Verse. 477 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

فَاِنْ كَذَّبُوْكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِكَ جَاۗءُوْ بِالْبَيِّنٰتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتٰبِ الْمُنِيْرِ۝۱۸۴
Fain kaththabooka faqad kuththiba rusulun min qablika jaoo bialbayyinati waalzzuburi waalkitabi almuneeri

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإن كذَّبوك فقد كُذب رسل من قبلك جاءُوا بالبينات» المعجزات «والزبُر» كصحف إبراهيم «والكتاب» وفي قراءة بإثبات الباء فيهما «المنير» الواضح هو التوراة والإنجيل فاصبر كما صبروا.

184

Tafseer

الرازي

تفسير : في قوله: {فَإِن كَذَّبُوكَ } وجوه: أحدها: فان كذبوك في قولك أن الأنبياء المتقدمين جاؤا إلى هؤلاء اليهود بالقربان الذي تأكله النار فكذبوهم وقتلوهم، فقد كذب رسل من قبلك: نوح وهود وصالح وابراهيم وشعيب وغيرهم. والثاني: أن المراد: فإن كذبوك في أصل النبوة والشريعة فقد كذب رسل من قبلك، ولعل هذا الوجه أوجه، لأنه تعالى لم يخصص، ولأن تكذيبهم في أصل النبوة أعظم، ولأنه يدخل تحته التكذيب في ذلك الحجاج. والمقصود من هذا الكلام تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيان أن هذا التكذيب ليس أمرا مختصا به من بين سائر الأنبياء، بل شأن جميع الكفار تكذيب جميع الأنبياء والطعن فيهم، مع أن حالهم في ظهور المعجزات عليهم وفي نزول الكتب إليهم كحالك، ومع هذا فإنهم صبروا على ما نالهم من أولئك الأمم واحتملوا إيذاءهم في جنب تأدية الرسالة، فكن متأسيا بهم سالكا مثل طريقتهم في هذا المعنى، وإنما صار ذلك تسلية لأن المصيبة إذا عمت طابت وخفت، فأما البينات فهي الحجج والمعجزات، وأما الزبر فهي الكتب، وهي جمع زبور، والزبور الكتاب، بمعنى المزبور أي المكتوب، يقال: زبرت الكتاب أي كتبته، وكل كتاب زبور. قال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة، وعلى هذا: الأشبه أن يكون معنى الزبور من الزبر الذي هو الزجر، يقال: زبرت الرجل إذا زجرته عن الباطل، وسمي الكتاب زبوراً لما فيه من الزبر عن خلاف الحق، وبه سمي زبور داود لكثرة ما فيه من الزواجر والمواعظ. وقرأ ابن عباس {وَبِٱلزُّبُرِ } أعاد الباء للتأكيد وأما «المنير» فهو من قولك أنرت الشيء أي أوضحته، وفي الآية مسألتان. المسألة الأولى: المراد من البينات المعجزات ثم عطف عليها الزبر والكتاب، وهذا يقتضي أن يقال إن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم، وذلك يدل على أن أحدا من الأنبياء ما كانت كتبهم معجزة لهم، فالتوراة والانجيل والزبور والصحف ما كان شيء منها معجزة، وأما القرآن فهو وحده كتاب ومعجزة، وهذا أحد خواص الرسول عليه الصلاة والسلام. المسألة الثانية: عطف «الكتاب المنير» على «الزبر» مع أن الكتاب المنير لا بد وأن يكون من الزبر، وإنما حسن هذا العطف لأن الكتاب المنير أشرف الكتب وأحسن الزبر، فحسن العطف كما في قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } تفسير : [الأحزاب: 7] وقال: {أية : مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلـٰئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98] ووجه زيادة الشرف فيه إما كونه مشتملا على جميع الشريعة، أو كونه باقياً على وجه الدهر، ويحتمل أن يكون المراد بالزبر: الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والانجيل والزبور. قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ }. اعلم ان المقصود من هذه الآية تأكيد تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام والمبالغة في إزالة الحزن من قلبه وذلك من وجهين: أحدهما: أن عاقبة الكل الموت، وهذه الغموم والأحزان تذهب وتزول ولا يبقى شيء منها، والحزن متى كان كذلك لم يلتفت العاقل اليه. والثاني: أن بعد هذه الدار دار يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويتوفر على عمل كل واحد ما يليق به من الجزاء، وكل واحد من هذين الوجهين في غاية القوة في إزالة الحزن والغم عن قلوب العقلاء، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } سؤال: وهو أن الله تعالى يسمى بالنفس قال: {أية : تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } تفسير : [المائدة: 116] وأيضاً النفس والذات واحد فعلى هذا يدخل الجمادات تحت اسم النفس، ويلزم على هذا عموم الموت في الجمادات، وأيضاً قال تعالى: {أية : فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الزمر: 68] وذلك يقتضي أن لا يموت الداخلون في هذا الاستثناء، وهذا العموم يقتضي موت الكل، وأيضاً يقتضي وقوع الموت لأهل الجنة ولأهل النار لأن كلهم نفوس. وجوابه: أن المراد بالآية المكلفون الحاضرون في دار التكليف بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } فان هذا المعنى لا يتأتى إلا فيهم، وأيضا العام بعد التخصيص يبقى حجة. المسألة الثانية: {ذَائِقَةُ } فاعلة من الذوق، واسم الفاعل إذا أضيف إلى اسم وأريد به الماضي لم يجز فيه إلا الجر، كقولك: زيد ضارب عمرو أمس، فان أردت به الحال والاستقبال جاز الجر والنصب تقول: هو ضارب زيد غدا، وضارب زيدا غدا، قال تعالى: {أية : هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرّهِ } تفسير : [الزمر: 38] قرىء بالوجهين لأنه للاستقبال. وروي عن الحسن أنه قرأ {ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } بالتنوين ونصب «الموت» وهذا هو الأصل وقرأ الأعمش {ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } بطرح التنوين مع النصب كقوله:شعر : ولا ذاكر الله إلا قليلا تفسير : وتمام الكلام في هذه المسألة يأتي في سورة النساء عند قوله: {أية : ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [النساء: 97] ان شاء الله تعالى. المسألة الثالثة: زعمت الفلاسفة ان الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية، وذلك لأن هذه الحياة الجسمانية لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية، ثم ان الحرارة الغريزية تؤثر في تحليل الرطوبة الغريزية، ولا تزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضروريا في هذه الحياة. قالوا وقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } يدل على أن النفوس لا تموت بموت البدن، لأنه جعل النفس ذائقة الموت، والذائق لا بد وأن يكون باقيا حال حصول الذوق، والمعنى أن كل نفس ذائقة موت البدن، وهذا يدل على أن النفس غير البدن، وعلى أن النفس لا تموت بموت البدن، وأيضا: لفظ النفس مختص بالأجسام، وفيه تنبيه على أن ضرورة الموت مختصة بالحياة الجسمانية، فأما الأرواح المجردة فلا، وقد جاء في الروايات ما هو خلاف ذلك، فانه روي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل قوله تعالى: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } تفسير : [الرحمن: 26] قالت الملائكة مات أهل الأرض، ولما نزل قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } قالت الملائكة متنا. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } يدل على أن المقتول يسمى بالميت وإنما لا يسمى المذكى بالميت بسبب التخصيص بالعرف. ثم قال تعالى: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } بين تعالى أن تمام الأجر والثواب لا يصل الى المكلف إلا يوم القيامة، لأن كل منفعة تصل الى المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم والهموم وبخوف الانقطاع والزوال، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل الى المكلف يوم القيامة لأن هناك يحصل السرور بلا غم، والأمن بلا خوف، واللذة بلا ألم. والسعادة بلا خوف الانقطاع، وكذا القول في جانب العقاب فانه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة، بل يمتزج به راحات وتخفيفات، وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي يكون يوم القيامة، نعوذ بالله منه. ثم قال تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } الزحزحة التنحية والابعاد، وهو تكرير الزح، والزح هو الجذب بعجلة، وهذا تنبيه على أن الانسان حينما كان في الدنيا كأنه كان في النار، وما ذاك إلا لكثرة آفاتها وشدة بلياتها، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الدنيا سجن المؤمن». تفسير : واعلم أنه لا مقصود للانسان وراء هذين الأمرين، الخلاص عن العذاب، والوصول الى الثواب، فبين تعالى أن من وصل الى هذين المطلوبين فقد فاز بالمقصد الأقصى والغاية التي لا مطلوب بعدها. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» تفسير : وقرأ قوله تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فاز} وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليؤت الى الناس ما يحب أن يؤتى اليه». تفسير : ثم قال: {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ } الغرور مصدر من قولك: غررت فلاناً غروراً شبه الله الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر عليه حتى يشتريه ثم يظهر له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور، وعن سعيد بن جبير: أن هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة، وأما من طلب الآخرة بها فانها نعم المتاع، والله أعلم. واعلم أن فساد الدنيا من وجوه: أولها: أنه لو حصل للانسان جميع مراداته لكان غمه وهمه أزيد من سروره، لأجل قصر وقته وقلة الوثوق به وعدم علمه بأنه هل ينتفع به أم لا، وثانيها: أن الانسان كلما كان وجدانه بمرادات الدنيا أكثر كان حرصه في طلبها أكثر، ولكما كان الحرص أكثر كان تألم القلب بسبب ذلك الحرص أشد، فان الانسان يتوهم أنه إذا فاز بمقصوده سكنت نفسه وليس كذلك، بل يزداد طلبه وحرصه ورغبته، وثالثها: أن الانسان بقدر ما يجد من الدنيا يبقى محروما عن الآخرة التي هي أعظم السعادات والخيرات، ومتى عرفت هذه الوجوه الثلاثة علمت أن الدنيا متاع الغرور، وأنها كما وصفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال: لين مسها قاتل سمها. وقال بعضهم: الدنيا ظاهرها مطية السرور، وباطنها مطية الشرور.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَٰتِ } المعجزات {وَٱلزُّبُرِ } كصحف إبراهيم {وَٱلْكِتَٰبِ } وفي قراءة بإثبات الباء فيهما[وبالزبر وبالكتاب] {ٱلْمُنِيرِ } الواضح هو التوراة والإنجيل فاصبر كما صبروا.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ} ليس جواباً، بل الجوابُ محذوف، أي: فقل، ونحوه؛ لأن هذا قد مضَى وتحقَّق، والجملة من "جَاءُوا" في محل رفع، صفة لـِ "رُسُلٌ" و "مِنْ قَبْلِكَ" متعلق بـ "كُذِّبَ" والباء في "بِالبَيِّنَاتِ" تحتمل الوجهين، كنظيرتها. ومعنى الآية: فإن كذبوك في قولك: إنَّ الأنبياء المتقدمين أتَوْا بالقُرْبان. ويحتمل أن يكون المعنى: فإن كذبوك في أصل النبوة - وهو أولى - والمرادُ بالبيناتِ المعجزاتِ. وقرأ الجمهورُ: "وَالزبر والكتاب" - من غير باء الجر - وقرأ ابنُ عامر "وَبِالزُّبُرِ" - بإعادتها - وهشام وحده عنه "وَبِالْكِتَابِ" - بإعادتها أيضاً - وهي في مصاحف الشاميين كقراءة ابنِ عامر، فَمَنْ لم يأتِ بها اكتفى بالعطفِ، ومن أتى بها كان ذلك تأكيداً. والزُّبر: جمع زَبُور - بالفتح - ويقال: زُبور - بالضم أيضاً - وهل هما بمعنىً واحد أو مختلفان؟ سيأتي الكلام عليهما - إن شاء الله تعالى - في النساء في قوله: {أية : وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} تفسير : [النساء: 163]. واشتقاقه من زَبَرْتُ: أي: كتبتُ وزَبَرْته: قرأتهُ، وَزَبرْته: حسَّنْت كتابتَه، وزَبَرْته: زَجَرته. فزبور - بالفتح - فَعُول بمعنى مفعول - كالركوب بمعنى: المركوب - والحلوب - بمعنى المحلوب - والمعنى: الكُتُب المزبورة، أي: المكتوبة، والزُّبُر: جمع زبور، وهو الكتاب. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 1703- لمَنْ طَلَلٌ أبصَرْتُهُ فَشَجانِي كَخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبِ يَمَانِي تفسير : وقيل: اشتقاق اللفظة من الزَّبْرَة، وهي قطعة الحديد المتروكة بحالها. وقيل: الزبور من الزَّبْر - بمعنى: الزجر - تقول: زبرت الرجل: أي: نهرته. وزبرت البئر: أي: طويتها بالحجارة. فإن قيل: لِمَ عطف "الْكِتَابِ المُنِيرِ" على "الزُّبُرِ" مع أن الكتاب المنير من الزُّبُر؟ فالجوابُ: لأن الكتاب المنير أشرف الكتب، وأحسن الزبر، فحسُن العطف، كقوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} تفسير : [الأحزاب: 7]. وقوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} تفسير : [البقرة: 98]. ووجه شرفه: كونه مشتملاً على جميع الشريعة، أو كونه باقياً على وَجْه الدَّهْر. وقيل: المراد بـ "الزُّبُر" الصُّحُف، والمراد بـ "الْكِتَابِ الْمُنِيرِ" التوراة والإنجيل والزبور. و "الْمُنِير" اسم فاعل من أنار، أي: أضاء، وهو الواضح. والمراد بهذه الآية - تسلية قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم بما جرى على الأنبياء قبله.

