Verse. 480 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَاِذْ اَخَذَ اللہُ مِيْثَاقَ الَّذِيْنَ اُوْتُوا الْكِتٰبَ لَتُبَيِّنُنَّہٗ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُوْنَہٗ۝۰ۡفَنَبَذُوْہُ وَرَاۗءَ ظُہُوْرِھِمْ وَاشْتَرَوْا بِہٖ ثَمَنًا قَلِيْلًا۝۰ۭ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُوْنَ۝۱۸۷
Waith akhatha Allahu meethaqa allatheena ootoo alkitaba latubayyinunnahu lilnnasi wala taktumoonahu fanabathoohu waraa thuhoorihim waishtaraw bihi thamanan qaleelan fabisa ma yashtaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب» أي العهد عليهم في التوراة «لَيُبَيِّنَنَّهُ» أي الكتاب «للناس ولا يكتمونه» أي الكتاب بالياء والتاء في الفعلين «فنبذوه» طرحوا الميثاق «وراء ظهورهم» فلم يعملوا به «واشتروا به» أخذوا بدله «ثمنا قليلا» من الدنيا من سفلتهم برياستهم في العلم فكتموه خوف فوته عليهم «فبئس ما يشترون» شراؤهم هذا.

187

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في كيفية النظم وجهين: الأول: أنه تعالى لما حكى عن اليهود شبها طاعنة في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وأجاب عنه أتبعه بهذه الآية، وذلك لأنه تعالى أوجب عليهم في التوراة والانجيل على أمة موسى وعيسى عليهما السلام، أن يشرحوا ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على صحة دينه وصدق نبوته ورسالته، والمراد منه التعجب من حالهم كأنه قيل: كيف يليق بكم ايراد الطعن في نبوته ودينه مع ان كتبكم ناطقة ودالة على أنه يجب عليكم ذكر الدلائل الدالة على صدق نبوته ودينه. الثاني: أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة على محمد صلى الله عليه وسلم احتمال الأذى من أهل الكتاب، وكان من جملة ايذائهم للرسول صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يكتمون ما في التوراة والانجيل من الدلائل الدالة على نبوته، فكانوا يحرفونها ويذكرون لها تأويلات فاسدة، فبين أن هذا من تلك الجملة التي يجب فيها الصبر وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو بكر وعاصم وأبو عمرو {ليبيننه ولا يكتمونه} بالياء فيهما كناية عن أهل الكتاب، وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب الذي كان حاصلا في وقت أخذ الميثاق، أي فقال لهم: لتبيننه، ونظير هذه الآية قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ } تفسير : [البقرة: 83] بالتاء والياء وأيضا قوله: {أية : وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [الإسراء: 4]. المسألة الثانية: الكلام في كيفية أخذ الميثاق قد تقدم في الآية المتقدمة، وذلك لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أوردوا الدلائل في جميع أبواب التكاليف وألزموهم قبولها، فالله سبحانه وتعالى إنما أخذ الميثاق منهم على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فذلك التوكيد والالزام هو المراد بأخذ الميثاق. وعن سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبدالله يقرؤن {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } تفسير : [آل عمران: 81] فقال أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. واعلم أن الزام هذا الاظهار لا شك أنه مخصوص بعلماء القوم الذين يعرفون ما في الكتاب، والله أعلم. المسألة الثالثة: الضمير في قوله: {لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: قال سعيد بن جبير والسدي: هو عائد إلى محمد عليه السلام، وعلى هذا التقدير يكون الضمير عائدا إلى معلوم غير مذكور، وقال الحسن وقتادة: يعود إلى الكتاب في قوله: {أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } أي أخذنا ميثاقهم بأن يبينوا للناس ما في التوراة والانجيل من الدلالة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. المسألة الرابعة: اللام لام التأكيد يدخل على اليمين، تقديره: استحلفهم ليبيننه. المسألة الخامسة: إنما قال: ولا تكتمونه ولم يقل: ولا تكتمنه، لأن الواو واو الحال دون واو العطف، والمعنى لتبيننه للناس غير كاتمين. فان قيل: البيان يضاد الكتمان، فلما أمر بالبيان كان الأمر به نهيا عن الكتمان، فما الفائدة في ذكر النهي عن الكتمان؟ قلنا: المراد من البيان ذكر تلك الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة والانجيل، والمراد من النهي عن الكتمان أن لا يلقوا فيها التأويلات الفاسدة والشبهات المعطلة. المسألة السادسة: اعلم أن ظاهر هذه الآية وإن كان مختصا باليهود والنصارى فانه لا يبعد أيضاً دخول المسلمين فيه، لأنه أهل القرآن وهو أشرف الكتب. حكي أن الحجاج أرسل إلى الحسن وقال: ما الذي بلغني عنك؟ فقال: ما كل الذي بلغك عني قلته: ولا كل ما قلته بلغك، قال: أنت الذي قلت: إن النفاق كان مقموعا فأصبح قد تعمم وتقلد سيفاً، فقال: نعم، فقال: وما الذي حملك على هذا ونحن نكرهه، قال: لأن الله أخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه. وقال قتادة: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب، وكان يقول: طوبى لعالم ناطق، ولمستمع واع، هذا علم علما فبذله، وهذا سمع خيرا فوعاه، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من كتم علماً عن أهله ألجم بلجام من نار» تفسير : وعن علي رضي الله عنه: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. ثم قال تعالى: {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } والمراد أنهم لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه، والنبذ وراء الظهر مثل الطرح وترك الاعتداد، ونقيضه: جعله نصب عينه وإلقاؤه بين عينيه وقوله: {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } معناه أنهم أخفوا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان شيء من الدنيا، فكل من لم يبين الحق للناس وكتم شيئاً منه لغرض فاسد، من تسهيل على الظلمة وتطييب لقلوبهم، أو لجر منفعة، أو لتقية وخوف، أو لبخل بالعلم دخل تحت هذا الوعيد.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} هذا متّصل بذكر اليهود؛ فإنهم أمِروا بالإيمان بمحمد عليه السلام وبيانِ أمره، فكتموا نعته. فالآية توبيخ لهم، ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ولغيرهم. قال الحسن وقتادة: هي في كل من أُوتي عِلم شيء من الكتاب. فمن عَلم شيئاً فليُعلِّمه، وإيّاكم وكتمانَ العلم فإنه هَلكة. وقال محمد بن كعب: لا يحلّ لعالم أن يسكت على علمه، ولا للجاهل أن يسكت على جهله؛ قال الله تعالى {وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} الآية. وقال: {أية : فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الأنبياء: 7]. وقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدّثتكم بشيء؛ ثم تلا هذه الآية {وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}. وقال الحسن بن عمارة: أتيت الزُّهرِي بعد ما ترك الحديث، فألفيتُه على بابه فقلت: إن رأيتَ أن تحدثني. فقال: أمَا علمتَ أني تركتُ الحديث؟ فقلت: إمّا أن تُحدّثني وإمّا أن أُحدّثك. قال حدّثني. قلت: حدّثني الحَكَم ابن عُتَيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت عليّ بن أبي طالب يقول: ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلّموا حتى أخذ على العلماء أن يُعلِّموا. قال: فحدّثني أربعين حديثاً. الثانية: الهاء في قوله: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يَجْرِ له ذِكرٌ. وقيل: ترجع إلى الكتاب؛ ويدخل فيه بيان أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في الكتاب. وقال: {وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} ولم يقل تَكْتُمُنَّهُ لأنه في معنى الحال، أي لتبيننه غير كاتمين. وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وأهل مكة «لَتُبَيّنُنَّهُ» بالتاء على حكاية الخطاب. والباقون بالياء لأنهم غُيَّب. وقرأ ابن عباس «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَيُبَيِّنُنَّهُ». فيجيء قوله {فَنَبَذُوهُ} عائداً على الناس الذين بيّن لهم الأنبياء. وفي قراءة ابن مسعود «ليُبيّنُونَه» دون النون الثقيلة. والنَّبْذ الطّرح. وقد تقدّم بيانه في «البقرة». {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} مبالغة في الاطراح؛ ومنه {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً} وقد تقدّم في «البقرة» بيانه أيضاً. وتقدّم معنى قوله: {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} في «البقرة» فلا معنى لإعادته. {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} تقدّم أيضاً. والحمد لله.

