٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
190
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح عن الاشتغال بالخلق الى الاستغراق في معرفة الحق، فلما طال الكلام في تقرير الأحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد الى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والإلهية والكبرياء والجلال، فذكر هذه الآية. قال ابن عمر: قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثم قال لي: يا عائشة هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي، فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب مرادك قد أذنت لك. فقام الى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي، فقرأ من القرآن وجعل يبكي، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي، فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: حديث : يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا تفسير : ، ثم قال: حديث : ما لي لا أبكي وقد أنزل الله في هذه الليلة: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }تفسير : ثم قال: حديث : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيهاتفسير : . وروي: ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل فيها. وعن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر الى السماء ويقول: إن في خلق السموات والأرض. وحكى أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة. فعبدها فتى من فتيانهم فما أظلته السحابة، فقالت له أمه: لعل فرطة صدرت منك في مدتك، قال: ما أذكر، قالت: لعلك نظرة مرة الى السماء ولم تعتبر قال نعم، قالت: فما أتيت إلا من ذلك. واعلم أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة البقرة، وذكرها هنا أيضا، وختم هذه الآية في سورة البقرة بقوله: {أية : لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } تفسير : [البقرة: 164] وختمها ههنا بقوله: {لأَيَـٰتٍ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } وذكر في سورة البقرة مع هذه الدلائل الثلاثة خمسة أنواع أخرى، حتى كان المجموع ثمانية أنواع من الدلائل، وههنا اكتفى بذكر هذه الأنواع الثلاثة: وهي السموات والأرض، والليل والنهار، فهذه أسئلة ثلاثة: السؤال الأول: ما الفائدة في إعادة الآية الواحدة باللفظ الواحد في سورتين؟ والسؤال الثاني: لم اكتفى ههنا باعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف الخمسة الباقية؟ والسؤال الثالث: لم قال هناك: {أية : لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } تفسير : [البقرة: 164] وقال ههنا: {لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ }. فأقول والله أعلم بأسرار كتابه: إن سويداء البصيرة تجري مجرى سواد البصر فكما أن سواد البصر لا يقدر أن يستقصي في النظر إلى شيئين، بل إذا حدق بصره نحو شيء تعذر عليه في تلك الحالة تحديق البصر نحو شيء آخر، فكذلك ههنا إذا حدق الانسان حدقة عقله نحو ملاحظة معقول امتنع عليه في تلك الحالة تحديق حدقة العقل نحو معقول آخر، فعلى هذا كلما كان اشتغال العقل بالالتفات إلى المعقولات المختلفة أكثر، كان حرمانه عن الاستقصاء في تلك التعقلات والادراكات أكثر، فعلى هذا: السالك إلى الله لا بد له في أول الأمر من تكثير الدلائل، فإذا استنار القلب بنور معرفة الله صار اشتغاله بتلك الدلائل كالحجاب له عن استغراق القلب في معرفة الله، فالسالك في أول أمره كان طالباً لتكثير الدلائل، فعند وقوع هذا النور في القلب يصير طالباً لتقليل الدلائل، حتى إذا زالت الظلمة المتولدة من اشتغال القلب بغير الله كمل فيه تجلى أنوار معرفة الله، وإليه الإشارة بقوله: {أية : فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى } تفسير : [طه: 12] والنعلان هما المقدمتان اللتان بهما يتوصل العقل إلى المعرفة فلما وصل إلى المعرفة أمر بخلعهما، وقيل له: إنك تريد أن تضع قدميك في وادي قدس الوحدانية فاترك الاشتغال بالدلائل. إذا عرفت هذه القاعدة، فذكر في سورة البقرة ثمانية أنواع من الدلائل، ثم أعاد في هذه السورة ثلاثة أنواع منها، تنبيها على أن العارف بعد صيرورته عارفا لا بد له من تقليل الالتفات الى الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول، فكان الغرض من إعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف البقية، التنبيه على ما ذكرناه، ثم إنه تعالى استقصى في هذه الآية الدلائل السماوية وحذف الدلائل الخمسة الباقية، التي هي الدلائل الأرضية، وذلك لأن الدلائل السماوية أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال القلب منها الى عظمة الله وكبريائه أشد، ثم ختم تلك الآية بقوله: {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } وختم هذه الآية بقوله: {لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } لأن العقل له ظاهر وله لب، ففي أول الأمر يكون عقلا، وفي كمال الحال يكون لبا، وهذا أيضا يقوي ما ذكرناه، فهذا ما خطر بالبال، والله أعلم بأسرار كلامه العظيم الكريم الحكيم.
القرطبي
تفسير : فيه خمس وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تقدّم معنى هذه الآية في «البقرة» في غير موضع. فختم تعالى هذه السورة بالأمر بالنظر والاستدلال في آياته؛ إذ لا تصدر إلا عن حَيّ قيّوم قدير قُدّوس سلامٍ غنيٍّ عن العالمين؛ حتى يكون إيمانُهم مستنداً إلى اليقين لا إلى التقليد. {لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} الذين يستعملون عقولهم في تأمّل الدلائل. ورُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما نزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه وسلم قام يُصلي، فأتاه بِلالٌ يُؤْذِنُه بالصلاة، فرآه يَبْكي فقال: يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر! فقال:حديث : «يا بلالُ، أفلا أكون عبداً شكوراً ولقد أنزل الله عليّ الليلة آية {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} ـ ثم قال:« وَيْلٌ لمن قرأها ولم يتفكّر فيها».تفسير : الثانية ـ قال العلماء: يستحبّ لمن ٱنتبه من نومه أن يمسح على وجهه، ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر الآيات اقتداءً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما وسيأتي؛ ثم يصلّي ما كُتب له، فيجمع بين التفكّر والعمل، وهو أفضل العمل على ما يأتي بيانه في هذه الآية بعد هذا. ورُوي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة «آل عمران» كل ليلة، خرّجه أبو نصر الوائلي السِّجِسْتانِيّ الحافظ في كتاب «الإبانة» من حديث سليمان بن موسى عن مظاهر بن أسلم المخزوميّ عن المَقْبُريّ عن أبي هريرة. وقد تقدّم أوّل السورة عن عثمان قال: من قرأ آخر آل عمران في ليلة كُتب له قيام ليلة. الثالثة: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلوا ٱبن آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصُر زَمانه. ومن هذا المعنى قولُ عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه. أخرجه مسلم. فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغيرُ ذلك. وقد اختلف العلماء في هذا؛ فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو وٱبن سِيرين والنَّخعِيّ، وكره ذلك ابن عباس وعطاء والشعبيّ. والأوّل أصح لعموم الآية والحديث. قال النَّخعيّ: لا بأس بذكر الله في الخلاء فإنه يَصعد. المعنى: تَصعد به الملائكة مكتوباً في صحفهم؛ فحذف المضاف. دليله قوله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [قۤ: 18]. وقال: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ} تفسير : [الإنفطار: 10-11] ولأن الله عز وجل أمر عباده بالذكر على كل حال ولم يستثن فقال: {أية : ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} تفسير : [الأحزاب: 41] وقال: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152] وقال: {أية : إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} تفسير : [الكهف: 30] فعمّ. فذاكر الله تعالى على كل حالاته مُثابٌ مَأجُور إن شاء الله تعالى. وذكر أبو نعيم قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدّثني أبي قال حدّثنا وكِيع قال حدّثنا سفيان عن عطاء بن أبي مَرْوان عن أبيه عن كَعب الأحبار قال:قال موس عليه السلام: «يا ربّ أقريبٌ أنت فأُناجِيك أم بعيد فأُنَادِيك قال: يا موسى أنا جليسُ مَن ذكرني قال: يا ربّ فإنا نكون من الحال على حال نُجِلّك ونُعظّمك أن نَذْكُرك قال: وما هي؟ قال: الجنابة والغائط قال: يا موسى اذكرني على كل حال». وكراهية من كَرِه ذلك إمّا لتنزيه ذِكر الله تعالى في المواضع المرغوب عن ذكره فيه ككراهية قراءة القرآن في الحمّام، وإما إبقاء على الكِرام الكاتبين على أن يحلّهم موضع الأقذار والأنجاس لكتابة ما يلفِظ به، والله أعلم. و {قِيَاماً وَقُعُوداً} نُصب على الحال. {وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} في موضع الحال؛ أي ومضطجعين ومثله قوله تعالى: {أية : دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} تفسير : [يونس: 12] على العكس؛ أي دعانا مضطجعاً على جَنبه. وذهب جماعة من المفسرين منهم الحسن وغيره إلى أن قوله {يَذْكُرُونَ اللَّهَ} إلى آخره، إنما هو عبارة عن الصلاة؛ أي لا يضيعونها، ففي حال العذر يصلونها قعوداً أو على جنوبهم. وهي مثل قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} تفسير : [النساء: 103] في قول ابن مسعود على ما يأتي بيانه. وإذا كانت الآية في الصلاة ففقهها أن الإنسان يصلّي قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جَنبه؛ كما ثبت حديث : عن عِمران بن حُصين قال: كان بي البَواسِير فسألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: «صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جُنْب»تفسير : رواه الأئمة: وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلِّي قاعداً قبل موته بعام في النافلة؛ على ما في صحيح مسلم. وروى النَّسائيّ عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي متربّعاً. قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً روى هذا الحديث غير أبي داود الحَفَرِيّ وهو ثقة، ولا أحسَب هذا الحديث إلا خطأ، والله أعلم. الرابعة: واختلف العلماء في كيفية صلاة المريض والقاعد وهيئتها؛ فذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه يتربّع في قيامه، وقاله البُوَيْطِيّ عن الشافعيّ. فإذا أراد السجود تهيّأ للسجود على قدر ما يطيق، قال: وكذلك المتنفل. ونحوه قول الثوري، وكذلك قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد. وقال الشافعيّ في رواية المُزَنيّ: يجلس في صلاته كلها كجلوس التشهد. وُروي هذا عن مالك وأصحابِه؛ والأوّل المشهور وهو ظاهر المدوّنة. وقال أبو حنيفة وزفر: يجلس كجلوس التشهد، وكذلك يركع ويسجد. الخامسة: قال: فإن لم يستطع القعود صلَّى على جنبه أو ظهره على التخيير؛ هذا مذهب المدوّنة وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم يصلِّي على ظهره، فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن ثم على جنبه الأيسر. وفي كتاب ابن الموّاز عكسه، يصلِّي على جنبه الأيمن، وإلا فعلى الأيسر، وإلا فعلى الظهر. وقال سحنون: يصلِّي على الأيمن كما يجعل في لحده، وإلا فعلى ظهره وإلا فعلى الأيسر. وقال مالك وأبو حنيفة: إذا صلَّى مضطجعاً تكون رجلاه مما يلي القِبلة. والشافعيّ والثوريّ: يصلي على جنبه ووجهه إلى القِبلة. السادسة: فإن قوِي لخفة المرض وهو في الصلاة؛ قال ابن القاسم: إنه يقوم فيما بقي من صلاته ويبنِي على ما مضى؛ وهو قول الشافعيّ وزفر والطبريّ. وقال أبو حنيفة وصاحباه يعقوب ومحمد فيمن صلَّى مضطجعاً ركعة ثم صحّ: إنه يستقبل الصلاة من أوّلها، ولو كان قاعداً يركع ويسجد ثم صحّ بنى في قول أبي حنيفة ولم يَبْنِ في قول محمد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا ٱفتتح الصلاة قائماً ثم صار إلى حدّ الإيماء فليَبْن؛ وروى عن أبي يوسف. وقال مالك في المريض الذي لا يستطيع الركوع ولا السجود وهو يستطيع القيام والجلوس: إنه يصلِّي قائماً ويومىء إلى الركوع، فإذا أراد السجود جلس وأومأ إلى السجود؛ وهو قول أبي يوسف وقياس قول الشافعيّ. