٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
188
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا من جملة ما دخل تحت قوله: {أية : وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } تفسير : [آل عمران: 186] فبين تعالى ان من جملة أنواع هذا الأذى أنهم يفرحون بما أتوا به من أنواع الخبث والتلبيس على ضعفة المسلمين، ويحبون أن يحمدوا بأنهم أهل البر والتقوى والصدق والديانة، ولا شك أن الانسان يتأذى بمشاهدة مثل هذه الأحوال، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالمصابرة عليها، وبين ما لهم من الوعيد الشديد وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتاء المنقطة من فوق، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء المنقطة من تحت، وكذا في قوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } أما القراءة الأولى ففيها وجهان: أحدهما: أن يقرأ كلاهما بفتح الباء. والثاني: أن يقرأ كلاهما بضم الباء، فمن قرأ بالتاء وفتح الباء فيهما جعل التقدير: لا تحسبن يا محمد، أو أيها السامع، ومن ضم الباء فيهما جعل الخطاب للمؤمنين: وجعل أحد المفعولين الذين يفرحون، والثاني: بمفازة وقوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ } تأكيد للأول وحسنت اعادته لطول الكلام، كقولك: لا تظن زيدا إذا جاءك وكلمك في كذا وكذا فلا تظنه صادقا، وأما القراءة الثانية وهي بالياء المنقطة من تحت في قوله: {لا تَحْسَبَنَّ } ففيها أيضا وجهان: الأول: بفتح الباء وبضمها فيهما جعل الفعل للرسول صلى الله عليه وسلم والباقي كما علمت. والوجه الثاني: بفتح الباء في الأول وضمها في الثاني وهو قراءة أبي عمرو، ووجهه أنه جعل الفعل للذين يفرحون ولم يذكر واحدا من مفعوليه، ثم أعاد قوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ } بضم الباء وقوله: {هُمْ } رفع باسناد الفعل اليه، والمفعول الأول محذوف والتقدير: ولا تحسبن هؤلاء الذين يفرحون أنفسهم بمفازة من العذاب. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف هؤلاء القوم بأنهم يفرحون بفعلهم ويحبون أيضا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، والمفسرون ذكروا فيه وجوها: الأول: أن هؤلاء اليهود يحرفون نصوص التوراة ويفسرونها بتفسيرات باطلة ويروجونها على الاغمار من الناس، ويفرحون بهذا الصنع ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل الدين والديانة والعفاف والصدق والبعد عن الكذب، وهو قول ابن عباس، وأنت إذا أنصفت عرفت أن أحوال أكثر الخلق كذلك، فإنهم يأتون بجميع وجوه الحيل في تحصيل الدنيا ويفرحون بوجدان مطلوبهم، ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل العفاف والصدق والدين والثاني: روي أنه عليه الصلاة والسلام سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروا بخلافه، وأروه أنهم قد صدقوه وفرحوا بذلك التلبيس، وطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يثني عليهم بذلك، فأطلع الله رسوله على هذا السر. والمعنى أن هؤلاء اليهود فرحوا بما فعلوا من التلبيس وتوقعوا منك أن تثني عليهم بالصدق والوفاء. والثالث: يفرحون بما فعلوا من كتمان النصوص الدالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من إتباع دين إبراهيم، حيث ادعوا أن إبراهيم عليه السلام كان على اليهودية وأنهم على دينه. الرابع: أنه نزل في المنافقين فإنهم يفرحون بما أتوا من إظهار الايمان للمسلمين على سبيل النفاق من حيث أنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا، ثم كانوا يتوقعون من النبي عليه الصلاة والسلام أن يحمدهم على الإيمان الذي ما كان موجودا في قلوبهم. الخامس: قال أبو سعيد الخدري نزلت في رجال من المنافقين كانوا يتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو، ويفرحون بقعودهم عنه فإذا قدم اعتذروا إليه فيقبل عذرهم، ثم طمعوا أن يثني عليهم كما كان يثني عن المسلمين المجاهدين. السادس: المراد منه كتمانهم ما في التوراة من أخذ الميثاق عليهم بالاعتراف بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبالإقرار بنبوته ودينه، ثم إنهم فرحوا بكتمانهم لذلك وإعراضهم عن نصوص الله تعالى، ثم زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة. واعلم أن الأولى أن يحمل على الكل، لأن جميع هذه الأمور مشتركة في قدر واحد، وهو أن الانسان يأتي بالفعل الذي لا ينبغي ويفرح به، ثم يتوقع من الناس أن يصفوه بسداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والاقبال على طاعة الله. المسألة الثالثة: في قوله: {بِمَا أَتَوْاْ } بحثان: الأول: قال الفراء: قوله: {بِمَا أَتَوْاْ } يريد فعلوه كقوله: {أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } تفسير : [النساء: 16] وقوله: {أية : لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } تفسير : [مريم: 27] أي فعلت. قال صاحب «الكشاف»: أتى وجاء، يستعملان بمعنى فعل، قال تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } تفسير : [مريم: 61] {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } ويدل عليه قراءة أبي {يَفْرَحُونَ بِمَا فَعَلُواْ }. البحث الثاني: قرىء آتوا بمعنى أعطوا، وعن علي رضي الله عنه {بِمَا أُوتُواْ }. المسألة الرابعة: قوله: {بِمَفَازَةٍ مّنَ ٱلْعَذَابِ } أي بمنجاة منه، من قولهم: فاز فلان إذا نجا، وقال الفراء: أي ببعد من العذاب، لأن الفوز معناه التباعد من المكروه، وذكر ذلك في قوله: {فَقَدْ فَازَ } ثم حقق ذلك بقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ولا شبهة أن الآية، واردة في الكفار والمنافقين الذين أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذاهم. ثم قال: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } أي لهم عذاب أليم ممن له ملك السموات والأرض، فكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب.
القرطبي
تفسير : أي بما فعلوا من القعود في التخلّف عن الغَزْوِ وجاءوا به من العذر. ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخُدْرِي أن رجالاً من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلّفوا عنه وفرحوا بمَقْعدهم خِلافَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم ٱعتذروا إليه وحَلفوا، وأحبّوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا؛ فنزلت {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} الآية. وفي الصحيحين أيضاً أن مَرْوان قال لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل ٱمرىء منّا فرح بما أُوتِيَ وأحبّ أن يُحمد بما لم يفعل معذَّباً لنعذّبن أجمعون. فقال ابن عباس: ما لَكم ولهذه الآية! إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عباس {وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} و {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ}. وقال ابن عباس: سألهم النبيّ صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره؛ فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستَحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتَوْا من كتمانهم إياه، وما سألهم عنه. وقال محمد بن كعب القُرَظِي: نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا الحق، وأتوا ملوكهم من العلم ما يوافقهم في باطلهم، {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي بما أعطاهم الملوك من الدنيا؛ فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. فأخبر أن لهم عذاباً أليماً بما أفسدوا من الدِّين على عباد الله. وقال الضحاك: إن اليهود كانوا يقولون للملوك إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبيّاً في آخر الزمان يَخْتم به النبوّة؛ فلما بعثه الله سألهم الملوك أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟ فقال اليهود طمعاً في أموال الملوك: هو غير هذا، فأعطاهم الملوك الخزائن؛ فقال الله تعالى: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} الملوكَ من الكذب حتى يأخذوا عَرَض الدنيا. والحديث الأوّل خلاف مقتضى الحديث الثاني. ويحتمل أن يكون نزولها على السببين لاجتماعهما في زمن واحد، فكانت جواباً للفريقين، والله أعلم. وقوله: واستحمدوا بذلك إليه، أي طلبوا أن يحمدوا. وقول مَرْوان: لئن كان كلّ ٱمرىء منا الخ دليلٌ على أن العموم صِيَغاً مخصوصة. وأن «الذين» منها. وهذا مقطوع به من تفهّم ذلك من القرآن والسُّنّة. وقوله تعالى: {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} إذا كانت الآية في أهل الكتاب لا في المنافقين المتخلّفين؛ لأنهم كانوا يقولون: نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه، وكانوا يقولون: نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب؛ يريدون أن يُحمَدوا بذلك. و «الذين» فاعل بيحْسبَنّ بالياء. وهي قراءة نافع وابن عَامر وابن كَثير وأبي عمرو؛ أي لا يحسبَنّ الفارحون فرحَهم مُنجياً لهم من العذاب. وقيل: المفعول الأوّل محذوف، وهو أنفسهم. والثاني «بمفازة». وقرأ الكوفيون «تحسبَنّ» بالتاء على الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي لا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب. وقوله {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ} بالتاء وفتح الباء، إعادةُ تأكيد، ومفعوله الأوّل الهاء والميم، والمفعول الثاني محذوف؛ أي كذلك، والفاء عاطفة أو زائدة على بدل الفعل الثاني من الأوّل. وقرأ الضحّاك وعيسى بن عمر بالتاء وضم الباء «فلا تَحْسبُنَّهم» أراد محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقرأ مجاهد وابن كَثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر بالياء وضم الباء خبراً عن الفارحين؛ أي فلا يَحسبُنّ أنفسهم؛ «بِمَفَازَةٍ» المفعول الثاني. ويكون «فلا يحسبنهم» تأكيداً. وقيل: «الذين» فاعل «بيحسبن» ومفعولاها محذوفان لدلالة «يحسبنهم» عليه؛ كما قال الشاعر:شعر : بأيّ كتاب أمْ بأيّة آيةٍ ترى حبَّهم عاراً عليّ وتحسَبُ تفسير : استغنى بذكر مفعول الواحد عن ذكر مفعول الثاني، و «بمفازة» الثاني، وهو بدل من الفعل الأوّل فأغنى لإبداله منه عن ذكر مفعوليْه، والفاء زائدة. وقيل: قد تجيء هذه الأفعال ملغاة لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر:شعر : وما خِلْت أبْقى بيننا من مودّة عِراض المَذَاكِى المُسْنِفاتِ القلائِصَا تفسير : المَذَاكِى: الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنةٌ أو سنتان؛ الواحد مُذَكٍّ، مثل المُخْلِف من الإبل؛ وفي المثل جَرْي المُذَكيّات غِلاب، والمسنفات اسم مفعول؛ يقال: سَنَفْت البعير أسنِفهُ سَنْفاً إذا كففته بزمامه وأنت راكبه، وأسنف البعيرَ لغة في سنفه، وأسنف البعيرَ بنفسه إذا رفع رأسه؛ يتعدّى ولا يتعدّى. وكانت العرب تركب الإبل وتَجْنُب الخيل؛ تقول: الحرب لا تُبقى مودّة. وقال كعب بن أبي سُلْمَى:شعر : أرجو وآمل أن تَدْنُو مَوَدّتُها وما إخالُ لَدَيْنا منكِ تَنوِيلُ تفسير : وقرأ جمهور القرّاء السبعة وغيرهم «أتوا» بقصر الألف، أي بما جاءوا به من الكذب والكتمان. وقرأ مَرْوان بن الحَكَم والأعمش وإبراهيم النخَعِيّ «آتوا» بالمد، بمعنى أعْطَوا: وقرأ سعيد ابن جَبير «أُوتوا» على ما لم يسم فاعله؛ أي أعطوا. والمفازة المنجاة، مفعلة من فاز يفوز إذا نجا؛ أي ليسوا بفائزين. وسُمِّي موضع المخاوف مفازة على جهة التفاؤل؛ قاله الأصمعي. وقيل: لأنها موضع تفويز ومَظِنّة هلاك؛ تقول العرب: فوّز الرجل إذا مات. قال ثعلب: حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال أخطأ، قال لي أبو المكارم: إنما سُمِّيَت مفازة؛ لأن من قطعها فاز. وقال الأصمعيّ: سُمّي اللَّدِيغ سليماً تفاؤلا. قال ٱبن الأعرابي: لأنه مُسْتَسْلِم لما أصابه. وقيل: لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب؛ لأن الفوز التباعُد عن المكروه، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَ تَحْسَبَنَّ } بالتاء والياء {ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ } فعلوا من إضلال الناس {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } من التمسك بالحق وهم على ضلال {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } بالوجهين تأكيد {بِمَفَازَةٍ } بمكان ينجون فيه {مِّنَ ٱلْعَذَابِ } في الآخرة بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم فيها، ومفعولاً «تحسب» الأولى دل عليهما مفعولاً الثانية على قراءة التحتانية، وعلى الفوقانية حذف الثاني فقط.