ابن كثير

تفسير : هذا توبيخ من الله، وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأن ينوهوا بذكره في الناس، ليكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك، وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسالكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئاً، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار»تفسير : وقوله تعالى: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ}، يعني بذلك: المرائين المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من ادعى دعوة كاذبة؛ ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة»تفسير : . وفي الصحيح أيضاً: «حديث : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور»تفسير : ، وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان قال: اذهب يا رافع لبوابه إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل، معذباً، لنعذبن أجمعين، فقال ابن عباس: وما لكم وهذه؟ إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} الآية. وقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا، قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه. واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه، وهكذا رواه البخاري في التفسير، ومسلم والترمذي والنسائي في تفسيريهما، وابن أبي حاتم، وابن جرير، والحاكم في مستدركه، وابن مردويه، كلهم من حديث عبد الملك بن جريج بنحوه، ورواه البخاري أيضاً من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة، عن علقمة بن وقاص: أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فذكره. وقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو، تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو، اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} الآية، وكذا رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم بنحوه. وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث الليث بن سعد عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: كان أبو سعيد ورافع بن خديج وزيد بن ثابت: كنا عند مروان، فقال: يا أبا سعيد أرأيت قوله تعالى: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ}، ونحن نفرح بما أتينا، ونحب أن نحمد بما لم نفعل؟ فقال أبو سعيد: إن هذا ليس من ذاك، إنما ذاك أن ناساً من المنافقين كانوا يتخلفون إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً، فإن كان فيهم نكبة، فرحوا بتخلفهم، وإن كان لهم نصر من الله وفتح، حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح، فقال مروان: أين هذا من هذا؟ فقال أبو سعيد: وهذا يعلم هذا؟ فقال مروان: أكذلك يا زيد؟ قال: نعم، صدق أبو سعيد، ثم قال أبو سعيد: وهذا يعلم ذاك، يعني: رافع بن خديج، ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصدقة، فلما خرجوا قال زيد لأبي سعيد الخدري: ألا تحمدني على ما شهدت لك؟ فقال أبو سعيد: شهدت الحق، فقال زيد: أولا تحمدني على ما شهدت الحق؟ ثم رواه من حديث مالك عن زيد بن أسلم، عن رافع بن خديج: أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، فقال مروان: يا رافع في أي شيء نزلت هذه الآية؟ فذكره كما تقدم عن أبي سعيد رضي الله عنهم، وكان مروان يبعث بعد ذلك يسأل ابن عباس كما تقدم، فقال له ما ذكرناه، ولا منافاة بين ما ذكره ابن عباس وما قاله هؤلاء؛ لأن الآية عامة في جميع ما ذكر، والله أعلم. وقد روى ابن مردويه أيضاً من حديث محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن الزهري، عن محمد بن ثابت الأنصاري: أن ثابت بن قيس الأنصاري قال: يا رسول الله، والله لقد خشيت أن أكون هلكت، قال«لم»؟ قال: نهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل، وأجدني أحب الحمد، ونهى الله عن الخيلاء، وأجدني أحب الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا امرؤ جَهْوَري الصوت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة؟»تفسير : فقال: بلى يا رسول الله، فعاش حميداً، وقتل شهيداً يوم مسيلمة الكذاب. وقوله تعالى: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ} يقرأ بالتاء على مخاطبة المفرد، وبالياء على الإخبار عنهم، أي: لا تحسبون أنهم ناجون من العذاب، بل لا بد لهم منه، ولهذا قال تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ثم قال تعالى: { وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} أي: هو مالك كل شيء، والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، واحذورا غضبه ونقمته؛ فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، والقدير الذي لا أقدر منه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ } أي العهد عليهم في التوراة {لَتُبَيّنُنَّهُ } أي الكتاب {لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } أي الكتاب بالياء والتاء في الفعلين {فَنَبَذُوهُ } طرحوا الميثاق {وَرآء ظُهُورِهِمْ } فلم يعملوا به {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ } أخذوا بدله {ثَمَناً قَلِيلاً } من الدنيا من سفلتهم برياستهم في العلم فكتموه خوف فوته عليهم {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } شراؤهم هذا.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب} الميثاق: اليمين. وفي الذين أتوا الكتاب هاهنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم اليهود خاصة، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي. والثاني: أنهم اليهود والنصارى. والثالث: انهم كل من أوتى علم شيءٍ من كتاب فقد أخذ أنبياؤهم ميثاقهم. {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} فيه قولان: أحدهما: ليبين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول سعيد بن جبير، والسدي. والثاني: ليبين الكتاب الذي فيه ذكره، وهذا قول الحسن، وقتادة. قوله تعالى: {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} فيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل الكتاب فرحوا بالاجتماع على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وإخفاء أمره، وأحبواْ أن يحمدواْ بما ليس فيهم من أنهم أهل نسك وعلم، وهذا قول ابن عباس، والضحاك. والثاني: أنهم أهل النفاق فرحوا بقعودهم عن القتال وأحبواْ أن يحمدوا بما ليس فيهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول أبي سعيد الخدري، وابن زيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِيثَاقَ} هو اليمين. {الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} اليهود، أو اليهود والنصارى، أو كل من أوتي علم شيء من الكتب، أخذ أنبياؤهم ميثاقهم لتبيننه للناس. {لَتُبَيِّنُنَّهُ} لتبينن الكتاب الذي فيه ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، أو لتبينن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وإذ أخذ الله} أي واذكر يا محمد وقت إذ أخذ الله {ميثاق الذين أوتوا الكتاب} يعني اليهود والنصارى، والمراد منهم العلماء خاصة وقيل المراد بالذين أوتوا العلماء والأحبار من اليهود خاصة وأخذ الميثاق هو التوكيد والإلزام لبيان ما أوتوه من الكتاب وهو قوله تعالى: {لتبيننه للناس} يعني لتبينن ما في الكتاب ولتظهرنه للناس حتى يعلموه وذلك أن الله أوجب على علماء التوراة والإنجيل أن يشرحوا للناس ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {ولا تكتمونه} يعني ولا تخفون ذلك عن الناس {فنبذوه} يعني الكتاب وقيل الميثاق {وراء ظهورهم} أي فطرحوه وضيعوه وتركوا العمل به {واشتروا به ثمناً قليلاً} يعني المآكل والرشا التي كانوا يأخذونها من عوامهم وسفلتهم {فبئس ما يشترون} ذمهم الله تعالى على فعلهم ذلك. واعلم أن ظاهر هذه الآية وإن كان مخصوصاً بعلماء أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فلا يبعد أن يدخل فيه علماء هذه الأمة الإسلامية لأنهم أهل كتاب وهو القرآن وهو أشرف الكتب. قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله تعالى على أهل العلم فمن علم شيئاً فليعلمه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة وقال أيضاً مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم لا يأكل ولا يشرب وقال أيضاً طوبى لعالم ناطق ومستمع واعٍ هذا علم علماً فبذله وهذا سمع خيراً فقبله ووعاه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سئل علماً يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار" تفسير : أخرجه الترمذي. ولأبي داود "حديث : من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة"تفسير : . وقال أبو هريرة لولا ما أخذ الله عز وجل على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} الآية وقال الحسن بن عمارة أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت أريد أن تحدثني، فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك قال: حدثني فقلت: حدثني الحكم بن عيينة عن يحيى بن الخزار قال سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا قال: فحدثني أربعين حديثاً. قوله عز وجل: {لا تحسبن الذين يفرحون} قرئ بالتاء على الخطاب أي لا تحسبن يا محمد الفارحين الذين يفرحون، وقرئ بالياء على الغيبة يعني ولا يحسبن الفارحون والمعنى لا يحسبن الذين يفرحون فرحهم منجياً لهم من العذاب نزلت هذه الآية في المنافقين (ق) عن أبي سعيد الخدري أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا له وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا {لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا} الآية وقيل نزلت في اليهود (ق) عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف أن مروان قال اذهب يا رافع لبوابه إلى ابن عباس فقل لئن كان كل امرئ مما فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنعذبن أجمعون. قال ابن عباس: مالكم. ولهذه الآية إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب ثم تلا ابن عباس: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} الآية وتلا ابن عباس: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} وقال ابن عباس سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا إليه بذلك وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه {بما أتوا} يعني يفرحون بما فعلوا {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} أي ويحبون أن يحمدهم الناس على شيء لي يفعلوه قيل عنى بذلك قوماً من أحبار اليهود كانوا يفرحون بإضلالهم الناس ونسبة الناس إياهم إلى العلم قال ابن عباس: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب إلى قوله ولهم عذاب أليم} يعني فنحاص وأسبيع وأشباههما من الأحبار الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا للناس من الضلالة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا أي بقول الناس لهم علماء وليسوا بأهل علم. وقيل هم اليهود فرحوا باحتماع كلمتهم على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم. وذلك أنهم كتبوا إلى يهود العراق والشام واليمن ومن يبلغهم كتابهم من اليهود في الأرض كلها أن محمداً ليس بنبي فاثبتوا على دينكم فاجتمعت كلمتهم على الكفر ففرحوا بذلك، وقالوا: نحن أهل الصوم والصلاة وأحبوا أن يحمدوا على ذلك. وقيل فرحوا بما أوتوا من تبديلهم التوراة وأحبوا أن يحمدهم الناس على ذلك. وقيل أن يهود خيبر أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا نحن نعرفك ونصدقك وقالوا لأصحابه نحن على رأيكم نحن لكم ردء وليس ذلك في قلوبهم وأحبوا أن يحمدهم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون على ذلك {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} أي فلا تظنهم بمنجاة من العذاب الذي أعده الله لهم في الدنيا من القتل والأسر وضرب الجزية والذلة والصغار {ولهم عذاب أليم} يعني في الآخرة وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في اليهود أو المنافقين خاصة فإن حكمها عام في كل من أحب أن يحمد بما لم يفعل من الخير والصلاح أو ينسب إلى العلم وليس هو كذلك.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ...} الآية: توبيخٌ لمعاصري النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم هو مع ذلك خَبَرٌ عامٌّ لهم ولغيرهم، قال جمهورٌ من العلماء: الآية عامَّةٌ في كلِّ من علَّمه اللَّه عِلْماً، وعلماءُ هذه الأمَّة داخلُونَ في هذا الميثاقِ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ، فَكَتَمَهُ، أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»تفسير : ، والضميرُ في: {لَتُبَيِّنُنَّهُ}، {وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}: عائدٌ على {ٱلْكِتَـٰبِ}، والنَّبْذُ: الطَّرْح، وأظهر الأقوال في هذه الآيةِ أنَّها نزلَتْ في اليهودِ، وهم المعْنِيُّون، ثم كلِّ كاتمٍ من هذه الأمَّة يأخذ بحظِّه من هذه المَذَمَّةِ.

