٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
189
Tafseer
القرطبي
تفسير : هذا احتجاج على الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، وتكذيب لهم. وقيل: المعنى لا تظُنّن الفرحين ينجون من العذاب؛ فإن لله كلّ شيء، وهم في قبضة القدِير؛ فيكون معطوفاً على الكلام الأوّل، أي إنهم لا ينجون من عذابه، يأخذهم متى شاء. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} أي مُمْكن {قَدِيرٌ} وقد مضى في «البقرة».
البيضاوي
تفسير : {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فهو يملك أمرهم. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيقدر على عقابهم. وقيل هو رد لقولهم إن الله فقير {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَـٰتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ} لدلائل واضحة على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته لذوي العقول المجلوة الخالصة عن شوائب الحس والوهم كما سبق في سورة البقرة، ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية لأن مناط الاستدلال هو التغير، وهذه متعرضة لجملة أنواعه فإنه إما أن يكون في ذات الشيء كتغير الليل والنهار، أو جزئه كتغير العناصر بتبدل صورها أو الخارج عنه كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها»تفسير : {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} أي يذكرونه دائماً على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين، وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله». تفسير : وقيل معناه يصلون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم لقوله عليه الصلاة والسلام لعمران بن حصين: «حديث : صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب تومىء إيماء».تفسير : فهو حجة للشافعي رضي الله عنه في أن المريض يصلي مضطجعاً على جنبه الأيمن مستقبلاً بمقاديم بدنه. {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} استدلالاً واعتباراً، وهو أفضل العبادات كما قال عليه الصلاة والسلام «حديث : لا عبادة كالتفكر»تفسير : لأنه المخصوص بالقلب والمقصود من الخلق، وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً: اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له»تفسير : وهذا دليل واضح على شرف علم الأصول وفضل أهله. {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً} على إرادة القول أي يتفكرون قائلين ذلك، وهذا إشارة إلى المتفكر فيه، أي الخلق على أنه أريد به المخلوق من السموات والأرض، أو إليهما لأنهما في معنى المخلوق، والمعنى ما خلقته عبثاً ضائعاً من غير حكمة بل خلقته لحكم عظيمة من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإِنسان وسبباً لمعاشه ودليلاً يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة السرمدية في جوارك. {سُبْحَـٰنَكَ} تنزيهاً لك من العبث وخلق الباطل وهو اعتراض. {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} للإِخلال بالنظر فيه، والقيام بما يقتضيه. وفائدة الفاء هي الدلالة على أن علمهم بما لأجله خلقت السموات والأرض حملهم على الاستعاذة. {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} غاية الإخزاء، وهو نظير قولهم: من أدرك مرعى الصِّمان فقد أدرك، والمراد به تهويل المستعاذ منه تنبيهاً على شدة خوفهم وطلبهم الوقاية منه، وفيه إشعار بأن العذاب الروحاني أفظع. {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} أراد بهم المدخلين، ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن ظلمهم سبب لإِدخالهم النار وانقطاع النصرة عنهم في الخلاص منها، ولا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة لأن النصر دفع بقهر. {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَـٰنِ} أوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه، وفيه مبالغة ليست في إيقاعه على نفس المسموع وفي تنكير المنادي وإطلاقه ثم تقييده تعظيم لشأنه، والمراد به الرسول عليه الصلاة والسلام وقيل القرآن، والنداء والدعاء ونحوهما يعدى بإلى واللام لتضمنها معنى الانتهاء والاختصاص. {أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} أي بأن آمنوا فامتثلنا. {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} كبائرنا فإنها ذات تبعة. {وَكَفِّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا} صغائرنا فإنها مستقبحة، ولكن مكفرة عن مجتنب الكبائر. {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} مخصوصين بصحبتهم معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم محبون لقاء الله، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. والأبرار جمع بر أو بار كأرباب وأصحاب. {رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} أي ما وعدتنا على تصديق رسلك من الثواب. لما أظهر امتثاله لما أمر به سأل ما وعد عليه لا خوفاً من إخلاف الوعد بل مخافة أن لا يكون من الموعودين لسوء عاقبة، أو قصور في الامتثال أو تعبداً واستكانة. ويجوز أن يعلق على بمحذوف تقديره: ما وعدتنا منزلاً على رسلك، أو محمولاً عليهم. وقيل معناه على ألسنة رسلك. {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} بأن تعصمنا عما يقتضيه. {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} بإثابة المؤمن وإجابة الداعي وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الميعاد البعث بعد الموت. وتكرير ربنا للمبالغة في الابتهال والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها. وفي الآثار (حديث : من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف).تفسير : {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} إلى طلبتهم، وهو أخص من أجاب ويعدي بنفسه وباللام. {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ} أي بأني لا أضيع. وقرىء بالكسر على إرادة القول. {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ } بيان عامل. {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ} لأن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، أو لأنهما من أصل واحد، أو لفرط الاتصال والاتحاد، أو للاجتماع والاتفاق في الدين. وهي جملة معترضة بين بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد للعمال. روي (حديث : أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء) فنزلت.تفسير : {فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ} إلخ، تفصيل لأعمال العمال وما أعد لهم من الثواب على سبيل المدح والتعظيم، والمعنى فالذين هاجروا الشرك أو الأوطان والعشائر للدين. {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} بسبب إيمانهم بالله ومن أجله {وَقَاتِلُواْ} الكفار. {وَقُتِّلُواْ} في الجهاد. وقرأ حمزة والكسائي بالعكس لأن الواو لا توجب ترتيباً والثاني أفضل. أو لأن المراد لما قتل منهم قوم قاتل الباقون ولم يضعفوا. وشدد ابن كثير وابن عامر {قتلوا} للتكثير. {لأُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ} لأمحونها. {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـٰرُ ثَوَاباً مّن عِندِ ٱللَّهِ} أي أثيبهم بذلك إثابة من عند الله تفضلاً منه، فهو مصدر مؤكد. {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} على الطاعات قادر عليه. {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلَـٰدِ} والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، أو تثبيته على ما كان عليه كقوله {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذّبِينَ } أو لكل أحد، والنهي في المعنى للمخاطب وإنما جعل للتقلب تنزيلاً للسبب منزلة المسبب للمبالغة، والمعنى لا تنظر إلى ما الكفرة عليه من السعة والحظ، ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم. روي (حديث : أن بعض المؤمنين كانوا يرون المشركين في رخاء ولين عيش فيقولون: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد) تفسير : فنزلت. {مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ} خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك التقلب متاع قليل لقصر مدته في جنب ما أعد الله للمؤمنين. قال عليه الصلاة والسلام «حديث : ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع»تفسير : {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي ما مهدوا لأنفسهم. {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلاٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} النزل والنزل ما يعد للنازل من طعام وشراب وصلة. قال أبو الشعر الضبي:شعر : وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا والمرهفات نزلا تفسير : وانتصابه على الحال من جنات والعامل فيها الظرف، وقيل: إنه مصدر مؤكد والتقدير أنزلوها نزلا {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} لكثرته ودوامه {خَيْرٌ لّلأَبْرَارِ} مما يتقلب فيه الفجار لقلته وسرعة زواله. {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه. وقيل في أربعين من نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا نصارى فأسلموا. وقيل في أصحمة النجاشي لما نعاه جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فصلى عليه فقال المنافقون انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط. وإنما دخلت اللام على الاسم للفصل بينه وبين إن بالظرف. {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} من القرآن. {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} من الكتابين. {خَـٰشِعِينَ للَّهِ} حال من فاعل يؤمن وجمعه باعتبار المعنى {لاَ يَشْتَرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} كما يفعله المحرفون من أحبارهم. {أُوْلـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ} ما خص بهم من الأجر ووعده في قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} لعمله بالأعمال وما يستوجبه من الجزاء واستغنائه عن التأمل والاحتياط، والمراد أن الأجر الموعود سريع الوصول فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خزائن المطر والرزق والنبات وغيرها {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ومنه تعذيب الكافرين وإنجاء المؤمنين.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولله ملك السموات والأرض} يعني أنه تعالى مالك لما فيهما جميعاً يتصرف فيه كيف يشاء وفيه تكذيب لمن قال إن الله فقير ونحن أغنياء يقول الله عز وجل: إن من له جميع ما حوته السموات والأرض من شيء كيف يكون فقيراً {والله على كل شيء قدير} يعني أنه تعالى قادر على تعجيل العقوبة لهم على ذلك القول لكنه تفضل على خلقه بإمهالهم. قوله عز وجل: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} قال ابن عباس إن أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية فنزلت هذه الآية والمعنى تفكروا واعتبروا أيها الناس فيما خلقته وأنشأته من السموات والأرض لمعاشكم وأرزاقكم وفيما عقبت من ذلك بين الليل والنهار، واختلافهما في الطول والقصر، فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم لكي تتصرفوا فيهما لمعاشكم تطبلون أرزاقكم في النهار وتسكنون في الليل لراحة أجسادكم، فاعتبروا وتفكروا يا أولي الألباب يعني يا ذوي العقول الصافية. يعني الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال. والاعتبار لا ينظرون إليهما نظر البهائم غافلين عما فيهما من عجائب مخلوقاته وغرائب مبتدعاته (ق) عن ابن عباس أنه بات عند ميمونة أم المؤمنين وهي خالته قال: فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فطرحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر آيات الخواتيم من سورة آل عمران. ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلي. قال عبدالله بن عباس فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى إلى رأسي وأخذ بأذني ففتلها فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر ثم ضطجع حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح وفي رواية فقمت عن يساره فأخذني فجعلني عن يمينه وفي رواية قال بت في بيت خالتي ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد فلما كان ثلث الليل الأخير قعد فنظر إلى السماء فقال: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} ذكره.
