٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
186
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما سلى الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } تفسير : [آل عمران: 185] زاد في تسليته بهذه الآية، فبين أن الكفار بعد أن آذوا الرسول والمسلمين يوم أحد، فسيؤذونهم أيضا في المستقبل بكل طريق يمكنهم، من الايذاء بالنفس والايذاء بالمال، والغرض من هذا الاعلام أن يوطنوا أنفسهم على الصبر وترك الجزع، وذلك لأن الانسان إذا لم يعلم نزول البلاء عليه فاذا انزل البلاء عليه شق ذلك عليه، أما اذا كان عالما بأنه سينزل، فاذا نزل لم يعظم وقعه عليه. أما قوله: {لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: اللام لام القسم، والنون دخلت مؤكدة وضمت الواو لسكونها وسكون النون، ولم تكسر لالتقاء الساكنين لأنها واو جمع فحركت بما كان يجب لما قبلها من الضم، ومثله {أية : ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ } تفسير : [البقرة: 16]. المسألة الثانية: {لَتُبْلَوُنَّ } لتختبرن، ومعلوم أنه لا يجوز في وصف الله تعالى الاختبار لأنه طلب المعرفة ليعرف الجيد من الردىء، ولكن معناه في وصف الله تعالى أنه يعامل العبد معاملة المختبر. المسألة الثالثة: اختلفوا في معنى هذا الابتلاء فقال بعضهم: المراد ما ينالهم من الشدة والفقر وما ينالهم من القتل والجرح والهزيمة من جهة الكفار، ومن حيث ألزموا الصبر في الجهاد. وقال الحسن: المراد به التكاليف الشديدة المتعلقة بالبدن والمال، وهي الصلاة والزكاة والجهاد. قال القاضي: والظاهر يحتمل كل واحد من الأمرين فلا يمتنع حمله عليهما. وأما قوله: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } فالمراد منه أنواع الايذاء الحاصلة من اليهود والنصارى والمشركين للمسلمين، وذلك لأنهم كانوا يقولون عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وثالث ثلاثة، وكانوا يطعنون في الرسول عليه الصلاة والسلام بكل ما يقدرون عليه، ولقد هجاه كعب بن الأشرف، وكانوا يحرضون الناس على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم. وأما المشركون فهم كانوا يحرضون الناس على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ويجمعون العساكر على محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ويثبطون المسلمين عن نصرته، فيجب أن يكون الكلام محمولا على الكل إذ ليس حمله على البعض أولى من حمله على الثاني. ثم قال عطفا على الأمرين: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال المفسرون: بعث الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر الى فنحاص اليهودي يستمده، فقال فنحاص قد احتاج ربك الى أن نمده، فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه: لا تغلبن على شيء حتى ترجع إلي، فتذكر أبو بكر رضي الله عنه ذلك وكف عن الضرب ونزلت هذه الآية. المسألة الثانية: للآية تأويلان: الأول: أن المراد منه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمصابرة على الابتلاء في النفس والمال، والمصابرة على تحمل الأذى وترك المعارضة والمقابلة، وإنما أوجب الله تعالى ذلك لأنه أقرب الى دخول المخالف في الدين، كما قال: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44] وقال: {أية : قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ } تفسير : [الجاثية: 14] والمراد بهذا الغفران الصبر وترك الانتقام وقال تعالى: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } تفسير : [الفرقان: 72] وقال: {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [الأحقاف: 35] وقال: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ } تفسير : [فصلت: 34] قال الواحدي رحمه الله: كان هذا قبل نزول آية السيف. قال القفال رحمه الله: الذي عندي أن هذا ليس بمنسوخ والظاهر أنها نزلت عقيب قصة أحد، والمعنى أنهم أمروا بالصبر على ما يؤذون به الرسول صلى الله عليه وسلم على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم، واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوال. والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه، واعلم أن قول الواحدي ضعيف، والقول ما قاله القفَّال. الوجه الثاني في التأويل: أن يكون المراد من الصبر والتقوى: الصبر على مجاهدة الكفار ومنابذتهم والانكار عليهم، فأمروا بالصبر على مشاق الجهاد، والجري على نهج أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الانكار على اليهود والاتقاء عن المداهنة مع الكفار، والسكوت عن إظهار الانكار. المسألة الثالثة: الصبر عبارة عن احتمال المكروه، والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي فقدم ذكر الصبر ثم ذكر عقبه التقوى، لأن الانسان إنما يقدم على الصبر لأجل أنه يريد الاتقاء عما لا ينبغي، وفيه وجه آخر: وهو أن المراد من الصبر هو أن مقابلة الاساءة بالاساءة تفضي إلى ازدياد الاساءة، فأمر بالصبر تقليلا لمضار الدنيا، وأمر بالتقوى تقليلا لمضار الآخرة، فكانت الآية على هذا التأويل جامعة لآداب الدنيا والآخرة. المسألة الرابعة: قوله: {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } أي من صواب التدبير الذي لا شك في ظهور الرشد فيه، وهو مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه، فتأخذ نفسه لا محالة به، والعزم كأنه من جملة الحزم وأصله من قول الرجل: عزمت عليك أن تفعل كذا، أي ألزمته إياك لا محالة على وجه لا يجوز ذلك الترخص في تركه، فما كان من الأمور حميد العاقبة معروفاً بالرشد والصواب فهو من عزم الأمور لأنه مما لا يجوز لعاقل أن يترخص في تركه، ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون معناه: فإن ذلك مما قد عزم عليكم فيه أي ألزمتم الأخذ به، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : هذا الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأُمته والمعنى: لتُختبرنّ ولتُمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء بالإنفاق في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع. والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب. وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها. {وَلَتَسْمَعُنَّ} إن قيل: لم ثبتت الواو في «لتبلُون» وحذفت من «وَلَتَسْمَعُنَّ»؛ فالجواب أن الواو في «لتبلون» قبلها فتحة فحركت لالتقاء الساكنين، وخُصّت بالضمة لأنها واو الجمع، ولم يجز حذفها لأنها ليس قبلها ما يدل عليها، وحذفت من «ولتسمعن» لأن قبلها ما يدل عليها. ولا يجوز همز الواو في «لتبلُون» لأن حركتها عارضة؛ قاله النحاس وغيره. ويقال للواحد من المذكر: لَتُبْلُيَنَّ يا رجل. وللإثنين: لتبليانّ يا رجلان. ولجماعة الرجال: لتبلُونّ. ونزلت بسبب أن أبا بكر رضي الله عنه سمع يهودياً يقول: إن الله فقير ونحن أغنياء. رداً على القرآن واستخفافاً به حين أنزل الله {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}تفسير : [البقرة: 245] فلطمه؛ فشكاه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت. قيل: إن قائلها فِنحاص اليهودي؛ عن عكرمة. الزُّهرِيّ: هو كعب ابن الأشرف نزلت بسببه؛ وكان شاعراً، وكان يهجو النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه، ويُؤَلِّب عليه كفار قريش: ويْشبِّب بنساء المسلمين حتى بعث (إليه) رسولُ الله صلى الله عليه وسلم محمَد بنَ مَسْلمة وأصحابَه فقتله القِتْلة المشهورة في السِّيَر وصحيح الخبر. وقيل غير هذا. وكان صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان بها اليهود والمشركون، فكان هو وأصحابه يسمعون أذًى كثيراً. وفي الصحيحين أنه عليه السلام مرّ بٱبن أُبَيّ وهو عليه السلام على حمار فدعاه إلى الله تعالى فقال ابن أُبَيّ: إن كان ما تقول حقّاً فلا تؤذنَا به في مجالسنا! ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. وقبض على أنفه لئلا يصيبه غبار الحمار، فقال ابن رَوَاحة نعم يا رسول الله، فاغْشنَا في مجالسنا فإنا نحبّ ذلك. وٱستبّ المشركون الذين كانوا حول ابن أُبَيّ والمسلمون، وما زال النبيّ صلى الله عليه وسلم يسكّنهم حتى سَكنوا. ثم دخل على سعد بن عُبادة يعوده وهو مريض، فقال: «ألم تسمع ما قال فلان» فقال سعد: أعف عنه وٱصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي نَزل، وقد اصطلح أهل هذه البُحَيْرة على أن يتوِّجوه ويعصبوه بالعصابة؛ فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكَهُ شَرِقَ به، فذلك فعل به ما رأيت. فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه الآية. قيل: هذا كان قبل نزول القتال، ونَدَب الله عبادَه إلى الصبر والتقوى وأخبر أنه من عزم الأمور. وكذا في البخاريّ في سياق الحديث، أن ذلك كان قبل نزول القتال. والأظهر أنه ليس بمنسوخ؛ فإن الجدال بالأحسن والمداراة أبداً مندوب إليها، وكان عليه السلام مع الأمر بالقتال يوادع اليهود ويُدَاريهم، ويصفح عن المنافقين، وهذا بيِّن. ومعنى {عَزْمِ ٱلأُمُورِ} شدّها وصلابتها. وقد تقدّم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَتُبْلَوُنَّ } حذف منه نون الرفع لتوالي النونان، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين، لتُخْتَبَرُنَّ {فِى أَمْوٰلِكُمْ } بالفرائض فيها والحوائج {وأَنفُسِكُمْ } بالعبادات والبلاء {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } اليهود والنصارى {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } من العرب {أَذًى كَثِيراً } من السَّب والطعن والتشبيب بنسائكم {وَإن تَصْبِرُواْ } على ذلك {وَتَتَّقُواْ } الله {فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } أي: من معزوماتها التي يُعزم عليها لوجوبها.