ابن عادل

تفسير : في كيفية النظمِ وجهانِ: أحدهما: أنه - تعالى - لما حكى عنهم الطَعْنَ في نبوَّتِهِ صلى الله عليه وسلم وأجاب عن ذلك، بيَّن في هذه الآية التعجُّب من حالهم. والمعنى: كيف يليق بكم الطعن في نبوَّته صلى الله عليه وسلم وكتبكم ناطقة بأنه يجب عليكم ذِكْرُ الدلائل الدالة على صِدقه ونبوته؟ ثانيهما: أنه لما أوجب عليه احتمال الأذَى من أهْل الكتاب - وكان من جُمْلَة أذاهم كتمانُ ما في التوراة والإنجيل من الدلائلِ الدالةِ على نبوَّتِه، وتحريفها - بيَّن أن هذا من تلك الجملةِ التي يجب فيها الصبر. قوله: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} هذا جواب لما تضمنه الميثاق من القسم. وقرأ أبو عمرو، وابن كثيرٍ، وأبو بكر بالياء، جرياً على الاسم الظاهر - وهو كالغائب - وحَسَّن ذلك قوله - بعده -:"فَنَبَذُوهُ" والباقون بالتاء؛ خطاباً على الحكاية، تقديره: وقلنا لهم، وهذا كقوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ} تفسير : [البقرة: 83] بالتاء والياء كما تقدم تحريره. قوله: {وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: واو الحال، والجملة بعدها نصب على الحال، أي: لتبينُنَّه غيرَ كاتمين. الثاني: أنها للعَطْف، والفعل بعدها مُقْسَم عليه - أيضاً - وإنما لم يُؤكَّدْ بالنون؛ لأنه منفيّ، كما تقول: واللَّهِ لا يقومُ زيدٌ - من غير نون - وقال أبو البقاء: "ولم يأتِ بها في "تَكْتُمُونَ" اكتفاءً بالتوكيد في الأول؛ "تَكْتُمُونَهُ" توكيد". وظاهر عبارته أنه لو لم يكنْ بعد مؤكَّد بالنون لزم توكيده، وليس كذلك؛ لما تقدم. وقوله: لأنه توكيدٌ، يعني أن نفي الكتمان فُهمَ من قوله: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} فجاء قوله: {وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} توكيداً في المعنى. واستحسن أبو حيَّان هذا الوجه - أعني: جَعْل الواو عاطفةً لا حاليةً - قال: "وهذا الوجه - عندي - أعْرَب وأفصح؛ لأن الأول يحتاج إلى إضمار مبتدأ قبل "لا" حتى تصير الجملة اسمية في موضع الحال؛ إذ المضارع المنفي بـ "لا" لا تدخل عليه واوُ الحال". وغيره يقول: إنه يمتنع إذا كان مضارعاً مُثْبَتاً، فيُفهم من هذا أن المضارعَ المنفيَّ بكُلِّ نافٍ لا يمتنع دخولُها عليه. وقرأ عبد الله: لَيُبَينونَه - من غير توكيد - قال ابنُ عطيَّة: "وقد لا تلزم هذه النونُ لامَ التوكيد قال سيبويه". والمعروفُ - من مذهب البصريين - لزومهما معاً، والكوفيون يجيزون تعاقُبَهما في سعَة الكلامَ. وأنشدوا: [الطويل] شعر : 1706- وَعَيْشِكِ - يا سَلْمَى - لأوقِنُ أنَّنِي لِمَا شِئْتِ مُسْتحْلٍ، وَلَوْ أنَّهُ الْقَتْلُ تفسير : وقال الآخرُ: [المتقارب] شعر : 1707- يَمِيناً لأبْغَضُ كُلَّ امْرِئٍ يُزَخْرِفُ قَوْلاً وَلاَ يَفْعَلُ تفسير : فأتى باللام وحدها. وقد تقدم تحقيقُ هذا. وقرأ ابنُ عباس: ميثاق النبيين لتبيننه للناس، فالضمير في قوله: {فَنَبَذُوهُ} يعود على {ٱلنَّاسِ} المبيَّن لهم؛ لاستحالة عَوْدِهِ على النبيين، وكان قد تقدم في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} تفسير : [آل عمران: 81] أنه - في أحد الأوجه - على حذف مضاف، أي: أولاد النبيين، فلا بُعْدَ في تقديره هنا - أعني: قراءة ابن عباس -. والهاء في {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} قال سعيدُ بنُ جُبَيْر والسُّدِّيُّ تعود إلى محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا يكونُ الضميرُ عائداً إلى معلوم غير مذكور. وقال الحسنُ وقتادةُ: تعود على "الْكِتَابِ" أي: يبينون للناس ما في التوراة والإنجيل من الدلالة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: البيانُ يضادُّ الكتمان، فلما أمر بالبيان كان الأمر به نهْياًَ عن الكتمان فما الفائدة في ذِكْرِ النَّهي عن الكتمان؟ فالجوابُ: أن المرادَ من البيان ذِكْرُ الآياتِ الدالةِ على نبوةِ محمد صلى الله عليه وسلم من التوراةِ والإنجيل والمراد من النهي عن الكتمان أن لا يلقوا فيها التأويلات الفاسدة، والشبهات المعطلة. قال قتادةُ: هذا ميثاقٌ أخذه الله على أهلِ العِلْم، فمَنْ عَلِمَ شيئاً فلْيُعَلِّمْه، وإياكم وكتمانَ العِلْم، فإنه هَلَكَه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ ألْجِمَ يَوْمَ الْقِيامةِ بِلِجَامٍ مِنْ نارٍ ". تفسير : قوله: {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} طرحوه، وضيَّعوه، ولم يُراعوه، ولم يلتفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر مثَل للطَّرْح، ونقيضه: جعله نُصْبَ عينيه. وقوله: {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} معناه: أنهم أخفوا الحقَّ؛ ليتوسلوا بذلك إلى وجدان شيء من الدنيا، ثم قال: {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس ‏ {‏وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏عذاب أليم‏} ‏ يعني فنحاص وأشيع وإشباههما من الأحبار‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس‏} ‏ قال‏:‏ كان أمرهم أن يتبعوا النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، وقال‏:‏ واتبعوه لعلكم تهتدون‏.‏ فلما بعث الله محمداً قال ‏{أية : وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم‏}‏ ‏تفسير : [‏البقرة: 40‏]‏ عاهدهم على ذلك فقال حين بعث محمداً.‏ صدقوه وتلقون عندي الذي أحببتم‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علقمة بن وقاص عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ في التوراة والإنجيل أن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمداً رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل فينبذونه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية ‏ {‏وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب‏}‏ قال‏:‏ اليهود ‏ {‏لتبيننه للناس‏}‏ قال‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال‏:‏ إن الله أخذ ميثاق اليهود لتبينن للناس محمدا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال‏:‏ هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم علماً فليعلمه للناس، وإياكم وكتمان العلم فإن كتمان العلم هلكة، ولا يتكلفن رجل ما لا علم له به فيخرج من دين الله فيكون من المتكلفين‏.‏ كان يقول مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينتفع به، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب‏.‏ وكان يقال في الحكمة‏:‏ طوبى لعالم ناطق، وطوبى لمستمع واع‏.‏ هذا رجل عَلِمَ عِلماً فَعَلَّمَه وبذله ودعا إليه، ورجل سمع خيراً فحفظه ووعاه وانتفع به‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي عبيدة قال‏:‏ جاء رجل إلى قوم في المسجد وفيه عبد الله بن مسعود فقال‏:‏ إن أخاكم كعباً يقرؤكم السلام ويبشركم أن هذه الآية ليست فيكم ‏ {‏وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه‏} ‏ فقال له عبد الله‏:‏ وأنت فاقرئه السلام أنها نزلت وهو يهودي‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ قلت لابن عباس‏:‏ إن أصحاب عبد الله يقرؤون ‏"‏وإذ أخذ ربك من الذين أوتوا الكتاب ميثاقهم‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه كان يفسر قوله ‏ {‏لتبيننه للناس ولا تكتمونه‏} ‏ ليتكلمن بالحق، وليصدقنه بالعمل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله ‏ {‏فنبذوه وراء ظهورهم‏} ‏ قال إنهم قد كانوا يقرؤونه ولكنهم نبذوا العمل به‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ‏{‏فنبذوه‏}‏ قال‏:‏ نبذوا الميثاق‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي ‏ {‏واشتروا به ثمناً قليلاً‏} ‏ أخذوا طمعاً، وكتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ كتموا وباعوا فلم يبدوا شيئاً إلا بثمن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏فبئس ما يشترون‏} ‏ قال‏:‏ تبديل يهود التوراة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة قال‏:‏ لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم‏.‏ وتلا ‏ {‏وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه‏}‏‏.‏ وأخرج ابن سعد عن الحسن قال لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ} كلامٌ مستأنفٌ سيق لبـيان بعضِ أذِيّاتِهم وهو كِتمانُهم ما في كتابهم من شواهدِ نبوتِه عليه الصلاة والسلام وغيرِها وإذ منصوبٌ على المفعولية بمضمر أُمر به النبـيُّ صلى الله عليه وسلم خاصة بطريق تجريدِ الخطابِ إثرَ الخطابِ الشامل له عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لكون مضمونِه من الوظائف الخاصةِ به عليه الصلاة والسلام، وتوجيهُ الأمرِ بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرِها على ما مر بـيانُه في تفسير قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ } تفسير : [البقرة، الآية 30] الخ، أي اذكر وقت أخذِه تعالى {مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} وهم علماءُ اليهودِ والنصارى، ذُكروا بعنوان إيتاءِ الكتابِ مبالغةً في تقبـيح حالِهم {لَتُبَيّنُنَّهُ} حكايةٌ لما خوطبوا به، والضميرُ للكتاب وهو جوابٌ لقسم يُنبىء عنه أخذُ الميثاقِ كأنه قيل لهم: بالله لتُبـيِّنُنه {لِلنَّاسِ} وتُظْهِرُنّ جميعَ ما فيه من الأحكام والأخبارِ التي من جملتها أمرُ نبوتِه عليه الصلاة والسلام وهو المقصودُ بالحكاية. وقرىء بالياء لأنهم غُيَّب {وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} عطفٌ على الجواب وإنما لم يؤكدْ بالنون لكونه منفياً كما في قولك: والله لا يقوم زيد، وقيل: اكتُفي بالتأكيد في الأول لأنه تأكيدٌ له، وقيل: هو حالٌ من ضمير المخاطبـين إما على إضمار مبتدإٍ بعد الواوِ، أي وأنتم لا تكتمونه، وإما على رأي مَنْ جوز دخولَ الواوِ على المضارع المنفيِّ عند وقوعِه حالاً أي لتبـينُنّه غيرَ كاتمين، والنهيُ عن الكتمان بعد الأمرِ بالبـيان إما للمبالغة في إيجاب المأمورِ به وإما لأن المرادَ بالبـيان المأمورِ به ذكرُ الآياتِ الناطقةِ بنبوته عليه الصلاة والسلام، وبالكتمان المنهيِّ عنه إلقاءُ التأويلاتِ الزائغةِ والشبهاتِ الباطلة، وقرىء بالياء كما قبله {فَنَبَذُوهُ} النبذُ الرميُ والإبعادُ أي طرحوا ما أُخذ منهم من الميثاق الموثقِ بفنون التأكيدِ وألقَوْه {وَرَاء ظُهُورِهِمْ} ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه أصلاً فإن نبذَ الشيءِ وراءَ الظهرِ مَثَلٌ في الاستهانة به والإعراضِ عنه بالكلية، كما أن جعلَه نُصبَ العينِ علمٌ في كمال العنايةِ به، وفيه من الدَلالة على تحتّم بـيانِ الحقِّ على علماء الدين وإظهارِ ما مُنحوه من العلم للناس أجمعين وحُرمةِ كتمانِه لغرض من الأغراض الفاسدة أو لطمع في عرض من الأعراض الفانيةِ الكاسدةِ ما لا يخفى. وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كتم علماً عن أهله أُلجم بلجامٍ من نار» تفسير : وعن طاوس أنه قال لوهْب بن منبّه: إني أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتُب وقال: والله لو كنتَ نبـياً فكتمتَ العلم كما تكتُمه لرأيت أن الله سيعذبك. وعن محمد بن كعب: لا يحِلُّ لأحد من العلماء أن يسكُت على علمه ولا يحِلُّ لجاهل أن يسكُت على جهله حتى يَسأل. وعن علي رضي الله عنه: «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعلِّموا» {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ} أي بالكتاب الذي أُمروا ببـيانه ونُهوا عن كِتمانه فإن ذكرَ نبذِ الميثاقِ يدل على ذلك دَلالةً واضحةً، وإيقاعُ الفعل على الكل مع أن المرادَ به كتمُ بعضِه كدلائل نبوتِه عليه الصلاة والسلام ونحوِها لما أن ذلك كتمٌ للكل إذْ به يتم الكتابُ، كما أن رفضَ بعضِ أركانِ الصلاة رفضٌ لكلها، أو بمنزلة كتمِ الكلِّ من حيث إنهما سيان في الشناعة واستجرار العقاب كما في قوله تعالى: {أية : وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } تفسير : [المائدة، الآية 67] والاشتراءُ مستعارٌ لاستبدال متاعِ الدنيا بما كتَموه أي تركوا ما أُمروا به وأخذوا بدلاً منه {ثَمَناً قَلِيلاً} أي شيئاً تافهاً حقيراً من حُطام الدنيا وأعراضِها، وفي تصوير هذه المعاملةِ بعقد المعاوضةِ ــ لا سيما بالاشتراء المُؤْذِنِ بالرغبة في المأخوذ والإعراض عن المُعطىٰ والتعبـيرِ عن المشترىٰ الذي هو العُمدةُ في العقد والمقصودُ بالمعاملة ــ بالثمن الذي شأنُه أن يكون وسيلةً إليه، وجعلِ الكتابِ الذي حقُّه أن يتنافسَ فيه المتنافسون مصحوباً بالباء الداخلةِ على الآلات والوسائلِ ــ من نهاية الجزالةِ والدلالةِ على كمال فظاعةِ حالِهم وغايةِ قبحِها بإيثارهم الدنيءِ الحقير على الشريف الخطيرِ وتعكيسِهم بجعلهم المقصِدَ الأصليَّ وسيلةً والوسيلةَ مقصِداً ــ ما لا يخفى جلالةُ شأنِه ورفعةُ مكانِه {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} {مَا} نكرةٌ منصوبةٌ مفسرةٌ لفاعل بئس، و{يَشْتَرُونَ} صفتُه، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي بئس شيئاً يشترونه ذلك الثمن.

التستري

تفسير : قوله: {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ}[187] أي: لم يعملوا بالكتاب {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً}[187] يعني اشتروا بالآخرة الباقية عرض الدنيا الفانية.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} [الآية: 187]. قيل: أخذ الله تعالى المواثيق على الأولياء أن لا يخفوا لألباب الله تعالى عندهم من لا يفتتن بذلك ولا يتخذه دعوى، وأن يُعلِّموا من قصدهم من المريدين الطريق إلى الحق. قوله تعالى: {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً}. قيل ادَّعوا ذلك لأنفسهم ليفتنوا به الخلق.