البقاعي

تفسير : ولما كانت هذه السورة متضمنة لكثير من الدقائق التي أخفوها من كتابهم الذي جعلوه قراطيس، يبدونها ويخفون كثيراً، وفي هذه الآية بخصوصها من ذلك ما يقتضي تصديقه صلى الله عليه وسلم وكان سبحانه عالماً بأن أكثرهم يعاندون سبب عن ذلك أن سلاه في تكذيب المكذبين منهم بقوله: {فإن كذبوك} فكان كأنه قيل: هذا الذي أعلمتك به يوجب تصديقك، فإن لم يفعلوا بل كذبوا {فقد} ولما كان السياق لإثبات مبالغتهم في الغلظة والجفاء والكفر وعدم الوفاء وكانت السورة سورة التوحيد، والرسل متفقون عليه، وقد أتى كل منهم فيه بأنهى البيان وأزال كل لبس أسقط تاء التأنيث لأنها ربما دلت على نوع ضعف فقال: {كذب رسل} ولما كانت تسلية الإنسان بمن قاربه في الزمان أشد أثبث الجار فقال {من قبلك} أي فلك فيهم مسلاة وبهم أسوة {جآءو بالبينات} أي من المعجزات {والزبر} أي من الصحف المضمنة للمواعظ والحكم الزواجر والرقائق التي يزبر العالم بها عن المساوي {والكتاب المنير} أي الجامع للأحكام وغيرها. الموضح لأنه الصراط المستقيم. ولما تقدم في قصة أحد رجوع المنافقين وهزمية بعض المؤمنين مما كان سبب ظفر الكافرين، وعاب سبحانه ذلك عليهم بأنهم هربوا من موجبات السعادة والحياة الأبدية إلى ما لا بد منه، وإلى ذلك أشار بقوله: {أية : قل لو كنتم في بيوتكم}تفسير : [آل عمران: 154] {أية : ولئن قتلتم في سبيل الله}تفسير : [آل عمران: 157] {أية : قل فادرءوا عن أنفسكم الموت}تفسير : [آل عمران: 168] {أية : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله}تفسير : [آل عمران: 169] وغير ذلك مما بكتهم به في رجوعهم حذر الموت وطلب امتداد العمر، مع ما افتتح به من أن موت هذا النبي الكريم وقتله ممكن كما كان من قبله من إخوانه من الرسل على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام! وختم بالإخبار بأنه وقع قتل كثير من الرسل، فكان ذلك محققاً لأنه لا يصان من الموت خاص ولا عام، مضموماً إلى ما نشاهد من ذلك في كل لحظة؛ صوَّر ذلك الموت بعد أن صار مستحضراً للعيان تصويراً أوجب التصريح به إشارة إلى أن حالهم في هربهم ورجوعهم وما تبع ذلك من قولهم حال من هو في شك منه فقال تعالى: {كل نفس} أي منفوسة من عيسى وغيره من أهل الجنة والنار {ذآئقة الموت} أي وهو المعنى الذي يبطل معه تصرف الروح في البدن وتكون هي باقية بعد موته لأن الذائق لا بد أن يكون حال ذوقه حيّاَ حساساً، ومن يجوز عليه ذوق الموت يجوز عليه ذوق النار، وهو عبد محتاج، فالعاقل من سعى في النجاة منها والإنجاء كما فعل الخلص الذين منهم عيسى ومحمد عليهما أفضل الصلاة وأزكى السلام، وكان نظمها بعد الآيات المقتضية لتوفية الأجور بالإثابة عليها وأنه ليس بظلام للعبيد شديد الحسن، وذلك مناسب أيضاً لختم الآية بالتصريح لتوفية الأجور يوم الدين، وأن الزحزحة عن النار ودخول الجنة لهو الفوز، لا الشح في الدنيا بالنفس والمال الذي ربما كان سبباً لامتداد العمر وسعة المال بقوله: {وإنما توفون} أي تعطون {أجوركم} على التمام جزاء على ما عملتموه من خير وشر {يوم القيامة} وأما ما يكون قبل ذلك من نعيم القبر ونحوه فبعض لا وفاء {فمن زحزح} أي أبعد في ذلك اليوم إبعاداً عظيماً سريعاً {عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} أي بالحياة الدائمة والنعيم الباقي. والمعنى أن كل نفس توفى ما عملت، فتوفى أنت أجرك على صبرك على أذاهم، وكذا من أطاعك، ويجازون هم على ما فرطوا في حقك فيقذفون في غمرة النار، وكان الحصر إشارة إلى تقبيح إقبالهم على الغنيمة وغيرها من التوسع العاجل، أي إنما مقتضى الدين الذي دخلتم فيه هذا، وذلك ترهيباً من الالتفات إلى تعجل شيء من الأجر في الدنيا - كما قال أبو بكر رضي الله عنه في أول إسلامه: وجدت بضاعة بنسيئة، ما وقعت على بضاعة قط أنفس منها، وهي لا إله إلا الله. فالحاصل أن "كل نفس" أي حذرة من الموت ومستسلمة {ذائقة الموت} أي فعلام الاحتراس منه بقعود عن الغزو أو هرب من العدو! {وإنما توفون أجوركم} أي يا أهل الإسلام التي وعدتموها على الأعمال الصالحة {يوم القيامة} أي فما لكم تريدون تعجلها بإسراعكم إلى الغنائم أو غيرها مما يزيد في أعراض الدنيا فتكونوا ممن تعجل طيباته في الحياة الدنيا {فمن} أي فحيث علم أنه لا فوز في الدنيا إلا بما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى تسبب عن ذلك أنه من {زحزح عن النار} أي بكونه وفي أجره ولم يتعجل طيباته {وأدخل الجنة} أي بما عمل من الصالحات فحاز الحياة الدائمة مع الطيبات الباقية {فقد فاز} أي كل الفوز، ولما صح أنه لا فوز إلا ذلك صح قوله: {وما الحياة الدنيا} أي التي أملي لهم فيها وأزيلت عن الشهداء {إلا متاع الغرور *} أي المتاع الذي يدلس الشيطان أمره على الناس حتى يغتروا به فيغبنوا بترك الباقي وأخذ الأشياء الزائلة بانقضاء لذاتها والندم على شهواتها بالخوف من تبعاتها. وفي ذلك أيضاً مناسبة من وجه آخر، وهو أنه لما سلاه سبحانه وتعالى بالرسل - الذين لازموا الصبر والاجتهاد في الطاعة حتى ماتوا - وأممهم. وتركوا ما كان بأيديهم عاجزين عن المدافعة، ولم يبق إلا ملكه سبحانه وتعالى، وأن الفريقين ينتظرون الجزاء، فالرسل لتمام الفوز، والكفار لتمام الهلاك؛ أخبر أن كل نفس كذلك، ليجتهد الطائع ويقتصر العاصي، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين رجعوا عن أحد خوف القتل وقالوا عن الشهداء: {لو أطاعونا ما قتلوا} أي إن الذي فررتم منه لا بد منه، والحياة التي آثرتموها متاع يندم عليه من محضه للتمتع كما يندم المغرور بالمتاع الذي غر به، فالسعيد من سعى في أن يكون موته في رضى مولاه الذي لا محيص له عن الرجوع إليه والوقوف بين يديه. ولما سلى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم لما بما لقي إخوانه من الرسل وبأنه لا بد من الانقلاب إليه، فيفوز من كان من أهل حزبه، ويشقى من والى أعداءه وذوي حزبه؛ أعاد التسلية على وجه يشمل المؤمنين، وساقها مساق الإخبار بحلول المصائب الكبار التي هي من شعائر الأخيار في دار الأكدار المعلية لهم في دار القرار فقال - مؤكداً لأن الواقف في الخدمة ينكر أن يصيبه معبوده بسوء، هذا طبع البشر وإن تطبّع بخلافه، وأفاد ذكره قبل وقوعه تهوينه بتوطين النفس عليه، وأفاد بناؤه للمفعول أن المنكى البلاء, لا كونه من جهة معينة -: {لتبلون} أي تعاملون معاملة المختبر لتبيين المؤمن من المنافق {في أموالكم} أي بأنواع الإنفاق {وأنفسكم} أي بالإصابة في الجهاد وغيره، فكما