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصلِّي قاعداً. السابعة: وأما صلاة الراقد الصحيح فروي من حديث عِمران بن حصين زيادة ليست موجودة في غيره، وهي: «صلاة الراقد مثل نصف صلاة القاعد». قال أبو عمر: وجمهور أهل العلم لا يُجيزُون النافلَة مضطجعاً؛ وهو حديث لم يروه إلا حسين المعلِّم وهو حسين ابن ذَكْوان عن عبد الله بن برَيْدة عن عِمران بن حصين، وقد اختلف على حسين في إسناده ومتنه ٱختلافاً يوجب التوقف عنه، وإن صحّ فلا أدري ما وجهه؛ فإن كان أحد من أهل العلم قد أجاز النافلة مضطجعاً لمن قدر على القعود أو على القيام فوجهه هذه الزيادة في هذا الخبر، وهي حجة لمن ذهب إلى ذلك. وإن أجمعوا على كراهة النافلة راقداً لمن قدر على القعود أو القيام، فحديث حسين هذا إمّا غلط وإما منسوخ. وقيل: المراد بالآية الذين يستدلون بخلق السموات والأرض على أن المتغيِّر لا بدّ له من مُغيِّر، وذلك المغير يجب أن يكون قادراً على الكمال، وله أن يبعث الرسل، فإن بعث رسولاً ودل على صدقه بمعجزة واحدة لم يبق لأحد عذر؛ فهؤلاء هم الذين يذكرون الله على كل حال، والله أعلم. الثامنة: قوله تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قد بينا معنى {ويذكرون} وهو إما ذِكر باللسان وإمّا الصلاة فرضها ونفلها؛ فعطف تعالى عبادة أخرى على إحداهما بعبادة أخرى، وهي التفكر في قدرة الله تعالى ومخلوقاته والعِبر الذي بَثّ؛ ليكون ذلك أزْيَد في بصائرهم:شعر : وفي كلِّ شَيْءٍ له آيَةٌ تَدُلُّ على أنَّهُ واحدُ تفسير : وقيل: «يتفكرون» عطف على الحال. وقيل: يكون منقطعاً؛ والأوّل أشبه. والفكرة: تردّد القلب في الشيء؛ يقال: تفكّرم، ورجل فِكّير كثير الفِكْر. ومرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكّرون في الله فقال: «حديث : تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره» تفسير : وإنما التفكر والاعتبار وٱنبساط الذهن في المخلوقات كما قال: {ويتفكرون في خلقِ السمواتِ والأرضِ}. وحكي أن سفيان الثوريّ رضي الله عنه صلَّى خلف المقام ركعتين، ثم رفع رأسه إلى السماء، فلما رأى الكواكب غشي عليه، وكان يبول الدّم من طول حزنه وفكرته. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بينما رجل مستلقٍ على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال أشهد أن لكِ رباً وخالقاً اللهم ٱغفر لي فنظر الله إليه فغفر له»تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا عبادة كتفكر»تفسير : . ورُوي عنه عليه السلام قال: «حديث : تفكر ساعةٍ خير من عبادة سنة»تفسير : . وروى ابن القاسم عن مالك قال: قيل لأم الدرداء: ما كان أكثر شأن أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر. قيل له: أفترى التفكر عمل من الأعمال؟ قال: نعم، هو اليقين. وقيل لابن المسيّب في الصلاة بين الظهر والعصر، قال: ليست هذه عبادة، إنما العبادة الورع عما حرم الله والتفكر في أمر الله. وقال الحسن: تفكر ساعة خير من قيام ليلة؛ وقاله ابن عباس وأبو الدرداء. وقال الحسن: الفكرة مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته. ومما يتفكر فيه مخاوف الآخرة من الحشر والنشر والجنة ونعيمها والنار وعذابها. ويروى أن أبا سليمان الدارانيّ رضي الله عنه أخذ قدح الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف، فرآه لما أدخل أصبعه في أذن القدح أقام لذلك متفكراً حتى طلع الفجر؛ فقال له: ما هذا يا أبا سليمان؟ قال: إني لما طرحت أصبعي في أذن القدح تفكرت في قول الله تعالى {إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ والسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ} تفكرت في حالي وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم القيامة، فما زلت في ذلك حتى أصبحت. قال ابن عطية: «وهذا نهاية الخوف، وخير الأُمور أوساطها، وليس علماء الأمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج، وقراءة علم كتاب الله تعالى ومعاني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يفهَم ويُرجى نفعه أفضل من هذا». قال ابن العربيّ: اختلف الناس أي العملين أفضل: التفكر أم الصلاة؛ فذهب الصوفية إلى أن التفكر أفضل؛ فإنه يثمر المعرفة وهو أفضل المقامات الشرعية. وذهب الفقهاء إلى أن الصلاة أفضل؛ لما ورد في الحديث من الحث عليها والدعاء إليها والترغيب فيها. وفي الصحيحين عن ابن عباس أنه بات عند خالته مَيْمُونَة، وفيه: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ الآيات العشر الحواتم من سورة آل عمران، وقام إلى شَنّ معلَّق فتوضأ وضوءاً خفيفاً ثم صلى ثلاث عشر ركعة؛ الحديث. فانظروا رحمكم الله إلى جمعه بين التفكر في المخلوقات ثم إقباله على صلاته بعده؛ وهذه السنة هي التي يعتمد عليها. فأما طريقة الصوفية أن يكون الشيخ منهم يوماً وليلة وشهراً مفكراً لا يفتر؛ فطريقة بعيدة عن الصواب غير لائقة بالبشر، ولا مستمرّة على السنن. قال ابن عطية: وحدّثني أبي عن بعض علماء المشرق قال: كنت بائتاً في مسجد الأقْدَام بمصر فصلّيت العتمة فرأيت رجلاً قد اضطجع في كساء له مسجًّى بكسائه حتى أصبح، وصلينا نحن تلك الليلة؛ فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة وصلّىٰ مع الناس، فاستعظمت جراءته في الصَّلاة بغير وضوء؛ فلما فرغت الصَّلاة خرج فتبِعته لأعِظه، فلما دنوت منه سمعته ينشد شعراً:شعر : مُسجّى الجسِم غائبٌ حاضر مُنْتَبِه القلبِ صامِتٌ ذاكِر منقبض في الغُيوب منبسِط كذاك من كان عارفاً ذاكِر يَبيتُ في ليلهِ أخا فِكَرٍ فهو مَدَى الليلِ نائمٌ ساهر تفسير : قال: فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة، فانصرفتُ عنه. التاسعة: قوله تعالىٰ: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} أي يقولون: ما خلقته عبثاً وهزلاً، بل خلقته دليلاً على قدرتك وحِكمتك. والباطل: الزائِل الذاهب؛ ومنه قول لَبِيد:شعر : ألاَ كُـلّ شَيْء مـا خَـلاَ اللَّهَ باطِـلٌ تفسير : أي زائل. و «بَاطِلاً» نِصب لأنه نعت مصدرٍ محذوف؛ أي خلقاً باطلاً. وقيل؛ ٱنتصب على نزع الخافض، أي ما خلقتها للباطل. وقيل: على المفعول الثاني، ويكون خلق بمعنى جعل. {سُبْحَانَكَ} أسند النحاس عن موسى بنِ طلحة قال: سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى «سُبْحَانَ اللَّهَ» فقال: «تنزِيه الله عن السوء» وقد تقدّم في «البقرة» معناه مستوفى. {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أجِرنَا من عذابها، وقد تقدّم. العاشرة: قوله تعالى: {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أي أذللته وأهنته. وقال المفضل: أي أهلكته؛ وأنشد:شعر : أخْزَى الإلهُ من الصّلِيب عبِيدَه واللابِسِين قَلاَنِس الرهبانِ تفسير : وقيل: فضحته وأبعدته؛ يُقال: أخزاه الله: أبعده ومَقَتَه. والاسم الخِزْيُ. قال ابن السكيت: خَزِيَ يَخْزَي خِزْياً إذا وقع في بِليّة. وقد تمسك بهذه الآية أصحاب الوعيد وقالوا: من أدخل النار ينبغي ألا يكون مؤمناً؛ لقوله تعالىٰ: {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}؛ فإن الله يقول: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} تفسير : [التحريم: 8]. وما قالوه مردود؛ لقيام الأدلة على أن من ارتكب كبيرة لا يزول عنه اسم الإيمان، كما تقدّم ويأتي. والمراد من قوله: {مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ} من تخلد في النار؛ قاله أنس بن مالك. وقال قتادة: تدخِل مقلوب تخلد، ولا نقول كما قال أهل حروراء. وقال سعيد بن المسيب: الآية خاصة في قوم لا يخرجون من النار؛ ولهذا قال؛ {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} أي الكفار. وقال أهل المعاني: الخزي يحتمل أن يكون بمعنى الحَيَاء؛ يُقال: خَزِيَ يَخْزَي خِزَايَةً إذا ٱستحيا، فهو خَزْيان. قال ذو الرمة:شعر : خِزَايَةٌ أدركتْه عِنْد جَوْلَتِه من جانب الحَبْلِ مخلوطاً بها الغضبُ تفسير : فخْزيُ المؤمِنين يومئذٍ استحياؤهم في دخول النار من سائر أهل الأديان إلى أن يخرجوا منها. والخِزْي للكافرين هو إهلاكهم فيها من غير موت؛ والمؤمنون يموتون، فافترقوا. كذا ثبت في صحيح السنة من حديث أبي سعيد الخدرِيّ، أخرجه مسلم، وقد تقّدم ويأتي. الحادية عشرة: قوله تعالىٰ: {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ} أي محمداً صلى الله عليه وسلم؛ قاله ابن مسعود وابن عباسٍ وأكثر المفسرين. وقال قتادة ومحمد بن كعب القرظيّ: هو القرآن، وليس كلهم سمع رسول الله. دليل هذا القول ما أخبر الله تعالىٰ من مؤمِنِي الجِنّ إذ قالوا: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ} تفسير : [الجن: 1]. وأجاب الأوّلون فقالوا: من سمع القرآن فكأنما لقِي النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وهذا صحيح معنى. وأنْ من {أَنْ آمِنُواْ} في موضع نصب على حذف حرف الخفض، أي بأن آمنوا. وفي الكلام تقديم وتأخير، أي سمعنا منادياً للإيمان ينادي؛ عن أبي عبيدة. وقيل: اللام بمعنى إلي، أي إلى الإيمان؛ كقوله: {أية : ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ}تفسير : [المجادلة: 8]. وقوله: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 5] وقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا} تفسير : [الأعراف: 43] أي إلى هذا، ومثله كثير. وقيل: هي لام أجل، أي لأجل الإيمان. الثانية عشرة: قوله تعالىٰ: {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} تأكيد ومبالغة في الدعاء. ومعنى اللفظين واحد؛ فإن الغفر والكفر؛ الستر. {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} أي أبراراً مع الأنبياء، أي في جملتهم. واحدهم بَرٌّ وبَارٌّ وأصله من الاتساع؛ فكأن البرّ متسِع في طاعة الله ومتّسِعة له رحمة الله. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} أي على ألسِنة رسلك؛ مثل {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] وقرأ الأعمش والزهريّ «رُسْلِكَ» بالتخفيف، وهو ما ذكر من ٱستغفار الأنبياء والملائكة للمؤمنين؛ والملائكة يستغفرون لمن في الأرض. وما ذكر من دعاء نوح للمؤمنين ودعاء إبراهيم واستِغفارِ النبيّ صلى الله عليه وسلم لأمته. {وَلاَ تُخْزِنَا} أي لا تعذبنا ولا تهلِكنا ولا تفضحنا، ولا تهِنا ولا تبعِدنا ولا تمقتنا يوم القيامة {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}. إن قيل: ما وجه قولهم {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد؛ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأوّل: أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ممن وُعِد بذلك دون الْخزِي والعِقاب. الثاني: أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع؛ والدعاء مُخّ العبادة. وهذا كقوله: {أية : قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأنبياء: 112] وإن كان هو لا يقضِي إلاَّ بالحق. الثالث: سألوا أن يُعطوا ما وعِدوا به من النصر على عدوّهم معجَّلا؛ لأنها حكاية عن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسألوه ذلك إعزازاً للدّين. والله أعلم. وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من وعده الله عزّ وجلّ على عمل ثواباً فهو مُنْجِزٌ له رحمة وَمن وعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار»تفسير : . والعرب تذمّ بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد؛ حتى قال قائلهم:شعر : ولا يرهَبُ ٱبن العمّ ما عِشتُ صَوْلَتِي ولا أخْتَفِي من خَشْيَة المتَهَدِّدِ وإنِّي متى أوْعدتُه أو وعدته لَمْخلِفُ إيْعادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي تفسير : الرابعة عشرة: قوله تعالىٰ: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} أي أجابهم. قال الحسن: ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى ٱستجاب لهم. وقال جعفر الصَّادق: من حَزَبَه أمرٌ فقال خمسَ مرّات ربنا أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد. قيل: وكيف ذلك؟ قال: إقرءوا إن شئتم {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} ـ إلى قوله: {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}. الخامسة عشرة: قوله تعالىٰ: {أَنِّي} أي أَنِّي؛ وقرأ عيسى بن عمر «إني» بكسر الهمزة، أي فقال: إني. وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن أُم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، ألا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تعالىٰ: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} الآية. وأخرجه الترمذي. ودخلت «من» للتأكيد؛ لأنّ قبلها حرف نفي. وقال الكوفيون؛ هي للتفسير ولا يجوز حذفها؛ لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلاَّ به، وإنما تحذف إذا كانت تأكيداً للجحد. {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} ابتداء وخبر، أي دِينكم واحد. وقيل: بعضكم من بعض في الثواب والأحكام والنصرة وشِبهِ ذلك. وقال الضحّاك: رجالكم شكل نسائكم في الطاعة، ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة؛ نظيرها قوله عزّ وجلّ: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71]. ويُقال: فلان مِنِّي، أي على مذهبي وخلقي. السادسة عشرة: قوله تعالىٰ: {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} إبتداء وخبر، أي هجروا أوطانهم وساروا إلى المدينة. {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} في طاعة الله عزّ وجلّ. {وَقَاتَلُواْ} أي وقاتلوا أعدائي. {وَقُتِلُواْ} أي في سبيلي. وقرأ ٱبن كثير وٱبن عامر: «وقاتلوا وقُتِّلوا» على التكثير. وقرأ الأعمش «وقتِلوا وقاتلوا» لأن الواو لا تدل على أن الثاني بعد الأوّل. وقيل: في الكلام إضمار قد، أي قتِلوا وقد قاتلوا؛ ومنه قول الشاعر:شعر : تَصَابَـى وَأمْسَى عَـلاَهُ الكِبَـرْ تفسير : أي وقد علاه الكبر. وقيل: أي وقد قاتل من بَقِيَ منهم؛ تقول العرب: قتلنا بني تميم، وإنما قتل بعضهم. وقال ٱمرؤ القيس:شعر : فَـإنْ تَقْتُلُونَـا نُقَتِّلْـكُمُ تفسير : وقرأ عمر بن عبد العزيز: «وَقَتَلُوا وقُتِلُوا» خفيفة بغير ألف. {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي لأسترنّها عليهم في الآخرة، فلا أوبِّخهم بها ولا أُعاقبهم عليها. {ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ} مصدر مؤكد عند البصريين؛ لأن معنى {لأدخِلنهم جناتٍ تجرِي مِن تحتها الأنهار} لأثيبنّهم ثواباً. الكسائي: ٱنتصب على القطع. الفرّاء: على التفسير. {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} أي حسن الجزاء، وهو ما يرجِع على العامِل من جراء عمله؛ من ثاب يثوب. السابعة عشرة: قوله تعالىٰ: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} قيل؛ الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد الأُمّة. وقيل: للجميع. وذلك أن المسلمين قالوا: هؤلاء الكفار لهم تجائر وأموال واضطراب في البلاد، وقد هلكنا نحن من الجوع؛ فنزلت هذه الآية. أي لا يغرنكم سلامتهم بتقلبهم في أسفارهم. {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} أي تقلبهم متاع قليل. وقرأ يعقوب «يَغُرَّنْكَ» ساكنة النون؛ وأنشد:شعر : لاَ يَغُرّنْك عِشَاءٌ ساكنٍ قد يُوَافِي بِالمَنِيَّاتِ السّحَرْ تفسير : ونظير هذه الآية قوله تعالىٰ: {أية : فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [غافر: 4]. والمتاع: ما يعجَّل الانتفاع به؛ وسمّاه قليلاً لأنه فَانٍ، وكل فانٍ وإن كان كثيراً فهو قليل. وفي صحيح الترمذي عن المستوردِ الفِهري قال؛ سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما الدنيا في الآخرة إلاَّ مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليَمّ، فلينظر بماذا يرجع»تفسير : . قيل: «يرجع» بالياء والتاء. {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي بئس ما مهَّدوا لأنفسهم بكفرهم، وما مهد الله لهم من النار. الثامنة عشرة: في هذه الآية وأمثالها كقوله: {أية : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ} تفسير : [آل عمران: 178] الآية. {أية : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} تفسير : [ والقلم: 45]. {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} تفسير : [المؤمنون: 55]. {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [ القلم: 44] دليل على أن الكفار غير مُنْعَم عليهم في الدنيا؛ لأن حقيقة النعمة الخلوصُ من شَوائب الضررِ العاجلة والآجلة، ونعم الكفار مَشُوبَةٌ بالآلام والعقوبات، فصار كمن قدّم بين يدي غيرهِ حلاوة من عسل فيها السُّمّ، فهو وإن استلذّ آكله لا يُقال: أُنعِم عليه؛ لأن فيه هلاك روحه. ذهب إلى هذا جماعة من العلماء، وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعرِي. وذهب جماعة منهم سيف السنة ولِسان الأمة القاضي أبو بكر: إلى أن الله أنعم عليهم في الدنيا. قالوا: وأصل النَّعمة من النعمة بفتح النون، وهي لين العيش؛ ومنه قوله تعالىٰ: {أية : وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} تفسير : [الدخان: 27]. يُقال: دقيق ناعم، إذا بُولِغ في طحنهِ وأُجيد سحقه. وهذا هو الصحيح، والدليل عليه أن الله تعالىٰ أوجب على الكفار أن يشكروه وعلى جميع المكلّفين فقال: {أية : فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 74]. {أية : وَٱشْكُرُواْ للَّهِ}تفسير : [البقرة: 172] والشكر لا يكون إلاَّ على نعمة. وقال: {أية : وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} تفسير : [القصص: 77] وهذا خطاب لقارون. وقال: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً} تفسير : [النحل: 112] الآية. فنبّه سبحانه أنه قد أنعم عليهم نِعمة دُنيْاوِية فجحدوها. وقال: {أية : يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا}تفسير : [النحل: 83] وقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} تفسير : [فاطر: 3]. وهذا عامّ في الكفار وغيرهم. فأما إذا قدّم لغيره طعاماً فيه سمّ فقد رفق به في الحال؛ إذْ لم يجرعه السمَّ بحتاً، بل دَسّه في الحلاوة، فلا يستبعد أن يُقال: قد أنعم عليه، وإذا ثبت هذا فالنِّعَم ضربان: نِعَمُ نفْع وَنِعَمُ دفْع؛ فنِعم النفعِ ما وصل إليهم من فنون اللذات، ونِعم الدفعِ ما صرف عنهم من أنواع الآفات. فعلى هذا قد أنعم على الكفار نِعم الدفع قولاً واحداً؛ وهو ما زُوِيَ عنهم من الآلام والأسقام، ولا خلاف بينهم في أنه لم يُنعم عليهم نَعمة دِينيه. والحمد لله. التاسعة عشرة: قوله تعالىٰ: {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ} استدارك بعد كلام تقدّم فيه معنى النفي؛ لأن معنى ما تقدّم ليس لهم في تقلُّبِهم في البلاد كبير الانتفاع، لكن المتقون لهم الانتفاع الكبير والخُلْد الدائِم. فموضع «لكِن» رفع بالابتداء. وقرأ يزيد بن القعقاع «لكِن» بتشديد النون. الموفية عشرين: قوله تعالىٰ: {نُزُلاٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} نُزُلاً مثل ثواباً عند البصريين، وعند الكِسائي يكون مصدراً. الفراء: هو مفسر. وقرأ الحسن والنخعِي {نُزُلاً} بتخفيف الزاي استِثقالاً لا لِضمتين، وثقّله الباقون. والنّزُولُ: ما يُهيأ للنزّيل. والنزيل الضيف. قال الشاعر:شعر : نَزِيلُ القوْم أعظمُهُم حقوقاً وحَقُّ اللَّهِ في حقِّ النزيلِ تفسير : والجمع الأنزال. وحظ نزِيل: مجتمِعٌ. والنزل: أيضاً الرّيْع؛ يُقال؛ طعام كثير النزْل والنزُل. الحادية والعشرون: قلت؛ ولعل النزل ـ والله أعلم ـ. ما جاء في صحيح مسلم من حديث ثَوْبَان مولى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حديث : في قصة الحِبَرْ الذي سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم: أين يكون الناس يوم تبدّل الأرضُ غير الأرضِ والسَّمٰواتُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ «هم في الظلمة دون الجِسر» قال: فمن أوّل الناس إجازة؟ قال: «فقراء المهاجِرين» قال اليهودي: فما تُحفَتُهم حين يدخلون الجنة؟ قال «زيادة كبِد النون» قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ فقال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «من عينٍ فيها تسمى سلسبِيلاً» تفسير : وذكر الحديث. قال أهل اللغة: والتحفة ما يتحف به الإنسان من الفواكه. والطُّرَف محاسِنه وملاطِفه، وهذا مطابِق لما ذكرناه في النزل، والله أعلم. وزِيادة الكَبِد: قطعة منه كالأصبع. قال الهروِيّ: {نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي ثواباً. وقيل رِزقاً. {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} أي مما يتقلب به الكفار في الدنيا. والله أعلم. الثانية والعشرون: قوله تعالىٰ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} الآية. قال جابر بن عبدِ الله وأنس وابن عباسٍ وقتادة والحسن: نزلت في النجاشِيّ، وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السَّلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «حديث : قوموا فصلّوا على أخيكم النجاشي»تفسير : ؛ فقال بعضهم لبعض: يأمرنا أن نصلّي على عِلْج من عُلُوج الحبشَة؛ فأنزل الله تعالىٰ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ}. قال الضحاك: {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} القرآن. {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} التوراة والإنجيل. وفي التنزيل: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ}تفسير : [القصص: 54]. وفي صحيح مسلم: «حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين ـ فذكر ـ رجل من أهل الكتاب آمن بِنبيه ثم أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم فآمن به وٱتبعه وصدّقه فله أجران»تفسير : وذكر الحديث. وقد تقدّم في «البقرة»الصّلاة عليه وما للعلماء في الصَّلاة على الميت الغائب، فلا معنى للإعادة. وقال مجاهد وابن جُريجْ وابن زيد؛ نزلت في مؤمِنِي أهل الكتاب، وهذا عام والنجاشِيّ واحد منهم،. وٱسمه أصْحَمَة، وهو بالعربية عطِية. و {خَاشِعِينَ} أذِلّة، ونصب على الحال من المضمر الذي في «يؤمِن». وقيل: من الضمير في «إلَيْهِمْ» أو في «إليكم». وما في الآية بيِّنٌ، وقد تقدّم. الثالثة والعشرون: قوله تعالىٰ: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ} الآية. ختم تعالىٰ السورة بما تضمنته هذه الآية العاشرة من الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء والفوز بنعيم الآخرة؛ فحضّ على الصبر على الطاعات وعن الشهوات، والصبر الحبس، وقد تقدّم في «البقرة» بيانه. وأمر بالمصابرة فقيل: معناه مصابرة الأعداء؛ قاله زيد بن أسلم.وقال الحسن: على الصلوات الخمس. وقيل: إدامة مخالفة النفس عن شهواتها فهي تدعو وهو يَنْزَع. وقال عطاء والقرظي: صابروا الوَعْد الذي وُعِدتم. أي لا تيأسوا وانتظروا الفرج؛ قال صلى الله عليه وسلم:«حديث : انتظار الفرج بالصبر عبادة»تفسير : . وٱختار هذا القول أبو عمر رحمه الله. والأوّل قول الجمهور؛ ومنه قول عنترة:شعر : فلم أرَ حَيّاً صابروا مثل صبرِنا ولا كافَحُوا مثلَ الَّذِينَ نُكَافِحُ تفسير : فقوله: «صابروا مثل صبرنا» أي صابرون العدوّ في الحرب ولم يبدُ منهم جُبْن ولا خَوَر. والمكافحة: المواجهة والمقابلة في الحرب؛ ولذلك اختلفوا في معنى قوله {وَرَابِطُواْ} فقال جمهور الأمة: رَابِطُوا أعداءكم بالخيل، أي ٱرتبطواها كما يرتبطها أعداءكم؛ ومنه قوله تعالىٰ: {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ}. وفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة بن الجرّاح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم وما يتخَوّف منهم؛ فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من مُنَزّلِ شدّةٍ يجعل الله له بعدها فَرَجاً، وإنه لن يغلِب عسر يُسرين، وإنّ الله تعالى يقول في كتابه {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }. وقال أبو سلمة بن عبد الرّحمٰن؛ هذه الآية في ٱنتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة، ولم يكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم غَزْوٌ يُرابط فيه؛ رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه. وٱحتج أبو سلمة بقوله عليه السَّلام: «حديث : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخُطا إلى المساجد وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة فذلكم الرباط»تفسير : ثلاثاً؛ رواه مالك. قال ٱبن عطية؛ والقول الصحيح هو أن الرباط (هو) الملازمة في سبيل الله. أصلها من ربط الخيل، ثم سُمِّي كل ملازم لِثغَرْ من ثُغُور الإسلام مرابطاً، فارِساً كان أو راجلاً. واللفظ مأخوذ من الربط. وقول النبيّ صلى الله عليه وسلم «فذلكم الرّباط» إنما هو تَشْبِيهٌ بالرباط في سبيل الله. والرّباط اللغويّ هو الأول؛ وهذا كقوله: «حديث : ليس الشديد بالصُّرَعة»تفسير : وقوله: «حديث : ليس المسكين بهذا الطواف»تفسير : إلى غير ذلك. قلت: قوله: «والرباط اللغوي هو الأوّل» ليس بمسلّم، فإن الخليل بن أحمد أحد أئمّة اللغة وثقاتها قد قال: الرِّبَاط ملازمة الثغور، ومواظبة الصَّلاة أيضًا، فقد حصل أن ٱنتظار الصَّلاة رِباط لغويّ حقيقة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم. وأكثر من هذا ما قاله الشيباني أنه يُقال: ماءٌ مترابطٌ أي دائم لا يَنْزَحُ؛ حكاه ٱبن فارس، وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه. فإن المرابطة عند العرب: العقد على الشيء حتى لا ينحل، فيعود إلى ما كان صبر عنه، فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم على فعل الطاعة. ومن أعظمها وأهمها ٱرتباط الخيل في سبيل الله كما نص عليه في التنزيل في قوله: {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} على ما يأتي. وٱرتباط النفس على الصلوات كما قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ رواه أبو هريرة وجابر وعليّ، ولا عِطْرَ بعد عَرُوسٍ. الرابعة والعشرون: المرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يَشْخَص إلى ثغْر من الثُّغور ليرابط فيه مدةً مَا؛ قاله محمد بن الموّاز (ورواه). وأما سُكّان الثّغور دائماً بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هنالك، فهم وإن كانوا حُماة فليسوا بمرابطين. قاله ٱبن عطية. وقال ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد: وللرِّباط حالتان: حالة يكون الثَّغر مأموناً مَنيعاً يجوز سكناه بالأهل والولد. وإن كان غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال، ولا ينقل إليه الأهلَ والولدَ لئلا يظهر العدوّ فيَسبِي ويسترِقّ، والله أعلم. الخامسة والعشرون ـ جاء في فضل الرِّباط أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاريّ عن سهل بن سَعد السَّاعِديّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رِباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ عند الله مِن الدنيا وما فيها»تفسير : . وفي صحيح مُسلم عن سَلمان قال؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : رِباطُ يومٍ وليلةٍ خيرٌ من صيام شهر وقيامِه وإن مات جَرَى عليه عملُه الذي كان يعمله وأُجْرِي عليه رزقه وأمِن الفُتّان»تفسير : . وروى أبو داود في سُننه عن فَضَالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كلّ مَيِّت يُختم على عمله إلاَّ المرابط فإنه يَنْمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فَتّان القبر»تفسير : . وفي هذين الحديثين دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت. كما جاء في حديث العَلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا مات الإنسان ٱنقطع عنه عملُه إلاَّ من ثلاثة إلاَّ من صدقةٍ جاريةٍ أو علمٍ يُنتفع به أو ولدٍ صالح يدعو له» تفسير : وهو حديث صحيح ٱنفرد بإخراجه مسلم؛ فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والولد الصالح الذي يدعو لأبويه ينقطع ذلك بنفاد الصدقات وذهابِ العلم وموتِ الولد. والرباط يُضاعف أجرهُ إلى يوم القيامة؛ لأنه لا معنى للنّماء إلاَّ المضاعفة، وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضلٌ دائم من الله تعالىٰ إلى يوم القيامة. وهذا لأن أعمال البِرّ كلّها لا يُتمكنّ منها إلاَّ بالسلامة من العدوّ والتحرُّز منه بحراسة بَيْضَة الدِّين وإقامة شعائر الإسلام. وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة. خرّجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من مات مرابطاً في سبيل الله أَجْرى عليه أجرَ عملهِ الصالِح الذي كان يعمل وأَجْرَى عليه رزقه وأُمِنَ من الفُتّان وبعثه الله يوم القيامة آمناً من الفزع»تفسير : . وفي هذا الحديث قيدٌ ثان وهو الموت حالة الرّباط، والله أعلم. ورُوي عن عثمان بن عفّان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامِها وقيامها»تفسير : . ورُوي عن أُبيّ بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : لَرباط يوم في سبيل الله من وراء عَورة المسلمين مُحتسباً من غير شهر رمضان أعظمُ أجراً من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباطُ يومٍ في سبيل الله من وراء عورة المسلمين مُحتسِباً من شهر رمضان أفضلُ عند الله وأعظم أجراً ـ أراه قال: ـ من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها فإن ردّه الله إلى أهله سالماً لم تكتب عليه سيئة ألف سنة وتكتب له الحسنات ويُجرَي له أجرُ الرّباط إلى يوم القيامة»تفسير : . ودلّ هذا الحديث على أن رِباط يوم في شهر رمضان يحصل له من الثواب الدّائم وإن لم يمت مرابطاً، والله أعلم. وعن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : حَرْس ليلة في سبيل الله أفضلُ من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنةٍ السّنة ثلاثمائة يوم (وستون يوماً) واليوم كألف سنة».تفسير : قلت: وجاء في ٱنتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة أنه رِباط؛ فقد يحصل لِمُنْتظِرِ الصلواتِ ذلك الفضل إن شاء الله تعالىٰ. وقد روى أبو نعيم الحافظ قال حدّثنا سليمان بن أحمد قال حدّثنا علي بن عبد العزيز قال حدّثنا حَجّاج بن المِنْهال وحدّثنا أبو بكر بن مالك قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدّثني أبي قال حدّثني الحسن بن موسىٰ قال حدّثنا حماد بن سلمة عن ثابت البُنَانِيّ عن أبي أيوب الأزدي عن نَوْفِ البِكَالِيّ عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى ذات ليلةٍ المغرب فصلّينا معه فعقب من عقب ورجع من رجع. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يثوب الناس لصَّلاة العشاء، فجاء وقد حضره الناس رافعاً أصبعَه وقد عقد تِسعاً وعشرين يُشير بالسبّابة إلى السماء فَحَسَر ثوبه عن ركبتيه وهو يقول: «حديث : أبشروا مَعشرَ المسلمين هذا ربُّكم قد فتح باباً من أبواب السماء يُباهي بكم الملائكةَ يقول يا ملائكتي ٱنظروا إلى عبادي هؤلاء قضَوْا فريضةً وهم ينتظرون أُخرىٰ»تفسير : . ورواه حَمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن مُطرِّف بن عبد الله: أن نَوْفا وعبد الله بن عمرو اجتمعا فحدّث نَوْفٌ عن التوراة وحدّث عبد الله بن عمرو بهذا الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي لم تؤمروا بالجهاد من غير تقوى. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} لتكونوا على رجاء من الفلاح. وقيل: لعل بمعنى لِكي. والفلاح البقاء، وقد مضىٰ هذا كله في «البقرة» مستوفى، والحمد لله. نجز تفسير سورة آل عمران من (جامع أحكام القرآن والمبيّن لما تضمن من السنة وآي الفرقان) بحمد الله وعونه.