ابن عطية
تفسير : هذا الخطاب للنبي عليه السلام وأمته، والمعنى: لتختبرن ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء، وبالإنفاق في سبيل الله، وفي سائر تكاليف الشرع، والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض، وفقد الأحبة بالموت، واختلف المفسرون في سبب قوله تعالى: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} فقال عكرمة وغيره: السبب في ذلك قول فنحاص: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقوله: يد الله مغلولة إلى غير ذلك، وقال الزهري وغيره: نزلت هذه الآية بسبب كعب بن الأشرف، فإنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ويشبب بنساء المسلمين، حتى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتله القتلة المشهورة في السيرة، و"الأذى": اسم جامع في معنى الضرر وهو هنا يشمل أقوالهم فيما يخص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من سبهم وأقوالهم في جهة الله تعالى وأنبيائه، وندب الله تعالى عباده إلى الصبر والتقوى، وأخبر أنه من عزم الأمور، أي من أشدها وأحسنها، و"العزم": إمضاء الأمر المروي المنقح، وليس ركوب الأمر دون روية عزماً إلا على مقطع المشيحين من فتاك العرب كما قال: شعر : إذا هَمَّ ألقَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عزْمَهُ وَنَكَّبَ عَنْ ذِكْرِ الْحَوَادِثِ جَانِبَا تفسير : وقال النقاش: العزم والحزم بمعنى واحد: الحاء مبدلة من العين. قال القاضي: وهذا خطأ، والحزم: جودة النظر في الأمور وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه، و"العزم": قصد الإمضاء، والله تعالى يقول: {أية : وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت} تفسير : [آل عمران: 159] فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم، والعرب تقول: قد أحزم لو أعزم. قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} الآية، توبيخ لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو مع ذلك خبر عام لهم ولغيرهم. والعامل في {إذ} فعل مقدر تقديره اذكر، وأخذ هذا الميثاق وهو على ألسنة الأنبياء أمة بعد أمة، وقال ابن عباس والسدي وابن جريج: الآية في اليهود خاصة، أخذ الله عليهم الميثاق في أمر محمد فكتموه ونبذوه، قال مسلم البطين: سأل الحجاج بن يوسف جلساءه عن تفسير هذه الآية فقالم رجل إلى سعيد بن جبير فسأله فقال له: نزلت في يهود أخذ الميثاق عليهم في أمر محمد فكتموه، وروي عن ابن عباس أنه قرأ "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتبيننه" فيجيء قوله {فنبذوه} عائداً على الناس الذين بين الأنبياء لهم، وقال قوم من المفسرين: الآية في اليهود والنصارى، وقال جمهور من العلماء: الآية عامة في كل من علمه الله علماً، وعلماء هذه الأمة داخلون في هذا الميثاق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، وقد قال أبو هريرة: إني لأحدثكم حديثاً، ولولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه ثم تلا {أية : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} تفسير : [البقرة: 174] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: "ليبيننه للناس ولا يكتمونه"، بالياء من أسفل فيهما، وقرأ الباقون وحفص وعاصم بالتاء من فوق فيهما، وكلا القراءتين متجه، والضمير في الفصلين عائد على الكتاب، وفي قراءة ابن مسعود"لتبينونه" دون النون الثقيلة، وقد لا تلزم هذه النون لام القسم، قاله سيبويه، و"النبذ" الطرح، وقوله تعالى: {وراء ظهورهم}، استعارة لما يبالغ في اطراحه، ومنه {أية : واتخذتموه وراءكم ظهرياً} تفسير : [هود: 92] ومنه قول الفرزدق: [الطويل] شعر : تَميم بْنَ مُرٍّ لا تَكُونَنَّ حاجتي بظهرٍ فَلا يعيى عليَّ جَوابُها تفسير : ومنه بالمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجعلوني كقدح الراكب. أراد عليه السلام، لا تجعلوا ذكري وطاعتي خلف أظهركم، وهو موضع القدح ومنه قول حسان: [الطويل] شعر : (كَمَا نِيطَ خلْفَ الراكِبِ الْقَدَحُ الْفَرْدُ) تفسير : والتشبيه بالقدح إنما هو في هيئته لا في معناه، لأن الراكب يحتاجه، ومحله من محلات الراكب جليل، والثمن القليل: هو مكسب الدنيا. وباقي الآية بين. قال أبو محمد: والظاهر في هذه الآية أنها نزلت في اليهود، وهم المعنيون ثم إن كل كاتم من هذه الأمة يأخذ بحظه من هذه المذمة ويتصف بها.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَالِكُمْ} بالزكاة والنفقة في الطاعة {وَأَنفُسِكُمْ} بالجهاد والقتل. {أَذًى كَثِيرًا} الكفر كقولهم عُزير ابن الله، والمسيح ابن الله، أو هجو كعب بن الأشرف للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وتحريضه عليهم للمشركين، أو قول فنحاص اليهودي لما سئل الإمداد قال: احتاج ربكم إلى أن نمده.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {لتبلون} اللام لام القسم تقديره والله لتبلون أي لتختبرن فتوقع عليكم المحن ليعلم المؤمن من غيره والاختبار طلب المعرفة ليعرف الجيد من الرديء وذلك في وصف الله محال لأن الله تعالى عالم بحقائق الأشياء كلها قبل أن يخلقها فعلى هذا يكون معنى الاختبار في وصف الله تعالى أنه يعامل العبد معاملة المختبر {في أموالكم} يعني بالابتلاء في الأموال بالنقصان منها وقيل بأداء ما فرض فيها من الحقوق {وأنفسكم} يعني بالمصائب والأمراض والقتل وفقد الأقارب والعشائر خوطب بهذه الآية المسلمون ليوطنوا أنفسهم على احتمال الأذى وما سيلقون من الشدائد والمصائب ليصبروا على ذلك حتى إذ لقوها لقوها وهم مستعدون بالصبر لها لا يرهقهم ما يرهق غيرهم ممن تصيبه الشدة بغتة فينكرها ويشمئز منها {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً} قال عكرمة نزلت في أبي بكر الصديق وفنحاص بن عازوراء وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص سيد بني قينقاع يستمده وكتب إليه معه كتاباً وقال لأبي بكر: لا تفتأتن علي بشيء حتى ترجع فجاء أبو بكر وهو متوشح بالسيف إلى فنحاص وأعطاه الكتاب فلما قرأه قال فنحاص قد احتاج ربك حتى نمده فهم أبو بكر أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تفتأتن علي بشيء حتى ترجع فنزلت الآية وقال الزهري نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وكعب بن الأشرف اليهودي وذلك أنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويسب المسلمين ويحرض المشركين على قتالهم في شعره. (ق) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله قال محمد بن مسلمة أتحب أن أقتله قال نعم قال ائذن لي فالأقل قال فأتاه فقال له وذكر ما بينهم وقال إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وقد عنانا فلما سمعه قال وأيضاً والله لتملنه قال إنا قد ابتعناه ونكره الآن أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره قال: وقد أردت أن تسلفني سلفاً قال فما ترهنني أترهنني نساءكم؟ قال أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا قال له ترهنون أولادكم قال يسب ابن أحدكم فيقال رهن في وسقين من تمر ولكن نرهنك اللأمة يعني السلاح قال: نعم. وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عيسى بن جبر وعباد بن بشر قال فجاؤا فدعوه ليلاً إليهم قالت امرأته إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم قال إنما هو محمد ورضيعي أبو نائلة أن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلاً لأجاب قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم قال فلما نزل نزل وهو متوشح فقالوا: نجد منك ريح الطيب قال: نعم تحتي فلانة أعطر نساء العرب قال فتأذن لي أن أشم منه قال نعم فتناول فشم ثم قال: أتأذن لي أن أعود فاستمكن من رأسه ثم قال دونكم فقتلوه"تفسير : . زاد في رواية ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وزاد أصحاب السير والمغازي فاختلف عليهم أسيافهم فلم تغن شيئاً قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولاً في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا إلاّ وأوقدت عليه نار قال فوضعته في ثندوته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا فخرجنا وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث ونزفه الدم فوقفنا له ساعة حتى أتانا يتبع آثارنا فحملناه وجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج علينا فأخبرناه بقتل كعب بن الأشرف وجئنا برأسه إليه وتفل على جرح صاحبنا فرجعنا إلى أهلنا وأصبحنا وقد خافت اليهود وقعتنا بعدو الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظفرتم به من رجال اليهود فاقتلوه وأنزل الله عز وجل في شأن الأشرف اليهودي {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني اليهود والنصارى {ومن الذين أشركوا} يعني مشركي العرب {أذى كثيراً} يعني بالأذى قول اليهود إن الله فقير ونحن أغنياء وما أشبه ذلك من افترائهم وكذبهم على الله ورسوله وما كان كعب بن الأشرف يهجو به النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين فهذا هو الأذى الكثير {وإن تصبروا وتتقوا} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين يعني وإن تصبروا على أذاهم وتتقوا فيما أمركم به ونهاكم عنه لأن الصبر عبارة عن احتمال الأذى والمكروه والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي {فإن ذلك من عزم الأمور} أي من صواب التدبير الذي لا شك أن الرشد فيه ولا ينبغي لعاقل تركه وأصله من قولك عزمت عليك أن تفعل كذا أي ألزمتك أن تفعله لا محالة ولا تتركه وقيل معناه فإن ذلك مما قد عزم عليكم فعله أي ألزمتم الأخذ به.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ...} الآية: خطابٌ للنبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمته، والمعنَىٰ: لتختبرنَّ ولتمتحننَّ في أموالكم بالمَصَائب والأَرْزَاء، وبالإنفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفي سَائِرِ تَكَاليفِ الشَّرْع، والابتلاءُ في الأنفس بالمَوْتِ، والأمراضِ وفَقْدِ الأحبَّة، قال الفَخْر: قال الواحديُّ: اللام في {لَتُبْلَوُنَّ}: لامُ قسمٍ. انتهى. وقوله: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ...} الآية: قال عِكْرِمَةُ وغَيْره: السبَبُ في نزولها أقوالُ فِنْحَاص، وقال الزُّهْريُّ وغيره: نزلَتْ بسبب كَعْب بن الأشْرفِ؛ حتى بعث إلَيْه رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم مَنْ قتله، والأذَى: اسمٌ جامعٌ في معنى الضَّرَر، وهو هنا يشملُ أقوالهم فيما يَخُصُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابه؛ مِنْ سبٍّ، وأقوالهم في جِهَة اللَّه سبحانه، وأنبيائه، وندَبَ سبحانه إلى الصبْرِ والتقوَىٰ، وأخبر أنه مِنْ عَزْم الأمور، أي: مِنْ أشدِّها وأحسنها، والعَزْمُ: إمضاءُ الأَمْر المُرَوَّى المُنَقَّح، وليس رُكُوبُ الرأْي دون رَوِيَّةٍ عَزْماً.
ابن عادل
تفسير : وهذه الآية زيادة في تَسْلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه بَيَّن له أنّ الكفار بعد أن آذَوُا الرسولَ صلى الله عليه وسلم والمسلمين يومَ أحُدٍ، فسيؤذونهم - أيضاً - في المستقبل في النفسِ والمالِ. والمرادُ منه أن يُوَطِّنوا أنفسَهم على الصْبر؛ فإن العالم بنزول البلاء عليه لا يعظم وَقْعه في قَلْبِهِ بخلاف غيرِ العالم فإنه يعظم عنده ويَشُقُّ عَلَيْهِ. قوله: {لَتُبْلَوُنَّ} هذا جوابُ قَسَم محذوف، تقديره: والله لَتُبْلَوُنَّ، وهذه الواو هي واو الضمير، والواو التي هي لام الكلمة حُذِفَتْ لأمر تصريفيِّ، وذلك أن أصله: لَتُبْلَوُّنَنَّ، فالنون الأولى للرفع، حُذِفَتْ لأجل نونِ التوكيد، وتحرَّكَت الواوُ [الأولى] - التي هي لامُ الكلمةِ - وانفتح ما قبلَهَا فقُلِبَتْ ألفاً، فالتقى ساكنان - الألف وواو الضمير - فحُذِفَتْ الألف؛ لئلا يلتقيا، وضُمَّتْ الواو؛ دلالةً على المحذوف. وإنْ شئت قلتَ: استُثْقِلَتْ الضمةُ على الواو الأولى، فحُذِفَت، فالتقى ساكنان، فحُذِفَتْ الواوُ الأولى وحُرِّكت الثانيةُ بحركة مجانسةٍ، دلالةً على المحذوف. ولا يجوز قَلْبُ مثل هذه الواوِ همزةً؛ [لأن حركتها عارضةٌ] ولذلك لم [تُقلَب] ألِفاً، وإن تحرَّكَتْ وانفتح ما قبلَها. ويقال للواحدِ من المذكَّر: لتُبْلَوَنَّ يا رجلُ وللاثنين: لتبليانِّ يا رجلانِ، ولجماعة الرجال: لتبلوُنَّ. وأصل "لَتسْمعنَّ": لَتَسْمَعُونَنَّ، ففعل فيه ما تقدم، إلا أن هنا حُذِفَتْ واوُ الضمير؛ لأن قَبْلَهَا حَرْفاً صحيحاً. فصل في المراد بالابتلاء معنى الابتلاء: الاختبار وطلب المعرفةِ، ومعناه في وَصْف الله تعالى به معاملةُ العبد معاملةَ المختبر، واختلفوا في هذا الابتلاء، فقيل: المراد ما نالهم من الشدة والفَقْرِ والقتل والجرح من الكفار، ومن حيثُ أُلزموا الصبر في الجهاد. وقيل: الابتلاء في الأموال بالمصائب، وبالإنفاق في سبيل اللَّهِ وسائر تكاليف الشَّرْع، والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفَقْد الأحْباب. وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها. وقال الحسنُ: التكاليفُ الشديدَةُ المتعلقة بالدينِ والمالِ، كالصلاة والزكاة والجهاد. وقال القاضي: والظاهرُ يحتمل الكُلَّ. قوله: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} المرادُ منه أنواع الأذى الحاصلة من اليهود والنصارَى والمشركين للمسلمين، وذلك أنهم كانوا يقولون: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 30] و {أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 30] و "ثالث ثلاثة" وكانوا يطعنون في الرسول بكل ما يقدرون عليه، وهجاه كعبُ بن الأشرفِ، وكانوا يُحَرِّضون النَاس على مخالفة الرسول، ويجمعون الناس لمحاربته، ويُثَبّطون المسلمين عن نُصْرَتِه، ثم قال: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}. قال المفسّرونَ: حديث : بَعَثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى فنحاص اليهوديِّ، يستمده، فقال فنحاصٌ: قد احتاج ربكم إلى أن نمده فَهَمَّ أبو بكر أن يَضْرِبَه بالسيف، وكان صلى الله عليه وسلم قال له - حين أرسله -: لا تغلبن على شيء حتى ترجع إليَّ، فتذكَّر أبو بكر ذلك، وكفَّ عن الضربتفسير : فنزلت الآية. فصل في الآية تأويلان: أحدهما: أن المرادَ منه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمصابرة على الابتلاء في النفسِ والمالِ، وتحمُّلِ الأذَى، وتَرك المعارضة والمقابلة، وذلك لأنه أقرب إلى دخول المُخالف في الدين، كقوله تعالى: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 44] وقوله: {أية : قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ} تفسير : [الجاثية: 14] وقوله: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} تفسير : [الفرقان: 72] وقوله: {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [الأحقاف: 35] وقوله: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34]. قال الواحديُّ: كان هذا قَبلَ نزولِ آية السيف. قال القفّالُ: والذي عندي أنّ هذا ليس بمنسوخ، والظاهر أنها نزلت عقب قصة أحُدٍ، والمعنى: أنهم أمِرُوا بالصَّبر على ما يؤذون به الرسولَ صلى الله عليه وسلم على طريقِ الأقوالِ الجارية فيما بينهم، واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوالِ، والأمر بالقتالِ لا ينافي الأمر بالمُصابرة. التأويل الثاني: أن يكونَ المرادُ من الصَّبرِ والتقوى: الصبر على مجاهدة الكفار ومنابذتهم والإنكار عليهم. فالصبرُ عبارة عن احتمال الأذى والمكروه، والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي. وقوله: {فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} أي: من صواب التدبير والرشدِ الذي ينبغي لكل عاقلٍ أن يُقْدِمَ عليه. وقيل: {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} أي: من حق الأمورِ وخَيرها. وقال عطاءٌ: من حقيقة الإيمان.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {لتبلون...} الآية قال: أعلم الله المؤمنين أنه سيبتليهم، فينظر كيف صبرهم على دينهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري في قوله {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره، ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأخرج ابن المنذر من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب} يعني اليهود والنصارى، فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: عزير ابن الله. ومن النصارى قولهم: المسيح ابن الله. وكان المسلمون ينصبون لهم الحرب، ويسمعون إشراكهم بالله {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} قال: من القوّة مما عزم الله عليه وأمركم به. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {وإن تصبروا وتتقوا...} الآية. قال: أمر الله المؤمنين أن يصبروا على من آذاهم رغم أنهم كانوا يقولون: يا أصحاب محمد لستم على شيء، نحن أولى بالله منكم، أنتم ضلال. فأمروا أن يمضوا ويصبروا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {إن ذلك من عزم الأمور} يعني هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {من عزم الأمور} يعني من حق الأمور التي أمر الله تعالى.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [الآية: 186]. قال ابن يزدانيار: لتبلون فى أموالكم بجمعها ومنعها، والتقصير فى حقوق الله تعالى فيها، وأنفسكم باتباع شهواتها وترك رياضاتها وملازمتها أسباب الدنيا وخلوها عن النظر فى أمور المعاد. وقيل: {لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ} بحبها ومنع حقوقها، وأنفسكم برؤية أعمالها والاعتماد عليها. وقيل: لتبلون فى أموالكم بالاشتغال بها أخذًا وعطاءً.
القشيري
تفسير : كفاهم أكثر أسباب الضر بما أخبرهم عن حلولها بهم قبل الهجوم، وعرّفهم أن خير الأمْرَيْن لهم إيثار الصبر واختيار السكون تحت مجاري الأقدار.
البقلي
تفسير : {لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} النفس صنم زينها الحق بكسوة الربوبية وملأها من القهر واللطف وكسى زينة ملكه اموال الدنيا امتحانا للعاشقين فمن نظر الى نفسه بغير زينة الحق صار فرعونا نطق لسان القهر منه بانا ربكم الاعلى وذلك مكر القدم وساتدراجه ومن نظر الى ربوبيته وفنيت نفسه فها نطق لسان الربوبية منه كالحلاج قدس الله ورحه العزيز بقوله انا الحق ومثاله فى ذلك مثال شجرة موسى حيث نطق الحق سبحانه منها بقوله انى انا الله نطق بصفته عن فعله ومن نظر الى زينة الاموال التى هي زينة الملك صار حاله حال سليمان صلوات الله عليه لانه كان ينظر الى شرف جلاله باعطاء الملك اياه ومن نظر الى حضرة الدنيا وتابع شهواتها صار كالبلعام فمثله كمثل الكلب واى الابتلاء اعظم من رؤية الملك ورؤية الربوبية فى الكون لانه محل الالتباس فمن كان محتجبا بهذين الوسلتين الفردانية بفى فى تهمه العشق خارجا عن نعوت الفردانية والوحدانية قال ابن زانيار لتبلون اموالكم بجمعها منعها والتقصير فى حقوق الله فيها وانفسكم باتباع شهواتها وترك رياضتها وملازمتها اسباب الدنيا وخلوها عن النظر فى امور المعاد وقيل لتبلون فى اموالكم بالاشتغال بها اخذ واعطاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {لتبلون} اصل الابتلاء الاختبار اى تطلب الخبرة بحاله المختبر بتعريضه لامر يشق عليه غالبا ملابسة او مفارقة وذلك انما يتصور ممن لا وقوف له على عواقب الامور واما من جهة العليم الخبير فلا يكون الا مجازا من تمكينه للعبد من اختيار احد الامرين او الامور قبل ان يرتب عليه شيئاً هو من مباديه العادية. والجملة جواب قسم محذوف اى والله لتعاملن معاملة المختبر ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق والاعمال الحنسة {فى اموالكم} بما يقع فيها من ضروب الآفات المؤدية الى الهلاك {وانفسكم} بالقتل والاسر والجراح وما يرد عليها من اصناف المتاعب والمخاوف والشدائد ونحو ذلك {ولتسمعن من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم} اى من قبل ايتئاكم القرآن وهم اليهود والنصارى {ومن الذين اشركوا} من العرب كأبى جهل والوليد وابى سفيان وغيرهم {اذى كثيرا} من الطعن فى الدين الحنيف والقدح فى احكام الشرع الشريف وصد من اراد ان يؤمن وتخطئة من آمن وما كان من كعب بن الأشرف واصحابه من هجاء المؤمنين وتحريض المشركين على مضادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما لا خير فيه اخبرهم بذلك قبل وقوعها ليوطنوا انفسهم على الصبر والاحتمال على المكروه ويستعدوا للقائها فان هجوم الاوجال مما يزلزل اقدام الرجال والاستعداد للكروب مما يهون الخطوب {وان تصبروا} على تلك الشدائد والبلوى عند ورودها وتقابلوها بحسن التقابل {وتتقوا} اى تتبتلوا الى الله تعالى بالكلية معرضين عما سواه بالمرة بحيث يتساوى عندكم وصول المحبوب ولقاء المكروه {فان ذلك} يعنى الصبر والتقوى {من عزم الامور} من معزوماتها التى تنافس فيها المتنافسون اى مما يجب ان يعزم عليه كل احد لما فيه من كمال المزية والشرف او مما عزم الله تعالى عليه وامر به وبالغ فيه يعنى ان ذلك عزمة من عزمات الله لا بد ان تصبروا وتتقوا. واعلم ان مقابلة الاساءة تفضى الى ازدياد الاساءة فامر بالصبر تقليلا لمضار الدنيا وامر بالتقوى تقليلا لمضار الآخرة فالآية جامعة لآداب الدنيا والآخرة. فعلى العاقل ان يتخلق باخلاق الانبياء والاولياء ويتأدب بآدابهم فانهم كانوا يصبرون على الاذى ولا يقابلون السفيه بمثل مقابلته واذا مروا باللغو مروا كراما شعر : بدى را بدى سهل باشد جزا كر مردى احسن الى من اساء تفسير : وقد مدح الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله {أية : وإنك لعلى خلق عظيم} تفسير : [القلم: 4]. قالت عائشة رضى الله عنها كان خلق النبى صلى الله عليه وسلم القرآن يعنى تأدب بآداب القرآن قيل مدار عظم الخلق بذل المعروف وكف الأذى اى احتماله ورسول الله عليه الصلاة والسلام كان موصوفا بها وقد انزل الله فى معروفه {أية : ولا تبسطها كل البسط} تفسير : [الإسراء: 29]. وتحمل الاذى انما يكون بصبر قوى وهو عليه السلام كان صبورا لتحمل الاذى اكثر من ان يحصى قال عليه السلام "حديث : صل من قطعك واعف عمن ظلمك وأحسن الى من اساء اليك " .