٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
182
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : ويقال لهم: { أية : إذا ألقوا فيها } تفسير : [7:67] {ذٰلِكَ } العذاب {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } عبر بها عن الإنسان لأنّ أكثر الأفعال تُزَاول بها {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ } أي بذي ظلم {لّلْعَبِيدِ } فيعذبهم بغير ذنب.
الطوسي
تفسير : المعنى: قوله: "ذلك" اشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله: {ونقول ذوقوا عذاب الحريق. ذلك بما قدمت أيديكم} ومعناه بما جنيتموه على أنفسكم، فان الله لا يظلم أحداً من عبيده، ولا يبخسهم حقهم. وفيها دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لأنها تدل على أنه لو وقع العقاب من غير جرم سلف من العبد، لكان ظلماً وذلك بخلاف ما يذهبون إليه من أن الله تعالى يعذب الاطفال من غير جرم. فان قيل: لم نفى كثرة الظلم على وجه لا يدخل فيه القليل، وهلا نفى على وجه العموم كقوله: {أية : لا يظلم مثقال ذرة} تفسير : وكقوله: {أية : لا يظلم الناس شيئاً} تفسير : وقوله: {أية : ولا يظلمون فتيلاً} تفسير : و "نقيرا"؟ قيل: لأنه خرج مخرج الجواب لمن توهم مذهب المجبرة فدل على أنه لو كان على ما يذهبون إليه، لكان ظلاماً للعبيد، وما هو بظلام لهم. فان قيل: لم أضيف التقديم إلى أيديهم وإنما هو لهم في الحقيقة؟ قيل: لأنه إذا أضيف على هذه الطريقة كان أبعد من توهم الفساد في معنى الاضافة إذ قد يضاف الفعل إلى الانسان على معنى أنه أمر به ودعا إليه. كما قال: {أية : يذبح أبناءهم} تفسير : وإذا ذكرت اليد دل على تولي الفعل نحو قوله {أية : أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً}. تفسير : الاعراب: {وان الله} انما فتح ان لأنه معطوف على ما عملت فيه الباء، وتقديره وبأن الله ليس بظلام للعبيد أي ذلك العذاب بما سلف من الاجرام وبامتناع ظلم الله للعباد، فموضع أن جر وموضع الباء في قوله: "مما" رفع، لأنها في موضع خبر ذلك وهي متصلة بالاستقرار كأنه قيل ذلك مستقر بما قدمت أيديكم، كما يقول القائل: عقابك مما كسبت يداك.
الجنابذي
تفسير : {ذٰلِكَ} العذاب {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} خصّص الايدى بالذّكر لانّ معظم الاعمال البدنيّة تصدر منها {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} الظّلام كالتّمار والخيّاط للنّسبة وليس للمبالغة وهو معطوف على ما قدّمت ايديكم وسببيّة نفى الظّلم عنه تعالى للعذاب بواسطة انّ نفى الظّلم مستلزم للعدل والفضل والعدل يقتضى عقوبة المسيء كما يقتضى اثابة المحسن، او المقصود التّنبيه على انّ المسيء اذا صار متمكّناً فى الاساءة صار فعليّته الاخيرة هى قوّته المسيئة المناسبة للجحيم وآلامها وتلك القوّة كما تكون مناسبة للجحيم تكون منافية للنّعيم، والانسانيّة فى هذا الانسان تكون مغلوبة خفيّة غير ظاهرة باقتضائها فلو لم يدخل هذا الانسان فى الجحيم لكان ظلماً على قوّته المقتضية لها وان كانت الجحيم عذاباً لانسانيّته لكن انسانيّته مختفية غير مقتضية لشيءٍ.