ابن كثير
تفسير : قال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش اليهود، فقالوا: بم جاءكم موسى؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى؟ قالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فدعا ربه، فنزلت هذه الآية: {إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} فليتفكروا فيها، وهذا مشكل؛ فإن هذه الآية مدنية، وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبا كان بمكة، والله أعلم، ومعنى الآية أن الله تعالى يقول: {إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها و كثافتها واتضاعها، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت وبحار، وجبال وقفار وأشجار ونبات، وزروع وثمار، وحيوان ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان والروائح والطعوم والخواص، {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي: تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيراً، ويقصر الذي كان طويلاً، وكل ذلك تقدير العزيز العليم، ولهذا قال تعالى: {لأَيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: العقول التامة الذكية، التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم: {أية : وَكَأَيِّن مِّن ءَايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } تفسير : [يوسف: 105 ـ 106] ثم وصف تعالى أولي الألباب، فقال: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ}. كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك»تفسير : أي: لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم، {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أي: يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته وعلمه وحكمته واختياره ورحمته. وقال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء، إلا رأيت لله علي فيه نعمة، ولي فيه عبرة، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل والاعتبار. وعن الحسن البصري أنه قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. وقال الفضيل: قال الحسن: الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك. وقال سفيان بن عيينة: الفكرة نور يدخل قلبك، وربما تمثل بهذا البيت:شعر : إذا المرءُ كانَتْ له فِكْرَةٌ ففي كل شيءٍ لهُ عِبْرَةٌ تفسير : وعن عيسى عليه السلام أنه قال: طوبى لمن كان قيله تذكراً، وصمته تفكراً، ونظره عبراً. قال لقمان الحكيم: إن طول الوحدة ألهم للفكرة، وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة. وقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرىء إلا فهم، ولا فهم امرؤ قط إلا علم، ولا علم امرؤ قط إلا عمل. وقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله عز وجل حسن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة. وقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها. وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعاً من بين أصحابه قد ذهب عقله. وقال عبد الله بن المبارك: مر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة، فناداه فقال: يا راهب إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر: كنز الرجال، وكنز الأموال. وعن ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه، يأتي الخربة، فيقف على بابها، فينادي بصوت حزين، فيقول: أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: {أية : كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]. وعن ابن عباس أنه قال: ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه. وقال الحسن البصري: يابن آدم كل في ثلث بطنك، واشرب في ثلثه، ودع ثلثه الآخر تتنفس للفكرة. وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة، انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة. وقال بشر ابن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى، لما عصوه. وقال الحسن عن عامر بن عبد قيس، قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر. وعن عيسى عليه السلام أنه قال: يابن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضيفًا، واتخذ المساجد بيتاً، وعلم عينيك البكاء، وجسدك الصبر، وقلبك الفكر، ولا تهتم برزق غد. وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، أنه بكى يوماً بين أصحابه، فسئل عن ذلك، فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها، فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إن فيها مواعظ لمن ادكر. وقال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:شعر : نُزْهَةُ المؤمنِ الفِكَرْ لَذَّةُ المؤمنِ العِبَرْ نحمَدُ اللّهَ وحدَهُ نحنُ كُلٌّ على خَطَرْ رُبَّ لاهٍ وعُمْرُهُ قدْ تَقَضّى وما شَعَرْ رُبَّ عَيْشٍ قد كانَ فو قَ المُنى مُونِقَ الزَّهَرْ في خَريرٍ من العُيو نِ وظِلَ منَ الشَّجَرْ وسُرُورٍ منَ النَّبا تِ وطَيبٍ من الثَّمَرْ غَيَّرَتْهُ وأَهْلَهُ سُرْعَةُ الدَّهْرِ بالغِيَرْ نَحْمَدُ اللّهَ وحْدَهُ إِنَّ في ذا لَمُعْتَبَرْ إنَّ في ذا لَعِبْرَةً لِلَّبيبِ إِنِ اعْتَبَرْ تفسير : وقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته، فقال: {أية : وَكَأَيِّن مِّن ءَايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ }تفسير : [يوسف: 105 ـ 106] ومدح عباده المؤمنين {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} قائلين: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً} أي: ما خلقت هذا الخلق عبثاً، بل بالحق؛ لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل، فقالوا: {سُبْحَـٰنَكَ} أي: عن أن تخلق شيئاً باطلاً {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أي: يا من خلق الخلق بالحق والعدل، يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث قنا من عذاب النار بحولك وقوتك، وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم. ثم قالوا: {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} أي: يوم القيامة لا مجير لهم منك. ولا محيد لهم عما أردت بهم {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ} أي: داعياً يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم {أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَـآمَنَّا} أي: يقول: آمنوا بربكم، فآمنا، أي: فاستجبنا له، واتبعناه، أي: بإيماننا واتباعنا نبيك، {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} أي: استرها، {وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَـٰتِنَا} فيما بيننا وبينك، {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} أي: ألحقنا بالصالحين، {رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} قيل: معناه على الإيمان برسلك، وقيل: معناه على ألسنة رسلك. وهذا أظهر. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن محمد، عن أبي عقال، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : عسقلان أحد العروسين، يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفاً لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسين ألفاً شهداء وفوداً إلى الله، وبها صفوف الشهداء رؤوسهم مقطعة في أيديهم تثج أوداجهم دماً، يقولون: { رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} فيقول الله: صدق عبيدي، اغسلوهم بنهر البيضة، فيخرجون منه نقاء بيضاً، فيسرحون في الجنة حيث شاؤوا»تفسير : وهذا الحديث يعد من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعاً، والله أعلم. {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي: على رؤوس الخلائق، {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك. وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن سُريج، حدثنا المعتبر، حدثنا الفضل بن عيسى، حدثنا محمد بن المنكدر: أن جابر بن عبد الله حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : العار والتخزية تبلغ من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي الله عز وجل ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار»تفسير : حديث غريب. وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده، فقال البخاري رحمه الله: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن كريب، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: بت عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة، ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر، قعد، فنظر إلى السماء، فقال: {إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} الآيات، ثم قام فتوضأ واستن، فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال، فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح. وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني، عن ابن أبي مريم به. ثم رواه البخاري من طرق عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب أن ابن عباس أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته، قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من منامه، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة، فتوضأ منها، فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح. وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن مالك به. ورواه مسلم أيضاً وأبو داود من وجوه أخر عن مخرمة ابن سليمان به. (طريق أخرى) لهذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي، حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرّة، أنبأنا خلاد بن يحيى، أنبأنا يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس، قال: أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ صلاته. قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة العشاء الآخرة، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره، قام فمر بي، فقال: «حديث : من هذا؟ عبد الله؟»