ابن عطية
تفسير : اختلف المفسرون في المراد بقوله تعالى: {الذين يفرحون} فقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وابن زيد وجماعة: الآية نزلت في المنافقين، وذلك أنهم كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم للغزو تخلفوا عنه، فإذا جاء اعتذروا إليه وقالوا: كانت لنا أشغال ونحو هذا، فيظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم القبول ويستغفر لهم، ففضحهم الله تعالى بهذه الآية، فكانوا يفرحون بما يأتونه ويفعلونه من التخلف والاعتذار، ويحبون أن يقال لهم: إنهم في حكم المجاهدين لكن العذر حبسهم، وقالت جماعة كثيرة من المفسرين إنما نزلت الآية في أهل الكتاب أحبار اليهود ثم اختلفوا فيما هو الذي أتوه وكيف أحبوا المحمدة فقال ابن عباس رضي الله عنه: أتوا إضلال أتباعهم عن الإيمان بمحمد وفرحوا بذلك لدوام رياستهم الدنيوية، وأحبوا أن يقال عنهم: إنهم علماء بكتاب الله ومتقدم رسالاته، وقال ابن عباس أيضاً والضحاك والسدي: أتوا أنهم تعاقدوا وتكاتبوا من كل قطر بالارتباط إلى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم والدفع في صدر نبوته، وأحبوا أن يقال عنهم: إنهم أهل صلاة وصيام وعبادة، وقالوا هم ذلك عن أنفسهم، وقال مجاهد: فرحوا بإعجاب أتباعهم بتبديلهم تأويل التوراة، وأحبوا حمدهم إياهم على ذلك، وهم في الحقيقة لم يفعلوا شيئاً نافعاً ولا صحيحاً بل الحق أبلج، وقال سعيد بن جبير: الآية في اليهود، فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم من النبوءة والكتاب، فهم يقولون: نحن على طريقهم ويحبون أن يحمدوا بذلك وهم ليسوا على طريقتهم، وقراءة سعيد بن جبير: "أوتوا" بمعنى أعطوا بضم الهمزة والتاء، وعلى قراءته يستقيم المعنى الذي قال. وقال ابن عباس أيضاً: إن الآية نزلت في قوم سألهم النبي عليه السلام عن شيء فكتموه الحق وقالوا له غير ذلك، ففرحوا بما فعلوا وأحبوا أن يحمدوا بما أجابوا، وظنوا أن ذلك قد قنع به واعتقدت صحته، وقال قتادة: إن الآية في يهود خيبر، نافقوا على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين مرة، وقالوا: نحن معكم وعلى رأيكم وردء لكم وهم يعتقدون خلاف ذلك، فأحبوا الحمد على ما أظهروا وفرحوا بذلك، وقال الزجّاج: نزلت الآية في قوم من اليهود، دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكلموه في أشياء ثم خرجوا، فقالوا لمن لقوا من المسلمين: إن النبي أخبرهم بأشياء قد عرفوها فحمدهم المسلمون على ذلك وطمعوا بإسلامهم وكانوا قد أبطنوا خلاف ما أظهروا للمسلمين وتمادوا على كفرهم، فنزلت الآية فيهم وقرأ جمهور الناس: "أتوا" بمعنى فعلوا، كما تقول أتيت أمر كذا، وقرأ مروان بن الحكم وإبراهيم النخعي: "آتوا" بالمد، بمعنى أعطوا بفتح الهمزة والطاء. قال أبو محمد: وهي قراءة تستقيم على بعض المعاني التي تقدمت، وقرأ سعيد بن جبير وأبو عبد الرحمن السلمي، "أوتوا" بمعنى أعطوا، وقد تقدمت مع معناها وقرأ أبو عمرو وابن كثير، {لا يحسبن الذين يفرحون} "فلا يحسِبنهم" بالياء من تحت فيهما وبكسر السين وبرفع الباء في يحسبنهم، قال أبو علي: {الذين} رفع بأنه فاعل "يحسب"، ولم تقع "يحسبن" على شيء، وقد تجيء هذه الأفعال لغواً لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر: [الطويل] شعر : وما خلت أبقى بيننا من مودة عراض المذاكي المسنفات القلائصا تفسير : وقال الخليل: العرب تقول: ما رأيته يقول ذلك إلا زيد، وما ظننته يقول ذلك إلا زيد فتتجه القراءة بكون قوله: "فلا تحسبنهم" بدلاً من الأول وقد عدي إلى مفعوليه وهما الضمير، وقوله {بمفازة} فاستغني بذلك عن تعدية الأول إليها كما استغني في قول الشاعر: [الطويل] شعر : بأيّ كِتابٍ أَوْ بأيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهُمْ عاراً عليَّ وَتَحْسِبُ؟ تفسير : فاستغني بتعدية أحد الفعلين عن تعدية الآخر، والفاء في قوله {فلا تحسبنهم} زائدة، ولذلك حسن البدل، إذ لا يتمكن أن تكون فاء عطف ولا فاء جزاء، فلم يبق إلا أن تكون زائدة لا يقبح وجودها بين البدل والمبدل منه، وقوله على هذه القراءة "فلا يحسبنهم"، فيه تعدي فعل الفاعل إلى ضمير نفسه، نحو ظننتني أخاه، ورأيتني الليلة عند الكعبة، ووجدتني رجعت من الإصغاء، وذلك أن هذه الأفعال وما كان في معناها لما كانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت "أن" وأخواتها، فكما تقول: إني ذاهب، فكذلك تقول: ظننتني ذاهباً، ولو قلت: أظن نفسي أفعل كذا لم يحسن، كما يحسن: أظنني فاعلاً، قرأ نافع وابن عامر: "لا يحسبن الذين" بالياء من تحت وفتح الباء، وكسر نافع السين، وفتحها ابن عامر "فلا تحسبنهم" بالتاء من فوق، وفتح الباء، والمفعولان اللذان يقتضيهما قوله "لا يحسبن الذين" محذوفان لدلالة ما ذكر بعده، والكلام في ذلك كما تقدم في قراءة ابن كثير، إلا أنه لا يجوز في هذا البدل الذي ذكره في قراءة ابن كثير وأبي عمرو لاختلاف الفعلين واختلاف فعليهما، وقرأ حمزة "لا تحسبن" بالتاء من فوق وكسر السين "فلا تحسبنهم" بالتاء من فوق وكسر السين وفتح الباء فــ {الذين} على هذه القراءة مفعول أول "لتحسبن"، والمفعول الثاني محذوف لدلالة ما يجيء بعد عليه، كما قيل آنفاً في المفعولين، وحسن تكرار الفعل في قوله "فلا تحسبنهم" لطول الكلام، وهي عادة العرب وذلك تقريب لذهن المخاطب، وقرأ الضحاك بن مزاحم "فلا تحسبنهم" بالتاء من فوق وفتح السين وضم الباء، و"المفازة": مفعلة من فاز يفوز إذا نجا فهي بمعنى منجاة، وسمي موضع المخاف مفازة على جهة التفاؤل، قاله الأصمعي وقيل: لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك، تقول العرب: فوز الرجل إذا مات قال ثعلب: حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال: أخطأ، قال لي أبو المكارم: إنما سميت "مفازة" لأن من قطعها فاز، وقال الأصمعي: سمي اللديغ سليماً تفاؤلاً، قال ابن الأعرابي: بل لأنه مستسلم لما أصابه، وبعد أن نهى أن يحسبوا ناجين أخبر أن لهم عذابا. ثم استفتح القول بذكر قدرة الله تعالى وملكه فقال: {ولله ملك السماوات والأرض} الآية، قال بعض المفسرين: الآية رد على الذين قالوا: {أية : إن الله فقير ونحن أغنياء} تفسير : [آل عمران: 181] وقوله تعالى: {والله على كل شيء قدير}. قال القاضي ابن الطيب وغيره: ظاهره العموم، ومعناه الخصوص لأن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على المحالات هو الموجود على مقتضى كلام العرب. ثم دل على مواضع النظر والعبرة، حيث يقع الاستدلال على الصانع بوجود السماوات والأرضين والمخلوقات دال على العلم، ومحال أن يكون موجود عالم مريد غير حي، فثبت بالنظر في هذه الآية عظم الصفات {واختلاف الليل والنهار} هو تعاقبهما، إذ جعلهما الله خلفة، ويدخل تحت لفظة الاختلاف كونهما يقصر هذا ويطول الآخر وبالعكس، ويدخل في ذلك اختلافهما بالنور والظلام، و"الآيات": العلامات و {الألباب} في هذه الآية: هي ألباب التكليف لا ألباب التجربة، لأن كل من له علوم ضرورية يدركها فإنه يعلم ضرورة ما قلناه من صفات الله تعالى.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ} اليهود فرحوا باتفاقهم على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، وإخفاء أمره، وأحبوا {أن يُحْمَدُواْ} بأنهم أهل علم ونسك، أو المنافقون فرحوا بقعودهم عن الجهاد، وأحبوا {أَن يُحْمَدُواْ} بما ليس فيهم من الإيمان به.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ...} الآية: ذهبتْ جماعة إلى أن الآية في المنافقين، وقالت جماعة كبيرة: إنما نزلَتْ في أهْل الكتاب أحبارِ اليهودِ، قال سعيدُ بن جُبَيْر: الآية في اليهود، فَرِحُوا بما أعطَى اللَّه آل إبراهيم من النبوَّة والكتابِ، فهم يقولونَ: نحن على طريقهم، ويحبُّون أن يُحْمَدُوا بذلك، وهم ليسوا علَىٰ طريقهم، وقراءةُ سعيدِ بنِ جُبَيْر: «بما أُوتُوا»؛ بمعنى «أُعْطُوا» (بضم الهمزة والطاء)؛ وعلى قراءته يَستقيمُ المعنَى الذي قال، والمفازةُ مَفْعَلَةٌ من فَازَ يَفُوزُ، إذا نَجَا، وباقي الآية بيِّن. ثم دلَّ سبحانه على مواضِع النظرِ والعبرةِ، فقالَ: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}، أي: تَعَاقُب الليل والنَّهار؛ إذ جعلهما سبحانه خِلْفِةً، ويدخل تحت ٱختلافهما قِصَرُ أحدِهِمَا وطولُ الآخَرِ، وبالعكْسِ، واختلافُهُما بالنُّور والظَّلام، والآياتُ: العلاماتُ الدالَّة على وحدانيَّتِهِ، وعظيمِ قُدْرته سُبْحانه. قال الفَخْر: وٱعلم أنَّ المقصود من هذا الكتَابِ الكريمِ جَذْبُ القلوبِ والأرْوَاحِ عن الإشتغالِ بالخَلْقِ والإستغراقِ في معرفة الحقِّ، فلمَّا طال الكلامُ في تَقْرير الأحكامِ، والجوابِ عن شُبُهَاتِ المُبْطِلِين، عاد إلى إثارة القُلُوب بِذِكْرِ ما يدلُّ على التوحيدِ والكِبْرِيَاءِ والجَلاَل، وذِكْرِ الأدعية، فختم بهذه الآياتِ بنَحْو ما في «سورة البقرة». انتهى.
ابن عادل
تفسير : هذا أيضاً من جملة أذاهم؛ لأنهم يفرحون بما أتَوْا به من أنواع الخُبْث والتلبيس على ضَعَفَةِ الْمُسْلِمِين ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهُم أهلُ البِرِّ والصدقة والتقوَى، ولا شك أن الإنسانَ يتأذَّى بمشاهدة مثل هذه الأحْوالِ، فأمر النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالمصابرة عليها. قوله: و{لاَ تَحْسَبَنَّ} قرأ ابنُ كثير وأبو عمر "يَحْسَبَنَّ" و "فَلاَ يَحْسَبَنَّهُمْ" - بالياء فيهما، ورفع ياء "تَحْسَبَنَّهُم" وقرأ الكوفيونَ بتاءِ الخطابِ، وفتح الباء فيهما معاً، ونافع وابن عامر بياء الغيبة في الأول، وتاء الخطاب في الثاني، وفتح الباء فيهما معاً، وقُرِئَ شاذاً بتاء الخطاب وضَمِّ الباء فيهما معاً، وقرئ فيه أيضاً بياء الغيبة فيهما، وفتح الباء فيهما أيضاً فهذه خَمْس قراءاتٍ، فأما قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرو ففيها خمسةُ أوجهٍ، وذلك: لأنه لا يخلو إما أن يُجْعَل الفعل الأول مسنداً إلى ضميرٍ غائبٍ، أو إلى الموصولِ، فإنْ جعلناه مسنداً إلى ضميرٍ غائبٍ، الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره - ففي المسألة وجهانِ: أحدهما: أنَّ "الَّذِينَ" مفعول أوّل، والثاني محذوفٌ؛ لدلالة المفعول الثاني للفعل الذي بعده عليه، وهو "بِمَفَازَةٍ" والتقدير: لا يحسبن الرسول - أو حاسب - الذين يفرحون بمفازة، فأسند الفعل الثاني لضميرِ "الَّذِينَ" ومفعولاه الضمير المنصوب، و "بِمَفاَزَةٍ". الثاني: أن "الَّذِينَ" مفعول أول - أيضاً - ومفعوله الثاني هو "بِمَفَازَةٍ" الملفوظ به بعد الفعل الثاني، ومفعول الفعل الثاني محذوف؛ لدلالة مفعول الأول عليه، والتقدير: لا يحسبن الرسول الذين يفرحون بمفازة فلا يحسبنهم كذلك، والعمل كما تقدم، وهذا بعيد جِداً، للفصل بين المفعول الثاني للفعل الأول بكلامٍ طويلٍ من غير حاجةٍ، والفاء - على هذين الوجهين - عاطفة؛ والسببية فيها ظاهرة. وإن جعلناه مسنداً إلى الموصول ففيه ثلاثة أوجهٍ: أولها: أن الفعل الأول حُذِفَ مفعولاه، اختصاراً؛ لدلالة مفعولي الفعل الثاني عليهما، تقديره: ولا يحسبن الفارحون أنفسَهم فائزين فلا يحسبنهم فائزين. كقول الآخر: [الطويل] شعر : 1708- بأيِّ كِتَابٍ، أمّ بِأيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيَّ وَتحْسَبُ تفسير : أي: وتحسب حبهم عاراً، فحذفت مفعولي الفعل الثاني؛ لدلالة مفعولي الأول عليهما، وهو عكس الآيةِ الكريمةِ، حيث حذف فيها من الفعلِ الأولِ. ثانيها: أن الفعل الأول لم يحتج إلى مفعولين هنا. قال أبو علي "تَحْسَبَنَّ" لم يقع على شيء و "الَّذيِنَ" رفع به، وقد تجيء هذه الأفعال لَغْواً، لا في حُكْمِ الجُمَل المفيدة، نحو قوله: [الطويل] شعر : 1709- وَمَا خِلْتُ أبْقَى بِيْنَنَا مِنْ مَوَدَّةٍ عِرَاضُ الْمَذَاكِي المُسْنِفَاتِ الْقَلاَئِصا تفسير : المذاكي: الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، الواحد: مُذَك مثل المُخْلف من الإبل وفي المثل: جريُ المذكيات غِلاب. والمُسْنفات: اسم مفعول، يقال: سنفت البعير أسنفه، سنفاً، إذا كففته بزمامه وأنت راكبه وأسنف البعير لغة في سنفه وأسنف البعير بنفسه إذا رفع رأسه، يتعدى ولا يتعدى وكانت العربُ تركب الإبلَ، وتجنب الخيل، تقول: الحرب لا تبقى مودة وقال الخليلُ: العربُ تقول: ما رأيته يقول ذلك إلا زيدٌ، وما ظننته يقول ذلك إلا زيدٌ. يعني أبو علي أنها في هذه الأماكن مُلْغَاة، لا مفعول لها. ثالثها: أن يكون المفعول الأول للفعل الأول محذوفاً، والثاني هو نفس "بِمَفَازَةٍ" ويكون "فَلاَ يَحْسَبَنهُمْ" توكيداً للفعل الأول، وهذا رأي الزمخشريِّ؛ فإنه قال بعد ما حكى هذه القراءة -: "على أن الفعل لـِ {ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ} والمفعول الأول محذوف، على معنى: لا يحسبنهم الذين يفرحون بمفازة بمعنى: لا يحسبنهم أنفسهم الذين يفرحون فائزين، و "فلا يحسبنهم" تأكيد". قال أبو حيّان: "وتقدم لنا الرَّدُّ على الزمخشريّ في تقديره: لا يحسبنهم الذين في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي} تفسير : [آل عمران: 178] وأن هذا التقدير لا يصح". قال شهابُ الدِّينِ: قد تقدَّم ذلك والجواب عنه، لكن ليس هو في قوله: { أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي}تفسير : [آل عمران: 178] بل في قوله: {ولا يَحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله} من قراءة من قرأ بياء الغيبة، فهناك ردَّ عليه بما قال، وقد أجيب عنه والحمد لله، وإنما نبهت على ذلك لئلا يطلب هذا البحث من المكان الذي ذكره فلم يوجد. ويجوز أن يقالَ - في تقرير هذا الوجه الثالث -: أنه حذف من إحدى الفعلين ما أثبت نظيره في الآخر