القشيري

تفسير : أخبر أنهم أبرموا عهودهم أن لا يزولوا عن وفائه، ولكنهم نقضوا أسباب الذِّمام بما صاروا إليه من الكفران، ثم تبيَّن أنَّ ما اعتاضوا من ذهاب الدين من أعراض يسيرة لم يُبارَكْ لهم فيه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} وان الله تعالى امر الصدقين الذين هم اصحاب الهام الخاصة والمحدثين والمكملين من المقرنين بان يظهروا بعض مقاماتهم التى بينهم وبين الله سباحنه وما يلق بفهم الطالبين ويعرفوا سيئات احوال اهل الولاية فى زمانهم للخلق يتركوا بهم ويصلوا الى الله ببركاتهم ولايعار عليهم وذنك صفة اهل الكمال من علماء المعرفة ولا يكونوا مداهنين فى كتمان مناقب الصديقين قيل اخذا لله المواثيق على عامة اولياء الله ان لا تخفوا كرامات الله عندهم فى من لا يفتتن بذلك ولا يتخذه دعوى وان يعلموا من قصدهم من المريدين الطريق الى الحق قوله تعالى {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} هذا لمن يبلغ مقام الواصلين ولو وصل بما باعه بالحدثان وكيف يطيق ممن راه ان يشتغل بسواه ولم يصلوا مقاصد القوم وبقوا لى اول الطريق برهة من الدهر ولم تجدوا حلاوة الوصال فادعوا عند الخلق بالبلاغة والكمال وهم عملوا انهم لم يشاهدوا مواهب الله وكراماته باعوا ما ليس لهم ووقفوا فى تغير الله وخجلوا بين اولياء الله لانهم عرفوا حياتهم قبل ادعو ذلك لانفسهم وليفتتنوا به الخلق.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ اخذ الله} اى اذكر يا محمد وقت اخذه تعالى {ميثاق الذين اوتوا الكتاب} وهم علماء اليهود والنصارى وذلك اخذ على لسان الانبياء عليهم السلام {لتبيننه} حكاية لما خوطبوا به والضمير للكتاب وهو جواب قسم ينبئ عنه اخذ الميثاق كأنه قيل لهم بالله لتبينه {للناس} وتظهرنّ جميع ما فيه من الاحكام والاخبار التى من جملتها امر نبوته صلى الله عليه وسلم وهو المقصود بالحكاية {ولا تكتمونه} عطف على الجواب وانما لم يؤكد بالنون لكونه منفيا كما فى قولك والله لا يقوم زيد {فنبذوه} النبذ الرمى والابعاد اى طرحوا ما اخذ منهم من الميثاق الموثوق بفنون التأكيد والقوه {وراء ظهورهم} ولم يراعوه ولم يلتفتوا اليه اصلا فان نبذ الشىء وراء الظهر مثل فى الاستهانة به والاعراض عنه بالكلية كما ان جعله نصب العين علم فى كمال العناية {واشتروا به} اى بالكتاب الذى امروا ببيانه ونهوا عن كتمانه والاشتراء مستعار لاستبدال متاع الدنيا بما كتموا اى تركوا ما امروا به واخذوا بدله {ثمنا قليلا} اى شيئاً تافها حقيرا من حطام الدنيا واعراضها وهو ما تناولوه من سفلتهم فلما كرهوا ان يؤمنوا فينقطع ذلك عنهم كتموا ما علموا من ذلك وامروهم ان يكذبوه {فبئس ما يشترون} ما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس ويشترون صفة والمخصوص بالذم محذوف اى بئس شيئاً يشترونه ذلك الثمن وظاهر الآية وان دل على نزولها فى حق اليهود والنصارى الذين كانوا يخفون الحق ليتوصلوا بذلك الى وجدان شىء من الدنيا الا ان حكمهما يعم من كتم من المسلمين احكام القرآن الذى هو اشرف الكتب وانهم اشراف اهل الكتاب. قال صاحب الكشاف وكفى به دليلا على انه مأخوذ على العلماء ان يبينوا الحق للناس وما علموه وان لا يكتموا منه شيئاً لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارهم او لجر منفعة من حطام الدنيا لنفسه مما لا دليل عليه ولا امارة أو لبخل بالعلم وغيرة ان ينسب الى غيرهم انتهى بعبارته فكل من لم يبين الحق للناس وكتم شيئاً من هذه الامور دخل تحت وعيد الآية كذا فى تفسير الامام. فعلى المرء ان يحسن نيته حال الاضمار والاظهار ويطهر سريرته من لوث الاعراض والاوزار والانكار شعر : زيان مى كند مرد تفسير دان كه علم وادب ميفروشد بنان بدين اى رومايه دنى مخر جوخر بانجيل عيسى مخر تفسير : يعنى لا تشتر بالعلم والقرآن ما تربى به نفسك من شهواتك ولا تخف من الخلق فى اظهار الاحكام واصدع بما امرت به ـ حكى ـ ان الحجاج ارسل الى الحسن وقال ما الذى بلغنى عنك فقال ما كل الذى بلغك قلته ولا كل ما قلته بلغك قال انت الذى قلت ان النفاق كان مقموعا فاصبح قد تعمم وتقلد سيفا فقال نعم فقال وما الذى حملك على هذا ونحن نكرهه قال لان الله اخذ ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه. قال قتادة مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب وكان يقول طوبى لعالم ناطق ولمستمع واع هذا علم علما فبذله وهذا سمع خبرا فوعاه قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من كتم علما على اهله الجم بلجام من نار " .تفسير : قال الفضيل رحمه الله لو ان اهل العلم اكرموا انفسهم وشحوا على دينهم واعزوا العلم وصانوه وانزلوه حيث انزله الله لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس وكانوا لهم تبعا وعز الاسلام واهله ولكنهم اذلوا انفسهم ولم يسألوا ما نقص من دينهم اذا سلمت لهم دنياهم فبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك مما فى ايدى الناس فذلوا وهانوا على الناس. وعن الفضيل ايضا قال بلغنى ان الفسقة من العلماء ومن حملة القرآن يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الاصنام فيقولون ربنا ما بالنا فيقول الله ليس من يعلم كمن لا يعلم فمن اشترى الدنيا بالدين فقد وقع فى خسران مبين ولا يخفى ان مداره على حب الدنيا ساقنا الله واياكم الى طريق القناعة ـ حكى ـ ان ذا القرنين اجتاز على قوم تركوا الدنيا وجعلوا قبور موتاهم على ابوابهم يقتاتون بنبات الارض ويشتغلون بالطاعة فارسل ذو القرنين الى رئيسهم فقال مالى حاجة الى صحبة ذى القرنين فجاء ذو القرنين فقال ما سبب قلة الذهب والفضة عندكم قال ليس للدنيا طالب عندنا لانها لا تشبع احدا فجعلنا القبور عندنا حتى لا ننسى الموت ثم اخذ قخف انسان وقال هذا رأس ملك من الملوك كان يظلم الرعية ويجمع حطام الدنيا فقبضه الله تعالى وبقى عليه السيآت ثم اخرج آخر وقال هذا ايضا رأس ملك عادل مشفق فقبضه واسكنه جنته ورفع درجته ثم وضع يده على رأس ذى القرنين وقال أى الرأسين يكون رأسك فبكى ذو القرنين وقال ان رغبت فى صحبتى شاطرتك مملكتى وسلمت اليك وزارتى فقال هيهات فقال ذو القرنين ولم قال لان الناس اعداؤك بسبب المال والمملكة وجميعهم احبابى بسبب القناعة شعر : نيرزد عسل جان من زخم نيش قناعت نكوتر بدوشاب خويش كدايى كه هر خاطرش بند نيست به ازباد شاهى كه خرسند نيست اكربادشا هست اكر بينه دوز جو خفتند كردد شب هردوروز

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الضمير في {نبذوه}: يعود على الكتاب، أو الميثاق. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} وهم اليهود، أخذ عليهم العهد ليبينن للناس ما في كتابهم من صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا يكتمونه، فنبذوا ذلك العهد أو الكتاب {وراء ظهورهم}؛ فكتموا صفته - عليه الصلاة والسلام - خوفاً من زوال رئاستهم، {واشتروا} بذلك العهد، أي: استبدلوا به {ثمناً قليلاً} من حطام الدنيا، وما كانوا يأخذونه من سفلتهم، {فبئس ما يشترون}، وهي تجر ذيلها على من كتم علماً سئل عنه، قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : مَنْ كَتَمَ عِلْماً عَنْ أَهْله ألجِمَ بلِجَامٍ مِنْ نَارٍ"تفسير : . وعن عليّ رضي الله عنه: (ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعلِّموا). وقال محمد بن كعب: (لا يحل للعالم أن يسكت على علمه، ولا الجاهل أن يسكت على جهله). الإشارة: أهل العلم إذا تحققوا بوجود الخصوصية عند ولي، وكتموا ذلك حسداً وخوفاً على زوال رئاستهم، دخلوا في وعيد الآية؛ لأنَّ العوام تابعون لهم، فإذا كتموا أو أنكروا تبعُوهم على ذلك، فيحملون أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم، والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة والحجة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم {ليبيننه للناس ولا يكتمونه} بالياء فيهما. الباقون بالتاء فيهما، فمن قرأ بالياء، فلانهم غُيب. ومن قرأ بالتاء حكى المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق "ولتبيننه" لجماعة الرجال وللواحد تفتح النون. المعنى: والمعني به اذكروا {إذا أخذ الله} منهم الميثاق ليبينن أمر نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا يكتمونه {فنبذوه وراء ظهورهم} أي رموا به في قول ابن عباس، ولم يعملوا به وإن كانوا مقرين به. ويقال لمن يطرح الشيء ولا يعبأ به رميته بظهر، قال الفرزدق: شعر : تميم بن قيس لا تكونن حاجتي بظهر ولا يعيا علي جوابها تفسير : أي لا تتركنها، لا تعبأ بها، فاخبر الله تعالى عما حمل اليهود الذين كانوا رؤساء على كتمان أمر النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: {واشتروا به ثمناً قليلاً} أي قبلوا على ذلك الرشا، وقامت لهم بذلك رئاسة اكتسبوها فذلك حملهم على الكفر بما يخفونه، ثم ذم تعالى أفعالهم بقوله: {فبئس ما يشترون} لأن ما يكون عاقبته الهلاك والعقاب الدائم، وان كان نفعاً عاجلا، فهو بئس الشيء. وقال ابن عباس وسعيد ابن جبير وعكرمة والسدي وابن جريج ان المعني بهذه الآية فنحاص اليهودي، وأصحابه الذين كتموا أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) وما بينه الله في التوراة. وقال قتادة وكعب وعبد الله بن مسعود هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم كافة، فمن علم شيئاً فليعلمه وإياكم وكتمان العلم، فان كتمانه هلاك. وقال الجبائي: المعني بالآية اليهود والنصارى. وقال الحسن {لتبيننه ولا تكتمونه} معناه لتكلمن بالحق ولتصدقنه بالعمل. والميثاق الذي ذكره الله في الآية هو الأيمان التي أخذها عليهم أنبياؤهم ليبينن ما في كتبهم من الاخبار والآيات الدالة على نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) ولايكتمونه. والهاء في "ليبيننه" عائدة على محمد (صلى الله عليه وسلم) في قول سعيد بن جبير والسدي، فيعود على معلوم غير مذكور. وقال الحسن وقتادة: هي عائدة على الكتاب فيدخل فيه بيان أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنه في الكتاب.

