Verse. 478 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

كُلُّ نَفْسٍ ذَاۗىِٕقَۃُ الْمَوْتِ۝۰ۭ وَاِنَّمَا تُوَفَّوْنَ اُجُوْرَكُمْ يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ۝۰ۭ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَاُدْخِلَ الْجَنَّۃَ فَقَدْ فَازَ۝۰ۭ وَمَا الْحَيٰوۃُ الدُّنْيَاۗ اِلَّا مَتَاعُ الْغُرُوْرِ۝۱۸۵
Kullu nafsin thaiqatu almawti wainnama tuwaffawna ojoorakum yawma alqiyamati faman zuhziha AAani alnnari waodkhila aljannata faqad faza wama alhayatu alddunya illa mataAAu alghuroori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كل نفس ذائقة الموت وإنما توفَّون أجوركم» جزاء أعمالكم «يوم القيامة فمن زُحزح» بعد «عن النار وأدخل الجنة فقد فاز» نال غاية مطلوبه «وما الحياة الدنيا» أي العيش فيها «إلا متاع الغرور» الباطل يتمتع به قليلا ثم يفنى.

185

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: لما أخبر جلّ وتعالى عن الباخلين وكُفرهم في قولهم: {إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} وأمر المؤمنين بالصبر على أذاهم في قوله {لَتُبْلَوُنَّ} الآية ـ بين أن ذلك مما ينقضي ولا يدوم؛ فإن أمد الدنيا قريب؛ ويوم القيامة يوم الجزاء. {ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} من الذّوق، وهذا مما لا مَحِيص عنه للإنسان، ولا محيد عنه لحيوان. وقد قال أميّة بن أبي الصلت:شعر : من لم يمت عَبْطَةً يُمت هَرَماً لِلموت كأسٌ والمرء ذائِقُها تفسير : وقال آخر:شعر : الموتُ بابٌ وكُّل الناس داخِلهُ فليتَ شِعْرِىَ بعد الباب ما الدَّار تفسير : الثانية: قراءة العامة {ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} بالإضافة. وقرأ الأعمش ويحي وابن أبي إسحاق «ذائقةٌ الموت» بالتنوين ونصب الموت. قالوا: لأنها لم تُذق بعدُ. وذلك أن اسم الفاعل على ضربين: أحدهما أن يكون بمعنى المُضِي. والثاني بمعنى الاستقبال؛ فإن أردت الأوّل لم يكن فيه إلا الإضافة إلى ما بعده؛ كقولك: هذا ضارب زيدٍ أمسِ، وقاتل بَكْرٍ أمسِ؛ لأنه يُجرى مجرى الاسم الجامد وهو العلم، نحو غلامُ زيدٍ، وصاحبُ بكْرٍ. قال الشاعر:شعر : الحافِظُو عَوْرة العشِيرة لايَأ تيهِمُ مِن وَرَائهمْ وكَفُ تفسير : وإن أردت الثاني جاز الجرّ، والنّصب والتّنوين فيما هذا سبيله هو الأصل؛ لأنه يجري مجرى الفعل المضارع. فإن كان الفعل غير متعدّ، لم يتعدّ نحو قائمٌ زيدٌ. وإن كان مُتَعدّيا عدّيته ونصبت به، فتقول: زيدٌ ضاربٌ عمروا بمعنى يضرب عمروا. ويجوز حذف التنوين والإضافة تخفيفا، كما قال المَرّار:شعر : سَلِّ الهُمومَ بِكُل مُعْطي رأسه ناجٍ مُخالِطِ صُهْبَةٍ مُتعَيسِ مُغْتَالِ أَحْبُلِه مُبِينٍ عُنْقُه في مَنْكَبٍ زَبَنَ المَطي عَرَنْدَسِ تفسير : (فحذف التنوين تخفيفا، والأصل: مُعْطٍ رأسَه بالتنوين والنصب، ومثل هذا أيضا في التنزيل قوله تعالى: {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} وما كان مثله. الثالثة: ثم ٱعلم أن للموت أسباباً وأماراتٍ؛ فمن علامات موت المؤمن عَرَقُ الجبين. أخرجه النَّسائي من حديث بُريدة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : المؤمن يموت بِعَرَق الجَبِين»تفسير : . وقد بيّناه في «التذكرة» فإذا احتُضِر لُقِن الشهادة؛ لقوله عليه السلام: «حديث : لَقِنوا موتاكم لا إله إلا الله»تفسير : لتكون آخر كلامه فيُختَم له بالشهادة؛ ولا يعاد عليه منها لئلا يضجَر. ويستحبّ قراءة «يسۤ» ذلك الوقت؛ لقوله عليه السلام: «حديث : ٱقرَءوا يسۤ على موْتاكم»تفسير : أخرجه أبو داود. وذكر الآجُرِّي في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من ميتٌ يُقرأ عنده سورة يسۤ إِلا هُوِّن عليه الموت»تفسير : . فإذا قُضي وتَبِع البصرُ الروح ـ كما أخبر صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم ـ وارتفعت العبادات: وزال التكليف، توجّهت على الأحياء أحكام؛ منها تغميضُه، وإعلامُ إخوانه الصُلحَاء بموته؛ وكَرِهه قوم وقالوا: هو من النعى. والأول أصحّ، وقد بيّناه في غير هذا الموضع. ومنها الأخذ في تجهيزه بالغسل والدّفن لِئَلا يُسرع إليه التغيرّ؛ قال صلى الله عليه وسلم لقوم أخَّروا دفن ميتهم: «حديث : عّجلوا بدفن جيفتكم»تفسير : وقال: «حديث : أسرعوا بالجنازة» تفسير : الحديث، وسيأتي. الثالثة ـ فأما غسله فهو سُنّة لجميع المسلمين حاشا الشَّهيد على ما تقدم. وقيل: غسله واجب. قاله القاضي عبد الوهاب. والأول: مذهب الكتاب، وعلى هذين القولين العلماءُ. وسبب الخلاف قوله عليه السلام لأم عطية في غسلها ابنته زينب، على مافي كتاب مسلم. وقيل: هي أم كلثوم، على ما في كتاب أبي داود: «حديث : ٱغْسِلنَهَا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رَأَيْتُنّ ذلك»تفسير : الحديث. وهو الأصل عند العلماء في غسل الموتى. فقيل: المراد بهذا الأمر بيانُ حكم الغسل فيكون واجبا. وقيل: المقصود منه تعليم كيفية الغسل فلا يكون فيه ما يدل على الوجوب. قالوا ويدّل عليه قوله: «إن رَأَيْتُن ذلك» وهذا يقتضي إخراج ظاهر الأمر عن الوجوب؛ لأنه فوّضه إلى نظرهن. قيل لهم: هذا فيه بُعدٌ؛ لأن ردّك «إن رأيتن » إلى الأمر، ليس السابق إلى الفهم بل السابق رجوع هذا الشرط إلى أقرب مذكور، وهو «أكثر من ذلك» أو إلى التخيير في الأعداد. وعلى الجملة فلا خلاف في أن غسل الميت مشروع معمول به في الشريعة لا يُترك. وصفته كصفة غسل الجنابة على ما هو معروف. ولا يجاوز السبع غسلات في غُسل الميت بإجماع؛ على ما حكاه أبو عمر. فإن خرج منه شيء بعد السبع غِسل الموضع وحده، وحكمه، وحكمه حكم الجُنب إذا أحدث بعد غسله. فإذا فرغ من غسله كفّنه في ثيابه وهي: الرابعة: والتكفين واجب عند عامة العلماء، فإن كان له مال فمن رأس ماله عند عامّة العلماء، إلا ما حكى عن طاوس أنه قال: من الثلث كان المال قليلا أو كثيرا. فإن كان الميت ممن تلزم غيره نفقته في حياته من سيّد ـ إن كان عبداً ـ أو أب أو زوج أو ٱبنٍ فعلى السيد باتفاق، وعلى الزوج والأب والابن باختلاف. ثم على بيت المال أو على جماعة المسلمين على الكفاية. والذي يتعيّن منه بتعيين الفرض سَتْرُ العورة؛ فإن كان فيه فضل غير أنه لا يعم جميع الجسد غطى رأسه ووجهه؛ إكراما لوجهه وسترا لما يظهر من تغيّر محاسنه. والأصل في هذا قصّة مُصعب بن عُمير، فإنه ترك يوم أحد نَمِرة كان إذا غُطِّي رأسه خرجت رجلاه، وإذا غُطِّي رجلاه خرج رأسه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ضَعوها مما يلي رأسَه وٱجعلوا على رجليه من الإذخر» تفسير : أخرج الحديث مسلم. والوتر مستحب؛ عند كافة العلماء في الكَفن، وكلهم مجمعون على أنه ليس فيه حَدّ. والمستحب منه البياض؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفّنوا فيها موتاكم»تفسير : أخرجه أبو داود. وكُفّن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية من كُرْسُف. والكفن في غير البياض جائز إلا أن يكون حريرا أو خَزَّا. فإن تشاحّ الورثة في الكفن قضي عليهم في مثل لباسه في جُمعته وأعياده؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كَفّن أحدكُم أخاه فَلْيُحسِّن كفنه»تفسير : أخرجه مسلم. إلا أن يوصي بأقل من ذلك. فإن أوصى بسَرفٍ قيل: يبطل الزائد. وقيل: يكون في الثلث. والأول أصح.؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُوا}. وقال أبو بكر: إنه للمهلة. فإذا فرغ من غسله وتكفينه ووُضع على سريره وٱحتمله الرجال على أعناقهم وهي: الخامسة: فالحكم الإسراع في المشي؛ لقوله عليه السلام: «حديث : أسرعوا بالجنازة فإن تَكُ صالحةً فخيرٌ تُقدِّمونها إليه وإن تكن غير ذلك فشرّ تضعونه عن رقابكم»تفسير : . لا كما يفعله اليوم الجهّال في المشي رُويدا، والوقوف بها المرّةَ بعد المرّة، وقراءة القرآن بالألحان إلى ما لا يحل ولا يجوز حسب ما يفعله أهل الديار المصرية بموتاهم. روى النَّسائي: أخبرنا محمد بن عبدالأعلى قال حدّثنا خالد قال أنبأنا عُيينة بن عبد الرحمن قال حدّثني أبي قال: شَهدت جنازة عبد الرحمٰن بن سَمُرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير، فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون: رُويدا رُويدا، بارك الله فيكم! فكانوا يَدِبُونَ دبيبا، حتى إذا كنا ببعض طريق المِرْبَد لحقنا أبو بكرة رضي الله عنه على بغلة فلما رأى الذين يصنعون حمل عليهم ببغلته وأهوى إليهم بالسَّوْط فقال: خلوا! فوالذي أكرم وجه أبي القاسم صلى الله عليه وسلم لقد رأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنها لنكاد نرمُل بها رَمْلاً، فانبسط القومُ. وروى أبو ماجدة حديث : عن ابن مسعود قال: سألنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن المشي مع الجنازة فقال: «دون الخبَبَ إن يكن خيرا يَعجّل إليه وإن يكن غير ذلك فبعداً لأهل النار» تفسير : الحديث. قال أبو عمر: والذي عليه جماعة العلماء في ذلك الإسراع فوق السجيّة قليلا، والعجلة أحبّ إليهم من الإبطاء. و يكره الإسراع الذي يَشقّ على ضعَفة الناس ممن يتبعها. وقال إبراهيم النَّخَعي: بَطِّئوا بها قليلا ولا تَدِبُّوا دبيب اليهود والنصارى. وقد تأوّل قوم الإسراع في حديث أبي هريرة تعجيل الدفن لا المشي، وليس بشيء لما ذكرنا. وبالله التوفيق. السادسة: وأما الصلاة عليه فهي واجبَة على الكفاية كالجهاد. وهذا هو المشهور من مذاهب العلماء. مالك وغيره. حديث : لقوله صلى الله عليه وسلم في النجاشي: «قوموا فصلّوا عليه»تفسير : . وقال أصْبغ: إنها سُنة. ورُوي عن مالك. وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في «براءة». السابعة: وأمّا دفنه في التراب ودسه وسَتره فذلك واجب؛ لقوله تعالى: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} تفسير : [المائدة: 31]. وهناك يذكر حكم بنيان القبر وما يستحب منه، وكيفية جعل الميت فيه. ويأتي في «الكهف» حكم بناء المسجد عليه، إن شاء الله تعالى. فهذه جملة من أحكام الموتى وما يجب لهم على الأحياء. وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تسبّوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدّموا»تفسير : أخرجه مسلم. وفي سُنن النسَّائي عنها أيضاً قالت: ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم هالكٌ بسوء فقال: «حديث : لا تذكروا هَلْكاكم إلا بخير».تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} فأجْرُ المؤمن ثواب، وأجر الكافر عقاب، ولم يعتدّ بالنعمة والبلية في الدنيا أجراً وجزاء؛ لأنها عرصةَ الفناء. {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ} أي أُبعِدَ. {وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} ظَفِر بما يرجو، ونجا مما يخاف. وروى الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من سَرّه أن يُزَحزَح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيّته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يُحب أن يُؤتى إليه»تفسير : . عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةِ فَقَدْ فَازَ}».تفسير : {وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} أي تَغرّ المؤمنَ وتَخدَعُه فَيظُن طول البقاء وهي فانية. والمتاع ما يُتمتع به وينتفع؛ كالفأس والقِدْر والقَصعة ثم يزول ولا يبقى ملكه؛ قاله أكثر المفسرين. قال الحسن: كخضرة النبات، ولعب البنات لا حاصل له. وقال قَتادة: هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها؛ فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع. ولقد أحسن من قال:شعر : هي الدارُ دار الأذى والقَذَى ودارُ الفناء ودارُ الغِيرَ فلو نلتَها بحذافيرها لمُتّ ولم تَقْض منها الوَطَرْ أيَا مَن يؤمّل طولَ الخلود وطُولُ الخلود عليه ضَرَرْ إذا أنت شِبْت وبان الشَباب فلا خير في العيش بعد الكِبَر تفسير : والغَرور (بفتح الغين) الشيطان؛ يَغُر الناس بالتّمنية والمواعيد الكاذبة. قال ابن عرفة: الغرور ما رأيتَ له ظاهراً تّحبه، وفيه بَاطِن مكروه أو مجهول. والشيطان غَرور؛ لأنه يحمل على محاب النفس، ووراء ذلك ما يسوء. قال: ومن هذا بيع الغَرَر، وهو ما كان له ظاهرُ بيع يَغُرّ وباطنٌ مجهول.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى إخباراً عاماً يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ}تفسير : [الرحمن: 26 ـ 27] فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت، والجن والإِنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخراً كما كان أولاً، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإِنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإِذا انقضت المدة، وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم، وانتهت البرية، أقام الله القيامة، وجازى الخلائق بأعمالها؛ جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحداً مثقال ذرة، ولهذا قال تعالى: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا علي بن أبي علي الهاشمي عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} إِن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله فثقوا، وإِياه فارجوا، فإِن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال جعفر بن محمد: فأخبرني أبي أن علي بن أبي طالب قال: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر عليه السلام. وقوله: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} أي: من جنب النار، ونجا منها، وأدخل الجنة، فقد فاز كل الفوز. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئتم {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}»تفسير : هذا حديث ثابت في الصحيحين، من غير هذا الوجه بدون هذه الزيادة، وقد رواه بدون هذه الزيادة أبو حاتم، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن عمرو هذا، ورواه ابن مردويه من وجه آخر، فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، أنبأنا حميد بن مسعدة، أنبأنا عمرو بن علي عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها»تفسير : قال: ثم تلا هذه الآية: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}تفسير : [آل عمران: 102] ما رواه الإمام أحمد عن وكيع عن الأعمش، عن زيد بن وهب. عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أحب أن يزحزح عن النار، وأن يدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه»تفسير : . وقوله تعالى: {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ} تصغير لشأن الدنيا، وتحقير لأمرها، وأنها دنيئة فانية، قليلة زائلة، كما قال تعالى: {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ }تفسير : [الأعلى: 16 ـ 17] وقال تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} وفي الحديث: «حديث : والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع إليه»تفسير : وقال قتادة في قوله تعالى: {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ} قال: هي متاع متروكة أوشكت والله الذي لا إله إلا هو ـــ أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. وقوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِىۤ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} كقوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ}تفسير : [البقرة: 155] إلى آخر الآيتين، أي: لا بد أن يبتلى المؤمن في شي من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسلياً لهم عما نالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمراً لهم بالصفح والصبر والعفو حتى يفرج الله، فقال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبره، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم، هكذا ذكره مختصراً، وقد ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية مطولاً، فقال: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد، حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد ابن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مر على مجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان وأهل الكتاب اليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وقف، فنزل، ودعاهم إلى الله عز وجل، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً، فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟»تفسير : يريد عبد الله بن أبي، قال: كذا وكذا، فقال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالله الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله، شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} الآية، وقال تعالى: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}تفسير : [البقرة: 109] الآية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن له فيهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال عبد الله بن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وأسلموا. فكل من قام بحق، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، فلا بد أن يؤذى، فما له دواء إلا الصبر في الله، والاستعانة بالله، والرجوع إلى الله عز وجل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } جزاء أعمالكم {يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَمَن زُحْزِحَ } بُعِّدَ {عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } نال غاية مطلوبه {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } أي العيش فيها {إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ } الباطل يُتمتَّع به قليلاً ثم يفنى.