وذلك أن "بِمَفَازَةٍ" مفعول ثانٍ للفعل الأول، حذفت من الفعل الثاني، و "هُمْ" في "فلا يحسبنهم" مفعول أول للفعل الثاني، وهو محذوفٌ من الأولِ. وإذا عرفت ذلك فالفعلُ الثاني - على هذه الأوجه الثلاثة - تأكيدٌ للأول. وقال مكِّيٌّ: إن الفعل الثاني بدلٌ من الأولِ. وفي تسمية مثل هذا بدلاً نظر لا يخفى، وكأنه يريد أنه في حكم المكرر، فهو يرجع إلى معنى التأكيد. وكذلك قال بعضهم: والثاني مُعاد على طريق البدل، مشوباً بمعنى التأكيدِ. وعلى هذين القولين - أعني كونه تأكيداً، أو بدلاً - فالفاء زائدة، ليست عاطفة ولا جواباً. قوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ} أصله: تحسبونَنَّهم، بنونين - الأولى نون الرفع، والثانية للتوكيد - وتصريفه لا يخفى من القواعد المتقدمة. وتعدى هنا فعل المضمر المنفصل إلى ضميره المتصل، وهو خاص بباب الظن، وبعدم وفقد دون سائر الأفعال. لو قلت: "أكرمتُني"، أي: "أكرمت أنا نفسي" لم يجز. وأما قراءة الكوفيين فالفعلانِ فيها مسندان إلى ضمير المخاطب إما الرسول صلى الله عليه وسلم أو كل من يصلح للخطاب - والكلام في المفعولين للفعلين كالكلام فيهما في قراءة أبي عمرو وابن كثيرٍ، على قولنا إن الفعلَ الأولَ مسندٌ لضميرٍ غائبٍ، والفعل الثاني تأكيدٌ للأولِ، أو بدلٌ منه، والفاء زائدة، كما تقدم في توجيه قراءة أبي عمرو وابن كثير، على قولنا: إن الفعلين مسندان للموصول؛ لأن الفاعل فيهما واحد، واستدلوا على أن الفاء زائدة بقول الشاعر: [الكامل] شعر : 1710- لا تَجْزَعِي إنْ مُنْفِساً أهْلَكْتُهُ فَإذَا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذلِكَ فَاجْزَعِي تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 1711- لَمَّا اتَّقَى بِيَدٍ عَظِيمٍ جِرْمُهَا فَتَرَكْتُ ضَاحِيَ جِلْدِهَا يَتَذَبْذَبُ تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 1712- حَتَّى تَرَكْتُ العَائِدَاتِ يَعُدْنَهُ فَيَقُلْنَ: لا تَبْعَدْ، وَقُلْتُ لَهُ: ابْعَدِ تفسير : إلا أنَّ زيادةَ الفاءِ ليس رأي الجمهورِ، إنما قال به الأخفش. وأما قراءة نافع وابن عامرٍ - بالغيبة في الأولِ، والخطاب في الثاني - فوجهها أنهما غايرا بين الفاعلين، والكلام فيهما يؤخذ مما تقدم، فيؤخذ الكلام في الفعل الأول من الكلام على قراءة أبي عمرو وابن كثير، وفي الثاني من الكلام على قراءة الكوفيين بما يليق به، إلا أنه ممتنع - هنا - أن يكون الفعل الثاني تأكيداً للأول، أو بدلاً منه؛ لاختلاف فاعليهما، فتكون الفاء - هنا - عاطفةً ليس إلا، وقال أبو علي في الحُجة -: إن الفاءَ زائدة، والثاني بدلٌ من الأولِ، قال: "وليس هذا موضع العطف لأن الكلامَ لم يتم، ألا ترى أن المفعول الثاني لم يُذْكَر بَعْدُ". وفيه نظرٌ؛ لاختلاف الفعلين باختلاف فاعليهما. وأما قراءة الخطاب فيهما مع ضم الباء فيهما فالفعلان مسندان لضمير المؤمنين المخاطبين، والكلام في المفعولين كالكلام فيهما في قراءة الكوفيينَ. وأما قراءةُ الغيبةِ وفتح الباء فيهما فالفعلان مسندانِ إلى ضميرٍ غائبٍ، أي: لا يحسبن الرسولُ، أو حاسبٌ. والكلامُ في المفعولينِ للفعلينِ، كالكلام في القراءة التي قبلها، والثاني من الفعلين تأكيدٌ، أو بدلٌ، والفاءُ زائدةٌ -على هاتينِ القراءتينِ - لاتحادِ الفاعلِ. وقرأ النَّخعِيُّ، ومروان بن الحكمِ "بما آتوا" ممدوداً، أي: أعْطُوا، وقرأ علي بن أبي طالبٍ "أوتوا" مبنياً للمفعول. فصل قال ابنُ عبّاسٍ: قوله: {يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} هم اليهودُ، حرَّفوا التوراةَ، وفرحوا بذلك، وأحبوا أن يوصَفُوا بالديانةِ والفَضْلِ. وقيل: سأل رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم اليهودَ عن شيء من التوراة، فأخبروه بخلافه، وفرحوا بذلك التلبيسِ وطلبوا أن يثنى عليهم بذلك. وقيل: فرحوا بكتمان النصوص الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأحبوا أن يُحْمَدُوا بأنهم متبعون دين إبراهيمَ. وقيل: هُم المنافقونَ، فرحوا بِنفَاقِهِمْ للمسلمينَ، وأحبُّوا أن يَحْمَدَهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم على الإيمانِ. وقيل: هم بعض المنافقينَ، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغَزْو، وفرحوا بقعودهم، واعتذروا، وطمعوا أن يُثْنَى عليهم، كما يُثْنَى على المجاهدين. وقيل المراد كتم اليهود الميثاق المأخوذ عليهم بالاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفَرِحوا بذلك الكتمان، وزعموا أنهم أبناءُ اللهِ وأحباؤهُ. فصل قال الفرّاءُ: "يَفْرَحُونَ بِمَا أتَوْا" أي: بما فعلوا، كقوله: {أية : لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} تفسير : [مريم: 27] أي: فَعَلْتِ، وقوله: {أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} تفسير : [النساء: 16]. قال الزمخشريُّ: "أتى وجاء تُسْتَعْملان بمعنى فَعَل قال تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} تفسير : [مريم: 61] ويدل عليه قراءة أبَي يفرحون بما فَعَلوا". قوله: {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} قد تقدم معناه في كيفية النظم {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ} أي: بمنجاة من العذاب، من قولهم: فاز فلان - إذا نجا - أي: ليسوا بفائزين. وقيل: لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك، تقول العرب: فوَّز الرجل - إذا مات -. وقال الفرّاءُ: أي: ببعيد من العذاب؛ لأن الفوز معناه التباعُد من المكروه، ثم حقَّق ذلك بقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. قوله: {مِّنَ ٱلْعَذَابِ} فيه وجهانِ: أحدهما: أنه متعلق بمحذوف، على أنه صفة لـِ "مَفَازَةٍ" أي: بمفازة كائنةٍ من العذاب على جَعْلِنَا "مَفَازَةٍ" مكاناً، أي بموضع فَوْز. قال أبو البقاء: "لأن المفازةَ مكان، والمكانُ لا يعملُ". يعني فلا يكون متعلقاً بها، بل بمحذوف، على أنه صفة لها، إلا أن جعله صفة مشكل؛ لأن المفازة لا تتصف بكونها {مِّنَ ٱلْعَذَابِ} اللهم إلا أن يُقَدَّر ذلك المحذوف الذي يتعلق به الجارُّ شيئاً خاصاً حتى يُصبح المعنى تقديره: بمفازة منجيةٍ من العذابِ، وفيه الإشكالُ المعروفُ، وهو أنه لا يُقَدَّر المحذوف - في مثله - إلا كَوْناً مطلقاً. الثاني: أن يتعلق بنفس "مفازة" على أنها مصدر بمعنى الفَوْز، تقول: فزت منه أي: نَجَوْت، ولا يضر كونها مؤنثة بالتاء؛ لأنها مبنيةٌ عليها، وليست الدالة على التوحيد. كقوله: [الطويل] شعر : 1713- فَلَوْلاَ رَجَاءُ النَّصْرِ مِنكَ وَرَهْبَةٌ عِقَابَكَ قَدْ كَانُوا لَنَا كَالْمَوَارِدِ تفسير : فأعمل "رهبة" في "عقابك" وهو مفعول صريح، فهذا أولى. قال أبو البقاء: "ويكون التقدير: فلا تحسبنهم فائزين، فالمصدر في موضع اسم الفاعلِ". فإن أراد تفسير المعنى فذاك، وإن أراد أنه بهذا التقدير - يصح التعلُّق، فلا حاجة إليه؛ إذ المصدر مستقل بذلك لفظاً ومعنىً.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن مروان قال لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لَنُعَذَّبَنَّ أجمعين. فقال ابن عباس ما لكم ولهذه الآية؟! إنما أنزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس {أية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس......} تفسير : [آل عمران: 187] الآية وتلا {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} الآية فقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه. وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري. "حديث : أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فنزلت {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا...} الآية "تفسير : . وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم أن رافع بن خديج وزيد بن ثابت كانا عند مروان وهو أمير بالمدينة فقال مروان: يا رافع في أي شيء نزلت هذه الآية {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا}؟ قال رافع: أنزلت في ناس من المنافقين، كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا وقالوا: ما حبسنا عنكم إلا الشغل، فلوددنا أنا كنا معكم، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فكأن مروان أنكر ذلك، فجزع رافع من ذلك فقال لزيد بن ثابت: أنشدك بالله هل تعلم ما أقول؟ قال: نعم. فلما خرجا من عند مروان قال له زيد: ألا تحمدني شهدت لك قال: أحمدك أن تشهد بالحق قال: نعم. قد حمد الله على الحق أهله. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: هؤلاء المنافقون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم لو قد خرجت لخرجنا معك، فإذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم تخلفوا وكذبوا، ويفرحون بذلك، ويرون أنها حيلة احتالوا بها. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: يعني فنحاص، وأشيع، وأشباههما من الأحبار الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا للناس من الضلالة {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} أن يقول لهم الناس علماء وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى ولا خير، ويحبون أن يقول لهم الناس قد فعلوا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: هم أهل الكتاب، أنزل الله عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وفرحوا بذلك، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فرحوا أنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل الله إليه، وهم يزعمون أنهم يعبدون الله، ويصومون، ويصلون، ويطيعون الله، فقال الله لمحمد {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكفروا بالله، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الصلاة والصوم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك في الآية قال: إن اليهود كتب بعضهم إلى بعض أن محمداً ليس بنبي، فأجمعوا كلمتكم، وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم، ففعلوا ففرحوا بذلك، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: كتموا اسم محمد ففرحوا بذلك حين اجتمعوا عليه، وكانوا يزكون أنفسهم فيقولون: نحن أهل الصيام، وأهل الصلاة، وأهل الزكاة، ونحن على دين إبراهيم. فأنزل الله فيهم {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} من كتمان محمد {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} أحبوا أن تحمدهم العرب بما يزكون به أنفسهم وليسوا كذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} قال: بكتمانهم محمداً {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قال: هو قولهم نحن على دين إبراهيم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: يهود فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب، وحمدهم إياهم عليه. ولا تملك يهود وذلك ولن تفعله. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في الآية قال: هم اليهود يفرحون بما آتى الله إبراهيم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن يهود خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به، وأنهم متابعوه وهم متمسكون بضلالتهم، وأرادوا أن يحمدهم النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يفعلوا. فأنزل الله {لا تحسبن الذين يفرحون...} الآية. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من وجه آخر عن قتادة في الآية قال: إن أهل خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا: إنا على رأيكم، وإنا لكم ردء. فأكذبهم الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: إن اليهود من أهل خيبر قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد قبلنا الدين ورضينا به، فأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. وأخرج مالك وابن سعد والبيهقي في الدلائل عن محمد بن ثابت "حديث : أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال: لمَ...؟ قال: نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحب الحمد. ونهانا عن الخيلاء، وأجدني أحب الجمال. ونهانا أن نرفع صوتنا فوق صوتك، وأنا رجل جهير الصوت. فقال: يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة. فعاش حميداً، وقتل شهيداً، يوم مسيلمة الكذاب ". تفسير : وأخرج الطبراني عن محمد بن ثابت قال: حدثني ثابت بن قيس بن شماس قال "قلت: يا رسول الله لقد خشيت فذكره". وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان في بني إسرائيل رجال عباد فقهاء، فأدخلتهم الملوك فرخصوا لهم وأعطوهم، فخرجوا وهم فرحون بما أخذت الملوك من قولهم وما أعطوا. فأنزل الله {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا}. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم في قوله {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} قال: ناس من اليهود جهزوا جيشاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأحنف بن قيس. أن رجلاً قال له: ألا تميل فنحملك على ظهر قال: لعلك من العراضين قال: وما العراضون؟ قال: الذين {يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} إذ عرض لك الحق فاقصد له واله عما سواه. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر "فلا يحسبنهم" يعني أنفسهم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرأ "فلا يحسبنهم" على الجماع بكسر السين ورفع الباء. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله {بمفازة} قال بمنجاة، وأخرج ابن جرير عن ابن زيد مثله.