ابن عادل
تفسير : قال القرطبيُّ: "هذا احتجاجٌ على الذين قالوا: إنّ اللَّه فقيرٌ ونحن أغنياء، وتكذيب لهم". وقيل: المعنى: لا تظنَّنَّ الفرحين ينجون من العذاب، فإنّ للَّهِ كُلّ شيء، وهم في قبضة القدير، فيكون معطوفاً على الكلام الأولِ، أي: إنهم لا ينجون من عذابه، يأخذهم متى شاء. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: لهم عذابٌ أليمٌ ممن له ملك السموات والأرض، فكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا المالك القادر؟
البقاعي
تفسير : ولما أخبر بهلاكهم دل عليه بحال من فاعل "يحسب " فقال تعالى: {ولله} أي الذي له جميع صفات الكمال وحده {ملك السماوات والأرض} أي لا يقع في فكرهم ذلك والحال أن ملكه محيط بهم، وله جميع ما يمكنهم الانحياز إليه، وله ما لا تبلغه قُدَرُهم من ملك الخافقين فهو بكل شيء محيط {والله} أي الذي له جميع العظمة {على كل شيء قدير *} وهو شامل القدرة، فمن كان في ملكه كان في قبضته، ومن كان في قبضته كان عاجزاً عن التفصي عما يريد به، لأنه الحي القيوم الذي لا إله إلا هو - كما افتتح به السورة. ولما ذكر هذا الملك العظيم وختم بشمول القدرة دل على ذلك بالتنبيه على التفكر فيه الموجب للتوحيد الذي هو المقصد الأعظم من هذه السورة الداعي إلى الإيمان الموجب للمفازة من العذاب، لأن المقصود الأعظم من إنزال القرآن تنوير القلوب بالمعرفة، وذلك لا يكون إلا بغاية التسليم، وذلك هو اتباع الملة الحنيفية، وهو متوقف على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فبدأ سبحانه وتعالى السورة بدلائل صدقه بإعجاز القرآن بكشفه - مع الإعجاز بنظمه على لسان النبي الأمي - للشبهات وبيانه للخفيات، وأظهر مكابرة أهل الكتاب، وفضحهم أتم فضيحة، فلما تم ذلك على أحسن وجه منظماً ببدائع الحكم من الترغيب والترهيب شرع في بث أنوار المعرفة بنصب دلائلها القريبة وكشف أستارها العجيبة فقال: {إن في خلق السماوات والأرض} أي على كبرهما وما فيهما من المنافع، ونبه على التغير الدال على المغير بقوله: {واختلاف الليل والنهار} أي اختلافاً هو - كما ترون - على غاية الإحكام بكونه على منهاج قويم وسير لا يكون إلا بتقدير العزيز العليم {لآيات} أي على جميع ما جاءت به الرسل عن الخالق، وزاد الحث على التفكر والتهييج إليه والإلهاب من أجله بقوله: {لأولي الألباب *} وذكر سبحانه وتعالى في أخت هذه الآية في سورة البقرة ثمانية أنواع من الأدلة واقتصر هنا على ثلاثة، لأن السالك يفتقر في ابتداء السلوك إلى كثرة الأدلة. فإذا استنار قلت حاجته إلى ذلك، وكان الإكثار من الأدلة كالحجاب الشاغل له عن استغراق القلب في لجج المعرفة، واقتصر هنا من آثار الخلق على السماوية لأناه أقهر وأبهر والعجائب فيها أكثر، وانتقال القلب منها إلى عظمته سبحانه وتعالى وكبريائه أشد وأسرع، وختم تلك بما هو لأول السلوك: العقل، وختم هذه بلبه لأنها لمن تخلص من وساوس الشيطان وشوائب هواجس الوهم المانعة من الوصول إلى حق اليقين بل علم اليقين. ولما كان كل مميز يدعي أنه في الذروة من الرشاد نعتهم بما بين من يعتد بعقله فقال: {الذين يذكرون الله} أي الذي ليس في خلقه لهما ولا لغيرهما شك، وله جميع أوصاف الكمال. ولما كان المقصود الدوام وكان قد يتجوز به عن الأكثر، عبر عنه لهذا التفصيل نفياً لاحتمال التجوز ودفعاً لدعوى العذر فقال: {قياماً وقعوداً} ولما كان أكثر الاضطجاع على الجنب قال: {وعلى جنوبهم} أي في اشتغالهم بأشغالهم وفي وقت استراحتهم وعند منامهم، فهم في غاية المراقبة. ولما بدأ من أوصافهم بما يجلو أصداء القلوب ويسكنها وينفي عنها الوساوس حتى استعدت لتجليات الحق وقبول الفيض بالفكر لانتفاء قوة الشهوة وسورة الغضب وقهرهما وضعف داعية الهوى، فزالت نزغات الشيطان ووساوسه وخطرات النفس ومغالطات الوهم قال: {ويتفكرون} أي على الأحوال. ولما كانت آيات المعرفة إما في الآفاق وإما في الأنفس، وكانت آيات الآفاق أعظم {أية : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} تفسير : [غافر: 57]. قال: {في خلق السماوات والأرض} على كبرهما واتساعهما وقوة ما فيهما من النافع لحصر الخلائق فيعلمون - بما في ذلك من الأحكام مع جري ما فيهما من الحيوان الذي خلقا لأجله على غير انتظام - أن وراء هذه الدار داراً يثبت فيها الحق وينفى الباطل ويظهر العدل ويضمحل الجور، فيقولون تضرعاً إليه وإقبالاً عليه: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {ما خلقت هذا} أي الخلق العظيم المحكم {باطلاً} أي لأجل هذه الدار التي لا تفصل فيها على ما شرعت القضايا، ولا تنصف فيها الرعاة الرعايا، بل إنما خلقته لأجل دار أخرى، يكون فيها محض العدل، ويظهر فيها الفصل. ولما كان الاقتصار على هذه الدار مع ما يشاهده من ظهور الأشرار نقصاً ظاهراً وخللاً بيناً نزهوه عنه فقالوا: {سبحانك} وفي ذلك تعليم العباد أدب الدعاء بتقديم الثناء قبله، وتنبيه على أن العبد كلما غزرت معرفتة زاد خوفه فزاد تضرعه، فإنه يحسن منه كل شيء من تعذيب الطائع وغيره، ولولا أن ذلك كذلك لكان الدعاء بدفعه عبثاً، وما أحسن ختمها حين تسبب عما مضي تيقنهم أن أمامنا داراً يظهر فيها العدل مما هو شأن كل أحد في عبيده، فيعذب فيها العاصي وينعم فيها الطائع، كما هو دأب كل ملك في رعيته بقولهم رغبة في الخلاص في تلك الدار: {فقنا عذاب النار *} على وجه جمع بين ذكر العذاب المختتم به آية محبّي المحمدة بالباطل، والنار المحذر منها في {أية : فمن زحزح عن النار} تفسير : [آل عمران: 185] ثم تعقبها بقولهم معظمين ما سألوا دفعه من العذاب ليكون موضع السؤال أعظم، فيدل على أن الداعية في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه أتم، مكررين الوصف المقتضي للإحسان مبالغة في إظهار الرغبة استمطاراً للإجابة: {ربنآ} وأكدوا مع علمهم بإحاطة علم المخاطب إعلاماًَ بأن حالهم في تقصيرهم حال من أمن النار حثاً لأنفسهم على الاجتهاد في العمل فقالوا: {إنك من تدخل النار} أي للعذاب {فقد أخزيته} أي أذللته وأهنته إهانة عظيمة بكونه ظالماً. وختمها بقوله: {وما للظالمين من أنصار *} الحاسم لطمع من يظن منهم أنه بمفازة من العذاب، وأظهر موضع الإضمار لتعليق الحكم بالوصف والتعميم. ولما ابتهلوا بهاتين الآيتين في الإنجاء عن النار توسلوا بذكر مسارعتهم إلى إجابة الداعي بقولهم {ربنآ} ولما كانت حالهم - لمعرفتهم بأنهم لا ينفكون عن تقصير وإن بالغوا في الاجتهاد، لأنه لا يستطيع أحد أن يقدر الله حق قدره - شبيهة بحال من لم يؤمن؛ اقتضى المقام التأكيد إشارة إلى هضم أنفسهم بالاعتراف بذنوبهم فقالوا مع علمهم بأن المخاطب عالم بكل شيء: {إننا} فأظهروا النون إبلاغاً في التأكيد {سمعنا منادياً} أي من قبلك، وزاد في تفخيمه بذكر ما منه النداء مقيداً بعد الإطلاق بقوله: {ينادي} قال محمد بن كعب القرظي: هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم. ولما كانت اللام تصلح للتعليل ومعنى "إلى" عبر بها فقيل: {للإيمان} ثم فسروه تفخيماً له بقولهم: {أن آمنوا بربكم} ثم أخبر بمسارعتهم إلى الإجابة بقولهم: {فآمنا} أي عقب السماع. ثم أزالوا ما ربما يظن من ميلهم إلى ربوة الإعجاب بقولهم تصريحاً بما أفهمه التأكيد لمن علمه محيط: {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} أي التي أسلفناها قبل الإيمان بأن تقبل منا الإيمان فلا تزيغ قلوبنا، فيكون جابّاً لما قبله عندك كما كان جابّاً له في ظاهر الشرع، وكذا ما فرط منا بعد الإيمان ولو كان بغير توبة، وإليه الإشارة بقولهم: {وكفر عنا سيآتنا} أي بأن توفقنا بعد تشريفك لنا بالإيمان لاجتناب الكبائر بفعل الطاعات المكفرة للصغائر {وتوفنا مع الأبرار *} أي ليس لنا سيئات. ولما كان الله سبحانه وتعالى هو المالك التام الملك، فهو ذو التصرف المطلق الذي لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء؛ أشار إلى ذلك بقوله ملقناً لهم مكرراً صفة الإحسان تنبيهاً على مزيد الابتهال والتضرع والتخضع والتخشع: {ربنا وآتنا ما وعدتنا} ثم أشار إلى صدق هذا الوعد بحرف الاستعلاء الدال على الالتزام والوجوب فقال: {على رسلك} أي من إظهار الدين والنصر على الأعداء وحسن العاقبة وإيراث الجنة في مثل قوله تعالى: {أية : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات} تفسير : [البقرة: 25] وفي الدعاء بذلك إشارة إلى أنه لا يجب على الله سبحانه وتعالى شيء ولو تقدم به وعده الصادق وإن كنا نعتقد أنه لا يبدل القوة لديه {ولا تخزنا يوم القيامة} أي بالمؤاخذة بالسيئاتن ثم أرشدهم إلى الإلهاب والتهييج مع التنبيه على ما نبه عليه أولاً من أنه لا يجب عليه شيء بقوله باسطاً لهم بلذة المنادمة بالمخاطبة: {إنك لا تخلف الميعاد}. ولما تسبب عن هذا الدعاء الإجابة لتكمل شروطه وهي استحضار عظمته تعالى بعد معرفته بالدليل وإدامة ذكره والتفكر في بدائع صنعه وافتتاحه بالثناء عليه سبحانه وتنزيهه والإخلاص في سؤاله قال: {فاستجاب} أي فأوجد الإجابة حتماً {لهم} قال الأصفهاني: وعن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات "ربنا" أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد - وقرأ هذه الآية. وأشار إلى أنها من منّه وفضله بقوله: {ربهم} أي المحسن إليهم المتفضل عليهم {أني لا أضيع عمل عامل منكم} كائناً من كان {من ذكر أو أنثى} وقوله معللاً: {بعضكم من بعض} التفات إلى قوله سبحانه {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} تفسير : [آل عمران: 59] الناظر إلى قوله {أية : ذرية بعضها من بعض} تفسير : [آل عمران: 34] المفتتح بأن الله سبحانه وتعالى {أية : اصطفى آدم ونوحاً}تفسير : [آل عمران: 33] المنادي بأن البشر كلهم في العبودية للواحد - الذي ليس كمثله شيء الحي القيوم - سواء من غير تفاوت في ذلك أصلاً، والمراد أنهم إذا كانوا مثلهم في النسب فهم مثلهم في الأجر على العمل. ولما أقر أعينهم بألإجابة، وكان قد تقدم ذكر الأنصار عموماً في قوله: {أية : ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم - وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين}تفسير : [آل عمران: 170-171] خص المهاجرين بياناً لفضلهم وزيادة شرفهم بتحقيقهم لكونهم معه، لم يأنسوا بغيره ولم يركنوا لسواه من أهل ولا مال بقوله مسبباً عن الوعد المذكور ومفصلاً ومعظماً ومبجلاً: {فالذين هاجروا} أي صدقوا إيمانهم بمفارقة أحب الناس غليهم في الدين المؤدي إلى المقاطعة وأعز البلاد عليهم. ولما كان للوطن من القلب منزل ليس لغيره نبه عليه بقوله: {وأخرجوا من ديارهم} أي وهي آثر المواطن عندهم بعد أن باعدوا أهلهم وهم أقرب الخلائق إليهم، ولما كان الأذى مكروهاً لنفسه لا بالنسبة إلى معين بنى للمفعول قوله: {وأوذوا} أي بغير ذلك من أنواع الأذى {في سبيلي} أي بسبب ديني الذي نهجته ليسلك إليّ فيه، وحكمت أنه لا وصول إلى رضائي بدونه {وقاتلوا} أي في سبيلي. ولما كان القتل نفسه هو المكروه، لا بالنسبة إلى معين؛ كان المدح على اقتحام موجباته، فبنى للمفعول قوله: {وقتلوا} أي فيه فخرجوا بذلك عن مساكن أرواحهم بعد النزوح عن منازل أشباحهم، وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أبلغ معنى، لأنها أشد ترغيباً في الإقدام على الأخصام، لأن من استقتل أقدم على الغمرات إقدام الأسد فقتل أخص منه ولم يقف أحد أمامه، فكأنه قيل: وأرادوا القتل، هذا بالنظر إلى الإنسان نفسه، ويجوز أن يكون الخطاب للمجموع فيكون المعنى: وقاتلوا بعد أن رأوا كثيراً من أصحابهم قد قتل {لأكفرن عنهم سيئاتهم} كما تقدم سؤالهم إياي في ذلك علماً منهم بأن أحداً لن يقدر على أن يقدر الله حق قدره وإن اجتهد {ولأدخلنهم} أي بفضلي {جنات تجري من تحتها الأنهار} كما سبق به الوعد {ثواباً} وهو وإن كان على أعمالهم فهو فضل منه، وعظمه بقوله: {من عند الله} أي المنعوت بالأسماء الحسنى التي منها الكرم والرحمة لأن أعمالهم لا توازي أقل نعمه {والله} أي الذي له الجلال والإكرام، ونبه على عظمة المحدث عنه بالعندية فقال: {عنده} أي في خزائن ملكوته التي هي في غاية العظمة {حسن الثواب *} أي وهو ما لا شائبة كدر فيه، لأنه شامل القدرة بخلاف غيره.
