Verse. 476 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اَلَّذِيْنَ قَالُوْۗا اِنَّ اللہَ عَہِدَ اِلَيْنَاۗ اَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُوْلٍ حَتّٰى يَاْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَاْكُلُہُ النَّارُ۝۰ۭ قُلْ قَدْ جَاۗءَكُمْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِيْ بِالْبَيِّنٰتِ وَبِالَّذِيْ قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوْھُمْ اِنْ كُنْتُمْ صٰدِقِيْنَ۝۱۸۳
Allatheena qaloo inna Allaha AAahida ilayna alla numina lirasoolin hatta yatiyana biqurbanin takuluhu alnnaru qul qad jaakum rusulun min qablee bialbayyinati wabiallathee qultum falima qataltumoohum in kutum sadiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الَّذين» نعت للذين قبله «قالوا» لمحمد «إن الله» قد «عهد إلينا» في التوراة «ألا نؤمن لرسول» نصدقه «حتى يأتينا بقربانٍ تأكله النار» فلا نؤمن لك حتى تأتينا به وهو ما يتقرب به إلى الله من نعم وغيرها فإن قُبل جاءت نار بيضاء من السماء فأحرقته وإلا بقي مكانه وعُهد إلى بني إسرائيل ذلك إلا في المسيح ومحمد قال تعالى «قل» لهم توبيخا «قد جاءكم رسلٌ من قبلي بالبينات» بالمعجزات «وبالذي قلتم» كزكريا ويحيى فقتلتموهم والخطابُ لمن في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان الفعل لأجدادهم لرضاهم به «فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين» في أنكم تؤمنون عند الإتيان به.

183

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه هي الشبهة الثانية للكفار في الطعن في نبوته صلى الله عليه وسلم، وتقريرها أنهم قالوا: ان الله عهد الينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، وأنت يا محمد ما فعلت ذلك فوجب أن لا تكون من الأنبياء، فهذا بيان وجه النظم، وفي الآية مسائل. المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا، وزيد بن التابوب، وفنحاص بن عازوراء وغيرهم، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتاباً، وقد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، ويكون لها دوي خفيف، تنزل من السماء، فان جئتنا بهذا صدقناك، فنزلت هذه الآية. قال عطاء: كانت بنو اسرائيل يذبحون لله، فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت، والسقف مكشوف فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه، وبنو اسرائيل خارجون واقفون حول البيت فتنزل نار بيضاء لها دوي خفيف ولا دخان لها فتأكل كل ذلك القربان. واعلم أن للعلماء فيما ادعاه اليهود قولين: الأول وهو قول السدى: أن هذا الشرط جاء في التوراة ولكنه مع شرط، وذلك أنه تعالى قال في التوراة: من جاءكم يزعم أنه نبي فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمدا عليهما السلام. فانهما اذا أتيا فآمنوا بهما فانهما يأتيان بغير قربان تأكله النار. قال: وكانت هذه العادة باقية الى مبعث المسيح عليه السلام، فلما بعث الله المسيح ارتفعت وزالت. القول الثاني: ان ادعاء هذا الشرط كذب على التوراة، ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه لو كان ذلك حقاً لكانت معجزات كل الأنبياء هذا القربان، ومعلوم أنه ما كان الأمر كذلك، فان معجزات موسى عليه السلام عند فرعون كانت أشياء سوى هذا القربان. وثانيها: أن نزول هذه النار وأكلها للقربان معجزة فكانت هي وسائر المعجزات على السواء، فلم يكن في تعيين هذه المعجزة وتخصيصها فائدة، بل لما ظهرت المعجزة القاهرة على يد محمد عليه الصلاة والسلام وجب القطع بنبوته سواء ظهرت هذه المعجزة أو لم تظهر. وثالثها: أنه إما أن يقال إنه جاء في التوراة أن مدعي النبوة وإن جاء بجميع المعجزات فلا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه المعجزة المعينة، أو يقال جاء في التوراة أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة سواء كانت المعجزة هي مجيء النار، أو شيء آخر، والأول باطل، لأن على هذا التقدير لم يكن الاتيان بسائر المعجزات دالا على الصدق، وإذا جاز الطعن في سائر المعجزات جاز الطعن أيضاً في هذه المعجزة المعينة. وأما الثاني: فانه يقتضي توقيت الصدق على ظهور مطلق المعجزة، لا على ظهور هذه المعجزة المعينة، فكان اعتبار هذه المعجزة عبثا ولغوا، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الشبهة بالكلية، والله أعلم. المسألة الثانية: في محل {ٱلَّذِينَ } وجوه: أحدها: قال الزجاج: الجر، وهذا نعت العبيد، والتقدير: وما ربك بظلام للعبيد الذين قالوا كذا وكذا. وثانيها: أن التقدير: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير، وقول الذين قالوا إن الله عهد إلينا. وثالثها: أن يكون رفعا بالابتداء والتقدير: هم الذين قالوا ذلك. المسألة الثالثة: قال الواحدي رحمه الله: القربان البر الذي يتقرب به إلى الله، وأصله المصدر من قولك قرب قربانا، كالكفران والرجحان والخسران، ثم سمى به نفس المتقرب به، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لكعب بن عجرة «حديث : يا كعب الصوم جُنَّةٌ والصلاة قربان» تفسير : أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه. واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة فقال: {قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى بين بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل الاسترشاد، بل على سبيل التعنت، وذلك لأن أسلاف هؤلاء اليهود طلبوا هذا المعجز من الأنبياء المتقدمين مثل زكريا وعيسى ويحيى عليهم السلام، وهم أظهروا هذا المعجز، ثم إن اليهود سعوا في قتل زكرياء ويحيى، ويزعمون أنهم قتلوا عيسى عليه السلام أيضاً، وذلك يدل على أن أولئك القوم إنما طلبوا هذا المعجز من أولئك الأنبياء على سبيل التعنت، إذ لو لم يكن كذلك لما سعوا في قتلهم، ثم إن المتأخرين راضون بأفعال أولئك المتقدمين ومصوبون لهم في كل ما فعلوه، وهذا يقتضي كون هؤلاء في طلب هذا المعجز من محمد عليه الصلاة والسلام متعنتين، واذا ثبت أن طلبهم لهذا المعجز وقع على سبيل التعنت لا على سبيل الاسترشاد، لم يجب في حكمة الله إسعافهم بذلك، لا سيما وقد تقدمت المعجزات الكثيرة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الجواب شاف عن هذه الشبهة. المسألة الثانية: إنما قال: {قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى } ولم يقل جاءتكم رسل لأن فعل المؤنث يذكر إذا تقدمه. المسألة الثالثة: المراد بقوله: {وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ } هو ما طلبوه منه، وهو القربان الذي تأكله النار. واعلم أنه تعالى لم يقل: قد جاءكم رسل من قبلي بالذي قلتم، بل قال: {قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ } والفائدة: أن القوم قالوا: ان الله تعالى وقف التصديق بالنبوة على ظهور القربان الذي تأكله النار، فلو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: إن الأنبياء المتقدمين أتوا بهذا القربان، لم يلزم من هذا القدر وجوب الاعتراف بنبوتهم، لاحتمال أن الاتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط هو الذي يلزم عند عدمه عدم المشروط، لكن لا يلزم عند وجوده وجود المشروط، فثبت أنه لو اكتفى بهذا القدر لما كان الالزام واردا، أما لما قال: {قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ } كان الالزام واردا، لأنهم لما أتوا بالبينات فقد أتوا بالموجب للتصديق، ولما أتوا بهذا القربان فقد اتوا بالشرط، وعند الاتيان بهما كان الاقرار بالنبوة واجبا، فثبت أنه لولا قوله: {جَاءكُمْ... بِٱلْبَيّنَـٰت} لم يكن الالزام واردا على القوم، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ} في موضع خفض بدلا من «الَّذِينَ» في قوله عز وجل {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} أَو نعت «للعبيد» أو خبر ابتداء، أي هم الذين قالوا. وقال الكلبي وغيره: «نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصَّيْف، ووهب بن يهوذا، وفنحاص بن عازورا وجماعةٍ أتوا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا له: أتزعم أن الله أرسلك إلينا، وأنه أنزل علينا كتابا عهِد إلينا فيه ألاّ نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يَأتِينَا بِقُربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك. فأنزل الله هذه الآية» فقيل: كان هذا في التوراة، ولكن كان تمام الكلام: حتى يأتيكم المسيح ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما من غير قربان. وقيل: كان أمر القَرابين ثابتا إلى أن نُسِخت على لسان عيسى بن مريم. وكان النبي منهم يَذْبح ويدعو فتنزل نار بيضاء لها دوِيّ وحفيف لا دخان لها، فتأكل القُربان. فكان هذا القول دَعْوَى من اليهود؛ إذ كان ثَمّ ٱستثناء فأخفوه، أولاً نسخٌ، فكانوا في تمسِكهم بذلك مُتعنِتِين، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم دليل قاطع في إبطال دعواهم، وكذلك معجزات عيسى؛ ومن وجب صدقه وجب تصديقه. ثم قال تعالى: إقامة للحجة عليهم: {قُلْ} يا محمد {قَدْ جَآءَكُمْ} يا معشر اليهود {رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} من القربان {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} يعني زكريا ويحي وشَعْيا، وسائر من قُتِلوا من الأنبياء عليهم السلام ولم تؤمنوا بهم. أراد بذلك أسلافهم. وهذه الآية هي التي تلاها عامر الشعبي رضي الله عنه، فاحتج بها على الذي حسّن قتل عثمان رضي الله عنه كَما بيّناه. وأن الله تعالى سمّى اليهود قَتَلة لرضاهم بفعل أسلافهم، وإن كان بينهم نحو من سبعمائة سنة. والقُربان ما يتقربُ به إلى الله تعالى من نُسُك وصدقه وعملٍ صالح؛ وهو فعُلان من القُربة. ويكون ٱسما ومصدرا؛ فمثال الاسم السّلطان والبُرْهان. والمصدر العُدْوان والخُسْران. وكان عيسى ٱبن عمر يقرأ «بِقُرُبَانٍ» بضم الراء ٱتباعا لضمه القاف؛ كما قيل في جمع ظلمه: ظُلُمَات، وفي حجرة حُجُرات. ثم قال تعالى معزِّيا لنبيه ومؤنسا له: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالدلالات. {وَٱلزُّبُرِ} أي الكتب المزبورة، يعني المكتوبة. والزُّبُر جمع زَبور وهو الكتاب. وأصله من زَبَرت أي كتبت. وكل زبور فهو كتاب؛ قال ٱمرؤ القيس:شعر : لِمَنْ طَلَلٌ أبصرتهُ فشجاني كخط زبور في عسيب يماني تفسير : وأنا أعرف تَزْبِرتي أي كتابتي. وقيل: الزَّبُور من الزَّبر بمعنى الزَّجْر. وزَبَرت الرجل ٱنتهزته. وزَبَرت البئر: طويتها بالحجارة. وقرأ ٱبن عامر {وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} بزيادة باء في الكلمتين. وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. {وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} أي الواضح المضيء؛ من قولك: أَنَرت الشيء أنِيرْه، أي أوضحته: يقال: نار الشيء وأناره ونوّره وٱستناره بمعنى، وكل واحد منهما لازمٌ ومتعدٍ. وجَمَع بين الزبر والكتاب ـ وهما بمعنّى ـ لاختلاف لفظهما، وأصلها كما ذكرنا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ } نعت (للذين) قبله {قَالُواْ } لمحمد صلى الله عليه وسلم {إِنَّ ٱللَّهَ } قد {عَهِدَ إِلَيْنَا } في التوراة {أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ } نصدّقه {حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ } فلا نؤمن لك حتى تأتينا به وهو ما يتقرّب به إلى الله من نعم وغيرها فإن قُبِلَ جاءت نار بيضاء من السماء فأحرقته وإلا بقي مكانه وَعَهِدَ إلى بني إسرائيل ذلك إلا في المسيح ومحمد قال تعالى {قُلْ } لهم توبيخاً {قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيّنَٰتِ } بالمعجزات {وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ } كزكريا ويحيى فقتلتموهم والخطاب لمن في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان الفعل لأجدادهم لرضاهم به {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } في أنكم تؤمنون عند الإتيان به؟