الشوكاني

تفسير : قوله: {ذَائِقَةُ } من الذوق، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:شعر : مَن لَمْ يَمُت غَبْطة يَمُتْ هَرَماً المَوت كَأسٌ والمرءُ ذَائِقُها تفسير : وهذه الآية تتضمن الوعد، والوعيد للمصدق، والمكذب بعد إخباره، عن الباخلين القائلين {إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء }. وقرأ الأعمش، ويحيـى بن وثاب، وابن أبي إسحاق: {ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } بالتنوين ونصب الموت. وقرأ الجمهور بالإضافة. قوله: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أجر المؤمن: الثواب، وأجر الكافر: العقاب، أي: أن توفية الأجور، وتكميلها إنما تكون في ذلك اليوم، وما يقع من الأجور في الدنيا، أو في البرزخ، فإنما هو بعض الأجور، والزحزحة: التنحية، والإبعاد: تكرير الزح، وهو الجذب بعجلة، قاله في الكشاف، وقد سبق الكلام عليه، أي: فمن بعد عن النار يومئذ، ونحى، فقد فاز، أي: ظفر بما يريد، ونجا مما يخاف، وهذا هو الفوز الحقيقي الذي لا فوز يقاربه، فإن كل فوز، وإن كان بجميع المطالب دون الجنة ليس بشيء بالنسبة إليها، اللهم لا فوز إلا فوز الآخرة، ولا عيش إلا عيشها، ولا نعيم إلا نعيمها، فاغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وارض عنا رضاً لا سخط بعده، واجمع لنا بين الرضا منك علينا، والجنة. والمتاع: ما يتمتع به الإنسان، وينتفع به، ثم يزول، ولا يبقى كذا قال أكثر المفسرين. الغرور: الشيطان يغرّ الناس بالأماني الباطلة، والمواعيد الكاذبة، شبه سبحانه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على من يريده، وله ظاهر محبوب، وباطن مكروه. قوله: {لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمته تسلية لهم عما سيلقونه من الكفرة، والفسقة؛ ليوطنوا أنفسهم على الثبات، والصبر على المكاره. والابتلاء: الامتحان، والاختبار، والمعنى: لتمتحننّ، ولتختبرنّ في أموالكم بالمصائب، والإنفاقات الواجبة، وسائر التكاليف الشرعية المتعلقة بالأموال. والابتلاء في الأنفس بالموت، والأمراض، وفقد الأحباب، والقتل في سبيل الله. وهذه الجملة جواب قسم محذوف دلت عليه اللام الموطئة {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } وهم: اليهود والنصارى. {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } وهم سائر الطوائف الكفرية من غير أهل الكتاب: {أَذًى كَثِيراً } من الطعن في دينكم، وأعراضكم، والإشارة بقوله: {فَإِنَّ ذٰلِكَ } إلى الصبر، والتقوى المدلول عليهما بالفعلين. وعزم الأمور: معزوماتها، أي: مما يجب عليكم أن تعزموا عليه لكونه عزمة من عزمات الله التي أوجب عليهم القيام بها، يقال عزم الأمر، أي: شدّه، وأصلحه. قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } هذه الآية توبيخ لأهل الكتاب وهم: اليهود والنصارى، أو اليهود فقط على الخلاف في ذلك، والظاهر أن المراد بأهل الكتاب: كل من آتاه الله علم شيء من الكتاب، أيُّ كتاب كان، كما يفيده التعريف الجنسي في الكتاب. قال الحسن، وقتادة: إن الآية عامة لكل عالم، وكذا قال محمد بن كعب، ويدل على ذلك قول أبي هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية، والضمير في قوله: {لَتُبَيّنُنَّهُ } راجع إلى الكتاب، وقيل: راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يتقدّم له ذكر؛ لأن الله أخذ على اليهود والنصارى أن يبينوا نبوته للناس، ولا يكتموها {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ }. وقرأ أبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وأهل المدينة: «ليبيننه» بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالمثناة الفوقية. وقرأ ابن عباس: "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتنيننه" ويشكل على هذه القراءة قوله: {فَنَبَذُوهُ } فلا بد من أن يكون فاعله الناس. وفي قراءة ابن مسعود: «لتبينونه» والنبذ: الطرح، وقد تقدّم في البقرة: {وَرَاء ظُهُورِهِمْ } مبالغة في النبذ، والطرح، وقد تقدّم أيضاً معنى قوله: {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } والضمير عائد إلى الكتاب الذي أمروا ببيانه، ونُهوا عن كتمانه، وقوله: {ثَمَناً قَلِيلاً } أي: حقيراً يسيراً من حطام الدنيا، وأعراضها، قوله: {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } "ما" نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس، ويشترون صفة، والمخصوص بالذم محذوف، أي: بئس شيئاً يشترونه بذلك الثمن. قوله: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ } قرأ الكوفيون بالتاء الفوقية، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له. وقوله: {بِمَا أَتَوْاْ } أي: بما فعلوا. وقد اختلف في سبب نزول الآية، كما سيأتي، والظاهر شمولها لكل من حصل منه ما تضمنته عملاً بعموم اللفظ، وهو المعتبر دون خصوص السبب، فمن فرح بما فعل، وأحب أن يحمده الناس بما لم يفعل، فلا تحسبنه بمفازة من العذاب. وقرأ نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو: «لا يحسبنّ» بالياء التحتية، أي: لا يحسبن الفارحون فرحهم منجياً لهم من العذاب، فالمفعول الأوّل محذوف، وهو فرحهم، والمفعول الثاني بمفازة من العذاب. وقوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } تأكيد للفعل الأوّل على القراءتين، والمفازة: المنجاة، مفعلة من فاز يفوز إذا نجا، أي: ليسوا بفائزين، سمي موضع الخوف مفازة على جهة التفاؤل قاله الأصمعي. وقيل: لأنها موضع تفويز، ومظنة هلاك، تقول العرب: فوّز الرجل إذا مات. قال ثعلب: حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي، فقال: أخطأ. قال لي أبو المكارم: إنما سميت مفازة؛ لأن من قطعها فاز. وقال ابن الأعرابي: بل؛ لأنه مستسلم لما أصابه. وقيل المعنى: لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب؛ لأن الفوز التباعد عن المكروه. وقرأ مروان بن الحكم، والأعمش، وإبراهيم النخعي: «آتوا» بالمد، أي: يفرحون بما أعطوا. وقرأ جمهور القراء السبعة، وغيرهم {أتوا} بالقصر. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن حبان، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا إن شئتم: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ }»تفسير : . وأخرج ابن مردويه، عن سهل بن سعد مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الزهري في قوله: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ ومن الذين أشركوا} قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرّض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في شعره. وأخرج ابن المنذر، من طريق الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في الآية قال: يعني: اليهود والنصارى، فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30]، ومن النصارى قولهم: {أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأمُورِ } قال: من القوة مما عزم الله عليه، وأمركم به. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } قال: فنحاص، وأشيع، وأشباههما من الأحبار. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } قال: كان الله أمرهم أن يتبعوا النبي الأميّ. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال: في التوراة والإنجيل أن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمداً رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، والإنجيل، فنبذوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في الآية قال: هم اليهود: {لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } قال: محمداً صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، عن السدي مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال: هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم علماً، فليعلمه للناس، وإياكم وكتمان العلم، فإن كتمان العلم هلكة. وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما؛ أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كل امريء منا فرح بما أوتي وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذباً؛ لَنُعذَّبنّ أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما أنزلت في أهل الكتاب، ثم تلا: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } الآية، قال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا، وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه. وفي البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري: أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت. وقد روي: أنها نزلت في فنحاص، وأشيع، وأشباههما. وروي أنها نزلت في اليهود. وأخرج مالك، وابن سعد، والطبراني، والبيهقي في الدلائل، عن محمد بن ثابت أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال: حديث : لم؟ تفسير : قال: قد نهانا الله أن نحبّ أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحبّ الحمد، ونهانا عن الخيلاء، وأجدني أحب الجمال، ونهانا أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا رجل جهير الصوت، فقال: حديث : يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة؟ تفسير : فعاش حميداً، وقتل شهيداً يوم مسيلمة الكذاب. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك في قوله: {بِمَفَازَةٍ } قال بمنجاة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد مثله.