ابو السعود
تفسير : {لاَ تَحْسَبَنَّ} الخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن يصلُح له {ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ} أي بما فعلوا كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } تفسير : [مريم، الآية 61] ويدل عليه قراءة أُبـيّ: يفرحون بما فعلوا، وقرىء بما آتَوا بمعنى أعطَوا وبما أُوتوا أي بما أوتوه عن علم التوراة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم اليهودُ حرفوا التوراةَ وفرِحوا بذلك وأحبوا أن يوصفوا بالديانة والفضل. روي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سأل اليهودَ عن شيء مما في التوراة فكتموا الحقَّ وأخبروه بخلافه وأرَوْه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرِحوا بما فعلوا، وقيل: فرِحوا بكِتمان النصوصِ الناطقةِ بنبوته عليه الصلاة والسلام، وأحبوا أن يُحمَدوا بأنهم متبعون ملةَ إبراهيمَ عليه السلام. فالموصولُ عبارةٌ عن المذكورين أو عن مشاهيرهم وضع موضِعَ ضميرهم، والجملةُ مَسوقةٌ لبـيان ما تستتبعُه أعمالُهم المحكيةُ من العقاب الأخرويِّ إثرَ بـيانِ قباحتِها، وقد أُدمج فيها بـيانُ بعضٍ آخرَ من شنائعهم وهو إصرارُهم على ما هم عليه من القبائح وفرَحُهم بذلك ومحبتُهم لأن يوصَفوا بما ليس فيهم من الأوصاف الجميلةِ، وقد نُظم ذلك في سلك الصلةِ التي حقُّها أن تكون معلومةَ الثبوتِ للموصول عند المخاطَبِ إيذاناً بشهرة اتصافِهم بذلك، وقيل: هو قومٌ تخلّفوا عن الغزو ثم اعتذروا بأنهم رأوا المصلحةَ في ذلك واستحمدوا به، وقيل: هم المنافقون كافةً وهو الأنسبُ بظاهر قوله تعالى: {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} لشهرةِ أنهم كانوا يفرحون بما فعلوا من إظهار الإيمانِ وقلوبُهم مطمئنةٌ بالكفر ويستحمِدون إلى المسلمين بالإيمان وهم عن فعله بألفِ منزلٍ، وكانوا يُظهرون محبةَ المؤمنين وهم في الغاية القاصيةِ من العداوة، فالموصولُ عبارةٌ عن طائفة معهودةٍ من المذكورين وغيرِهم، فإن أكثرَ المنافقين كانوا من اليهود، ولعل الأولى إجراءُ الموصولِ على عمومه شاملاً لكل من يأتي بشيء من الحسنات فيفرحُ به فرحَ إعجابٍ ويوَدُّ أن يمدحَه الناسُ بما هو عارٍ منه من الفضائل منتظماً للمعهودين انتظاماً أولياً، وأياً ما كان فهو مفعولٌ أولٌ لتحسبن، وقوله تعالى: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ} تأكيدٌ له والفاءُ زائدةٌ والمفعولُ الثاني قوله تعالى: {بِمَفَازَةٍ مّنَ ٱلْعَذَابِ} أي ملتبسين بنجاة منه، على أن المفازةَ مصدرٌ ميميٌ ولا يضُر تأنيثُها بالتاء لما أنها مبنية عليها وليست للدلالة على الوحدة كما في قوله: [الطويل] شعر : فلولا رجاءُ النصرِ منك ورهبةٌ عقابَك قد كانوا لنا بالمواردِ تفسير : ولا سبـيل إلى جعلها اسمَ مكانٍ على أن الجارَّ متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لها أي بمفازة كائنةٍ من العذاب لأنها ليست من العذاب، وتقديرُ فعلٍ خاصٍّ ليصِحَّ به المعنى أي بمفازة مُنْجيةٍ من العذاب ــ مع كونه خلافَ الأصلِ ــ تعسفٌ مستغنىً عنه. وقرىء بضم الباء في الفعلين على أن الخطابَ شاملٌ للمؤمنين أيضاً، وقرىء بـياء الغَيبة وفتحِ الباءِ فيهما على أن الفعلَ له عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ممن يتأتى منه الحُسبان، ومفعولاه كما ذكر، وقرىء بضم الباء في الثاني فقط على أن الفعلَ للموصول، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ لكونه عينَ الفاعلِ، والثاني بمفازة أي لا يحسبَنّ الذين يفرحون أنفسَهم فائزين، وقوله تعالى: {فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ} تأكيدٌ للأول، والفاءُ زائدةٌ كما مر ويجوز أن يُحملَ الفعلُ الأولُ على حذف المفعولين معاً اختصاراً لدِلالة مفعولي الثاني عليهما على عكس ما في قوله: شعر : بأيِّ كتابٍ أو بأيةِ سنةٍ ترى حبَّهم عاراً عليَّ وتحسَبُ تفسير : حيث حُذف فيه مفعولا الثاني لدَلالة مفعولي الأولِ عليهما، أو على أن الفعلَ الأولَ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل حاسب، ومفعولُه الأولُ الموصولُ والثاني محذوفٌ لدَلالة مفعولِ الفعلِ الثاني عليه، والفعلُ الثاني مسندٌ إلى ضمير الموصولِ والفاءُ للعطف لظهور تفرُّعِ حُسبانِهم على عدم حُسبانِه عليه السلام ومفعولاه الضميرُ المنصوبُ وقوله تعالى: {بِمَفَازَةٍ}، وتصديرُ الوعيدِ بنهيهم عن الحسبان المذكورِ للتنبـيه على بُطلان آرائِهم الركيكةِ وقطعِ أطماعِهم الفارغةِ حيث كانوا يزعُمون أنهم ينجون بما صنعوا من عذاب الآخرةِ كما نجَوْا به من المؤاخذة الدنيويةِ وعليه كان مبني فرحِهم وأما نهيُه عليه السلام فللتعريض بحسبانهم المذكورِ لا لاحتمال وقوعِ الحُسبانِ من جهته عليه السلام {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} بعد ما أُشير إلى عدم نجاتِهم من مطلق العذابِ حُقِّق أن لهم فرداً منه لا غايةَ له في المدة والشدة، كما تلوحُ به الجملةُ الاسميةُ والتنكيرُ التفخيميُّ والوصفُ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ} [الآية: 188]. قال حاتم الأصم رحمة الله تعالى عليه: حذر الله تعالى بهذه الآية سلوك طريق المرائين والمتقربين والمتزهدين والمتوسمين بسيما الصالحين وهم من ذلك خوالى، قال الله تعالى: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ} إن ذلك الظاهر ينجيهم من العذاب كلا بل لهم عذاب أليم، وهو أن يحجبهم عن رؤيته ويمنعهم لذيذ مخاطبته.
القشيري
تفسير : إن مَنْ باشر رؤيةَ الخلْق قلبُه، ولاَحَظَهم بِسِرِّه فلا تظننَّ أنَّ عقوبتَهم مؤخرةٌ إلى يوم القيامة، بل ليسوا من العذاب - في الحال - بمفازة، وأيُّ عذابِ أشدُّ من الردِّ إلى الخلْق والحجاب عن الحق؟
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} هذا وصف الكذابين فى دعوى المعاملات قبل شروعهم فيها فى اظهارهم سمات اهل المعاملة بظاهر التقشف وزى اله الناموس لصرف وجوه الناس بمجرد الدعوى واهل الرياء علوا على روية الخلق وجب محمد تهم وذلك القوم اضل من المرائين لانهم يطلبون محمد والجاه بغير عمل وهم اقبح طائفة من المرائين الكذابين وان الله تعالى بين بما ذكرنا فى قوله ويحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا واخبر انهم لم يخرجوا من حجب النفسانية وبقوا فى حجاب الهجران وهو اشد عذاب قال حاتم الا هم حذر الله بهذه سلوك طريق المرائين والمتقربين والمتنزهين والمتوسلين بسما الصالحين وهم من ذلك حوال قال الله تعالى فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ان ذلك الظاهر ينجيهم من العذاب كلا بل لهم عذاب اليم وهو ان يحجبهم عن رؤيته ويمنعم لذيذ خطابه.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا تحسبن} يا محمد او الخطاب لكل احد ممن يصلح له {الذين يفرحون بما اوتوا} اى بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق {ويحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا} من الوفاء بالميثاق واظهار الحق والاخبار بالصدق {فلا تحسبنهم} تأكيد لقوله لا تحسبن والمفعول الثانى له قوله {بمفازة من العذاب} اى ملتبسين بنجاة منه {ولهم عذاب اليم} بكفرهم وتدليسهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ بالخطاب، فالذين: مفعول أول، والثاني: محذوف، أي: بمفازة من العذاب، أو هو المذكور، و {تحسبنهم}: تأكيد للفعل الأول، ومن قرأ بالغيب، فالذين: فاعل، والمفعولان: محذوفان، دلَّ عليهما ذكرُهما مع الثاني، أي: لا يحسبوا أنفسهم فائزة. {فلا تحسبنهم}: من قرأ بفتح التاء؛ فالخطاب للرسول - عليه الصلاة والسلام-، والفعل مبني، ومن قرأ بالياء؛ فالخطاب للذين يفرحون، والفعل معرب، أي: لا يحسبن أنفسهم بمفازة من العذاب. يقول الحقّ جلّ جلاله: {لا تحسبن} يا محمد {الذين يفرحون بما أتَوا} أي: بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق، {ويُحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا} من الوفاء بالعهد، وإظهار الحق، والإخبار بالصدق، أنهم فائزون من العذاب، فلا تظنهم {بمفازة من العذاب}، بل {لهم عذاب أليم} موجع، {ولله ملك السماوات والأرض}؛ إن شاء عذب وإن شاء رحم، {والله على كل شيء قدير} فلا يعجزه من ذلك شيء، أو: لا يظن الذي يفرحون بما أتوا، ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، فلا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أنها نزلت في المنافقين، كانوا إذا خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم تخلَّفوا، وإذا قدم اعتذروا، فإذا قَبِل عذرهم فرحوا، وأحبُّوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا). وما تقدم في التوطئة هو عن ابن عباس. وقال ابن حجر: ولا مانع من أن يتناول الآية كلَّ من أتى بحسنة وفَرِحَ بها فَرَحَ إعجاب، وأحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يظن أهل الفرق الذين يسندون الأفعال إلى أنفسهم، غائبين عن فعل ربهم، ويحبون أن يحمدهم الناس ويمدحهم بفعل غيرهم، أنهم فائزون عن عذاب الفرق، وحجاب العجب، إذ لا فاعل سوى الحق، فمن تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك، فإن فرح العبد بالطاعة من حيث ظهورها عليه، وهي عنوان العناية - ورأى نفسه فيها كالآلة، معزولاً عن فعلها، محمولاً بالقدرة الأزلية فيها، فلا بأس عليه، ويزيد بذلك تواضعاً وشكراً، وإن فرح بها من حيث صدورها منه، ويتبجح بها على عباد الله، فهو عين العجب، وفي الحكم:"لا تُفرحكَ الطاعة من حيث إنها صَدَرَتْ منك، وافرح بها من حيث إنها هدية من الله عليك؛{أية : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}تفسير : [يُونس: 58]".