ابو السعود
تفسير : {وَللَّهِ} أي خاصةً {مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي السلطانُ القاهرُ فيهما بحيث يتصرف فيهما وفيما فيهما كيفما يشاء ويريد، إيجاداً وإعداماً إحياءً وإماتةً تعذيباً وإثابةً من غير أن يكون لغيره شائبةُ دخلٍ في شيء من ذلك بوجه من الوجوه، فالجملةُ مقرِّرة لما قبلها، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} تقريرٌ لاختصاص مُلكِ العالَمِ الجُسماني ــ المعبَّر عنه بقُطريه ــ به سبحانه وتعالى قادراً على الكل بحيث لا يشِذ من ملكوته شيءٌ من الأشياء يستدعي كونَ ما سواه كائناً ما كان مقدوراً له ومن ضرورته اختصاصُ القدرةِ به تعالى واستحالةُ أن يشاركه شيءٌ من الأشياء في القُدرة على شيء من الأشياء فضلاً عن المشاركة في ملك السمواتِ والأرضِ، وفيه تقريرٌ لما مر من ثبوت العذابِ الأليمِ لهم وعدمِ نجاتِهم منه. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لتربـية المهابةِ والإشعارِ بمناطِ الحكَمِ، فإن شمولَ القدرةِ لجميع الأشياءِ من أحكام الألوهيةِ مع ما فيه من الإشعار باستقلال كلٍّ من الجملتين بالتقرير. {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} جملةٌ مستأنفة سيقت لتقرير ما سبق من اختصاصه تعالى بالسلطان القاهرِ والقُدرة التامةِ صُدِّرت بكلمة التأكيدِ اعتناءً بتحقيق مضمونِها أي في إنشائها على ما هي عليه في ذواتها وصفاتِها من الأمور التي يَحار في فهم أجلاها العقولُ {وٱلأَرْضِ} على ما هي عليه ذاتاً وصفةً {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي في تعاقُبهما في وجه الأرضِ وكونِ كلَ منهما خِلْفةً للآخر بحسَب طلوعِ الشمسِ وغروبِها التابعَين لحركات السمواتِ وسكونِ الأرض، أو في تفاوتهما بازدياد كلَ منهما بانتقاص الآخرِ وانتقاصِه بازدياده، باختلاف حالِ الشمسِ بالنسبة إلينا قُرباً وبُعداً بحسب الأزمنةِ أو في اختلافهما وتفاوتِهما بحسب الأمكنةِ، أما في الطول والقِصَر فإن البلادَ القريبةَ من القُطب الشماليِّ أيامُها الصيفيةُ أطولُ ولياليها الصيفيةُ أقصرُ من أيام البلادِ البعيدةِ منه ولياليها، وأما في أنفسها فإن كرويةَ الأرضِ تقتضي أن يكون بعضُ الأماكنِ ليلاً وفي مقابله نهاراً وفي بعضها صباحاً وفي بعضها ظهراً أو عصراً أو غيرَ ذلك. والليلُ قيل: إنه اسمُ جنسٍ يُفرَّق بـين واحدِه وجمعِه بالتاء كتمْر وتمرةٍ، والليالي جمعُ جمعٍ والصحيحُ أنه مفردٌ ولا يُحفظ له جمعٌ، والليالي جمعُ ليلةٍ وهو جمعٌ غريبٌ كأنهم توهموا أنها ليلاةٌ كما في كَيْكة وكياكي كأنها جمعُ كيكاة، والنهارُ اسمٌ لما بـين طلوعِ الفجرِ وغروبِ الشمسِ قاله الراغب، وقال ابن فارس: هو ضياءُ ما بـينهما، وتقديمُ الليلِ على النهار إما لأنه الأصل فإن غُررَ الشهورِ تظهر في الليالي، وإما لتقدمه في الخلفية حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ}تفسير : [يس، الآية 37] أي نزيلُه منه فيخلُفه {لاَيَاتٍ} اسمُ إن دخلته اللامُ لتأخُّره عن خبرها، والتنكيرُ للتفخيم كماً وكيفاً أي لآياتٍ كثيرةً عظيمةً لا يُقادر قدرُها دالةٌ على تعاجيب شؤونِه التي من جُملتها ما مر من اختصاص المُلكِ العظيمِ والقدرةُ التامةُ به سبحانه. وعدمُ التعرضِ لما ذُكر في سورة البقرة من الفُلك والمطرِ وتصريفِ الرياحِ والسحابِ لما أن المقصودَ هٰهنا بـيانُ استبدادِه تعالى بما ذُكر من المُلك والقدرةِ فاكتُفي بمعظم الشواهدِ الدالةِ على ذلك، وأما هناك فقد قُصِد في ضمن بـيانِ اختصاصِه تعالى بالألوهية بـيانُ اتصافِه تعالى بالرحمة الواسعةِ فنُظمت دلائلُ الفضلِ والرحمةِ في سلك دلائلِ التوحيدِ فإن ما فصل هناك [هو] من آيات رحمتِه تعالى كما أنه من آيات ألوهيتِه ووحدتِه. {لأِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} أي لذوي العقول المجلُوَّة الخالصةِ عن شوائب الحسِّ والوهمِ المتجرِّدَين عن العلائق النفسانيةِ المتخلّصين من العوائق الظُلمانيةِ، المتأملين في أحوال الحقائقِ وأحكامِ النعوتِ، المراقبـين في أطوار الملكِ وأسرارِ الملكوتِ، المتفكرين في بدائع صنائعِ الملِكِ الخلاق، المتدبرين في روائع حُكمِه المودَعةِ في الأنفس والآفاق، الناظرين إلى العالم بعين الاعتبارِ والشهودِ، المتفحّصين عن حقيقة سرِّ الحقِّ في كل موجود، المثابرين على مراقبته وذِكراه غيرَ ملتفتين إلى شيء مما سواه إلا من حيث إنه مرآةٌ لمشاهدة جمالِه وآلةٌ لملاحظة صفاتِ كمالِه، فإن كلَّ ما ظهر في مظاهر الإبداعِ وحضر محاضِرَ التكوينِ والاختراع سبـيلٌ سوِيّ إلى عالم التوحيد ودليلٌ قوي على الصانع المجيدِ ناطقٌ بآيات قدرتِه، فهل من سامع واعٍ ومخبِرٍ بأنباء علمِه وحكمتِه فهل له من داعٍ يكلم الناسَ على قدر عقولِهم ويرُدّ جوابَهم بحسب مقولِهم، يحاور تارة بأوضح عبارةٍ ويلوّح أخرى بألطفِ إشارةٍ مراعياً في الحوار إبهامَهم وتصريحَهم: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } تفسير : [الإسراء، الآية 44] فتأمل في هذه الشؤونِ والأسرارِ إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار. عن عائشة رضي الله عنها أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : "هل لك يا عائشةُ أن تأذني لي الليلةَ في عبادة ربـي؟" فقلت: يا رسولَ الله إني لأُحِبُّ قُربَك وأحِبُّ هواك قد أذِنت لك، فقام إلى قِربة من ماء في البـيت فتوضأ ولم يُكثر من صب الماءِ ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموعُ حِقْوَيه ثم جلس فحمِد الله تعالى وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعَه قد بلت الأرضَ فأتاه بلالٌ يؤْذِنه بصلاة الغداةِ فرآه يبكي فقال له: يا رسولَ الله أتبكي وقد غفَر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "يا بلال أفلا أكونُ عبداً شكوراً؟"ثم قال: "ومالي لا أبكي وقد أنزل الله تعالى علي هذه الليلةِ {إن في خلق السموات والأرض}؟" الخ، ثم قال: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها"»تفسير : وروي: «حديث : ويلٌ لمن لاكها بـين فكّيه ولم يتأملْها» تفسير : وعن علي رضي الله عنه أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: "إن في خلق السمٰواتِ والأرض" الخ.