ابن عطية

تفسير : والمعنى: كل نفس مخلوقة حية، والذوق هنا: استعارة {وإنما} حاصرة على التوفية التي هي على الكمال، لأن من قضي له بالجنة فهو ما لم يدخلها غير موفى، وخص تعالى ذكر "الأجور" لشرفها وإشارة مغفرته لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته، ولا محالة أن المعنى: أن يوم القيامة تقع توفية الأجور وتوفية العقاب، و {زحزح} معناه: أبعد، والمكان الزحزح: البعيد، وفاز معناه: نجا من خطره وخوفه، و {الغرور}، الخدع والترجية بالباطل، والحياة الدنيا وكل ما فيها من الأموال فهي متاع قليل تخدع المرء وتمنيه الأباطيل وعلى هذا فسر الآية جمهور من المفسرين، قال عبد الرحمن بن سابط: {متاع الغرور} كزاد الراعي يزود الكف من التمر أو الشيء من الدقيق يشرب عليه اللبن، قال الطبري: ذهب إلى أن متاع الدنيا قليل لا يكفي من تمتع به ولا يبلغه سفره. قال القاضي: و {الغرور} في هذا المعنى مستعمل في كلام العرب، ومنه قولهم في المثل: غش ولا تغتر، أي لا تجتز بما لا يكفيك، وقال عكرمة: {متاع الغرور}، القوارير أي لا بد لها من الانكسار والفساد، فكذلك أمر الحياة الدنيا كله، وهذا تشبيه من عكرمة، وقرأ عبد الله بن عمر "الغَرور" بفتح الغين، وقرأ أبو حيوة والأعمش: {ذائقة} بالتنوين {الموت} بالنصب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، حديث : لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها تفسير : ، ثم تلا هذه الآية.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ...} الآية: وعْظٌ فيه تسليةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولأمته عن أمْرِ الدُّنْيا وأهلِها، ووَعْدٌ بالفلاحِ في الآخرةِ؛ فبالفكْرة في المَوْت يَهُونُ أمر الكُفَّار وتكذيبُهم، {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ}، أي: على الكمالِ، ولا محَالَة أنَّ يوم القيامةِ تَقَعُ فيه توفيةُ الأجور، وتوفيةُ العُقُوبات، و {زُحْزِحَ}: معناه: أبعد، والمَكَانُ الزَّحْزَاحُ: البعيدُ، {وفَازَ}: معناه: نَجَا من خَطَره وخَوْفه، و {ٱلْغُرُورِ}: الخَدْعُ، والتَّرْجِيَةُ بالباطل والحياةِ الدنيا، وكلُّ ما فيها من الأموالِ هي متاعٌ قليلٌ يخدَعُ المرء، ويمنِّيه الأباطيلَ؛ وعلَىٰ هذا فسَّر الآيةَ جمهورُ المفسِّرين، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»تفسير : ، ثم تَلاَ هذه الآيةَ، قُلْتُ: وأسند أبو بَكْر بْنُ الخَطِيبِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَا سَكَنَ حُبُّ الدُّنْيَا قَلْبَ عَبْدٍ قَطُّ إلاَّ ٱلْتَاطَ مِنْهَا بِخِصَالٍ ثَلاَثٍ: أَمَلٌ لاَ يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ، وَفَقْرٌ لاَ يُدْرِكُ غِنَاهُ، وَشُغْلٌ لاَ يَنْفَكُّ عَنَاهُ»تفسير : . انتهى.

ابن عادل

تفسير : والمرادُ بهذه الآية - زيادة تأكيد التسليةِ والمبالغةِ في إزالة الحُزْنِ عن قلبه؛ لأن مَنْ علم أن عاقبته الموت زالت عن قلبه الغموم والأحزان، ولأن بعد هذه الدار داراً يتميز فيها المُحْسِن من المُسِيء، [والمُحِقُّ من المُبْطِل]. قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} مبتدأ وخبر، وسوَّغَ الابتداء بالنكرة العموم والإضافة. والجمهور على "ذَائِقَةٌ المَوْتِ" - بخَفْض "الْمَوْتِ" - بالإضافة، وهي إضافة غير محضة؛ لأنها في نية الانفصالِ. وقرأ اليزيديُّ "ذَائِقةٌ الْمَوْتَ" بالتنوين والنَّصْب في "الْمَوْتِ" على الأصل. وقرأ الأعمشُ بعدم التنوين ونَصْب "الْمَوْت" وذلك على حَذْف التنوين؛ لالتقاء الساكنين وإرادته وهو كقول الشاعرِ: [المتقارب] شعر : 1704- فأَلْقَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتَبٍ وَلاَ ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلا تفسير : - بنصب الجلالة - وقراءة مَنْ قرأ {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ} تفسير : [الإخلاص: 1، 2] - بحذف التنوين من "أحَدٌ" لالتقاء الساكنين. [ونقل] أبو البقاء - فيها - قراءةً غريبةً، وتخريجاً غريباً، قال: وتقرأ شاذاً - أيضاً - ذَائِقُهُ الْمَوْتُ على جعل الهاء ضمير "كل" على اللفظ، وهو مبتدأ وخبرٌ، وإذا صحت هذه قراءةً فتكون "كل" مبتدأ، و "ذَائِقُهُ" خبر مقدَّم، و "الْمَوْتُ" مبتدأ مؤخرٌ، والجملة خبر "كُلّ" وأضيف "ذائق" إلى ضمير "كل" باعتبار لفظها، ويكون هذا من باب القلب في الكلام؛ لأن النفس هي التي تذوق الموت وليس الموت يذوقها، وهنا جعل الموت هو الذي يذوق النفس، قَلْباً للكلامِ؛ لفهم المعنى، كقولهم: عَرَضْتُ الناقة على الحوض، ومنه قوله: {أية : وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ} تفسير : [الأحقاف: 34] وقولك: أدخلت القلنسوة في رأسي. وقول الشَّاعرِ: [البسيط] شعر : 1705- مِثْلُ القَنَافِذِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ نَجْرَانَ، أوْ بَلَغَتْ سَوْآتِهِمْ هَجَرُ تفسير : الأصل: عرضت الحوض على الناقة، ويوم تُعْرَض النار على الذين كفروا، وأدخلت رأسي في القلنسوة، وبلغت سوآتهم هَجَرَ، فقلبت. وسيأتي خلافُ النّاسِ في القلب في موضعه إن شاء الله - تعالى -. وكان أبو البقاء قد قَدَّم قبل هذا التأنيث في "ذائقة" إنما هو باعتبار معنى "كلٍّ" قال: "لأن كل نفس نفوس، فلو ذكر على لفظ "كل" جاز، يعني أنه لو قيل: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ} جاز، وقد تَقَدَّمَ أول البقرة أنه يجب [اعتبار] لفظ ما يُضافُ إليه إذا كان نكرة ولا يجوز أن يعتبر "كل" وتحقيق هذه المسألةِ هناك. فصل قال ابنُ الخطيبِ: هذه الآية من تمام التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إما بأن غموم الدنيا يقطعها الموتُ، وما كان كذلك لا ينبغي للعاقل أن يَلْتَفِتَ إليه. وإما لأن بعد هذه الدار داراً يتميز فيها المُحْسِن من المُسِيء، فلا يُلْتَفَت إلى غَمِّ الدنيا وبُؤْسِها. فإن قيل: قوله تعالى: {أية : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} تفسير : [المائدة: 116] يقتضي الاندراج، وأيضاً فالنفس والذات واحد، فتدخل الجمادات لأنهم ذوات، ويقتضي موت أهلِ الجَنَّةِ؛ لأنهم نفوس. فالجوابُ: أنّ المُرَادَ: المكلَّفون في دار التكليف، لقوله، عقبيها: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} وذلك لا يتأتَّى إلا فيهم. فصل قالت الفلاسفةُ: الموت واجب للأجسامِ؛ لأن الحياةَ الجسمانيةَ إنما تحصل بالرطوبةِ والحرارةِ الغريزيتين، ثم إن الحرارةَ تستمد من الرطوبة إلى أن تفنى، فيحصل الموتُ قالوا: والآية تدل على أن النفوس لا تموت؛ لأنه جعلها ذائقة، والذائق لا بد أن يبقى حال الذوق والمعنى: ذائقة موت البدنِ، ويدل ذلك - أيضاً - على أنَّ النفسَ غير البدن. قوله: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ} "ما" كافة لـِ "إن" عن العمل، قال مكيٌّ: "ولا يحسبن أن تكون "ما" بمعنى الذي، لأنه يلزم رفع "أجورُكم" ولم يقرأ به أحَدٌ، ولأنه يصير التقدير: وأن الذي توفَّوْنَهُ أجوركم، كقولك: إنّ الذي أكرمته عمرو، وأيضاً فإنك تفرق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء". يعني لو كانت "ما" موصولة لكانت اسم "إن" فيلزم - حينئذٍ - رفع "أجوركم" على أنه خبرها، كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ} تفسير : [طه: 69] فـ "ما" - هنا - يجوز أن تكون بمعنى الذي، أو مصدرية، تقديره: إنَّ الذي صنعوه، أو إن صُنْعَهم، ولذلك رفع "كَيْدُ"، خبرها. وقوله: وأيضاً فإنك تفرق...، يعني أن "يَوْمَ الْقِيَامَة" متعلق بـ "تُوَفَّوْنَ" فهو من تمام الصلة فلو كانت "ما" موصولة لفصلت بالخبر - الذي هو "أجُوركُم" - بين أبعاض الصلة - التي هي الفعل ومعموله - ولا يُخْبَر عن موصول إلا بعد تمام صلته، وهذا وإن كان من الواضحات، إلا أن فيه تنبيهاً على أصول العلم. فصل قال المفسّرون: أجر المؤمنِ الثوابُ، وأجرُ الكافر العقابُ، ولم يعتد بالنعمة في الدنيا - أجراً وجزاء - لأنها عُرْضَةٌ للفناء. قوله: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ} أدغم أبو عمرو الحاء في العين، قالوا: لطول الكلمة، وتكرير الحاء، دون قوله: {أية : ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} تفسير : [المائدة: 3] وقوله: {أية : ٱلْمَسِيحُ عِيسَى} تفسير : [آل عمران: 45] ونُقِل عنه الإدغامُ مطلقاً، وعدمه مطلقاً والنحويون يمنعون ذلك، ولا يُجيزونه إلا بعد أن يقلبوا العين حاء ويُدْغِموا الحاء فيها، قالوا: لأن الأقوى لا يُدْغَم في الأضْعَف، وهذا عكس الإدغامِ، أن تقلب فيه الأول للثاني إلا في مسألتين: إحداهما: هذه، والثانية: الحاء في الهاء، نحو: امدح حلالاً - بقلب الهاء حاء أيضاً - ولذلك طعن بعضهم على قراءةِ أبي عمرو، ولا يُلْتَفَت إليه.. ومعنى الكلام، {فَمَن زُحْزِحَ} أي: نُحِّي وأزيل عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. قوله: {وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} المتاع: ما يتَمَتَّع به، وينتفع [به الناسُ - كالقِدْرِ] والقصعة - ثم يزول ولا يبقى قاله أكثرُ المفسّرين. وقال الحَسَن: هو كخضرة النبات، ولعب البنات، ولا حاصل له. وقال قتادة: هي متاع متروك: يوشك أن يضمحِلَّ، فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله - تعالى - ما استطاع. وقوله: "الْغُرور" يجوز أن يكون مصدراً من قولك: غَرَرْتَ فلاناً غُرُوراً، شبه بالمتاع الذي يُدَلس به على المستام، ويغر عليه حتى يشتريه، ثم يظهر فَسَادُهُ لَهُ، ومنه الحديث: "حديث : نهى عن بيع الغرر" تفسير : ويجوز أن يكون جَمْعاً. وقرأ عبد الله لفتح الغين وفسرها بالشيطان أن يكون فَعُولاً بمعنى مفعول، أي: متاع الغُرُور، أي: المخدوع: وأصل الغَرَر: الخدع. قال سعيدُ بن جُبَيْرٍ: هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة، وأما مَنْ طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ.