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا} قال الكلبي نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن صيفي ووهب بن يهوذا وزيد بن تابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب من اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً وأنزل عليك كتاباً وإن الله عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار فإن جئتنا به صدقناك فأنزل الله تعالى {الذين قالوا} يعني قد سمع الله قول الذين {إن الله عهد إلينا} يعني أمرنا وأوصانا في كتبه {أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار} يعني فيكون ذلك دليلاً على صدقه. وذكر الواحدي عن السدي أنه قال إن الله تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار. حتى يأتيكم المسيح ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان. زاد غير الواحدي عنه قال: وكانت هذه العادة باقية فيهم إلى مبعث المسيح عليه السلام ثم ارتفعت وزالت وقيل إن ادعاء هذا الشرط كذب على التوراة وهو من كذب اليهود وتحريفهم ويدل على ذلك أن المقصود في الدلالة على صدق النبي هو ظهور المعجزة الخارقة للعادة فأي معجزة أتى بها النبي قبلت منه وكانت دليلاً على صدقه. وقد أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه فوجب على كافة الخلق اتباعه وتصديقه والقربان كل ما يتقرب به العبد إلى الله عز وجل من أعمال البر من نسك وصدقة وذبح وكل عمل صالح، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم الصوم جنة والصلاة قربان يعني أنها مما يتقرب بها إلى الله عز وجل. وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبني إسرائيل وكانوا إذا قربوا قرباناً أو غنموا غنيمة جمعوا ذلك وجاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي حفيف فتأكل ذلك القربان أو الغنيمة وتحرقه فيكون ذلك دليلاً وعلامه على القبول وإذا لم يقبل بقي على حاله ولم تنزل نار. وقال عطاء كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف فيقوم نبيهم عليه السلام في البيت ويناجي ربه عز وجل وبنو إسرائيل خارجون حول البيت فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان ثم قال الله عز وجل مجيباً عن هذه الشبهة التي ذكرها هؤلاء اليهود وإقامة للحجة عليهم {قل} يعني قل يا محمد لهؤلاء اليهود {قد جاءكم} يا معشر اليهود {رسل من قبلي} يعني مثل زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام {بالبينات} يعني بالدلات الواضحات الدالة على صدقهم {وبالذي قلتم} يعني ما طلبوا من القربان {فلم قتلتموهم} عني فلم قتلتم الأنبياء الذين أوتوا بنا طلبتمم منهم مثل زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء وأراد بذلك فعل أسلافهم وإنما خاطب بذلك اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا راضين بفعل أسلافهم {إن كنتم صادقين} يعني في دعواكم ومعناه تكذيبهم إياك يا محمد مع علمهم بصدقك كقتل آبائهم الأنبياء مع إتيانهم بالقربان ثم قال تعالى مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم {فإن كذبوك} يعني هؤلاء اليهود {فقد كذب رسل من قبلك} يعني مثل نوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم من الرسل {جاؤوا بالبينات} يعني بالدلالات الواضحات والمعجزات الباهرات {والزبر} أي الكتب واحدها زبور وكل كتاب فيه حكمة فهو زبور وأصله من الزبر وهو الزجر وسمي الكتاب الذي فيه الحكمة زبوراً لأنه يزبر عن الباطل ويدعو إلى الحق {والكتاب المنير} أي الواضح المضيء وإنما عطف الكتاب المنير على الزبر لشرفه وفضله وقيل أراد بالزبر الصحف وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل. قوله عز وجل: {كل نفس ذائقة الموت} يعني أن كل نفس مخلوقة ذائقة الموت ولا بد لها منه. قيل لما نزل {أية : قل يتوفاكم ملك الموت} تفسير : [السجدة: 11] يا رسول الله إنما نزلت في بني آدم فأين ذكر الموت للجن والأنعام والوحوش والطير؟ فنزلت هذه الآية وقيل لما خلق الله آدم عليه السلام اشتكت الأرض إلى ربها عز وجل مما أخذ منها فوعدها أن يرد فيها ما أخذ منها فما أحد يموت إلاّ ويدفن في التربة التي خلق منها. فإن قلت الحور والولدان نفوس مخلوقة في الجنة لا تذوق الموت فما حكم لفظ كل في قوله كل نفس ذائقة الموت؟ قلت لفظة كل لا تقتضي الشمول والإحاطة بدليل قوله تعالى وأوتيت من كل شي ولم تؤت ملك سليمان فتكون الآية من العام المخصوص ويحتمل أن يكون المراد بهم المكلفين بدليل سياق الآية وهو قوله تعالى: {وإنما توفون أجوركم} يعني توفون جزاء أعمالكم {يوم القيامة} إن خيراً فخير وإن كان شراً فشر {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} يعني فمن نجا وأبعد من النار وأدخل الجنة فقد ظفر بالنجاة ونجا من الخوف {وما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور} يعني أن العيش في هذه الدار الفانية يغر الإنسان بما يمنيه من طول البقاء وسينقطع عن قريب فوصفت بأنها متاع الغرور لأنها تغر ببذل المحبوب. وتخيل للإنسان أنه يدوم وليس بدائم والمتاع كل ما استمتع به الإنسان من مال وغيره وقيل المتاع كالفارس والقدر والقصعة ونحوها والغرور ما يغر الإنسان مما لا يدوم وقيل الغرور الباطل. ومعنى الآية أن منفعة الإنسان بالدنيا كمنفعته بهذه الأشياء التي يستمتع بها ثم تزول عن قريب. وقيل متاع متروك يوشك أن يضمحل ويزول فخذوا من هذا المتاع واعملوا فيه بطاعة الله ما استطعتم. قال سعيد بن جبير هي متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة فأما من اشتغل بطلب الآخرة فهي له متاع وبلاغ إلى ما هو خير منها (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل:حديث : " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" واقرؤوا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعينتفسير : . زاد الترمذي:حديث : "وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" واقرؤوا إن شئتم: "وظل ممدود ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" واقرؤوا إن شئتم: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور} .

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا...} هذه المقالَةُ قالَتْها أحْبَارُ اليهودِ مدافعةً لأمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمعنى: إنَّك لم تأْتِنَا بقُرْبان تأكله النار، فنَحْنُ قد عُهِدَ إلَيْنا ألاَّ نُؤْمِنَ لك. وقوله تعالى: {قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ}؛ مِنْ أمْر القُرْبان، والمعنَىٰ: أنَّ هذا منكم تعلُّل وتعنُّت، ولو أتيتُكُمْ بقُرْبَان، لتعلَّلتم بغَيْرِ ذلك، ثم أَنَّسَ سبحانه نبيَّه بالأُسْوة والقُدْوة فيمن تقدَّم من الأنبياء. قال الفَخْر: والمرادُ {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} المعجزاتُ. انتهى. والزُّبُر: الكتابُ المكتوبُ، قال الزَّجَّاج: زَبَرْتُ: كَتَبْتُ.

