عن الانفس بالايدى لان اكثر الاعمال يزاول بهن فجعل كل عمل كالواقع بالايدى على سبيل التغليب {وان الله ليس بظلام للعبيد} محله الرفع على انه خبر مبتدأ محذوف والجملة اعتراض تذييلى مقررة لمضمون ما قبلها اى والامر انه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم والتعبير عن ذلك بنفى الظلم مع ان تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة اهل السنة فضلا عن كونه ظلما بالغا لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه سبحانه من الظلم كما يعبر عن ترك الاثابة على الاعمال باضاعتها مع ان الاعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها ضياعها وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بابراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب فى صورة المبالغة فى الظلم. والاشارة فى تحقيق الآيتين ان العبد اذا غلبت عليه الصفات الذميمة واستولى عليه الهوى والشيطان ومات قلبه تكاملت الصفة الامارية لنفسه فما ينطق الا عن الهوى ان هو الا وحى يوحيه اليه الشيطان كقوله تعالى {أية : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} تفسير : [الأنعام: 221]. والنفس اذا تكملت بالهوى تدعى الربوبية كما ادعى فرعون وقال انا ربكم الاعلى فيكون كلامها من صفات الربوبية وان من صفات الربوبية قوله {أية : والله الغنى وأنتم الفقراء} تفسير : [محمد: 38]. فاذا تم فساد حال النفس الامارة بالسوء اثبتت صفات الربوبية لنفسها وصفات العبودية لربها كقوله {لقد سمع الله قول الذين قالوا ان الله فقير ونحن اغنياء} اثبتوا لنفسهم صفات الربوبية وهى الغنى واثبتوا لله صفة العبودية وهى الفقر {سنكتب ما قالوا} اى سنميت قلوبهم باقوالهم هذه كما امتناها بافعالهم {و} هى {قتلهم الانبياء بغير حق} يشير الى ان جزاء هذه الاقوال فى حق الله مثل جزاء هذه الافعال فى الانبياء عليهم الصلاة والسلام {ونقول ذوقوا عذاب} القلب الميت {الحريق} بنار القهر والقطيعة {ذلك بما قدمت ايديكم} اى بشؤم معاملاتكم القولية والفعلية على وفق الهوى والطبيعة وخلاف الرضى والشريعة {وان الله ليس بظلام للعبيد} بان يضع الشىء فى غير موضعه يعنى لا يجعل المصلح منهم مظهر صفة قهره ولا المفسد منهم مظهر صفة لطفه كما قال تعالى {الله اعلم حيث يجعل رسالته} وهذا كما يقال شعر : ندهد هوشمند روشن رأى بفرومايه كارهاى خطير بوريا باف اكرجه بافنده است نبرندش بكار كاه حرير تفسير : واذا كان للعبد حسن الاستعداد يتحول القهر فى حقه الى اللطف بشرط ان يجتهد ويبذل ما فى وسعه وطاقته وكم من مؤمن يصير فى مآله كافرا وكم من عكسه فاذا جاء حين السعادة انقلب الحال وكذا الشقاوة. قال بعض المشايخ العباد على قسمين فى اعمارهم فرب عمر اتسعت آماده وقلت امداده كاعمار بنى اسرائيل اذ كان الواحد منهم يعيش الالف ونحوها ولم يحصل على شىء مما تحصل لهذه الامة مع قصر اعمارها ورب عمر قليلة آماده كثيرة امداده كعمر من فتح عليه من هذه الامة فوصل الى عناية الله بلمحة. فقد قال احمد بن ابى الحوارى رحمه الله قلت لابى سليمان الدارانى انى قد غبطت بنى اسرائيل قال بأى شىء قلت بثمانمائة سنة حتى يصيروا كالشنان البالية وكالحنايا وكالاوتار قال ما ظننت الا وقد جئت بشىء والله ما يريد الله منا ان ييبس جلودنا على عظامنا ولا يريد منا الا صدق النية فيما عنده هذا اذا صدق فى عشرة ايام نال ما ناله ذلك فى عمره الطويل فاذن من بورك له فى عمره ادرك فى يسير من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الاشارة لكثرته وعظمه ودقته ورفعته. وقد قال الشيخ الشاذلى رحمه الله فى كتاب تاج العروس من قصر عمره فليذكر بالاذكار الجامعة مثل سبحان الله عدد خلقه ونحو ذلك ويعنى بقصر العمر والله اعلم ان يكون رجوعه الى الله فى معترك المنايا ونحوها من الامراض المخوفة والاعراض المهولة واذا كان الامر على ما ذكر فالخذلان كل الخذلان ان تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه اليه بصدق النية حتى يفتح عليك بما لا تصل الهمم اليه وتقل عوائقك ثم لا ترحل اليه عن عوالم نفسك والاستئناس بيومك وامسك فقد جاء خصلتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ومعناه والله اعلم ان الصحيح ينبغى ان يكون مشغولا بدين او دنيا والا فهو مغبون فيهما عصمنا الله واياكم من الغبن والخذلان والخسران شعر : مهل كه عمر به بيهوده بكذرد حافظ بكوش وحاصل عمر عزيزرا درياب تفسير : قيل الدنيا غنيمة الاكياس وغفلة الجهال.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وقتلهم}: معطوف على {ما} المفعولة أو النائبة عن الفاعل، على القرائتين رفعاً ونصباً، و {أن الله}: عطف على {ما} أي: ذلك العذاب بسبب ما قدمتم وبأن الله منتفٍ عنه الظلم، فلا بد أن يعاقب المسيء ويثيب المحسن، {الذين قالوا إن الله عهد إلينا}: صفة للذين {قالوا إن الله فقير}، أو بدل منه مجرور مثله. يقول الحقّ جلّ جلاله: {لقد سمع الله قول} اليهود {الذين قالوا إن الله فقير ونحن إغنياء} وقائله: فِنْحَاصُ بن عَازُرواء، في جماعة منهم، وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بن قينقاع، يدعوهم إلى الإسلام، وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً، فدخل أبو بكر رضي الله عنه مِدْرَاسَهُم، فوجد خلقاً كثيراً اجتمعوا إلى فنحاص، وهو من علمائهم - ومعه حبر آخر اسمه: (أيشع)، فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، فأسلِمْ وصَدِّق، وأقْرِض الله قرضاً حسناً يدخلك الجنة، فقال فنحاص لعنه الله: يا أبا بكر؛ تزعم ان ربنا يستقرضنا أموالنا، وما يستقرض إلا الفقير من الغني، ولو كان غنيّاً ما استقرض، فلطمه أبو بكر رضي الله عنه وقال: لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك، فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: عليه الصلاة والسلام:-"حديث : ما حملك على ما فعلت؟"تفسير : فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولاً قولاً عظيماً، زعم أن الله فقير، وهم أغنياء، فجَحَد ما قال، فنزلت الآية؛ تكذبياً له. والمعنى: أن الله سمع مقالتهم الشنيعة، وأنه سيعاقبهم عليها، ولذلك قال: {سنكتب ما قالوا} أي: سنسطرها عليهم في صحائف أعمالهم، أو سنحفظها في علمنا ولا نهملها، لأنها كلمة عظيمة، فيها الكفر بالله والاستهزاء بكتاب الله وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك نظمت مع قتلهم الأنبياء، حيث عطفه عليه، وفيه تنبيه على أن قولهم الشينع ليس هو أول جريمة ارتكبوها، وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد أمثال هذا القول منه. ثم ذكر عقابهم، فقال: {ونقول} لهم يوم القيامة: {ذوقوا عذاب الحريق} أي: المُحْرِق، والذوق: يطلق على إدراك المحسوسات كالمطعومات، والمعنويات كما هنا، وذكره هنا؛ لأن عذابهم مرتب على قولهم الناشئ عن البخل، والتهالك على المال، وغالب حاجة الإنسان إليه، لتحصيل المطاعم، ومعظم بخله للخوف من فقده. {ذلك} العذاب بسب ما {قدمت أيديكم} من قتل الأنبياء، وقولكم هذا، وسائر معاصيكم، وعبّر بالأيدي؛ لأن غالب الأعمال بهن، وبأن {الله ليس بظلام للعبيد} بل يجازي كلَّ عبد بما كسب من خير أو شر، فأنتم ظلمتم أنفسكم. ثم إن قوماً منهم، وهو كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحُيَيْ بن أخطب وفنْحَاص ووهب بن يهوذا، أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد؛ تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وإن الله قد عهد إلينا يف التوراة، ألاَّ نؤمن لرسول يزعم أنه نبيّ حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك، فأنزل الله فيهم تكذيباً لهم: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا} في التوراة وأوصانا {ألا نؤمن لرسول حتى ياتينا بقربان}؛ كصدقة أو نسيكة، {تأكله النار} كما كانت لأنبياء بني إسرائيل. وذلك أن القرابين والغنائم كانت حراماً على بني إسرائيل، وكانوا إذا قرَّبوا قُرباناً، أو غنموا غنيمة، فتقبل منهم، ولم يُغل من الغنيمة، نزلت نار بيضاء من السماء، فتأكل ذلك القربان أو الغنيمة، فيكون ذلك علامة على القبول، وإذا لم يتقبل بقي على حاله، وهذا من تعنتهم وأباطيلهم، لأن أكل القربان لم يُوجبْ الإيمانَ إلا لكونه معجزة، وسائر المعجزات في ذلك سواء، فلذلك ردَّ عليهم بقوله: {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} أي: المعجزات الواضحات، {وبالذي قلتم} من أكل النار القربان، فكذبتموهم وقتلتموهم كزكريا ويحيى وغيرهما، {فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين} في دعواكم أنه ما منعكم من الإيمان إلا عدم ظهور هذه المعجزة، فما لكم لم تؤمنوا بمن جاء بها حتى قتلتموه؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: ما زالت خواص العامة مولعةً بالإنكار على خواص الخاصة، يسترقون السمع منهم، إذا سمعوا كلمة لم يبلغها علمُهم، وفيها ما يوجب النقص من مرتبتهم، حفظوها، وحرفوها، وأذاعوها، يريدون بذلك إطفاء نورهم، وإظهار عُوَراهم، والله حفيظ عليهم، سيكتب ما قالوا وما قصدوا من الإنكار على أوليائه، ويقول لهم: ذوقوا عذاب البعد والحجاب. وما يتشبثون به في الإنكار عليهم: اقتراحهم الكرامات التي كانت للأولياء قبلهم، ويقولون: لا نصدق بهم حتى يأتون بما أتى به فلان وفلان، فقد كان من قبلهم يطعنون فيهم مع ظهور ذلك عليهم، كما هو سنة الله فيهم. {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة وحده "سيكتب" بضم الياء. الباقون بالنون. ذكر الحسن وقتادة: أن الذين نسبوا الله تعالى إلى الفقر وأنفسهم إلى الغناء هم قوم من اليهود لما نزل قوله: {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} تفسير : قالوا إنما يستقرض الفقير من الاغنياء، فهو فقير ونحن أغنياء، والقائل لذلك حي بن أخطب وفنحاص اليهودي. وقال أبو علي الجبائي: هم قوم من اليهود، وانما قالوا ذلك من جهة ضيق الرزق. وقيل: انهم قالوا ذلك تمويهاً على ضعفائهم لا أنهم اعتقدوا أن الله فقير على الحقيقة. وقيل: انهم عنوا بذلك إله محمد الذي يدعي أنه رسوله دون من يعتقدون هم أنه على الحقيقة. فان قيل: كيف الحكاية عنهم بأنهم قالوا ذلك، وإنما قالوه على جهة الالزام دون الاعتقاد؟ قلنا: لأنه إلزام باطل من حيث لا يوجبه الاصل الذي الزموا عليه، لأنه إنما قال تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} على وجه التلطف في الاستدعاء إلى الطاعة، وحقيقته أن منزلة ما ينفقون في وجوه البر كمنزلة القرض الذي يرجع إليكم ويضاعف به الأجر لكم مع أنهم أخرجوا ذلك مخرج الاخبار عن الاعتقاد. وفي الآية دلالة على أن الرضا بقبيح الفعل يجري مجراه في عظم الجرم، لأن اليهود الذين وصفوا بقتل الانبياء لم يتولوا ذلك في الحقيقة، وإنما ذموا به، لأنهم بمنزلة من تولاه في عظم الاثم. وقوله: {سنكتب ما قالوا} قيل في معناه قولان: أحدهما - انه يكتب في صحائف أعمالهم، لأنه أظهر في الحجة عليهم وأجرى ان يستحيوا من قراءة ما أثبت من فضائحهم - على قول الجبائي -. الثاني - قال البلخي سيحفظ ما قالوا حتى يجازوا به أي هو بمنزلة ما قد كتب في أنه لا يضيع منه شيء. والأول أظهر. وقوله: {وذوقوا عذاب الحريق} يعني المحرق، والفائدة فيه ان يعلم أنه عذاب بالنار التي تحرق، وهي الملتهبة، لأن ما لم يلتهب لا يسمى حريقاً، وقد يكون العذاب بغير النار. وقوله: {ذوقوا} يفيد أنكم لا تتخلصون من ذلك كما يقول القائل: ذق هذا البلاء يعني انك لست بناج منه.
الجنابذي
تفسير : {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ} لمّا ذمّ البخل والمنع توهّم انّ الله يحتاج فى اصلاح حال الفقراء الى الاغنياء وكأنّه قيل: هل له حاجة الى انفاق المنفق؟ - فقال تعالى ردّاً لهذا الوهم وسدّاً لهذا الخيال: لقد سمع الله {قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} قالت اليهود ذلك لمّا سمعوا: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة: 245] وقيل كتب النّبىّ (ص) مع أبى بكر الى يهود بنى قينقاع يدعوهم الى الاسلام وما عليه المسلمون من اقام الصّلاة وايتاء الزّكاة وان يقرضوا الله قرضاً حسناً، فدخل ابو بكر بيت مدارستهم فوجد ناساً كثيراً منهم اجتمعوا الى رجل منهم، فدعاهم الى الاسلام والصّلاة والزّكاة وان يقرضوا الله قرضاً حسناً فقال ذلك الرّجل: فانّ الله فقير والاّ لما استقرضنا اموالنا فلطمه ابو بكرٍ ونزلت الآية {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} قرئ سنكتب بالتّكلّم وبالغيبة على صيغة المجهول وقتلهم بالنّصب وبالرّفع {وَنَقُولُ} قرئ بالتّكلّم وبالغيبة {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} وفيه تأكيد فى التّهديد من حيث اقتران ما قالوه بقتل الانبياء (ع) وكتابته وضبطه بنفسه ثمّ ذكر الجزاء بالعذاب الحريق والاخبار باستهزائه بهم حين العذاب، والذّوق ادراك المطعوم ثمّ اتّسع فيه فاستعمل فى كلّ ادراك ملذّ او مولم، وانّما اختار الذّوق الّذى يكون فى المطعوم هاهنا لانّ العذاب مرتّب على قولهم وهذا القول ناشئٍ عن البخل والتّهالك على المال وغالب حاجة الانسان الى المال تكون لتحصيل المطاعم ولذلك كثر ذكر الاكل مع المال.
الهواري
تفسير : قوله: {لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ} قالت اليهود: إن الله استقرضكم، وإنما يستقرض الفقير. يعنون قول الله: (أية : مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ) تفسير : [الحديد:11]، وقالوا: فهو فقير ونحن أغنياء. وقال بعضهم: ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب؛ لما أنزل الله: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} قال: يستقرضنا، افتقر إلينا. وقال مجاهد: لِم يستقرضنا وهو غني. قال الله: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} يعني بهذا أوَّليهم الذين قتلوا الأنبياء. {وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ} يعني في الآخرة. {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} من الكفر والتكذيب {وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}. ثم قال: {الَّذِينَ قَالُوا} ببغيهم {إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} قال الله: {قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ} من القربان الذي تأكله النار، وأنتم تنظرون فلم تؤمنوا بهم، وقتلتموهم. {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أن الله عهد إليكم ذلك، يعني أوليهم. وكانت الغنيمة قبل هذه الأمة لا تحلّ لهم؛ كانوا يجمعونها فتنزل عليها نار من السماء فتأكلها. قال مجاهد: كان الرجل إذا تصدّق بصدقة فقُبِلت منه أنزلت عليها نار من السماء فأكلتها. ذكر عكرمة قال: ما أحلّت الغنائم لأحد قبلكم، ولا حرّمت الخمر على أحد قبلكم. قوله: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ المُنِيرِ} قال الكلبي: أما الزبر فكتب الأنبياء، وأما الكتاب المنير فالحلال والحرام. قال الحسن: جاءوا بالبينات، أي: الحجج، والزبر والكتاب المنير، وهما شيء واحد. وقال: فأمر الله نبيه بالصبر، وعزاه، وأعلمه أن الرسل قد لقيت في جنب الله الأذى.