القشيري
تفسير : الإشارة من هذا الآية ها هنا إلى غناه - سبحانه - عمَّا في الكون، وكيف يحتاج إليهم؟! ولكنهم لا يجدون عنه خَلَفاً، ولا عليه بَدَلاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولله} اى خاصة {ملك السموات والارض} اى السلطان القاهر فيهما بحيث يتصرف فيهما وفيما فيهما كيف يشاء ويريد ايجادا واعداما احياء واماتة تعذيبا واثابة من غير ان يكون لغيره شائبة دخل فى شىء من ذلك بوجه من الوجوه وهو يملك امرهم ويعذبهم بما فعلوا لا يخرجون عن قبضة قدرته ولا ينجون من عذابه يأخذهم متى شاء {والله على كل شىء قدير} فيقدر على عقابهم وكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا المالك القادر ـ روى ـ انه عليه السلام سأل اليهود عن شىء مما فى بالتوراة فاخبروه بخلاف ما كان فيه واروه انهم قد صدقوا وفرحوا بما فعلوا فنزلت وقيل هم المنافقون كافة وهو الانسب بظاهر قوله تعالى {أية : ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} تفسير : [آل عمران: 188]. فانهم كانوا يفرحون بما فعلوه من اظهار الايمان وقلوبهم مطمئنة بالكفر ويستحمدون الى المسلمين بالايمان وهم عن فعله بالف منزل وكانوا يظهرون محبة المؤمنين وهم فى الغاية القاصية من العداوة والاولى اجراء الموصول على عمومه شاملا لكل من يأتى بشىء من الحسنات فيفرح به فرح اعجاب ويود ان يمدحه الناس بما هو عار من الفضائل من يأتى بشىء من الحسنات فيفرح به فرع اعجاب ويود ان يمدحه بما هو عار من الفضائل وانواع البر وكون السبب خاصا لا يقدح فى عمومية حكم الآية. واعلم ان الفرح بمتاع الدنيا وحب مدح الناس من صفات ارباب النفس الامارة المغرورين بالحياة الدنيا وتمويهات الشيطان المحجوبين عن السعادات الاخروية والقربات المعنوية. قال الامام فى تفسيره وانت اذا انصفت عرفت ان احوال اكثر الخلق كذلك فانهم يأتون بجميع وجوه الحيل فى تحصيل الدنيا ويفرحون بوجدان مطلوبهم ثم يحبون ان يحمدوا بانهم من اهل العفاف والصدق والدين شعر : اى برادر ازتو بهتر هيج كس نشناسدت زانجه هستى يك سرمو خويش را افزون منه كرفزون از قد رتو بشناسدت تابخردى قدر خود بشناس وباى ازحد خود بيرون منه تفسير : فعلى العاقل ان لا يتعدى طوره ولا يفرح بما ليس فيه فانه لا يغنى عنه شيأ. قال بعض المشايخ الناس يمدحونك لما يظنون فيك من الخير والصلاح اعتبارا بما يظهر من ستر الله عليك فكن انت ذاما لنفسك لما تعلمه منها من القبائح والمؤمن اذا مدح استحيى من الله ان يثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه واجهل الناس من يترك اليقين ما عنده من صفات نفسه التى لا شك فيها لظن ما عند الناس من صلاحية حاله. قال الحارث بن المحاسبى رحمه الله الراضى بالمدح بالباطل كمن يهزأ به ويقال ان العذرة التى تخرج من جوفك لها رائحة كرائحة المسك ويفرح بذلك ويرضى بالسخرية شعر : بحبل ستايش فراجه مشو جو حاتم اصم باش وعيبت شنو تفسير : يعنى لا تغتر بالمدح حتى لا تقع فى بئر الهلاك وكن كالشيخ حاتم الاصم صورة فان الخلق اذا ظنوك يتكلمون فى حقك ما لا ترضى به من القول لو سمعت فأذن تسمع عيوبك منهم وفى ذلك فائدة عظيمة لك لان المرء اذا عرف عيبه يجتهد فى قمعه والتحلى بالاوصاف الجميلة والعارف هو الذى يستوى قلبه فى المدح والذم لا ينقبض من الذم ولا ينبسط من المدح وكيف ينبسط بما يتحقق به مما يقوله الخلق من هو اعرف بحال نفسه وان انبسط فهو المغرور والمدعى هو الذى يرى نفسه صادقا فى الاحوال والمعاملات وكل الحالات كأنه لا يتعرض لشىء من الدنيا اصلا وحاله شاهدة عليه فى هذا الباب فان المرء له محك فى اقواله وافعاله واحواله قال عليه السلام "حديث : انما مثل صاحب الدنيا كمثل الماشى فى الماء " .تفسير : هل يستطيع الذى يمشى فى الماء ان لا تبل قدماه فمن هذا يعرف جهالة الذين يزعمون انهم يخوضون فى نعيم الدنيا بابدانهم وقلوبهم عنها مطهرة وعلائقها عن بواطنهم منقطعة وذلك مكيدة الشيطان بل هم لو اخرجوا مما هم فيه لكانوا اعظم المتفجعين بفراقها فكما ان المشى فى الماء يقتضى بللا لا محالة يلتصق بالقدم فكذلك ملابسة الدنيا تقتضى علاقة وظلمة فى القلب بل علاقة القلب مع الدنيا تمنع حلاوة العبادة. قال الشيخ ابو عبد الله القرشى رحمه الله شكا بعض الناس لرجل من الصالحين انه لا يعمل البر ولا يجد حلاوته فى القلب فقال لان عندك ابنة ابليس فى قلبك وهى الدنيا ولا بد للاب ان يزور ابنته فى بيتها وهو قلبك ولا يؤثر دخوله الا فسادا قال الله تعالى [يا داود ان كنت تحبنى فاخرج حب الدنيا من قلبك فان حبى وحبها لا يجتمعان فى قلب ابدا]. وروى ان عيسى عليه السلام قال لاصحابه لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم قالوا ومن الموتى قال الراغبون فى الدنيا المحبون لها شعر : برمرد هشيار دنيا خسست كه هرمدتى جاى ديكر كسست منه برجهان دل كه بيكانه ايست جو مطرب كه هروزدر خانه ايست نه لايق بود عشق بادلبرى كه هر بامدادش بود شو هرى تفسير : عصمنا الله واياكم.