ابن عادل

تفسير : يجوز في حل "الذِينَ" الألقاب الثلاثة، فالجَرّ من ثلاثة أوجهٍ: الأول: أنه صفة للفريق المخصوصين بإضافة "قَوْلَ" إليه - في قوله: {قول الذين قالوا}. الثاني: أنه بدل منه. الثالث: أنه صفة لـ "الْعَبِيد" أي: ليس بظلاَّم للعبيد الذين قالوا كيتَ وكيتَ، قاله الزَّجَّاجُ قال ابنُ عطيَّة: "وهذا مفسد للمعنى والوصف". والرفعُ على القطع - بإضمار مبتدأ - أي: هم الذين، وكذلك النصب على القطع - أيضاً - بإضمار فعلٍ لائقٍ، أي: أذم الذين. قوله: "أن لا نؤمن" في "أنْ" وجهان: أحدهما: أنها عَلَى حَذْف حرف الجرِّ، والأصل: في أن لا نؤمنَ، وحينئذ يجيء فيها المذهبانِ المشهورانِ أهي في محلِّ جَرٍّ، أو نَصْبٍ. الثاني: أنها مفعول بها، على تَضْمين "عَهِدَ" معنى ألزم، تقول: عهدت إليه كذا - أي: ألزمته إياه - فهي - على هذا - في محل نصب فقط. و "أن" تُكْتَب متصلة، ومنفصلة، اعتباراً بالأصل، أو بالإدغام. ونقل أبو البقاء أن منهم من يَحذفُها في الخط، اكتفاءً بالتشديد، وحكى مكي - عن المبرد - أنَّها إن أدُغِمَتْ بغير غنة كتبت متصلة، إلا فمنفصلة. ونُقِل عن بعضهم أنها كانت مخففة كتبت منفصلة، وإن كانت ناصبة كتبت متصلة. والفرق أن المخففةَ مَعَهَا ضمير مقدر، فكأنه فاصل بينهما، بخلاف الناصبة، وقول أهل الخط - في مثل هذا -: تكتب متصلة، عبارة عن حَذْفها في الخط بالكلية؛ اعتباراً بلفظ الإدغام، لا أنهم يكتبون [متصلة]، ويثبتون لها بعضَ صورتها، فيكتبون: أنْلاَ، والدليل على ذلك أنهم لما قالوا في "أم من" و "أم ما" ونحوه بالاتصال، إنما يعنون به كتابة حرف واحدٍ، فيكتبون أمَّن، وأما، وفَهم أبو البقاء أن الاتصالَ في ذلك عبارة عن كتابتهم لها في بعض صورتها ملتصقة بـ "لا"، والدليل على أنه فهم ذلك أنه قال: ومنهم مَنْ يحذفها في الخط؛ اكتفاءً بالتشديد. فجعل الحذف قسيماً للفصل والوصل، ولا يقول أحَدٌ بهذا. وتعدى "نؤمن" باللام؛ لتضمُّنه معنى الاعتراف. وقد تقدم في أول "البقرة". وقرأ عيسى بن عمر "بقُرُبان" - بضمتين -. قال القرطبيُّ: "كما قيل - في جمع ظُلْمة - ظلمات وفي حجرة - حجرات". قال ابن عطيةَ: إتباعاً لضمة القاف، وليس بِلُغَةٍ؛ لأنه ليس في الكلام فعلان - بضم الفاء والعين -. وحكى سيبويه: السُّلُطان - بضمِّ اللامِ - وقال: إنّ ذلك على الإتباع. قال أبو حيان: "ولم يَقل سيبويه: إن ذلك على الإتباع، بل قال: ولا نعلم في الكلامِ فِعِلان ولا فِعُلان، ولا شيئاً من هذا النحو، ولكنه جاء فُعُلاَن - وهو قليل - قالوا: السلطان، وهو اسم، وقتل الشَّارحُ لكلام سيبويه: صاحبُ هذه اللغةِ لا يسكن ولا يُتبع، وكذا ذَكَر التصريفيونَ أنه بناء مُسْتقل، قالوا - فيما لحقه زيادتانِ بعد اللامِ، وعلى فعلان - ولم يجيء فُعُلان إلا اسماً، وهو قليلٌ، نحو سُلُطان". قال شهاب الدِّينِ: "أما ابن عَطِيّةَ فمسلم أنه وَهِم في النقل عن سيبويه في "سلطان" خاصةٌ، ولكن قوله في "قُربَانٍ" صحيح ولأن أهل التصريف لم يستثنوا إلا السُّلُطان". والقُرْبان - في الأصل - مصدر، ثم سُمِّي به المفعول، كالرَّهْن، فإنه في الأصل مصدر، ولا حاجة إلى حذف مضاف، وزعم أبو البقاء أنه على حَذْف مضاف - أي: تقريب قُرْبان - قال: "أي: يُشْرَع لنا ذلك". وقوله: {تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ} صفة لـِ "قُرْبَانٌ" وإسناد الأكل إليها مجاز، عبَّرَ عَنْ إفنائها الأشياء بالأكل. قوله: {مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ} كلاهما متعلق بـ "جَاءَكُم" والباءُ تحتمل المعية والتعدية، أي: مصاحبين للآيات. فصل في رد شبهة الطاعنين في النبوة هذه شبهةٌ ثانية طعن بها الكفار في نبوته صلى الله عليه وسلم وتقريرها: أنك يا محمد - لم تفعل كذلك، فوجب ألا تكون نبياً، قال ابن عباسٍ: نزلت هذه الآيةُ في كعب بن الأشرفِ، ومالك بن الصَّيف وكعب بن أسدٍ، ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوت، وفنحاص بن عازوراء، وحُيَيّ بن أخطب، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمدُ تزعم أن اللَّهَ بعثك إلينا رسولاً، وأنزل عليك كتاباً، وقد عَهدَ اللَّهُ إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله، حتى يأتِيَنَا بقُرْبان تأكله النار، فإن جئتنا به صدَّقْنَاك، فأنزل الله هذه الآية. والقُرْبان: كل ما يَتَقَرَّب به العبدُ إلى الله - تعالى - من نسيكة، وصدقة، وعَمَلٍ صالح. قال الواحديُّ: وأصله المصدر من قولك: قرب قُرْبَاناً - كالكُفْران والرُّجحان والخُسْران - ثم سمي به نفس المتقرَّب به ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عُجْرة -: "حديث : يَا كَعْبُ، الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّلاةُ قُرْبانٌ ". تفسير : قال القرطبيُّ: "وهو فُعْلان - من القربة - ويكون اسماً، ومصدراً. فمثال الاسم: السُّلْطان والبُرْهان ومثال المصدر: العُدوان والخُسْران". فصل في بيان ادعاء اليهود واختلفوا فيما ادَّعاه اليهود. فقال السُّدَّيُّ: إن هذا الشرط جاء في التوراة، ولكنه مع شَرْط، وذلك أنه - تعالى - قال في التوراة: من جاءكم يزعم أنه رسول الله، فلا تصدقوه، حتى يأتيكم بقربانٍ تأكله النار، إلا المسيحُ ومحمد، فإنهما إذا أتيا فآمِنوا بهما؛ فإنهما يأتيان بقُرْبانٍ لا تأكله النّار، قال: وكانت هذه العادة باقية إلى مبعث المسيحِ - عليه السَّلامُ - فلما بُعِثَ المسيح ارتفعت وزالت. وقال آخرونَ: إن ادعاء هذا الشرطِ كذب على التَّوراة، لأن القربانَ لم يكن في معجزات موسى وعيسى - عليهما السَّلامُ - وأيضاً فإنه إذا كانت هذه معجزةً، فلا فرقَ بينها وبين باقي المعجزاتِ، فلم يكن لتخصيصها بالذكر فائدةٌ. واعلم أنه - تعالى - أجاب عن هذه الشُّبهة، فقال: {قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}؟ والمرادُ أسلافهم، فبيَّن - بهذا الكلام - أنهم إنما يطلبونَ ذلك على سبيل التعنُّت، لا على وَجْه الاسترشاد، إذ لو لم يكن كذلك لما سَعَوْا في قَتْلهم. فإن قيل: لم قال: {قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ} ولم يَقل: جاءتكم رُسل؟ فالجوابُ: أن فعل المؤنث يُذَكَّر إذا تقدمه جمعُ تكسير. والمراد بقوله: {وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} هو ما طلبوه منه، وهو القُرْبان. فإن قيل: إن القوم إنما طالبوه بالقُرْبان، فما الحكمة في أنه أجابهم بقوله: { قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ} ثم أضاف إلى قوله: {وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} وهو القُرْبان؟ فالجواب: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لو قال لهم: إن الأنبياء المتقدمين أتوا بالقُربان لم يلزم من ذلك وجوب الاعتراف بنبوتهم؛ لاحتمال أن الإتيان بهذا القُرْبانِ شرطٌ للنبوة، لا موجب لها، والشرط هو الذي يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزمُ من وجوده وجود المشروط، فثبت أنه لو اكتفى بهذا القَدْرِ لما كان الإلزام وارداً عليهم، فلما قال: {قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} كان الإلزام وارداً عليهم؛ لأنهم لما أتوا بالبينات فقد أتَوا بالموجب للصدق، ولما أتَوا بالقُرْبان فقد أتوا بالشرط، فعند الإتيانِ بهما وجب الإقرارُ بالنبوة. قال القرطبيُّ - في معنى الآية -: "قُلْ" يا محمد "قَد جَاءَكُمْ" يا معشرَ اليهود {رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} من القُرْبان "فلم قتلتموهم" يعني زكريا ويحيى وشعيباً وسائر مَنْ قَتَلوا من الأنبياء - عليهم السلام - ولم يؤمنوا بهم. أراد بذلك أسلافهم. وهذه الآية هي التي تلاها عامر الشعبيُّ، واحتج بها على الذي حَسَّن قَتلَ عثمان - رضي الله عنه - وأن اللَّهَ تعالى سمي اليهودَ - لرضاهم بفِعْل أسلافهم - وإن كان بينهم نحوٌ من سبعمائة سنةٍ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏حتى يأتينا بقربان تأكله النار‏} ‏ قال‏:‏ يتصدق الرجل منا فإذا تقبل منه أنزلت عليه نار من السماء فأكلته‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ كان من قبلنا من الأمم يقرب أحدهم القربان، فتخرج الناس فينظرون أيتقبل منهم أم لا، فإن تقبل منهم جاءت نار بيضاء من السماء فأكلت ما قرب، وإن لم يتقبل لم تأت النار فعرف الناس أن لم يقبل منهم، فلما بعث الله محمداً سأله أهل الكتاب أن يأتيهم بقربان ‏ {‏قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم‏}‏ القربان ‏ {‏فلمَ قتلتموهم‏} ‏ يعيرهم بكفرهم قبل اليوم‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ‏ {‏الذين قالوا إن الله عهد‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال هم اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن أتيتنا بقربان تأكله النار صدقناك وإلا فلست بنبي‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الشعبي قال‏:‏ إن الرجل يشترك في دم الرجل، وقد قتل قبل أن يولد‏.‏ ثم قرأ الشعبي ‏ {‏قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم‏} ‏ فجعلهم هم الذين قتلوهم ولقد قتلوا قبل أن يولدوا بسبعمائة عام‏.‏ ولكن قالوا قتلوا بحق وسنة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏الذين قالوا إن الله عهد إلينا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ كذبوا على الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن العلاء بن بدر قال‏:‏ كانت رسل تجيء بالبينات، ورسل علامة نبوتهم أن يضع أحدهم لحم البقر على يده فتجيء نار من السماء فتأكله‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم‏}.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏فإن كذبوك‏} ‏ قال‏:‏ اليهود‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏فقد كذبت رسل من قبلك‏} ‏ قال‏:‏ يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي عن أصحابه في قوله ‏ {‏بالبينات‏} ‏ قال‏:‏ الحرام والحلال ‏ {‏والزبر‏}‏ قال‏:‏ كتب الأنبياء ‏ {‏والكتاب المنير‏} ‏ قال‏:‏ هو القرآن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏والزبر والكتاب المنير‏}‏ قال‏:‏ يضاعف الشيء وهو واحد‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كل نفس ذائقة الموت‏} ‏ الآية‏.‏ أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن علي بن أبي طالب قال‏:‏ لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية‏.‏ جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال‏:‏ السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته ‏ {‏كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة‏} ‏ إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل ما فات فبالله فثقوا، وإياه فأرجوا، فإن المصاب من حرم الثواب‏.‏ فقال علي‏:‏ هذا الخضر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه وابن حبان وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال‏: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ ‏"حديث : ‏ إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرأوا إن شئتم ‏{‏فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن سهل بن سعد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها‏.‏ ثم تلا هذه الآية ‏{‏فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز‏}‏‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا بما عليها، ولقاب قوس أحدهم في الجنة خير من الدنيا بما عليها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال‏:‏ إن آخر من يدخل الجنة يعطى من النور بقدر ما دام يحبو فهو في النور حتى تجاوز الصراط‏.‏ فذلك قوله ‏ {‏فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز‏} ‏‏.‏ وأخرج أحمد عن ابن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏{‏فقد فاز‏}‏ قال سعد‏:‏ ونجا‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول عبد الله بن رواحة‏:‏ شعر : وعسى أن أفوز ثمت ألقى حجة اتقى بها الفتانا تفسير : وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن سابط في قوله ‏ {‏وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور‏} ‏ قال‏:‏ كزاد الراعي يزوده الكف من التمر، أو الشيء من الدقيق يشرب عليه اللبن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور‏} ‏ قال‏:‏ هي متاع متروك أوشكت والله أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم‏.‏ ولا قوَّة إلا بالله‏.‏