تفسير : وما امر عليه السلام غيره بها الا بعد ان تخلق بها وامته لا بد ان تتبعه فى تحمل الاذى وغيرها لا تسمع بدون الحجة القوية والابتلاآت التى ترد من طرف الحق كلها لتصفية النفس وتوجيهها من الخلق الى الخالق ولهذا قال عليه الصلاة والسلام "حديث : ما اوذى نبى مثل ما اوذيت " .تفسير : كأنه قال ما صفى نبى مثل ما صفيت "حديث : وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادع الله على المشركين فقال "إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابا " .تفسير : فالابتلاء رحمة ونعمة: قال جلال الدين قدس سره شعر : درد بشتم داد حق تامن زخواب بر جهم در نيم شب باسوز وتاب تانخسبم جمله شب جون كاوميش دردها بخشيد حق از لطف خويش تفسير : والاشارة فى الآية {لتبلون فى اموالكم وانفسكم} بالجهاد الاصغر هل تجاهدون بها وتنفقونها فى سبيل الله وبالجهاد الاكبر اما الاموال فهل تؤثرون على انفسكم ولو كان بكم خصاصة واما الانفس فهل تجاهدون فى الله حق جهاده اولا {ولتسمعن من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم} يعنى اهل العلم الظاهر {ومن الذين اشركوا} اى اهل الرياء من القراء والزهاد {اذى كثيرا} بالغيبة والملامة والانكار والاعتراض {وان تصبروا} على جهاد النفس وبذل المال واذية الخلق {وتتقوا} بالله عما سواه {فان ذلك من عزم الامور} الذى هو من امور اولى العزم كما قال {أية : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} تفسير : [الأحقاف: 35]. ومن لم يحافظ على هذه الامور كان من المدعين شعر : مشكل آيد خلق را تغيير خلق آنكه بالذات است كى زائل شود اصل طبع است وهمه اخلاق فرع فرع لابد اصل را مائل شود تفسير : فظهر ان من لم يهد الله لا يهتدى الى مكارم الاخلاق وحسان الخصال وسنيات الاحوال.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: أصل {تبلونَّ}: تُبلوون كتُنصرون، ثم قلبت الواو ألفاً، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فصار تبلْونن، ثم أكد بالنون، فاجتمع ثلاث نونات، حذفت نون الرفع فالتقى ساكنان؛ الواو ونون التوكيد، فحركت الواو بالضمة المجانسة، وهي النائب عن الفاعل. يقول الحقّ جلّ جلاله: والله {لتبلون} أي: لتختبرن {في أموالكم}؛ بما يصيبها من الآفات، وما كُلفتم به من النفقات، {وأنفسكم}؛ بالقتل والجراحات، والأسر والأمراض وسائر العاهات. {ولتسمعُن من الذين أتوا الكتاب من قبلكم}؛ اليهود {ومن الذين أشركوا}، كفار مكة، {أذى كثيراً} كقولهم: إن الله فقير، وهجاء الرسول - عليه الصلاة والسلام -، والطعن في الدين، وإغراء الكفرة على المسلمين، أو غير ذلك من الأذى، أعْلَمهم بذلك قبل وقوعه، ليتأهبوا للصبر والاحتمال، حتى لا يروعَهم نزولها حين الإنزال. {وتتقوا} الله فيما أمركم به، {فإن ذلك من عزم الأمور} أي: من معزومات الأمور التي يجب العزم عليها، أو مما عزم الله على فعلها، وأوْجَبه على عباده. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من دخل في طريق الخصوص بالصدق والعزم على الوصول، لا بد أن يُبتلى ويختبر في ماله ونفسه، ليظهر صدقه في طلبه، ولا بد أن يسمع من الناس أذى كثيراً، فإن صبر ظفر، وإن رجع خسر، وهذه سنة الله في عباده:{أية : وَلَنَبْلَوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ}تفسير : [محَمَّد: 31]، قال الورتجبي: {لتبلون في أموالكم}؛ بجمعها ومنها والتقصير في حقوق الله فيها، {وأنفسكم}؛ باتباع شهواتها، وترك رياضتها، وملازمتها أسباب الدنيا، وخلوها من النظر في أمر الميعاد، وقيل: {لتبلون في أموالكم}؛ بالاشتغال بها أخذاً وإعطاء.هـ.
الطوسي
تفسير : قوله: {لتبلون} معناه لتختبرن أي توقع عليكم المحن، وتلحقكم الشدائد في أنفسكم، وأموالكم من قبل الكفار نحو ما نالهم من الشدائد في أنفسهم يوم أحد، ونحو ما كان الله يفعل بهم من الفقر وشدة العسر، وانما فعله ليصبروا وسماه بلوى مجازاً، لأن حقيقته لا تجوز عليه تعالى، لأنها التجربة في اللغة. ويتعالى الله عن ذلك، لأنه عالم بالاشياء قبل كونها. وإنما فعله ليتميز المحق منكم من غيره - هذا قول أبي علي الجبائي - وقال البلخي: معناه لتبلون بالعبادات في أنفسكم كالصلاة والصيام وغيرهما. وفي أموالكم من الانفاق في سبيل الله والزكوات، ليتميز المطيع من العاصي. واللام لام القسم. والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو لسكونها، وسكون النون. ولم تنصب لأنها واو الجمع فرقا بينها وبين واو الاعراب. ويقال للواحد، لتبلين يا رجل وللاثنين لتبليان. ويفتح الياء في لتبلين في الواحد عند سيبويه لسكونها وسكون النون. وفي قول غيره تبنى على الفتح لضم النون إليها، كما يبنى ما قبل هاء التأنيث. وللمرأة لتبلين وللمرأتين لتبليان وللنساء لتبتلينان. زيدت الالف لاجتماع النونات وقوله: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً} يعني ما سمعوه من اليهود ومن كفار مكة وغيرهم من تكذيب النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن الكلام الذي يغمهم ويكرثهم ثم بين تعالى بقوله: {وإن تصبروا وتتقوا} انكم إن صبرتم على ذلك وتمسكتم بالطاعة ولم تجزعوا عنده جزعاً يبلغ الاثم، {فإن ذلك من عزم الأمور} ومعناه من جزم الامور، أي ما بان رشده وصوابه. ووجب على العاقل العزم عليه. وأذى مقصور. ويكتب بالياء يقال أذى يأذى أذىً: إذا سمع ما يسوءه وقد آذاني فلان يؤذيني إيذاءاً وتأذيت به تأذياً. وقال عكرمة وغيره: إن هذه الآيات كلها نزلت في فنحاص اليهودى سيد بني قينقاع حين كتب النبي (صلى الله عليه وسلم) إليه يستمده، فقال فنحاس: قد احتاج ربكم أن نمده. وهو القائل: {أية : إن الله فقير ونحن أغنياء} تفسير : ونزلت فيه أيضاً {أية : لا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم}تفسير : وقال الزهري: الآية نزلت في كعب بن الاشرف، وكان يهجو النبي (صلى الله عليه وسلم)، والمؤمنين ويحرض المشركين عليهم حتى قتله محمد بن مسلمة غيلة. والبلوى التي ابتلوا بها، قال الحسن: هي فرائض الدين من الجهاد في سبيل الله، والنفقة في طاعة الله، والتمسك بما يجب لله في كلما أمر به ودعا إليه.
الجنابذي
تفسير : {لَتُبْلَوُنَّ} مستأنفة منقطعة عمّا قبلها، او جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما لنا يرد علينا البلايا فى أموالنا وأنفسنا؟ - فقال: أقسم بالله على سبيل التّأكيد بالقسم ولامه ونون التّأكيد لتبلونّ ولتمتحننّ حتّى يخرج ما ينافى الايمان من وجودكم ويخلص ايمانكم ممَّا خالطه من الاغراض الفاسدة الشّيطانيّة والاهوية الكاسدة النّفسانيّة فأشار بلفظ لتبلونّ الى انّ الابتلاء {فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} لان يخلصكم ممّا لا ينبغى ان يكون خليط ايمانكم، والابتلاء فى الاموال بتكليف اخراج الحقوق منها او تكليف قضاء الحوائج وحفظ النّفوس والحقوق وصلة الارحام بها، او باتلافها بآفاتٍ ارضيّة وسماويّة، والابتلاء فى النّفوس بتكليف الجهاد والحجّ وسائر العبادات، او بالآفات البدنيّة والنّفسيّة {وَلَتَسْمَعُنَّ} ذكر للخاصّ بعد العامّ للاهتمام به فانّ سماع الاذى ابتلاء فى الانفس {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} اليهود والنّصارى {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} اى قولاً فيه اذى كثير لكم كهجاء الرّسول (ص) والطّعن فى دينكم ولمز المؤمنين والتّخويف بالقتل والاسر والنّهب والشّماتة بكم وغير ذلك، وهذا اخبار على سبيل التّأكيد حتّى يوطّنوا انفسهم عليه فلا يضطربوا فى دينهم ولا فى انفسهم حين ورودها عليهم {وَإِن تَصْبِرُواْ} ولا تضطربوا فى الدّين ولا تخرجوا بالجزع عن الثّبات فى الدّين ولا تتبادروا الى المكافاة بالالسن او الايدى {وَتَتَّقُواْ} عن المكافاة بالاساءة اليهم وعمّا يخالف رضى الله تتمكّنوا فى دينكم وتتفضّلوا بصفة العزيمة والثّبات {فَإِنَّ ذٰلِكَ} الصّبر والتّقوى {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} ممّا يعزم عليه من الامور اى ممّا ينبغى ان يعزم ويوطّن النّفوس عليه.
الحبري
تفسير : وَقَوْلُهُ: { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} نَزَلَتْ في رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] خَاصَّةً وفي أَهْلِ بَيْتِهِ.
فرات الكوفي
تفسير : {وَلَتَسْمَعنَّ مِنَ الذِّينَ أوتوا الكِتاب مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذِّينَ أشْرَكوا أذىً كثيراً186} [وأيضاً عنه]: وقوله: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً} [قال. أ]: نزلت في رسول الله صلى الله عليه [وآله وسلم. ن] خاصة وفي أهل بيته [خاصة. أ. عليهم السلام. ر].