الطوسي
تفسير : القراءة والحجة والاعراب: قرأ أهل الكوفة ويعقوب "لا تحسبن" بالتاء وفتح الباء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء، وضم الباء. الباقون بالياء وفتح الباء. "وتحسبنهم" الاخير بالتاء بلا خلاف. قال أبو علي من قرأ بالياء، لم يوقع يحسبن على شيء، (والذين) رفع بأنه فاعل (لا تحسبن) قال: ووجه قراءة ابن كثير وأبي عمرو في أن لم يعديا (حسبت) إلى مفعوليه ان (يحسب) في قوله: {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} لما جعل بدلا من الأول وعدّي إلى مفعوليه استغنى بها في تعدية الأول إليهما كما استغنى في قول الشاعر: شعر : بأي كتاب أم بأية سنة ترى حبهم عاراً علي وتحسب تفسير : فاكتفى بتعدية أحد الفعلين إلى المفعولين عن تعدية الآخر إليها. فان قال قائل: كيف يستقيم تقدير البدل، وقد دخل الفاء بينهما، ولا يدخل بين البدل والمبدل منه الفاء؟ والجواب أن الفاء زائدة، يدلك على ذلك أنها لا يجوز أن تكون التي تدخل على الخبر، لأن ما قبل الفاء ليس بمبتدأ، فتكون الفاء خبره، ولا تكون العاطفة، لأن المعنى {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} ويحبون أنفسهم {بمفازة من العذاب} فاذا كان ذلك لم يجز تقدير العطف، لأن الكلام لم يستقل بعد فيستقيم فيه تقدير العطف. وأما قوله: {فلا تحسبنهم} فان فعل الفاعل الذي هو يحسبون تعدى إلى ضميره، وحذفت واو الضمير لدخول النون الثقيلة. وقوله: {بمفازة من العذاب} في موضع المفعول الثاني، وفيه ذكر المفعول الأول. وفعل الفاعل في هذا الباب يتعدى إلى ضمير نفسه نحو ظننتني أخاه، لأن هذه الأفعال لما كانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت (إن) واخواتها في دخولهن على الابتداء والخبر كدخول هذه الافعال عليهما، وذلك نحو قولك: ظننتني ذاهباً، كما تقول: إني ذاهب، ولو قلت أظن نفسي تفعل، لم يجز كما يجوز أظننتني فاعلا. وقال أبو سعيد الخدري، وأبو وهب، والزجاج: المعني بهذه الآية قوم من أهل الكتاب دخلوا على النبي (صلى الله عليه وسلم) وخرجوا من عنده، فذكروا لمن كان رآهم في ذلك الوقت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أتاهم باشياء قد عرفوها، فحمدهم من شاهدهم من المسلمين على ذلك، وأظهروا خلاف ما أبطنوا، وأقاموا فيما بعد على الكفر، فأعلم الله تعالى نبيه أنهم ليسوا بمفازة أي ليسوا ببعد من العذاب. وقيل معناه ليسوا بمنجاة من العذاب، ووقعت، {فلا تحسبنهم} مكررة لطول القصة كما يقولون: لا تظنن زيداً إذا جاءك كلمك بكذا وكذا، فلا تظننه صادقاً، فيعيد فلا تظننه توكيداً، واعلاماً ان ذلك يتعلق بالأول، ولو لم يكرر كان جائزاً، لكن مع التأكيد أوضح. وقوله: {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قال البلخي: إنهم قالوا: {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه } تفسير : وأهل الصوم والصلاة وليسوا بأولياء الله، ولا أحباؤه، ولا أهل الصلاة والصيام، ولكنهم أهل شرك ونفاق. وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وقال قوم: "يحبون أن يحمدوا" على أنهم أبطلوا أمر محمد (صلى الله عليه وسلم)، وكذبوا ما أبطلوه، ولا لهم قدرة على ذلك. النزول، والمعنى: وروي عن ابن عباس، وسعيد أن الآية نزلت في اليهود حيث كانوا يفرحون باجلال الناس لهم ونسبهم إياهم إلى العلم. وقال الضحاك، والسدي: نزلت في اليهود حيث فرحوا بما أثبتوا من تكذيب النبي (صلى الله عليه وسلم). وقال سعيد بن جبير: فرحوا بما أتى الله آل ابراهيم. وقال ابن عباس: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) سألهم عن شيء، فكتموه ففرحوا بكتمانهم، وأقوى هذه الأقوال أن يكون قوله: "لا تحسبن الذين يفرحون" يعني بها من أخبر الله عنهم أنه أخذ ميثاقهم ليبينن للناس أمر محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولا يكتمونه، لأن قوله: "لا تحسبن الذين يفرحون" في سياق الخبر عنهم وشبيه بقصتهم مع أن أكثر أهل التأويل عليه. وقال الجبائي: الآية في المنافقين، لأنهم كانوا يعطون المؤمنين شيئاً يستعينون به على الجهاد لا على وجه القربة إلى الله بل على وجه الرياء ويفرحون بذلك، ويريدون مع ذلك أن يحمدوا على ذلك ويعتقد أنهم فعلوه لوجه القربة، فقال: "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا" بمنزلة المؤمنين الذين يفعلون الافعال لله على وجه القربة إليه. وقال: "فلا تحسبنهم" مع ذلك بمنجاة "من العذاب" بل "لهم عذاب أليم" يعني مؤلم فحسبان الثاني متعلق بغير ما تعلق به الأول، فلذلك كرر. فان قيل: أين خبر "لا تحسبن" الاولى؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - {بمفازة من العذاب}، لأنها مكررة لطول الكلام. وقيل: الفاء زائدة على هذا، وهو قول الزجاج. والثاني - ان الخبر محذوف، كأنه قال ناجين، ودلّ الخبر الاخير عليه. فان قيل: كيف يجوز أن يذم بالفرح وليس من فعل الانسان؟ قلنا ذم بالتعرض له على جهة الاشر والبطر كما قال: {لا يحب الفرحين}.
الجنابذي
تفسير : {لاَ تَحْسَبَنَّ} جواب لسؤالٍ ناشئٍ من سابقه كأنّه قيل: ما حال هؤلاء؟ - فقال: لا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب وانّما وضع الظّاهر موضع المضمر للاشارة الى ذمّ آخر لم {ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} اى عملوا كانوا يعجبون بأعمالهم الفاسدة مثل اهل هذا الزّمان ويباهون بافعالهم الكاسدة وكان الضّعفاء يحسبون انّهم على شيءٍ ويحمدونهم على ما قالوه من افعالهم فردع الله الضّعفاء عن ذلك لحسبان واثبت لهم العذاب بأعمالهم واعجابهم وذلك لانّ الاعمال ان كانت من قبيل العبادات فان نقصت من انانيّة العامل شيئاً صارت عبادة، وان لم تنقص منها او زادتها كانت وبالاً وعصياناً، وان كانت من قبيل المباحات؛ فان لم تزد فى الانانيّة بقيت على اباحتها، وان زادتها لم تبق على اباحتها بل صارت وبالاً، وان كانت من قبيل المرجوحات مكروهة كانت او محرّمة؛ كانت بذاتها وبالاً وعصياناً، والاعجاب بالعمل ليس الاّ من زيادة الانانيّة ورؤية النّفس وعملها، فالمعجب بالعمل يجب عليه الاستغفار من ذلك العمل لا الافتخار والفرح به من حيث انّه عمل عملاً جرّه الى النّار وان كان بصورة العبادة {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} من الطّاعات والافعال المرضيّة {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ} تأكيد لزيادة الرّدع عن هذا الحسبان وقرئ {لا تحسبنّ} بخطاب المفرد فى كليهما على ان يكون الخطاب لمحمّد (ص) او لكلّ من يتأتّى منه الخطاب وقرئ بخطاب الجمع فى كليهما على ان يكون الخطاب له وللمؤمنين وحينئذٍ يكون المفعول الاوّل الّذين يفرحون والمفعول الثّانى قوله تعالى {بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ} وقوله {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ} تأكيد للاوّل وقرئ بالغيبة فى كليهما مع الافراد فى الاوّل والجمع فى الثّانى على ان يكون الّذين يفرحون فاعلاً للاوّل وضمير الجمع فاعلاً للثّانى {وَلَهُمْ عَذَابٌ} جملة حاليّة بلحاظ النّفى لا المنفىّ والمعنى لا تحسبنّهم فى منجاةٍ او ناجين من العذاب حال كونهم لهم عذاب {أَلِيمٌ} باعجابهم بأعمالهم الفاسدة المردودة وان كانت بصورة العبادات.
اطفيش
تفسير : {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ}: مفعوله الثانى محذوف، أى لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا بمفازة، أى ثابتين بمفازة، دل عليه قوله: بمفازة من قوله تعالى: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ}: فمفازة مفعول ثان لتحسب الثانى، أو لا تحسبنهم تأكيد للاتحسبن الذين، وبمفازة: "مفعول ثان للاتحسبن الذين، وقرئ كما مر، تحسب الأول، والثانى بالتحتية فيكون {الذين} فاعل يحسب الأول، ومفعولاه محذوفان، أى: {لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} أنفسهم بمفازة من العذاب، ويحسب الثانى مضموم الباء وفاعله ضمير الذين المحذوف، لالتقاء الساكنين وهو الواو مفعوله الأول، وهو عائد أيضاً إلى الذين، وبمفازة مفعوله الثانى، أى: لا يحسبن أنفسهم بمفازة من العذاب، والجملة الثانية تأكيد للأولى، فقد يستدل به على جواز قرن التوكيد الجملى بالفاء، والقارئون هنا بالتاء، أو الباء هم القارئون هنالك. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرئ: لا تحسبن الذين بالخطاب وضم الموحدة، فيكون الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين على حذف واو الجماعة، وكذا تحسب الثانى والمفعولان على حد ما مر، ومعنى قوله: {بما أتوا} بما فعلوا من التدليس وكتم الحق، ومعنى {بما لم يفعلوا}: بالوفاء بالميثاق وإظهار الحق، والإخبار بالصدق اللاتى لم يفعلوها، وزعموا أنهم فعلوها أى: لا تحسبن هؤلاء فائزين من العذاب، أى ناجين منه، والمفازة: مصدر ميمى، أى فى نجاة أو اسم مكان، على خلاف القياس بالتاء فيه، أى فى أرض فوز أو جهة فوز، أى فى موضع نجاة من العذاب. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: يكفرهم وتدليهم. قال الحسن: دخلوا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الإسلام فأصروا على دينهم، فخرجوا إلى الناس، فقالوا لهم ما صنعتم مع محمد؟ فقالوا: آمنا به ووافقناه فأنزل الله تعالى {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} أى فرحوا بما فى أيديهم حين لم يوافقوا محمداً، ويحبون أن يحمدوا، بأنهم آمنوا ووافقوا، وقال الكلبى: نحن أهل الكتاب الأول، وأهل العلم، وأهل الصلاة، وأهل الزكاة، ولم يكونوا كذلك أحبوا أن يحمدهم الناس بما لم يفعلوا. وعن مجاهد: يفرحون بما أتوا من تبديل التوراة حرفوها عن مواضعها، ففرحوا بذلك وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، أى أن يحمدوا على أن عندهم بذلك علماً، وليس لهم علم بما حرفوا، إنما ابتدعوه من قبل أنفسهم. وروى أن يهود خيبر أتوا نبى الله فزعموا أنهم راضون بالذى جاء به، وأنهم يبايعونه، وهم مستمسكون بضلالتهم، وأرادوا أن يحمدهم نبى الله بأمر لم يفعلوه، وروى أنه صلى الله عليه وسلم، سأل اليهود عن شىء مما فى التوراة فأخبروه بخلاف ما كان فيها، وأروه أنهم قد صدقوه، أى أروه أنهم قد أخبروه بصدق وفرحوا بذلك، وهم لم يفعلوا الإخبار بالصدق، ونزلت فى ذلك. وقال أبو سعيد الخدرى: نزلت فى قوم من المنافقين، تخلفوا عن الغزو، ثم اعتذروا بأنهم رأوا المصلحة فى التخلف، وأحبوا أن يحمدوا على تلك المصلحة، وهم لم يفعلوها، وقيل: نزلت فى قوم من المنافقين، يفرحون بمنافقتهم، ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان الذى لم يفعلوه على الحقيقة، وعن ابن عباس: نزلت فى فنحاص، وسبيع وأشباههم من اليهود الذين يصيبون الأموال على ما زينوا للناس من الضلالة، ويحبون أن يحمدوا على العلم وليسوا بعلماء، وهذا مثل ما مر عن مجاهد، وقيل: إن اليهود فرحوا باجتماع كلمتهم على تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم كتبوا إلى يهود العراق والشام واليمن ومن يبلغهم كتابهم من اليهود فى الأرض كلها، إن محمداً ليس بنبى فاثبتوا على دينكم فاجتمعت كلمتهم على الفكر، ففرحوا بذلك، وقرأ سعيد بن جبير: أوتوا بالبناء للمفعول، والمد، أى اعطوا من النبوة والكتاب، ويزعمون أنهم على الحق، وأنهم على دين إبراهيم.
اطفيش
تفسير : {لاَ تَحْسَبنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُوتَوْا} بما أتوه من الضلال والإضلال، أى فعلوه من الإتيان، وهو ثلاثى والخطاب فى قراءة لا تحسبن بالتاء الفوقية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل من يصلح له، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم سأل اليهود عن شىء مما فى التوراة فأخبروه بخلاف ما فيها، ففرحوا بالغش، وقد كانوا كتموا صفاته فى التوراة صلى الله عليه وسلم،وتخلف قوم عن الغزو واعتذروا بأن التخلف مصلحة، وطلبوا الحمد عليه، وكان المنافقون يفرحون بنفاقهم، ويستحمدون إلى المؤمنين بإيمان لم يفعلوه، وذكر بعض أن أكثر المنافقين فى المدينة اليهود، ونزلت الآية فى ذلك كله {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} من الحق، يحبون أن يحمدهم الرسول والصحابة والناس على فعل الحق مع أنهم لم يفعلوه، بل بقوا على الضلال، والمفعول الثانى محذوف أَي لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ناجين أو من أهل الجنة أو يخفى علينا أمرهم أو يفوتنا عذابهم وقوله {فَلاَ تَحْسَبَنْهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ} توكيد لما قبله وبمفازة مفعول ثان لتحسب الثانى، ويجوز فى يحسب الأول بالياء أن يجعل مفعوله الأول محذوفا تقديره أنفسهم أولا تحسبنهم توكيد للاتحسبن الذين كفروا، ولا مفعول له ثان، وقوله بمفازة مفعول ثان لتحسبنَّ الأول، والمفازة بقعة ينجى فيها من العذاب وهو اسم مكان ميمى، بل هم في مكان النار يعذبون فيه، فمن العذاب نعته أو المفازة الفوز، والنجاة وهو مصدر ميمى فيتعلق به من {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} بذلك التدليس والكفر، وفى الآية وعيد لمن يحب أن يحمد بما لم يفعل من هذه الأمة أيضاً ولا يختص بأهل الكتاب.