ابو السعود

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ} وعدٌ ووعيدٌ للمصدِّق والمكذبِ، وقرىء ذائقةٌ الموتَ بالتنوين وعدمِه كما في قوله: ولا ذاكرٌاً الله إلا قليلاً {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ} أي تُعطَوْن جزاءَ أعمالِكم على التمام والكمالِ {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي يوم قيامِكم من القبور، وفي لفظ التوفيةِ إشارةٌ إلى أن بعضَ أجورِهم يصل إليهم قبله كما ينبىء عنه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : القبرُ روضةٌ من رياض الجنة أو حُفرةٌ من حُفَر النيرانِ» تفسير : {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ} أي بعُد عنها يومئذ ونجا والزحزحةُ في الأصل تكريرُ الزحِّ وهو الجذبُ بعجلة {وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} بالنجاة ونيلِ المرادِ والفوزِ الظفر بالبُغية وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أحب أن يُزَحْزحَ عن النار ويدْخَلَ الجنةَ فلتُدْرِكْه منيّتُه وهو يؤمن بالله واليومِ الآخِر ويأتي إلى الناس بما يحب أن يُؤتىٰ إليه»تفسير : {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} أي لذاتها وزخارفُها {إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ} شبِّهت بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويُغَرّ حتى يشتريَه، وهذا لمن آثرها على الآخرة فأما من طلب بها الآخِرةَ فهي له متاعٌ بلاغٌ، والغُرور إما مصدرٌ أو جمعُ غار {لَتُبْلَوُنَّ} شروعٌ في تسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وممن معه من المؤمنين عما سيلقَوْنه من جهة الكفرةِ من المكاره إثرَ تسليتِهم عما قد وقع منهم ليوطِّنوا أنفسَهم على احتماله عند وقوعِه ويستعدوا للقائه ويقابلوه بحسن الصبرِ والثباتِ، فإن هجومَ الأوجالِ مما يزلزل أقدامَ الرجالِ وللاستعدادِ للكروب مما يهوِّن الخطوبَ، وأصلُ البلاء الاختبارُ أي تُطلب الخِبرةُ بحال المُختَبِر بتعريضه لأمر يشُقُّ عليه غالباً ملابستُه ومفارقتُه، وذلك إنما يُتصورُ حقيقةً مما لا وقوفَ له على عواقب الأمورِ، وأما من جهة العليم الخبـيرِ فلا يكونُ إلا مجازاً من تمكينه للعبدِ من اختيار أحدِ الأمرين أو الأمورِ قبل أن يرتب عليه شيئاً هو من مباديه العاديةِ كما مر، والجملةُ جوابُ قسمِ محذوف أي والله لتُبلونَّ أي لتعامَلُن معاملةَ المُختبَرِ ليَظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأعمالِ الحسنة. وفائدةُ التوكيدِ إما تحقيقُ معنى الابتلاءِ تهويناً للخطب وإما تحقيقُ وقوعِ المبتلىٰ به مبالغةً في الحث على ما أريد منهم من التهيؤ والاستعدادِ {فِى أَمْوٰلِكُمْ} بما يقع فيها من ضروب الآفاتِ المؤديةِ إلى هلاكها، وأما إنفاقُها في سبـيل الخيرِ مطلقاً فلا يليق نظمُه في سلك الابتلاءِ لما أنه من باب الإضعافِ لا من قبـيل الإتلافِ {وأَنفُسَكُمْ} بالقتل والأسرِ والجراحِ وما يرِدُ عليها من أصناف المتاعبِ والمخاوفِ والشدائدِ ونحوِ ذلك، وتقديمُ الأموالِ لكثرة وقوعِ الهلكةِ فيها {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} أي من قبل إيتائِكم القرآنَ وهم اليهودُ والنصارى، عبّر عنهم بذلك للإشعار بمدار الشقاقِ والإيذان بأن بعضَ ما يسمعونه منهم مستنِدٌ على زعمهم إلى الكتاب كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} تفسير : [آل عمران، الآية 183] الخ، والتصريحُ بالقَبْلية لتأكيد الإشعارِ وتقويةِ المدارِ فإن قِدَمَ نزولِ كتابِهم مما يؤيد تمسّكَهم به {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً} من الطعن في الدين الحنيف والقدحِ في أحكام الشرعِ الشريفِ وصدِّ من أراد أن يؤمِنَ وتخطئةِ من آمن، وما كان من كعب بنِ الأشرفِ وأضرابِه من هجاء المؤمنين وتحريضِ المشركين على مضادة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ونحوِ ذلك مما لا خير فيه {وَإِن تَصْبِرُواْ} أي على تلك الشدائد والبلوى عند ورودِها وتقابلوها بحسن التجمُّل {وَتَتَّقُواْ} أي تَبَتَّلوا إلى الله تعالى بالكلية معرضين عما سواه بالمرة بحيث يتساوى عندكم وصولُ المحبوب ولقاءُ المكروه {فَإِنَّ ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى الصبر والتقوى، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتِهما وبُعدِ منزلتِهما، وتوحيدُ حرفِ الخطابِ إما باعتبار كلِّ واحدٍ من المخاطبـين وإما لأن المرادَ بالخطاب مجرد التنبـيه من غير ملاحظةِ خصوصيةِ أحوالِ المخاطبـين {مِنْ عَزْمِ ٱلأمُورِ} من معزوماتها التي يتنافس فيها المتنافسون أي مما تجب أن يعزِمَ عليه كلُّ أحدٍ لما فيه من كمال المزيَّةِ والشرفِ أو مما عزَم الله تعالى عليه وأمر به وبالغَ فيه، يعني أن ذلك عزمةٌ من عَزَمات الله تعالى لا بد أن تصبِروا وتتقوا، والجملةُ تعليلٌ لجواب الشرطِ واقعٌ موقِعَه كأنه قيل: وإن تصبروا وتتقوا فهو خيرٌ لكم أو فافعلوا أو فقد أحسنتم أو فقد أصبتم فإن ذلك الخ، ويجوزُ أن يكون ذلك إشارةً إلى صبر المخاطَبـين وتقواهم، فالجملةُ حينئذٍ جوابُ الشرط، وفي إبراز الأمرِ بالصبر والتقوى في صورة الشرطيةِ من إظهار كمالِ اللطفِ بالعباد ما لا يخفى.

القشيري

تفسير : أي كأسُ الموت توضع على كفِّ كلِّ حيٍّ فمن تحلاَّها طيِّبَةً نفُسه أوْرَثَتْهُ سُكْرَ الوَجْد، ومن تجرَّعَها على وجه التعبس، وقع في وهْدَةِ الرّدِّ، وَوُسِمَ بِكَيِّ الصَّدّ، ثم يوم القيامة: فمن أُجِير من النار وصل إلى الراحة الكبرى، ومن صُلِّيَ بالسعير وقع في المحنة الكبرى. {وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ}: لأن ما هو آتِ فقريبٌ.

اسماعيل حقي

تفسير : {كل نفس ذائقة الموت} اى تخرج وتنفك من البدن بادنى شىء من الموت فكنى بالذوق عن القلة وهو وعد ووعيد للمصدق والمكذب من حيث انه كناية عن ان هذه الدار بعدها دار اخرى يتميز فيها المحسن من المسيىء ويتوفر على كل احد ما يليق به من الجزاء وفى الحديث "حديث : لما خلق الله آدم اشتكت الارض الى ربها لما اخذ منها فوعدها ان يرد فيها ما اخذ منها فما من احد الا ويدفن فى التربة التى خلق منها " .تفسير : {وانما توفون اجوركم} اى تعطون جزاء اعمالكم خيرا كان او شرا تاما وافيا {يوم القيمة} اى يوم قيامكم من القبور وفى لفظ التوفية اشارة الى ان بعض اجورهم يصل اليهم قبله كما ينبىء عنه قوله عليه السلام "حديث : القبر روضة من رياض الجنة او حفرة من حفر النيران " .تفسير : {فمن زحزح عن النار} اى بعد عنها يومئذ ونجى. والزحزحة فى الاصل تكرير الزح وهو الجذب بعجلة {وادخل الجنة فقد فاز} بالنجاة ونيل المراد. والفوز الظفر بالبغية وعن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : من احب ان يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتى الى الناس بما يحب ان يؤتى به اليه " .تفسير : {وما الحيوة الدنيا} اى لذاتها وزخارفها {الا متاع الغرور} شبهها بالمتاع الذى يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه وهذا لمن آثرها على الآخرة ومن آثر الآخرة عليها فهى له متاع بلاغ اى تبليغ الى الآخرة وايصال اليها فلذلك سماه الله خيرا حيث قال {أية : وإنه لحب الخير لشديد} تفسير : [العاديات: 8]. فالعاقل لا يغتر بالدنيا فانها لين مسها قاتل سمها ظاهرها مطية السرور وباطنها مطية الشرور شعر : ترا دنيا همى كويد شب وروز كه هان از صحبتم برهيز وبرهيز مده خودرا فريب از رنك وبويم كه هست اني خنده من كريه آمين تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله اعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرأوا ان شئتم فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة اعين جزاء بما كانوا يعملون وان فى الجنة شجرة يسير الراكب فى ظلها مائة عام لا يقطعها واقرأوا ان شئتم وظل ممدود ولموضع سوط فى الجنة خير من الدنيا وما عليها واقرأوا ان شئتم فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحيوة الدنيا الا متاع الغرور". شعر : بناز ونعمت دنيا منه دل كه دل بر داشتن كاريست مشكل تفسير : فمن اتى بالطاعات واجتنب عن السيآت واعرض عن الدنيا ولذاتها فاز بالجنة ودرجاتها ومن عكس الامر عوقب بالحرمان فى دركات النيران ـ روى ـ ان جبريل عليه السلام جاء النبى صلى الله عليه وسلم متغير اللون فسأله النبى صلى الله عليه وسلم عن تغير لونه فقال جئتك وقد امر الله ان ينفخ فى نار جهنم فقال عليه السلام صف لى جهنم فقال لما خلق الله جهنم اوقد عليها الف سنة حتى احمرت ثم اوقد عليها الف سنة حتى اصفرت ثم اوقد عليها الف سنة حتى اسودت والذى بعثك بالحق نبيا لو ان جمرة منها وقعت لاحترق اهل الدنيا ولو ان ثوبا من اثوابها علق بين السماء والارض لماتوا من نتن رائحته لها سبعة ابواب بعضها اسفل من بعض فقال صلى الله تعالى عليه وسلم من سكان هذه الابواب فقال الباب الاول فيه المنافقون واسمه الهاوية والباب الثانى فيه المشركون واسمه الجحيم والباب الثالث فيه الصابئون واسمه سقر والباب الرابع فيه ابليس واتباعه والمجوس واسمه لظى والباب الخامس فيه اليهود واسمه الحطمة والباب السادس فيه النصارى واسمه السعير والباب السابع فيه عصاة موحدين واسمه النار يدخلونها ثلاثة ايام فاخبر سلمان حال النبى عليه السلام لفاطمة فسألت النبى فاخبرها النبى عليه السلام فقالت فاطمة رضى الله عنها كيف يدخلونها فقال صلى الله عليه وسلم اما الرجال فباللحى واما النساء فبالذوائب ثم انهم يخرجون من النار بشفاعة النبى عليه السلام فتبين ان من زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وانزل الله على بعض انبيائه يا ابن آدم تشترى النار بثمن غالٍ ولا تشترى الجنة بثمن رخيص قيل فى معناه ان فاسقا يتخذ ضيافة للفساق بمائة درهم او مائتين فيشترى النار ولو اتخذ ضيافة للفقراء بدرهم او درهمين يكون ثمن الجنة شعر : غم وشادمانى نماند وليك جزاى عمل ماند ونام نيك كرم باى دارد نه ديهيم وتخت بده كز تو اين ماند اى نيكبخت مكن تكيه برملك وجاه وحشم كه بيش ازتو بودست وبعد ازتوهم تفسير : واعلم ان البعد عن النار ودخول الجنة بالاجتناب عن المعاصى والمسارعة الى الطاعة وذلك بالهرب عن مقام النفس والدخول فى مقام القلب فان من دخل حرم القلب كان آمنا كما قال تعالى {أية : ومن دخله كان آمنا} تفسير : [آل عمران: 97]. فمن وصل الى ذلك الحرم فقد خلص من انواع الألم فهو جنة عاجلة. قال بعضهم للعارف جنة عاجلة وهى جنة المعرفة. ثم ان اعظم اسباب دخول الجنة كلمة الاخلاص والتوحيد وفقنا الله واياكم. ثم اعلم ان النفوس على ثلاثة اقسام. قسم منها يموت ولا حشر له للبقاء كسائر الحيوانات. وقسم يموت فى الدنيا ويحشر فى الآخرة كنفوس الانسان والملائكة والجن والشاطين. وقسم منها يموت فى الدنيا ويحشر فى الدنيا والآخرة جميعا وهى نفوس خواص الانسان كما قال عليه الصلاة والسلام "حديث : المؤمن حى فى الدارين ". تفسير : على ان لها موتا معنويا فى الدنيا كما اشار اليه عليه السلام بقوله "حديث : موتوا قبل ان تموتوا " .تفسير : وهو الفناء فى الله بالله لله ولها حياة معنوية فى الدنيا كما قال تعالى {أية : أومن كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس} تفسير : [الأنعام: 122]. وهو البقاء بنور الله ففى قوله {أية : كل نفس ذائقة الموت} تفسير : [آل عمران: 185]. اشارة الى ان كل نفس مستعدة للفناء فى الله فلا بد لها من موت فمن كان موته بالاسباب تكون حياته بالاسباب ومن كان فناؤه فى الله يكون بقاؤه بالله {أية : وإنما توفون أجوركم} تفسير : [آل عمران: 185]. على قدر تقواكم وفجوركم {فمن زحزح عن النار} اى عن نار القطيعة واخرج من جحيم الطبيعة على قدمى الشريعة والطريقة {وادخل الجنة} الحقيقية {فقد فاز فوزا عظيما وما الحيوة الدنيا} ونعيمها {الا متاع الغرور} أى متاع يغتر به المغرور والممكور.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {زحزح}: بُوعِدَ، والزحزحة: الجذب والإخراج بعجلة. يقول الحقّ جلّ جلاله: كل نفس منفوسة لا بد أن تذوق حرارة الموت، وتسقى كأس المنون، وإنما توفون جزاء أعمالكم يوم القيامة، يوم قيامكم من القبور، خيراً كان أو شرّاً. قال البيضاوي: ولفظ التوفية يشعر بأنه قد يكون قبلها بعض الأجور، أي: توفية بعض الأجور، ويؤديه قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجنةِ، أو حُفْرةٌ مِنْ حُفَرِ النارِ"تفسير : ، {فمن زحزح} أي: بُوعد {عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} بالنجاة ونيل المراد، وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : من أحبَ أن يُزحزَحَ عن النارِ ويُدْخَل الجَنَةَ؛ فَلتُدرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، ويَأتِي، إلى النَاسِ ما يُحِبُّ أن يُؤْتى إِليْه ". تفسير : {وما الحياة الدنيا} وزخارفها ولذاتها {إلا متاع الغرور}؛ فإن الغار - وهو المُدلِّس - يظهر ما هو حسن من متاعه،ويخفي ما هو معيب، كذلك الدنيا تبتهج لطالبها، وتُظهر له حلاوتها وشهواتها، حى تشغله عن ذكر الله وعن طاعته، فيؤثرها على آخرته، ثم يتركها أحوج ما يكون إليها، فينقلبُ نادماً متحسراً، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : ومَنْ يحمد الدنيا لشيء يسره فسوف للعُسْرِ عن قَرِيبٍ يَلُومُها إذا أدبرت كانتْ على المرء حسرةً وإن أقبلتْ كانت كثيراً هُمُومُها تفسير : الإشارة: النفس، من حيث هي، كلها تقبل الموت لمن قتلها وجاهدها، وإنما وقع التفريط من أربابها، فمن زحزحها عن نار الشهوات، وقتلها بسيوف المخالفات، حتى أدخلها جنات الحضرات، فقد فاز فوزاً عظيماً، وربح ربحاً كريماً. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : لا يجوز أن يجعل (ما) في (إنما) بمعنى الذي وترفع أجوركم، لأن يوم القيامة يصير من صلة توفون وتوفون من صلة الذين فلا يأتي ما في الصلة بعد أجوركم. وأجوركم خبر، ومعنى الآية إن مصير هؤلاء المفترين على الله من اليهود المكذبين برسوله الذين وصفهم، ومصير غيرهم من جميع الخلق إليه تعالى من حيث حتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) لا يحزنك قولهم وتكذيبهم وافتراء من افترى منهم على الله وعليك، وتكذيب من تقدمك من الرسل. فان مرجعهم إلي وأوفي كل نفس منهم جزاء عمله، فقال: توفون أجوركم يعني أجور أعمالكم إن خيراً فخيراً وثواباً. وإن شراً فشراً وعقاباً، وهو نصب على أنه مفعول به. وقوله: {فمن زحزح عن النار} معناه نحي عن النار، وأبعد منها {وأدخل الجنة فقد فاز} أي نجا وظفر بعظيم الكرامة. وكل من لقي ما يغتبط به فقد فاز، ومعنى "فاز" تباعد من المكروه، ولقي ما يحب. والمفازة: مهلكة. وإنما سموها مفازة أي منجاة كما سموا اللديغ سليما، والاعمى بصيراً. وظاهر الآية يدل على أن كل نفس تذوق الموت، وإن كانت مقتولة - على قول الرماني - ونحن وإن قلنا: إن الموت غير القتل، فلا بد أن نقول: إن المقتول يختار الله أن يفعل فيه الموت إذا كان في فعله مصلحة. وقوله: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} معناه وما لذات الدنيا، وشهواتها، وما فيها من زينتها إلا متعة متعكموها الغرور، والخداع: المضمحل الذي لا حقيقة له عند الاختبار والامتحان، لأنكم تلتذون بما يمتعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب، فلا تركنوا إليه، ولا تسكنوا، فانما هي غرور وإنما أنتم منها في غرور. وقال عكرمة: متاع الغرور، القوارير، وهي في الأصل كل متاع لا بقاء له، وإنما وصفت الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور مع كشفها عن حالها، لأنها بمنزلة من يغتر بالمحبوب ويبذل ما فيه الفرح والسرور، ليوقع في بلية تؤدي إلى هلكة، مبالغة في التحذير منها - على منا بيناه - وفي الآية دلالة على أن أقل نعيم من الآخرة خير من نعيم الدنيا بأسره ولذلك قال (صلى الله عليه وسلم): "حديث : موضع سوط في الجنة خير من الدنيا، وما فيها" تفسير : واستدل بهذه الآية على أن القتل هو الموت على الحقيقة. ومنهم من قال في المقتول: موت، وقتل وللمخالف أن يقول: يمكن أن تكون الآية مخصوصة بمن يموت، ولا يقتل كما قال: {أية : كل نفس بما كسبت رهينة} تفسير : وهي مختصة بالعقلاء البالغين، ويمكن أن يكون المراد كل نفس تعدم الحياة، فيكون ذلك على وجه الاستعارة. ذكره البلخي. وقوله: {ذائقة الموت} مجاز، لأن الموت لا يذاق في الحقيقة، لأن ذلك مشهور في كلامهم يقولون: ذاق الموت، وشرب بكأس المنون، لأنه بمنزلة ما يذاق بذوق شدائده. والفرق بين الذوق وإدراك الطعم أن الذوق تقريب جسم المذوق إلى حاسة الذوق، والادراك للطعم هو وجدانه وإن لم يكن هناك احساس، ولذلك يوصف تعالى بأنه مدرك للطعم ولا يوصف بأنه ذائق له. ويقولون: ذقته فلم أجد له طعماً أي لابس فمي فلم أحس له طعماً.