اطفيش
تفسير : {ذلِكَ}: العذاب. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ}: من إذاقة الغصص للمسلمين وقتل الأنبياء وسائر المعاصى، أى ذلك حاصل بسبب ما قدموه وذكر الأيدى: لأن أكبر الأعمال بها فى الجملة. {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد}: عطف على بما وبأن الله ليس بذى ظلم، أو انتفى الظلم عنه، انتفاءً بليغاً، فظلام للنسب على القلة، فى ورود مثل ذلك فى الوصف، أو للمبالغة الراجعة للنفى، أو لمطلق المبالغة فى الظلم، بحيث لا يفهم ثبوت الظلم القليل على طريق نفى شىء بدون اعتبار ثبوت غيره، كما تقول: عمرو ظلام، ولست بظلام، عل معنى مجرد قولك أنا برىء من وصفه، كأنه قيل: ليس الله مسوياً بين المطيع والمسىء، فإن التسوية بينهما ظلم عظيم، ولا معذباً للمطيع فإن تعذيبه ظلم عظيم، بل ذلك العذاب بما قدموا.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديكُمْ} ذلك العذاب بما قدمتم من قتل الأنبياء وغيره، وأسند التقديم للأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها والقتل باليد، والكاف الأولى خطاب لهم على العموم البدلى، والثانية للعموم الشمولى {وَأَنَّ اللهَ} وبأن الله {لَيْسَ بِظَلاّمِ لِلْعَبِيدِ} كما زعمتم أنه ذو ظلم كثير أو عظيم بقولكم باستواء المحسن والمسىء، فإن استواءهما ظلم، أو ليس بذى ظلم، ففعال للنسب كلبان، أو يقدر، ولا بذى ظلم ما، أو الآية كقوله {أية : لا يحب كل كفار} تفسير : [البقرة: 276]، لعموم السلب، أو ليس بظلام ظلما كثيراً، أو عظيما، فضلا عن دون ذلك، لأن الظالم يظلم لفائدته، فإذا لم يظلم لكثير الفائدة لم يظلم لقليلها، ويبعد فى الصناعة تسلي المبالغة على النفى، وإذا انتفى عنه الظلم فهو عدل لا يعذب بغير ذنب، وعذاب المطيع جور والإحسان إلى المسىء عبث وسفه إن لم يتب، وعدم الثواب للمطيع كذلك، وكذا الإهمال عن التكليف.
الالوسي
تفسير : {ذٰلِكَ } إشارة إلى العذاب المحقق المنزل منزلة المحسوس المشاهد، وللإشارة إلى عظم شأنه وبعد منزلته في الهول والفظاعة أتى باسم الإشارة مقروناً باللام والكاف وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } أي بسبب أعمالكم التي قدمتموها كقتل الأنبياء وهذا القول الذي تكاد السماوات يتفطرن منه، والمراد من الأيدي الأنفس والتعبير بها عنها من قبيل التعبير عن الكل بالجزء الذي مدار جل العمل عليه، يجوز أن لا يتجوز في الأيدي بل يجعل تقديمها الذي هو عملها عبارة عن جميع الأعمال التي أكثرها أو الكثير منها يزاول باليد على طريق التغليب. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } عطف على ما {قَدَّمْتْ } فهو داخل تحت حكم باء السببية وسببيته للعذاب من حيث إن نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسيء ـ وإليه ذهب الفحول من المفسرين ـ وتعقبه مولانا شيخ الإسلام بقوله: وفساده ظاهر فإن ترك التعذيب من مستحقه ليس بظلم شرعاً ولا عقلاً حتى ينتهض نفي الظلم سبباً للتعذيب. وخلاصته المعارضة بطريق القياس الاستثنائي بأنه لو كان ترك التعذيب ظلماً لكان نفي الظلم سبباً للتعذيب لكن ترك التعذيب ليس بظلم فنفي الظلم لا يكون سبباً له، وأجيب بأن منشأ هذا الاعتراض عدم الفرق بين السبب والعلم الموجبة، والفرق مثل الصبح ظاهر فإن السبب وسيلة محضة لا يوجب حصول المسبب كما أن القلم سبب الكتابة غير موجب إياها، والعدل اللازم من نفي الظلم سبب لعذاب المستحق وإن لم يوجبه. فالاستدلال بعدم الإيجاب على عدم السببية فاسد جداً، وأما قولهم في العدل المقتضي الخ فهو بيان لمقتضاه إذا خلى وطبعه، وتقرير لكونه وسيلة ولا يلزم منه إيجاب الاثابة والمعاقبة على ما ينبىء عنه قوله سبحانه في الحديث القدسي: «حديث : سبقت رحمتي غضبي»تفسير : ، وخلاصة