اطفيش
تفسير : {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} وهم اليهود قالوا لما سمعوا قول الله جل وعلا: {أية : من ذا الذى يقرض الله قرضاً حسناً}تفسير : وذلك استهزاء منهم لعنهم الله - برسول الله صلى الله علية وسلم، كيف يطلب الله القرض؟ وإنما يستقرض المحتاج، وتكذيب له علموا وجهلوا أن الاستقراض، الأمر بالطاعة ليثيبهم عليها، وروى أن أبا بكر رضى الله عنهُ مرَّ ذات يوم بمرس اليهود، فوجد فيه ناساً كثيراً من اليهود، وفيهم فنحاص بن عازوراء من علمائهم قد اجتمعوا عليه، فقال أبو بكر رضى الله عنه: يا فنحاص اتق الله واسلم، والله لتعلم أن محمداً رسول الله صلى الله علية وسلم قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوباً عندكم فى التوراة، فآمن وصدق واقرض الله قرضاً حسناً يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب. فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرض من أموالنا على أن يعطينا قرضه مع الفضل والربا، وما يستقرض إلا الفقير من الغنى، ولو كان غنيا لما استقرض منا، ولما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر رضى الله عنه، فضرب وجهه ضربة شديدة، فنزلت الآية تصديقاً لأبى بكر رضى الله عنه. زعموا لو كان محمداً رسولا لم يصف الله بالاستقراض المخصوص بالمحتاج المفتقر إليه، وكذا وقع مشركوا قريش فى هذه الشبهة، وروى أنه صلى الله علية وسلم كتب مع أبى بكر رضى الله عنه إلى يهود بنى قينقاع يدعوهم إلى الإسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يفرضوا الله قرضاً حسناً، فقال فنحاص بن عازوراء: إن الله فقير حتى يسأل القرض؟ فلطمهُ أبو بكر رضى الله عنه على وجهه، وقال: لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك، فشكاه فنحاص فى ضربه إلى رسول الله صلى الله علية وسلم، وجحد أن يكون قد قال إن الله فقير، فنزلت الآية تصديقاً لأبى بكر رضى الله عنه، وتكذيباً لليهودى، والآية وعيد له إذ نسب للكفر، قال عكرمة: نزلت فى أبى بكر وفنحاص، وذلك حديث : أنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إليه يستمده، وكتب إليه كتاباً فتوشح سيفه، فحمل الكتاب وبلغه، وقد قال صلى الله علية وسلم: "لا تفاتن على بشىء حتى ترجع" ولما قرأ فنحاص الكتاب قال: قد احتاج ربك حتى نمده؟ فهم أبو بكر أن يضربه بالسيف فتذكر قوله صلى الله علية وسلم "لا تفاتن.." تفسير : إلخ وأسند القول لجماعة اليهود، ولو كان القائل فنحاصاً، لأنه حبرهم وأنهم مصوبون له وراضون عنه، وقد قيل: كان معهم حبر آخر يسمى سبيعاً حتى دخل أبو بكر وقال ما قال، وكانت اليهود مجتمعين على فنحاص وسبيع حينئذ وكون القائل، إن الله فقير، هو فنحاص هو قول عكرمة والسدى ومقاتل وابن اسحاق، وقال الحسن: قائل ذلك حيى بن أخطب. وفى رواية عنه وعن قتادة: أن اليهود قالوا ذلك كما مر أول تفسير الآية، ولعل القائلين فنحاص وسبيع وحيى. {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}: ستكتب ملائكتنا ذلك فى كتاب يجمع فيه أعمال الخلق كلهم، فهذا بعد ما كتبته الملائكة فى كتب قائليه، والقائلين بدليل الاستقبال، ولعل الكتب يقع بعد موت رسول الله صلى الله علية وسلم، لأنه خاتم الأنبياء وفى موته حصة لسم اليهودية، والآية من مجاز الحذف، إذ حذف المضاف كما رأيت فى قولى ستكتب ملائكتنا، ويجوز أن يكون مجازاً عقلياً، بأن أسند الكتابة لنفسه لأنه الآمر بها، والكاتب حقيقة الملائكة، ويجوز أن يكون سنكتب بمعنى سنحفظ أى سنحدث ذلك حفظاً آخر، وإلا فهو معلوم لله محفوظ عنده، مرجين عملوه لا يصنع وذلك الحفظ الآخر، هو أن يكتب فى كتاب جميع أعمال الخلق أو جعل الكتاب فى موضع غير موضعه الأول، واستعار لفظ الكتابة للحفظ، مثل أن تشبه حفظ المال بجعله فى البيت والإغلاق عليه بكتابته، لأنه لا ينسى صاحبه بكتابته، ويجوز أن يكون مجازاً مرسلاً استعمالا للمقيد فى المطلق، فالكتابة حفظ مقيد من جملة مطلق الحفظ، ويجوز أن يكون كناية عن المجازاة، أى سنجزيهم ذلك، أى عقابه لذلك، قال سنكتب بالاستقبال، والتنفيس وذلك أن قولهم وقتلهم المذكورين، كفر بالله تعالى، واستهزاء بالقرآن ورسوله صلى الله عليه وسلم، وسياق الكلام فى قولهم: {إِنَّ اللَّهَ فَقِير} وذكر معه هنا قتلهم الأنبياء تنبيهاً على أن قولهم هذا أول جريمة منهم، ولا جهلهم مقصوراً عليه، بل لهم جرائم وجهالات لا يستبعد معها هذا القول، وأن قاتلى الأنبياء لا يستبعد منهم هذا القول، وقرأ حمزة: سيكتب بالتحتية والبناء للمفعول، ورفع قتلهم على النيابة عن الفاعل، وقرأ الحسن والأعرج: سيكتب بالتحتية والبناء للفاعل، وهو الله - تعالى - وقرأ ابن مسعود وتقدم الكلام فى مثل قتل الأنبياء بغير حق أى علموا أنه باطل، فانظر ما مر، واليهود الذين فى زمانه، صلى الله عليه وسلم لم يقتلوا الأنبياء، لكنهم يسعون فى قتل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسموه وثار عليه السم حين موته فمات به، وقاتل نبى، كقاتل الأنبياء كلهم ورضوا بقتل أسلافهم الأنبياء وصوبوهم، فيكتب عليهم القتل لذلك. {وَنَقُولُ}: نأمر الملائكة بالقول، فالتجوز فى الإسناد وتقول ملائكتنا، فالتجوز بالحذف، وكذا ما أشبه ذلك. وقرأ حمزة {يقول} بالتحتية على طريق الالتقات. وقرأ ابن مسعود: ويقال. {ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ}: أى عذاب النار، فالحريق هنا بمعنى النار أو عذاب الإحراق، فالحريق اسم مصدر: أحرق، والإضافة للبيان، أى ذوقوا تعديباً هو إحراق، أو بمعنى محرق فتكون إضافة موصوف لوصفه أى العذاب المحرق، والأمر بقوله: {ذوقوا} أمر إهانة، فالكلام مؤكد بنون العظمة فى سنكتب، ونقول، وبالكتابة وأمر الإهانة والتحقير، وبالتهكم والاستهزاء إذ كنى عن الاحتراق بالذوق الموضوع لأوائل الأكل، فإن الذوق إدراك المطعوم واستعماله فى إدراك المحسنات والحالات توسع، وناسب هنا فضل مناسبة، لأن العذاب مرتب على قولهم المرتب على البخل بالمال الذى معظم حبه لتحصيل الطعام والشراب.
الالوسي
تفسير : {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ } أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبـي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه بيت المدراس فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص ـ وكان من علمائهم وأحبارهم ـ فقال أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق الله تعالى وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله تعالى من فقر وإنه إلينا لفقير وما نتضرع إليه كما تضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء ولو كان غنياً عنا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم وأنه ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنياً عنا ما أعطانا الربا فغضب أبو بكر رضي الله تعالى عنه فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله تعالى فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع صاحبك بـي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبـي بكر رضي الله تعالى عنه: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله قال قولاً عظيماً يزعم أن الله تعالى شأنه فقير وهم عنه أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله تعالى / مما قال فضربت وجهه فجحد فنحاص فقال: ما قلت ذلك فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص تصديقاً لأبـي بكر رضي الله تعالى عنه هذه الآية، وأنزل في أبـي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب {أية : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً }تفسير : [آل عمران: 186] الآية. وأخرج ابن المنذر عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنها نزلت في حيـي بن أخطب لما أنزل الله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً }تفسير : [البقرة: 245] قال: يستقرضنا ربنا إنما يستقرض الفقير الغني. وأخرج الضياء وغيره من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } فقالوا: يا محمد فقير ربك يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله تعالى الآية، والجمع على الروايتين الأوليين مع كون القائل واحداً لرضا الباقين بذلك، وتخصيص هذا القول بالسماع مع أنه تعالى سميع لجميع المسموعات كناية تلويحية عن الوعيد لأن السماع لازم العلم بالمسموع وهو لازم الوعيد في هذا المقام فهو سماع ظهور وتهديد لا سماع قبول ورضا ـ كما في سمع الله لمن حمده ـ وإنما عبر عن ذلك بالسماع للإيذان بأنه من الشناعة والسماجة بحيث لا يرضى قائله بأن يسمعه سامع ولهذا أنكروه، ولكون إنكارهم القول بمنزلة إنكار السمع أكده تعالى بالتأكيد القسمي، وفيه أيضاً من التشديد في التهديد والمبالغة في الوعيد ما لا يخفى، والعامل في موضع إن وما عملت فيه قالوا: فهي المحكية به، وجوز أن يكون ذلك معمولاً لقول المضاف لأنه مصدر، قال أبو البقاء: وهذا يخرج على قول الكوفيين في إعمال الأول وهو أصل ضعيف ويزداد هنا ضعفاً بأن الثاني فعل، والأول مصدر وإعمال الفعل لكونه أقوى أولى. {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ } أي سنكتبه في صحائف الكتبة، فالإسناد مجازي والكتابة حقيقة، أو سنحفظه في علمنا ولا نهمله فالإسناد حقيقة والكتابة مجاز، والسين للتأكيد أي لن يفوتنا أبداً تدوينه وإثباته لكونه في غاية العظم والهول، كيف لا وهو كفر بالله تعالى سواء كان عن اعتقاد أو استهزاء بالقرآن وهو الظاهر، ولذلك عطف عليه قوله تعالى: {وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ } إيذانا بأنهما في العظم إخوان وتنبيهاً على أنه ليس بأول جريمة ارتكبوها ومعصية استباحوها، وأن من اجترأ على قتل الأنبياء بغير حق في اعتقاده أيضاً كما هو في نفس الأمر لم يستبعد منه أمثال هذا القول، ونسبة القتل إلى هؤلاء القائلين باعتبار الرضا بفعل القاتلين من أسلافهم، وقيل: المعنى سنجمع ما قالوا وقتلهم الأنبياء في مقام العذاب ونجزيهما جزاءاً مماثلاً لتشاركهما في أن في كل منهما إبطالاً لما جاء به المرسلون، ولا يخفى أنه مما لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى عليه. {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } أي وننتقم منهم بواسطة هذا القول الذي لا يقال إلا وقد وجد العذاب. والحريق بمعنى المحرق وإضافة العذاب إليه من الإضافة البيانية أي العذاب الذي هو المحرق لأن المعذب هو الله تعالى لا الحريق، أو الإفاضة للسبب لتنزيله منزلة الفاعل ـ كما قاله بعض المحققين ـ ((والذوق ـ كما قال الراغب ـ وجود الطعم في الفم؛ وأصله فيما يقل تناوله دون ما يكثر فإنه يقال له: أكل))، ثم اتسع فيه فاستعمل لإدراك سائر المحسوسات والحالات، وذكره هنا ـ كما قال ناصر الدين ـ لأن العذاب مرتب على قولهم الناشىء عن البخل والتهالك على المال وغالب حاجة الإنسان إليه لتحصيل المطاعم ومعظم بخله للخوف من فقدانه، ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال، ولك أن تقول: إن اليهود لما قالوا ما قالوا وقتلوا من قتلوا فقد أذاقوا المسلمين وأتباع الأنبياء غصصاً / وشبوا في أفئدتهم نار الغيرة والأسف وأحرقوا قلوبهم بلهب الإيذاء والكرب فعوضوا هذا العذاب الشديد، وقيل: لهم ذوقوا عذاب الحريق كما أذقتم أولياء الله تعالى في الدنيا ما يكرهون. والقائل لهم ذلك ـ كما قال الضحاك ـ خزنة جهنم، فالإسناد حينئذ مجازي، وفي هذه الآية مبالغات في الوعيد حيث ذكر فيها العذاب والحريق والذوق المنبىء عن اليأس فقد قال الزجاج: ذق كلمة تقال لمن أيس عن العفو أي ذق ما أنت فيه فلست بمتخلص منه والمؤذن بأن ما هم فيه من العذاب والهوان يعقبه ما هو أشد منه وأدهى، والقول للتشفي المنبىء عن كمال الغيظ والغضب وفيما قبلها ما لا يخفى أيضاً من المبالغات، وقرأ حمزة {سيكتب} بالياء والبناء للمفعول { وَقَتْلِهِمُ } بالرفع، ويقول بصيغة الغيبة.