الجنابذي

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ وتسلية للرّسول (ص) وللمؤمنين وتهديد للمكذّبين كأنّه قيل: فما لنا لا نرى الفرق بين المصدّقين والمكذّبين؟ - فقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ} توفية الشّيء اعطاءه بتمام اجزائه يعنى تعطون اجوركم بتمامها من دون نقيصة شيءٍ منها {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} اى يوم قيامكم عند الله، او قيامكم من قبوركم واشار بمفهوم القيد الى انّه يعطى شيء من الاجور قبل القيامة بعد الموت وفى الحياة الدّنيا لانّ انموذج الاجر فى الاعمال الّتى لها اجرٌ ان وقعت على ما قرّرها الشّارع يكون مع العمل ويصل شيءٍ من الاجر الى العامل بعد العمل فى الدّنيا وفى القبر لكن تمام الاجر بحيث لا يشذّ منه شيء يعطى يوم القيامة {فَمَن زُحْزِحَ} اى بوعد {عَنِ ٱلنَّارِ} تفصيل لاقسام الاجر واربابها {وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} بالنّجاة ونعيم الآخرة {وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} جمع الغارّ او مصدر وهذا واقع موقع من ادخل النّار وزحزح عن الجنّة فقد هلك واكتفى بهذا للاشعار بانّ الغرور بالحياة الدّنيا مادّة دخول النّار فكأنّه قال: ومن اغترّ بالحياة الدّنيا ادخل النّار، ومن ادخل النّار فقد هلك، فى الحديث القدسىّ: حديث : فبعزّتى حلفت وبجلالى اقسمت انّه لا يتولّى عليّاً (ع) عبد من عبادى الاّ زحزحته عن النّار وأدخلته الجنّة، ولا يبغضه احد من عبادى الاّ ابغضته .

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم} على طاعتكم ومعاصيكم {يوم القيامة فمن زحزح عن النار} الزحزحة التنحية والابعاد، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيَّتهُ وهو يؤمن بالله واليوم الآخر" تفسير : {فقد فاز} أي فقد حصل له الفوز العظيم، قوله تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} شبَّه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام المشتري والشيطان نعوذ بالله منه هو المدلس والغرور، وعن سعيد بن جبير: إنما هو لمن آثر الدنيا على الآخرة فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ قوله تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب} الآية نزلت في كعب بن الأشرف كان يهجو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحرض المشركين عليه حتى أذاهم فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "من لي بابن الأشر" فقال محمد بن سلمة: أنا، فخرج محمد بن سلمة مع جماعة فقتلوه غيلة وأتوا برأسه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آخر الليل وهو قائم يصلي، وقيل: نزلت في فنحاص اليهودي سيِّد بني قينقاع لما قال: قد احتاج رب محمد إلى القرض، قوله تعالى: {فإن ذلك من عزم الأمور} أي من معزومات الأمور، أي مما يجب العزم عليه من الأمور، أو مما عزم الله أن يكون بمعنى أن ذلك عزمة من عزمات الله سبحانه لا بدّ لكم {أن تصبروا وتتَّقُوا}، قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} يعني اليهود {لتبيننه للناس} يعني تبينوا الكتاب {ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم} دليل على أن القوم عملوا به على غير ما أمروا وكفى به دليلاً على أنه مأخوذ به على العلماء ان يبينوا الحق وما عَلّموه للناس ولا يكتموا منه شيئاً، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من كتم علماً عن أهله ألجمه الله بلجام من نار"تفسير : ، وعن محمد بن كعب: لا يحل لأحد من العلماء ان يسكت على ما علمه ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله حتى يسأل، وعن علي (عليه السلام): "ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا"، وقُرئ ليُبيننه للناس ولا يكتمونه بالياء فيهما لأنهم غُيَّبٌ، قوله تعالى: {ولا تحسبنَّ} خطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية قيل: نزلت في أهل النفاق لأنهم كانوا يجتمعون في التخلف عن الجهاد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا رجعوا اعتذروا {ويحبُّون} أن تقبل منهم ليحمدوا بما ليس لهم عليه من الايمان، وقيل: نزلت في أهل الكتاب فرحوا بالاجتماع على التكذيب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكتمان أمره، وأحبُّوا أن يحمدوا بما ليس فيهم، وقيل: فرحوا بما فعلوا من كتمان نعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} من اتباع دين ابراهيم (عليه السلام) حيث ادّعوا أن إبراهيم كان على اليهوديَّة وأنهم على دينه، وقيل: هم قومٌ تخلّفوا عن الغزو مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قوله تعالى: {ولله ملك السموات والأرض} فهو يملك أمرهم {وهو على كل شيء قدير} فهو يقدر على عقابهم.

الهواري

تفسير : قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قال الحسن: أخبر الله نبيّه أن ما بينهم وبين أن يذوقوا العذاب الموت، فسوف يذوقونه، ثم يوفون أجورهم فيصير الخلق فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير. قوله: {فَمَن زُحْزِحَ} أي: فمن نُحّي {عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} أي نجا وفاز بالجنة. {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ}. عزّى الله رسوله والمؤمنين عن الدنيا، وأخبرهم أن ذلك إنما يصير باطلاً. ذكروا أن أبا الدرداء قال: الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله وما أدّى إليه. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها .تفسير : اقرأوا إن شئتم قول الله: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ}. ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لقاب قوس أحدكم أو موضع سوطه من الجنة خير من الدنيا وما فيها . تفسير : قوله: {لَتُبْلَوُنَّ} أي لتختبرن {فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكَمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} أي مشركي العرب {أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}. أي من حق الأمور. ابتلاهم الله في أموالهم، أي اختبرهم فيها ففرض عليهم حقوقاً، وهو أن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وأن يؤتوا الزكاة وما فرض عليهم. ثم أخبرهم أنهم سيؤذون في جنب الله، وأمرهم بالصبر.