هذا أن الملازمة بين المقدم والتالي في القياس الاستثنائي ممنوعة بأنه لم لا يجوز أن لا يكون ترك التعذيب ظلماً ويكون نفي الظلم سبباً بأن يكون السبب سبباً غير موجب ولا محذور حينئذ. لا يقال يحتمل أن يكون مبنى ذلك الاعتراض على المفهوم المعتبر عند الشافعي لا على كون السبب موجباً لأنا نقول: إن أريد بالمفهوم مفهوم قوله سبحانه: {وَأَنَّ ٱللَّهَ } الخ فنقول: حاصله أن العدل سبب لعذاب المستحقين، والمفهوم منه أن العدل لا يكون سبباً لعذاب غير المستحقين وهو معنى متفق عليه لا نزاع فيه، وإن أريد أن المفهوم من قولنا سبب تعذيبهم كونه تعالى غير ظالم أنه تعالى لو لم يعذبهم لكان ظالماً فنقول هو مع بعده عن سياق كلام المعترض من قبيل الاستدلال بانتفاء السبب على انتفاء المسبب فيكون مبنياً على كون المراد بالسبب السبب الموجب ـ كما قلنا ـ ويرد عليه ما أوردناه ولا يكون من باب المفهوم في شيء وإن أريد غير هذا وذاك فليبين حتى نتكلم عليه، ومن الناس من دفع الاعتراض بأن حاصل معنى الآية وقع العذاب / عليكم ولم يترك بسبب أن الله تعالى ليس بظلام للعبيد وهو بمنطوقه يدل على أن نفي الظلم لا يكون سبباً لترك التعذيب من مستحقه ولا يدل على كون الظلم سبباً لترك التعذيب بل له سبب آخر وهو لطفه تعالى فلا يرد الاعتراض، وأنت تعلم بأن هذا ذهول عن مقصود المعترض أيضاً فإنّ دلالة الكلام على كون الظلم سبباً لترك التعذيب وعدمها خارج عن مطمح نظره على ما عرفت من تقرير كلامه على أنه إذا كان المراد بالسبب السبب الموجب على ما هو مبنى كلام ذلك المولى فدلالته عليه ظاهرة فإن وجود السبب الموجب كما يكون سبباً لوجود المسبب يكون عدمه سبباً لعدمه ـ كما في طلوع الشمس ووجود النهار ـ فالعدل أعني نفي الظلم إذا كان سبباً لتعذيب المستحق يكون عدمه أعني الظلم سبباً لعدم التعذيب، وقيل: إنه عطف على ما قدمت للدلالة على أن سببية ذنوبهم لعذابهم مقيِّدة بانتفاء ظلمه تعالى إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم لا أن لا يعذبهم بذنوبهم. وتعقبه أيضاً مولانا شيخ الإسلام بقوله: وأنت خبير بأن إمكان تعذيبه تعالى لعبيده بغير ذنب بل وقوعه لا ينافي كون تعذيب هؤلاء الكفرة بسبب ذنوبهم حتى يحتاج إلى اعتبار عدمه معه، وإنما يحتاج إلى ذلك إن كان المدعي أن جميع تعذيباته تعالى بسبب ذنوب المعذبين انتهى، ولا يخفى عليك أنَّ أنْ لا يعذبهم بذنوبهم في كلام القيل معطوف على قوله: أن يعذبهم، والمعنى أن ذكر هذا القيد رفع احتمال أن يعذبهم بغير ذنوبهم لاحتمال أن لا يعذبهم بذنوبهم فإنه أمر حسن شرعاً وعقلاً. وقوله: للدلالة على أن سببية ذنوبهم لعذابهم مقيدة الخ أراد به أن تعينه للسببية إنما يحصل بهذا القيد إذ بإمكان تعذيبه بغير ذنب يحتمل أن يكون سبب التعذيب إرادة العذاب بلا ذنب فيكون حاصل معنى الآية إن عذابكم هذا إنما نشأ من ذنوبكم لا من شيء آخر، فإذا علمت هذا ظهر لك أن تزييف المولى كلام صاحب القيل بأن إمكان تعذيبه تعالى الخ ناشىء عن الغفلة عن مراده، فإن كلامه ليس في منافاة هذين الأمرين بحسب ذاتهما بل في منافاة احتمال التعذيب بلا ذنب لتعين سببية الذنوب له وكذا قوله عقيب ذلك، وإنما يحتاج إلى ذلك إن كان المدعي الخ ناشىء عن الغفلة أيضاً لأن الاحتياج إلى ذلك القيد في كل من الصورتين إنما هو لتقريع المخاطبين وتبكيتهم في الاعتراف بتقصيراتهم بأنه لا سبب للعذاب إلا من قبلهم. فالقول بالاحتياج في صورة وعدمه في صورة ركيك جداً، ثم إنه لا تدافع بين هذا القيل وبين ما نقل أولاً عن فحول المفسرين حيث جعل المعطوف هناك سبباً وهٰهنا قيداً للسبب لأن المراد بالسبب الوسيلة المحضة كما أشرنا إليه فيما سبق فهو وسيلة سواء اعتبر سبباً مستقلاً أو قيداً للسبب، نعم بينهما على ما سيأتي إن