الالوسي
تفسير : {لاَ تَحْسَبَنَّ } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب أي لا تظنن. {ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ } أي بما فعلوا وبه قرأ أبـيّ، وقرىء {بِمَا أَتَوْاْ } و {بِمَا أُوتُواْ } وروى الثاني عن عليّ كرم الله تعالى وجهه {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ } أي أن يحمدهم الناس؛ وقيل: المسلمون، وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم {بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } قال ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن أبـي حاتم من طريق العوفي: هم أهل الكتاب أنزل عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق وحرفوا الكلام عن مواضعه وفرحوا بذلك وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الصلاة والصيام، وفي رواية البخاري وغيره عنه «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه»تفسير : ، وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير أنهم يفرحون بكتمانهم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي نطق بها كتابهم ويحبون أن يحمدوا بأنهم متبعون دين إبراهيم عليه السلام، فعلى هذا يكون الموصول عبارة عن المذكورين سابقاً الذين أخذ ميثاقكم، وقد وضع موضع ضميرهم، وسبقت الجملة لبيان ما يستتبع أعمالهم المحكية من العذاب / إثر بيان قباحتها، وفي ذلك من التسلية أيضاً ما لا يخفى، وقد أدمج فيها بيان بعض آخر من شنائعهم وفضائحهم وهو إصرارهم على القبيح وفرحهم بذلك ومحبتهم لأن يوصفوا بما ليس فيهم من الأوصاف الجميلة، وأخرج سبحانه ذلك مخرج المعلوم إيذاناً بشهرة اتصافهم به. وقيل: إن الموصول عبارة عن أناس منافقين وهم طائفة معهودون من المذكورين وغيرهم، وأيد ذلك بما أخرجه الشيخان والبيهقي في «شعب الإيمان» عن أبـي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت هذه الآية؛ وروي مثل ذلك عن رافع بن خديج وزيد بن ثابت وغيرهما، وقيل: المراد بهؤلاء المنافقون كافة، وقد كان أكثرهم من اليهود. وادعى بعضهم أنه الأنسب بما في حيز الصلة لشهرة أنهم كانوا يفرحون بما فعلوا من إظهار الإيمان وقلوبهم مطمئنة بالكفر ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان وهم عن فعله بألف منزل، وكانوا يظهرون محبة المؤمنين وهم في الغاية القاصية من العداوة، ولا يخفى عليك أنه وإن سلم كونه أنسب إلا أنه لم يوجد فيما نعلم من الآثار الصحيحة ما يؤيده، ومن هنا يعلم بعد القول بأن الأولى إجراء الموصول على عمومه شاملاً لكل من يأتي بشيء من الحسنات فيفرح به فرح إعجاب، ويود أن يمدحه الناس بما هو عار منه من الفضائل منتظماً للمعهودين انتظاماً أولياً على أنه قد اعترض بأن انتظام المعهودين مطلقاً فضلاً عن كونه أولياً غير مسلم إلا إذا عمم ما في بما أتوا بحيث يشمل الحسنات الحقيقية وغيرها أما إذا خص بالحسنات كما يوهمه ظاهر هذا القول فلا يسلم الانتظام لأن أولئك الفرحين لم يأتوا بحسنة في نفس الأمر ليفرحوا بها فرح إعجاب كما لا يخفى، ولعل الأمر في هذا سهل، نعم يزيده بعداً ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي في «الشعب» من طريق حميد بن عبد الرحمن أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ }تفسير : [آل عمران: 187] إلى آخر الآيتين فإِنه لو كان الأولى إجراء الموصول على عمومه لأجراه حبر الأمة وترجمان القرآن، وأزال الإشكال بتقييد الفرح بفرح الإعجاب كما فعل صاحب هذا القول ولا يلزم من كلام الحبر على هذا عدم حرمة الفرح فرح إعجاب وحب الحمد بما لم يفعل بالمرة بل قصارى ما يلزم منه عدم كون ذلك مفاد الآية ـ كما قيل ـ وهو لا يستلزم عدم كونه مفاد شيء أصلاً ليكون ذلك قولاً بعدم الحرمة، كيف وكثير من النصوص ناطق بحرمة ذلك حتى عده البعض من الكبائر فليفهم، وأياً مّا كان فالموصول مفعول أول ـ لتحسبن ـ وقوله تعالى: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } تأكيد له والعرب ـ كما قال الزجاج ـ إذا أطالت القصة تعيد حسبت وما أشبهها إعلاماً بأن الذي جرى متصل بالأول وتوكيد له فتقول: لا تظنن زيداً إذا جاءك وكلمك بكذا وكذا فلا تظنه صادقاً فيفيد لا تظنن توكيداً وتوضيحاً، والفاء زائدة كما في قوله:شعر : فإذا هلكت (فعند) ذلك فاجزعي تفسير : والمفعول الثاني في قوله سبحانه: {بِمَفَازَةٍ مّنَ ٱلْعَذَابِ } أي متلبسين بنجاة منه على أن المفازة مصدر ميمي بمعنى الفوز، والتاء ليست للوحدة لبناء المصدر عليه، و {مّنَ ٱلْعَذَابِ } متعلق به، وجوز أن تكون المفازة اسم مكان أي محل فوز ونجاة، / وأن يستعار من المفازة للقفر وحينئذٍ يكون {مّنَ ٱلْعَذَابِ } صفة له لأن اسم المكان لا يعمل ولا بد من تقدير المتعلق خاصاً أي منجية من العذاب وتقديره عاماً ـ أي بمفازة كائنة من العذاب ـ غير صحيح لأن المفازة ليست من العذاب، واعترض بأن تقديره خاصاً مع كونه خلاف الأصل تعسف مستغنى عنه، وقرىء بضم الباء الموحدة في الفعلين على أن الخطاب شامل للمؤمنين أيضاً، وبياء الغيبة وفتح الباء فيهما على أن الفعل له عليه الصلاة والسلام أو لكل من يتأتى منه الحسبان ومفعولاه في القراءتين كما ذكر من قبل. وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالياء وفتح الباء في الفعل الأول، وبالياء وضم الباء في الفعل الثاني على أن فاعل {لا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ } بعده ومفعولاه محذوفان يدل عليهما مفعولا مؤكده وفاعل مؤكده ضمير الموصول ومفعولاه ضميرهم، و {بِمَفَازَةٍ } أي لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا فلا يحسبن أنفسهم بمفازة. ويجوز أن يكون المفعول الأول ـ للا يحسبن ـ محذوفاً والمفعول الثاني مذكوراً أي أعني بمفازة أن لا يحسبن الذين يفرحون أنفسهم فائزين، وقوله تعالى: {فَلا يَحْسَبنَّهُمْ} مؤكد والفاء زائدة كما مر وأن يكون كلا مفعولي {لا يَحْسَبَنَّ } مذكوراً، الأول: ضميرهم المتصل بالفعل الثاني، والثاني: {بِمَفَازَةٍ } وهو مبني على جعل التأكيد هو الفعل والفاعل فقط على ما هو الأنسب إذ ليس المذكور سابقاً سواهما، ورد بأن فيه اتصال ضمير المفعول بغير عامله أو فاعله المتصل بعامله ولم يقل به أحد من النحاة وإن كان فيه تحاش عن الحذف في هذا الباب، وفيه نظر إذ قد صرح كثير بجواز ذلك، وقد أفردت هذه المسألة بالتدوين، وجوز أيضاً أن يكون الفعل الأول مسنداً إلى ضمير النبـي صلى الله عليه وسلم أو كل حاسب والمفعول الأول الموصول، والمفعول الثاني محذوفاً لدلالة مفعول الفعل الثاني عليه والفعل الثاني مسنداً إلى ضمير الموصول والفاء للعطف لظهور تفرع عدم حسبانهم على عدم حسبانه عليه الصلاة والسلام أو عدم حسبان كل حاسب ومفعولاه الضمير المنصوب و {بِمَفَازَةٍ } وتصدير الوعيد بنهيهم عن الحسبان المذكور ـ على ما قال شيخ الإسلام ـ للتنبيه على بطلان آرائهم الركيكة وقطع أطماعهم الفارغة حيث كانوا يزعمون أنهم ينجون بما صنعوا من عذاب الآخرة كما نجوا به من المؤاخذة الدنيوية وعليه كان مبنى فرحهم، وأما نهيه صلى الله عليه وسلم فللتعريض بحسبانهم المذكور لا لاحتمال وقوع الحسبان من جهته صلى الله عليه وسلم. وأنت تعلم أن تعليل التصدير بما ذكر على تقدير إجراء الموصول على عمومه على ما مر غير ظاهر إلا أن يقال بالتغليب. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } بيان لثبوت فرد من العذاب لا غاية له في المدة والشدة إثر ما أشير إليه من عدم نجاتهم من مطلق العذاب ويلوح بذلك الجملة الاسمية والتنكير التفخيمي والوصف وجوز أن يكون هذا إشارة إلى العذاب الأخروي ويحمل نفي النجاة من العذاب فيما تقدم على نفي العذاب العاجل وهو كونهم مذمومين مردودين فيما بين الناس لأن لباس الزور لا يبقى وينكشف حال صاحبه ويفتضح.
ابن عاشور
تفسير : تكملة لأحوال أهل الكتاب المتحدّث عنهم ببيان حالة خُلقهم بعد أن بيّن اختلال أمانتهم في تبليغ الدين، وهذا ضرب آخر جاء به فريق آخر من أهل الكتاب فلذلك عبّر عنهم بالمَوصول للتوصّل إلى ذكر صلته العجيبة من حال من يفعل الشرّ والخسّة ثم لا يقف عند حدّ الانكسار لما فعل أو تطَلُّب الستر على شنعته، بل يرتقي فيترقّب ثناء الناس على سوء صنعه، ويتطلّب المحمدة عليه. وقيل: نزلت في المنافقين، والخطاب لكلّ من يصلح له الخطاب، والموصول هنا بمعنى المعرّف بلام العهد لأنّ أريد به قوم معيَّنون من اليهود أو المنافقين، فمعنى {يفرحون بما أتوا} أنّهم يفرحون بما فعلوا ممّا تقدّم ذكره، وهو نبذ الكتاب والاشتراء به ثمناً قليلاً وإنّما فرحهم بما نالوا بفعلهم من نفع في الدنيا. ومعنى: {يُحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} أنّهم يحبّون الثناء عليهم بأنّهم حفظة الشريعة وحُرّاسها والعالمون بتأويلها، وذلك خلاف الواقع. هذا ظاهر معنى الآية. وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أنّهم أتوا إضلال أتباعهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأحبّوا الحمد بأنّهم علماء بكتب الدين. وفي «البخاري»، عن أبي سعيد الخدْري: أنّها نزلت في المنافقين، كانوا يتخلّفون عن الغزو ويعتذرون بالمعاذير، فيقبل منهم النبي صلى الله عليه وسلم ويحبّون أن يحمدوا بأنّ لهم نية المجاهدين، وليس الموصول بمعنى لام الاستغراق. وفي «البخاري»: أنّ مروان بن الحكم قال لِبَوّابِه: «اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئِنْ كان كلّ امرىء فرح بما أتَى وأحَبّ أن يُحمد بما لم يفعل معذّباً لنعذّبَنّ أجْمعون» قال ابن عباس: «وما لكم ولهذه إنّما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودَ، فسألهم عن شيء فأخبروه بغيره فأرَوْه أنّهم قد استحمدوا إليه بما أخبروه وفرِحوا بما أتوا من كتمانهم» ـــ ثم قرأ ابن عباس: {أية : وإذ أخذ الله ميثاقَ الذين أوتوا الكتاب}تفسير : [آل عمران: 187] حتّى قوله: {أية : لا تَحْسِبَنّ الذين يفرحون بما أتوا}تفسير : [آل عمران: 188] الآية. والمفازة: مكان الفوزَ. وهو المكان الذي مَن يحلّه يفوز بالسلامة من العدوّ سمّيت البيداء الواسعة مَفَازة لأنّ المنقطع فيها يفوز بنفسه من أعدائه وطلبة الوتر عنده وكانوا يتطلّبون الإقامة فيها. قال النابغة: شعر : أوْ أضَعُ البيتَ في صَمَّاء مُظلمةٍ تُقَيّدُ العَيْر لا يسري بها الساري تُدافع الناس عنّا حين نركبها من المظالم تُدْعَى أمّ صَبَّار تفسير : ولمّا كانت المفازة مجملة بالنسبة للفوز الحاصل فيها بيّن ذلك بقوله: {من العذاب}. وحرف (مِن) معناه البدلية، مثل قوله تعالى: {أية : لا يسمن ولا يغني من جوع}تفسير : [الغاشية: 7]، أو بمعنى (عن) بتضمين مفازة معنى منجاة. وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمور، وأبو جعفر: لا يحسبنّ الذين يفرحون ـــ بالياء التحتية ـــ على الغيبة، وقرأه الباقون ـــ بتاء الخطاب ـــ. وأمّا سين (تحسبن) فقرأها ـــ بالكسر ـــ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب. وقرأها ـــ بالفتح ـــ الباقون. وقد جاء تركيب الآية على نظم بديع إذ حُذف المفعول الثاني لفعل الحسبان الأوّل لدلالة ما يدلّ عليه وهو مفعول {فلا تحسبنّهم}، والتقدير: لا يحسبنّ الذين يفرحون إلخ أنْفسَهم. وأعيد فعل الحسبان في قوله: {أية : فلا تحسبنهم}تفسير : [آل عمران: 188] مسنداً إلى المخاطب على طريقة الاعتراض بالفاء وأتي بعده بالمفعول الثاني: وهو {أية : بمفازة من العذاب}تفسير : [آل عمران: 188] فتنازعه كلا الفعلين. وعلى قراءة الجمهور: {أية : لا تَحسبنّ الذين يفرحون}تفسير : [آل عمران: 188] ـــ بتاء الخطاب ـــ يكون خطاباً لغير معيّن ليعمّ كلّ مخاطب، ويكون قوله: {فلا تحسبنهم} اعتراضاً بالفاء أيضاً والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم مع ما في حذف المفعول الثاني لفعل الحسبان الأول، وهو محلّ الفائدة، من تشويق السامع إلى سماع المنهي عن حسبانه. وقرأ الجمهور فلا تحسبنّهم: ـــ بفتح الباء الموحدة ـــ على أنّ الفعل لخطاب الواحد؛ وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب ـــ بضم الباء الموحدة ـــ على أنّه لخطاب الجمع، وحيث إنّهما قرءا أوّله ـــ بياء الغيبة ـــ فضمّ الباء ـــ يجعل فاعل (يحسبنّ) ومفعوله متّحدين أي لا يحسبون أنفسهم، واتّحاد الفاعل والمفعول للفعل الواحد من خصائص أفعال الظنّ كما هنا وألحقت بها أفعال قليلة، وهي: (وَجد) و (عَدِم) و(فَقَدَ). وأمّا سين «تحسبنّهم» فالقراءات مماثلة لما في سين {يحسبنّ}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 188- لا تظنن الذين يفرحون دائماً بما يأتون من أفعال قبيحة ويحبون الثناء بما لم يفعلوه، لا تظنن هؤلاء بمنجاة من العذاب، لأن من شأنهم أن يغلقوا على أنفسهم باب الإيمان والحق كاليهود، ولهم عذاب مؤلم يوم القيامة. 189- الله - وحده - هو المالك لأمر السموات والأرض، وهو القادر على كل شئ، فيؤاخذ المذنبين بذنوبهم ويثيب المحسنين على إحسانهم. 190- إن فى خلق الله للسموات والأرض مع ما فيهما من إبداع وإحكام، واختلاف الليل والنهار نوراً وظلمة وطولاً وقصراً لدلائل بينات لأصحاب العقول المدركة على وحدانية الله وقدرته.