ابن عاشور
تفسير : استئناف جملة {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} لمناسبة ذكر البخل لأنّهم قالوه في معرض دفع الترغيب في الصدقات، والذين قالوا ذلك هم اليهود، كما هو صريح آخر الآية في قوله: {وقتلهم الأنبياء بغير حق}، وقائل ذلك: قيل هو حُيَيُّ بنُ أخْطَبَ اليهودي، حَبر اليهود، لمّا سمع قوله تعالى: {أية : من ذا الذي يقرض اللَّه قرضاً حسناً}تفسير : [البقرة: 245] فقال حُيَيّ: إنّما يستقرض الفقيرُ الغنيَّ، وقيل: قاله فِنحَاص بن عَازورَاء لأبي بكر الصديق بسبب أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل أبا بكر إلى يهود قَيْنُقاع يدعوهم، فأتى بيت المِدْرَاس فوجد جماعة منهم قد اجتمعوا على فنحاص حَبْرِهم، فدعاه أبو بكر، فقال فنحاص: ما بنا إلى الله من حاجة، وإنّه إلينا لفقير ولو كان غنيّاً لما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، فغضب أبو بكر ولطم فنحاص وهمّ بقتله، فنزلت الآية. وشاع قولهما في اليهود. وقوله: {لقد سمع الله} تهديد، وهو يؤذن بأنّ هذا القول جراءة عظيمة، وإن كان القصد منها التعريض ببطلان كلام القرآن، لأنهم أتوا بهاته العبارة بدون محاشاة، ولأنّ الاستخفاف بالرسول وقرآنه إثم عظيم وكفر على كفر، ولذلك قال تعالى: {لقد سمع} المستعمل في لازم معناه، وهو التهديد على كلام فاحش، إذ قد علم أهل الأديان أنّ الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فليس المقصود إعلامهم بأنّ الله علم ذلك بل لازمه وهو مقتضى قوله: {سنكتب ما قالوا}. والمراد بالكتابة إمّا كتابته في صحائف آثامهم إذ لا يخطر ببال أحد أن يكتب في صحائف الحسنات، وهذا بعيد، لأنّ وجود علامة الاستقبال يؤذّن بأنّ الكتابة أمر يحصل فيما بعد. فالظاهر أنّه أريد من الكتابة عدم الصفح عنه ولا العفو بل سيثبت لهم ويجازون عنه فتكون الكتابة كناية عن المحاسبة. فعلى الأول يكون وعيداً وعلى الثاني يكون تهديداً. وقرأ الجمهور {سنكتب ما قالوا وقتلَهم} بنون العظمة من(سنكتب) وبنصب اللام من(قتلهم) على أنّه مفعول (نكتب) و(نقول) بنون. وقرأه حمزة: سيُكْتب ــــــ بياء الغائب مضمومة وفتح المثناة الفوقية ــــــ مبنيّاً للنائب لأنّ فاعل الكتابة معلوم وهو الله تعالى، وبرفع اللام من(قتلُهم) على أنه نائب الفاعل. (ويقول) بياء الغائب، والضمير عائد الى اسم الجلالة في قوله: {إن الله}. وعطف قوله: {وقتلهم الأنبياء بغير حق} زيادة في مذمّتهم بذكر مساوي أسلافهم، لأنّ الذين قتلوا الأنبياء هم غير الذين قالوا: {إن الله فقير ونحن أغنياء} بل هم من أسلافهم، فذكر هنا ليدلّ على أنّ هذه شنشنة قديمة فيهم، وهي الاجتراء على الله ورسله، واتّحاد الضمائر مع اختلاف المعاد طريقة عربية في المحامد والمذامّ التي تناط بالقبائل. قال الحجّاج في خطبته بعد يوم دَيْر الجَماجم يخاطب أهل العراق: ألستم أصحابي بالأهواز حين أضمَرْتُم الشرّ واستبطنتم الكفر إلى أن قال: ثمّ يوم الزاوية وما يوم الزاوية.. إلخ، مع أنّ فيهم من مات ومن طرأ بعد. وقوله: {ونقول ذوقوا عذاب الحريق} عُطف أثرُ الكتب عَلى الكتب أي سيجازون عن ذلك بدون صفح، {ونقول ذوقوا} وهْو أمر الله بأن يَدخلوا النار. والذوق حقيقته إدراك الطُّعوم، واستعمل هنا مجازاً مرسلاً في الإحساس بالعذاب فعلاقته الإطلاق، ونكتته أنّ الذوق في العرف يستتبع تكرّر ذلك الإحساس لأنّ الذوق يتبعه الأكل، وبهذا الاعتبار يصحّ أن يكون «ذوقوا» استعارة. وقد شاع في كلام العرب إطلاق الذوق على الإحساس بالخير أو بالشرّ، وورد في القرآن كثيراً. والإشارة في قوله: {ذلك بما قدمت أيديكم} للعذاب المشاهد يومئذ، وفيه تهويل للعذاب. والباء للسببية على أنّ هذا العذاب لعظم هَوله ممّا يُتساءل عن سببه. وعطف قوله: {وأن الله ليس بظلام للعبيد} على مجرور الباء، ليكون لهذا العذاب سببان: ما قدّمتْه أيديهم، وعَدْل الله تعالى، فما قدّمت أيديهم أوجب حصول العذاب، وعدْل الله أوجب كون هذا العذاب في مقداره المشاهد من الشدّة حتّى لا يظنّوا أن في شدّته إفراطاً عليهم في التعذيب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: عذاب الحريق: هو عذاب النار المحرقة تحرق أجسادهم. ذلك بما قدمت أيديهم: أي ذلك العذاب بسبب ما قدمته أيديكم من الجرائم. عهد إلينا: أمرنا ووصانا في كتابنا (التوراة). أن لا نؤمن لرسول: أي لا نتابعه، على ما جاء به ولا نصدقه في نبوته. بقربان تأكله النار: القربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى من حيوان وغيره يوضع في مكان فتنزل عليه نار بيضاء من السماء فتحرقه. البينات: الآيات والمعجزات. وبالذي قلتم: أي من القربان. فلم قتلتموهم: الاستفهام للتوبيخ، وممن قتلوا من الأنبياء زكريا ويحيى عليهما السلام. الزبر: جمع زبور وهو الكتاب كصحف إبراهيم. الكتاب المنير: الواضح البين كالتوراة والزبور والإِنجيل. معنى الآيات: لما نزل قول الله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تفسير : [البقرة: 245، الحديد: 11] ودخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت (المدراس) واليهود به وهم يستمعون لأكبر علمائهم وأجل أحبارهم فنحاص فدعاه أبو بكر إلى الإِسلام. فقال فنحاص: إن رباً يستقرض نحن أغنى منه! ينهانا صاحبك عن الربا ويقبله فغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب اليهودي فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا أبا بكر فسأل الرسول أبا بكر قائلا: "ما حملك على ما صنعت"؟ فقال إنه قال: إن الله فقير ونحن أغنياء فأنكر اليهودي فأنزل الله تعالى الآية {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}، أي نكتبه أيضا، ونقول لهم: {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}، وقولنا ذلك بسبب ما قدمته أيديكم من الشر والفساد، وأن الله ليس بظلام للعبيد، فلم يكن جزاؤكم مجافيا للعدل ولا مباعدا له أبداً لتنزه الرب تعالى عن الظلم لعباده هذا ما تضمنته الآية الأولى [181] {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} والآية الثانية [182] {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} وأما الآية الثالثة [183] وهي قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}؟ فقد تضمنت دعوى يهودية كاذبة باطلة لا صحة لها البتة، والرد عليها فالدعوى هي قولهم إنّ الله قد أمرنا موصياً لنا أن لا نؤمن لرسول فنصدقه ونتابعه على ما جاء به، حتى يأتينا بقربان تأكله النار، يريدون صدقة من حيوان أو غيره توضع أمامهم فتنزل عليها نار من السماء فتحرقها فذلك آية نبوته، وأنت يا محمد ما اتيتنا بذلك فلا نؤمن بك ولا نتابعك على دينك، وأما الرد فهو قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل يا رسولنا: {قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ} وهي المعجزات، {وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} وهو قربان تأكله النار فلم قتلتموهم، إذ قتلوا زكريا ويحيى وحاولوا قتل عيسى، إن كنتم صادقين في دعواكم؟ وأما الآية الرابعة [184] فإنها تحمل العزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول له ربه تعالى: {فَإِن كَذَّبُوكَ} فلم يؤمنوا بك، فلا تحزن ولا تأسى لأنك لست وحدك الذي كُذبت، فقد كذبت رسل كثر كرام، جاءوا أقوامهم بالبينات أي المعجزات، وبالزبر، والكتاب المنير كالتوراة والإِنجيل وصحف إبراهيم وكذبتهم أممهم كما كذبك هؤلاء اليهود والمشركون معهم فاصبر ولا تحزن. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- كفر اليهود وسوء أدبهم مع الله تعالى ومع أنبيائهم ومع الناس أجمعين. 2- تقرير جريمة قتل اليهود للأنبياء وهي من أبشع الجرائم. 3- بيان كذب اليهود في دعواهم أن الله عهد إليهم أن لا يؤمنوا بالرسول حتى يأتيهم بقربان تأكله النار. 4- تعزية الرسول صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر والثبات أمام ترهات اليهود وأباطيلهم.