شاء الله تعالى تدافع يتراءى من وجه آخر لكنه أيضاً غير وارد كما سنحققه بحوله تعالى. والحاصل أن العطف هنا مما لا بأس به وهو الظاهر ـ وإليه ذهب من ذهب ـ ويجوز أن يجعل ـ وإليه ذهب شيخ الإسلام ـ أن وما بعدها في محل الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم، والتعبير عن ذلك بنفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة أهل السنة فضلاً عن كونه ظالماً بالغاً لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى من الظلم كما يعبر عن ترك الإثابة على الأعمال بإضاعتها مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها إضاعتها، وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في صورة المبالغة في الظلم، ومن هنا يعلم الجواب عما قيل: إن نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته ونفي الكثرة لا ينفي أصله بل ربما يشعر بوجوده، وأجيب عن ذلك أيضاً بأنه نفي لأصل / الظلم وكثرته باعتبار آحاد من ظلم فالمبالغة في ظلام باعتبار الكمية لا الكيفية، وبأنه إذا انتفى الظلم الكثير انتفى القليل لأن من يظلم يظلم للانتفاع بالظلم فإذا ترك كثيره مع زيادته نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضر كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركاً، وبأن ظلام للنسب كعطار أي لا ينسب إليه الظلم أصلاً وبأن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب فلو كان تعالى ظالماً سبحانه لكان ظلاماً فنفى اللازم لنفي الملزوم، واعترض بأنه لا يلزم من كون صفاته تعالى في أقصى مراتب الكمال كون المفروض ثبوته كذلك بل الأصل في صفات النقص على تقدير ثبوتها أن تكون ناقصة، وأجيب بأنه إذا فرض ثبوت صفة له تعالى تفرض بما يلزمها من الكمال، والقول بأن هذا في صفات الكمال دون صفات النقص إنما يوجب عدم ثبوتها لا ثبوتها ناقصة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام في هذا المقام.
د. أسعد حومد
تفسير : (182) - وَهَذا العَذَابُ المُحْرِقُ الذِي تَذُوقُونَهُ، إنَّمَا وَقَعَ بِكُمْ بِسَبَبِ مَا قَدَّمَتْهُ أيْدِيكُمْ مِنْ عَمَلٍ سَيِّئٍ، وَكُفْرٍ وَظُلْمٍ، وَقَتْلٍ لِلأنْبِيَاءِ، وَقَوْلِ: إنَّ اللهَ فَقِيرٌ. وَقَدْ أنْزَلَ اللهُ بِكُمْ هَذَا العِقَابَ بِالحَقِّ، وَالعَدْلِ، وَهُوَ لاَ يَظْلِمُ أحَداً مِنْ خَلْقِهِ. العَبِيدُ - العِبَادُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {ذٰلِكَ} [آل عمران: 182] إشارة إلى عذاب الحريق. والحق سبحانه لم يظلمهم، لكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران: 182] فهل معنى ذلك أن كل المعاصي من تقديم اليد؟ إن هناك معصية للعين، ومعصية للسان، ومعصية للرجل، ومعصية للقلب، ولا حصر للمعاصي. فلماذا إذن قال الحق: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران: 182]؟ قال الحق ذلك لأن الأعمال الظاهرة تُمارس عادة باليد؛ فاليد هي الجارحة التي نفعل بها أكثر أمورنا، وعلى ذلك يكون قول الحق: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران: 182] مقصود به: بما قدمتم بأي جارحة من الجوارح. وبعد ذلك يخبرنا سبحانه: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182] لقد أذاقهم عذاب الحريق نتيجة ما كتبه عليهم؛ من قول وفعل. والقول هو الافتراء باللسان حين قالوا: {إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [آل عمران: 181]. والفعل هو قتلهم الأنبياء فهم يستحقون ذلك العذاب. والقضية العامة في الإله وعدالة الإله أنه ليس بظلام للعبيد. وهنا وقفة لخصوم الإسلام من المستشرقين، هم يقولون: الله يقول في قرآنكم {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182]، وكلمة "ظلام" هي