نالكم ما نالكم من الأذى بإذني ليلحقنكم بعده من الأذى ما أمضيت به سنتي في خلص عبادي وذوي محبتي، وكان إيلاء ذلك للآية التي فيها الإشارة إلى أن توفية الأجور للأعمال الصالحة مما ينيل الفوز مناسباً من حيث الترغيب في كل ما يكون سبباً لذلك من الصبر على ما يبتلي به سبحانه وتعالى من كل ما يأمر به من التكاليف، أو يأذن فيه من المصائب، وقدم المال لأنه - كما قيل - عديل الروح، وربما هان على الإنسان الموت دون الفقر المؤدي إلى الذل بالشماتة والعار بما تقصر عنه يده بفقده من أفعال المكارم، وما أحسن ذكر هذه الآية إثر قصة أحد التي وقع فيها القتل بسبب الإقبال على المال، وكان ذكرها تعليلاً لبغضة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار. ولما كان يومها يوم بلاء وتمحيص، وكان ربما أطمع في العافية بعده، فتوطنت النفس على ذلك فاشتد انزعاجها بما يأتي من أمثاله، وليس ذلك من أخلاق المشمرين أراد سبحانه وتعالى توطين النفوس على ما طبعت عليه الدار من الأثقال والآصار، فأخبر أن البلاء لم ينقص به، بل لا بد بعده من بلايا وسماع أذى من سائر الكفار، ورغب في شعار المتقين: الصبر الذي قدمه في أول السورة ثم قبل قصة أحد، وبناها عليه معلماً أنه مما يستحق أن يعزم عليه ولا يتردد فيه فقال: {ولتسمعن} أي بعد هذا اليوم {من الذين} ولما كان المراد تسوية العالم بالجاهل في الذم نزه المعلم عن الذكر فبنى للمفعول قوله: {أوتوا الكتاب} ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن الماضي أدخل الجار فقال: {من قبلكم} أي من اليهود والنصارى {ومن الذين أشركوا} أي من الأميين {أذى كثيراً} أي من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة أو غيرها {وإن تصبروا} أي تتخلقوا بالصبر على ذلك وغيره {وتتقوا} أي وتجعلوا بينكم وبين ما يسخط الله سبحانه وتعالى وقاية بأن تغضوا عن كثير من أجوبتهم اعتماداً على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف {فإن ذلك} أي الأمر العالي الرتبة {من عزم الأمور *} أي الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على فعلها، ولا يتردد فيه، ولا يعوق عنه عائق، فقد ختمت قصة أحد بمثل ما سبقت دليلاً عليه من قوله: {أية : قد بدت البغضاء من أفواههم} تفسير : [آل عمران: 118] إلى أن ختم بقوله: {أية : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} تفسير : [آل عمران: 120] ما أخبر به هنا بأنه من عزم الأمور. ولما قدم سبحانه وتعالى في أوائل قصص اليهود أنه أخذ على النبيين الميثاق بما أخذ، وأخبرهم أنه من تولى بعد ذلك فهو الفاسق، ثم أخبر بقوله: {أية : قد جاءكم رسل من قبلي} تفسير : [آل عمران: 183] {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} [آل عمران: 184] أن النبيين وفوا بالعهد، وأن كثيراً من أتباعهم خان؛ ثنى هنا بالتذكير بذلك العهد على وجه يشمل العلماء بعد الإخبار بسماع الأذى المتضمن لنقضهم للعهد، فكان التذكير بهذا الميثاق كالدليل على مضمون الآية التي قبلها، وكأنه قيل: فاذكروا قولي لكم {لتبلون} واجعلوه نصب أعينكم لتوطنوا أنفسكم عليه، فلا يشتد جزعكم بحلول ما يحل منه {و} اذكروا {إذ أخذ الله} الذي لا عظيم إلا هو {ميثاق الذين} . ولما كانت الخيانة من العالم أشنع، وكان ذكر العلم دون تعيين المعلم كافياً في ذلك بنى للمجهول قوله: {أوتوا الكتاب} أي في البيان، فخافوا فما آذوا إلا أنفسهم، وإذا آذوا أنفسهم بخيانة عهد الله سبحانه وتعالى كانوا في أذاكم اشد وإليه أسرع، أو يكون التقدير: واذكروا ما أخبرتكم به عند ما أنزله بكم، واصبروا لتفوزوا، واذكروا إذ اخذ الله ميثاق من قبلكم فضيعوه كيلا تفعلوا فعلهم، فيحل بكم ما حل بهم من الذل والصغار في الدنيا مع ما يدخر في الآخرة من عذاب النار. هذا ما كان ظهر لي أولاً، ثم بان أن الذي لا معدل عنه أنه لما انقضت قصة أحد وما تبعها إلى أن ختمت بعد الوعظ بتحتم الموت الذي فر من فر منهم منه وخوّف الباقين أمره بمثل ما تقدم أن جعلها دليلاً عليه من بغض أهل الكتاب وما تبعه؛ عطف على "إذا" المقدرة لعطف {أية : وإذا غدوت}تفسير : [آل عمران: 121] عليها - قوله: {وإذا أخذ الله} أي اذكروا ذلك يدلكم على عداوتهم، واذكروا ما صح عندكم من إخبار الله تعالى المشاهد بإخبار من أسلم من الأحبار والقسيسين أن الله أخذ {ميثاق الذين أوتوا الكتاب} أي من اليهود والنصارى بما أكد في كتبه وعلى ألسنة رسله: {ليبيننه} أي الكتاب {للناس ولا يكتمونه} أي نصيحة منهم لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المؤمنين وعامتهم ليؤمنوا بالنبي المبشر به {فنبذوه} أي الميثاق بنبذ الكتاب {ورآء ظهورهم} حسداً لكم وبغضاً، وهو تمثيل لتركهم العمل به، لأن من ترك شيئاً وراءه نسيه {واشتروا به} ولما كان الثمن الذي اشتروه خسارة لا ربح فيه أصلاً على العكس مما بذلوه على أنه ثمن، وكان الثمن إذا نض زالت مظنة الربح منه عبر عنه بقوله: {ثمناً} وزاد في بيان سفههم بقوله: {قليلاً} أي بالاستكثار من المال والاستئمار للرئاسة، قكتموا ما عندهم من العلم بهذا النبي الكريم {فبئس ما يشترون *} أي لأنه مع فنائه أورثهم العار الدائم والنار الباقية، وعبر عن هذا الأخذ بالشراء إعلاماً بلجاجهم فيه، ونبه بصيغة الافتعال على مبالغتهم في اللجاج. ولما أخبر سبحانه وتعالى بأنهم احتووا على المال والجاه بما كتموا من العلم وأظهروا من خلافه المتضمن لمحبة أهل دينهم فيهم وثنائهم عليهم بأنهم على الدين الصحيح وأنهم أهل العلم، فهم أهل الاقتداء بهم؛ قال سبحانه وتعالى مخبراً عن مآلهم تحذيراً من مثل حالهم على وجه يعم كل امرىء: {لا تحسبن} على قراءة الجماعة بالغيب {الذين يفرحون بما آتوا} أي مما يخالف ظاهره باطنه. وتوصلوا به إلى الأغراض الدنيوية من الأموال والرئاسة وغير ذلك، أي لا يحسبن أنفسهم، وفي قراءة الكوفيين ويعقوب بالخطاب المعنى: لا تحسبنهم أيها الناظر لمكرهم ورواجهم بسببه في الدنيا واصلين إلى خير {ويحبون أن يحمدوا} أي ويجد الثناء بالوصف الجميل عليهم {بما لم يفعلوا} أي بذلك الباطن الذي لم يفعلوه، قال ابن هشام في السيرة: أن يقول الناس: علماء، وليسوا بأهل علم، لم يتحملوهم على هدى ولا حق. ولما تسبب عن ذلك العلمُ بهلاكهم قال: {فلا تحسبنهم} أي تحسبن أنفسهم، على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب وضم الباء وعلى قراءة الجماعة المعنى: لا تحسبنهم أيها الناظر {بمفازة من العذاب} بل هم بمهلكة منه {ولهم عذاب أليم *}.