القطان
تفسير : عهد الينا: أوصانا. بقربان: هو ما يذبح من الأنعام تقربا الى الله. بالبينات: الآيات الواضحة. أبو بكر وفنحاص "حديث : روى الطبري عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر بيت المدراس فوجدَ من يهودَ ناساً كثيرا، قد اجتمعوا الى رجل منهم يقال له فنحاص، كان من علمائهم وأحبارهم. فقال ابو بكر لفنحاص: ويحك يا فنحاص، إتَّق الله وأسلم، فوالله إنك لَتعلم ان محمداً رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والانجيل. قال فنحاص: واللهِ يا أبا بكر ما بنا الى الله من فقر، وإنه إلينا لَفقير. وما نتضرع اليه كما يتضرع الينا. وإنّا عنه لأغنياء. ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، يشير الى قوله تعالى {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}. فغضب ابو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينك ـ لضربتُ عنقك يا عدو الله. فذهب فنحاص الى رسول الله، فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبُك. فقال رسول الله لأبي بكر: ما حَمَلَكَ على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولاً عظيما.. زعم ان الله فقير، وانهم عنه أغنياء. فلما قال ذلك غضبتُ لله مما قال، فضربت وجهه. فجحد ذلك فنحاص، وقال: ما قلت ذلك. فأنزل الله تعالى ردّاً عليه وتصديقاً لأبي بكر {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ...}"تفسير : الآية. المدراس: مكان الدرس، وبَيْعة اليهود، وهم يلفظونها مدراش. قد سمع الله من قالوا هذه المقالة المنكرة ولم يَخْفَ عليه شيء. وسيجزيهم على ذلك أشد الجزاء, ولقد سجّل عليهم ذلك القولَ الشنيع كما سجل عليهم قتلهم الأنبياء ظلماً وعدوانا، وسينتقم منهم يوم القيامة ويقول لهم: ذوقوا عذاب النار المحرقة جزاء أعمالكم في الدنيا: كقتل الانبياء، ووصف الله بالفقر، وتكبركم وتبجحكم. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} فلا يكون عقابه الا عدلاً ولا يعاقب غير المستحق للعقاب. قراءات: قرأ حمزة: "سيكتب ما قالوا" بالياء المضمومة، و"قتلهم" بضم اللام، و"يقول" بالياء. ان من يدّعون فقر الله وغناهم هم الذين قالوا ان الله أوصانا في التوراة الا نؤمن لرسولٍ إلا اذا دلّل على صدقه بأن يأتينا بشيء يقرّبه لوجه الله وتنزل نار من السماء فتأكله، فقل لهم يا محمد: لقد بعث الله رسلاً جاؤا بما اقترحتم، ومع ذلك كذّبتموهم وقتلتموهم! فِلَم فعلتم ذلك ان كنتم صادقين في وعدكم بأن تؤمنوا عندما يتحقق ما تريدون؟ رويَ عن ابن عباس ان كعب بن الأشرف، ومالك من الصيف، وفنحاص، وجماعة من أحبار اليهود ـ أتوا ـ رسول الله فقالوا: يا محمد، تزعم انك رسول الله، وأنه أوحى اليك كتاباً، وقد عهد إلينا في التوراة الا نؤمن لرَسولٍ حتى يأتينا بقربان تأكله.... الخ. وفي الآية رد صريح ومجابهة قوية تكشف عن كذبهم والتوائهم وإصرارهم على الكفر.
د. أسعد حومد
تفسير : (181) - لَمَّا أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}تفسير : قَالَتِ اليَهُودُ: يَا مُحَمَّدُ أفْتَقَرَ رَبُّكَ فَيَسْأَلُ عِبَادَهُ القَرْضَ؟ وَرُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ لَقِيَ رَجُلاً مِنَ اليَهُودِ فَدَعَاهُ إلَى الإِسْلاَمِ، فَقَالَ لَهُ اليَهُودِيُّ: يَا أبَا بَكْرٍ مَا بِنَا إلَى اللهِ مِنْ حَاجَةٍ مِنْ فَقْرٍ، وَإِنَّهُ إلينا لَفَقِيرٌ، مَا نَتَضرَّعُ إليهِ كَمَا يَتَضرَّعُ إلينَا، وَإنا عَنْهُ أَغْنِيَاءُ، وَلَوْ كَانَ عَنّا غَنِيّاً مَا اسْتَقْرَضَ مِنَّا كَمَا يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ.. فَأنْزَلَ الله تَعَالَى هَذِهِ الآيَةِ. وَيَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى اليَهُودَ بِأنَّهُ سَمِعَ مَا قَالُوا، وَسَيَكْتُبُهُ وَيُسَجِّلُهُ عَلَيْهِمْ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيهِ، كَمَا سَيُحَاسِبُهُمِ عَلَى رِضَاهُمْ بِمَا قَامَ بِهِ أَسْلافُهُمْ مِنْ قَتْلِهِم الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍ، وَسَيَجْزِيهِم اللهُ عَلَيهِ شَرَّ الجَزَاءِ. وَيَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ: ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ. عَذَابَ الحَرِيقِ - العَذَابَ المُحْرِقَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : روي - في سبب نزول هذه الآية الكريمة: قال سعيد بن جُبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - لما نزل قوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} تفسير : [البقرة: 245] قالت اليهود: يا محمد افتقر ربك، فسأل عباده القرض؟ فأنزل الله {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [آل عمران: 181]. والذين عايشوا الإسلام في المدينة كانوا من اليهود. واليهود كما نعرف كانوا يَدِلون ويفخرون على العالم بأنهم أهل كتاب وعلم ومعرفة، ويدلون على البيئة التي عاشوا فيها أنهم ملوك الاقتصاد كما يقولون الآن عن أنفسهم. كل من يريد شيئاً يأخذه من اليهود. وكانوا يبنون الحصون ويأتون بالأسلحة لتدل على القوة. وجاء الإسلام وأخذ منهم هذه السيادات كلها، ثم تمتعوا بمزايا الإسلام من محافظة على أموالهم وأمنهم وحياتهم. أكان الإسلام يتركهم هكذا يتمتعون بما يتمتع به المسلمون أمناً واطمئناناً، وسلامة أبدان وسلامة أموال ثم لا يأخذ منهم شيئاً؟ لقد أخذ منهم الإسلام الجزية. فلم يكن من المقبول أن يدفع المسلم الزكاة ويجلس اليهود في المجتمع الإيماني دون أن يدفعوا تكلفة حمايتهم. ولذلك أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم سيدنا أبو بكر الصديق الى اليهود في المكان الذي يتدارسون فيه فعن ابن عباس قال: دخل ابو بكر الصديق بيت المدراس فوجد من يهود ناساً كثيرة قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم ومعه حبر يقال: أشيع، فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص، اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله من عند الله قد جاء بالحق من عنده، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل، فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، إنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنّا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنياً ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر - رضي الله عنه - فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً، وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدوّ الله فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أبصر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر"؟ فقال يا رسول الله: إن عدوّا الله قال قولاً عظيماً، يزعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه, فجحد فنحاص ذلك وقال: ما قلت ذلك. فأنزل الله فيما قال فنحاص {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [آل عمران: 181]. هؤلاء لم يفطنوا إلى سر التعبير الجميل في قوله سبحانه: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ..}تفسير : [الحديد: 11]. فإن هذا القول هو احترام من الحق - سبحانه - لحركة الإنسان في التملك. لماذا احترم الله حق الإنسان في التملك؟ هو سبحانه يريد أن يغري المتحرك بزيادة الحركة، ويحمل غير المتحرك على أن يتحرك. فإن طلب سبحانه شيئاً من هذا المال فهو لا يقول للإنسان: أعطي ما أعطيت لك. بل كأنه سبحانه يقول: إنني سأحترم عرقك، وسأحترم حركتك، وسأحترم فكرك، وسأحترم جوارحك وطاقاتك وكل ما فيك، فإن أخذتُ منك شيئاً فلن أقول لك أعطني ما أعطيت لك، لكن أقول لك: أقرضها لي؛ وإن أقرضتها فسوف تقرضها لا لأنتفع بها، ولكنها لأخيك. وقد اقترض من القادر فيما بعد وذلك لك أنت إذا أصابتك الحاجة. لماذا؟ لأنني أنا الله الذي استدعيت خلقي إلى الوجود. وما دمت أنا الله الذي استدعيت الخلق إلى الوجود فأرزاقهم مطلوبة مني. إن الواحد من البشر عندما يدعو اثنين من أصدقائه فهو يصنع طعاماً يكفي خمسة أو عشرة أشخاص. وما دام الله هو الذي استدعى الخلق إلى الوجود فهو الذي يكفل لهم الرزق. وعندما يكفل لهم الرزق فلا بد أن يتحركوا. وعندما يتحركون فهو سبحانه يضمن آثار الحركة، وذلك حتى ينال كلٌ ما يرضيه، أو على الأقل ما يكفيه من الضروريات. ولذلك عندما جاءت آثار الحركة من المال وتدخل البشر فيها تأميماً وغير ذلك من الإجراءات قلّت الحركة. لكن الله سبحانه وتعالى يعلم حرص الإنسان على منفعة نفسه فيغريه بذلك حتى يتحرك وسينتفع المجتمع بحركته، سواء قصد الإنسان أو لم يقصد. إذن فحين يقترض الحق سبحانه وتعالى من بعض خلقه لبعض خلقه، فهو سبحانه لا يتراجع فيما وهب. بل يقول جل وعلا:{أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}تفسير : [الحديد: 11]. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نحن البشر قد نضطر إلى هذا الموقف؛ فالواحد منا عندما يعطي أبناءه مصروف اليد، فكل ابن يدخر ما يبقى منه، وبعد ذلك يأتي ظرف لبعض الأبناء يتطلب مالاً ليس في مُكنْة الوالد ساعة يأتي الحدث. فيقول الوالد لأبنائه: أقرضوني ما في "حصّالاتكم"، وسأردها لكم مضاعفة، هو أخذها لأخيهم، لكن لأنه الذي وهب أولاً فلم يرجع في الهبة، لكنه طلبها قرضاً. وعندما يأتي أول الشهر فهو يرد القرض مضاعفاً، فإن كان ذلك ما يحدث في مجال البشر فما بالنا بما يحدث من الخالق الوهاب لعباده؟. هو سبحانه يقول: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [الحديد: 11]. لكن اليهودي لم يأخذ المسألة بهذا الفهم، لكنه أخذها بغباء المادة فقال: إن الله فقير ونحن أغنياء. لذلك قال الحق سبحانه: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} [آل عمران: 181]. ولماذا يكتب الله ذلك وهو العالم بكل شيء؟. جاء هذا القول ليدل على التوثيق أيضاً، فعندما يأتي هذا الرجل ليقرأ كتابه يوم القيامة يجدها مكتوبة؛ فالكتابة لتوثيق ما يمكن أن يُنكر - بالبناء للمجهول - فإذا كان العلم من الله فقط فالعبد قد يقول: - إنك يارب الذي تعاقب. فلك أن تقول ما تقول. فإذا ما كان مكتوباً عليهم ليقرأوه. فهذا توثيق لا يمكن إنكاره. ولم يفهم ذلك اليهودي أن القرض لله هو تلطف من الحق سبحانه وتعالى واستدرار لحنان الإنسان على الإنسان. فقد شاء الحق أن يحترم أثر مجهودك وعرقك أيها الإنسان، فإن وصلت إلى شيء من المال فهو مالك. ولم يقل الله لك: أعط أخاك، فسبحانه وتعالى تلطف مع خلقه يقول: أقرضني؛ ليضمن الإنسان أن ما أعطاه إنما هو عند ملئ. لكن أدب بني إسرائيل مع الله مفقود، فقد قالوا من قبل: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ..}تفسير : [المائدة: 64]. وسبب ذلك أنه أصابتهم سنة وجدب, وذلك بسبب تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: "إن الله وسع على اليهود في الدنيا حتى كانوا أكثر الناس مالاً، فلما عصوا الله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكذبوه ضيّق الله عليهم في زمنه صلى الله عليه وسلم، فقال فنحاص بن عازوراء ومن معه من يهود: يد الله مغلولة فأنزل الله هذه الآية. إنهم قالوا: السماء بخلت علينا ويد الله مغلولة، فلم تعطنا رزقاً. هكذا كان اجتراؤهم في الحديث عن الله "يد الله مغلولة" ونعرف أن "الغل" هو ربط اليدين بسلسلة. وهاهم أولاء يجترئون مرة أخرى فيقولون: "إن الله فقير". ويورد الحق سبحانه كل ذلك تسلية لسيدنا محمد حتى إذا ما اجترأوا عليه بكلمة أو على أصحابه باستهزاء، فسبحانه يوضح لرسوله: أنهم لم يصنعوا ذلك معك ولا مع أتباعك، إن هذا هو موقفهم مني أنا, فإذا كان موقفهم وسوء أدبهم وصل بهم إلى أن يجترئوا على الذات المقدسة العليّة، ويقولون: {إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [آل عمران: 181] ويقولون: {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} تفسير : [المائدة: 64]. أفتحزن وتأسى على أن يقولوا لك أو لأتباعك أي شيء يسيء إليكم؟ إنها نعمت المواساة من الله لرسوله ونعمت التسلية. ويضيف الحق: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} [آل عمران: 181]. لماذا يكتب الله ما قالوا مع أن علمه أزلي لا يُنسى؟{أية : لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}تفسير : [طه: 52]. لقد جاءت كلمة "سنكتب" حتى لا يؤاخذهم سبحانه وتعالى يوم القيامة بما يقول هو إنهم فعلوه، ولكن بما كتب عليهم وليقرأوه بأنفسهم، وليكون حجة عليهم، كأن الكتابة ليست كما نظن فقط، ولكنها تسجيل للصوت وللأنفاس، ويأتي يوم القيامة ليجد كل إنسان ما فعله مسطوراً: {أية : ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإسراء: 14]. وهذا القول يدل على أنه ساعة يرى الإنسان ما كتب في الكتاب سيعرف أنه منه، وإذا كنا نحن الآن نسجل على خصومنا أنفاسهم وكلماتهم أتستبعد على من علمنا ذلك أن يسجل الأنفاس والأصوات والحركات بحيث إذا قرأها الإنسان ورآها لا يستطيع أن يكابر فيها أو ينكرها؟ {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} [آل عمران: 181] وهم قالوا: {إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [آل عمران: 181] وهذا معصية في القمة، وتبجح على الذات العلية، ولم يكتفوا بذلك بل قتلوا الأنبياء الذين أرسلهم الله لهدايتهم؛ لذلك يقول الحق: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 181]. وعندما يأتي هذا النبأ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو تسلية له من الحق سبحانه. لقد قالوا في ربك يا محمد ما قالوا، وقتلوا الأنبياء إخوانك، فإذا صنعوا معك ما صنعوا فلا تحزن فسوف يُجازَوْن على ما كتبناه عليهم بشهادة أنفسهم، ونقول: ذوقوا عذاب الحريق. والحريق يصنع إيلاماً إحساسياً في النفس. والإحساس يختلف من حاسة إلى أخرى، فمرة يكون الإحساس بالبصر، ومرة بالأذن، ومرة بالشم أو باللمس أو بالذوق. والذوق هو سيد الأحاسيس، فهو لا يضيع من أحد أبداً، فقد نجد إنساناً أعمى، وآخر أصم، أو شخصاً ثالثاً أصيب بالشلل فلا تستطيع يده أن تلمس، وقد يصاب واحد بزكام مستمر فلا يصبح قادراً على الشم، أما الذوق فهو حاسة لا تختفي من أي إنسان، لذلك أن الذوق أمر من داخل الذات؛ لذلك فهو أبلغ في الإيلام. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}تفسير : [النحل: 112]. انظر إلى التعبير القرآني "فأذاقها الله لباس الجوع والخوف". جاء التعبير بالإذاقة، وجاء بشيء لا يذاق وهو اللباس. وهل اللباس يذاق؟ لا، لكنه سبحانه يريد أن ينبه الإنسان إلى أن كل الحواس التي فيه تحس، حتى تلك الحاسة المختفية داخل النفس، إنّ ذلك يَشمل كل جزء في الإنسان. فالإذاقة تحيط بالإنسان في هذا التصوير البياني القرآني الكريم: "فأذاقها الله لباس الجوع والخوف". إذن فهي شدة وقع الإيلام؛ واستيعاب العذاب المؤلم لكل أجزاء الجسم حتى صار الذوق في كل مكان. {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} [آل عمران: 181]، والحريق هو النار القوية التي تحرق ومن بعذ ذلك يقول الحق: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: بعد أن انتهى الاستعراض القرآني لمعركة أُحد وما فيها من أحداث جسيمة، وتناولت الآيات ضمن ما تناولت مكائد المنافقين ودسائسهم، وما انطوت عليه نفوسهم من الكيد للإِسلام والغدر بالمسلمين وتثبيط عزائمهم عن الجهاد في سبيل الله، أعقبه تعالى بذكر دسائس اليهود وأساليبهم الخبيثة في محاربة الدعوة الإِسلامية عن طريق التشكيك والبلبلة، والكيد والدسّ، ليحذّر المؤمنين من خطرهم كما حذّرهم من المنافقين، والآيات الكريمة تتحدث عن اليهود وموقفهم المخزي من الذات الإِلهية، واتهامهم لله عز وجل بأشنع الاتهامات بالبخل والفقر، ثم نقضهم للعهود، وقتلهم للأنبياء، وخيانتهم للأمانة التي حمَّلهم الله إِيّاها، إِلى آخر ما هنالك من جرائم وشنائع اتصف بها هذا الجنس الملعون. اللغَة: {عَهِدَ إِلَيْنَا} أوصانا {بِقُرْبَانٍ} القربان: ما يذبح من الأنعام تقرباً إِلى الله تعالى {ٱلْبَيِّنَاتِ} الآيات الواضحات والمراد به هنا المعجزات {ٱلزُّبُرِ} جمع زبور وهو الكتاب من الزَّبر وهو الكتابة، والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب كالرَّكوب بمعنى المركوب قال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة {زُحْزِحَ} الزحزحة: التنحية والإِبعاد تكرير الزح وهو الجذب بعجلة {فَازَ} ظفر بما يؤمل ونجا مما يخاف {ٱلْغُرُورِ} مصدر غرَّه يغرّه غروراً أي خدعه {مَتَاعُ} المتاع: ما يُتمتع به ويُنتفع ثم يزول {لَتُبْلَوُنَّ} لتمتحننَّ من بلاه أي امتحنه {عَزْمِ ٱلأُمُورِ} أصل العزم ثباتُ الرأي على الشيء والمراد هنا صواب التدبير والرأي وهو مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه {بِمَفَازَةٍ} بمنجاة من قولهم فاز فلان إِذا نجا. سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصّديق ذات يوم بيت مدراس اليهود، فوجد ناساً من اليهود قد اجتمعوا إِلى رجل منهم يقال له "فنحاص بن عازوراء" وكان من علمائهم وأحبارهم فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك اتق الله وأسلِمْ فوالله إِنك لتعلم أن محمداً رسولٌ من عند الله قد جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإِنجيل، فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إِلى الله من حاجة من فقر وإِنه إِلينا لفقير، ما نتضرع إِليه كما يتضرع إِلينا وإِنّا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنياً ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر وضرب وجه "فنحاص" ضربةً شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله، فذهب فنحاص إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد: انظر إِلى ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ما صنعتَ يا أبا بكر؟ فقال يا رسول الله: إِنَّ عدو الله قال قولاً عظيماً، زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء، فغضبتُ لله وضربتُ وجهه فجحد ذلك فنحاص فأنزل الله ردّاً على فنحاص وتصديقاً لأبي بكر {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} الآية. ب - عن ابن عباس قال: جاء جماعة من اليهود إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - منهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وفنحاص بن عازوراء - وغيرهم فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتاباً، وقد عهد الله إِِلينا في التوراة ألاّ نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإِن جئتنا بهذا صدّقناك فنزلت هذه الآية {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ} الآية. التفسِير: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} هذه المقالة الشنيعة مقالة أعداء الله اليهود عليهم لعنة الله زعموا أن الله فقير، وذلك حين نزل قوله تعالى {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة: 245] قالوا: إِن الله فقير يقترض منا كما قالوا {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} تفسير : [المائدة: 64] قال القرطبي: وإِنما قالوا هذا تمويهاً على ضعفائهم لا أنهم يعتقدون هذا، وغرضُهم تشكيك الضعفاء من المؤمنين وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أي إِنه فقير على قول محمد لأنه اقترض منا {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} أي سنأمر الحفظة بكتابة ما قالوه في صحائف أعمالهم ونكتب جريمتهم الشنيعة بقتل الأنبياء بغير حق، والمراد بقتلهم الأنبياء رضاهم بفعل أسلافهم {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي ويقول الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة: ذوقوا عذاب النار المحرقة الملتهبة {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي ذلك العذاب بما اقترفته أيديكم من الجرائم {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي وأنه سبحانه عادل ليس بظالم للخلق، والمراد أن ذلك العقاب حاصل بسبب معاصيكم، وعدلِ الله تعالى فيكم، قال الزمخشري: ومن العدل أن يعاقب المسيء ويثيب المحسن {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} أي هم الذين قالوا إِن الله أمرنا وأوصانا في التوراة {أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ} أي أمرنا بأن لا نصدّق لرسول حتى يأتينا بآية خاصة وهي أن يقدّم قرباناً فتنزل نار من السماء فتأكله، وهذا افتراء على الله حيث لم يعهد إِليهم بذلك {قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} أي قل لهم يا محمد توبيخاً وإِظهاراً لكذبهم: قد جاءتكم رسلٌ قبلي بالمعجزات الواضحات والحجج الباهرات الدالة على صدق نبوتهم وبالذي ادعيتم {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي فلم كذبتموهم وقتلتموهم إِن كنتم صادقين في دعواكم الإِيمان بالله والتصديق برسله؟ ثم قال تعالى مسلياً لرسوله صلى الله عليه وسلم {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} أي لا يحزنك يا محمد تكذيب هؤلاء لك، فإِنهم إِن فعلوا ذلك فقد كذَّبت أسلافهم من قبلُ رسل الله فلا تحزن فلك بهم أسوة حسنة {جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي كذبوهم مع أنهم جاءوهم بالبراهين القاطعة والمعجزات الواضحة {وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} أي بالكتب السماوية المملوءة بالحِكَم والمواعظ، والكتاب الواضح الجلي كالتوراة والإِنجيل {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} أي مصير الخلائق إِلى الفناء وكل نفسٍ ميّتة لا محالة كقوله {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} تفسير : [الرحمن: 26] {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي تُعطون جزاء أعمالكم وافياً يوم القيامة {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} أي فمن نُحي عن النار وأُبْعِد عنها، وأُدخل الجنة فقد فاز بالسعادة السرمدية والنعيم المخلّد {وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} أي ليست الدنيا إِلا دار الفناء يستمتع بها الأحمق المغرور قال ابن كثير: الآية فيها تصغير لشأن الدنيا وتحقير لأمرها وأنها فانية زائلة {لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} أي والله لتمتحننَّ وتختبرنَّ في أموالكم بالفقر والمصائب، وفي أنفسكم بالشدائد والأمراض {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} أي ولينالنكم من اليهود والنصارى والمشركين - أعدائكم - الأذى الكثير، وهذا إِخبارٌ منه جلّ وعلا للمؤمنين بأنه سينالهم بلايا وأكدار من المشركين والفجّار، وأمرٌ لهم بالصبر عند وقوع ذلك لأن الجنة حفَّت بالمكاره ولهذا قال {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ} أي وإِن تصبروا على المكاره وتتقوا الله في الأقوال والأعمال {فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} أي الصبر والتقوى من الأمور التي ينبغي أن تعزموا وتحزموا عليها لأنها ممّا أمر الله بها {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أي اذكر يا محمد حين أخذ الله العهد المؤكد على اليهود في التوراة {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} أي لتظهرنَّ ما في الكتاب من أحكام الله ولا تخفونها، قال ابن عباس: هي لليهود أُخذ عليهم العهد والميثاق في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتموه ونبذوه {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي طرحوا ذلك العهد وراء ظهورهم واستبدلوا به شيئاً حقيراً من حُطام الدنيا {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} أي بئس هذا الشراء وبئست تلك الصفقة الخاسرة {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} أي لا تظننَّ يا محمد الذين يفرحون بما أتوا من إِخفاء أمرك عن الناس {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} أي ويحبون أن يحمدهم الناس على تمسكهم بالحق وهم على ضلال {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ} أي فلا تظننَّهم بمنجاة من عذاب الله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي عذاب مؤلم قال ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إِيّاه وأخبروه بغيره وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إِياه ما سألهم عنه {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي له سبحانه جميع ما في السماوات والأرض فكيف يكون من له ما في السماوات والأرض فقيراً؟ والآية ردٌّ على الذين قالوا إِن الله فقير ونحن أغنياء {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي هو تعالى قادر على عقابهم. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يأتي: 1- {إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} أكد اليهود الجملة بـ {إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ} على سبيل المبالغة، فحيث نسبوا الى أنفسهم الغنى لم يؤكدوا بل أخرجوا الجملة مخرج ما لا يحتاج الى تأكيد كأنَّ الغنى وصف لهم لا يمكن فيه نزاع فيحتاج إِلى تأكيد وهذا دليل على تمردهم في الكفر والطغيان. 2- {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} فيه مجاز يسمى المجاز العقلي أي ستكتب ملائكتنا ولما كان الله لا يكتب وإِنما يأمر بالكتابة أسند الفعل إِليه مجازاً. 3- {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} فيه مجاز مرسل من إِطلاق اسم الجزء وإِرادة الكل وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال تُزوال بهن. 4- {تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ} إِسناد الأكل إِلى النار بطريق الاستعارة إِذ حقيقة الأكل إِنما تكون في الإِنسان والحيوان وكذلك توجد استعارة في قوله {ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} لأن حقيقة الذوق ما يكون بحاسّة اللسان. 5- {مَتَاعُ ٱلْغُرُور} قال الزمخشري: "شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلّس به على المستام ويُغر حتى يشتريه والشيطان هو المدلِّس الغرور" فهو من باب الاستعارة. 6- {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} كذلك توجد استعارة في النبذ والاشتراء شبّه عدم التمسك والعمل به بالشيء الملقى خلف ظهر الإِنسان وباشتراء ثمن قليل ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات الله. 7- وفي الآيات الكريمة من المحسنات البديعية الطباق في (فَقِيرٌ وأَغْنِيَآءُ) والمقابلة {زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ} وفي {لَتُبَيِّنُنَّهُ... وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} والجناس المغاير في {قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} وفي {كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ}. فَائِدَة: صيغة فعّال في الآية {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ} تفسير : [فصلت: 46] ليست للمبالغة وإِنما هي للنسب مثل عطّار ونجّار وتمّار كلها ليست للمبالغة وإِنما هي للنسب قال ابن مالك. شعر : ومع فاعل وفعَّال فُعل في نسبٍ أغنى من الياء قُبل تفسير : تنبيهْ: إِنما وصف تعالى عيش الدنيا ونعيمها بأنه متاع الغرور، لما تمنّيه لذاتها وشهواتها من طول البقاء وأمل الدوام فتخدعه ثم تصرعه، ولهذا قال بعض السلف: الدنيا متاعٌ متروك يوشك أن يضمحلّ ويزول، فخذوا من هذا المتاع واعملوا فيه بطاعة الله ما استطعتم والله المستعان.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} معناهُ سَنَحفِظُ. تفسير : وقوله تعالى: {عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} يَريدُ النَّارَ.