الجنابذي

تفسير : {وَ} اذكروا يا امّة محمّد (ص) {إِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} حتّى تكونوا على ذكر منه فلا تصيروا مثلهم بان تتركوا الميثاق الّذى يأخذه محمّد (ص) عليكم بولاية علىّ (ع) وبان تبيّنوا ولايته لمن غاب عنكم بقوله (ص): "حديث : الا فليبلغ الشّاهد الغائب منكم فربّ حامل فقهٍ ليس بفقيه، وربّ حامل فقه الى من هو افقه منه"تفسير : ؛ فهو تعريض بالامّة وعطف باعتبار المعنى كأنّه قال: {ولتسمعنّ من الّذين اوتوا الكتاب اذىً كثيراً} فكونوا ذاكرين له واذكروا اذ اخذ الله ميثاق الّذين اوتوا الكتاب على ايدى انبيائهم وخلفاء انبيائهم {لَتُبَيِّنُنَّهُ} الّلام لام جواب القسم لأنّ اخذ الميثاق قائم مقام القسم، والهاء راجع الى الكتاب او الى الميثاق، وفى اخبارنا انّه راجع الى محمّد (ص) وانّ التّقدير اذ اخذ الله ميثاق اهل الكتاب فى محمّد (ص) لتبيننّ محمّد (ص) اذا خرج {لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} وقرئ الكلمتان بالغيبة وقراءة الخطاب على حكاية حال التّخاطب {فَنَبَذُوهُ} اى الكتاب او الميثاق او تبيين محمّد (ص) {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} فلم يراعوه وهذه الكلمة صارت مثلاً فى العرب والعجم لترك الاعتداء بالمنبوذ {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} من اعراض الدّنيا واغراضها وهذا من قبيل الاضراب من الادنى الى الابلغ فى الذّمّ فكأنّه قال: بل لم يكتفوا بالنبذ وجعلوه آلة التّوسّل الى حطام الدّنيا {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} فى نفسه فانّ حطام الدّنيا لو لم يكن وسيلة الى الآخرة كان مذموماً ومن حيث الاشتراء والاستبدال حيث استبدلوا بالنّفيس المقصود الخسيس الغير المقصود.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} وهذا ميثاق أخذ على العلماء من أهل الكتاب أن يبيّنوا للناس ما في كتابهم، وفيه رسول الله والإِسلام. {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} وكتبوا كتباً بأيديهم فحرفوا كتاب الله {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} يعني ما كانوا يصيبون عليه من عرض الدنيا {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} إذ اشتروا النار بالجنة. وذكر بعضهم قال: هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم؛ من عَلِم علماً فليُعَلِّمه، وإياكم وكتمان العلم. ذكر عطاء قال: من سئل عن علم عنده فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار جهنم. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : مثل الذي يتعلم العلم ولا يحدّث به كمثل الذي يكنز الكنز ولا ينفق منه . تفسير : قوله: {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا} هم اليهود. قال الحسن: دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الإِسلام، فصبروا على دينهم، فخرجوا إلى الناس فقالوا لهم ما صنعتم مع محمد، فقالوا: آمنا به ووافقناه. فقال الله: {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا}، يقول: فرحوا بما في أيديهم حين لم يوافقوا محمداً. {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا}. قال الكلبي: قالوا: نحن أهل الكتاب الأول، وأهل العلم وأهل الصلاة والزكاة، ولم يكونوا كذلك، أحبّوا أن يحمدهم الناس وأن يطأوا أعقابهم بما لم يفعلوا. وقال مجاهد: يفرحون بما أتوا، أي: بما فعلوا من تبديلهم التوراة، حرّفوها عن مواضعها، ففرحوا بذلك، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، يعني أن يُحمدوا على أن لهم علماً، وليس عندهم علم بما حَرَّفوا، إنما ابتدعوا من قِبل أنفسهم. وذكر لنا أن يهود خيبر أتوا نبي الله فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به، وأنهم يتابعونه، وهم متمسكون بضلالتهم، وأرادوا أن يحمدهم نبي الله بأمر لم يفعلوه. ذكر بعضهم قال: من طلب العلم والحديث ولم يحدّث به لم يرح ريح الجنة. قوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ} أي بمنجاة {مِّنَ العَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع. قوله: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُِولِي الأَلْبَابِ} أي لذوي العقول وهم المؤمنون {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} يقولون: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً} أي أن هذا سيصير إلى الميعاد. {سُبْحَانَكَ} ينزَّهون الله {فَقِنَا} أي: فاصرف عنا {عَذَابَ النَّارِ}. قال الحسن: هذا دعاء علّمه الله المؤمنين يدعون به الله، ويسألونه الجنة، لأنه إذا وقاهم عذاب النار أدخلهم الجنة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلة عند عائشة فقال: حديث : يا عائشة، دعيني أتعبد دعيني أتعبد لربي. فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية، ثم استاك، ثم توضأ ثم صلّى، ثم قعد يذكر الله، ثم وضع جنبه فذكر الله، أحسبه فعل ذلك ثلاث مرات، فسألته عائشة، فتلا هذه الآية، ثم قال: ذكرت الله قائماً وقاعداً وعلى جنبي، فويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتفكر فيها . تفسير : وبعضهم يقول: {يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}، يعني الصلاة المكتوبة، إذا لم يستطع أن يصلي قائماً فقاعداً، وإذا لم يستطع قاعداً فعلى جنبه. قال بعضهم: هذه حالاتك يا ابن آدم كلها: اذكر الله وأنت قائم، فإن لم تستطع فاذكره وأنت جالس، فإن لم تستطع فاذكره على جنبك، يسراً من الله وتخفيفاً.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ}: أى واذكر وقت أخذه. {مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ}: اليهود والنصارى. {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}: الهاءان للكتاب وجملة تبيننه جواب القسم، وهو ميثاق، أو جواب قسم يقدر، أى قائلا والله لتبيننه والخطاب على طريق الالتفات من الغيبة إليه، وقد قرأ على مقتضى الظاهر من الغيبة ابن كثير، وأبو عمرو عاصم فى رواية ابن عباس عنه ليبيننه للناس ولا يكتمونه بالياء التحتية. {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ}: أى طرحوا الميثاق وراء ظهورهم، أى أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه. {وَاشْتَرَوْاْ بِهِ}: أخذوا به أى بدل الميثاق. {ثَمَناً قَلِيلاً}: من مال وجاه برياستهم. {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}: لأنفسهم وهو الثمن القليل، وكل الدنيا قليل إلا ما كان منها لله، أو ما مصدرية، أى بئس شراؤهم هذا، والآية عمت بالمعنى كل عالم فإنه يلزم كل عالم أن لا يكتم العلم وأن يبينه للناس، ويحرم عليه أن يشترى به شيئاً. وقد قيل: نزلت فى كل عام، ونسبه بعض للجمهور والكتاب: جنس كتب الله، فشمل القرآن والتوراة والإنجيل، وغيرهما. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار" تفسير : فعلماء هذه الأمة داخلون فى هذا الميثاق، وعن على: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. وقال طاووس لوهب: إنى أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتب لو كنت نبيا فكتمت علماً كما تكتمته، لرأيت الله يعذبنى، وعن أبى هريرة: لولا هذه الآية ما حدثتكم {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} وعن محمد بن كعب: لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه، ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله، حتى يسأل. وعن الحسن بن عمارة: أتيت الزهرى بعد أن ترك الحديث، فألفيته ببابه، فقلت: أريد أن تحدثنى. فقال: أما علمت أنى قد تركت الحديث؟ فقلت: إما إن تحدثنى، وإما أن أحدثك. فقال: حدثنى الحكم بن عيينه عن يحيى بن الخراز، قال: سمعت على بن أبى طالب يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. قال: فحدثنى أربعين حديثاً.

اطفيش

تفسير : {وَإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ} أى ما عهد إليهم فى التوراة {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} أى العلماء {لَتُبَيِّنَنَّهُ} أى الكتاب، أى أحكام الكتاب وأخباره، وهو التوراة والإنجيل، فالهاء للكتاب فى قوله أوتوا الكتاب، لا للنبى صلى الله عليه وسلم، لأن رد الضمير إلى مذكور بلا تكلف ولا ضعف أولى، ولأن التبيين والكتم والنبذ وراء الظهر، واشتراء الثمن أنسب بالكتاب، ولو قبلت التأويل مع الرد إليه صلى الله عليه وسلم {لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} تأكيد لما قبله، ذلك حكاية للخطاب الواقع فى وقت أخذ الميثاق، وفى أخذ الميثاق معنى القول، فالمعنى، قال لهم لتبيننه للناس ولا تكتمونه، كقوله تعالى: {أية : وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا الله} تفسير : [البقرة: 83]، {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} تفسير : [آل عمران: 81]، ويجوز أن التبيين لألفاظ الكتاب بأن تقرأ وتشهر، وفيها الدلالة على رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والكتمان لمعانيه بأن لا تفسر لجاهلها، أو تحرف بالتأويل، أو بزيادة تفسدها أو التبيين للمعنى والكتم للألفاظ {فَنَبَذُوهُ} أى الميثاق والكتاب {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} شبه ترك العمل بالميثاق أوالكتاب بإلقاء الشىء وراء الظهر احتقارا له، والواجب عليهم جعلها نصب عيونهم {وَاشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} استبدلوا به الثمن القليل استبدال بائع ما باعه بثمن قليل، تركوه وأخذوا بدله مالا حقيراً، وجاهاً حقيراً، فكلاهما ثمن قليل، والتنكير للتحقير، فإنه ولو عظم لكنه حقير قليل بالنسبة إلى ما تركوه من الدين، ومن ثواب الآخرة إذ كتموهما لما يأخذونه من السفلة برياسة العلم، ويلتحق بهم من كتم أحكام القرآن، أو فسره بما ليس معنى له اتباعا لهواه من هذه الأمة، بل هو أولى بالذم فهو من مفهوم الأولى، لأن القرآن أفضل الكتب قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من كتم علماً عن أهله ألجمه الله بلجام من نار"تفسير : ، وعن على: ما أخذ الله على الجاهل أن يتعلم حتى أخذ على العالم أن يعلم، قال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل اكتاب ما حدثتكم، وقرأ ابوية، وقال الحسن: لولا الميثاق الذى أخذ الله تعالى على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه، وكان قتادة يقول: طوبى لعالم ناطق ولمستمع واع، هذا علم علما فنشره، وهذا سمع خيراً فعل به، قال الحسن بن عمارة قلت للزهرى، حدثنى بعد أن ترك الحديث، فقال: ألم تعلم أنى تركت الحديث؟ فقلت إما أن تحدثنى أو أحدثك؛ فقال حدثنى، فقلت: حدثنى ابن عيينة عن نجم الخراز، سمعت على بن أبى طالب يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا، فحدثنى الزهرى أربعين حديثا {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} بئس الثمن الذى يشترونه إذ أوردهم النار أو بئس شراؤهم، والمخصوص محذوف أى هذا.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } والمراد بهم إما أحبار اليهود خاصة ـ وإليه ذهب ابن جبير ـ وهو المروي عن ابن عباس من طريق عكرمة، وإما ما يشملهم وأحبار النصارى ـ وهو المروي عنه من طريق علقمة ـ وإنما ذكروا بعنوان إيتاء الكتاب مبالغة في تقبيح حالهم، وقيل: رمزاً إلى أن أخذ الميثاق كان في كتابهم الذي أوتوه، وروى سعيد بن جبير أن أصحاب عبد الله يقرءون ـ وإذ أخذ ربك من الذين أوتوا الكتاب ميثاقهم ـ {لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } جواب {مِيثَـٰقَ } لتضمنه معنى القسم، والضمير للكتاب أي بالله لتظهرن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو المقصود بالحكاية، وظاهر كلام السدي وابن جبير أن الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يصرح باسمه الشريف عليه الصلاة والسلام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش (ليبيننه) بياء الغيبة، وقد قرر علماء العربية أنك إذا أخبرت عن يمين حلف بها فلك في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بلفظ الغائب كأنك تخبر عن شيء كأن تقول: استحلفته ليقومنّ، الثاني: أن تأتي بلفظ الحاضر تريد اللفظ الذي قيل له فتقول: استحلفته لتقومنّ كأنك قلت: قلت له: لتقومنّ، الثالث: أن تأتي بلفظ المتكلم فتقول: استحلفته لأقومنّ، ومنه قوله تعالى: {أية : تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ } تفسير : [النمل: 49] بالنون والياء والتاء، ولو كان تقاسموا أمراً لم يجيء فيه الياء التحتية لأنه ليس بغائب قاله بعض المحققين. {وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } عطف على الجواب وإنما لم يؤكد بالنون لكونه منفياً، وقال أبو البقاء: اكتفاءً بالتوكيد في الفعل الأول. وجوز أن يكون حالاً من ضمير المخاطبين إما على إضمار مبتدأ بعد الواو أي وأنتم لا تكتمونه وإما على رأي من يجوز دخول الواو على المضارع المنفي عند وقوعه حالاً أي لتظهرنه غير كاتمين، والنهي عن الكتمان بعد الأمر بالبيان للمبالغة في إيجاب المأمور به ـ كما ذهب إليه غير واحد ـ أو لأن المراد بالبيان المأمور به ذكر الآيات الناطقة بنبوته صلى الله عليه وسلم وبالكتمان المنهي عنه إلغاء التأويلات الزائغة والشبهات الباطلة كما قيل. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه كان يفسر {لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } بقوله لتتكلمن بالحق ولتصدقنه بالعمل، وأمر النهي بعد الأمر على هذا ظاهر أيضاً، ولعل الكلام عليه أفيد. وقرأ ابن كثير ومن معه (ولا يكتمونه) بالياء كما في سابقه. {فَنَبَذُوهُ } أي طرحوا ما أخذ منهم من الميثاق {وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه أصلاً فإن النبذ وراء الظهر تمثيل واستعارة لترك الاعتداد وعدم / الالتفات وعكسه جعل الشيء نصب العين ومقابلها {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ } أي بالكتاب الذي أمروا ببيانه ونهوا عن كتمانه، وقيل: الضمير للعهد والأول أولى، والمعنى أخذوا بدله {ثَمَناً قَلِيلاً } من حطام الدنيا الفانية وأعراضها الفاسدة {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } أي بئس شيئاً يشترونه ذلك الثمن فما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل ـ بئس ـ وجملة يشترونه صفته، والمخصوص بالذم محذوف، وقيل: {مَا } مصدرية فاعل ـ بئس ـ والمخصوص محذوف أي بئس شراؤهم هذا الشراء لاستحقاقهم به العذاب الأليم. واستدل بالآية على وجوب إظهار العلم وحرمة كتمان شيء من أمور الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارهم واستجذاب لمبارهم ونحو ذلك، وفي الخبر «حديث : من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار»تفسير : ، وروى الثعلبـي بإسناده عن الحسن بن عمارة قال: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني تركت الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك؟ فقال: حدثني فقلت: حدثني الحكم بن عيينة عن نجم الخراز قال: سمعت علي بن أبـي طالب كرم الله تعالى وجهه يقول: ما أخذ الله تعالى على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا، قال: فحدثني أربعين حديثاً، وأخرج عبد بن حميد عن أبـي هريرة لولا ما أخذ الله تعالى على أهل الكتاب ما حدثتكم وتلا هذه الآية. وأخرج ابن سعد عن الحسن لولا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل العلم ما حدثكم بكثير مما تسألون عنه، ويؤيد الاستدلال بالآية على ما ذكر ما أخرجه ابن جرير عن أبـي عبيدة قال: جاء رجل إلى قوم من المسجد وفيهم عبد الله بن مسعود فقال: إن كعباً يقرئكم السلام ويبشركم أن هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـابَ} الخ ليست فيكم، فقال له عبد الله: وأنت فاقرئه السلام أنها نزلت ـ وهو يهودي ـ وأراد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن كعباً لم يعرف ما أشارت إليه وإن نزلت في أهل الكتاب.