اطفيش
تفسير : {لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}: أى والله لتصابن فى أموالكم وأنفسكم، أو لتعاملن معاملة المختبر بالمصائب، كآفات المال وتكليف الإنفاق فى الجهاد، وكالمرض والقتل، وفقد الأقارب والعشائر، فوطنوا أنفسكم للصبر على الشدائد فتثابوا، والأصل لتبلوونن، حذفت نون الرفع التالية للواو تخفيفاً لتوالى ثلاث نونات، ولم تحذف نون التوكيد، لأنه لا دليل عليها، ولم يحذف النون الساكنة منها، لأن حذفها تصرف فى حرف المعنى بحذف بعضه، ولأنه لو حذفت لأدى إلى إدغام نون الرفع فى باقيتها فيوهم أنها مشددة، ونون الرفع كالحركة، إذ نابت عنها، وحذف الحركة أولى من حذف الحرف، ولا تدل على معنى ونون التوكيد تدل على المعنى، وحذف لام يدل أولى، وقلبت الواو الأولى وهى لام الكلمة ألفاً لتحركها بعد الألف ما فالتقى ساكنان هذه الألف، وواو الجمع، وهى الواو الثانية بل ثلاثة ثالثها النون المدغمة من نون التوكيد، حذفت الألف لأنها لغير معنى إذ هى حرف هجاء، وواو الجمع ضمير لمعنى، وضمتا الواو لتدل على الواو المحذوفة بعد قلبها ألفاً، ولئلا تلتقى ساكنة مع المدغم بعدها، والألف تدل عليها الفتحة. {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}: اليهود والنصارى. {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ}: كمشركى العرب. {أَذًى كَثِيراً}: مفعول لتسمعن وأصله تسمعونن، حذفت نون الرفع لتوالى ثلاث نونات، وكانت أولى بالحذف لأنها كحركة، ولأن حذف المدغمة تصرف فى الحرف بحذف بعضه، ولأنه يؤدى إلى إدغام نون الرفع فى المتحركة الباقية، فيوهم أنها كلها نون التوكيد، وحذف نون التوكيد كلها يفوت المعنى، إذ لا دليل عليها، فالتقى ساكنان الواو والنون المدغمة، حذفت الواو لدلالة الضمة لا المدغمة، لأن حذفها يوهم الثابتة أنها نون الرفع فيفوت معنى التوكيد لعدم دليل. والأذى: الكثير هجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن فى الدين، وكل كلام يغرى الكفرة على المسلمين، وكل كلام مخبر أنهم فعلوا شرابهم، وعن عكرمة: سبب نزولها قول فنحاص إن الله فقير ونحن أغنياء، وما مر من استمداده. وقال الزهرى: سبب نزولها كعب بن الأشرف حتى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله، إذ قال، صلى الله عليه وسلم، من لكعب بن الأشرف فقد آذى الله ورسوله بالهجاء شعراً، فقال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله؟ قال: نعم. قال: إئذن لى أن أقول. قال: قل فأتاه، فقال: إن هذا الرجل يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أراد الصدقة، ووفد عناناً ولما سمعه قال: وأيضاً والله لتملنهُ، فقال: قد اتبعناه ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أى شىء يصير أمره. قال: وقد أردت أن تسلفنى سلفاً. قال: فما ترهن لى؟ أترهن لى نساءكم؟ قال: إن أجمل العرب ترهن لك نساءنا. قال: ترهنوناً إلى أى شىء أولادكم؟ قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهن فى وسقين من تمر، ولكن نرهن لك السلاح، قال: نعم، وواعده أن يأتيه بالحارث بن أوس وابن عيسى بن جبر، وعياد بن بشر، فجاءوا فدعوه ليلا فنزل إليهم، قالت امرأته: إنى أسمع صوتاً كأنه صوت دم. قال: إنما هو محمد بن مسلمه، ورضيعه أبو نائلة، إن الكريم لو دعا إلى طعنة ليلاً لأجاب، قال محمد بن مسلمة فى الباب: أنى إذا جاء فسوف أمد يدى إلى رأسه، فإذا تمكنت منه فدونكم فنزل متوحشاً سيفاً، فقال محمد بن مسلمة: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم تحتى فلانة أعظم نساء العرب. قال: أفتأذن لى أن أشم منه. قال: نعم، فشم فتناول فشم ثم قال: أتأذن لى أن أعود فاستمكن من رأسه، ثم قال: دونكم فقتلوه، وفى رواية فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئاً. قال محمد بن مسلمة: فذكرت سلاحاً كان عندى وقد صاح عدو الله صيحة، لم يبق حصن إلا أوقدت عليه النار فوضعته بين ثدييه وتحاملت عليه، حتى بلغت عانته ووقع عدو الله، وأصيب الحارث بن أوس بجرح فى رأسه أصابه بعض أسيافنا، فخرجنا وقد ابطأ عنا صاحبنا الحارث فوقفنا له ساعة، حتى أتانا يتبع آثارنا، فحملناه وجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل، وهو قائم يصلى فسلمت عليه فخرج علينا فأخبرناه بقتل كعب بن الأشرف، وجئنا برأسه إليه، وتفل على جرح صاحبنا، فرجعنا إلى أهلنا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظفرتم به من رجال اليهود فاقتلوه. {وَإِنْ تَصْبِرُواْ}: على أذاهم. {وَتَتَّقُواْ}: تحترزوا عما نهيتم عنه وما لا ينبغى. {فَإِنَّ ذلِكَ}: المذكور من الصبر والاتقاء. {مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}: عزم مصدر بمعنى اسم مفعول، أضيف للأمور إضافة صفة لموصوف، أى من الأمور المعزوم عليها، أى من الأمور التى من شأنها أن يعزم عليها حتماً لقوة نفعها، أو من الأمر التى يعزم عليها من يعتبر عزمه كالأبناء والولى، فالولى أو من الأمور التى عزم الله عليها، أى أمر بها أمراً أكيداً، وأصل العزم ثبات الرأى على الشىء، والتوجه نحو إمضائه، وليست الآية مما ينسخ بآية السيف، كما قيل أنها قبل نزول القتال، فنسخت به لأن الصبر والاتقاء مما يؤمر به، ولو بعد نزول آية القتال فإنه واجب أن يصبروا على الأذى من المشركين وغيرهم بمعنى أن لا يجزعوا ولا يسخطوا قضاءه، وقيل الظاهر أنها نزلت عقب أحد فى إيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريف الأقوال بينهم، وفى مداراته لهم فيكون الصبر على تحمل ذلك، وعلى الجهاد العزم استعداد النفس للمكاره، لتهون عليه إذا وردت كما هو حكمة فى الإخبار بالبلاء، وسمع الأذى لأنهما سيكونان.
اطفيش
تفسير : {لَتُبْلُوَنَّ} أيها المؤمنون، قيل والنبى {فِى أَمْوَالِكُمْ} والله لتعاملن معاملة المختبر فى أموالكم، بإيجاب الإنفاق منها، وإيجاب الصبر على الآفات فيها واقتصر بعض على هذا وضعفوه، وربما تقوى بأن الواجب فى الأموال قد نزل وقبلوه، وليس مستقبلا نزوله {وَأَنفُسِكُمْ} بإيجاب الجهاد والصبر على الجراح، والأسر، والمرض، والجوع، والتعب، والهموم، والصبر على موتاكم، والآية تسلية عما يأتى ليقابلوه بحسن الصبر بعد تسلية عما مضى، لأن هجوم البلاء مما يزيد فى اللأواء، والاستعداد للكرب مما يهون الخطب، وقدم الأموال ترقيا من الشريف إلى الأشرف، ولأن الآفات فيها أكثر {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} اليهود والنصارى والصائبين {وَمنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} كفار قريش وغيرهم من العرب {أَذىً كَثِيراً} كهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن فى دينه، وإغراء الكفرة على المسلمين، والتشبب بنسائهم، أخبرهم الله بأنه سيكون ذلك ليستعدوا له بالصبر، ويسهل عليهم بعض سهولة {وَإن تَصْبِرُوا} على ما ذكر من البلاء فى أموالكم وأنفسكم والأذى {وَتَتَّقُوا} مخالفه أمر الله ونهيه أثابكم الله ما لا غاية له أو أحسنتم أو أصبتم {فَإِنَّ ذَلِكَ} أى لأن ذلك المذكور من الصبر والاتقاء والبعد لعلو درجة الصبر والاتقاء أو لعدم ذكر المشار إليه تصريحا وأفرد الكاف لخطاب من يصلح، أو للعموم البدلى بعد الشمولى، أو للنبى صلى الله عليه وسلم خصوصا بعد العموم، وإما أن يقال أفرد لأن المراد بالخطاب مجرد التنبيه فلا وجه له لبقاء الخطاب بلا مخاطب {مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} أى من معزومات الأمور، والعزم مصدر بمعنى اسم مفعول، أى من الأمور المعزوم عليها، أى التى يجب العزم عليها، والعازم العبد أى يجب أن يقصدها ويصمم عليها، أو الله، أى أوجبها الله عليكم إيجابا شديدا، يجوز أن يقال عزم الله على كذا، وعزم كذا بمعنى أوجبه، ومن ذلك قولهم عزمات الله وقراءة بعض، فإذا عزمت فتوكل على الله بضم التاء، وأما قول أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا، ورواية، رغبنا فى قيام رمضان من غير عزيمة، فلا دليل فيهم لإمكان العزم منه صلى الله عليه وسلم والصبر والاتقاء واجبان قبل نزول القتال وبعده، فالقتال واجب مع الصبر والاتقاء فلا نسخ فى الآية، بل أمره الله بالصبر على أذاهم بالقول والفعل والطعن ومداراتهم وتحريفهم عن تأويلهم الفاسد، والصبر على قتالهم، ومشاق القتال، ركب صلى الله عليه وسلم وأردف أسامة خلفه على دابة فوقها قطيفة فدكيه ليعود سعد بن عبادة فى بنى الحارث ابن الخزرج، فمر بمجلس فيه عبد الله بن أُبى، وفيه اليهود، والمشركون، والمسلمون، وغشيهم عجاجة الدابة فخمر أنفه، فقال: لا تغبّروا علينا، فنزل صلى الله عليه وسلم فوعظهم، ودعاهم إلى الله سبحانه، وقرأ القرآن، فقال ابن أُبى: أيها المرء لا أحسن مما تقول، إن كان حقَّا فلا تؤذنا فى مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبدالله بن رواحة: بلى اغشنا يا رسول الله في مجالسنا، نحب ذلك، فكاد القتال يقع، واشتد التساب، فما زال صلى الله عليه وسلم يسكتهم حتى سكتوا فلما دخل على سعد رضى الله عنه ذكر ذلك له، فقال يا رسول الله اعف عنه، جئتنا، وقد اصطلحوا أن يتوجوه ويعصبوه، فزال ذلك بما جئتنا به، فعفا عنه، وكان كعب بن الأشرف اليهودى يهجو المؤمنين، ويتشبب بنسائهم، ويكفر به صلى الله عليه وسلم هو واليهود والمشركون، ويشتد أذاه، فقال صلى الله عليه وسلم: من لي بابن الأشرف؟ فقال محمد بن سلمة: أنا يا رسول الله، فخرج هو وأبو نائلة رضيعه، وجماعة فجاءوا برأسه آخر الليل، وهو يصلى، ونزلت الآية فى ذلك كله.