الطوسي
تفسير : معنى الآية الاخبار من الله تعالى بأنه مالك ما في السماوات، وما في الارض بمعنى أنه يملك تدبيرهما، وتصريفهما على ما شاء من جميع الوجوه ليس لغيره الاعتراض عليه في ذلك وانه المقتدر على جميع ذلك {وهو على كل شيء قدير}، وفى الآية تكذيب لمن قال: {أية : إن الله فقير ونحن أغنياء } تفسير : لأن من ملك ما في السماوات والارض لا يكون فقيراً. وفي قوله: {والله على كل شيء قدير} تنبيه على أنه قادر على إهلاك من يقول هذا القول جهلا منه وعناداً، لكنه يحلم عنه ويؤخر عذابه لضرب من المصلحة وقوله: {على كل شيء قدير} خرج مخرج المبالغة، وهو أخص من قوله: {بكل شيء عليم} لأن أفعال العباد لا توصف بالقدرة عليها، وفرق الرماني بين أن يقال هو قادر على أفعال العباد، وبين قادر على فعلهم، فقال قادر عليها يحتمل ما لا يحتمل قادر على فعلهم، لأنه يفيد أنه قادر على تصريفه كما يقولون فلان قادر على هذا الحجر أي قادر على رفعه، ووضعه، وفلان قادر على نفسه أي قادر على ضبطها، ومنعها مما تنازع إليه، فعلى هذا جائز أن يقال انه قادر على أفعال العباد بمعنى أنه قادرعلى المنع منها، والتمكين منها دون ما يستحيل من القدرة على ايجادها.
الجنابذي
تفسير : {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ} اى سماوات الارواح {وَٱلأَرْضِ} اى ارض الاشباح النّورانيّة والظّلمانيّة فانّ كلّما كان فيه جهة الفاعليّة اظهر وجهة القبول اخفى كان باسم السّماء اجدر، وما كان بالعكس فباسم الارض احرى، والجملة امّا حال عن فاعل اشتروا به ثمناً قليلاً او عطف عليه، وجملة لا تحسبنّ الّذين يفرحون (الى آخرها) معترضة والمعنى انّهم انحرفوا عن الله واشتروا بميثاقه ثمناً قليلاً من اعراض الدّنيا والحال انّ لله ملك السّماوات والارض فمن انحرف عنه لطلب ما فى ملكه كان مخطئاً فى طلبه لانّه من كان يريد حرث الدّنيا فعند الله حرث الدّنيا والآخرة {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيقدر على اعطاء ما يشترون بالميثاق من دون الاشتراء ويقدر على اتلاف ما يشترون بميثاقه.
اطفيش
تفسير : {وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}: حقيقة إذ خلقهن وما فيهما، ويتصرف فيهن، وما فيهن بما شاء، فكيف يكون فقيراً وغيره غنياً! {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}: فهو قادر على تعذيب الكافر وإثابة المحسن.
اطفيش
تفسير : {وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ} فهو يملك أمرهما وما فيهما من خزائن المطر والرزق والنبات، ويملك أمر الخلق فبطل قولهم، إن الله فقير {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} يقبض ويبسط، ويعاقب الكفرة، قالت قريش لليهود: ما كان فيكم موسى؟ قالوا: له عصاة ويده بيضاء للناظرين، وقالوا للنصارى: ما كان فيكم عيسى؟ قالوا: يبرىء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى، فقالوا له صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فدعا ربه فنزل قوله تعالى: {إنَّ فِى خَلْقِ السَّمَٰوَٰتِ} وما فيها من النيرات السبعة، قال صلى الله عليه وسلم فى الآية هذه: حديث : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيهاتفسير : ، ورآه صلى الله عليه وسلم ابن عباس إذ بات عند خالته ميمونة، قام فى نصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، فمسح النوم عن وجهه بيديه، ثم قرأ العشر الأواخر من آل عمران، وكذلك كان يقوم من الليل، ويتسوك، وينظر إلى السماء، ويقرأ، إن فى خلق السماوات الآية {وَالأَرْضِ} وما فيها من مياه وأشجار وجبال {وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} المجىء، والذهاب، والنور، والظلمة، والنقصان، والزيادة فى غير يومى الاعتدال والحر والبرد يبرد الليل ويحر النهار احياناً والسماوات والأرض ساكنات، والكواكب والشمس والقمر متحركات فى أفلاك غير السماوات، أو فى غير أفلاك قال ابن العربى: كل سماء وأرض أكبر مما تحته وقبة عليه {لأَيَآتِ} دلائل على وجود الله وقدرته ومخالفته للخلق بصفاته وأقواله وأفعاله وذاته، قال ابن عباس: سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فنزلت هذه الآية، والآيات والألباب من جموع القلة استعملا فى الكثرة، إلا أن أل للحقيقة، وحكمة آيات بصورة القلة الإشارة إلى أن ما خفى من الآيات كثير {لأُولِى الأَلْبَآبِ} العقول الخالصة، وذكر الله ثلاثة دلائل، سماويا بقوله السماوات، وأرضيا بقوله والأرض، ومركبا منهما واختلاف الخ، لأنه يتحقق الاختلاف بدوران الشمس على الأرض، ولا قادر على ذلك إلا هو فعلمنا أنه هو الإله والمخلوقات متضادة طبعا كالحر والبرد والرطوبة واليبوسة، ومع ذلك جعلت كالمتماثلات فى اتصال بعض ببعض الانتفاع، فعلمنا أنه حكيم عليم لا إله إلا هو، وأنه لا يعبث، فخلق السماوات والأرض لحكمة، كاستدلال الناس ومنافعهم، ينادى يوم القيامة أين أولو الألباب، فيقال: أيهم، فيقال الذين يذكرون الله الخ.