ابن عاشور

تفسير : معطوف على قوله: {أية : ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم}تفسير : [آل عمران: 186] فإنّ تكذيب الرسول من أكبر الأذى للمسلمين وإنّ الطعن في كلامه وأحكام شريعته من ذلك كقولهم: {أية : إن الله فقير ونحن أغنياء}تفسير : [آل عمران: 181]. والقولُ في معنى أخذ الله تقدّم في قوله: {أية : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}تفسير : [البقرة: 34] ونحوه. و{الذين أوتوا الكتاب} هم اليهود، وهذا الميثاق أخذ على سلفهم من عهد رسولهم وأنبياِئهم، وكان فيه ما يدلّ على عمومه لعلماء أمّتهم في سائر أجيالهم إلى أن يجيء رسول. وجملة {لتبيننه للناس} بيان للميثاق، فهي حكاية اليمين حين اقترحت عليهم، ولذلك جاءت بصيغة خطابهم بالمحلوف عليه كما قرأ بذلك الجمهور، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: ليُبيّننّه ـــ بياء الغيبة ـــ على طريقة الحكاية بالمعنى، حيث كان المأخوذ عليهم هذا العهد غائبين في وقت الإخبار عنهم. وللعرب في مثل هذه الحكايات وجوه: باعتبار كلام الحاكي، وكلام المحكي عنه، فقد يكون فيه وجهان كالمحكي بالقول في نحو: أقسَم زيد لا يفعلُ كذا، وأقسم لا أفعل كذا، وقد يكون فيه ثلاثة أوجه: كما في قوله تعالى: {أية : قالوا تقاسموا باللَّه لنبيتنه وأهله}تفسير : [النمل: 49] قرىء ـــ بالنون والتاء الفوقية والياء التحتية ـــ لنبيّتنّه لتبيّتنّه ليبيّتنّه، إذا جعل تقاسموا فعلاً ماضياً فإذا جعل أمراً جاز وجهان: في لنبيّتنّه النون والتاء الفوقية. والقول في تصريف وإعراب {لتبيّننّه} كالقول في {لتبلونّ} المتقدّم قريباً. وقد أخذ عليهم الميثاق بأمرين: هما بيان الكتاب أي عدم إجمال معانيه أو تحريف تأويله، وعدمُ كتمانه إي إخفاء شيء منه. فقوله: {ولا تكتمونه} عطف على لتبيننه للناس ولم يقرن بنون التوكيد لأنّها لا تقارن الفعل المنفي لتنافي مقتضاهما. وقوله: {فنبذوه} عُطف بالفاء الدالّة على التعقيب للإشارة إلى مسارعتهم إلى ذلك، والذين نبذوه هم علماء اليهود في عصورهم الأخيرة القريبة من عهد الرسالة المحمّدية، فالتعقيب الذي بين أخذ الميثاق عليهم وبين نبذهم إيّاه منظور فيه إلى مبادرتهم بالنبذ عقب الوقت الذي تحقّق فيه أثر أخذِ الميثاق، وهو وقت تأهّل كلّ واحد من علمائهم لتبيين الكتاب وإعلانه فهو إذا أنس من نفسه المقدرة على فهم الكتاب والتصرّف في معانيه بادر باتّخاذ تلك المقدرة وسيلة لسوء التأويل والتحريف والكتمان. ويجوز أن تكون الفاء مستعملة في لازم التعقيب، وهو شدّة المسارعة لذلك عند اقتضاء الحال إيّاه والاهتمام به وصرف الفكرة فيه. ويجوز أن يكون التعقيب بحسب الحوادث التي أساؤوا فيها التأويل واشتروا بها الثمن القليل، لأنّ الميثاق لمّا كان عامّاً كانت كلّ جزئية مأخوذاً عليها الميثاق، فالجزئية التي لم يعملوا فيها بالميثاق يكون فيها تعقيب ميثاقها بالنبذ والاشتراء. والنبذ: الطرح والإلقاء، وهو هنا مستعار لعدم العمل بالعهد تشبيهاً للعهد بالشيء المنبوذ في عدم الانتفاع به. ووراء الظُّهور هنا تمثيل للإضاعة والإهمال، لأنّ شأن الشيء المهتمّ به المتنافس فيه أن يجعل نصب العين ويحرس ويشاهد. قال تعالى: {أية : فإنك بأعيننا}تفسير : [الطور: 48]. وشأن الشيء المرغوب عنه أن يستدبر ولا يلتفت إليه، وفي هذا التمثيل ترشيح لاستعارة النبذ لإخلاف العهد. والضميران: المنصوب والمجرور، يجوز عودهما إلى الميثاق أي استخفّوا بعهد الله وعوّضوه بثمن قليل، وذلك يتضمّن أنّهم أهملوا ما واثقوا عليه من تبيين الكتاب وعدم كتمانه، ويجوز عودهما إلى الكتاب أي أهملوا الكتاب ولم يعتنوا به، والمراد إهمال أحكامه وتعويض إقامتها بنفع قليل، وذلك يدلّ على نوعي الإهمال، وهما إهمال آياته وإهمال معانيه. والاشتراء هنا مجاز في المبادلة والثمن القليل، وهو ما يأخذونه من الرُّشَى والجوائز من أهل الأهواء والظلم من الرؤساء والعامّة على تأييد المظالم والمفاسد بالتأويلات الباطلة، وتأويل كلّ حكم فيه ضرب على أيْدي الجبابرة والظلمة بما يُطلق أيديهم في ظلم الرعيّة من ضروب التأويلات الباطلة، وتحذيرات الذين يصدعون بتغيير المنكر. وهذه الآية وإن كانت في أهل الكتاب إلاّ أنّ حكمها يشمل من يرتكب مثل صنيعهم من المسلمين لاتّحَاد جنس الحكم والعلّة فيه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الميثاق: العهد المؤكد باليمين. أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى. الكتمان: إخفاء الشيء وجحوده حتى لا يرى ولا يعلم. فنبذوه وراء ظهورهم: ألقوه وطرحوه ولم يلتفتوا إليه وهو ما أخذ عليهم العهد والميثاق فيه من الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به مِنَ الإِسلاَم. واشتروا به ثمنا قليلا: اعتاضوا عنه حطام الدنيا ومتاعها الزائل إذ كتموه، ابقاء على منافعهم الدنيوية. ان يحمدوا بما لم يفعلوا: أي يثنى عليه ويذكروا بخير وهم لم يفعلوا ما يوجب لهم ذلك. بمفازة من العذاب: بمنجاة من العذاب في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب أليم. معنى الآيات: ما زال السياق في اليهود فيقول تعالى لنبيه، واذكر لهم إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى أخذ على علمائهم العهد المؤكد بأن يبينوا للناس نعوت النبي صلى الله عليه وسلم في كتابهم، وأن يؤمنوا به ويتابعوه على ما جاء به من الهدى ودين الحق وهو الإِسلام، ولكنهم كتموه ونبذوه وراء ظهورهم فلم يلتفتوا إليه واستبدلوا بذلك ثمناً قليلاً وهو الجاه والمنصب والمال قال تعالى: {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} وذم الله تعالى ذلك الثمن القليل فقال فبئس ما يشترون هذا ما تضمنته الآية الأولى [187] وأما الآية الثانية [188] {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فإن الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم لا تحسبن يا رسولنا الذين يفرحون بما أتوا من الشر والفساد بتحريف كلامنا وتبديل أوامرنا وتغيير شرائعنا وهم مع ذلك يحبون أن يحمدهم الناس أي يشكروهم ويثنوا عليهم، ما لم يفعلوا من الخير والإِصلاح إذ عملهم كان العكس وهو الشر والفساد فهؤلاء من اليهود ولا تحسبنهم بمفازة أي بمنجاة من العذاب، ولهم عذاب أليم يوم القيامة. وأما الآية الثالثة [189] فقد أخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض، وأنه على كل شيء قدير فدلل بذلك على قدرته على البطش بالقوم والانتقام منهم، وإنه منجز وعيده لهم وهو عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة فقال: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- أخذ الله الميثاق على علماء أهل الكتاب ببيان الحق يتناول علماء الإِسلام فإن عليهم أن يبثوا الحق ويجهروا به، ويحرم عليهم كتمانه أو تأويله إرضاء للناس ليحوزوا على مكسب دنيوي مالاً أو جاهاً أو سلطاناً. 2- لا يجوز للمسلم أن يحب أن يحمد بما لم يفعل من الخير والمعروف، بل من الكمال أن لا يرغب المسلم في مدح الناس وثنائهم وهو فاعل لما يستوجب ذلك فكيف بمن لم يفعل ثم يحب أن يحمد. بل بمن يفعل الشر والفساد ويحب أن يحمد عليه بالتصفيق له وكلمة يحيى فلان.... 3- ملك الله تعالى لكل شيء وقدرته على كل شيء توجب الخوف منه والرغبة إليه وأكثر الناس عن هذا غافلون، وبه جاهلون.

القطان

تفسير : الميثاق: العهد المؤكد. فنبذوه: فرموه. واشتروا به ثمنا قليلا: وأخذوا بدله شيئاً قليلا من مطامع الدنيا. بعد ان بين الله تعالى شُبه اليهود ومطامعهم في نبوة سيدنا محمد ـ جاء هنا يفضح موقف أهل الكتاب جميعاً في مخالفتهم عهد الله معهم يوم آتاهم الكتاب. وقد تضمّن سياق السورة الكثير من أباطيل أهل الكتاب وأقاويلهم ـ وبخاصة اليهود. ومن أبرزِها كتمانهم للحق الذي يعلمونه حق العلم، بغية إحداث البلبلة والاضطراب في الدين الاسلامي، وإنكاراً لوحدة المبادىء بينه وبين الأديان التي قبله. هذا مع ان التوراة بين أيديهم، ومنها يعلمون أن ما جاء به محمد هو الحق من عند الله. إذنْ، لماذا يكتمون الحق ولا يبالون به؟ طمعاً في حطام تافه من عرض الدنيا! هنا يكشف الله ألاعيبهم ثم يخاطب رسوله والمؤمنين: اذكروا حين أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب بلسان أنبيائهم أن يوضحوا معانيه ولا يحرّفوه عن مواضعه، أو يخفوا شيئا من آياته عن الناس.. لكنهم ألقوه وراء ظهورهم واستبدلوا به حطام الدنيا ليتمتعوا بلذاتها الفانية، {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}. وينطبق هذا على المسلمين اليوم، فهم قد اتبعوا أهواءهم وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم. من ثم أصبحوا حيارى، لا يدرون ماذا يعملون، فيما تتخطفهم الأمم من كل جانب. قال الزمخشري رحمه الله: كفى بهذه الآية دليلاً على انه مأخوذ على العلماء ان يبيّنوا الحق للناس وما علموه، وان لا يكتموا منه شيئا. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما أخذ الله على أَهل الجهل ان يتعلّموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلِّموا. وها نحن نرى كلتا الطائفتين مقصرة أشد التقصير. وعذابُ الجهّال منصبٌّ على رؤوس العالمِين. وقد ألهى هؤلاء الطمعُ في المال والجاه.