الالوسي
تفسير : {لَتُبْلَوُنَّ } جواب قسم محذوف أي والله لتختبرن، والمراد لتعاملن معاملة المختبر ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأفعال الحسنة ولا يصح حمل الابتلاء على حقيقته لأنه محال على علام الغيوب كما مر، والخطاب للمؤمنين أو لهم معه صلى الله عليه وسلم، وإنما أخبرهم سبحانه بما سيقع ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه ويستعدوا للقائه ويقابلوه بحسن الصبر والثبات فإن هجوم البلاء مما يزيد في اللأواء والاستعداد للكرب مما يهون الخطب ولتحقيق معنى الابتلاء لهذا التهوين أتى بالتأكيد، وقد يقال: أتى به لتحقيق وقوع المبتلى به مبالغة في الحث على ما أريد منهم من التهيؤ والاستعداد، وعلى أي وجه فالجملة مسوقة لتسلية أولياء الله تعالى عما سيلقونه من جهة أعدائه سبحانه إثر تسليتهم عما وقع منهم، وقيل: إنما سيقت لبيان أن الدنيا دار محنة وابتلاء، وأنها إنما زويت عن المؤمنين ليصبروا فيؤجروا إثر بيان أنها متاع الغرور، ولعل الأول أولى كما لا يخفى، والواو المضمومة ضمير الرفع ولام الكلمة محذوفة لعلة تصريفية، وإنما حركت هذه الواو دفعاً للثقل الحاصل من التقاء الساكنين وكان ذلك بالضم ليدل على المحذوف في الجملة ولم تقلب الواو ألفاً مع تحركها وانفتاح ما قبلها لعروض ذلك. {فِى أَمْوٰلِكُمْ } بالفرائض فيها والجوائح، واقتصر بعض على الثاني مدعياً أن الأول الممثل في كلامهم بالإنفاق المأمور به في سبيل الله تعالى، والزكاة لا يليق نظمه في سلك الابتلاء لما أنه من باب الإضعاف لا من قبيل الإتلاف، وفيه نظر تقدم في البقرة الإشارة إليه، وعن الحسن الاقتصار على الأول. والأولى القول بالعموم {وَ} في {أَنفُسِكُـمْ } بالقتل والجراح والأسر والأمراض وفقد الأقارب وسائر ما يرد عليها من أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد، وقدم الأموال على الأنفس للترقي إلى الأشرف. أو لأن الرزايا في الأموال أكثر من الرزايا في الأنفس. {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } أي من قبل إيتائكم القرآن وهم اليهود والنصارى. والتعبير عنهم بذلك إما للإشعار بمدار الشقاق والإيذان بأن [بعض] ما يسمعونه منهم مستند على زعمهم إلى الكتاب. وإما للإشارة إلى عظم صدور ذلك المسموع منهم. وشدة وقعه على الأسماع حيث إنه كلام صدر ممن لا يتوقع صدوره منه لوجود زاجر عنه معه وهو إيتاؤه الكتاب كما قيل: والتصريح بالقبلية إما لتأكيد الإشعار وتقوية المدار وإما للمبالغة في أمر الزاجر عن صدور ذلك المسموع من أولئك المسمعين {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } وهم كفار العرب {أَذًى كَثِيراً } كالطعن في الدين وتخطئة من آمن والافتراء على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والتشبيب بنساء المؤمنين. {وَإِن تَصْبِرُواْ } على تلك الشدائد عند ورودها {وَتَتَّقُواْ } أي تتمسكوا بتقوى الله تعالى وطاعته والتبتل إليه بالكلية والإعراض عما سواه بالمرة بحيث يستوي عندكم وصول المحبوب ولقاء المكروه {فَإِنَّ ذٰلِكَ } إشارة إلى المذكور ضمناً من الصبر والتقوى. وما فيه من معنى البعد إما لكونه غير مذكور صريحاً على ما قيل، أو للإيذان بعلو درجة هذين الأمرين وبعد منزلتهما. وتوحيد حرف الخطاب إما باعتبار كل واحد من المخاطبين اعتناءاً بشأن المخاطب به، وإما لأن المراد بالخطاب مجرد التنبيه من غير [ملاحظة] خصوصية أحوال المخاطبين {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } أي الأمور التي ينبغي أن يعزمها كل أحد لما فيه من كمال المزية والشرف والعز، أو مما عزمه الله تعالى وأوجبه على عباده، وعلى كلا التقديرين فالعزم مصدر بمعنى المعزوم وهو مأخوذ من قولهم عزمت الأمر ـ كما نقله الراغب ـ والأشهر عزمت على الأمر، ودعوى أنه لم يسمع سواه غير مسموعة كدعوى عدم صحة نسبة العزم إليه تعالى لأنه توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله وهو محال عليه تعالى، ومما يؤيد صحة النسبة أنه قرىء {أية : فَإِذَا عَزَمْتَ } تفسير : [آل عمران: 159] بضم التاء وهو حينئذٍ بمعنى الإرادة والإيجاب، ومنه قول أم عطية رضي الله تعالى عنها: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا» وما في حديث آخر يرغبنا في قيام رمضان من غير عزيمة، وقولهم: عزمات الله تعالى ـ كما نقله الأزهري ـ ومن هذا الباب قول الفقهاء: ترك الصلاة زمن الحيض عزيمة، والجملة تعليل لجواب [الشرط] واقع موقعه كأنه قيل: وإن تصبروا وتتقوا فهو خير لكم أو فقد أحسنتم أو نحوهما فإن ذلك الخ، وجوز أن يكون {ذٰلِكَ } إشارة إلى صبر المخاطبين وتقواهم فحينئذٍ تكون الجملة بنفسها جواب الشرط، وفي إبراز الأمر بالصبر والتقوى في صورة الشرطية من إظهار كمال اللطف بالعباد ما لا يخفى، وزعم بعضهم أن هذا الأمر الذي أشارت إليه الآية كان قبل نزول آية القتال وبنزولها نسخ ذلك، وصحح عدم النسخ وأن الأمر بما ذكر كان من باب المداراة التي لا تنافي الأمر بالقتال، وسبب نزول هذه الآية في قول ما تقدمت الإشارة إليه، وأخرج الواحدي عن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وسار يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبـيّ ـ وذلك قبل أن يسلم عبد الله فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشي المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبـيّ أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل ودعاهم إلى الله تعالى، وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبـيّ: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، وقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك واستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتساورون فلم يزل النبـي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب ـ يريد عبد الله بن أبـيّ ـ قال: كذا وكذا فقال سعد: يا رسول الله اعف عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله تعالى بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة فلما ردّ الله تعالى ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق فغص بذلك فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسير : فأنزل الله تعالى الآية. / وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبـي صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره وكان النبـي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط، منهم المسلمون ومنهم المشركون، ومنهم اليهود فأراد النبـي صلى الله عليه وسلم أن يستصلحهم كلهم فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشدّ الأذى فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك وفيهم أنزل الله تعالى {وَلَتَسْمَعُنَّ } الآية. وفي رواية أخرى عن الزهري حديث : أن كعباً هذا كان يهجو النبـي صلى الله عليه وسلم ويشبب بنساء المؤمنين فقال صلى الله عليه وسلم: من لي بابن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله فخرج هو ورضيعه أبو نائلة مع جماعة فقتلوه غيلة وأتوا برأسه إلى النبـي صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلي تفسير : ثم إنه سبحانه بين بعض أذيات أهل الكتاب بقوله عز قائلاً: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ}.
ابن عاشور
تفسير : استئناف لإيقاظ المؤمنين إلى ما يعترض أهل الحقّ وأنصار الرسل من البلوى، وتنبيه لهم على أنّهم إن كانوا ممّن توهنهم الهزيمة فليسوا أحرياء بنصر الحقّ، وأكّد الفعل بلام القسم وبنون التوكيد الشديدة لإفادة تحقيق الابتلاء، إذ نون التوكيد الشديدة أقوى في الدلالة على التوكيد من الخفيفة. فأصل {لتبلونّ} لتبلووننّ فلمّا توالى ثلاث نونات ثقل في النطق فحذفت نون الرفع فالتقى ساكنان: واو الرفع ونون التوكيد الشديدة، فحذفت واو الرفع لأنّها ليست أصلاً في الكلمة فصار لتبْلَوُنّ. وكذلك القول في تصريف قوله تعالى: {ولتسمعنّ} وفي توكيده. والابتلاء: الاختبار، ويراد به هنا لازمه وهو المصيبة، لأنّ في المصائب اختباراً لمقدار الثبات. والابتلاء في الأموال هو نفقات الجهاد، وتلاشي أموالهم التي تركوها بمكّة. والابتلاء في الأنفس هو القتل والجراح. وجمع مع ذلك سماع المكروه من أهل الكتاب والمشركين في يوم أُحُد وبعده. والأذى هو الضرّ بالقول كقوله تعالى: {أية : لن يضروكم إلا أذى}تفسير : [آل عمران: 111] كما تقدّم آنفاً، ولذلك وصفه هنا بالكثير، أي الخارج عن الحدّ الذي تحتمله النفوس غالباً، وكلّ ذلك ممّا يفضي إلى الفشل، فأمَرَهم الله بالصبر على ذلك حتّى يحصل لهم النصر، وأمرهم بالتقوى أي الدوام على أمور الإيمان والإقبال على بثّه وتأييده، فأمّا الصبر على الابتلاء في الأموال والأنفس فيشمل الجهاد، وأمّا الصبر على الأذى ففي وقتى الحرب والسلم، فليست الآية مقتضية عدم الإذن بالقتال من حيث إنه أمرهم بالصبر على أذى الكفّار حتّى تكون منسوخة بآيات السيف، لأنّ الظاهر أنّ الآية نزلت بعد وقعة أُحُد، وهي بعد الأمر بالقتال. قاله القفّال. وقوله: {فإن ذلك} الإشارة إلى ما تقدّم من الصبر والتقوى بتأويل: فإنّ المذكور. و(عزم الأمور) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأمور العَزم، ووصفَ الأمور وهو جمع بعزم وهو مفرد لأنّ أصل عزم أنه مصدر فيلزم لفظه حالة واحدة، وهو هنا مصدر بمعنى المفعول، أي من الأمور المعزوم عليها. والعزم إمضاء الرأي وعدم التردّد بعد تبيين السداد. قال تعالى: {أية : وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله}تفسير : [آل عمران: 159] والمراد هنا العزم في الخيرات، قال تعالى: {أية : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل}تفسير : [الأحقاف: 35] وقال: {أية : ولم نجد له عزما}تفسير : [طه: 115]. ووقع قوله: {فإن ذلك من عزم الأمور} دليلاً على جواب الشرط، والتقدير: وإن تصبروا وتتّقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإنّ ذلك من عزم الأمور.