تفسير : «قلت: نعم، قال: «فمه؟» قلت: أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة. قال: «حديث : فالحق الحق»تفسير : فلما أن دخل قال: «افرشنّ عبد الله» فأتى بوسادة من مسوح، قال: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها حتى سمعت غطيطه، ثم استوى على فراشه قاعداً، قال: فرفع رأسه إلى السماء، فقال: «حديث : سبحان الملك القدوس»تفسير : ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها. وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث علي بن عبدالله بن عباس عن أبيه حديثاً في ذلك أيضاً. (طريق أخرى) رواها ابن مردويه من حديث عاصم بن بهدلة عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعدما مضى ليل، فنظر إلى السماء، وتلا هذه الآية: {إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} إلى آخر السورة، ثم قال: «حديث : اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن بين يدي نوراً، ومن خلفي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، وأعظم لي نوراً يوم القيامة»تفسير : وهذا الدعاء ثابت في بعض طرق الصحيح من رواية كريب عن ابن عباس رضي الله عنه، ثم روى ابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش اليهود، فقالوا: بم جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده البيضاء للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً، فدعا ربه عز وجل، فنزلت: {إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} قال: فليتفكروا فيها، لفظ ابن مردويه. وقد تقدم هذا الحديث من رواية الطبراني في أول الآية، وهذا يقتضي أن تكون هذه الآيات مكية، والمشهور أنها مدنية، ودليله الحديث الآخر. قال ابن مردويه: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن علي الحراني، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا حشرج بن نباتة الواسطي، أبو مكرم، عن الكلبي، وهو أبو جَناب، عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة رضي الله عنها، فدخلنا عليها، وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول الشاعر: زر غباً تزدد حباً. فقال ابن عمر: ذرينا أخبرينا بأعجب شيء رأيتِهِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت، وقالت: كل أمره كان عجباً، أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي، ثم قال: «حديث : ذريني أتعبد لربي عز وجل»تفسير : قالت: فقلت: والله إني لأحب قربك، وإني أحب أن تَعَبَّد لربك، فقام إلى القربة فتوضأ، ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي، فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه، فبكى، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح، قالت: فقال: يارسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر؟ فقال: «حديث : ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي، وقد أنزل علي في هذه الليلة {إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ}؟»تفسير : ثم قال: «حديث : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها»تفسير : . وقد رواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون عن أبي جناب الكلبي عن عطاء. قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهي في خدرها، فسلمنا عليها، فقالت: من هؤلاء؟ قال: فقلنا: هذا عبد الله بن عمر، وعبيد بن عمير. قالت: يا عبيد بن عمير ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: ما قال الأول: زر غباً تزدد حباً. قالت: إنا لنحب زيارتك وغشيانك. قال عبد الله بن عمر: دعينا من بطالتكما هذه، أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فبكت، ثم قالت: كل أمره كان عجباً، أتاني في ليلتي حتى دخل معي في فراشي، حتى لصق جلده بجلدي، ثم قال: «حديث : يا عائشة ائذني لي أتعبد لربي»تفسير : . قالت: إني لأحب قربك، وأحب هواك. قالت: فقام إلى قربة في البيت، فما أكثر صب الماء، ثم قام فقرأ القرآن، ثم بكى حتى رأيت أن دموعه قد بلغت حقويه، قالت: ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه، ثم بكى حتى رأيت دموعه بلغت حجره، قالت: ثم اتكأ على جنبه الأيمن ووضع يده تحت خده، قالت: ثم بكى حتى رأيت دموعه قد بلغت الأرض، فدخل عليه بلال، فآذنه بصلاة الفجر، ثم قال: الصلاة يا رسول الله، فلما رآه بلال يبكي قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «حديث : يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ومالي لا أبكي وقد نزل عليّ الليلة: {إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} إلى قوله {سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}»تفسير : ثم قال: «حديث : ويل لمن قرأ هذه الآيات، ثم لم يتفكر فيها»تفسير : . وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عمران بن موسى، عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سويد النخعي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة، فذكر نحوه. وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار عن شجاع بن أشرس، به، ثم قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز: سمعت سنيداً يذكر عن سفيان، هو الثوري، رفعه، قال: «حديث : من قرأ آخر آل عمران، فلم يتفكر فيها، ويله»تفسير : يعد بأصابعه عشراً ـ قال الحسن بن عبد العزيز: فأخبرني عبيد بن السائب قال: قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرؤهن وهو يعقلهن. قال ابن أبي الدنيا: وحدثني قاسم بن هاشم، حدثنا علي بن عياش، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان قال: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلق به المتعلق من الفكر فيهن، وما ينجيه من هذا الويل، فأطرق هنية، ثم قال: يقرؤهن وهو يعقلهن. (حديث آخر) فيه غرابة. قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير، حدثنا إسحاق بن إبراهيم البستي قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو قال: أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي، أنبأنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة. مظاهر بن أسلم ضعيف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } وما فيهما من العجائب {وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } بالمجيء والذهاب والزيادة والنقصان {لآيَاتٍ } دلالات على قدرته تعالى {لأُوْلِى ٱلأَلْبَٰبِ } لذوي العقول.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ والأرض} هذه جملة مستأنفة لتقرير اختصاصه سبحانه بما ذكره فيها. والمراد ذات السموات، والأرض، وصفاتهما: {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } أي: تعاقبهما، وكون كل واحد منهما يخلف الآخر، وكون زيادة أحدهما في نقصان الآخر، وتفاوتهما طولاً، وقصراً، وحراً، وبرداً وغير ذلك: {لآيَاتٍ } أي: دلالات واضحة، وبراهين بينة تدل على الخالق سبحانه. وقد تقدم تفسير بعض ما هاهنا في سورة البقرة. والمراد بأولي الألباب: أهل العقول الصحيحة الخالصة، عن شوائب النقص، فإن مجرد التفكير فيما قصه الله في هذه الآية يكفي العاقل، ويوصله إلى الإيمان الذي لا تزلزله الشبه، ولا تدفعه التشكيكات. قوله: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } الموصول نعت لأولي الألباب، وقيل: هو مفصول عنه خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب على المدح. والمراد بالذكر هنا: ذكره سبحانه في هذه الأحوال من غير فرق بين حال الصلاة، وغيرها. وذهب جماعة من المفسرين إلى أن الذكر هنا عبارة عن الصلاة، أي: لا يضيعونها في حال من الأحوال، فيصلونها قياماً مع عدم العذر، وقعوداً، وعلى جنوبهم مع العذر. قوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ} معطوف على قوله: {يَذَّكَّرُونَ } وقيل: إنه معطوف على الحال، أعني: {قِيَـٰماً وَقُعُوداً } وقيل: إنه منقطع عن الأوّل، والمعنى: أنهم يتفكرون في بديع صنعهما، وإتقانهما مع عظم أجرامها، فإن هذا الفكر إذا كان صادقاً، أوصلهم إلى الإيمان بالله سبحانه. قوله: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } هو على تقدير القول، أي: يقولون ما خلقت هذا عبثاً، ولهواً، بل خلقته دليلاً على حكمتك، وقدرتك. والباطل: الزائل الذاهب، ومنه قول لبيد:شعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل تفسير : وهو منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: خلقاً باطلاً، وقيل: منصوب بنزع الخافض، وقيل: هو مفعول ثان، وخلق بمعنى: جعل، أو منصوب على الحال، والإشارة بقوله: {هَـٰذَا } إلى السموات والأرض، أو إلى الخلق على أنه بمعنى المخلوق. قوله: {سُبْحَـٰنَكَ } أي: تنزيهاً لك عما لا يليق بك من الأمور التي من جملتها أن يكون خلقك لهذه المخلوقات باطلاً. وقوله: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } الفاء لترتيب هذا الدعاء على ما قبله. وقوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } تأكيد لما تقدمه من استدعاء الوقاية من النار منه سبحانه، وبيان للسبب الذي لأجله دعاه عباده بأن يقيهم عذاب النار، وهو أن من أدخله النار، فقد أخزاه، أي: أذله، وأهانه. وقال المفضل: معنى أخزيته أهلكته، وأنشد:شعر : أخْزَى الإلۤهُ بني الصَلِيب عُنَيْزة واللابِسيـن مَلابِـس الرهْبَـانِ تفسير : وقيل: معناه: فضحته، وأبعدته، يقال: أخزاه الله: أبعده ومقته، والاسم الخزي. قال ابن السّكِّيت: خَزَي يَخْزُى خِزياً: إذا وقع في بَلِيَّة. قوله: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } المنادي عند أكثر المفسرين هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو القرآن، وأوقع السماع على المنادي مع كون المسموع هو النداء؛ لأنه قد وصف المنادي بما يسمع، وهو قوله: {ينادي للإيمان أن آمنوا}. وقال أبو علي الفارسي: إن «ينادي» هو المفعول الثاني وذكر {ينادي} مع أنه قد فهم من قوله: {مُنَادِياً } لقصد التأكيد، والتفخيم لشأن هذا المنادى به، واللام في قوله: {لِلإِيمَـٰنِ } بمعنى إلى، وقيل: إن ينادي يتعدّى باللام، وبإلى، يقال ينادي لكذا، وينادي إلى كذا، وقيل: اللام للعلة، أي: لأجل الإيمان. قوله: {أن آمنوا} هي: إما تفسيرية، أو مصدرية، وأصلها بأن آمنوا، فحذف حرف الجرّ. قوله: {فَـئَامَنَّا } أي: امتثلنا ما يأمر به هذا المنادي من الإيمان فآمنا، وتكرير النداء في قوله: {رَبَّنَا } لإظهار التضرع، والخضوع، قيل المراد: بالذنوب هنا الكبائر، وبالسيئات الصغائر. والظاهر عدم اختصاص أحد اللفظين بأحد الأمرين، والآخر بالآخر، بل يكون المعنى في الذنوب، والسيئات واحداً، والتكرير للمبالغة، والتأكيد، كما أن معنى الغفر، والكفر: الستر. والأبرار جمع بارّ أو برّ، وأصله من الاتساع، فكأن البار متسع في طاعة الله، ومتسعة له رحمته، قيل: هم الأنبياء، ومعنى اللفظ أوسع من ذلك. قوله: {رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ } هذا دعاء آخر والنكتة في تكرير النداء ما تقدّم، والموعود به على ألسن الرسل هو الثواب الذي وعد الله به أهل طاعته، ففي الكلام حذف، وهو لفظ الألسن، كقوله: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] وقيل: المحذوف التصديق، أي: ما وعدتنا على تصديق رسلك، وقيل: ما وعدتنا منزلاً على رسلك، أو محمولاً على رسلك، والأول أولى. وصدور هذا الدعاء منهم مع علمهم أن ما وعدهم الله به على ألسن رسله كائن لا محالة، إما لقصد التعجيل، أو للخضوع بالدعاء، لكونه مخ العبادة، وفي قولهم: {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } دليل على أنهم لم يخافوا خلف الوعد، وأن الحامل لهم على الدعاء هو ما ذكرنا. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود، فقالوا ما جاءكم به موسى من الآيات؟ قالوا عصاه، ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى، فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرىء الأكمه، والأبرص، ويحيـي الموتى، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً، فدعا ربه، فنزلت: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ} الآية. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: بتُّ عند خالتي ميمونة، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، ثم استيقظ، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه، ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والطبراني، والحاكم في الكنى، والبغوي في معجم الصحابة، عن صفوان بن المعطل قال: كنت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفر، فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، من طريق جوبير، عن الضحاك، عن ابن مسعود في قوله: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } الآية، قال: إنما هذه في الصلاة إذا لم يستطع قائماً، فقاعداً، وإن لم يستطع قاعداً، فعلى جنبه. وقد ثبت في البخاري من حديث عمران بن حصين قال: «كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: حديث : صلّ قائماً، فإن لم تستطع، فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب»تفسير : . وثبت فيه عنه قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن صلاة الرجل، وهو قاعد، فقال: حديث : من صلى قائماً، فهو أفضل، ومن صلى قاعداً، فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً، فله نصف أجر القاعد»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال: هذه حالاتك كلها يابن آدم، اذكر الله، وأنت قائم، فإن لم تستطع، فاذكره جالساً، فإن لم تستطع جالساً، فاذكره، وأنت على جنبك، يسر من الله، وتخفيف. وأقول هذا التقييد الذي ذكره بعدم الاستطاعة مع تعميم الذكر لا وجه له لا من الآية، ولا من غيرها، فإنه لم يرد في شيء من الكتاب، والسنة ما يدل على أنه لا يجوز الذكر من قعود إلا مع عدم استطاعة الذكر من قيام، ولا يجوز على جنب إلا مع عدم استطاعته من قعود، وإنما يصلح هذا التقييد لمن جعل المراد بالذكر هنا: الصلاة، كما سبق عن ابن مسعود. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن حبان في صحيحه، وابن مردويه، عن عائشة مرفوعاً: حديث : ويل لمن قرأ هذه الآية، ولم يتفكر فيها.تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في التفكر عن سفيان رفعه «حديث : من قرأ آخر سورة آل عمران، فلم يتفكر فيها، ويله فعدّ أصابعه عشراً»تفسير : . قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهنّ؟ قال: يقرؤهنّ، وهو يعقلهنّ. وقد وردت أحاديث، وآثار عن السلف في استحباب التفكر مطلقاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أنس في قوله: {مَنْ تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } قال: من تخلد. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن سعيد بن المسيب في الآية قال: هذه خاصة بمن لا يخرج منها. وأخرج ابن جرير، والحاكم، عن عمرو بن دينار قال: قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة، فانتهيت إليه أنا، وعطاء فقلت: {أية : وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [البقرة: 167] قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الكفار، قلت لجابر: فقوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } قال: وما أخزاه حين أحرقه بالنار، وإن دون ذلك خزياً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: {مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي قال: هو القرآن، ليس كل أحد سمع النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: {رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ } قال: يستنجزون موعد الله على رسله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: لا تفضحنا.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَن ءَامِنُوا ِبربِّكُمْ فَآمنّا} في المنادي قولان: أحدهما: أنه القرآن وهو قول محمد بن كعب القرظي قال: ليس كل الناس سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني: انه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول ابن جريج وابن زيد. {يُنَادِي لِلإِيمَانِ} أي إلى الإيمان، كقوله تعالى: {أية : الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذا} تفسير : [الأعراف:43] بمعنى إلى هذا. ومنه قول الراجز: شعر : أوحى لها القرار فاستقرت وشدها بالراسيات الثُّبّتِ تفسير : يعني أوحى إليها كما قال تعالى: {أية : بِأنَّ ربكَ أوحى لها} تفسير : [الزلزلة:5] أي إليها. قوله تعالى: {رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} فإن قيل فقد علمواْ أن الله تعالى منجز وعده فما معنى هذا الدعاء والطلب، ففي ذلك أربعة أجوبة: أحدها: أن المقصود به، مع العلم بإنجاز وعده، الخضوع له بالدعاء والطلب. والثاني: أن ذلك يدعو إلى التمسك بالعمل الصالح. والثالث: معناه أجعلنا ممن وعدته ثوابك. والرابع: يعني عّجل إلينا إنجاز وعدك وتقديم نصرك.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {الأبرار} بالإمالة: أبو عمرو وحمزة غير خلاد ورجاء. والكسائي والنجاري عن ورش، وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. وكذلك كل ما تكرر فيه الراء غير ابن مجاهد والنقاش في جميع القرآن. {وقتلوا وقاتلوا} حمزة وعلي وخلف، وقرأ ابن كثير وابن عامر {وقتلوا} مشدداً. الباقون: {وقاتلوا وقتلوا} مخففاً. {لا يغرنك} بالنون الخفيفة: رويس. الباقون بالتشديد {نزلاً} حيث كان بالاختلاس عباس. الوقوف: {الألباب} ج لاحتمال الذين صفة أو مستأنفاً نصباً أو رفعاً على المدح بتقدير أعني الذين أو هم الذين والوصل أشهر. {والأرض} ج لحق المحذوف أي يقولون ربنا. {باطلاً} ج للابتداء بسبحانك تعظيماًَ وإلا فالقول متحد وفاء التعقيب متعقب. {النار} ه {أخزيته} ط {أنصار} ه {فآمنا} قف قتيل: والوصل أولى لأن كلمة {ربنا} تكرار لمزيد الابتهال، وقوله: {فاغفر لنا} معطوف على {آمنا} أي إذا آمنا فاغفر. {الأبرار} ه ج للآية وللعطف. {يوم القيامة} ط {الميعاد} ه {أنثى} ج لاتحاد الكلام وإلا فبعضكم مبتدأ {من بعض} ج {الأنهار} ز لأن {ثواباً} مفعول له أو مصدر. {من عند الله} ط {الثواب} ه {البلاد} ه ط لأن التقدير لهم متاع أو ذلك متاع. {جهنم} ط {المهاد} ه {من عند الله} ط {للأبرار} ه {لله} لا لأن ما بعده حال آخر{قليلاً} ط {عند ربهم} ط {الحساب} ه {تفلحون} ه. التفسير: إنه لما طال الكلام في تقرير القصص والأحكام عاد إلى ما هو الغرض / الأصلي من هذا الكتاب الكريم وهو جذب القلوب والإسرار بذكر ما يدل على التوحيد والكبرياء، عن ابن عمر حديث : قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب. أتاني في ليلتي فدخل في لحافي، حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟ فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك. فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقوية، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه فقد بلت الأرض. فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ثم قال: وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة {إن في خلق السموات والأرض} ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيهاتفسير : . وعن علي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: {إن في خلق السموات والأرض} تفسير : واعلم أنه ذكر في سورة البقرة أن في خلق السموات والأرض إلى أن عد ثمانية دلائل، وههنا اقتصر منها على الثلاثة الأول تنبيهاً على أن العارف بعد استكمال المعرفة لا بد له من تقليل الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول، فإن البصيرة إذا التفتت إلى معقول عسر عليها الالتفات إلى آخر كالبصر إذا حدّق إلى مرئي امتنع تحديقه نحو آخر، وإليه الإشارة بقوله: {أية : فاخلع نعليك} تفسير : [طه:12] يعني المقدمتين اللتين وصلت بهما إلى النتيجة وهو وادي قدس الوحدانية. وإنما وقع الاقتصار على الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال النفس منها إلى عظمة الله أيسر. وإنما قال في تلك السورة {أية : لآيات لقوم يعقلون} تفسير : [البقرة:164] وفي هذه السورة {لآيات لأولي الألباب} لأن العقل له ظاهر ولب، ففي أول الأمر يكون عقلاً وفي كمال الحال يكون لباً. وباقي التفسير قد مرهناك. ثم بعد دلائل الإلهية ذكر وظائف العبودية وهي أن يكون باللسان وسائر الأركان وبالجنان مع الرحمن. فقوله: {الذين يذكرون الله} إشارة إلى عبودية اللسان. وقوله: {قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} وهو في موضع حال آخر أي معتمدين على الجنب إشارة إلى عبودية سائر الجوارح والأركان. والمراد أنهم ذاكرون في أغلب أحوالهم كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " تفسير : وقيل: المراد بالذكر ههنا الصلاة أي يصلون في حال القيام فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاعتماد. وهذا موافق لمذهب الشافعي في ترتيب صلاة المريض العاجز ويوافق بحثاً طبياً، وهو أن الاستلقاء يمنع من استكمال الفكر والتدبر بخلاف الاضطجاع على الجنب. والصلاة إذا كانت عن فكر وتدبر كانت أولى، ولأن الاستغراق في النوم يكون في هيئة الاستلقاء أكثر فذاك وضع الغافلين. وقال أبو حنيفة: بل يصلي مستلقياً إن عجز عن القعود حتى لو وجد خفة قعد. وقوله: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} إشارة إلى عمل الجنان. وقد عرفت معنى الفكر في البحث الخامس من تفسير قوله: {أية : وعلم آدم الأسماء} تفسير : [البقرة:31] وإنما لم يقل و "يتفكرون في الله" كما قال: {يذكرون الله} لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق "تفسير : والسبب فيه أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة وإنما يمكن على نعت المخالفة، فإنا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبإمكانها على وجوبه، وبافتقارها على غناه. فالفكر في المخلوقات ممكن وفي الخالق غير ممكن، كيف وإن الفكر ترتيب المقدمات على وجه متنج، والمقدمة لها موضوع ومحمول لا بد من تصورهما، وتصوره سبحانه محال لأن تصور الشيء عبارة عن حصول صورته في النفس، فتكون الصورة محاطة والنفس محيطة بها، ولا يحيط بالواجب شيء ألا إنه بكل شيء محيط، لكنه إذا تفكر في مخلوقاته ولا سيما السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما عليها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أوّلاً أن لها رباً وصانعاً فيقول: {ربنا}. ثم يعترف بأن