اطفيش

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ}: وبالموت تحضر الدار الآخرة، فيعاقب المسىء فيها، ويثاب المحسن، فذلك وعيد للمكذب، برسالة سيدنا محمد: صلى الله عليه وسلم، ووعد للمصدق، وتسلية له، صلى الله عليه وسلم، وكذا ما بعده، إلى قوله {متاع الغرور} وقرأ البرى: {ذَآئِقَةُ الْمَوْت} بتنوين ذائقة، ونصب الموت على المفعولية، وقرأ الأعمش بعدم تنوين ذائقة ونصب الموت، على المفعولية، وهذا من حذف التنوين للساكن بعده، أو تخفيفاً كقراءة أحد لله بحذف تنوين أحد، ولا يقال على ذلك إلا ضرورة. كقول أبى الأسود: شعر : فذكّرته ثم عاتبته عتاباً رقيقاً وقولا جميلا فألفيته غير مستعتب ولا ذاكرا للهَ إلا قليلا تفسير : بنصب لفظ الجلالة بذاكر، وعدم تنوين ذاكر، وعلى تقدير أن الجنة موجودة الآن، وهو الصحيح، فما فيها من حور، وولدان نفوس تموت عند قيام الساعة وتبعث كالملائكة، وقيل: لا تموت وإنما المستثناة فى قوله تعالى{أية : فصعق من فى السماوات ومن فى الأرض إلا من شاء الله }. تفسير : {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: يحضر لكم جزاء أعمالكم كاملا يوم القيامة من قبورهم قبلهُ، جزاء المطيع خير، وجزاء العاصى شر لا ينقص منه شىء، وما أصاب المطيع من الخير فى الدنيا تفضل من الله، وما أصاب العاصى فيها عدل لا ينقص لهُ من النار، وقيل: المعنى جزاؤكم يتم فى الآخرة بعد بعضه الذى تقدم فى الدنيا، أو فى القبر، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار"تفسير : ، وكما مرَّ فى حياة الشهداء ورزقهم. {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ}: أبعد عنها وأصله زحح بتشديد الحاء الأولى، أبدلت الحاء الوسطى زاياً على ما بسطه فى شرح اللامية فى نحو: وسوس ولملم، والتشديد للمبالغة، وأصل هذا زحَّ بحاء واحدة، مشددة. يقال: زحه: جذبهُ بعجلة. {وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}: ظفر بمراده، ومرغوبه، ونالهُ، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويؤتى إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه"تفسير : . أى وليوصل إليهم ما يحب أن يوصلوا إليه. {وَمَا الْحَيَٰوةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}: أى وما تمتع حياتكم القصيرة القريبة الزوال إلا انتفاع الخداع الذى يفعله الشيطان وإخوانه بكم، يخدعكم بها عن الحياة الدائمة المعتبرة، فيقدر المضاف قبل الحياة ومتاع اسم مصدر ميمى بمعنى التمتع كما رأيت. ويجوز أن يكون متاع بمعنى الشىء المتمتع به، الذى يعرض للبيع فيغش مشتريه بإظهار زينته وإخفاء قبحه، شبه الحياة الدنيا، وما يتمتع به فيها بذلك المتاع المعروض، للبيع المغشوش، لكن السعيد لم يغتر بها، بل جعلها مطية لآخرته، والغرور: مصدر، كما رأيت، أو جمع غار كقاعد وقعود، وشاهد وشهود، وساجد وسجود، وأصل الغرور: الذى هو مصدر هو معنى الغفلة، يقال: رجل غر وغرير أى لم يجرب الأمور، وعنه، صلى الله عليه وسلم، "حديث : موضع سوط فى الجنة، خير من الدنيا وما فيها" اقرءوا إن شئتم {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّار وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور} .

اطفيش

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ} كل ذى روح أو كل روح {ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} حتى الحور والولدان وما فى الجنة والنار من الحيوان كحياتها، بناء على وجودهما الآن، والملائكة، وملك الموت، قيل يقبض روح نفسه بإذن الله، وقل يتقلب بين الجنة والنار فيموت وتموت الأرواح، فانظر قوله تعالى {أية : إلا من شاء الله} تفسير : [النمل: 87، الزمر: 68] فلا تضق نفسك بتكذيبهم فالآية تسلية له صلى الله عليه وسلم ووعد للمصدق ووعيد للمكذب، وذكر الموت يزيل الهم والحزن قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكر فى كثير إلا قلله ولا فى قليل إلا كثره" تفسير : {وَإِنَّمَا تُوَفُّوْنَ أُجُورَكُمْ} يكمل لكم جزاء أعمالكم من خير أو شر {يَوْمَ القِيَامَةِ} من قبوركم، وبعض أجوركم فى قبوركم كالنور والطعام والشراب والروائح الداخلة على السعيد فى قبره، فإنه روضة من رياض الجنة، وكعذاب القبر الواقع للكافر فى قبره، فإنه حفرة من حفر النار، كما روى الترمذى عن أبى سعيد، والطبرانى عن أبى هريرة، مرفوعا: "حديث : القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار" تفسير : وقيل بعض الثواب والعقاب فى الدنيا أيضا {فَمَنْ زُحْزِحَ} زح وأصله تكرير الزح، أى جبذ بعجلة، والتضعيف للمبالغة، وهو ملحق بالرباعى الأصول، كدحرج، والمراد بعد {عَنِ النَّارِ} يوم القيامة {وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} نال خيرا لا غاية له ولا لزمانه، ونجا من النار، أو فاز بكل ما يريد، وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : لموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها تفسير : {وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ} إلا شىء حقير يتمتع به أو إلا تمتع {الْغُرُورِ} الخداع، مصدر، أو بمعنى مفعول أى المغرور، أو جمع غار، شبهت بمتاع دلس به المشترى وهو ردىء كما أضافه إلى الغرور، ووجه الخداع أنه يتوهم بقاءه وهو فان وذاهب، وأنه يتوهم حسنه وهو سيىء العاقبة، دنيا وأخرى، أو فى إحداهما، أو تمتع الباطل، أى هو الباطل، إذ يفنى، وذلك لمن لم يجعلها مطية لدنياه وأخراه، قال علي، هى لين مسها، قاتل سمها. شعر : إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِى ثِيَابٍ صَدِيق تفسير : ظاهرها مظنة السرور، وباطنها مطية الشرور، وأما من جعلها لهما فنعمت المطية له، وهى بلاغ إلى ما هو خير منها، قال صلى الله عليه وسلم: حديث : من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته، وهو مؤمن بالله واليوم الآخر، ويؤتى إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليهتفسير : ، رواه أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمر.

الالوسي

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } أي نازل بها لا محالة فكأنها ذائقته وهو وعد ووعيد للمصدق والمكذب وفيه تأكيد للتسلية له صلى الله عليه وسلم لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل / الهموم والأشجان الدنيوية. وفي الخبر «حديث : أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكر في كثير إلا وقلله ولا في قليل إلا وكثره» تفسير : وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً أخرى يتميز فيها المحسن عن المسيء ويرى كل منهما جزاء عمله، وهذه القضية الكلية لا يمكن إجراؤها على عمومها لظاهر قوله تعالى: {أية : فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ } تفسير : [الزمر: 68] وإذا أريد بالنفس الذات كثرت المستثنيات جداً، وهل تدخل الملائكة في هذا العموم؟ قولان، والجمهور على دخولهم. فعن ابن عباس أنه قال: لما نزل قوله تعالى: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ }تفسير : [الرحمن: 26] قالت الملائكة: مات أهل الأرض فلما نزل {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } قالت الملائكة: متنا، ووقوع الموت للأنفس في هذه النشأة الحيوانية الجسمانية مما لا ريب فيه إلا أن الحكماء بنوا ذلك على أن هذه الحياة لا تحصل إلا بالرطوبة والحرارة الغريزيتين. ثم إن الحرارة تؤثر في تحليل الرطوبة، فإذا قَلت الرطوبة ضعفت الحرارة ولا تزال هذه الحال مستمرة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت، ومن هنا قالوا: إن الأرواح المجردة لا تموت ولا يتصور موتها إذ لا حرارة هناك ولا رطوبة، وقد ناقشهم المسلمون في ذلك والمدار عندهم على حرارة الكاف ورطوبة النون، ولعلهم يفرقون بين موت وموت، وقد استدل بالآية على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول المذوق فتدبر، وقرأ اليزيدي {ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } بالتنوين ونصب الموت على الأصل؛ وقرأ الأعمش {ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } بطرح التنوين مع النصب كما في قوله:شعر : فألفيته غير مستعتب ولا ذاكراً لله إلا قليلاً تفسير : وعلى القراءات الثلاث {كُلُّ نَفْسٍ } مبتدأ وجاز ذلك وإن كان نكرة لما فيه من العموم، و {ذَائِقَةُ } الخبر، وأنث على معنى {كُلٌّ } لأن {كُلُّ نَفْسٍ } نفوس ولو ذكر في غير القرآن على لفظ {كُلٌّ } جاز. {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } أي تعطون أجزية أعمالكم وافية تامة {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي وقت قيامكم من القبور، فالقيامة مصدر والوحدة لقيامهم دفعة واحدة، وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم من خير أو شر تصل إليهم قبل ذلك اليوم، ويؤيده ما أخرجه الترمذي عن أبـي سعيد الخدري والطبراني في «الأوسط» عن أبـي هريرة مرفوعاً «حديث : القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران»تفسير : ، وقيل: النكتة في ذلك أنه قد يقع الجزاء ببعض الأعمال في الدنيا، ولعل من ينكر عذاب القبر تتعين عنده هذه النكتة. {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ } أي بعد يومئذٍ عن نار جهنم، وأصل الزحزحة تكرير الزح، وهو الجذب بعجلة، وقد أريد هنا المعنى اللازم {وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } أي سعد ونجا قاله ابن عباس، وأصل الفوز الظفر بالبغية، وبعض الناس قدر له هنا متعلقاً أي فاز بالنجاة ونيل المراد، ويحتمل أنه حذف للعموم أي بكل ما يريد، وفي الخبر «حديث : لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية»تفسير : . وأخرج أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» تفسير : وذكر دخول الجنة بعد البعد عن النار لأنه لا يلزم من البعد عنها دخول الجنة كما هو ظاهر. {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } أي لذاتها وشهواتها وزينتها {إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ } المتاع ما يتمتع به وينتفع/ به مما يباع ويشترى وقد شبهها سبحانه بذلك المتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه إشارة إلى غاية رداءتها عند من أمعن النظر فيها:شعر : إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق تفسير : وعن قتادة هي متاع متروك أوشكت والله أن تضمحل عن أهلها فخذوا من هذا المتاع طاعة الله تعالى إن استطعتم ولا قوة إلا بالله، وعن علي كرم الله تعالى وجهه هي لين مسها قاتل سمها، وقيل: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور، وذكر بعضهم أن هذا التشبيه بالنسبة لمن آثرها على الآخرة، وأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ، وفي الخبر «حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح»تفسير : ، والغرور مصدر أو جمع غار.