ابو السعود

تفسير : {الَّذِينَ قَالُواْ} نُصِب أو رُفع على الذم، وهم كعبُ بنُ الأشرف ومالكُ بن صيفي وحُيَـيُّ بنُ أخطبَ وفنحاصُ بنُ عازوراءَ ووهْبُ بنُ يهوذا {إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} أي أمرنا في التوراة وأوصانا {أَن لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ} كما كان عليه أمرُ أنبـياءِ بني إسرائيلَ حيث كان يُقرَّب بالقربان فيقوم النبـيُّ فيدعو فتنزل نارٌ من السماء فتأكُله أي تُحيله إلى طبعها بالإحراق، وهذا من مُفترَياتهم وأباطيلِهم فإن أكلَ النارِ القربانَ لم يوجب الإيمانَ إلا لكونه معجزةً، فهو وسائرُ المعجزاتِ سواءٌ، ولما كان مُحصّلُ كلامِهم الباطلِ أن عدمَ إيمانِهم برسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم إتيانه بما قالوا ــ ولو تحقق الإتيانُ به لتحقق الإيمانُ ــ رُدّ عليهم بقوله تعالى: {قُلْ} أي تبكيتاً لهم وإظهاراً لكذبهم {قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ} كثيرةُ العددِ كبـيرةُ المقدار {مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيّنَـٰتِ} أي المعجزات الواضحةِ {وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ} بعينه من القُربان الذي تأكله النارُ {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي فيما يدل عليه كلامُكم من أنكم تؤمنون لرسول يأتِيكم بما اقترحتموه، فإن زكريا ويحيـى وغيرَهما من الأنبـياء عليهم الصلاة والسلام قد جاءوكم بما قلتم في معجزات أُخَرَ فما لكم لم تؤمنوا لهم حتى اجترأتم على قتلهم؟ {فَإِن كَذَّبُوكَ} شروعٌ في تسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إثرَ ما أوحي إليه مما يُحزِنه عليه الصلاة والسلام من مقالات الكفرةِ من المشركين واليهود، وقوله تعالى: {فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ} تعليلٌ لجواب الشرطِ أي فتَسَلَّ فقد كُذب الخ، ومِنْ متعلقةٌ بكُذب أو بمحذوف هو صفةٌ لرسلٌ أي كائنةٌ من قبلك {جَاءوا بِٱلْبَيّنَـٰتِ} أي المعجزات الواضحةِ صفةٌ لرسلٌ {وَٱلزُّبُرِ} هو جمعُ زَبورٍ وهو الكتابُ المقصورُ على الحِكَم من زَبَرْتُه إذا حسنته، وقيل: الزُبُرُ المواعظُ والزواجرُ من زبَرتُه إذا زجَرتُه {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ} قيل: أي التوراةِ والإنجيلِ والزبورِ، والكتابُ في عرف القرآنِ ما يتضمن الشرائعَ والأحكامَ ولذلك جاء الكتابُ والحكمةُ متعاطِفَيْن في عامة المواقعِ، وقرىء وبالزُبُر بإعادة الجارِّ دَلالةً على أنها مغايِرةٌ بالذات للبـينات.

القشيري

تفسير : تقوَّلوا على الله - سبحانه - فيما تعللوا به من تَرْكِ الإيمان، فقالوا: لقد أُمِرْنَا ألا نصدِّق أحداً إلا لو أتانا بقربان يتقرب به إلى السماء، وتنزل نار من السماء، فتأخذ القربان عياناً ببصر، فقال تعالى قلْ لهم إن من تقدَّمني من الأنبياء عليهم السلام أَتَوْكم بما اقترحتم عليّ من القربان، ثم لم تؤمنوا، فلو أجبتكم إليه لن تؤمنوا بي أيضاً؛ فإن مَنْ أقصته السوابق - فلو خاطَبَتْه الشمسُ بلسان فصيح، أو سجدت له الجبالُ رآها بلحظٍ صحيح - لم يَلِجْ العرفان في قلبه، وما ازداد إلا شكاً على شك.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين} اى الذين {قالوا} وهم كعب بن الاشرف ومالك بن الصيف وحيى بن اخطب وفنحاس بن عازوراء ووهب بن يهودا {ان الله عهد الينا} اى امرنا فى التوراة واوصانا {ان لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار} فيكون دليلا على صدقه. والقربان كل ما يتقرب به العبد الى الله من نسيكة وصدقة وعمل صالح وهو فعلان من القربة. قال عطاء كانت بنوا اسرائيل يذبحون لله تعالى فيأخذون الثروب واطايب اللحم فيضعونها وسط البيت والسقف مكشوف فيقوم النبى عليه السلام فى البيت ويناجى ربه وبنوا اسرائيل خارجون واقفون حول البيت فتنزل نار بيضاء لا دخان لها ولها دوىّ وهفيف حين تنزل من السماء فتأكل ذلك القربان اى تحيله الى طبعها بالاحراق فيكون ذلك علامة القبول واذا لم يقبل بقى على حاله وهذا من مفترياتهم واباطيلهم لان اكل القربان النار لم يوجب الايمان الا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات سواء ولما كان محصل كلامهم الباطل ان عدم ايمانهم برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعدم اتيانه بما قالوا ولو تحقق الاتيان به لتحقق الايمان رد عليهم بقوله تعالى {قل} اى تبكيتا لهم واظهارا لكذبهم {قد جاءكم} اى جاء اسلافكم وآباءكم {رسل} كثيرة العدد كبيرة المقدار {من قبلى بالبينات} اى المعجزات الواضحة {وبالذى قلتم} بعينه من القربان الذى تأكله النار فقتلتموهم {فلم قتلتموهم ان كنتم صادقين} اى فيما يدل عليه كلامكم من انكم تؤمنون لرسول يأتيكم بما اقترحتموه فان زكريا ويحيى وغيرهما من الانبياء عليهم السلام قد جاؤكم بما قلتم فى معجزات اخر فما لكم لم تؤمنوا حتى اجترأتم على قتلهم.