الالوسي
تفسير : {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } تقرير لما قبله حيث أفاد أن لله وحده السلطان القاهر في جميع العالم يتصرف فيه كيفما يشاء ويختار إيجاداً وإعداماً إحياءاً وإماتة تعذيباً وإثابة، ومن هو كذلك فهو مالك أمرهم لا راد له عما أراد بهم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تقرير إثر تقرير والإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة مع الإشعار بمناط الحكم فإن شمول القدرة لجميع الأشياء من أحكام الألوهية والرمز إلى استقلال كل من الجملتين بالتقرير، وقيل: مجموع الجملتين مسوق لرد قول اليهود السابق {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } تفسير : [آل عمران: 181] وضعف بالبعد ـ ولو قيل ـ وفيه ردّ لهان الأمر. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {وَلاَ يَحْزُنكَ } لتوقع الضرر، أو لشدة الغيرة {ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ } لحجابهم الأصلي وظلمتهم الذاتية {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } فإن ساحة الكبرياء مقدسة عن هجوم ظلال الضلال، أو المراد لن يضروك أيها المظهر الأعظم إلا أنه تعالى أقام نفسه تعالى مقام نفسه صلى الله عليه وسلم، وفي الآية إشارة إلى الفرق والجمع {يُرِيدُ ٱللَّهُ } إظهاراً لصفة قهره {أية : ألا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى ٱلأَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } تفسير : [آل عمران: 176] لعظم حجابهم ونظرهم إلى الأغيار {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ } وأخذوه {بِٱلإِيمَانِ} بدله لقبح استعدادهم وسوء اختيارهم الغير المجعول {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } ولكن يضرون أنفسهم لحرمانها تجلي الجمال {أية : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } تفسير : [آل عمران: 177] لكونهم غدوا بذلك مظهر الجلال {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ} ونزيد في مددهم {خَيْرٌ لأَِنفُسِهِمْ} ينتفعون به في القرب إلينا {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً}بسبب ذلك لازديادهم حجاباً على حجاب وبعداً على بعد {أية : وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }تفسير : [آل عمران: 178] لفرط بعدهم عن منبع العز {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } من ظاهر الإسلام وتصديق اللسان {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ } من صفات النفس وحظوظ الشيطان ودواعي الهوى {مِنَ ٱلطَّيّبِ } وهو صفات القلب كالإخلاص، واليقين، والمكاشفة، ومشاهدة الروح، ومناغاة السر ومسامراته، وذلك بوقوع الفتن والمصائب بينكم {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ } أي غيب وجودكم من الحقائق الكامنة فيكم بلا واسطة الرسول للبعد وعدم المناسبة وانتفاء استعداد التلقي منه سبحانه {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } فيطلعه على ذلك ويهديكم إلى ما غاب عنكم من كنوز وجودكم وأسراره للجنسية التي بينكم وبينه { فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } بالتصديق والتمسك بالشريعة ليمكنكم التلقي منهم {وَإِن تُؤْمِنُواْ } بعد ذلك الإيمان الحقيقي الحاصل بالسلوك والمتابعة في الطريقة {وَتَتَّقُواْ } الحجب والموانع {أية : فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }تفسير : [آل عمران: 179] من كشف الحقيقة، وقد يقال: إن لله تعالى غيوباً، غيب الظاهر، وغيب الباطن وغيب الغيب، وسر الغيب، وغيب السر، فغيب الظاهر هو ما أخبر به سبحانه عن أمر الآخرة، وغيب الباطن هو غيب المقدورات المكنونة عن قلوب الأغيار، وغيب الغيب هو سر الصفات في الأفعال، وسر الغيب هو نور الذات في الصفة، وغيب السر هو غيب القدم وسر الحقيقة والإطلاع بالواسطة على ما عدا الأخير واقع للسالكين على حسب مراتبهم، وأما الاطلاع على الأخير فغير واقع لأحد أصلاً فإن الأزلية منزهة عن الإدراك وخاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك المعنى رؤيته بنعت الكشف له وابتسام صباح الأزل في وجهه لا بنعت الإحاطة والإدراك {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } من المال، أو العلم، أو القدرة، أو النفس فلا ينفقونه في سبيل الله على المستحقين، أو المستعدين، أو الأنبياء، والصديقين في الذب عنهم، أو في الفناء في الله تعالى {هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ } لاحتجابهم به {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } ويلزمون وباله ويبقى ذلك حسرة في قلوبهم عند هلاكهم على ما يشير قوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [آل عمران: 180] وقد ذكر بعض العارفين إن من أعظم أنواع البخل كتم الأسرار عن أهلها وعدم إظهار مواهب الله تعالى على المريدين وإبقائهم في مهامه الطريق مع التمكن من إرشادهم ويقال: إن مبنى الطريق على السخاء وإن السخاء بالمال وصف المريدين، والسخاء بالنفس وصف المحبين، وبالروح وصف العارفين. وقال ابن عطاء: السخاء بذل النفس والسر والروح والكل، ومن بخل في طريق الحق بماله حجب وبقي / معه، ومن نظر إلى الغير حرم فوائد الحق وسواطع أنوار القرب {أية : لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء }تفسير : [آل عمران: 181] وهم اليهود حيث سمعوا الاستقراض ولم يفهموا سره فوقعوا فيما وقعوا وقالوا ما قالوا، وهذا القول إنما يجر إليه الطغيان وغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى على النفس الأمارة فتطلب حينئذ الارتداء برداء الربوبية، ومن هنا تقول: (أنا ربكم الأعلى) أحياناً مع حجابها وبعدها عن الحضرة {ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ } قيل: إنه روي أن أنبياء بني إسرائيل كانت معجزتهم أن يأتوا بقربان فيدعوا الله تعالى فتأتي نار من السماء فتأكله، وتأويله أن يأتوا بنفوسهم يتقربون بها إلى الله تعالى ويدعون بالزهد والعبادة فتأتي نار العشق من سماء الروح فتأكله وتفنيه في الوحدة وبعد ذلك تصح نبوتهم وتظهر فلما سمع بذلك عوام بني إسرائيل اعتقدوا ظاهره الممكن في عالم القدرة فاقترحوا على كل نبـي تلك الآية إلى أن جاء نبينا صلى الله عليه وسلم فاقترحوا عليه ونقل الله تعالى ذلك لنا ورده عليهم، وأولى من هذا في باب التأويل أن يهود صفات النفس البهيمية والشيطانية قالوا لرسول الخاطر الرحماني والإلهام الرباني لا ننقاد لك {حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ } هو الدنيا وما فيها تجعلها نسيكة لله عز وجل فتأكلها نار المحبة {قُلْ } يا وارد الحق {قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى } أي واردات الحق {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالحجج الباهرة {وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ } وهو جعل الدنيا وما فيها قرباناً {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } أي غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم تبقوا أثراً لتلك الواردات {أية : إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [آل عمران: 183] في أنكم تؤمنون لمن يأتيكم بذلك {فَإِن كَذَّبُوكَ } خطاب للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم {فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ جَاءوا بِٱلْبَيّنَـٰتِ } للعوام {وَٱلزُّبُرِ } للمتوسطين {أية : وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ }تفسير : [آل عمران: 184] للخواص، ويحتمل أن يكون الأول: إشارة إلى توحيد الأفعال والثاني: إلى توحيد الصفات، والثالث: إلى توحيد الذات المشار إليه بقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }تفسير : [النور: 35] ولهذا أتى بالكتاب مفرداً ووصفه بالمنير، وجوز أن يكون الخطاب للوارد الرحماني والرسل إشارة إلى الواردات المختلفة المتنوعة {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } حكم شامل لجميع الأنفس مجردة كانت أو بسيطة بحمل الموت على ما يشمل الموت الطبيعي والفناء في الله سبحانه وتعالى {ثُمَّ تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } على اختلافها {يوم القيامة فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ } أي