الشنقيطي
تفسير : ذكر في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين سيبتلون في أموالهم وأنفسهم، وسيسمعون الأذى الكثير من أهل الكتاب والمشركين، وأنهم إن صبروا على ذلك البلاء والأذى واتقوا الله، فإن صبرهم وتقاهم من عزم الأمور، أي من الأمور التي ينبغي العزم والتصميم عليها لوجوبها. وقد بين في موضع آخر أن من جملة هذا البلاء: الخوف والجوع وأن البلاء في الأنفس والأموال هو النقص فيها، وأوضح فيه نتيجة الصبر المشار إليها هنا بقوله: {فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} وذلك الموضع هو قوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 155-157] وبقوله: {أية : مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} تفسير : [التغابن: 11] ويدخل في قوله: {وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ} الصبر عند الصدمة الأولى، بل فسره بخصوص ذلك بعض العلماء، ويدل على دخوله فيه قوله قبله: {أية : مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [التغابن: 11]. وبين في موضع آخر: أن خصلة الصبر لا يعطاها إلا صاحب حظ عظيم وبخت كبير، وهو قوله: {أية : وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} تفسير : [فصلت: 35] وبين في موضع آخر: أن جزاء الصبر لا حساب له، وهو قوله: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب} تفسير : [الزمر: 10].
القطان
تفسير : لتبلون: لتمتحَنُنَّ. من عزم الأمور: من صواب الرأي والتدبير. ستُختبرون أيها المؤمنون في أموالكم: بالنقص والانفاق والبذل في جميع وجوه البر، وفي أنفسكم: بالجهاد، وبالقتل في سبيل الله، وبالأمراض والآلام. وسوف تسمعون من اليهود والنصارى والمشركون كثيرا مما يؤذيكم من السب والطعن، فإن قابلتم ذلك كله بالصبر والتقوى، كان ذلك من صواب الرأي وحسن التصرف، وهو ما يجب العزم على التمسّك به.
د. أسعد حومد
تفسير : {ۤ أَمْوَالِكُمْ} {ٱلْكِتَابَ} (186) - يُسَلّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم، وَيَقُولُ لَهُ: إنَّهُ وَأصْحَابَهُ سَيَلْقَوْنَ مِنَ الكُفَّارِ أَذًى كَثِيراً فِي النَّفْسِ وَالمَالِ، كَمَا لَقُوهُ مِنْهُمْ مِنْ أَذًى يَوْمَ أحُدٍ، وَعَلَى المُؤْمِنينَ أنْ يُوَطِّنُوا أنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ، إذْ لاَ بُدَّ مِنْ أنْ يَبْتَلِيَ اللهُ المُؤْمِنَ فِي شَيءٍ مِنْ مَالِهِ، أوْ نَفْسِهِ أو وَلَدِهِ أوْ أَهْلِهِ ... وَابْتِلاءُ المُؤْمِنِ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَإنْ كَانَ فَيهِ صَلاَبَةٌ فِي دِينِهِ زِيدَ في بَلاَئِهِ. وَنَبَّهَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ وَالمُؤْمِنينَ عِنْدَ مَقْدَمِهِمْ إلَى المَدِينَةِ (وَقَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ) إلَى أنَّهُمْ سَيَسْمَعُونَ مِنَ اليَهُودِ وَمِنَ المُشْرِكِينَ أَذًى كَثِيراً: مِنَ التَّقَوُّلِ وَالإِرْجَافِ، وَنَقْضِ العُهُودِ وَبَثِّ الشَّائِعَاتِ، وَمُحَاوَلَةِ الإِيذَاءِ ... وَيَأمر اللهُ نَبِيَّهُ وَالمُؤْمِنينَ بِالصَّفْحِ وَالصَّبْرِ وَالعَفْوِ حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ، وَلا يَصْبِرُ عَلَى احْتِمَالِ ذَلِكَ إلاَّ أولُو العَزْمِ الأقْوِيَاءُ. مِنْ عَزْمِ الأمُورِ - مَا يَنْبَغِي لِكُلِّ عَاقِلٍ أنْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ، وَيَأْخُذَ نَفْسَهُ بِتَنْفِيذِهِ. لَتُبْلَوُنَّ - لَتُخْتَبَرُنَّ وَتُمْتَحَنُنَّ بِالمِحَنِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والبلاء في المال بماذا؟ بأن تأتي آفة تأكله، وإن وجد يكون فيه بلاء من لون آخر، وهي اختبارك هل تنفق هذا المال في مصارف الخير أو لا تعطيه لمحتاج، فمرة يكون الابتلاء في المال بالإفناء، ومرة في وجود المال ومراقبة كيفية تصرفك فيه، والحق في هذه الآية قدم المال على النفس؛ لأن البلاء في النفس يكون بالقتل، أو بالجرح, أو بالمرض. فإن كان القتل فليس كل واحد سيقتل، إنما كل واحد سيأتيه بلاء في ماله. {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} [آل عمران: 186] هما إذن معسكران للكفر: معسكر أهل الكتاب، ومعسكر المشركين. هذان المعسكران هما اللذان كانا يعاندان الإسلام، والأذى الكثير تمثل في محاولة إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وأذى الاستهزاء بالمؤمنين، وأهل الكفر والشرك يقولون للمؤمنين ما يكرهون، فوطّنوا العزم أيها المسلمون أن تستقبلوا ذلك منهم ومن ابتلاءات السماء بالقبول والرضا. ويخطئ الناس ويظنون أن الابتلاء في ذاته شرّ، لا. إن الإبتلاء مجرد اختبار، والاختبار عرضة أن تنجح فيه وأن ترسب، فإذا قال الله: "لتبلون"، أي سأختبركم - ولله المثل الأعلى - كما يقول المدرس للتلميذ: سأمتحنك "فنبتليك" يعني نختبرك في الامتحان، فهل معنى ذلك أن الابتلاء شرّ أو خير؟. إنه شرّ على من لم يتقن التصرف. فالذي ينجح في البلاء في المال يقول: كله فائت، وقلل الله مسئوليتي، لأنه قد يكون عندي مال ولا أُحسن أداءه في مواقعه الشرعية، فيكون المال عليّ فتنة. فالله قد أخذ مني المال كي لا يدخلني النار، ولذلك قال في سورة "الفجر": {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ}تفسير : [الفجر: 15-16]. فهنا قضيتان اثنتان: الإنسان يأتيه المال فيقول: ربي أكرمني، وهذا أفضل ممن جاء فيه قول الحق: {أية : قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ..}تفسير : [القصص: 78]. إذن فالذي نظر إلى المال وظن أنّ الغني إكرام، ونظر إلى الفقر والتضييق وظن أنه إهانه، هذا الإنسان لا يفطن إلى الحقيقة، والحقيقة يقولها الحق: "كلا" أي أن هذا الظن غير صادق؛ فلا المال دليل الكرامة، ولا الفقر دليل الإهانة، ولكن متى يكون المال دليل الكرامة؟ يكون المال دليل كرامة إن جاءك وكنت موفقاً في أن تؤدي مطلوب المال عندك للمحتاج إليه، وإن لم تؤد حق الله فالمال مذلة لك وإهانة، فقد أكون غنياً لا أعطي الحق، فالفقر في هذه الحالة أفضل، ولذلك قال الله للاثنين: "كلا"، وذلك يعني: لا إعطاء المال دليل الكرامة ولا الفقر دليل الإهانة. وأراد سبحانه أن يدلل على ذلك فقال: {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً}تفسير : [الفجر: 17-19]. "كلا بل لا تكرمون اليتيم" وما دمتم لا تكرمون اليتيم فكيف يكون المال دليل الكرامة؟ إن المال هنا وزر، وكيف إن سلبه منك يا من لا تكرم اليتيم يكون إهانة؟ .. إنه سبحانه قد نزهك أن تكون مهاناً، فلا تتحمل مسئولية المال. إذن فلا المال دليل الكرامة، ولا الفقر دليل الإهانة. {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} تفسير : [الفجر: 17-18] وحتى إن كنت لا تمتلك ولا تعطي أفلا تحث من عنده أن يُعطي؟ أنت ضنين حتى بالكلمة، فمعنى تحض على طعام المسكين أي تحث غيرك .. فإذا كنت تضن حتى بالنصح فكيف تقول إن المال كرامة والفقر إهانة؟ .. {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً} تفسير : [الفجر: 17- 19] أي تأكلون الميراث وتجمعون في أكلكم بين نصيبكم من الميراث ونصيب غيركم دون أن يتحرّى الواحد منكم هل هذا المال حلال أو حرام .. فإذا كانت المسألة هكذا فكيف يكون إيتاء المال تكريماً وكيف يكون الفقر إهانة؟ .. لا هذا ولا ذاك. {لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} [آل عمران: 186] والذي يقول هذا الكلام: هو الله، إذن لا بد أن يتحقق - فيارب أنت قلت لنا: إن هذا سيحصل وقولك سيتحقق، فماذا أعطيتنا لنواجه ذلك؟ - اسمعوا العلاج: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [آل عمران: 186] .. تصبر على الابتلاء في المال، تصبر على الابتلاء في النفس، وتصبر على أذى المعسكر المخالف من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا، إن صبرت فإن ذلك من عزم الأمور، والعزم هو: القوة المجتمعة على الفعل. فأنت تنوي أن تفعل، وبعد ذلك تعزم يعني تجمع القوة، فقوله: {فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [آل عمران: 186] أي من معزوماتها التي تقتضي الثبات منك، وقوة التجميع والحشد لكل مواهبك لتفعل. إذن فالمسألة امتحان فيه ابتلاء في المال، وابتلاء في النفس وأذى كثير من الذين أشركوا ومن الذين أوتوا الكتاب، وذلك كله يحتاج إلى صبر، و"الصبر" - كما قلنا - نوعان: "صبر على" و"صبر عن"، ويختلف الصبر باختلاف حرف الجر، صبر عن شهوات نفسه التي تزين للإنسان أن يفعل هذه وهذه، فيصبر عنها, والطاعة تكون شاقة على العبد فيصبر عليها، إذن ففي الطاعة يصبر المؤمن على المتاعب، وفي المعصية يصبر عن المغريات. و{لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 186] توضح أنه لا يوجد لك غريم واضح في الأمر، فالآفة تأتي للمال, أو الآفة تأتي للجسد فيمرض، فليس هنا غريم لك قد تحدد، ولكن قوله: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} [آل عمران: 186] فهذا تحديد لغريم لك. فساعة ترى هذا الغريم فهو يهيج فيك كوامن الانتقام. فأوضح الحق: إياك أن تمكنهم من أن يجعلوك تنفعل، وأَجِّلْ عملية الغضب، ولا تجعل كل أمر يَسْتَخِفّك. بل كن هادئاً، وإياك أن تُسْتَخَفَّ إلا وقت أن تتيقن أنك ستنتصر، ولذلك قال: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [آل عمران: 186]. واتقوا مثل "اتقوا الله" أي اتقوا صفات الجلال وذلك بأن تضع بينك وبين ما يغضب الله وقاية. حديث : عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة ببني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مرّ على مجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم ابن أُبَيّ، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان وأهل الكتاب اليهود والمسلمين وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمَّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وقف فنزل ودعاهم إلى الله عز وجل وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تُؤْذنا في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا سعد ألم تسمع إلى ما قاله أبو حباب"؟ يريد عبد الله بن أبي، قال: كذا وكذا فقال سعد: يا رسول الله اعفُ عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي نزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شَرِقَ بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت. فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . تفسير : ويقول الحق من بعد ذلك: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ...}.