ابن عاشور

تفسير : هذه الآية مرتبطة بأصل الغرض المسوق له الكلام، وهو تسلية المؤمنين على ما أصابهم يوم أُحُد، وتفنيد المنافقين في مزَاعمهم أنّ الناس لو استشاروهم في القتال لأشاروا بما فيه سلامتهم فلا يهلكوا، فبعد أنّ بيّن لهم ما يدفع توهّمهم أنّ الانهزام كان خذلاناً من الله وتعجّبهم منه كيف يلحق قوماً خرجوا لنصر الدين وأن لا سبب للهزيمة بقوله: {أية : إنما استزلهم الشيطان}تفسير : [آل عمران: 155] ثم بيّن لهم أنّ في تلك الرزّية فوائد بقول الله تعالى: {أية : لكيلا تحزنوا على ما فاتكم}تفسير : [آل عمران: 153] وقوله: {أية : وليعلم المؤمنين}تفسير : [آل عمران: 166]، ثم أمرهم بالتسليم لله في كلّ حال فقال: {أية : وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله}تفسير : [آل عمران: 166] وقال: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم}تفسير : [آل عمران: 156] الآية. وبيّن لهم أنّ قتلى المؤمنين الذين حزِنوا لهم إنّما هم أحياء، وأنّ المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم لا يضيع الله أجرهم ولا فَضْلَ ثباتهم، وبيّن لهم أنّ سلامة الكفّار لا ينبغي أن تُحزن المؤمنين ولا أن تسرّ الكافرين، وأبطل في خلال ذلك مقال المنافقين بقوله: {أية : قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم}تفسير : [آل عمران: 154] وبقوله: {أية : الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا}تفسير : [آل عمران: 168] إلى قوله: {أية : قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين}تفسير : [آل عمران: 168] ختم ذلك كلّه بما هو جامع للغرضين في قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} لأنّ المصيبة والحزن إنّما نشآ على موت من استشهد من خيرة المؤمنين، يعني أنّ الموت لمّا كان غاية كلّ حيّ فلو لم يموتوا اليوم لماتوا بعدَ ذلك فلا تأسفوا على موت قتلاكم في سبيل الله، ولا يفتنكم المنافقون بذلك، ويكون قوله بعده: {وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} قصر قلب لتنزيل المؤمنين فيما أصابهم من الحزن على قتلاهم وعلى هزيمتهم، منزلة من لا يترقّب من عمله إلاّ منافع الدنيا وهو النصر والغنيمة، مع أنّ نهاية الأجر في نعيم الآخرة، ولذلك قال: {توفون أجوركم} أي تكمل لكم، وفيه تعريض، بأنّهم قد حصلت لهم أجور عظيمة في الدنيا على تأييدهم للدين: منها النصر يوم بدر، ومنها كفّ أيدي المشركين عنهم في أيام مقامهم بمكّة إلى أن تمكّنوا من الهجرة. والذوق هنا أطلق على وِجدانِ الموت، تقدّم بيان استعماله عند قوله آنفاً: {أية : ونقول ذوقوا عذاب الحريق}تفسير : [آل عمران: 181] وشاع إطلاقه على حصول الموت، قال تعالى: {أية : لا يذوقون فيها الموت}تفسير : [الدخان: 56] ويقال ذاق طعم الموت. والتوفية: إعطاء الشيء وافياً. ويطلقها الفقهاء على مطلق الإعطاء والتسليم، والأجور جمع الأجر بمعنى الثواب، ووجه جمعه مراعاة أنواع الأعمال. ويوم القيامة يومُ الحشر سمّي بذلك لأنّه يقوم فيه الناس من خمود الموت إلى نهوض الحياة. والفاء في قوله: {فمن زحزح} للتفريع على {توفون أجوركم}، ومعنى: {زحزح} أبعد. وحقيقةُ فعل زحزح أنها جذبٌ بسرعة، وهو مضاعف زَحَّه عن المكان إذا جذبه بعجلة. وإنّما جُمع بين {زُحزح عن النار وأدخل الجنة}، مع أنّ في الثاني غنية عن الأوّل، للدلالة على أنّ دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين: النجاة من النار، ونعيم الجنّة. ومعنى {فقد فاز} نال مبتغاه من الخير لأنّ ترتّب الفوز على دخول الجنّة والزحزحة عن النار معلوم فلا فائدة في ذكر الشرط إلاّ لهذا. والعرب تعتمد في هذا على القرائن، فقد يكون الجواب عين الشرط لبيان التحقّق، نحو قول القائل: من عرفني فقد عرفني، وقد يكون عينه بزيادة قيد نحو قوله تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} وقد يكون على معنى بلوغ أقصى غايات نوع الجواب والشرط كما في هذه الآية وقوله: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} على أحد وجهين، وقول العرب: «مَنْ أدرك مَرْعَى الصَّمَّان فقَدْ أدرك» وجميع ما قرّر في الجواب يأتي مثله في الصفة ونحوها كقوله: {أية : ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا}تفسير : [القصص: 63].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ذائقة الموت: أي ذائقة موت جسدها أما هي فإنها لا تموت. توفون: تعطون جزاء أعمالكم خيراً أو شراً وافية لا نقص فيها. زحزح: نجّي وأبعد. فاز: نجا من مرهوبه وهو النار، وظفر بمرغوبه وهو الجنة. متاع الغرور: المتاع كل ما يستمتع به، والغرور: الخداع، فشبهت الدنيا بمتاع خادع غارٍّ صاحبه، لا يلبث أن يضمحل ويذهب. لتُبلوُنَّ في أموالكم وأنفسكم: لَتُخْتَبرُنَّ في أموالكم بأداء الحقوق الواجبة فيها، أو بذهابها وأنفسكم بالتكاليف الشاقة كالجهاد والحج، أو المرض والموت. أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى. الذين أشركوا: العرب. فإن ذلك من عزم الأمور: يريد أن الصبر والتقوى من الأمور الواجبة التي هي عزائم وليس فيها رخص ولا ترخيص بحال من الأحوال. معنى الآيات: ما زال السياق في تعزية الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لقد جاء في الآية السابقة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما آلمه من تكذيب اليهود والمشركين له، وفي هذه الآية أعظم تسلية وعزاء، إذا أخبر تعالى فيها بأن كل نفس مهما علت أو سفلت ذائقة الموت لا محالة، وإن الدنيا ليست دار جزاء وإنما هي دار كسب وعمل، ولذا قد يجرم فيها المجرمون ويظلم الظالمون، ولا ينالهم مكروه، وقد يحسن فيها المحسنون ويصلح المصلحون ولا ينالهم محبوب، وفي هذا تسلية عظيمة وأخرى: العلم بأن الحياة الدنيا بكل ما فيها لا تعدو كونها متاع الغرور، أي متاع زائل غار ببهرجه، وجمال منظره، ثم لا يلبث أن يذهب ويزول. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [185] أما الآية الثانية [186] ففيها يخبر تعالى رسوله والمؤمنين بأنهم لا محالة مختبرون في أموالهم وفي أنفسهم في أموالهم بالحوائج، وبالواجبات، وفي أنفسهم بالمرض والموت والتكاليف الشاقة كالجهاد والحج والصيام، وأنهم لا بد وأن يسمعوا من أهل الكتاب والمشركين أذىً كبيراً كما قال فنحاص: الله فقير ونحن أغنياء أو كما قال النصارى: المسيح ابن الله، وكما قال المشركون: اللات والعزى ومناة آلهة مع الله ثم حثهم تعالى على الصبر والتقوى فقال وإن تصبروا وتتقوا فإن صبركم وتقواكم مما أوجب الله تعالى عليكم وليس هو من باب الندب والاستحباب بل هو من باب الفرض والوجوب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- ليست الدار الدنيا بدار جزاء وإنما هي دار عمل. 2- تعريف الفوز الحق وهو الزحزحة عن النار ودخول الجنة. 3- بيان حقيقة هذه الحياة وأنها كمتاع خادع لا يلبث أن يتلاشى ويضمحل. 4- الابتلاء ضروري فيجب الصبر والتقوى فإنها من عزائم الأمور لا من رخصها.

القطان

تفسير : زحزح عن النار: أُبعد عنها. متاع الغرور: المتاع كل ما يُنتفع به ويتمتع به. الغرور: الخداع والغفلة وكل زخرف باطل. بعد كل ما تقدم يتجه الخطاب الى المسلمين، يحدثهم عن القيم التي ينبغي لهم ان يحرصوا عليها، ويضحّوا من أجلها. وهو يخبرهم ان هناك متاعب وآلاما، فيجب ان يتجمّلوا بالصبر والتقوى. كما يذكّرهم بحقيقة مقررة، وهي ان الحياة في هذه الأرض محددة بأجل موقوت ثم تأتي نهايتها فيموت الصالحون والطالحون، المجاهدون والقاعدون، الشجعان والجبناء، العلماء والأنبياء. كل نفس ذائقة الموت لا محالة والبقاءُ للهِ وحده.. يومذاك يعطى العباد جزاء أعمالهم وافيا، فمن خلَص من العذاب وأُبعد عن النار فقد فاز فوزاً عظيما. روى الامام أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله "حديث : من أحبّ ان يُزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركْه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت الى الناس ما يحبّ ان يؤتى اليه ". تفسير : وما حياتنا هذه التي نتمتع بلذاتها، من مأكل ومشرب أو جاه ومنصب وسيادة، الا متاع الغرور، لأنها تخدع صاحبها وتشغله كل حين بجلْبِ لذاتها ورفع آلامها, ومهما عاش الانسان وجمع من مالٍ أو حصل على منصب ـ فانه مفارق هذا كله في نهاية الأمر. وما الحياة الدنيا الا كما قال الشاعر. شعر : "فما قضى أحد منها لُبانتَه ولا انتهى أربٌ إلا الى أرب"

د. أسعد حومد

تفسير : {ذَآئِقَةُ} {ٱلْقِيَامَةِ} {ٱلْحَيَاةُ} {مَتَاعُ} (185) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ سَتَذُوقُ طَعْمَ المَوْتِ، وَتُحِسُّ بِمُفَارَقَةِ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ. وَاسْتَدَّلَ بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى أنَّ الأرْوَاحَ لاَ تَمُوتُ بِمَوتِ البَدَنِ، لأنَّ الذَّوْقَ شُعُورٌ لاَ يُحِسُّ بِهِ إلاَّ الحَيُّ، وَهُوَ تَعَالَى وُحْدَهُ الحَيُّ الذِي لاَ يَمُوتُ. وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُحْشَرُ النَّاسُ إلى الله، وَتُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ أجُورَهَا عَمَّا اكْتَسَبَتْهُ مِنْ أَعْمَالٍ، فَمَنْ جُنِّبَ النَّارَ، وَأدْخِلَ الجَنَّةَ، فَقَدْ فَازَ كُلَّ الفَوْزِ. وَالحَيَاةُ الدُّنْيَا لَيْسَتْ إلاّ مَتَاعاً تَافِهاً زَائِلاً، صَاحِبُهُ مَغْرُورٌ مَخْدُوعٌ، وَهُوَ مَتَاعٌ مَتْرُوكٌ يُوشِكُ أنْ يَضْمَحِلَّ عَنْ أهْلِهِ. تُوَفَّوْنَ أجُورَكُمْ - تَسْتَوْفُونَهَا غَيْرَ مَنْقُوصَةٍ. زُحْزِحَ عَن النَّارِ - نُحِّي عَنْهَا. المَتَاعُ - مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ مِمَّا يُبَاعُ وَيُشْرَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولاحظ أن كلمة "ذائقة" جاءت أيضاً هنا، ونعرف أن هناك "قتلاً" وهناك "موتاً"، فالموت معناه أعم وهو: انتهاء الحياة سواء أكان بنقض البنية مثل القتل، أم بغير نقض البنية مثل خروج الروح وزهوقها حتف الأنف، ولذلك فالعلماء الذين يدققون في الألفاظ يقولون: هذا المقتول لو لم يُقتل، أكان يموت؟ نقول: نعم؛ لأن المقتول ميت بأجله، لكن الذي قتله هل كان يعرف ميعاد الأجل؟ لا. إذن فهو يُعاقب على ارتكابه جريمة إزهاق الروح، أمّا المقتول فقد كتب الله عليه أن يفارق الحياة بهذا العمل. إذن فكل نفس ذائقة الموت إما حتف الأنف وإمّا بالقتل. ولأن الغالب في المقتولين أنهم شهداء، والشهداء أحياء، لكن الكل سيموت. يقول تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الزمر: 68]. انظروا إلى دقة العبارة: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 185] أي إياكم أن تنتظروا نتيجة إيمانكم في هذه الدنيا، لأنكم إن كنتم ستأخذون على إيمانكم ثواباً في الدنيا فهذا زمن زائل ينتهي، فثوابكم على الإيمان لابد أن يكون في الآخرة لكي يكون ثواباً لا ينتهي. ونعرف ما حدث في بيعة العقبة الثانية؛ حينما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار عهوداً، قالوا: فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ لم يقل لهم صلى الله عليه وسلم ستنتصرون أو ستملكون الدنيا، بل قال: "الجنة" قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه، فلو وعدهم بأي شيء في الدنيا لقال له أي واحد فطن منهم: ما أهونها، ولذلك عندما قال واحد لصاحبه: أنا أُحبك قدر الدنيا؛ فقال له: وهل أنا تافه عندك لهذه الدرجة؟ فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: إياكم أن تفهموا أن جزاء الإيمان يكون في الدنيا، لأنه لو كان في الدنيا لكان زائلاً ولكان قليلاً كجزاء على الإيمان، لأن الإيمان وصل بغير منتهٍ وهو الله، فلا بد أن يكون الجزاء غير منتهٍ وهو الجنة، فقال: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ} [آل عمران: 185] .. وأخذ أهل اللمح من كلمة "توفون" أن هناك مقدمات؛ لأن معنى "وفيته أجره" أي أعطيته وبقي له حاجة وأكمل له، نعم هو سبحانه يعطيهم حاجات إيمان، ويكفي إشراقة الإيمان في نفس المؤمن، فالجواب لابد أن يكون متمشياً مع منطق من يسمع هذه الآية؛ فقد يموت من يسمعها بعد قليل في معركة، وما دام قد مات في معركة فهو لم ير انتصاراً، ولم ير غنائم ولا أي شي، فماذا يكون نصيبه؟ إنه يأخذ نصيبه يوم القيامة "توفون" فمن نال منها شيئاً في الدنيا بالنصر، بالغنائم، بالزهو الإيماني على أنه انتصر على الكفر فهذا بعض الأجر، إنما الوفاء بكامل الأجر سيكون في الآخرة، لأن كلمة التوفية تفيد أن توفية الأجور وتكميلها يكون في يوم القيامة، وأن ما يكون قبل ذلك فهو بعض الأجور التي يستحقها العاملون. ويقول الحق: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرأوا إن شئتم: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز}تفسير : وعندما تقول: زحزحت فلاناً، معناها أنه كان متوقفاً برعب، فكيف يحدث ذلك عند النار؟. نعرف أن النار سببها المعصية، والمعصية كانت لها جاذبية للعصاة، ويأتي الإيمان ليشدهم فتأخذهم جاذبية المعصية، فكذلك يكون الجزاء بالنار. إذن فالنار لها جاذبية لأنها ستكون في حالة غيظ .. ولذلك يقول ربنا: {أية : تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ..}تفسير : [الملك: 8]. النار تتميز من الغيظ على الكافرين. وما معنى تميز من الغيظ؟ أما رأيت قِدْراً يفور؟ ساعة يفور القدر فإن بعض الفقاقيع تخرج منه وتنفصل عما في القدر، وهذا "تميز" أي تفترق، والإنسان منا عندما يكون في حالة غيظ تخرج منه أشياء كفقاقيع غليان القدر إنه يرغي ويزبد أي اشتد غضبه، هذه الفقاقيع تحرق من يقف أمامها أو يلمسها، وهي من شدة الفوران تميز بعضها وانفصل عن القدر، كذلك النار، ولماذا تميز من الغيظ؟ إنها تميز من الغيظ من الكافرين؛ لأنها أصلها مُسبِّحة حامدة شاكرة، وبعد ذلك يقول لها الحق: {أية : هَلِ ٱمْتَلأَتِ ..}تفسير : [ق: 30] وتقول {أية : هَلْ مِن مَّزِيدٍ}تفسير : [ق: 30]. وذلك مما يدل على أن كلمة: "تميز من الغيظ" حقيقة؛ ولذلك يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النار لها جاذبية، فالنار إنما كانت نتيجة المعصية في الدنيا، والمعصية في الدنيا هي التي تجذب العصاة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك: "حديث : مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الفراش والجنادب يَقعْن فيها وهو يذبّهُنّ عنها، وأنا آخذ بِحُجُزكم عن النار وأنتم تَفَلّتُون من يدي" تفسير : انظر إلى التشبيه الجميل - حين توقد ناراً في خلاء فأول مظهر هو أن ترى الفراش والهوامّ والبعوض تأتي على النار، ولذلك يقولون: رُبّ نفس عشقت مصرعها. لقد جاءت تلك الحشرات على أساس أنها جاءت للنور، إننا نرى ذلك عندما نُشعِل موقداً في الخلاء فأنت تجد حوله الكثير من هذه الحشرات صرعى، تلك الحشرات عشقت مصرعها، إنها قد جاءت إلى النور ولكن النار أحرقتها، كذلك الإنسان العاصي يعشق مصرعه؛ لأنه لا يعرف أن هذه الشهوة ستدخله النار. {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 185] أي أن النار لها جاذبية مثل جاذبية المعصية عندما تأخذ الإنسان، ومجرد الزحزحة عن النار، حتى وإن وقف بينهما لا في النار ولا في الجنة فهذا حسن، فما بالك إنْ زُحزح عن النار وأُدخل الجنة؟ لقد زال منه عطب وأعطى صالحاً. وهذه حاجة حسنة، وهذا هو السبب في أن النار مضروب على متنها الصراط الذي سنمر عليه، لماذا؟ حتى يرى المؤمن النار .. وهو ماشٍ على الصراط التي لو لم يكن مؤمناً لنزل فيها، فيقول: الحمد لله الذي نجاني من تلك النار. {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185] والفوز هو النجاة مما تكره، ولقاء ما تحب، مجرد النجاة مما تكره نعمة، وأن تذهب بعد النجاة مما تكره إلى نعمة، فهذا فوز. ونلحظ في {زُحْزِحَ} أن أحداً غيره قد زحزحه. نعم لأنّ الله تكرّم عليه أولاً في حياته بفيض الإيمان وهو الذي زحزحه عن النار أيضاً. ويذيل الحق الآية بقوله تعالى: {وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} [آل عمران: 185]. وعندما يصف الحق سبحانه الحياة التي نعرفها بأنها "دنيا" ففي ذلك ما يشير إلى أن هناك حياة توصف بأنها "غير دنيا" وغير الدنيا هي "العليا"، ولذلك يقول الحق في آية أخرى:{أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 64]. أي هي الحياة التي تستحق أن تُسمّى حياة؛ لأن الدنيا لا يقاس زمانها ببدايتها إلى قيام الساعة، لأن تلك الحياة بالنسبة للكون كله، ولكن لكل فرد في الحياة دنيا ليس عمرها كذلك، وإنما دنيا كل فرد هي مقدار حياته فيها. ومقدار حياته فيها لا يُعلم أهو لحظة أم يوم أم شهر أم قرن. وقصارى الأمر أنها محدودة حداً خاصاً لكل عمر، وحداً عاماً لكل الأعمار. والمتعة في الدنيا على قدر حظ الإنسان في المتع، فهي على قدر إمكاناته. فإذا نظرنا إلى الدنيا بهذا المعيار فإن متاعها يعتبر قليلاً، ولهذا لا يصح ولا يستقيم أن يغتر الإنسان بهذه المتعة متذكراً قول الله: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق: 6-7]. فالغرور إذن أن تلهيك متعة قصيرة الأجل عن متعة عالية لا أمد لانتهائها، فحتى لا يغتر عائش في الدنيا فيلهو بقليلها عن كثير عند الله في الآخرة يجب أن يقارن متعة أجلها محدود وإن طال زمانها بمتعة لا أمد لانتهائها، متعة على قدر إمكاناتك ومتعة على قدر سعة فضل الله؛ لذلك كانت الحياة الدنيا متاع غرور ممن غُرّ بالتافه القليل عن العظيم الجليل. والله لم يظلم الدنيا فوصفها أنها متاع، ولكن نبهنا إلى أنها ليست المتاع الذي يُغتَرّ به فيلهي عن متاع أبقى، إنه الخلود. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله ولأتباع رسوله قضية تُنشئ فيهم وتؤكد لهم أن الإيمان وحده خير جزاء للمؤمن، وإن لم يتأت له في الدنيا شيء من النعيم، ولذلك أراد أن يوطنهم على أن الذين يدخلون الإيمان، لا يوطِّنون أنفسهم على أن الايمان دائماً منتصر، فلو كان دائماً منتصراً لوطّن كل واحد نفسه عليه ورضيه لأنه يضمن له حياة مطمئنة؛ لذلك كان لا بد أن يوضح لهم: أن هناك ابتلاءات. فالقضية الإيمانية أن تبتلوا، وموقع البلاء في نفوسكم أو في أموالكم، فقال: {لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ ...}.