القشيري

تفسير : أي عادة الكفار تكذيب الرسل: وعلى هذا النحو درج سَلَفُهمْ، وبهديهم اقتدى خَلَفُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فان كذبوك} شروع فى تسلية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم {فقد كذب رسل من قبلك} تعليل لجواب الشرط اى فتسل واصبر فقد كذب الخ {جاؤا بالبينات} المعجزات الواضحات صفة لرسل {والزبر} جمع زبور وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته اذا حسنته او الزبر المواعظ والزواجر من زبرته اذا زجرته {والكتاب المنير} اى التوراة والانجيل والزبور. والكتاب فى عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والاحكام ولذلك جاء الكتاب والحكمة متعاطفين فى عامة المواقع. والمنير اى المضيىء البين بالامر والنهى. والاشارة ان الله تعالى كما قدر ان بعض الامم يغلبون بعض انبيائهم ويقتلونهم قبل الايمان او بعد الايمان بهم كذلك قدر ان بعض الصفات النفسانية يغلب على بعض الالهامات الربانية والواردات الرحمانية فيمحوها كما قال تعالى {أية : يمحو الله ما يشاء ويثبت} تفسير : [الرعد: 39]. قبل انقيادها لها او بعدما انقادت لها ليقضى الله امرا كان مفعولا وبالجملة ان الروح يصير بمجاورة الصفات النفسانية كالنفس فى الدناءة فتصير الصفات الذميمة غالبة عليه كما تغلب على الالهامات فعلى السالك ان يتجنب عن مصاحبة المفسدين ومجاورة صفات النفس شعر : نفس ازهم نفس بكيرد خوى بر حذر باش ازلقاى خبيث باد جون بر فضاى بد كذرد بوى بدكيرد ازهواى خبيث تفسير : فطوبى لعبد طهر نفسه من الصفات الرذيلة والعناد والاصرار ورأى الحق حقا والباطل باطلا وانقطع عن ميل الدنيا واتباع الهوى وموافقة غير الله ـ روى ـ ان عيسى عليه السلام مر بقرية فاذا اهلها موتى فى الافنية والطرق فقال يا معشر الحواريين ان هؤلاء ماتوا على سخط ولو ماتوا على غير ذلك لتدافنوا فقالوا يا روح الله وددنا انا علمنا خبرهم فسأل ربه فاوحى الله اليه اذا كان الليل فنادهم يجيبوك فلما كان الليل اشرف على الموتى ثم نادى يا اهل القرية فاجابه مجيب لبيك يا روح الله فقال ما حالكم وما قصتكم قال بتنا فى عافية واصبحنا فى هاوية قال وكيف ذلك قال لحبنا الدنيا وطاعتنا اهل المعاصى قال وكيف كان حبكم الدنيا قال كحال حب الصبى لامه اذا اقبلت فرحنا واذا ادبرت حزنا قال فما بالك اصحابك لم يجيبونى قال لانهم ملجمون بلجام من نار بايدى ملائكة غلاظ شداد قال كيف اجبتنى من بينهم قال لانى كنت فيهم ولم اكن منهم فلما نزل بهم العذاب اصابنى فانا معلق على شفير جهنم لا ادرى أانجو منها ام اكبكب فيها. واعلم ان الانكار والتكذيب من حب الدنيا والميل اليها لان الانبياء والاولياء يدعون الى الجنة والمولى وحفت الجنة بالمكاره والانسان اذا رأى ما يكرهه يتنفر عنه ثم اذا اقدم على الاتيان به واكره يأخذ بالانكار قال الله تعالى {أية : وعسى أن تكرهوا شيأ وهو خير لكم} تفسير : [البقرة: 216]. وقد وصى الحكماء الآلهية ان لا يجالس المريد اهل الانكار بل لا يلتفت اليهم اصلا اذ للمجاورة تأثير عظيم كما قيل شعر : عدوى البليد الى الجليد سريعة والجمر يوضع فى الرماد فيخمد بابدان يار كشت همسر لوط خاندان نبوتش كم شد سك اصحاب كهف روزى جند بى مردم كرفت ومردم شد تفسير : قال مولانا جلال الدين قدس سره فى هذا المعنى شعر : كرتوسنك وصخره ومرمر شوى جون بصاحب دل رسى كوهر شوى تفسير : ساقنا الله واياكم الى طريقة اوليائه ومجالسة احبائه آمين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الزبر}: جمع زبور، بمعنى مزبور، أي: مكتوب، من زبرت، أي: كتبت، وكل كتاب فهو زبور، وقال امرؤ القيس: شعر : لِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي كَخَطِّ زَبَورٍ في عَسِيبٍ يَمَانِ تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: في تسلية رسوله - عليه الصلاة والسلام - من تكذيب اليهود وغيرهم له: {فإن كذبوك} فليس ذلك ببدع؛ {فقد كُذبت رسل} مثلك {من قبلك} جاءوا قومهم بالمعجزات البينات، وبالكتب المنزلات، فيها مواعظ زاجرات، {وبالكتاب المنير} المشتمل على الأحكام الشرعيات. الإشارة: كما كُذبت الأنبياء كُذبت الأولياء، بعد أن ظهر عليها من العلوم الباهرة والحكم الظاهرة والكرامات الواضحة، وأعظمها المعرفة، وهذه سنة ماضية، ولن تجد سنة الله تبديلاً.