مبالغة في كلمة "ظالم"، ففيه "ظالم" وفيه "ظلاّم"، و"الظَّلاّم" هو الذي يظلم ظلماً قوياً ومتكرراً؛ فـ"ظلاّم" هي صيغة مبالغة في "ظالم". وحتى نرد عليهم لابد لنا أن نعرف أن صيغ المبالغة كثيرة، فاللغويون يعرفون أنها: فعّال، فعيل، مفعال، فعول، فَعِل، فظلاَّم مثلها مثل قولنا: "أكَّال"، ومثل قولنا: "قتَّال" بدلاً من أن نقول: "قاتل" فالقاتل يكون قد ارتكب جريمة القتل مرة واحدة، لكن الـ"قتَّال" هو من فعل الجريمة مرات كثيرة وصار القتل حرفته. ومثل ذلك "ناهب"، ويقال لمن صار النهب حرفته: "نَهَّاب" أي أنه إن نهب ينهب كثيراً، ويعدد النهب في الناس. وهذه تسمى صيغة المبالغة. وصيغة المبالغة إن وردت في الإثبات أي في الأمر الموجب فهي تثبت الأقل، فعندما يقال: "فلان ظلاّم" فالثابت أنه ظالم أيضاً، لأننا ما دمنا قد أثبتنا المبالغة فإننا نثبت الأقل. ومثل ذلك نقول: "فلان علاَّم" أو "فلان علاَّمة" فمعنى ذلك أن فلاناً هذا عالم. ولكن إذا قلنا: "فلان عالم" فلا يثبت ذلك أنه "علاَّمة". فصيغة المبالغة ليس معناها "اسم فاعل" فحسب، إنها أيضاً اسم فاعل مبالغ فيه، لأن الحدث يأتي منه قوياً، أو لأن الحدث متكرر منه ومتعدد. فإذا ما أثبتنا صفة المبالغة فمن باب أولى تثبت صفة غير المبالغة, فإذا ما قال واحد: "فلان أكَّال" فإنه يثبت لنا أنه آكل، هذا في الإثبات. والأمر يختلف في النفي. إننا إذا نفينا صفة المبالغة، فلا يستلزم نفي الصفة الأصلية، فإن قلت: "فلان ليس علاَّمة" فقد يكون عالماً. وهكذا نفهم لأن الإثبات يختلف عن النفي. فإذا أَثْبَتَّ صفة المبالغة تثبت الصفة التي ليس فيها مبالغة من باب أولى. أما إذا نفيت صفة المبالغة فلا يستلزم ذلك نفي الصفة الأقل. والتذييل للآية التي نحن بصددها الآن هو {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182]. يفهم المستشرقون من هذا القول أنه مجرد نفي للمبالغة في الظلم, لكنها لم تنف عنه أنه ظالم ولم يفهم المستشرقون لماذا تكون المبالغة هنا: إن الحق قد قال: إنه ليس بظلام للعبيد، ولم يقل إنه ليس بظلام للعبد. ومعنى ذلك أنه ليس بظلام للعبيد من أول آدم إلى أن تقوم الساعة، فلو ظلم كل هؤلاء - والعياذ بالله - لقال إنه ظلام، حتى ولو ظلم كل واحد أيسر ظلم. لأن الظلم تكرر وذلك بتكرر من ظُلِم وهم العبيد، فإن أريد تكثير الحديث فليفطن الغبي منهم إلى أن الله قال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182] ولم يقل إنه ليس بظلام للعبد. وإذا كان الظالم لا بد أن يكون أقوى من المظلوم، إذن فكل ظلم يتم تكييفه بقوة الظالم. فلو كان الله قد أباح لنفسه أن يظلم فلن يكون ظالماً؛ لأن عظم قوته لن يجعله ظالماً بل ظَلاَّماً. فإن أردنا الحدث فيكون ظلاماً، وإن أردنا تكراراً للحدث فيكون ظلاماً. وحين يحاول بعض المستشرقين أن يستدركوا على قول الحق: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182] فهذا الاستدراك يدل على عجز في فهم مرامي الألفاظ في اللغة أو أنّ هؤلاء يعلمون مرامي الألفاظ ويحاولون غش الناس الذين لا يملكون رصيداً لغوياً يفهمون به مرامي الألفاظ. ولكن الله سبحانه وتعالى يُسخر لكتابه من ينبه إلى إظهار إعجازه في آياته. وبعد أن انتهى الحق من غزوة أُحُد، فهو سبحانه يريد أن يقرر مبادئ يبين فيها معسكرات العداء للإسلام: معسكر أهل الكتاب، ومعسكر مشركي قريش في مكة، ومعسكر المشركين الذين حول المدينة وكانوا يغيرون على المدينة. فبعد غزوة أُحُد التي صفّت، وربّت، وامتحنت وابتلت، وعرّفت الناس قضايا الدين، أراد الحق بعدها أن يضع المبادئ. فأوضح القرآن: أن هؤلاء أعداؤكم؛ تذكروهم جيداً، قالوا في ربكم كذا، ويقولون في رسولكم كذا، وقتلوا أنبياءكم. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):