القطان
"حديث : روى الامام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم ان رسول الله سأل بعض احبار اليهود عن شيء فكتموا حقيقته، وأخبروه بغير الحقيقة، وخرجوا وقد أروه ان قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك اليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه"تفسير : . وروى البخاري ايضا عن ابي سعيد الخدري أن رجالاً من المنافقين كانوا اذا خرج رسول الله الى الغزو تخلّفوا عنه وفرحوا بمقعدهم ذاك. فاذا قدم من الغزو واعتذروا اليه وحلفوا، وأحبوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا. فنزلت هذه الآية. ولا منافاة بين الروايتين، لأن الآية عامة في جميع ما ذُكر. وهي وان كانت في اليهود والمنافقين ففيها ترهيب للمؤمنين، وتنسحب على كل من يحب أن يُحمد بما لم يفعل. وقد جاء عن النبي في الصحيحين: "من أدّعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله الا قلة". ومعنى الآية: لا تظننّ أيها النبي ان الذين يفرحون دائما بما يأتون من أفعال قبيحة، ويحبون الثناء بما لم يفعلوه ـ سيكونون في نجوة من العذاب، فقد أعدّ الله لهم عذاباً عظيما يوم القيامة لا مفر منه. ولله ملك السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير، يؤاخذ المذنبين بذنوبهم ويثيب المحسنين على احسانهم. قراءات قرأ ابن كثير وأبو عمرو "لا يحسبن الذين يفرحون..." بفتح الياء وضم الباء.
د. أسعد حومد
تفسير : (188) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنينَ إلى حَالٍ آخَرَ مِنْ أحْوَالِ أهْلِ الكِتَابِ، وَهُوَ أنَّهُمْ كَانُوا يَفْرَحُونَ بِمَا أتَوا مِنَ التَّأويلِ وَالتَّحْرِيفِ لِلكِتَابِ، وَيَرَوْنَ لأِنْفُسِهِمْ، شَرَفاً وَفَضْلاً بأنَّهُمْ أئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ. وَكَانُوا يُحِبُّونَ أن يُحْمَدُوا بِأنَّهُمْ حُفَّاظُ الكِتَابِ وَمُفَسِّرُوهُ. وَهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، وَإنَّمَا فَعَلُوا نقيضَهُ، إذْ حَوَّلُوهُ مِنَ الهِدَايَةِ إلى مَا يُوافِقُ أهْواءَ الحُكَّامِ وَالعَامَّةِ. (وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي اليَهُودِ إذْ سَأَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيءٍ فِي كِتَابِهِمْ، فَكَتَمُوهُ وَأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا قَدْ أرَوْهُ أنَّهُمْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَاسْتَحْمَدُوهُ بِذَلِكَ، وَفَرِحُوا بِمَا أتَوا مِنْ كِتْمَانِ مَا سَألَهُمْ عَنْهُ). (وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَعْضِ المُنَافِقِينَ الذِينَ كَانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا غَزَا، فَإذا عَادَ مِنَ الغَزْوِ اعْتَذَرُوا إليهِ، وَحَلَفُوا وَأحَبُّوا أن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا). وَيَقُولُ تَعَالَى إنَّ هَؤُلاءِ الذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لَيْسُوا نَاجِينَ مِنَ العَذَابِ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ عَذَاباً أليماً. بِمَفَازَةٍ مِنَ العَذَابِ - بِمَنْجَاةٍ مِنْهُ. أنْ يُحْمَدُوا - أنْ يَحْمِدَهُمُ النَّاسُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحسبان للأمر أن يظنه السامع دون حقيقته، والأمور التي يظنها السامع تسير أولاً على ضوء الشيء الواضح دون التدبر لما وراء واجهات الأشياء، فالذين يفرحون بنا أتوا نوعان: نوع يفرح بما أتاه مناهضاً لدعوة الحق كالمنافقين الذين فرحوا بأنهم غشوا المؤمنين، وتظاهروا بالإيمان فعاملهم المؤمنون بحق الأخوة الإيمانية، حدث هذا قبل أن يكشف الحق هؤلاء المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من بعد ذلك. ونوع آخر يفرح لما آتاه وجاء به مناصراً لدعوة الحق فالفرح الأول - وهو فرح المنافقين - ممنوع، والفرح الثاني مشروع. ولذلك يقول الحق: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ..}تفسير : [يونس: 58]. إذن فلم ينه الله عن مطلق الفرح ولكن ليفرحوا بفضل الله. إنه سبحانه قد نهى عن نوع من الفرح في مسألة قارون:{أية : إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ}تفسير : [القصص: 76]. وهكذا نجد آيات تنهى عن الفرح وآيات تثبت للمؤمنين الفرح، وتأمرهم به. إذن فالفرح في ذاته ليس ممقوتاً، ولكن الممقوت بعض دواعي ذلك الفرح، فدواعيه عند المؤمن أن يفرح بنصر الله، وأن يفرح بإعلاء كلمة الحق، وهذه دواع مشروعة. ودواعيه الممنوعة أن يفرح بأن يقف أمام مبدأ من مبادئ الله ليدحض ذلك المبدأ, وهذا ما يفرح به الكافر, ولكن الفرح الحقيقي هو الفرح الذي لا يعقبه ندم، ففرح المؤمن موصول إلى أن تقوم الساعة، وموصول بعد أن تقوم الساعة. ولكن فرح الكافر والمنافق وأهل الكتاب الذين يصورون الله على غير حقيقته فرح موقوت وممقوت، إذن فذلك لا يعتبر فرحاً؛ لأن الندم بعد الفرح يعطى عاقبة شر؛ لأن النادم يتحسر دائماً على فعله فهو في غم وحزن. فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطي للمؤمن مناعة، إنكم أيها المؤمنون تواجهون معسكرات تعاديكم. هذه المعسكرات ستفرح بما أتته ضدكم فيجب ألا يفتّ ذلك في عضدكم، ولا تحسبنهم إن فعلوا ذلك بمنجاة من العذاب، وما دام فرحهم سيؤدي بهم إلى العذاب فهو فرح أحمق. وماذا صنع الذين جاء فيهم القول: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} [آل عمران: 188] يحتمل أن يكون المراد هم أهل الكتاب الذين كتموا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الآية السابقة تقول: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 187] ماذا فعل هؤلاء إذن؟ لقد كتموا أوصاف رسول الله ونعته الموجود في كتبهم وفرحوا بما كتموا، وبعد ذلك أحبوا أن يحمدوا بما فعلوا من الذين على طريقتهم في الكفر والضلال. إن الإنسان قد يأتي الذنب ولكنّه يندم بعد أن يفعله، ولكنه حين يسترسل فيفرح بما فعل فذلك ذنب آخر، وهكذا صار إتيان العمل ذنباً، والفرح به ذنباً آخر؛ لأنه لو ندم على ما فعله لكان الندم دليلاً على التوبة، أما أن يأتي العمل وبعد ذلك يفرح به ثم يأتي بعد ذلك الأشد؛ فيجب أن يُحمد بما لم يفعل، فذلك من تمام الحمق، إنه جرم وذنب مركب من فعل آثم، ففرح به، فحب لحمد على شيء لم يفعله. أكان يجب أن يُحمد بما فعل أو بما لم يفعل؟ بما لم يفعل, لأنه خلع على أمره غير الحق، وإذا قال قائل: إنها نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله فالقول محتمل؛ لأن هؤلاء تخلفوا عن الحرب مع رسول الله وفرحوا بأن متاعب السفر ومتاعب الجهاد لم تنلهم، وبعد ذلك اعتذروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذارات كاذبة ولو ندموا لكان خيراً لهم، ولم يتضح للمسلمين كذبهم فحمدوا لهم ذلك الاعتذار، إنهم قد أتوا الذنب، وفرحوا بأنهم أتوه، ونجوا من مغارم الحرب، وبعد ذلك فرحوا أيضاً بأنهم أحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلو، لأن اعتذارهم كان نفاقاً، سواء كان هذا أو ذاك فالآية على إطلاقها: للذين يفرحون بما أتوا من مناهضة الحق وذلك فعل، والفرح به ذنب آخر، والرغبة في الحمد عليه شيء ثالث، إذن فالذنب مركب، فهم يسترون الأمر ويبينون نقيضه كي نحمدهم ونشكرهم، والحق سبحانه وتعالى يعطي لهذا دستوراً إيمانياً لمطلق الحياة. {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} [آل عمران: 188] وهل المنعي عليهم أنهم يحبون أن يحمدوا؟ أو المنعي عليهم والمأخوذون به أنهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا؟ إن المنعي عليهم انهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا؛ لأن الإنسان إن أحب أن يُمدح بما فعل فلا مانع، والقرآن حين يعالج نفساً بشرية خلقها الله بملكات، فهو يعلم مطلوبات الملكات، بعض الملكات قد تحتاج إلى شيء فلا يتجاوز الله هذا الشيء، إنّ الإنسان مطبوع على حب الثناء من الغير، لأن حب الثناء يثبت له وجوداً ثانياً، ووجودك الثاني هو أن تعبر عن نفسك بعملك الذي يكون مبعث الثناء عليك، والناس لا تثني على وجودك، لكنها تثني على فعلك. وما دام الإنسان يحب الثناء فسيغريه ذلك بأن يعمل ما يُثني به عليه، وما دام يُغرى بما يُثني عليه فسيعمل بإتقان أكثر، وساعة يعمل فإن المحيط به ينتفع من عمله، والله يريد إشاعة النفع فلا يمنع سبحانه حب الثناء كي يزيد في الطاقة الفاعلة للأشياء؛ لأنه لو حرّم ذلك الثناء فلن يعمل إلا من كانت ملكاته سوية، وسيفقد المجتمع طاقات من كانت ملكاته قليلة، فصاحب الملكات القليلة يريد أن يُمدح، فلا مانع من مدحه ليزيد من العمل، ويُمدح مرة ثانية، وتستفيد الناس، والذي ينتظر الثناء من الناس تنزل منزلته ومرتبته عن مرتبة من انتظر التقدير من الله، فهو الذي جنى على نفسه في ذلك. لكن لا بد أن نمدحه كي يعمل بما فيه من غريزة حب الثناء فنكون قد زدنا من عدد طاقات العاملين. ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما عرض لهذه القضية، وهي قضية تزكية الصالح وتجريم الطالح الفاسد في قصة "ذي القرنين" يقول تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً}تفسير : [الكهف: 83-84]. كي تعلم أن الممَكَّنَ لا يُمَكّنُ بذاته وإنما هو ممكن بمن مَكّنَهُ، فلو كان عنده تفكير إيماني، لما أغرته الأسباب أن يتمرد؛ لأن الإيمان يعلمه أن الأسباب ليست ذاتية. ومن أجل أن يثبت الله أن الأسباب غير ذاتية فهو ينزع الملك ممن يشاء، ويهب الملك من يشاء، نقول له: لو كان الأسباب ذاتية فتمسك بها، لكن الأسباب هبة من الله "وآتيناه من كل شيء سبباً" وحين يأتيه الله الأسباب فالأسباب أنواع: سبب مباشر للفعل، وسبب متقدم على السبب المباشر، فأنت إذا ارتديت ثوباً جميلاً، فوراء ذلك أنك أتيت بالقماش الذي نسجه النساج، والنساج استطاع إتقان عمله بعد أن قام الغزَّال بغزل القطن، والقطن نتج لأن فلاحاً بذر البذور ورعى الأرض بالحرث والري. فأنت إن نظرت إلى الأسباب المباشرة المتلاحقة فانظر إلى نهاية الأسباب، وستصل إلى شيء لا سبب له إلا المسبب الأعلى وهو الله - جلت قدرته -. وسلسل أي شيء في الوجود ستجد أنك أخيراً أمام سبب خلقه الله, مثال ذلك النور الكهربائي الذي تتمتع أنت به. ستجد أن المعمل قام بصنع الزجاج الخاص بالمصابيح الكهربائية، ونوع من المصانع يصنع الأسلاك الموجودة بالمصباح، وستنتهي إلى شيء موجود لا يوجد فيه بشر، فتصل إلى الحق سبحانه وتعالى. أنت مثلاً جالس على الكرسي. وقد تقول: لقد صنعه النجار والنجار جاء بالخشب من البائع، والبائع جاء بالخشب من الغابة، فمن أين جاء الخشب إلى الغابة؟ تقول: لا أعرف، أما إذا كان عندك الحس الإيماني فأنت تقول: أوجده الله. وحين تنتهي الأسباب وسلسلتها نجد الله الخالق {أية : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً} تفسير : [الكهف: 84-85] فعندما أعطاه الله الأسباب جاء هو بالوسائط فقط، إذن فالأصل كله من الله. ويتابع الحق: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} تفسير : [الكهف: 86] هذا في عين الناظر فقط، فأنت حين تركب البحر ثم ترى الشمس عند الغروب تغطس في البحر، وعندما تذهب للمنطقة التي غطست الشمس فيها تجد الشمس موجودة؛ لأنها لا تغيب أبداً، إنما "تغرب في عين حمئة" أي فوجد الشمس في نظره عند غروبها عنه كأنها تغرب في مكان به عين ذات ماء حار وطين أسود. ويتابع الحق: {أية : وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} تفسير : [الكهف: 86]. والناس تفهم أن هذا تخيير، يعني إما أن تعذبهم، وإما تُحسن إلى من كنت تعذبهم، لكن الدقة والتمعن يوضحان لنا أن الحق قد أعطى تفويضاً لذي القرنين، بقوله: "إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً" فَفَهمَ ذو القرنين عن الله التفويض، ولم يأخذ التفويض وافترى، بل قال: "أما من ظلم فسوف نعذبه" وليس هذا هو العذاب الذي يستحقه، لا، نحن سنعذبه في دنيانا كي لا يستشري فيها الشرّ. وفوق ذلك سيعذبه الله عذاباً آخر. {أية : أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} تفسير : [الكهف: 87] إنه أولاً لم يصف عذابه بنكر، إنما وصف عذاب الله فقال: "فيعذبه عذاباً نكراً"، لأن عذاب البشر للبشر على قدر البشر، لكن عذاب الله يتناسب مع قدرة الله، فهل لنا طاقة بهذا العذاب والعياذ بالله؟ ليس لنا طاقة به، وماذا عن موقف ذي القرنين من الذي آمن؟ إنه موقف مختلف. يقول الحق: {أية : وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} تفسير : [الكهف: 88] هو يجازيه بالحسنى ويعطيه المكافآت ويكرمه، وعندما يتساءل من يحب الثناء قائلاً: لماذا كرّم هذا؟ ويرى أسباب التكريم فيقول لنفسه لأصنعنَّ مثله كي أكرّم. ولذلك تجد الشباب يتهافت حتى على اللعب بكرة القدم لماذا؟ لأنهم يجدون من يضع هدفاً في كرة القدم يكرّم، فيقول: أنا أريد أن أضع هدفاً. هذا وإن ديننا الحنيف يدعونا إلى أن نشكر من قدم خيراً أو أسدى معروفاً حَفزاً للهمم وتشجيعاً لبذل الطاقات وفي الأثر: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله" إذن فحب الثناء من طبيعة الإنسان، ولكي تُغري الناس بأن يعملوا لا بد أن تأتي لهم بأعمال تستوعب طاقاتهم المتعددة، أما إذا اقتصر إتقان العمل على من لا يحبون الثناء، فسنقلل الأيدي التي تفعل، ولذلك تجد العمل حيث توجد المكافأة التشجيعية التي يأخذها من يستحقها ويقابلها من التجريم والعقوبة لمن يهمل في عمله، فلا يمنح رئيس عمل مكافأة لمن عملوا على هواهم، بل عليه أن يمنحها لمن أدى عمله بإتقان. وحين يعلم الناس أنه لا يجازي بالخير ولا يكّرم بالقول إلا من فعل فعلاً حقيقياً فالكل يفعل فعلاً حقيقياً، لكن عندما تجد الناس أن المكافآت لا يأخذها أحد إلا بالتزلف وبالنفاق وبالأشياء غير المشروعة فسيفعلون ذلك، وهكذا تأتي الخيبة. وهكذا تجد أن قوله الحق: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} [آل عمران: 188]. إن هذا القول يضع أساساً ودستوراً إيمانياً لمطلق الحياة، وعلاقة الحاكم بالمحكومين, وعلاقة الفرد بنفسه وبمن حوله. وعلاقة الإنسان بالعمل الصالح أو بالذنوب؛ فالإنسان إذا ما أتى ذنباً، فربما يكون قد نفَّس عن نفسه بارتكاب الذنب، لكن بعد ما تهدأ شِرّة المعصية يجب عليه أن ينتبه فيندم ولا يفرح. هذه أول مرحلة. ولا يتمادى في ارتكاب الذنب، أما إذا تمادى وخلع على فعله النقيض وادّعى أنه قد أتى فعلاً حسناً حتى يناله مدح بدلاً من أن يناله ذم فذلك ذنب مركب، ويحشره الله ضمن من قال فيهم: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ} [آل عمران: 188]. والمفازة هي المكان الذي يظن الإنسان أن فيه نجاته، أي أن في هذا المكان فوزاً له، ويطلقون كلمة "مفازة" على الصحراء إطلاقاً تفاؤلياً، لا يسمونها "مهلكة" لأن الذي كان يجوبها يهلك فسموها "مفازة" تفاؤلاً بأن الذي يسلكها يفوز، أو أن الصحراء أرض مكشوفة، وما دام الإنسان قد وصل إلى أرض مكشوفة فلن يصادف ما يخافه من حيوانات شرسة أو من وافدات ضارة كالحيّات، أو من عدو راصد، وفي ذلك فوز له، لأنه تجنب هذه المخاطر، إنه إن سار في الجبال والوديان فمن الممكن أن تستر عنه الوحوش المفترسة أو الهوام أو تستر عنه الذين يتتبعونه فلا يتوقاهم وقد يصيبونه بالأذى، فإذا ما ذهب إلى الأرض المكشوفة نجا من كل هذا لأنه ينأى ويبتعد عنهم، وتكون التسمية على حقيقتها، ومن يرى أن الصحراء مهلكة فليعرف أنها سميت "مفازة" تفاؤلاً، كما يسمون اللديغ الذي لدغه الثعبان بـ "السليم". ونحن في أعرافنا العادية نتفاءل فنضع للشيء اسماً ضد مسماه تفاؤلاً بالاسم، مثال ذلك: إذا كنت في ضيافة إنسان وقدم شراباً. قهوة مثلاً، وبعد أن نشرب القهوة يأتي الخادم فيقول من قدم لك القهوة لخادمه: تعال "خذ المملوء" ولا يقول: "خذ الفارغ" وهذا لون من التفاؤل. {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188] هم يظنون أنهم بمفازة من العذاب برغم أنهم لا يؤمنون بالحق، ولا يؤمنون بسيطرة الحق على كل أحوالهم وكل أمورهم فهم يظنون أن انتصارهم في معركة الدنيا لا هزيمة بعده، ولكن الحق بعد هذه الآية قال: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أَبي نجيح / 11ظ /، عن مجاهد في قوله: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} [الآية: 188] وهم اليهود. فرحوا بإِعجاب الناس وتبديلهم الكتاب. و {يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ} يقول: يحبون أَن يحمدهم الناس عليه، {بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} يقول نهوى ذلك ولن نفعله. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضاله، عن الحسن في قوله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ}: فيقول: اصبروا على دينكم، {وَصَابِرُواْ} الكفار حتى يملوا دينهم، {وَرَابِطُواْ} [الآية: 200] المشركين.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ} معناه بِمَنْجَاةٍ مِنْهُ.
الجيلاني
تفسير : {لاَ تَحْسَبَنَّ} أيها الكامل في أمر الرسالة المنافقين {ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} من الخداع والنفاق مع المؤمنين وإظهار الإيمان على طرف اللسان {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ} عند إخوانهم {بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} من الإخلاص مع أهل الإيمان، وهم وإن أخلصوا عن أيدي المؤمنين، ظاهرٌ انخداعهم ونفاقهم {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ} منجاة ومخلص {مِّنَ ٱلْعَذَابِ} المعدّ له في يوم الجزاء، بل {وَلَهُمْ} فيها {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188] مؤلم عن رؤيتهم المؤمنين، المخلصين في النعيم الدائم واللذة المستمرة. {وَ} إن اغتروا بإمهال الله إياهم في النشأة الدنيا، لا يمهلون في الآخرة؛ إذ {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: عالم الأرواح {وَٱلأَرْضِ} أيك علام الطبيعة، وله التصرف فيهما بالاستقلال، كيف يشاء؟ متى يشاء؟ بطشاً وإمهالاً {وَٱللَّهُ} المتفرد، المتوحد في ملكه ملكوته {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من الأنعام والانتقام {قَدِيرٌ} [آل عمران: 189] إكثاراً وتقتيراً. {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: الأسماء والأوصاف الفاعلة الفياضة {وَٱلأَرْضِ} أي: الطبيعة القابلة، المستعدة لقبول الفيض {وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ} أي: آثار القبض والجلال {وَٱلنَّهَارِ} أي: آثار البسط والجمال {لآيَاتٍ} دلائل وعلامات دالة على رقائق المناسبات، ودقائق الارتباطات الواقعة بين الأسماء والصفات، المستدعية لظهور التجليات الظاهرة في الآفاق بسحب القوابل والمظاهر {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] الواصلين إلى لب التوحيد، المنخلعين عن قشورة بالمرة. وهم: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ} المتوحد في ذاته في جميع حالالتهم {قِيَاماً} قائمين {وَقُعُوداً} قاعدين {وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} مضطجعين، متكئين {وَيَتَفَكَّرُونَ} دائماً {فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} إلى أن سكروا، وترقى سكرهم إلآ ان تحيروا، بعد تحيرهم استغرقوا، وبعدما استغرقوا تاهوا، وبعدما تاهوا فاتوا، وحينئذ انقطع سيرهم، فمنهم من تمكن في تلك المرتبة واستقر عليها، ومنهم من صحى عن سكره ورجع إلى بدنه مستكملاً، قائلاً: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا} المحسوس، المُشَاهد {بَاطِلاً} بلا طائل {سُبْحَانَكَ} ننزهك يا ربنا عن مدركات عقولننا وحواسنا {فَقِنَا} واحفظنا بلطفك {عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] التي هي غفلتنا من مطالعة وجهك الكريم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} [آل عمران: 188] بمتاع الدنيا، {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} [آل عمران: 188]، من أعمال {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ} [آل عمران: 188]؛ لأن هذا من صفات أرباب النفوس الأمارة، المغرورين بالحياة الدنيا وتمويهات الشيطان، المحجوبين عن السعادات الأخروية والقربات الحضرية، وإنما يريدون {أية : حَرْثَ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الشورى: 20]، فما لهم {أية : فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى: 20]، وإن من صفات القلوب المنورة بنور الإيمان المزينة بزينة العرفان، ما أخبر الله تعالى عنهم بقوله تعالى: {أية : لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ}تفسير : [آل عمران: 153] {أية : وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} تفسير : [الحديد: 23]؛ يعني: من سعادة الدارين ونعيم المنزلين، فإنهما يحجبانكم عن الله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188]؛ أي: لمن حجب عن الله بغيره وبما سواه. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [آل عمران: 189]؛ يعني: من حجب بالملك فإنه مالك الملك، ومن حجب بالمالك فلا يفوته الملك، كما جاءني بعض الكتب المنزلة من طلب ما لنا لم تكن له، ومن طلبنا كنا له وكان له مالنا، أو كلام هذا معناه، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} [آل عمران: 189]، من الدنيا والآخرة {قَدِيرٌ} [آل عمران: 189]، أن ينعم به على طالبيه. ثم أخبر عن خلق السماوات الأرض وإظهار القدرة والآيات بقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [آل عمران: 190]، إشارة في الآيتين {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [آل عمران: 190]؛ أي: في خلق سماوات القلوب وأطوارها، وخلق أرض النفوس وقرارها، {وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ} [آل عمران: 190] البشرية وصفاتها، {وَٱلنَّهَارِ} [آل عمران: 190]، الروحانية وأنورها {لآيَاتٍ} [آل عمران: 190]، لإمارات بيِّنات ودلالات واضحات، {لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، الذين عبروا بقدم الذكر والفكر من قشر الوجود الجسماني الظلماني الفاني، ووصلوا إلى لُب الوجود الروحاني الباقي، فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمير أن لهم وللعالم إلهاً قادراً حياً عليماً، سميعاً بصيراً، متكلماً باقياً، وإنما نالوا هذه المراتب؛ لأنهم {يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]؛ وهي عبارة عن جميع حالات الإنسان؛ أي: يذكرون الله على كل حال بالظاهر والباطن، {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [آل عمران: 191]؛ وهي الأفلاك الدائرة، {وَٱلأَرْضِ} [آل عمران: 191]؛ وهي الكرة الأرضية مستوية الأضلاع ساكنة الحركات معلقة في وسطها، وأنه كيف خلق فيها الكواكب المنيرات متناسبات معقولات، ويقولون: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} [آل عمران: 191]؛ أي: خلقته بالحق إظهاراً للحق على الخلق، ووسيلة للخلق إلى الحق، {سُبْحَانَكَ} [آل عمران: 191]، تنزيهاً لك في حقيقتك عن المشبه بخليقتك والاحتياج ببريتك، {فَقِنَا} [آل عمران: 191] يا مستغني عنا، {عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]؛ أي: عذاب نار قهرك وعظمتك وكبريائك.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 172 : 36 : 9 - سفين عن الأعمش عن عمرو بن مرة (عن ابي عبيدة) قال، جاء رجل إلى عبد الله فقال: "إن كعباً الحبر يقرئك السلام، ويخبرك (ان هذه الآية) ليست فيكم {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} الآية. قال عبد الله: "نزلت هذه الآية وكعب كان يهودياً". [الآية 188].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} [188] 106- أنا الحسن بن محمد، نا حجَّاج قال ابن جُريج: أنا. وأنا يوسف بن سعيد، نا حجَّاج، عن أبن جُريج قال: أخبرني ابن أبي مُليكة، أن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره، أن مروان قال: اذهب يا رافع - لبوَّابه - إلى ابن عباس: فقل: لئن كان كلُّ امريء منا فرح بما أتى وأحب أن يُحمد بما يفعل معذَّبا لنُعذَّبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما نزلت هذه في أهل / الكتاب ثم تلا ابن عباس {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 187] وتلا ابن عباس {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} قال ابن عباس: سألهم النبي صلى لله عليه وسلم عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره، فخرجوا، وفرحوا أنهم أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):