الجيلاني
تفسير : كما أخبر سبحانه عن علمه بقول اليهود وبقوله: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} استهزاءً وسخريةً حين نزل: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ}تفسير : [الحديد: 11] {إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ} استقرض منا {وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} وبعدما سمعنا منهم {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} اي: قولهم هذا {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} فيما مضى في صحائف أعمالهم، في نظم واحد، ونجازي عليهم يوم الجزاء {وَنَقُولُ} لهم وقت جزائهم: {ذُوقُواْ} أيها المفرطون، المسيئون للأدب مع الله ورسوله {عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} [آل عمران: 181] المحرق غاية الإحراق، بحيث يذوق إحراقه أجسامكم وجميع قواكم. ولا تنسبونا في هذا التعذيب إلى الظلم والعدوان؛ إذ {ذٰلِكَ} العذاب {بِمَا قَدَّمَتْ} واقترفت {أَيْدِيكُمْ} من المعاصي العظيمة التي هي من جملتها: قولكم هذا، وقتلكم الأنبياء فيما مضى {وَ} اعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ} المنتقم من عباده {لَيْسَ بِظَلاَّمٍ} بذي ظلم {لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182] أي: للذين ظلموا في دار الدنيا، بل يجازيهم وينتقم منهم على مقتضى ظلمهم بلا زيادة ونقصان؛ عدلاً منه. والمعذبون بالعذاب الحرق هم {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} افتراءً على الله في تعليل عدم إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} في التوراة، وأوصانا {أَلاَّ نُؤْمِنَ} نقر {لِرَسُولٍ} أي: لكل رسول يدَّعي الرسالة من عنده، ويُظهر المعجزات وفق عدواه {حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا} في أظهرنا وبين أيدينا {بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ} تحيلة {ٱلنَّارُ} النازلة من السماء؛ وذلك أنهم ادعوا أن أنبياء بني إسرائيل يتقربون إلى الله بقربان، فيقوم النبي يدعو، والناس حوله، فتنزل نار من جانب السماء فتحيل القربان إلى طبعها فجأة، وإحالته ناراً علامة قبول الله قربانهم. {قُلْ} يا أكمل الرسل تبكيتاً وإلزاماً: {قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي: بالمعجزات الواضحة، الدالة على رسالاتهم {وَ} خصوصاً {بِٱلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} مع إتيانهم بما اقترحتموهم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183] بأن إيمانكم موقوف على هذه المعجزة. {فَإِن كَذَّبُوكَ} وأنكروا عليك يا أكمل الرسل فلا تبال بتكذيبهم وإنكارهم {فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} ذو معجزات كثيرة، وآيات عظام {جَآءُوا} على من أرسل إليهم {بِٱلْبَيِّنَاتِ} الواضحة {وَٱلزُّبُرِ} أي: الصحف المثبتة فيها الأحكام فقط {وَٱلْكِتَابِ} المبين فيه الأحكام والمواعظ والرموز والإرشادات {ٱلْمُنِيرِ} [آل عمران: 184] على كل من استنار منه واسترشد، ومع ذلك ينكرونهم، فمضوا هم ومنكروهم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أمثال هذه الأعمال من الأفعال والأقوال بقوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ}، إشارة في الآيتين: إن العبد إذا غلبت عليه الصفات الذميمة واستولى عليه الهوى والشيطان ومات قلبه، تكاملت الصفة الأمارة بالسوء لنفسه، {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ}تفسير : [النجم: 3-4] إليه الشيطان لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ}تفسير : [الأنعام: 121]، والنفس إذا تكلمت بالهوى تدعي بالربوبية ادعاء فرعون، {أية : فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24]، فيكون كلامها من صفات الربوبية، وإن من صفات الربوبية قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ}تفسير : [محمد: 38]، فإذا تم فساد حال النفس الأمارة بالسوء تثبت صفات الربوبية لنفسها، وصفات العبودية لربها، كقوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [آل عمران: 181]، أثبتوا لأنفسهم صفات الربوبية وهي الغناء، وأثبتوا لله صفة العبودية وهي الفقر، {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} [آل عمران: 181]، وسنميت قلوبهم بأقوالهم هذه كما أمتناها بأفعالهم، وهي {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 181]، يشير إلى: إن جزاء هذه الأحوال في حق الله سبحانه مثل جزاء هذه الأفعال في حق الأنبياء - عليهم السلام - {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ} [آل عمران: 181]، القلب الميت {ٱلْحَرِيقِ} [آل عمران: 181]، بنار القهر والقطيعة {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران: 182]؛ أي: بشؤم معاملاتكم القولية والفعلية على وفق الهوى والطبيعة، وخلاف الرضاء والشريعة، {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182]، بأن يضع الشيء في موضعه لهم؛ يعني: لا يجعل المصلح منهم مظهر صفة قهره، ولا المفسد منهم مظهر صفة لطفه، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]. ثم أخبر عمن لهم مثل حالهم وشبه مقالهم بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} [آل عمران: 183]، الإشارة في الآيتين، فاعلم أولاً أن الإنسان هو العالم الأصغر فيوجد فيه النموذج من كل ما في العالم الأكبر، وفي قوله تعالى: {قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} [آل عمران: 183]، إشارة إلى: إن في اليهود صفات البهيمة والسبعية والشيطنة، {أَلاَّ نُؤْمِنَ} [آل عمران: 183]؛ أي: لا تستسلم ولا تنقاد {لِرَسُولٍ} [آل عمران: 183]؛ أي: خاطر روحاني وإلهام رباني، أو وارد حق {حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ} [آل عمران: 183]، وهو الدنيا وما فيها نجعلها نسيكة لله عز وجل {تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ} [آل عمران: 183]، {أية : نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ}تفسير : [الهمزة: 6-7]، التي تقدح من زناد نخبهم، فإن كثيراً من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قرباناً لله تعالى فلا تأكله نار الله، {قُلْ} [آل عمران: 183]، يا دار الحق {قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي} [آل عمران: 183]؛ أي: واردات من الحق {بِٱلْبَيِّنَاتِ} [آل عمران: 183]، والبراهين الظاهرة والحجج الباهرة، {وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} [آل عمران: 183]؛ أي: بإتيان الدنيا قرباناً، {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} [آل عمران: 183]، غلبتموهم وتحرقونهم حتى لم يبق أثر من تلك الواردات، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183]، إنكم تنقادون بالواردات الحق. فاعلم: أن الله تعالى كما قدر أن بعض الأمم يغلبون بعض أنبيائهم ويقتلونهم قبل الإيمان أو بعد الإيمان بهم، كذلك قدر أن بعض الصفات النفسانية، فغلب على بعض الإلهامات الربانية والواردات الرحمانية فتمحوها، كما قال تعالى: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} تفسير : [الرعد: 39] قبل انقيادها لها، وبعد ما انقادت لها، {أية : لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}تفسير : [الأنفال: 42]، {فَإِن كَذَّبُوكَ} [آل عمران: 184]، أيها الوارد الرحماني يهود الصفات النفسانية، {فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} [آل عمران: 184] في الصورة والمعنى، {جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} [آل عمران: 184]، أي: بالمعجزات الظاهرة والباطنة وغرائب العلوم، وكشف الأسرار واستخراج الحقائق، واستنباط المعاني التي تعجز عن إتيانها فحول وجمهور الحكماء، ولا يعلمها إلا العلماء بالله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى، عن قول هؤلاء المتمردين، الذين قالوا أقبح المقالة وأشنعها، وأسمجها، فأخبر أنه قد سمع ما قالوه وأنه سيكتبه ويحفظه، مع أفعالهم الشنيعة، وهو: قتلهم الأنبياء الناصحين، وأنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة، وأنه يقال لهم -بدل قولهم إن الله فقير ونحن أغنياء- { ذوقوا عذاب الحريق } المحرق النافذ من البدن إلى الأفئدة، وأن عذابهم ليس ظلما من الله لهم، فإنه { ليس بظلام للعبيد } فإنه منزه عن ذلك، وإنما ذلك بما قدمت أيديهم من المخازي والقبائح، التي أوجبت استحقاقهم العذاب، وحرمانهم الثواب. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود، تكلموا بذلك، وذكروا منهم "فنحاص بن عازوراء" من رؤساء علماء اليهود في المدينة، وأنه لما سمع قول الله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } { وأقرضوا الله قرضا حسنا } قال: -على وجه التكبر والتجرهم- هذه المقالة قبحه الله، فذكرها الله عنهم، وأخبر أنه ليس ببدع من شنائعهم، بل قد سبق لهم من الشنائع ما هو نظير ذلك، وهو: { قتلهم الأنبياء بغير حق } هذا القيد يراد به، أنهم تجرأوا على قتلهم مع علمهم بشناعته، لا جهلا وضلالا بل تمردا وعنادا.
همام الصنعاني
تفسير : 491- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة قال: لما أنزل الله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}تفسير : : [البقرة: 245]، قالت اليهود: إنما يستقرضُ الفير من الغني!! فأنزل الله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ}: [الآية: 181].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):