الطوسي

تفسير : القراءة، والحجة: قرأ ابن عامر وحده وبالزبر وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بحذف الباء، فمن حذف فلأن واو العطف أغنت عن تكرار العامل ومن أثبتها فانما كرر العامل تأكيداً، وكلاهما جيدان. اللغة، والمعنى: وهذه الآية فيها تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) عما كان يصيبه من الأذى من اليهود وأهل الشرك بتكذيبهم إياه بأن قال فقد كذب أسلافهم من رسل الله من جاءهم بالبينات والحجج القاطعة، والأدلة الواضحة. والزبر جمع زبور وهو البينات وكل كتاب فيه حكمة زبور. ومنه قول امرئ القيس: شعر : لمن طلل ابصرته فشجاني كخط زبور في عسيب يمان تفسير : ويقال زبرت الكتاب إذا كتبته، فهو مزبور وزبرت الرجل أزبره: إذا زجرته والزبرة: القطعة العظيمة من الحديد، ومنه قوله: {أية : آتوني زبر الحديد} تفسير : والزبير: الحماة. والزبرة مجتمع الشعر على كتف الأسد. وزبرت البئر إذا أحكمت طيها بالحجارة، فهو مزبور وما لفلان زبر أي عقل، والكتاب المراد به التوراة والانجيل، لأن اليهود كذبت عيسى، وما جاء به من الانجيل وحرفت ما جاء به موسى من صفة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وبدلت عهده إليهم فيه. والنصارى أيضاً جحدت ما في الانجيل من نعته وغيرت ما أمرهم فيه به. وقوله: {المنير} معناه الذي ينير، فينير الحق لمن اشتبه عليه، وهو حجة له. وإنما هو من النور، والاضاءة يقال: قد أنار لك هذا الأمر بمعنى أضاء لك وينير انارة فهو منير، وهذا قول الحسن وابن جريج والضحاك، وأكثر المفسرين. فان قيل: لم جمع بين الزبر والكتاب ومعناهما واحد؟ قلنا: لأن أصلهما مختلف، فهو زبور لما فيه من الزجر عن خلاف الحق، وهو كتاب، لأنه ضم الحروف بعضها إلى بعض، وسمي زبور داود لكثرة ما فيه من المواعظ والزواجر. فان قيل: كيف قال {فإن كذبوك، فقد كذب رسل من قبلك} وهم وان لم يكذبوه أيضاً، فقد كذب رسل من قبله؟ قلنا: لأن المعنى فقد جروا على عادة من قبلهم في تكذيب أنبيائهم إلا أنه ورد على وجه الايجاز كما تقول: إن أحسنت إليّ فقد طالما أحسنت.

الجنابذي

تفسير : {فَإِن كَذَّبُوكَ} فلا تحزن فانّ المكذّبيّة كانت سيرة الانبياء {فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا} صفة او حال بتقدير قد او مستأنف {بِٱلْبَيِّنَاتِ} المعجزات الواضحات او الموضحات الّتى هى من آثار الرّسالة ومصدّقاتها او الحجج الدّالّة على صدق رسالتهم او الاحكام القالبيّة الدّالّة على صدقهم {وَٱلزُّبُرِ} الحكم والمواعظ الّتى هى آثار الولاية الدّالاّت على حقّيّتهم وصدقهم {وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} احكام الرّسالة الّتى تضيء قلوب العاملين بها وتنير صدق الرّسل فى رسالتهم او الّتى تتّضح فى أنفسها فانّ المنير من انار وهو لازم ومتعدّ والكتاب التّدوينىّ صورة تلك الاحكام. اعلم انّ البيّنة من بان بمعنى ظهر واظهر لازم ومتعدّ تطلق على المعجزة لوضوح كونها من الله وايضاحها ما تدلّ عليه من صدق من أتى بها، وعلى احكام الرّسالة لانّها احكام القالب الظّاهرة على كلّ ذى حسّ والمظهرة لصدق من أتى بها والمظهرة طريق من عمل بها، وعلى الحجج والبراهين الدّالّة على صدق الدّعوى، وعلى الشّاهد المظهر بنطقه صدق الدّعوى، وعلى الحروف الملفوظة من اسماء الحروف، او على غير الحرف الاوّل من حروف اسماء الحروف مقابل الزّبر المطلقة على الحروف المكتوبة منها، والزّبر جمع الزّبور بالفتح بمعنى الكتاب لكنّ المراد بها هاهنا الاحكام القلبيّة وآثار الولاية من المواعظ والنّصائح والآثار الّتى تظهر للسّالكين فى طريق الولاية فانّها كلّها التّعبير عنها ليس الاّ بالكناية والاشارة كما انّ الكتابة فى الحقيقة تعبيرٌ عمّا فى القلب بنحو اشارةٍ والمراد بالكتاب هاهنا احكام الرّسالة القالبيّة.

اطفيش

تفسير : {فَإِنْ كَذَّبُوكَ}: اليهود يا محمد. {فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِكَ جَآءُوا بِالْبَيِّنَاتِ}: المعجزات الظاهرة. {وَالزُّبُرِ}: الصحف المكتوبة من زبرت بمعنى كتبت، كما قال الزجاج كصحف إبراهيم وموسى وهن ما دون الكتب الكبار، كالقرآن والتوراة والإنجيل. {وَالْكِتَابِ الْمُنِير}: جنس الكتب الكبار كالتوراة والإنجيل، والزبر: كتب الوعظ، كزبور داود وصحف إبراهيم وموسى، ثم رأيته قول ذكره القاضى، وزاد أنه من زبرته: إذا رجزته، يعنى أن الوعظ زجر من الباطل، والحمد لله والكتاب المنير: جنس كتب الحكم والوعظ والشرائع، كالتوراة والإنجيل، وقيل الزبور الكتاب المقصور على الحكم، من زبرت الشىء: إذا حبسته، والكتاب فى عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام، ولذلك جاء الكتاب والحكمة، متواطئين فى عامة القرآن والآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فى تكذيب قومه، واليهود له، والرسل المكذبون قبله، كنوح وهود وإبراهيم، ومن قبلك: نعت رسل، وجاءوا نعت آخر أو حال من المستتر فى {من قبلك}، أو من قبلك متعلق بكذب، أو جاءوا، ومعنى المنير: المضىء، شبه الهداية به بالجسم الذى له نور مضىء، كالشمس والقمر، والزبر جمع زبور، بمعنى مزبور، أى مكتوب أو بمعنى عظيم الزبر، أو كثيره أى الزجر عن الباطل أو الحكم، وقرأ ابن عامر وأهل الشام وبالزبر باعادة الجار للدلالة على أنه مغاير للبينات بالذات، وقرىء: وبالزبر وبالكتاب المنير.