الطوسي

تفسير : المعني بقوله: {الذين قالوا} هم الذين وصفهم الله بقوله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير. الذين قالوا إن الله عهد إلينا}. الاعراب والمعنى: والذين في موضع خفض رداً على قوله: {الذين قالوا إن الله فقير} ومعنى قولهم {إن الله عهد إلينا} أي أوصانا في كتبه، وعلى ألسن أنبيائه ألا نصدق لرسول فيما يقوله: من أنه جاء به من عند الله من أمر ونهي، وغير ذلك، فالعهد: العقد الذي يتقدم به للتوثق، وهو كالوصية. وقوله: {حتى يأتينا بقربان تأكله النار} معناه حتى يجيئنا بما يقرب به العبد إلى الله من صدقة وبر. وقربان مصدر على وزن عدوان، وخسران تقول قربت قرباناً. وأما قوله: {تأكله النار} فلأن أكل النار ما قربه أحدهم لله في ذلك الزمان كان دليلا على قبول الله له، ودلالة على صدق المقرب فيما أدعى أنه حق فيما نوزع فيه - في قول ابن عباس، والضحاك -، فقال الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) قل لهم يا معشر من يزعم أن الله عهد إليه ألا يؤمن لرسول حتى يأتيه بقربان تأكله النار، قل: قد جاءكم رسل من الله من قبل. المعنى جاء أسلافكم بالبينات يعني بالحجج الدالة على صدق نبوتهم، وحقيقة قولهم: وقد ادعيتم أنه يدل على تصديق من أتى به والاقرار بنبوته من أكل النار قربانه، فلم قتلتموه إن كنتم صادقين؟ يعني قتلتموهم وأنتم مقرون بأن الذين جاءوكم به من ذلك حجة لهم عليكم إن كنتم صادقين فيما عهد إليكم مما ادعيتموه وأضاف القتل إليهم وإن كان أسلافهم تولوه لأنهم رضوا بأفعالهم فنسب ذلك إليهم كما بيناه فيما تقدم في قوله تعالى: {أية : ويقتلون النبيين بغير الحق} تفسير : فاراد الله أن يعلم المؤمنين ان هؤلاء معا ندون متعنتون، وإلا فهم عالمون بصفات النبي (صلى الله عليه وسلم) وما ذكره الله تعالى في التوراة وانه صادق فيما يدعيه، وإنما لم ينزل الله ما طلبوه لأن المعجزات تابعة للمصالح وليست على الاقتراحات والتعنت. فان قيل هلا قطع الله عذرهم بالذي سألوا من القربان الذي تأكله النار؟ قيل: له لا يجب ذلك لأن ذلك اقتراح في الأدلة على الله والذي يلزم من ذلك أن يزيح علتهم بنصب الادلة على ما دعاهم إلى معرفته.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} صفة للّذين {قالوا انّ الله فقير} او بدل منه ويجوز ان يكون مقطوعاً مستأنفاً للذّمّ خبر مبتدأ محذوف، او مفعول فعل محذوف، او مبتدأ خبر محذوف {إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} اى فى التّوراة لانّ القائلين القول الاوّل كانوا من اليهود كما سلف او على لسان نبيّه (ص) وخلفاء نبيّه (ص) وخلفاء نبيّه {أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ} يعنى عهد الينا ان لا نؤمن الاّ برسولٍ يأتى بهذه المعجزة الّتى كانت لانبياء بنى اسرائيل وهى ان يقرب (ع) بقربان فيقوم النّبىّ (ع) فيدعو فيأتى نار من السّماء فتحيل القربان الى طبعها بالاحراق {قُلْ} لهم {قَدْ جَآءَكُمْ} اى اسلافكم الّذين كنتم اسناخاً لهم {رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ} والمعجزات الكثيرة غير ما قلتم {وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فى هذه الدّعوى.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا}: أوحى أو أوصى. {أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ} ما يتقرب به إلى الله من المال، وقد يطلق على كل عبادة كحليف الصوم جنة، والصلاة قربان، ولعلها شبهت بقربان المال. وقرئ بقربان بضم القاف والراء. {تَأْكُلُهُ النَّارُ}: نعت للذين قالوا: {أية : إِن الله فقير ونحن أغنياء}تفسير : أو بدل منه، أو نعت للعبيد، أو بدله أو معمول لمحذوف، أى: هم الذين أو ذم الذين، وأعنى: الذين وإذا جعلناه نعتاً للعبيد، أو بدل، فالعبيد من وضع الظاهر موضع المضمر، أى بظلام لهم، والظاهر فوصف أو أبدل منه، وعلى سائر الأوجه يحتمل ذلك، ويحتمل تعميم العبيد، والقائلون لذلك فى قول الكلبى كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا، وزيد بن ثابوت، وفنحاص بن عازوراء، وحيى بن أخطب، أرادوا بذلك دفع رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بأنه لو كان رسولا لأتانا بقربان تأكله النار، كما عهد الله إلينا الوحى فى التوراة، أن لا نؤمن لرسول حتى يأتى بشىء يتقرب به إلى الله، كناقة أو شاة أو طعام أو غير ذلك ويقوم ويدعو الله فتنزل نار سماوية فتأكله، كما كانت أنبياء بنى إسرائيل، وهذا كذب منهم على الله، إذ زعموا أنه فى التوراة مشروط لثبوت الرسالة ألا ترى أنه ليست معجزة موسى ذلك، وكذا أنبياء بنى إسرائيل ليس ذلك معجزة إلا لبعضهم بل كانت بنو إسرائيل يذبحون مطلقاً لله ويضعون القرابين فى بيت غير مسقوف، وقيل: أطايب اللحم منها والتروب، وكذا يضعون الغنائم وكانت تحل لهم، فيقوم فيه النبى يدعو الله عز وجل وهم واقفون خارجاً حول البيت فتنزل نار بيضاء لها دوى حين تنزل ولا دخان لها فتأكل القرابين، فلا توجد، أو ترفعها أو تحرقها، فيكون ذلك علامة القبول، ولا بقيت على حالها، وإنما ذلك معجرة للنبى، الآتى بها من سائر المعجزات، والمعجزات سواء فى ذلك، فقال السدى: هذا الشرط فى التوراة، ونسخ بالمسيح عليه السلام، وقيل: إن فى التوراة ذلك الشرط مع استثناء المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام منه وأنهما رسولان بدون ذلك، وعدى يؤمن باللام لتضمن معنى تدعن أو هى بمعنى الياء، ومرة غير ذلك. {قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِى بِالْبَيِّنَاتِ}: المعجزات الظاهرة. {وَبِالَّذِى قُلْتُمْ}: من قربان تأكله النار، كزكرياء ويحيى وعيسى والسبعين الذين قتلتموهم فى يوم واحد. {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}: فى دعواكم أنكم إن أتيت بقربان أمنتم بى وعيسى، لم يقتلوه لكن قصدوا قتله، وعملوا فى القتل حتى قتلوا شبهة، وليس الذين فى زمان رسول الله، صلى الله عليه وسلم قاتلين للأنبياء إلا برضاهم عن آبائهم القاتلين، وتصويبهم، وبسعيهم فى قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى: أن كفرهم بك يا محمد، وبمن كفروا به ليس لعدم المعجزة، ولا لجهلهم بنبوتكم ورسالتكم، ولكن لحسدهم وكبرهم، فلو جئت بكل معجزة طلبوها ما آمنوا بك، كما قتلوا أنبياء مرسلين إليهم بمعجزات ظاهرة.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ قَالُوا} نعت للعبيد، وهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحيى بن أخطب، بالتصغير، وفنحاص، وزيد بن التابوت، ووهب بن يهوذا، أى العبيد القائلين {إنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} أمرنا فى التوراة {أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَآنٍ} شاة، أو بعير، أو بقرة بعد ذبح، أو غير ذلك من المال مما لا يذبح، والآية تتضمن تعذيب هؤلاء، ومصرحه بأن تعذيبهم ليس ظلما، وهذا على النعت أوالبيان أو البدل، وقيل تم الكلام فى للعبيد، واستأنف الذين على الذم أى قبح الله الذين، أو لعن الذين قالوا لهم من العذاب ما لا يفى كلام به أو أخبر عنهم بالإنشاء على تقدير الرابط، قل لهم قد جاءكم الخ، أو ينصب على الاشتغال أى ذكر الذين أو نبه الذين {تَأْكُلُهُ النَّارُ} نازلة من السماء، بعد دعاء النبى فى نزولها وأكلها، فإذا نزلت وأكلت القربان صار ذلك معجزة له، وذلك كذب منهم، لأن الله عز وجل لم يحصر المعجزة فى ذلك بل إنما كان موجباً لإيمان لأنه معجزة، فكل معجزة كذلك، وسمى إحراق القربان أكلا لجامع مطلق إتلاف الصورى، ويروى عن عطاء، أنه كانت بنو إسرائيل يذبحون لله، فيأخذون القرابين فيضعونها وسط البيت، والسقف مكشوف، فيقوم النبى فى البيت يناجى ربه، وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت، فتتنزل نار بيضاء لا دخان لها، لها دوى فتأكلها وتحرقها، وإن لم تقبل لم تنزل النار، وظاهر كلام بعض، أنها تنزل ولا تأكله والله أعلم، وزعم بعض كالسدى أن شرط أكل النار القربان صحيح لكن مخصوص بمن قبل عيسى فى التوراة، ولم يصح هذا بل المشروط المعجرة مطلقا، وقيل أتى هؤلاء المذكورون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أمرنا فى التوراة أن لا نؤمن إلا لمن أتى بقربان تأكله النار، فإن فعلت آمنا بك، فنزلت، وفى الآية بلاغة، لأنها أخبرت أن الله ليس ظالما لكعب بن الأشرف ومن معه فى عذابهم العظيم، من غير أن يتقدم، أن لهم عذاباً، بل فاجأت بذلك الإخبار المرتب على أن لهم عذاباً {قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ} كثيرة عظام {مِن قَبْلِى بِالبَيِّنَاتِ} المعجزات {وَبِالَّذِى قُلْتُمْ} من أكل النار القربان، وسائر ما تقترحونه عليهم {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} كزكريا، ويحيى، والسبعين المقتولين فى يوم واحد {إن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فى دعواكم أن توقفكم عن الإيمان انتظار للبيان، لم تكتفوا بالكفر بهم، مع المعجزات حتى قتلتموهم، وسلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب اليهود وقومه وغيرهم لهم بقوله: {فإِن كَذَّبُوكَ} وصيغة الشك تلويح ببعده لظهور الحجة مع وقوعه، أو يبعد تأثير تكذيبهم فيك، لعظم ثوابك على أن المعنى، فإن أثر فيك تكذيبهم، أى فإن كذبك اليهود وقومك وغيرهم فلا تحزن، أَو فاصبر، أو فلست بأول من كذب من الرسل {فَقَدْ كُذَّبَ} لأنه قد كذب {رُسُلٌ} كثيرة عظام فجملة قد كذب علة قامت مقام الجواب المحذوف كما رأيت، ولك جعلها جوابا تحقيقا أى فقد كذب رسل من قبلك، بتكذيبهم إياك، أى فتكذيبهم تكذيب برسل من قبلك مثبتين لرسالتك، أو الجواب هو الجملة باعتبار لازمها فإنها بمعنى فتسل {مِنْ قَبْلِكَ جَآءُوا بِالبَيِّنَاتِ} المعجزات {وَالزُّبُرِ} الكتب التى فى الوعظ والحكم من الزبر بمعنى الزجر أو الكتابة، {وَالْكِتَابِ المُنِيرِ} جنس الكتب التى فى الأحكام والحلال، والحرام، كالتوراة، والإنجيل، أو الزبر الصحف، صحف إبراهيم، وموسى، والمنير الواضح كالنور، أو الكتاب المنير القرآن جاءت بذكره الرسل، أوجاءت بما فيه، وقد قال الله عز وجل: {أية : وإنه لفى زبر الأولين} تفسير : [الشعراء: 196]، على وجه.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ قَالُواْ } نصب أو رفع على الذم، وجوز أن يكون في موضع جرّ على البدلية من نظيره المتقدم. والمراد من الموصول جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوه وفنحاص بن عازوراء وحيـي بن أخطب أتوا النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذا القول: {إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا } أي أمرنا في التوراة وأوصانا {أَلاَّ نُؤْمِنَ } أي بأن لا نصدق ونعترف {لَرَسُولٍ } يدعي الرسالة إلينا من قبل الله تعالى: {حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ } وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى من نِعَم وغيرها ـ كما قاله غير واحد ـ وقرىء {بِقُرْبَانٍ } بضمتين {تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ } أريد به نار بيضاء تنزل من السماء ولها دوي، والمراد من أكل النار للقربان إحالتها له إلى طبعها بالإحراق، واستعماله في ذلك إما من باب الاستعارة أو المجاز المرسل، وقد كان أمر إحراق النار للقربان إذا قبل شائعاً في زمن الأنبياء السالفين إلا أن دعوى أولئك اليهود هذا العهد من مفترياتهم وأباطيلهم لأن أكل النار القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات سواء، ولما كان مرامهم من هذا الكلام الباطل عدم الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم إتيانه بما قالوا، ولو تحقق الإتيان به لتحقق الإيمان بزعمهم ردّ الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: {قُلْ } يا محمد لهؤلاء القائلين تبكيتاً لهم وإظهاراً لكذبهم {قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ } كثيرة العدد كبيرة المقدار مثل زكريا ويحيـى وغيرهم {مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيّنَـاتِ } أي المعجزات الواضحة والحجج الدالة على صدقهم وصحة رسالتهم وحقية قولهم كما كنتم تقترحون عليهم وتطلبون منهم {وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ } بعينه وهو القربان الذي تأكله النار {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } أي فما لكم لم تؤمنوا بهم حتى اجترأتم على قتلهم مع أنهم جاءوا بما قلتم مع معجزات أخر {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي فيما يدل عليه كلامكم من أنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بما اقترحتموه، والخطاب لمن في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم وإن كان الفعل لأسلافهم لرضاهم به ـ على ما مرّ غير مرة ـ وإنما لم يقطع سبحانه عذرهم بما سألوه من القربان المذكور لعلمه سبحانه بأن في الإتيان به مفسدة لهم، والمعجزات تابعة للمصالح، ونقل عن السدي أن هذا الشرط جاء في التوراة هكذا: من جاء يزعم أنه رسول الله تعالى فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمداً عليهما الصلاة والسلام فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان، والظاهر عدم ثبوت هذا الشرط أصلاً.