نار الحجاب أو ما يعمها والنار المعروفة {وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ } المتنوعة إلى ما قدمناه غير مرة، أو الجنة بالمعنى الأعم {فَقَدْ فَازَ وَما ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا } ولذاتها الفانية {أية : إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ }تفسير : [آل عمران: 185] لأنها الحجاب الأعظم لمن نظر إليها من حيث هي {لَتُبْلَوُنَّ } لتختبرن {فِيۤ أَمْوَالِكُمْ} بإيجاب إنفاقها مع ميلكم إليها {وأنفسكم} بتعريضها لما يكاد يجر إلى إتلافها مع حبكم لها. وقال بعض العارفين: إن الله تعالى أظهر النفس وزينها بكسوة الربوبية وملأها باللطف والقهر وكساها زينة الملك من الأموال ابتلاءاً وامتحاناً فمن نظر إلى نفسه بعين زينة الربوبية فنيت نفسه فيها ونطق لسان الربوبية منه وصار كشجرة موسى عليه السلام حيث نطق الحق منها وذلك مثل الحلاج القائل: أنا الحق، ومن نظر إلى زينة الأموال التي هي زينة الملك صار حاله كحال سليمان عليه السلام حيث كان ينظر إلى عظم جلال المولى من خلال تلك الزينة، ومن نظر إلى نفسه من حيث أنها نفسه واغتر بالسراب ولم يحقق بالذوق ما عنده صار حاله كحال فرعون إذ نادى {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النازعات: 24]، ومن نظر إلى خضرة الدنيا وحسا كأس شهواتها وسكر بها صار كبلعام {أية : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث }تفسير : [الأعراف: 176] وهذا وجه الابتلاء بالأموال والأنفس، وأي ابتلاء أعظم من رؤية الملك ورؤية الربوبية في الكون الذي هو محل الالتباس {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ / أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } وهم أهل مقام الجمع {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } وهم أهل الكثرة {أَذًى كَثِيراً } لنطقهم بما يخالف مشربكم والخطاب للمتوسطين من السالكين فإنهم ينكرون على أهل مقام الجمع وعلى أهل الكثرة جميعاً ما داموا غير واصلين إلى توحيد الذات وغير كارعين من بحار الفرق بعد الجمع {وَأَن تَصْبِرُواْ } على مجاهدة أنفسكم {وَتَتَّقُواْ } النظر إلى الأغيار {أية : فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } تفسير : [آل عمران: 186] أي من الأمور المطلوبة التي تجرّ إلى المقصود والفوز بالمطلوب {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } الظاهر هنا عدم صحة إرادة المعنى الذي أريد {أية : مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [آل عمران: 186] آنفاً ومن حمله عليه تكلف جداً فلعله باق على ظاهره أو أنه إشارة إلى العلماء مطلقاً وضمير {أية : فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 187] الخ راجع إليهم باعتبار البعض فتدبر و {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ } أي يعجبون بما فعلوا من طاعة ويحجبون برؤيته {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ } أي يحمدهم الناس فهم محجوبون بغرض الحمد والثناء من الناس، أو أن يكونوا محمودين عند الله {بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } بل فعله الله تعالى على أيديهم إذ لا فعل حقيقة إلا لله تعالى {أية : فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }تفسير : [آل عمران: 188] وهو عذاب الحرمان والحجاب {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } ليس لأحد فيهما شيء وهو المتصرف فيهما وفيما اشتملتا عليه فكيف يعجب من ظهر على يده فعل بما ظهر {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } [آل عمران: 189] لا يقدر سواه على فعل ما حتى يحجب برؤيته.
ابن عاشور
تفسير : تذييل بوعيد يدلّ على أنّ الله لا يخفى عليه ما يكتمون من خلائقهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (189) - لاَ تَحْزَنُوا يَا أيُّهَا المُؤْمِنُونَ، وَلاَ تَضْعُفُوا، وَبَيِّنُوا الحَقَّ، وَلاَ تَكْتُمُوا مِنْهُ شَيْئاً، وَلا تَشْتَروا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً، وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا عَمِلْتُمْ، فَإنَّ اللهَ يَكْفِيكُم مَا أهَمَّكُمْ وَأغَمَّكُمْ، وَيُغْنِيكُمْ عَنْ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ التِي نُهِيتُمْ عَنْهَا، لأنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ، يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَادِرٌ، لاَ يَعِزُّ عَلَيهِ نَصْرُكُمْ عَلَى مَنْ يُؤْذِيكُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَمِنْ أهْلِ الكِتَابِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنه سبحانه حكم فيما يملك ولا أحد يستطيع أن يخرج من ملكه، وما دام لله ملك السماوات والأرض، فحين يقول: {أية : فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [آل عمران: 188] فهذا الوعيد سيتحقق؛ لأن أحداً لا يفلت منه، ولذلك يقول أهل الكشف وأهل اللماحية وأهل الفيض: اجعل طاعتك لمَنْ لا تستغني عنه، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل خضوعك لمَنْ لا تخرج عن ملكه وسلطانه. إذن فـ {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [آل عمران: 189] تدل على أن الله حين يوعد فهو - سبحانه - قادر على إنفاذ ما أوعد به، ولن يفلت أحد منه أبداً. وهذه تؤكد المعنى. فإذا ما سُرّ أعداء الدين في فورة توهم الفوز فالمؤمن يفطن إلى النهاية وماذا ستكون؟ ولذلك تجد أن الحق سبحانه وتعالى قال: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5]. وهذه السورة قد نزلت في عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت هذه السورة دليلاً من أدلة الإيمان بصدق الرسول في البلاغ عن الله، لأن أبا لهب كان كافراً، وكان هناك كفرة كثيرون سواه، ألم يكن عمر بن الخطاب منهم؟ ألم يكن خالد بن الوليد منهم؟ ألم يكن عكرمة بن أبي جهل منهم؟ ألم يكن صفوان منهم؟ كل هؤلاء كانوا كفاراً وآمنوا، فمن الذي كان يدري محمداً صلى الله عليه وسلم أنه بعد أن يقول: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5] مَنْ كان يدري محمداً بعد أن يقول هذا ويكون قرآناً يُتلى ويحفظه الكثير من المؤمنين، وبعد ذلك كله مَنْ كان يدريه أن أبا لهب يأتي ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقد يضيف: إن كان محمد يقول: إنني سأصلى ناراً ذات لهب فهأنذا قد آمنت، مَنْ كان يدريه أنه لن يفعل، مثلما فعل ابن الخطاب، وكما فعل عمرو بن العاص. إن الذي أخبر محمداً يعلم أن أبا لهب لن يختار الإيمان أبداً، فيسجلها القرآن على نفسه، وبعد ذلك يموت أبو لهب كافراً. وكأن الله يريد أن يؤكد هذا فيوضح لك: إياك أن تظن أن ذلك الوعيد يتخلف؛ لأنى أنا "أحد صمد"، ولا أحد يعارضني في هذا الحكم؛ لذلك يقول في سورة الإخلاص: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ } تفسير : [الإخلاص: 1-2]. فما دام {أية : هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] فيكون ما قاله أولاً لن ينقضه إله آخر، وستظل قولته دائمة أبداً. إذن فقول الحق سبحانه بعد قوله: {أية : فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [آل عمران: 188]، {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [آل عمران: 189] يوضح لنا أنه قد ضم هذا الوعد إلى تلك الحقيقة الإيمانية الجديدة: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [آل عمران: 189] وجاء بالقوسين؛ لأن السماء تُظِل، والأرض تُقِل، فكل منا محصور بين مملوكين لله، وما دام كل منا محصوراً بين مملوكين لله، فأين تذهبون؟ {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [آل عمران: 189] وقد يكون هناك المَلِك الذي لا قدرة له أن يحكم، فيوضح سبحانه؛ لا، إن لله المُلْكَ وله القدرة. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 189] ثم يأتي بعد ذلك إلى تصور إيماني آخر ليحققه في النفوس بعد المقدمات التي أثبتت صدق الله فيما قال بواقع الحياة: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: هو المالك للسماوات والأرض وما فيهما، من سائر أصناف الخلق، المتصرف فيهم بكمال القدرة، وبديع الصنعة، فلا يمتنع عليه منهم أحد، ولا يعجزه أحد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):