د. أسعد حومد

تفسير : {مِيثَاقَ} {ٱلْكِتَابَ} (187) - أخَذَ اللهُ تَعَالَى العَهْدَ وَالمِيثَاقَ عَلَى أهْلِ الكِتَابِ عَلَى ألْسِنَةِ أنْبِيَائِهِمْ، بِأنْ يُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ مَا جَاءَ فِي كُتُبِهِمْ غَيرَ كَاتِمِينَ مِنْهُ شَيْئاً، وَبِأنْ يُوَضِّحُوا مَعَانِيَهُ كَمَا هِيَ دُونَ تَأوِيلٍ أوْ تَحْرِيفٍ، وَبِأنْ يُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أن كُتُبَهُمْ أَشَارَتْ إلى بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، لِيَكُونَ النَّاسُ عَلَى أهْبَةٍ مِنْ أمْرِهِمْ حَتَّى إذا بَعَثَهُ اللهُ رَسُولاً لِلْخَلْقِ تَابَعُوهُ، وَلَكِنَّ أَهْلَ الكِتَابِ كَتَمُوا ذَلِكَ، واعْتَاضُوا بِحُطَامِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ (ثَمناً قَلِيلاً) عَنِ الأَجْرِ الَّذِي وَعَدَهُم اللهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَقَدْ وَبَّخَهُم اللهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ العَمَلِ، تَوْبيخاً شَديداً فِي أكْثَر مِنْ مَوْضِعٍ مِنَ القُرآنِ، وَقَالَ لَهُمْ: بِئْسَتِ البَيْعَةُ بَيْعَتُهُمْ. (وَوَاجِبُ أهْلِ الكِتَابِ فِي شَرْحِ مَعَانِي كُتُبِ اللهِ لِلنَّاسِ وَبَيَانِ أحْكَامِهَا، يَنْطَبِقُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَيْضاً). المِيثَاقُ - العَهْدُ المُؤَكَّدُ. لَتُبَيِّنُنَّهُ - لَتُظْهرُنَّ جَميعَ مَا فِيهِ مِنَ الأحْكَامِ. نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ - طَرَحُوهُ وَلَمْ يَعْتَدُّوا بِهِ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} في أمر محمد صلى الله عليه وسلم {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} . قرأ عاصم وأبو عمر وأهل مكة: بالياء فيهما واختاره أبو عبيد. الباقون: بالتاء واختاره أبو حاتم، فمن قرأ بالتاء فعلى إضمار القول، أي قال: ليبيننه، ودليله قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم [آل عمران: 81] ومن قرأ بالياء فلقوله: {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} طرحوه وضيعوه وتركوا العمل به. {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} يعني المأكل {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}. قال قتادة: هذا لميثاق الله أخذ على أهل مكة ممّن علم شيئاً فليعلّمه، وإيّاكم وكتمان العلم فإنه هلكة. وقال محمد بن كعب: لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ولا لجاهل أن يسكت على جهله، قال الله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} الآية، وقال: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43]. ثابت بن البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة أنه قال: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ} . أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كتم علماً عن أهله أُلجم يوم القيامة لجاماً من نار ". تفسير : وعن الحسن بن عمارة قال: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألقيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أُحدثك. فقال: حدثني. فقلت: حدثني الحكم ابن عيينة عن نجم الجزار قال: سمعت علياً (عليه السلام) يقول: "ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا" قال: فحدثني بأربعين حديثاً. {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} يحسبن بالياء، قرأه حميد بن كثير وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وأبو عمرو، وغيرهم بالتاء، فمن قرأه بالياء فمعناه: ولا يحسبن الفارحون منجياً لهم من العذاب، ومن قرأ بالتاء فمعناه: ولا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب، وخبره في الباء. وقوله: {تَحْسَبَنَّ} بالتاء، وفتح الباء إعادة تأكيد. وقرأ الضحاك وعيسى: (لا تحسبن) بالتاء وضم الباء، أراد محمداً وأصحابه. وقرأ محمد وابن كثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر: بالياء وضم الباء خبراً عن الفارحين، أي فلا تحسبن أنفسم، واختلفوا فيه فيمن نزلت هذه الآية. روى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري: حديث : أن رجالا من المنافقين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: يا رسول الله لو خرجت إلى الغزو لغزونا معك، فإذا خرج (عليه السلام) خلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه فيقبل عذرهم وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا . تفسير : وروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن رافع بن خديج: أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان وهو يومئذ أمير المدينة فقال مروان لرافع: في أي شيء أُنزلت هذه الآية: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ}؟ فقال رافع: أنزلت في أناس من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تخلفوا عنهم، فأنكر مروان وقال: ما هذا؟ فجزع رافع من ذلك وقال لزيد بن ثابت: أنشدك الله هل تعلم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زيد: نعم، فخرجا من عند مروان، فقال زيد لرافع وهو يمزح معه: أما تحمد في ما شهدت لك وقال رافع: وأي شيء هذا؟ أحمدك على أن تشهد بالحق؟ قال زيد: نعم قد حمد الله على الحق أهله. وقال عكرمة: نزلت في فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار، يفرحون بإضلالهم الناس، وبنسبة الناس إياهم إلى العلم، وقولهم إنهم علماء وليسوا بأهل علم لم يحملوهم على هدى ولا خير. الضحاك والسدي: هم يهود أهل المدينة كتبوا إلى يهود اليمن والشام وأطراف الأرض: أن محمداً ليس برسول فاثبتوا على دينكم. فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا فنحن على دين إبراهيم ونحن أهل العلم الأول، وليسوا كذلك. مجاهد: هم اليهود فرحوا بإعجاب الناس تبديلهم الكتاب، وجهدهم إياه عليه. سعيد بن جبير: هم اليهود فرحوا بما أعطى الله إبراهيم وهم براء من ذلك. وروى ابن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أنّ مروان بن الحكم قال لمولاه: يا أبا رافع اذهب إلى ابن عباس وقل له: إن كان كل امرىء منا يفرح بما أوتي وأحب أن يحمد لما لم يفعل معذباً لنغدين جميعاً. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما دعا رسول الله اليهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره وأروه أنهم أخبروه بما قد سألهم عنه، فاستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بكتمانهم إياه ذلك، فنزلت هذه الآية. قتادة ومقاتل: أتت يهود خيبر لنبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك وإنّا على رأيكم ونحن لكم ردأً، وليس ذلك في قلوبهم،فلما خرجوا من عنده قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟ قال: عرفناه وصدقناه، فقال لهم المسلمون: أحسنتم هكذا فافعلوا، فحمدوهم ودعوا لهم فأنزل الله لهم هذه الآية. وروى شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: نزلت في ناس من اليهود جهّزوا جيشاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنفقوا عليهم، وقرأها إبراهيم (بما أوتوا) ممدوداً أي أعطوا. وقرأ سعيد بن جبير {أُوتُواْ} أي أعطوا. قال الله {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}. عن عطاء بن أبي رباح قال: حديث : دخلت مع ابن عمر إلى عائشة رضي الله عنها فقال ابن عمر: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله؟ فبكت فأطالت ثم قالت: كل أمر رسول الله عجب، أتاني في ليلتي فدخل معي في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة هل لك أن تأذني لي في عبادة ربّي عزّ وجلّ؟ فقلت: والله يا رسول الله إني لأحبّ قربك وأحبّ هواك قد أذنت لك، فقام عليه الصلاة والسلام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حجره، ثم رفع يده فجعل يبكي حتى رأيت الدموع قد بلت الأرض، فأتاه بلال بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً" ثم قال: "ومالي لا أبكي وقد أنزل الله تعالى في هذه الليلة عليَّ {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" . تفسير : وعن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما عن أبيه: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إلى قوله {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} . تفسير : عمرو بن موسى عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أشدّ آية في القرآن على الجن {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}" تفسير : الآية. سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات؟ فقالوا: عصاه ويده البيضاء للناظرين. وسألوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع لنا ربّك يجعل لنا الصفا ذهباً، فأنزل الله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية ثم وصفهم فقال: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً}. قال علي وابن عباس والنخعي وقتادة: هذا في الصلاة يصلي قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى جنبه، يسر من الله وتخفيف. وقال سائر المفسرين: أراد به ذكر الله تعالى، ووصفهم بالمداومة عليه، إذ الإنسان قلما يخلوا من معنى هذه الحالات الثلاثة، نظيره قوله في سورة النساء. عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله ". تفسير : ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ذكر الله تعالى علم الإيمان وبرء من النفاق وحصن من الشيطان وحرز من النيران ". تفسير : وقال الله تعالى لموسى (عليه السلام): يا موسى اجعلني منك على بال ولا تنس ذكري على كل حال، وليكن همّك ذكري فإنّ الطريق إليَّ. {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إنّ لها صانعاً قادراً ومدبراً حكيماً. روى حماد عن علي بن زيد عن أبي الصلت عن أبي هريرة: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أُسري به إلى السماء السابعة فإذا ريح ودخان وأصوات قال: فقلت: ما هذا يا جبرئيل؟ قال: هذه الشياطين يحرقون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب . تفسير : وكان ابن عور يقول: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية، كما يحدث الماء الزرع والنبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة. وحُكِي أن سفيان الثوري صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء فلما رأى الكواكب غُشي عليه. وكان سفيان يبول الدم من طول حزنه وفكره. زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينما رجل مستلقي على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لي ربّاً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له ". تفسير : وقال أبو الأحوص: بلغني أن عابداً يعبد في بني إسرائيل ثلاثين سنة وكان الرجل منهم إذا تعبّد ثلاثين سنة أظلته غمامة ولم ير شيئاً، فشكى ذلك إلى والده. فقال له: يا بُني فكّر هل أذنبت ذنباً منذ أخذت في عبادتك؟ قال: لا، ولا أعلمني هممت به منذ ثلاثين سنة. قال: يا بني بقيت واحدة إن نجوت منها رجوت أن يظلك؟ قال: وما هي؟ قال: هل رفعت طرفك إلى السماء ثم رددته بغير فكرة؟ قال: كثير. قال: من هاهنا أتيت. {مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} ذهب به إلى لفظ الخلق ولو ردّه إلى السماوات والأرض، لقال: هذه باطلا عبثاً هزلا، بل خلقته لأمر عظيم. وانتصاب (الباطل) من وجهين: أحدهما: بنزع الخافض، أي للباطل وبالباطل. والآخر: على المفعول الثاني. {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أهنته. وقال المفضل: أهلكته، وأنشد: شعر : أخزى الإله من الصليب عبيده واللابسين قلانس الرهبان تفسير : وقيل: فضحته، نظيره قوله: {أية : وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} تفسير : [هود: 78] . واتخذ القائلون بالوعيد هذه الآية جُنّة، فقالوا: قد أخبر الله سبحانه أنه لا يخزي النبي والذين آمنوا معه ثم قال: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} فوجب أن كل من دخل النار فليس بمؤمن وأنه لا يخرج منها. واختلف أهل التأويل في هذه الآية: فروى قتادة عن أنس في قوله تعالى: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} قال: إنك من تخلد في النار. وروى الثوري عن رجل عن ابن المسيب في قوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} فقال: هذه خاصة لمن لا يخرج منها. وروى أبو هلال الرّاجي عن قتادة في قوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} إنك من تخلد في النار، ولا نقول كما قال أهل حروراء، حدثنا بذلك أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يخرج قوم من النار ". تفسير : وقال بعضهم: (إنك من تدخل النار) من خلد فيها ومن لم يخلد فقد أخزيته بالعذاب والهلاك والهوان. قال عمرو بن دينار: قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة، فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت له: (ربّنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته)، قال: وما إخزاؤه حين أحرقه بالنار إن دون ذلك لخزياً. وقال أهل المعاني: الخزي يحتمل الحياء، يقال: خزيٌ يخزي، خزاية إذا استحيا. قال ذو الرمّة: شعر : خزاية أدركته عند جوليه من جانب الحبل مخلوطاً بها الغضب تفسير : وقال القطامي في الثور والكلاب: شعر : حرجاً وكر كرور صاحب نجدة خزي الحرائر أن يكون جباناً تفسير : أي يستحي، فخزي المؤمنين الحياء، وخزي الكافرين الذل والخلود في النار. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ينادي للإيمان أي إلى الإيمان، كقوله: {أية : لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 28]. وقيل: اللام بمعنى أجل. قال قتادة: أخبركم الله عزّ وجلّ عن مؤمني الإنس كيف قالوا وعن مؤمني الجن كيف قالوا، فأما مؤمنوا الجن فقالوا: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ} تفسير : [الآية: 1-2] وأما مؤمنوا الإنس فقالوا {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}. {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} أي في جملة الأبرار {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} على ألسِنَة رسلك كقوله: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 81]. وقرأ الأعمش: (رسلك) بالتخفيف. {وَ تُخْزِنَا} لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنّا {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} يعني قيل: ما وجه قولهم: (ربّنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) وقد علموا وزعموا أن الله لا يخلف الميعاد، والجواب عنه: إن لفظه الدعاء، ومعناه الخبر تقديره: (واغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنّا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار) ولا تخزنا، وتؤتينا ما وعدتنا على ألسن رسلك من الفضل والرحمة والثواب والنعمة، وقيل معناه: واجعلنا ممّن تؤتيهم ما وعدت على ألسنة رسلك ويستحقون ثوابك، لأنهم ما تيقنوا إستحقاقهم لهذه الكرامة، فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها، ولو كان القوم قد شهدوا بذلك لأنفسهم، لكانوا قد زكّوها وليس ذلك من صفة الأبرار. وقال بعضهم: إنما سألوا ربّهم تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء وإعزاز الدين، لأنها حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أنك لا تخلف وعدك من النصر والظفر على الكفار، ولكن لا صبر لنا على حكمك، فعجّل خزيهم وانصرنا عليهم. ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من وعده الله على عمل ثواباً فهو منجز وعده، ومن أوعد على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار ". تفسير : عن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: سألني عمرو بن عبيد: أيخلف الله وعده؟ قلت: لا. قال: فيخلف الله وعيده؟ قلت: نعم. قال: ولِمَ؟ قلت: لأن في خلفه الوعد علامة ندم وفي خلفه الوعيد إظهار الكرم، ثم أنشأ يقول: شعر : ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ولا أختبي من خشية المتهدد إني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي تفسير : عن سعيد المقبري عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر آل عمران كل ليلة. وعن يزيد بن أبي حبيب: أن عثمان بن عفان (رضي الله عنه) قال: من قرأ في ليلة {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إلى آخرها كتبت له بمنزلة قيام ليلة. {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ}. روى أبو بكر الهذلي عن الحسن قال: ما زالوا يقولون: ربّنا ربّنا حتى استجاب لهم ربّهم. وروى عن الصادق أنه قال: من حزَّ به أمر فقال خمس مرات: ربنا أنجاه الله ممّا يخاف وأعطاه ما أراد. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: اقرؤا إن شئتم الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً إلى قوله تعالى الميعاد. فأما نزول الآية: فقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء بشيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال: وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا {أَنِّي} أي بأني أو لأني، نصب بنزع الخافض. وقرأ عيسى بن عمر: (إني) بكسر الألف، كأنه أضمر القول أو جعل الإستجابة قولا. {لاَ أُضِيعُ} لا أحبط ولا أبطل {عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ} أيها المؤمنون {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ}. قال الكلبي: يعني من الدين والنصرة والموالاة، وقيل: حكم جميعكم في الثواب واحد، وقيل: كلكم من آدم وحواء. الضحاك: رجالكم بشكل نسائكم في الطاعة ونساؤكم بشكل رجالكم في الطاعة، نظيرها قوله: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71]. {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} أي في طاعتي، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة وآذوهم {وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ}. قرأ محارب بن دثار: (وقتلوا) بفتح القاف وقاتلوا. وعن يزيد بن حازم قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقرأ: (وقتلوا وقتلوا) يعني أنهم قتلوا من قتلوا من المشركين ثم قتلهم المشركون. وقرأ أبو رجاء والحسن وطلحة: (وقاتلوا وقتِّلوا) مشدداً. قال الحسن: يعني إنهم قطّعوا في المعركة. وقرأ عاصم وأبو عبيد وأهل المدينة: (وقاتلوا وقتلوا) يريد أنهم قاتلوا ثم قتلوا. وقرأ يحيى بن وثَّاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (وقتلوا وقاتلوا) ولها وجهان: أحدهما وقاتل من بقى منهم، تقول العرب: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم. والوجه الآخر: بإضمار (قد) أي وقتلوا وقد قاتلوا. قال الشاعر: شعر : تصابى وأمسى علاه الكبر تفسير : {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ}. قال الكسائي: نصب (ثواباً) على القطع، وقال المبرد: مصدر ومعناه: لأتينهم ثواباً. {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ}. عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله عزّ وجلّ يدعوا يوم القيامة بالجنة ويأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيل الله وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير حساب ولا عذاب، فتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربّنا نسبح الليل والنهار ونقدس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا، فيقول الله عزّ وجلّ: هؤلاء عبادي الذين أوذوا في سبيلي، فيدخل عليهم الملائكة يقولون: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعرف - من قبل - أن الله قد أخذ عهداً وميثاقاً على كل الأنبياء أن يؤمنوا برسالة محمد عليه الصلاة والسلام في قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [آل عمران: 81]. ونأتي هنا إلى عهد وميثاق أخذه الله على أهل الكتاب الذين آمنوا بأنبيائهم، هذا العهد هو: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]. فما الذي يبينونه؟ وما الذي يكتمونه؟ وهل هم يكتمون الكتاب؟ نعم لأنهم ينسون بعضاً من الكتاب، وما داموا ينسون بعضاً من الكتاب فمعنى ذلك أنهم مشغولون عنه: {أية : فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ..}تفسير : [المائدة: 14]. والذي لم ينسوه من المنهج، ماذا فعلوا به؟: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ}تفسير : [البقرة: 159]. لقد كتموا البينات التي أنزلها الله في الكتاب، فالكتم عملية اختيارية، أما النسيان فقد يكون لهم العذر أنهم نسوه، لكنهم يتحملون ذنباً من جهة أخرى، إذ لو كان المنهج على بالهم وكانوا يعيشون بالمنهج لما نسوه. والذي لم ينسوه كتموا بعضه، والذي لم يكتموه لووا به ألسنتهم وحرّفوه. وهل اقتصروا على ذلك؟ لا. بل جاءوا بشيء من عندهم وقالوا: هو من عند الله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ}تفسير : [البقرة: 79]. وقولهم: "هذا من عند الله" ما يصح أن يقال إلا لبلاغ صادق عن الله، وكلمة "ليشتروا به ثمناً قليلاً" لا بد أن توسع مدلولها قليلاً، ولها معنى عام، ونحن نعرف أن الثمن نشتري به، فكيف تشتري أنت الثمن؟ أنت إذا جعلت الثمن سلعة، وما دام الثمن يُجعل سلعة فيكون ذلك أول مخالفة لمنطق المبادلة؛ لأن الأصل في الأثمان أن يُشترى بها، أصل المسألة أنّ نَعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان موجوداً عندهم في الكتب ثم أنكروه. {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ..}تفسير : [البقرة: 89]. إذن فقوله: "لتبيننه" يعني لتبينن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، كما هو موجود عندكم دون تغيير أو تحريف، وعندما يبينون أمر الرسول بأوصافه ونعوته فهم يبينون ما جاء حقاً في الكتاب الذي جاءهم من عند الله. وهكذا نجد أن المعاني تلتقي، فإن بينوا الكتاب الذي جاء من عند الله، فالكتاب الذي جاء من عند الله فيه نعت محمد، وهكذا نجد أن معنى تبيين الكتاب، وتبيين نعت رسول الله بالكتاب أمران ملتقيان. {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187] يقال: نبذت الشيء أي طرحته بقوة، وذلك دليل على الكراهية؛ لأن الذي يكره شيئاً يحب أن يقصر أمد وجوده، ومثال ذلك: لنفترض أن واحداً أعطى لآخر حاجة ثم وجدها جمرة تلسعه، ماذا يفعل؟ هو بلا شعور يلقيها بعيداً. والنبذ له جهات، ينبذه يمينه، ينبذه أمامه، ينبذه شماله، أما إذا نبذه خلفه، فهذا دليل على أنه ينبذه نبذة لا التفات إليها أبداً، انظر التعبير القرآني {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187]. إن النبذ وحده دليل الكراهية لوجود الشيء الذي يبغضه، إمعان في الكراهية والبغض، فلو رمى إنسان شيئاً أمامه فقد يحن له عندما يراه أو يتذكره، لكن إن رماه وراء ظهره فهذا دليل النبذ والكراهية تماماً، ولذلك يقولون: لا تجعلن حاجتي بظهر منك، يعني لا تجعل أمراً أريده منك وراء ظهرك، والحق يقول: {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187] أي أنهم جماعة و"ظهور" جمع "ظهر" كأن كل واحد منهم نبذه وراء ظهره. وكأن هناك إجماعاً على هذه الحكاية، وكأنهم اتفقوا على الضلال، واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون. والمشترى هنا هو الثمن، والثمن يُشترى به، ولندقق النظر في التعبير القرآني، فهناك واحد يشتري هذا الأمر بأكلة، وآخر يشتري هذه الحكاية بحُلَّة أو لباس، وهناك من يشتريها بحاجة وينتهي، إنما هم يقولون: نريد نقوداً ونشتري بها ما نحب، هذا معنى {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً} [آل عمران: 187]. ويعلق الحق على ما يشترونه قائلاً: {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] لماذا؟ لأنك قد تظن أن بالمال - وهو الثمن - تستطيع أن تشتري به كل شيء، ولكن النقود لا تنفع الإنسان كما تنفعه الحاجة المباشرة؛ لأننا قلنا سابقاً: هب أن إنساناً في مكان صحراوي ومعه جبل من ذهب وليس معه كوب ماء، صحيح أن المال يأتي بالأشياء، إنما قد يوجد شيء تافه من الأشياء يغني ما لا يغنيه المال ولا الذهب، فيكون كوب الماء مثلاً بالدنيا كلها، ولا يساويه أي مال {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187]. وبعد ذلك يقول الحق: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه [الله] الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل. فأما الموفقون، فقاموا بهذا أتم القيام، وعلموا الناس مما علمهم الله، ابتغاء مرضاة ربهم، وشفقة على الخلق، وخوفا من إثم الكتمان. وأما الذين أوتوا الكتاب، من اليهود والنصارى ومن شابههم، فنبذوا هذه العهود والمواثيق وراء ظهورهم، فلم يعبأوا بها، فكتموا الحق، وأظهروا الباطل، تجرؤا على محارم الله، وتهاونا بحقوق الله، وحقوق الخلق، واشتروا بذلك الكتمان ثمنا قليلا وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرياسات، والأموال الحقيرة، من سفلتهم المتبعين أهواءهم، المقدمين شهواتهم على الحق، { فبئس ما يشترون } لأنه أخس العوض، والذي رغبوا عنه -وهو بيان الحق، الذي فيه السعادة الأبدية، والمصالح الدينية والدنيوية- أعظم المطالب وأجلها، فلم يختاروا الدنيء الخسيس ويتركوا العالي النفيس، إلا لسوء حظهم وهوانهم، وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا له. ثم قال تعالى: { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } أي: من القبائح والباطل القولي والفعلي. { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } أي: بالخير الذي لم يفعلوه، والحق الذي لم يقولوه، فجمعوا بين فعل الشر وقوله، والفرح بذلك ومحبة أن يحمدوا على فعل الخير الذي ما فعلوه. { فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب } أي: بمحل نجوة منه وسلامة، بل قد استحقوه، وسيصيرون إليه، ولهذا قال: { ولهم عذاب أليم } . ويدخل في هذه الآية الكريمة أهل الكتاب الذين فرحوا بما عندهم من العلم، ولم ينقادوا للرسول، وزعموا أنهم هم المحقون في حالهم ومقالهم، وكذلك كل من ابتدع بدعة قولية أو فعلية، وفرح بها، ودعا إليها، وزعم أنه محق وغيره مبطل، كما هو الواقع من أهل البدع. ودلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من الخير واتباع الحق، إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة، أنه غير مذموم، بل هذا من الأمور المطلوبة، التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين له الأعمال والأقوال، وأنه جازى بها خواص خلقه، وسألوها منه، كما قال إبراهيم عليه السلام: {أية : واجعل لي لسان صدق في الآخرين } تفسير : وقال: {أية : سلام على نوح في العالمين، إنا كذلك نجزي المحسنين } تفسير : وقد قال عباد الرحمن: {أية : واجعلنا للمتقين إماما } تفسير : وهي من نعم الباري على عبده، ومننه التي تحتاج إلى الشكر.

همام الصنعاني

تفسير : 492- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثّوري، عن أبي الجحّاف، عن مسلم البطين، قال: سأل الحجاج جُلساءَة عن هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}: [الآية: 187]، فقام رجل إلى سعيد بن جبير يَسْأَله فقال: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}: [الآية: 187]، اليهود، {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ}: [الآية: 187]، محمداً، {وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ}: [الآية: 187]، و{لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ}: [الآية: 188]، قال: بكتمانهم محمداً {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ}: [الآية: 188]، قال: قولهم نحن على دين إبراهيم. 493- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة: أن علقمة بن وقاص أخبره، أن مروان قال لرافع بوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: "لئن كان كل امرئ منا فرح بما أُوتِيَ وأحبَّ أن يحمد بما لم يفعل يعذب، لتعذبن أجمعون" فقال ابن عباس: وما لكم ولهذه! إنما دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يهود، فسألهم عن شيء، فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استجابوا لله بما أخبروه عنه مما يسألهم وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إياه. ثم قرأ: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}: [الآية: 187]. 497- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة قال: إن أهل خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالو: "إنا على رأيكم وهيئتكم، وإنا لكم وَدٌّ". فأكذبهم الله وقال: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ}: [الآية: 188].