الأندلسي
تفسير : {لَتُبْلَوُنَّ} قيل نزلت في قصة عبد الله بن أبي حين. قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قرأ عليهم الرسول القرآن: إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا. ورد عليه عبد الله بن رواحة فقال: اغشنا به في مجالسنا يا رسول الله. والابتلاء: الاختبار، والضمير في لتبلون للمؤمنين خاطبهم بذلك ليستعدوا لما يرد عليهم من الابتلاء فيصبروا بخلاف من يأتيه الأمر فجأة فيشق عليه ما يرد بخلاف من استعد للشيء فإِنه يوطن نفسه على وقوعه، وقدم الأموال على الأنفس على سبيل الترقي إلى الأشرف أو على سبيل الكثرة لأن الرزايا في الأموال أكثر من الرزايا في الأنفس، والأذى اسم جمع في معنى الضرر ليشمل أقوالهم في الرسول وأصحابه وفي الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام والمطاعن في الدين وتخطئة من آمن وهجاء كعب وتشبيبه بنساء المؤمنين. {فَإِنَّ ذٰلِكَ} الإِشارة إلى الصبر والتقوى الدال عليهما فعلهما وعبر بالمفرد عن المثنى كما قال الشاعر: شعر : إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل تفسير : يريد وكلا ذينك. {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} العزم إمضاء الأمر المروي المنقح. {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ} الآية هم اليهود أخذ الله عليهم الميثاق في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتموه ونبذوه: قاله ابن عباس وغيره. {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ} الضمير عائد على الميثاق. وكذا في قوله: فنبذوه، والثمن القليل: هو ما أخذوه من الرشا على تبيين الميثاق وكتمه. {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} تقدم الكلام في ما بعد بئسما في البقرة: {أية : بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} تفسير : [الآية: 90]. {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ} الآية نزلت في المنافقين كانوا يتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو فإِذا جاء استعذروا له فيظهر القبول ويستغفر لهم ففضحهم الله بهذه الآية: قاله أبو سعيد الخدري وغيره. وقرىء ولا يحسبن بياء الغيبة، وفلا يحسبنهم بالياء وضم الباء. والذين: فاعل ومفعولاً يحسبن محذوفاً لدلالة مفعولي يحسبنهم عليهما والتقدير أنفسهم ناجين وفلا يحسبنهم توكيد لما سبق ولا يصح أن يكون بدلاً كما قال ابن عطية الوجود الفاء، فإِنها تمنع من البدل. وقول الفارسي في أن لا يحسبن لغو لم يقع على شيء قول ضعيف جداً. وتقدير الزمخشري لا يحسبنهم الذين فيفسر الضمير الفاعل قد رددناه عليه في تقديره ولا يحسبنهم الذين كفروا إنما نملي لهم فيطالع هناك. وتعدى يحسبنهم المضموم الباء إلى الضمير المنصوب والفعل مسند إلى الضمير المرفوع وهو الواو المحذوفة وذلك مختص بباب ظن وفقه وعلم وبمفازة هو المفعول الثاني. وقرىء لا لا تحسبن وفلا تحسبنهم، والخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام. والذين المفعول الأول والثاني محذوف تقديره فاحبي. وقرىء لا يحسبن بياء الغيبة، والذين فاعل والمفعولان ليحسبن محذوفان وفلا تحسبنهم بتاء الخطاب وفتح الباء. {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} الآية روى عن ابن عباس أن قريشاً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً، حين ذكرت اليهود والنصارى لهم بعض ما جاء به من المعجزات موسى وعيسى فنزلت هذه الآية. {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} منصوب بحال محذوفة تقديره يقولون ربنا. والإشارة بقوله: هذا، إلى الخلق بمعنى المخلوق أو إلى السماوات والأرض بما فيهما من عجائب الصنعة وانتصب باطلاً على أنه نعت لمصدر محذوف أي خلقاً باطلاً. قال بعضهم: هو منصوب على أنه مفعول ثان لخلق وهي بمعنى جعل التي تتعدى إلى مفعولين. "انتهى". وهذا عكس المنقول في النحو وهو ان جعل تكون بمعنى خلق فتتعدى لواحد أما ان خلق تكون بمعنى جعل فتتعدى لاثنين فلا أعلم أحداً ممن له معرفة ذهب إلى ذلك. {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أي فضحته. من خزى الرجل يخزي خزياً. إذا افتضح، وخزاية إذا استحيا الفعل واحد. واختلف في المصدرين فمن الافتضاح خزي ومن الاستحياء خزاية ومن ذلك ولا تخزني في ضيفي أي لا تفضحوني.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى ويخاطب المؤمنين أنهم سيبتلون في أموالهم من النفقات الواجبة والمستحبة، ومن التعريض لإتلافها في سبيل الله، وفي أنفسهم من التكليف بأعباء التكاليف الثقيلة على كثير من الناس، كالجهاد في سبيل الله، والتعرض فيه للتعب والقتل والأسر والجراح، وكالأمراض التي تصيبه في نفسه، أو فيمن يحب. { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } من الطعن فيكم، وفي دينكم وكتابكم ورسولكم. وفي إخباره لعباده المؤمنين بذلك، عدة فوائد: منها: أن حكمته تعالى تقتضي ذلك، ليتميز المؤمن الصادق من غيره. ومنها: أنه تعالى يقدر عليهم هذه الأمور، لما يريده بهم من الخير ليعلي درجاتهم، ويكفر من سيئاتهم، وليزداد بذلك إيمانهم، ويتم به إيقانهم، فإنه إذا أخبرهم بذلك ووقع كما أخبر { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } . ومنها: أنه أخبرهم بذلك لتتوطن نفوسهم على وقوع ذلك، والصبر عليه إذا وقع؛ لأنهم قد استعدوا لوقوعه، فيهون عليهم حمله، وتخف عليهم مؤنته، ويلجأون إلى الصبر والتقوى، ولهذا قال: { وإن تصبروا وتتقوا } أي: إن تصبروا على ما نالكم في أموالكم وأنفسكم، من الابتلاء والامتحان وعلى أذية الظالمين، وتتقوا الله في ذلك الصبر بأن تنووا به وجه الله والتقرب إليه، ولم تتعدوا في صبركم الحد الشرعي من الصبر في موضع لا يحل لكم فيه الاحتمال، بل وظيفتكم فيه الانتقام من أعداء الله. { فإن ذلك من عزم الأمور } أي: من الأمور التي يعزم عليها، وينافس فيها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم والهمم العالية كما قال تعالى: {أية : وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } .
همام الصنعاني
تفسير : 496- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري في قوله تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً}: [الآية: 186]، قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يُحَرِّض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شِعْرِهِ، ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانطلق إليه خمسة نفسر من الأنصار، فيهم محمد بن مسلمة، ورجل آخر يقال له أبو عبس، فأتوه وهو في مجلس قومه بالعوالي، فلما رآهم ذُعِرَ منهم وأنكر شأنهم، وقالوا: جئناك لحاجة! قال: فلْيدْنُ إليَّ بعضكم فليحدثني بحاجته، فجاءه رجل منهم فقال: جئناك لنبيعك أدرعاً عندنا لِنَسْتَنْفِقَ بها قال: والله لئن فعلتم لقد جهدتهم منذ نزل بكم هذا الرجل، فَواعَدوه أن يأتوه عشاء حين يَهْدَأ عنهم الناس، فأتوه فنادوه، فقالت امرأته: ما طرقك هؤلاء ساعتهم هذه شيء مما تحبّ! أهم قد حدثوني بحديثهم وشأنهم. قال معمر عن أيوب، عن عِكْرِمة: إنه أشرف عليهم فكلمهم فقال: ما تَرْهنوني؟ أترهنوني أبناءكم؟ وأردوا أن يبيعهم تمراً. فقالوا: إنا نَسْتَحْيِي أن تُعَيَّر أبناؤنا فيقال: "هذا رهينة وَسْقٍ، وهذا رهنية وَسْقَيْن" فقال: أترهنوني نساءكم؟ فقالوا: أنت أجمل الناس ولا نأمنك! وأيّ امرأة تمتنع منك لجمالك! ولكنا نَرْهُنكَ سلاحنا، فقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم. فقال: نعم ائتوني بسلاحكم واحتملوا ما شئتم، قالوا: فانزِل إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا، فذهب ينزل فتعلقت به امرأته فقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك فَيكونوا معك. فقال: لو وجدوني هؤلاء نائماً ما أيقظوني! قالت: فَكَلِّمهم من فوق البيت، فأبى عليها، قال: فنزل إليهم يفوح ريحه، قالوا: ما هذه الريح يا أبا فلان؟ قال: هذا عطر أم فلان! لامرأته. فدنا إليه بعضهم لِيَشْتَمَّ رأسه ثم اعتنقه، ثم قال: اقتلوا عدو الله! فطعنه أبو عبس في خاصرته، وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف، فقتلوه ثم رجعوا. فأصبحت اليهود مذعورين، فجاؤوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: قتل سيدنا غِيلةً! فَذَكَّرهُم النبي صلى الله عليه وسلم صنيعه، وما كان يُحرِّض عليهم ويحرض في قتالهم ويؤذيهم به، ثم دعاهم أن يكتب بينه وبينهم صلحاً، قال: وكان ذلك الكتاب مع عليّ بعد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):