الالوسي

تفسير : {فَإِن كَذَّبُوكَ } فيما جئتهم به. / {فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } جاءوا بمثل ما جئت به، والجملة جواب للشرط لكن باعتبار لازمها الذي دل عليه المقام فإنه لتسليته صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه واليهود له، واقتصر مجاهد على الثاني كأنه قيل فإن كذبوك فلا تحزن وتسل، وجعل بعضهم الجواب محذوفاً وهذا تعليلاً له ومثله كثير في الكلام. وقال عصام الملة: لا حاجة إلى التأويل، والقول بالحذف إذ المعنى إن يكذبوك فتكذيبك تكذيب رسل من قبلك حيث أخبروا ببعثتك، وفي ذلك كمال توبيخهم وتوضيح صدقه صلى الله عليه وسلم وتسلية له ليس فوقها تسلية، ونظر فيه بأن التسلية ـ على ما ذهب إليه الجمهور ـ أتم إذ عليه تكون المشاركة بينه صلى الله عليه وسلم وبين إخوانه المرسلين عليهم الصلاة والسلام في تكذيب المكذبين شفاهاً وصريحاً وعلى الثاني لا شركة إلا في التكذيب لكنه بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم شفاهي وصريح، وبالنسبة إلى المرسلين ليس كذلك، ولا شك لذي ذوق أن الأول أبلغ في التسلية، وعليه يجوز في {مِنْ } أن تتعلق ـ بكذب ـ وأن تتعلق بمحذوف وقع صفة ـ لرسل ـ أي كائنة من قبلك. وعلى الثاني: يتعين الثاني ويشعر بالأول الذي عليه الجمهور وصف الرسل بقوله سبحانه: {جَاءوا بِٱلْبَيّنَـٰتِ } أي المعجزات الواضحات الباهرات {وَٱلزُّبُرِ } جمع زبور كالرسول والرسل وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته بمعنى حسنته قاله الزجاج، وقيل: الزبر المواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ } أي الموضح أو الواضح المستنير. أخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أنه القرآن، ومعنى مجيء الرسل به مجيئهم بما اشتمل عليه من أصول الدين على ما يشير إليه قوله تعالى فيه: {أية : وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الشعراء: 196] على وجه، وعن قتادة أن المراد به الزبر والشيء يضاعف بالاعتبار وهو واحد، وقيل: المراد به التوراة والإنجيل والزبور وهو في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ولذلك جاء هو والحكمة متعاطفين في عامة المواقع، ووجه إفراد الكتاب بناءاً على القول الأول ظاهر، ولعل وجه إفراده بناءاً على القول الثاني والثالث، وإن أريد منه الجنس الصادق بالواحد والمتعدد الرمز إلى أن الكتب السماوية وإن تعدّدت فهي من بعض الحيثيات كشيء واحد. وقرأ ابن عامر ـ وبالزبر ـ بإعادة الجار للدلالة على أنها مغايرة للبينات بالذات بأن يراد بها المعجزات غير الكتب لأن إعادة العامل تقتضي المغايرة ولولاها لجاز أن يكون من عطف الخاص على العام. ومن الغريب القول بأن المراد بالبينات الحروف باعتبار أسمائها كألف ولام، وبالزبر الحروف باعتبار مسمياتها ورسمها كأب، وبالكتاب الحروف المجتمعة المتلفظ بها كلمة وكلاماً. وادعى أهل هذا القول: أن لكل من ذلك معاني وأسراراً لا يعقلها إلا العالمون فهم يبحثون عن الكلمة باعتبار لفظها وباعتبار كل حرف من حروفها المرسومة وباعتبار اسم كل حرف منها الذي هو عبارة عن ثلاثة حروف، ولا يخفى أن هذا اصطلاح لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى عليه. والظاهر من تتبع الآثار الصحيحة أنه لم يثبت فيه عن الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم شيء ودون إثبات ذلك الموت الأحمر.

الواحدي

تفسير : {فإن كذَّبوك فقد كُذِّبَ رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر} أَيْ: الكتب {والكتاب المنير} أَيْ: الهادي إلى الحقِّ. {كلُّ نفس ذائقةٍ الموت وإنما تُوَفَّونَ أجورَكم يومَ القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} أَيْ: ظفر بالخير، ونجا من الشَّرِّ {وما الحياة الدنيا} أَيْ: العيش في هذه الدَّار الفانية {إلاَّ متاع الغرور} لأنَّه يغرُّ الإِنسان بما يُمنِّيه من طول البقاء، وهو ينقطع عن قريب. {لتبلونَّ} لتختبرُنَّ أيُّها المؤمنون {في أموالكم} بالفرائض فيها {وأنفسكم} بالصَّلاة والصَّوم والحجِّ والجهاد {ولتسمعنَّ من الذين أوتوا الكتاب} وهم اليهود {ومنَ الذين أشركوا} وهم المشركون {أذىً كثيراً} بالشَّتم والتَّعيير {وإن تصبروا} على ذلك الأذى بترك المعارضة {فإنَّ ذلك من عزم الأمور} من حقيقة الإِيمان. {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب...} الآية. أخذ الله ميثاق اليهود في التَّوراة ليبيننَّ شأن محمَّد ونعته ومبعثه، ولا يخفونه، فنبذوا الميثاق ولم يعملوا به، وذلك قوله: {فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً} أَيْ: ما كانوا يأخذونه من سفلتهم برئاستهم في العلم {فبئس ما يشترون} قُبِّح شراؤهم وخسروا. {لا تحسبنَّ الذين يفرحون...} الآية. هم اليهود فرحوا بإضلال النَّاس، وبنسبة النَّاس إيَّاهم إلى العلم، وليسوا كذلك، وأَحبُّوا أن يحمدوا بالتَّمسُّك بالحقِّ، وقالوا: نحن أصحاب التَّوراة وأولو العلم القديم {فلا تحسبنَّهم بمفازة} بمنجاةٍ {من العذاب}. {ولله ملك السموات والأرض} أَيْ: يملك تدبيرهما وتصريفهما على ما يشاء. الآية والتي بعدها ذُكرت في سورة البقرة.

القطان

تفسير : الزبر: جمع زبور وهو الكتاب. فإن كذّبوك ايها النبي بعد ان جئتهم بالبينات الساطعة، والكتاب الهادي الى سواء السبيل، فلا تأسَ عليهم ولا تحزن لعنادهم وكفرهم. لقد جاء قبلك رسل كثيرون كذّبهم أقوامهم، مع انهم جاؤوهم بالأدلة الساطعة والكتب السماوية الدالة على صدق رسالتهم، فليس بالعجيب منهم ان يقاوموا دعوتك. ذلك ان نفوسهم منصرفة عن طلب الحق وتحرّي سبل الخير. قراءات: قرأ ابن عامر "وبالزبر" باعادة حرف العطف. وقرأ هشام "وبالكتاب".