الجيلاني

تفسير : إذ {كُلُّ نَفْسٍ} خيرة كانت أو شريرة {ذَآئِقَةُ} كأس {ٱلْمَوْتِ} عند حلول الأجل المقدر له من عندنا {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ} تعطون؛ أي: جزاء أعمالكم خيراً كان أو شراً {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} التي هي يوم الجزاء {فَمَن زُحْزِحَ} بعد منكم بعمله الصالح {عَنِ ٱلنَّارِ} المعدة للفجرة والفساق {وَأُدْخِلَ} بها {ٱلْجَنَّةَ} التي أعدت للسعداء {فَقَدْ فَازَ} فوزاً عظيماً، ومن لم يزحزح عن النار؛ لفساد عمله، وأُدخل فيها بسببه، فقد خسر خسراناً مبيناً {وَ} اعلموا أيها المكلفون بالإيمان والأعمال والصالحة المتفرعة عليه: {ما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} التي أنتم فيها تعيشون {إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} [آل عمران: 185] يغركم بلذاتها الفانية الغير القارة عن النعيم الدائم والسرور المستمر، وأنتم أيها المغررورون بمزخرفاتها لا تنتبهون. والله أيها المؤمنون {لَتُبْلَوُنَّ} ولتختبرن {فِيۤ} إتلاف {أَمْوَالِكُمْ} التي هي من حطام الدنيا {وَ} إماتة {أَنْفُسِكُمْ} وأولادكم التي هي الهالكة، المستهلكة في ذواتها {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} من اليهود والنصارى {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} ممن لا كتاب لهم و لانبي {أَذًى كَثِيراً} يؤذيكم سماعها؛ كل ذلك لتوطنوا أنفسكم على التوحيد، وتتمكنوا في مقام الرضا والتسليم وتستقروا في مقام العبودية، متمكنين، مطمئنين بلا تزلزل وتلوين {وَإِن تَصْبِرُواْ} أيها الموحدون بأمثالها {وَتَتَّقُواْ} عن الإضرار بها {فَإِنَّ ذٰلِكَ} الصبر والتقوى {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [آل عمران: 186] أي: الأمور التي هي من عزائم أرباب التوحيد، فعليكم أن تلازموها وتواظبوا عليها، إن كنتم راسخين فيه. ثبتنا بلطفك على نهج الاستقامة، وأعذنا من موجبات الندامة يوم القيامة. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمن يؤذيك، ومتبعيك من أهل الكتاب وقت {إِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ} المرسل للرسل، المنزل للكتب {مِيثَاقَ} أي: العهد الوثيق {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أي: أحبار اليهود والنصارى {لَتُبَيِّنُنَّهُ} أي: الكتاب صريحاً واضحاً، بلا تبديل ولا تغيير {لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} شيئاً مما فيه من القصص والعبر والرموز والإشارات، وخصوصاً من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم {فَنَبَذُوهُ} بعدما عهدوه {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} وإن كان المعهود عند أولي العزائم الصحيحة أن يكون نصب عيونهم {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ} أي: اختاروا بدله {ثَمَناً قَلِيلاً} من الرشى من مترفيهم ومستكبريهم؛ حفظاً لجاههم ورئاستهم {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] تلك الرشى بدل مما يكتمونه من أوصاف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن قوت كل نفس بالموت بقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، والإشارة في تحقيق الآيتين: إن كل نفس منفوسة {ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} [آل عمران: 185]؛ يعني: قابلة للفناء، ثم اعلم أن النفوس على ثلاثة أقسام: قسم منها: يموت ولا حشر له للبقاء كسائر الحيوانات، وقسم: يموت في الدنيا ويحشرون في الدنيا والآخرة؛ وهي نفوس خواص الإنسان، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن حيًّ في الدَّارين"تفسير : ، على أن لها موتاً معنوياً، كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : موتوا قبل أن تموتوا"تفسير : ، وهو الفناء في الله بالله لله ولها حياة معنوي في الدنيا كما قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ}تفسير : [الأنعام: 122]؛ وهو البقاء بنور الله تعالى، ففي قوله عز وجل: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، إشارة إلى: إن كل نفس مستعدة للفناء في الله ولا بد لها من موت، فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه بالله يكون بقاؤه بالله، {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 185] على قدر تقواكم وفجوركم، {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 185]، القطيعة وأخرج من جحيم الطبيعة على قدمي الشريعة والطريقة، {وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ} [آل عمران: 185]، الحقيقة {فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185]، {أية : فَوْزاً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 73]، {وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} [آل عمران: 185] ونعيمها، {إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} [آل عمران: 185]؛ أي: متاع يغتر بها المغرور والممكور. {لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 186] بالجهاد الأصغر، هل تجاهدون بها وتنفقونها في سبيل الله أم لا؟ وبالجهاد الأكبر، أما الأموال فهل تؤثرون على أنفسكم ولو كان بكم خصاصة؟ وأما الأنفس فهل تجاهدون في الله حق جهاده أم لا؟ {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [آل عمران: 186]؛ يعني: أهل العلم الظاهر، {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} [آل عمران: 186] أهل الرياء من القراء والزهاد، {أَذًى كَثِيراً} [آل عمران: 186]، بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض، {وَإِن تَصْبِرُواْ} [آل عمران: 186]، على جهاد النفس وبذل المال وأذية الخلق، {وَتَتَّقُواْ} [آل عمران: 186] بالله عما سواه، {فَإِنَّ ذٰلِكَ} [آل عمران: 186] الصبر والتقوى، {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [آل عمران: 186]، الذي هو من أمور أولي العزم، كما قال تعالى: {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [الأحقاف: 35] . ثم أخبر عن سياق أهل الميثاق بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} [آل عمران: 187]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى أخذ ميثاق ذرات من رش عليهم من نوره يوم {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، وأعطاه على قدر ذلك الرشاش علماً بأركان الإسلام ومعاملات الدين، وهدى الإيمان وطريق السلوك إليه، {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 187]؛ أي: للناسي منهم ذلك الميثاق، {وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، عن طالبيه ومستحقيه وذلك؛ لأنه تعالى بنى أمر هذا الدين على النصيحة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما الدين النصيحة"تفسير : ، {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187]، أكثر الخلق العمل بالميثاق، {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187]، من متاع الدنيا وزخارفها فإنه قليل، كما قال تعالى: {أية : قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} تفسير : [النساء: 77] فانياً بعذاب كثير باقٍ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الآية الكريمة فيها التزهيد في الدنيا بفنائها وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور، تفتن بزخرفها، وتخدع بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار، من خير وشر. { فمن زحزح } أي: أخرج، { عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } أي: حصل له الفوز العظيم من العذاب الأليم، والوصول إلى جنات النعيم، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ومفهوم الآية، أن من لم يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فإنه لم يفز، بل قد شقي الشقاء الأبدي، وابتلي بالعذاب السرمدي. وفي هذه الآية إشارة لطيفة إلى نعيم البرزخ وعذابه، وأن العاملين يجزون فيه بعض الجزاء مما عملوه، ويقدم لهم أنموذج مما أسلفوه، يفهم هذا من قوله: { وإنما توفون أجوركم يوم القيامة } أي: توفية الأعمال التامة، إنما يكون يوم القيامة، وأما ما دون ذلك فيكون في البرزخ، بل قد يكون قبل ذلك في الدنيا كقوله تعالى: {أية : ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر } .

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [185] 105- أنا محمد بن حاتم بن نُعَيم، أنا سُويد، أنا عبد الله عن شَريك، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال الله تبارك وتعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". وإن شئتم فاقرأوا {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]. وقال: "في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام"، فاقرأوا {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} [الواقعة: 30]. "وموضع سَوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها"، فاقرأوا {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} [آل عمران: 185] ".