ابن عاشور

تفسير : أبدل {الذين قالوا إن الله عهد} من {أية : الذين قالوا إن الله فقير}تفسير : [آل عمران: 181] لذكر قولة أخرى شنيعة منهم، وهي كذبهم على الله في أنّه عهد إليهم على ألسنة أنبيائهم أنّ لا يؤمنوا لرسول حتّى يأتيهم بقربان، أي حتّى يذبح قرباناً فتأكله نار تنزل من السماء، فتلك علامة القبول، وقد كان هذا حصل في زمن موسى عليه السلام حين ذُبح أوّل قربان على النحو الذي شَرعه الله لبني إسرائيل فخرجت نار من عند الرّب فأحرقتْه. كما في سفر اللاويين. إلاّ أنه معجزة لا تطّرد لسائر الأنبياء كما زعمه اليهود لأنّ معجزات الرسل تجيء على ما يناسب تصديق الأمّة. وفي الحديث: «حديث : ما من الأنبياء نبي إلاّ أوتي من الآيات ما مثله آمَن عليه البشر، وإنّما كان الذي أوتيتُ وحْياً أوحى الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعاً يوم القيامة»تفسير : فقال الله تعالى لنبيّه: {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم}. وهذا الضرب من الجدل مبنيّ على التسليم، أي إذا سلّمنا ذلك فليس امتناعكم من اتّباع الإسلام لأجل انتظار هذه المعجزة فإنّكم قد كذّبتم الرسل الذين جاؤوكم بها وقتلتموهم، ولا يخفي أنّ التسليم يأتي على مذهب الخصم إذ لا شكّ أنّ بني إسرائيل قتلوا أنبياء منهم بعد أن آمنوا بهم، مثل زكرياء ويحيى وأشعياء وأرمياء، فالإيمان بهم أوّل الأمر يستلزم أنهم جاؤوا بالقُربان تأكله النار على قولهم، وقتلهم آخراً يستلزم أنّ عدم الثبات على الإيمان بالأنبياء شنشنة قديمة في اليهود وأنّهم إنّما يتّبعون أهواءهم، فلا عجب أن يأتي خلَفُهم بمثل ما أتى به سلفهم. وقوله: {إن كنتم صادقين} ظاهر في أنّ ما زعموه من العهد لهم بذلك كذب ومعاذير باطلة. وإنّما قال: {وبالذي قلتم} عُدل إلى الموصول للاختصار وتسجيلاً عليهم في نسبة ذلك لهم ونظيره قوله تعالى: {أية : وقال لأوتينّ مالاً وولَداً}تفسير : [مريم: 77] إلى قوله: {أية : ونرثه ما يقول}تفسير : [مريم: 80] أي نرث ماله وولده. ثم سلى الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «حديث : فإن كذّبوك فقد كُذّب رسل من قبلك»تفسير : والمذكور بعد الفاء دليل الجواب لأنّه علّته، والتقدير: فإن كذّبوك فلا عجب أو فلا تخزن لأنّ هذه سُنّة قديمة في الأمم مع الرسل مثلك، وليس ذلك لنقص فيما جئت به. والبيّنات: الدلائل على الصدق، والزبر جمع زبور وهو فَعول بمعنى مفعول مثل رسول، أي مزبور بمعنى مخطوط. وقد قيل: إنه مأخوذ من زَبَر إذا زَجر أوْ حَبَس لأنّ الكتاب يقصد للحكم. وأريد بالزبر كتب الأنبياء والرسل، ممّا يتضمّن مواعظ وتذكيراً مثل كتاب داوود والإنجيل. والمراد بالكتاب المنير: إن كان التعريف للجنس فهو كتب الشرائع مثل التوراة والإنجيل، وإن كان للعهد فهو التوراة، ووصفه بالمنير مجاز بمعنى المبيِّن للحق كقوله: {أية : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور}تفسير : [المائدة: 44] والعطف منظور فيه إلى التوزيع، فبعض الرسل جاء بالزّبر، وبعضهم بالكتاب المنير، وكلّهم جاء بالبيّنات. وقرأ الجمهور {والزّبر} بعطف الزبر بدون إعادة باء الجرّ. وقرأه ابن عامر: وبالزبر ــــــ بإعادة باء الجرّ بعد واو العطف ــــــ وكذلك هو مرسوم في المصحف الشامي. وقرأ الجمهور: والكتاب ــــــ بدون إعادة باء الجرّ ــــــ وقرأه هشام عن ابن عامر ــــــ وبالكتاب ــــــ باعادة باء الجرّ ــــــ وهذا انفرد به هشام، وقد قيل: إنّه كُتب كذلك في بعض مصاحف الشام العتيقة، وليست في المصحف الإمام. ويوشك أن تكون هذه الرواية لهشام عن ابن عامر شاذّة في هذه الآية، وأنّ المصاحف التي كتبت بإثبات الباء في قوله: {أية : وبالكتاب}تفسير : [فاطر: 25] كانت مملاة من حفّاظ هذه الرواية الشاذّة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 183- إنهم هم الذين قالوا: إن الله أمرنا فى التوراة ألا نؤمن مذعنين لرسول إلا إذا دلل على صدقه بأن يأتينا بشئ يقربه لوجه الله وتنزل نار من السماء فتأكله، فقل لهم - أيها النبى -: إن رسلا من الله قد جاءوا من قبل بالأدلة الواضحة، وجاءوا بما اقترحتم، ومع ذلك كذبتموهم وقتلتموهم. فلم فعلتم ذلك إن كنتم صادقين فى وعدكم بالإيمان عندما يتحقق ما تريدون؟ 184- وإن كذبوك - أيها النبى - فلا تحزن، فقد سبق قبلك كثيرون كذبهم أقوامهم تعنتاً وعناداً، مع أنهم جاءوا بالأدلة الساطعة والكتب السماوية الدالة على صدق رسالتهم. 185- كل نفس تذوق الموت لا محالة، وإذا أصابتكم آلام فى الدنيا فإنما توفون ثوابكم كاملاً يوم القيامة، ومن قارب النار وزحزح عنها فقد نال الفوز، وما الحياة الدنيا إلا متاع زائل يغرُّ ولا يبقى. 186- تأكدوا - أيها المؤمنون - أنكم ستختبرون فى أموالكم بالنقص أو الإنفاق، وفى أنفسكم بالجهاد وبالأمراض والآلام. وأنكم ستسمعون من اليهود والنصارى والمشركين كثيراً مما يؤذيكم من السب والطعن، فعليكم أن تقابلوا ذلك بالصبر وتقوى الله، لأن ذلك من الأمور الصالحة التى يجب العزم على تنفيذها. 187- واذكر - أيها النبى - إذ أخذ الله العهد المؤكد على أهل الكتاب أن يوضحوا معانيه، وألا يخفوا شيئاً من آياته عن الناس، فألقوه وراء ظهورهم نابذين له، واستبدلوا به متاع الدنيا طالبين له، ومتاع الدنيا مهما يكن كالثمن البخس الحقير فى مقابل الهداية والإرشاد فقبحاً لما فعلوا.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ} {صَادِقِينَ} (183) - لَمَّا دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم اليَهُودَ إلى الإِسْلاَمِ، رَدَ عَليهِ بَعْضُ رُؤَسَائِهِمْ (مِثْلُ كَعَبِ بْنِ الأشرَفِ، وَمَالِكِ بْنِ الصَّيفِ، وَفَنْحَاسِ بْنِ عَازُورَاءَ) قَائِلِينَ: إنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي كُتُبِهِمْ أنْ لاَ يُؤْمِنُوا لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَ بِمُعْجِزةٍ، مِنْهَا أنْ يَكُونَ إِذا قَرَّبَ قُرْبَاناً إِلى اللهِ، (أَيْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ) فَتُقُبِّلَ مِنْهُ، تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَحْرُقُ القُرْبَانَ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مُكَذِّباً مَقَالَتَهُمْ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ الكَرِيمِ، قُلْ لَهُمْ: لَقَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ قَبْْلِي بِالحُجَجِ وَالبَرَاهِينِ، وَبِنَارٍ تَأْكُلُ القَرَابِينَ المُتَقَبَّلَةَ (وَهُوَ الذِي قَالُوهُ وَطَلَبُوهُ) فَلِمَاذَا قَتَلْتُمُوهُمْ، وَكَذَّبْتُمُوهُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ؟ القُرْبَانُ - مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللهِ مِنْ حَيَوانٍ وَغَيْرِهِ. البَيِّنَاتِ - المُعْجِزَاتِ الوَاضِحَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هم يدّعون ذلك ويقولون: ربنا قال لنا هذا في التوراة؛ إياكم أن تؤمنوا برسول يأتيكم، حتى يأتيكم بمعجزة مُحسة، هذه المعجزة المُحسّة هي أن يقدم الرسول قرباناً فتنزل نار من السماء تأكله. هذا كان صحيحاً، وكلنا نسمع قصة قابيل وهابيل: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [المائدة: 27-28]. ونريد أن نقبل على القرآن ونتدبر: لماذا جاء هذا اللفظ: "فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر"؟ إن القبول من الله، وهو مسألة سرية عنده، فكيف نعرف نحن أن الله تقبل أو لم يتقبل؟ لا بد أنه الله قد جعل للقبول علامة حسية. ونحن نعرف أن الإنسان قد يعمل عملاً فيقبله الله، ونجد إنساناً آخر قد يعمل عملاً ولا يقبله الله والعياذ بالله، فمن الذي أعلمنا أن الله قد قبل عمل إنسان وقربانه، ولم يقبل عمل الآخر وقربانه؟. وبما أن القبول سر من أسرار الله إذن فلن نعرف علامة القبول إلا إذا كانت شيئاً مُحساً، بدليل قوله: {أية : فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ} تفسير : [المائدة: 27]. وقال الذي لم يتقبل الله قربانه: "لأقتلنك" كأن الذي قبل الله قربانه قد عرف، والذي لم يتقبل الله قربانه قد عرف أيضاً، إذن فلابد أن هناك أمراً حسياً قد حدث. وقلنا: إن الله كان يخاطب خلقه على قدر رشد عقولهم حساً ومعنى؛ ولذلك كانت معجزاته سبحانه وتعالى للأنبياء السابقين لرسول الله هي من الأمور المُحسة. فالمعجزة التي آتاها الله لإبراهيم كانت ناراً لا تحرق، وعصا سيدنا موسى تنقلب حية، وسيدنا عيسى عليه السلام يُبرئ الأكمه والأبرص ويُحيي الموتى بإذن الله. والمعجزة الحسية لها ميزة أنها تقنع الحواس، ولكنها تنتهي بعد أن تقع لمرة واحدة. لكن المعجزة العقلية التي تناسب رشد الإنسانية، هي المعجزة الباقية، وحتى تظل معجزة باقية فلا يمكن أن تكون حسية. إذن فعندما تأتي معجزة خالدة لرسول هو خاتم الرسل، والذي سوف تقوم القيامة على المنهج الذي جاء به, هذه المعجزة لا بد أن تكون ذات أمد ممتدّ، والامتداد يناقض الحسيّة؛ لأن الحسّية تظل محصورة فيمن رآها، والذي لم يرها لا يقولها ولا يؤمن بها إلا إذا كان على ثقة عظيمة بمن أخبره بها. وابنا آدم، قابيل وهابيل قرّب كل منهما قرباناً. و"قُربان" مثلها في اللغة مثل "غفران" و"عُدوان" والقُربان هو شيء أو عمل يتقرب به العبد من الله. وقبول هذا العمل من البر هو سرّ من أسرار الله. فما الذي أدرى هؤلاء أن قربان هابيل قد تقبّله الله ولم يتقبّل الله قربان قابيل؟ لابد أن تكون المسألة حسيّة. ولابد أن قابيل وهابيل قد اختلفا، ولكن القرآن لم يقل لنا على ماذا اختلفا، إنها دعوى أن واحداً منهما مُقرّب إلى الله أكثر، ولكن بأي شكل؟ لم يظهر القرآن لنا ذلك، ولو كانت المسألة مهمة لأظهرها الله لنا في القرآن الكريم، فلا تقل كان الخلاف على زواج أو غير ذلك. فالذي ظهر لنا من القرآن أن خلافاً قد وقع بينهما أو أنهما قد حكما السماء. ومبدأ تحكيم السماء لا يستطيع أحد أن ينقضه. وكان لكل واحد منهم شُبهة. وعندما قامت الشبهة التي لقابيل ضد الشبهة التي لهابيل، فلا إقناع من صاحب شبهة، ولذلك ذهبا إلى التحكيم. ونحن في عصرنا الحديث عندما نختلف على شيء فإننا نقول: نجري قرعة. وذلك حتى لا يرضخ إنسان لهوى إنسان آخر، بل يرضخ الاثنان للقدر، فيكتب كل منهما ورقة ثم يتركان ثالثاً يجذب إحدى الورقتين. أما هابيل وقابيل فيذكر القرآن الكريم: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ} تفسير : [المائدة: 27]. إذن فكل واحد منهما كانت له شبهة، ولا أحد منهما بقادر على إقناع الثاني؛ لذلك قال قابيل بعد أن قبل الله قربان هابيل: "لأقتلنك" فماذا قال هابيل؟. قال: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [المائدة: 27]. إذن فالذي يتقبل الله منه القربان هو الذي سيُقْتل. والذي يملأه الغيظ هو من لم يتقبل الله قربانه، وهو الذي سوف يَقْتُل. فماذا قال صاحب القربان المقبول:{أية : لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [المائدة: 28]. إذن فهذا أهل لأن يتقبّل الله قربانه، لأنه متيقظ الضمير بمنهج السماء، وهذه حيثية لتقبل القربان. وحتى لا نظن أن الآخر "قابيل" كله شر لمجرد أن الشهوة سيطرت عليه، لكن الحق يظهر لنا أن فيه بعض الخير، ودليل ذلك قول الحق: {أية : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [المائدة: 30]. وهذا القول يدل على أنه تردد، فلا يقال: "طوّعت الماء"، ولكن يقال "طوّعت الحديد"، فكأن الإيمان كان يعارض النفس، إلا أن النفس قد غلبت وطوّعت له قتل أخيه. وعندما قتل قابيل أخاه وهدأت شرّة الغضب وسُعار الانتقام، رأى أخاه مُلقى في العراء: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ}تفسير : [المائدة: 31]. وعلى هذا النسق قال اليهود: إن الله أوصانا ألا نؤمن برسول إلا بعد أن يأتي بمعجزة من المُحسّات. لماذا قالوا ذلك؟. قالوا ذلك لأن معجزة رسول الله الكبرى وهي القرآن الكريم لم تكن من ناحية المحسّات وانتهى عهد الإعجاز بالمحسّات فقط، فرسولنا له معجزات حسية كثيرة، ونظراً لأن هذه ينتهي إعجازها بانقضائها فكان القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة وهو الذي يناسب الرسالة الخاتمة، فهم طلبوا أن تكون المعجزة بالمحسّات حتى يصنعوا لأنفسهم شبه عذر في أنهم لم يؤمنوا، فقالوا ما أورده القرآن: {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا} [آل عمران: 183] .. إلخ. وعلمنا الحق في هذه الآية أن القربان تأكله النار، ومن هذا نستنبط كيف تقبل الله قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، لكي نفهم أن القرآن لا يوجد به أمر مكرر. والحق سبحانه يرينا ردوده الإلهية المقنعة الممتعة: {قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} [آل عمران: 183] .. إلخ الآية. لقد جاءكم رسل قبل رسول الله بالقربان وأكلته النار ومع ذلك كفرتم. فلو كان كلامكم أيها اليهود صحيحاً، لكنتم آمنتم بالرسل الذين جاءوكم بالقربان الذي أكلته النار. وهكذا يكشف لنا الحق أنهم يكذبون على أنفسهم ويكذبون على رسول الله، وأنها مجرد "مماحكات" ولجاج وتمادٍ في المنازعة والخصومة. والحق سبحانه يأمر رسوله أن يسأل: {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183]؟ هو سبحانه يريد أن يضع لنا قضية توضح أن عهد المعجزات الحسيّة وحدها قد انتهى، ورُشد الإنسانية وبلوغ العقل مرتبة الكمال قد بدأ؛ لذلك أتى سبحانه بآية عقلية لتظلّ مع المنهج إلى أن تقوم الساعة. ولو كانت الآية حسّية لاقتصرت على المعاصر الذي شهدها وتركت من يأتي بعده بغير معجزة ولا برهان. أما مجيء المعجزة عقلية فيستطيع أي واحد مؤمن في عصرنا أن يقول: سيدنا محمد رسول الله وتلك معجزته. ولكن لو كانت المعجزة حسيّة وكانت قرباناً تأكله النار، فما الذي يصير إليه المؤمن ويستند إليه من بعد ذلك العصر؟ إن الحق يريد أن يعلمنا أن الذي يأتي بالآيات هو سبحانه، وسبحانه لا يأتي بالآيات على وفق أمزجة البشر، ولكنه يأتي بالآيات التي تثبت الدليل؛ لذلك فليس للبشر أن يقترحوا الآية. هو سبحانه الذي يأتي بالآية، وفيها الدليل. لماذا؟ لأن البعض قد قال للرسول: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 90-93]. لقد كانت كل هذه آيات حسيّة طلبوها، والله سبحانه وتعالى يرد على ذلك حين قال لرسوله: إن الذي منعه من إرسال مثل هذه الآيات هو تكذيب الأولين بها: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ ..}تفسير : [الإسراء: 59]. فحتى هؤلاء الذين قالوا: لن نؤمن حتى تأتي بقربان تأكله النار قد جاءهم من قبل من يحمل معجزة القربان الذي تأكله النار، ومع ذلك كذبوا، إذن فالمسألة مماحكة ولجاج في الخصومة. ويُسلّي الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وتسلية الله لرسوله هنا تسلية بالنظير والمثل في الرسل. كأن الحق يوضح: إن كانوا قد كذبوك فلا تحزن؛ فقد كذبوا من قبلك رسلاً كثيرين، وأنت لست بِدعاً من الرسل.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {عَهِدَ إِلَيْنَا} معناه أَمَرَنَا.

الأندلسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} نزلت في جماعة من اليهود فيهم كعب بن الأشرف وعهد بمعنى أوصى. والظاهر أن القربان هو ما يتقرب به إلى الله تعالى، وزعموا أن هذا العهد في التوراة. وقيل: هو من كذبهم على الله. قال ابن عطية: وقرأ عيسى بن عمر بقربان بضم الراء اتباعاً لضم القاف. وليس بلغة لأنه ليس في الكلام فعلان بضم الفاء والعين. وحكى سيبويه السلطان بضم اللام وقال: إن ذلك على الاتباع. "انتهى". لم يقل سيبويه ان ذلك على الاتباع بل قال: ولا نعلم في الكلام فعلان ولا فعلان ولا شيئاً من النحو لم نذكره ولكنه جاء فعلان وهو قليل قالوا السلطان وهو اسم. "انتهى". وقال الشارح صاحب هذه اللغة لا يسكن ولا يتبع. "انتهى". والظاهر من هذه الآية والتي قبلها ان ذلك من فعل أسلافهم ألا ترى إلى قوله: {أية : وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ}تفسير : [آل عمران: 181]. وقوله: {قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ...} إلى آخر الآية، والمعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود لم يقتلوا الأنبياء ولا جاءتهم رسل غير محمد صلى الله عليه وسلم ويظهر ما قلناه في قوله تعالى: {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} وإنما هذا كله من فعل أسلافهم فُوُبّخوا بذلك لرضاهم بما صدر من أسلافهم. {فَإِن كَذَّبُوكَ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجواب الشرط محذوف تقديره فتسل بما صدر للرسل من تكذيبهم قبلك وما وجد من كلام المعربين أن جواب الشرط هو قوله: فقد كذب، إنما هو صلى سبيل المجاز لأن الماضي حقيقة لا يكون جواباً للشرط المستقبل، ومعنى بالبينات: بالمعجزات الواضحة. {وَٱلزُّبُرِ} جمع زبور وهو الكتاب. يقال: زبره أي كتبه وقد يكون مشتقاً من الزبر وهو الزجر. والجمع يدل على الكثرة، ويعني به الكتب الإِلهية. {وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} القرآن. الظاهر أنه التوراة إذ هو أكبر الكتب المنزلة على بني إسرائيل وفيه تبيين شريعتهم. وقرىء وبالزبر وبالكتاب بالباء فيهما. وقرىء بتركهما. {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تضمنت هذه الجملة وما بعدها الوعظ والتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدنيا وأهلها والوعد بالنجاة في الآخرة إذ بذكر الموت والفكرة فيه يهون ما يصدر من الكفار من تكذيب وغيره. ولما تقدم ذكر المكذبين الكاذبين على الله تعالى من اليهود والمنافقين وذكر المؤمنين نبهوا كلهم على أنهم ميتون وما لهم إلى الآخرة، ففيها يظهر الناجي والهالك، وإن ما تعلقوا به في الدنيا في مال وأهل وعشيرة إنما هو على سبيل التمتع المغرور به كلها تضمحل وتزول ولا يبقى إلا ما عمله الانسان فهو يوفاه في الآخرة يوفى على طاعته ومعصيته. وقال محمد بن عمر الفخر الرازي: في هذه الآية دلالة على أن النفس لا تموت بموت البدن وعلى أن النفس غير البدن. "انتهى". وهذه مكابرة في الدلالة فإِن ظاهر الآية يدل على أن النفس تموت. وقال أيضاً: لفظ النفس مختص بالأجسام. "انتهى". وقرىء ذائقة منوناً، الموت نصباً. وقرىء بغير تنوين، والموت نصباً. ونظيره قول الشاعر: شعر : ولا ذاكر الله إلا قليلاً تفسير : حذف التنوين لإِلتقاء الساكنين. وقراءة الجمهور على الاضافة وكل إذا أضيفت إلى نكرة كان الحكم في الخبر والاضمار لتلك النكرة، كقوله: {ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}، وقوله: {أية : كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ}تفسير : [الطور: 21]، وكل رجلين قاما، وكل امرأتين قامتا، وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}تفسير : [الإسراء: 71]، وقول الشاعر: شعر : وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل تفسير : فالتذكير والتأنيث والافراد والتثنية والجمع بحسب النكرة التي أضيف إليها كل. {فَمَن زُحْزِحَ} الزحزحة التنحية والابعاد.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن حال هؤلاء المفترين القائلين: { إن الله عهد إلينا } أي: تقدم إلينا وأوصى، { ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار } فجمعوا بين الكذب على الله، وحصر آية الرسل بما قالوه، من هذا الإفك المبين، وأنهم إن لم يؤمنوا برسول لم يأتهم بقربان تأكله النار، فهم -في ذلك- مطيعون لربهم، ملتزمون عهده، وقد علم أن كل رسول يرسله الله، يؤيده من الآيات والبراهين، ما على مثله آمن البشر، ولم يقصرها على ما قالوه، ومع هذا فقد قالوا إفكا لم يلتزموه، وباطلا لم يعملوا به، ولهذا أمر الله رسوله أن يقول لهم: { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات } الدالات على صدقهم { وبالذي قلتم } بأن أتاكم بقربان تأكله النار { فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين } أي: في دعواهم الإيمان برسول يأتي بقربان تأكله النار، فقد تبين بهذا كذبهم، وعنادهم وتناقضهم. ثم سلَّى رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك } أي: هذه عادة الظالمين، ودأبهم الكفر بالله، وتكذيب رسل الله وليس تكذيبهم لرسل الله، عن قصور ما أتوا به، أو عدم تبين حجة، بل قد { جاءوا بالبينات } أي: الحجج العقلية، والبراهين النقلية، { والزبر } أي: الكتب المزبورة المنزلة من السماء، التي لا يمكن أن يأتي بها غير الرسل. { والكتاب المنير } للأحكام الشرعية، وبيان ما اشتملت عليه من المحاسن العقلية، ومنير أيضا للأخبار الصادقة، فإذا كان هذا عادتهم في عدم الإيمان بالرسل، الذين هذا وصفهم، فلا يحزنك أمرهم، ولا يهمنك شأنهم.