د. أسعد حومد

تفسير : {جَآءُوا} {بِٱلْبَيِّنَاتِ} {وَٱلْكِتَابِ} (184) - وَيُعَزِّي اللهُ رَسُولَهُ قَائِلاً: إنْ كَذَّبَكَ هَؤُلاءِ فَلاَ يَهُمَّنَّكَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَكَ أسْوَةٌ بِمَنْ جَاءَ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ، الذِينَ جَاؤُوا المُكَذِّبِينَ مِنْ أَقْوَامِهُمْ بِالبَيِّنَاتِ والحُجَج وَالبراهينِ القَاطِعَةِ، وَالكُتُبِ المُنْزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ (الزُّبُرِ) وَالكِتَابِ الوَاضِحِ الجَلِيِّ (الكِتَابِ المُنيرِ)، وَأتَوا بالقُرْبانِ الذي تَأْكُلُهُ النَّارُ .. فَقُوبِلُوا مِنْهُمْ بِالتَّكْذِيبِ وَالمُعَانَدَةِ، وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ كَزَكَرِيّا وَيَحْيَى، وَهَذا دَلِيلٌ عَلَى أنَّهُمْ قَومٌ غِلاظُ الأكْبَادِ، قُسَاةُ القُلُوبِ، لا يُقِيمُونَ الحَقَّ، وَلا يُذْعِنُونَ لَهُ. الزُبُرِ - كُتُبِ المَوَاعِظِ وَالزَّوَاجِرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويتسامى الحق سبحانه وتعالى بروح سيدنا رسول الله إلى مرتبة العلو الذي لا يرقى إليه بشر سواه، فيقول: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ..}تفسير : [الأنعام: 33]. فالمسألة ليست مسألتك أنت إنهم يعرفون أنك يا محمد صادق لا تكذب أبداً {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأنعام: 33]. أي هذا الأمر ليس خاصاً بك بل هو راجع إليّ فلا أحد يقول عنك إنك كذّاب هم يكذبونني، الظالمون يجحدون وينكرون آياتي فالحق سبحانه يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم هنا للتسلية ويعطيه الأسوة التي تجعله غير حزين مما يفعله اليهود والمكذبون به فيقول: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} [آل عمران: 184]. ونعرف أن الشرط سبب في وجود جوابه. فإذا كان الجواب لم يأتِ فالشرط هو الذي يجعله يأتي، وإذا كان الجواب قد حصل قبل الشرط فما الحل؟. الحق يوضح: إن كذبوك يا محمد فقد كذبوا رسلاً من قبلك. أي أن "جواب الشرط" قد حصل هنا قبل الشرط وهذه عندما يتلقفها واحد من السطحيين أدعياء الإسلام، أو من المستشرقين الذين لا يفهمون مرامي اللغة فمن الممكن أن يقول: إن الجواب في هذه الآية قد حصل قبل الشرط. وهنا نرد عليه قائلين: أقوله تعالى: {فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ ..} [آل عمران: 184] هو جواب الشرط .. أم هو دليل الجواب؟ لقد جاء الحق بهذه الآية ليقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن كذبوك فلا تحزن، فقد سبقك أن كَذّب قوم رسلَهم، إنها علة لجواب الشرط، كأنه يقول: فإن كذبوك فلا تحزن. إذن فمعنى ذلك أن المذكور ليس هو الجواب، إنما هو الحيثية للجواب {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ} [آل عمران: 184] .. إلخ. وعندما نقول: "جاءني فلان بكذا" فقد يكون هو الذي أحضره، وقد يكون هو مجرد صاحب لمن جاء به. ولنضرب هذا المثل للإيضاح - ولله المثل الأعلى - فلنفترض أن موظفاً أرسله رئيسه بمظروف إلى إنسان آخر، فالموظف هو المصاحب للمظروف. إذن فالبينات جاءت من الله، لكن هؤلاء الرسل جاءوا مصاحبين ومؤيَّدين بالبينات كي تكون حُجة لهم على صدق بلاغهم عن الله، {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ} [آل عمران: 184]. أي جاءوا بالآيات الواضحة الدلالة على المراد. والآيات قد تكون لفتاً للآيات الكونية، وقد تكون المعجزات. ونعلم أن كل رسول من الرسل الذين سبقوا سيدنا رسول الله كانت معجزتهم منفصلة عن منهجهم، فالمعجزة شيء وكتاب المنهج شيء آخر. "صحف إبراهيم" فيها المنهج لكنها ليست هي المعجزة؛ فالمعجزة هي الإحراق بالنار والنجاة، وموسى عليه السلام معجزته العصا وتنقلب حية، وانفلاق البحر، لكن كتاب منهجه هو "التوراة"، وعيسى عليه السلام كتاب منهجه "الإنجيل" ومعجزته العلاج وإحياء الموتى بإذن الله، إذن فقد كانت المعجزة منفصلة عن المنهج، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن معجزته هي عين منهجه، معجزته القرآن، ومنهجه القرآن، لماذا؟ لأنه جاء رسولاً يحمل المنهج المكتمل وهو القرآن الكريم، ومع ذلك فهو صلى الله عليه وسلم الرسول الخاتم، فلا بد أن تظل المعجزة مع المنهج؛ كي تكون حُجة، إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: {جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ} [آل عمران: 184]: أي المعجزات الدالات على صدقهم. {وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} [آل عمران: 184] أي الكتب التي جاءت بالمنهج، فهم يحتاجون إلى أمرين اثنين: منهج ومعجزة. و"البينات" هي المعجزة أي الأمور البينة من عند الله وليست من عند أي واحد منهم، ثم جاء "المنهج" في {ٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} [آل عمران: 184]. ومعنى "الزِبْر": الكتاب، وما دام الشيء قد كُتب فقد "زبره" أي كَتَبَهُ، وهذا دليل على التوثيق أي مكتوب فلا ينطمس ولا يمحى فالزَّبْر الكتابة، و"الزَّبْرُ" تعني أيضاً الوعظ؛ لأنه يمنع الموعوظ أن يصنع ما عظم أي يمتنع عن الخطأ وإتيان الانحراف، و"الزَّبْرُ" أيضاً تعني العقل؛ لأنه يمنع الإنسان من أنْ يرد موارد التهلكة. والذين يريدون أن يأخذوا العقل فرصة للانطلاق والانفلات، نقول لهم: افهموا معنى كلمة "العقل"، معنى العقل هو التقييد، فالعقل يقيدك أن تفعل أي أمر دون دراسة عواقبه. والعقل من "عَقَلَ" أي ربط، كي يقال هذا، ولا يقال هذا، ويمنع الإنسان أن يفعل الأشياء التي تؤخذ عليه. و"الزبر" أيضاً: تحجير البئر؛ فعندما نحفر البئر ليخرج الماء، لا نتركه. بل نصنع له حافة من الحجر ونبنيه من الداخل بالحجارة. كي لا يُردم بالتراب وكل معاني الزبر ملتقية، فهو يعني: المكتوبات، والمكتوبات لها وصف، إنّها منيرة، وهذه الإنارة معناها أنها تبين للسالك عقبات الطريق وعراقيله، كي لا يتعثر. إذن فالحق سبحانه وتعالى يسلّي رسوله صلى الله عليه وسلم ويوضح له: لا تحزن إن كذبوك؛ فقد كذب رسل من قبلك، والرسل جاءوا بالمنهج والمعجزة، وبعد أن يعطي الله للمؤمنين ولرسول الله مناعة ضد ما يذيعه المرجفون من اليهود وضد ما يقولون، وتربية المناعة الإيمانية في النفس تقتضي أن يخبرنا الله على لسان رسوله بما يمكن أن تواجهه الدعوة؛ حتى لا تفجأنا المواجهات ويكشف لنا سبحانه بما سيقولون. وبما سيفعلونه. ونحن نفعل ذلك في العالم المادي: إذا خفنا من مرض ما كالكوليرا - مثلاً - ماذا نفعل؟ نأخذ الميكروب نفسه ونُضْعِفُه بصورة معينة ثم نحقن به السليم؛ كي نربّي فيه مناعة حتى يستطيع الجسم مقاومة المرض. ثم بعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى بقضية إيمانية يجب أن تظل على بال المؤمن دائماً. هذه القضية: إن هم كذبوك فتكذيبهم لا إلى خلود؛ لأنهم سينتهون بالموت، فالقضية معركتها موقوتة، والحساب أخيراً عند الحق سبحانه، ولذلك يقول: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ ...}.