في كل من ذلك حكماً ومقاصد وفوائد لا يحيط بتفاصيلها إلا موجدها فيقول: {ما خلقت هذا باطلاً} ثم إذا قاس أحوال هذه المصنوعات إلى صانعها علم أن ذاته تعالى منزه عن مشابهة شيء من هذه المصنوعات فيعلم أنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا مؤلف ولا في حيز وجهة فيقول: {سبحانك} أي أنزهك عما لا يليق بلك من مناسبة الجواهر والأعراض. ثم إذا بلغ من الاستغراق في بحار العظمة والجلال هذا المبلغ وجد نفسه ذرة من ذرات الكائنات واقعة في حضيض عالم البشرية محاطة بالطبائع والأركان، فيتضرع إلى خالق السموات والأرض أن يخلصه من قيد العناصر ويعرج به من الأرض ويقيه عذاب كرة النار ويوصله إلى معارج السموات وذلك قوله {فقنا عذاب النار}، ثم ذكر سبب الاستعاذة من النار بقوله: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} أي أبلغت في إخزائه نظيره قوله: {أية : فقد فاز} تفسير : [آل عمران:185] وفي كلامهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك. ثم توسل إلى ما سأل بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك قوله: {ربنا إننا سمعنا منادياً} الآية. فهذا بيان وجه النظم في هذه الكلمات والآيات على وجه / " حديث : ألقى في روعي "تفسير : والله أعلم بأسرار كلامه. عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : بينما رجل مستلق على فراشه إذا رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له " تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض" تفسير : قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض. وعنه صلى الله عليه وسلم: " حديث : لا عبادة كالتفكر" تفسير : وهذا إشارة إلى لفظ الخلق على أنه بمعنى المخلوق أو إلى السموات والأرض بتأويل المخلوق. وفي كلمة {هذا} ضرب من التعظيم كأنه لعظم شأنه معقود به الهمم حتى صار حاضراً في خزانة الخيال. و{باطلاً} نصب على المصدر أي خلقاً باطلاً أو على الحال، وقيل. بنزع الخافض أي بالباطل أو للباطل. قالت المعتزلة: فيه دليل على أن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبد ولأجل حكمة وغاية. وقوله: {سبحانك} جملة معترضة تنزيهاً له من العبث وأن يخلق شيئاً بغير حكمة. فوجه النظم في قوله: {فقنا عذاب النار} أن الحكمة في خلق الأرض والسموات أن يجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفته ووجوب طاعته واجتناب معصيته، والنار جزاء من عصى ولم يطع. وقالت الأشاعرة: الدليل الدال على أن أحد طرفي الممكن لا يترجح إلا بمرجح عام، وذلك المرجح لا بد أن ينتهي إلى الله تعالى، فإذن الخير والشر والأفعال كلها بقضاء الله وقدره، فلا يمكن أن تعلل أفعال الله بمصالح العباد بل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء. والباطل في اللغة الذاهب الزائل. الذي لا يكون له قوّة ولا صلابة فيكون بصدد التلاشي والاضمحلال. والمراد أن خلقهما خلق محكم متقن كقوله: {أية : وبنينا فوقكم سبعاً شداداً} تفسير : [النبأ:12] {أية : هل ترى من فطور} تفسير : [الملك:3] ومعنى {سبحانك} أنك وإن خلقتهما في غاية شدة التركيب وبصدد البقاء إلا أنك غني عن الاحتياج إليهما، منزه عن الانتفاع بهما. ثم لما وصف ذاته تعالى بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال {فقنا عذاب النار} واحتج حكماء الإسلام بالآية على أنه سبحانه خلق الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع قطان العالم السفلي. قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع لأن كل ذرة من ذرات الهواء والماء يشاركها في ذلك، فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص. وناقشهم المتكلمون في ذلك وقالوا: إن الفلكيات أسباب للأرضيات على مجرى / العادة لا على سبيل الحقيقة. والإنصاف في هذا المقام أن وجود الوسائط لا ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب، وأن كون أفعال الله تعالى مستتبعة لمصالح العباد لا ينافي جريان الأمور كلها بقضائه وقدره. ثم إنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك ما يدل على عظم ذلك العقاب وهو الإخزاء ليدل على شدة إخلاصهم وجدهم في الهرب من ذلك فيكون أقرب إلى الاستجابة، كما أنهم قدموا الثناء على الله بقولهم: {سبحانك} على الطلب ليكون أقرب إلى الأدب وأحرى بالإجابة، وكل ذلك تعليم من الله تعالى عباده في حسن الطلب. قال الواحدي: الإخزاء جاء لمعان متقاربة. عن الزجاج: أخزى الله العدوّ أي أبعده. وقيل: أهانه. وقيل: فضحه. وقيل: أهلكه. وقال ابن الأنباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله: {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} [التحريم:8] وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم مخزي أن لا يكون غيره وهو مؤمن مخزي. وأيضاً الآية ليست على عمومها لقوله: {أية : وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا} تفسير : [مريم:71ـ72] فثبت أن كل من دخل النار فإنه ليس بمخزي. وعن سعيد بن المسيب والثوري أن هذا في حق الكفار الذين أدخلوا النار للخلود. وأيضاً إنه مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبته الخروج. وقوله: {أية : يوم لا يخزي}تفسير : [التحريم:8] نفى الخزي على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهي نفي الخزي المخلد. ويحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك، وإذا كان المثبت هو الأول والمنفي هو الثاني لم يلزم التنافي. واحتجت المرجئة بالآية على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص} تفسير : [البقرة:178] ولقوله: {أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} تفسير : [الحجرات:9] والمؤمن لا يخزى لقوله: {أية : يوم لا يخزي الله النبي} تفسير : [التحريم:8] والمدخل في النار مخزي بهذه الآية. والمقدمات بأسرها يدخلها المنع. أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمناً وإن كان قبله مؤمناً، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئيه الموضوع كما تقرر آنفاً. وقد يتمسك حكماء الإسلام بهذا في أن العذاب الروحاني أشد لأنه بين سبب الاستعاذة بالإخزاء الذي هو التخجيل وهو أمر نفساني. وقد يتمسك المعتزلة بقوله: {وما للظالمين} أي الداخلين في النار {من أنصار} أي في نفي الشفاعة للفساق لأنها نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع. والجواب أن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله: {أية : والكافرون هم الظالمون} تفسير : في [البقرة:254] وأيضاً لا تأثير للشفاعة إلا بإذن الله فيؤول معنى الآية إلى أن الأمر يومئذٍ لله. وعلى هذا ففائدة تخصيص الظالمين بهذا الحكم أنه وعد المتقين الفوز فلهم هذه الحجة بخلاف الفساق. وأيضاً أدلة الشفاعة مخصصة لعموم الآية. قالوا: الفاسق لا يخرج من النار وإلا كان مخرجه ناصراً له. وعورض بالآيات الدالة على العفو {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي} تقول: سمعت رجلاً يتكلم بكذا فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع اكتفاء بما وصفته به، أو جعلته حالاً عنه. والمنادي عند الأكثرين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : ادع إلى سبيل ربك} تفسير : [النحل:125] {أية : أدعوا إلى الله} تفسير : [يوسف:108] {أية : وداعياً إلى الله} تفسير : [الأحزاب:46] وقيل: القرآن كما نسب إليه الهداية في قوله: {أية : إن هذا القرآن يهدي} تفسير : [الإسراء:9] كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من الدلائل كما قيل في جهنم {أية : تدعو من أدبر وتولى} تفسير : [المعارج:17] والفصحاء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ لدلالة تصاريفه قال: شعر : يا واضع الميت في قبره خاطبك الدهر فلم تسمع تفسير : ويقال: ينادي إلى كذا ولكذا ودعاه إليه وله وهداه للطريق وإليه فيقام كل من اللام و"إلى" مقام الأخرى نظراً إلى وقوع معنى الانتهاء والاختصاص معاً. وقال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير أي سمعنا منادياً للإيمان ينادي كما يقال: جاء مناد للأمير فنادى بكذا. وقيل: معناه لأجل الإيمان. ولهذا الغرض فسر بقوله: {أن آمنوا} و"أن" مفسرة أو مخففة معناه أي آمنوا أو بأن آمنوا والفائدة في الجمع بين المنادي وينادي للإيمان هي فائدة الإطلاق ثم التقييد والإجمال ثم التفصيل من رفع شأن المطلق والمجمل، وكونه حينئذٍ أوقع في النفس وأعز. {فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا} أصل الغفر والتكفير كلاهما الستر والتعطية. وأما الذنوب والسيئات فقيل: هما واحد والتكرار للتأكيد والإلحاح، إن الله يحب الملحين في الدعاء. وقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر. وقيل: الأوّل أريد به ما تقدم منهم، والثاني المستأنف. وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنباً، والثاني ما أتى به مع الجهل بكونه ذنباً {وتوفنا مع الأبرار} أي معدودين منهم ومن أتباعهم أو مشاركين لهم في الثواب أو على مثل أعمالهم ودرجاتهم كقول الرجل: أنا مع الشافعي في هذه المسألة أي مساوٍ له في ذلك الاعتقاد. احتجت الأشاعرة بالآية على أن العفو غير مشروط بالتوبة لأنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب في {فاغفر} بعد قولهم: {آمنا} ثم إنه تعالى أجابهم إلى ذلك بقوله:{فاستجاب لهم} ويعلم منه ثبوت شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكبائر بالطريق الأولى. {ربنا وآتنا ما وعدتنا / على رسلك} أي على تصديق رسلك لأنها مذكورة عقيب ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول، وعقيب قوله: {آمنا} وهو التصديق، فتكون على صلة للوعد كقولك: وعد الله الجنة على الطاعة. ويحتمل أن يتعلق بمحذوف أي ما وعدتنا منزلاً على رسلك أو محمولاً على رسلك لأن الرسل يحملون ذلك فإنما عليه ما حمل. وقيل: على ألسنة رسلك والمتعلق كما ذكر والموعود هو الثواب. وقيل: النصر على الأعداء. وإنما دعوا الله بإنجاز ما وعد مع علمهم بأنه لا يخلف الميعاد كما صرحوا به في آخر الأدعية، لأن معظم الغرض من الدعاء إظهار سميا العبودية. أو المراد وفقنا للأعمال التي بها نصير أهلاً لوعدك، واعصمنا عما بها نكون أهلاً لإخزانك، أو طلبوا تعجيل النصرة على الأعداء. أو المراد احفظ علينا أسباب إنجاز الميعاد. وقيل: فيه دليل على أنهم طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق. ثم إن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم فلهذا ختموا الأدعية بقولهم {ولا تخزنا يوم القيامة} لأن التخجيل والتفضيح يكدّر صفو كل منٍّ وعطاء. والحاصل من هذه الآيات أنهم نظروا في المصنوع فعرفوا منه الصانع فقالوا: {ربنا} ثم تفكروا في عجيب خلقه وبديع شكله فعرفوا أن صانعه حكيم لا تخلو أفعاله من الفوائد والغايات وإن لم يكن مستكملاً بها فقالوا: {ما خلقت هذا باطلاً} ثم تأملوا في غاية الغايات ونهاية الحركات فوجدوها الإنسان المكلف على ألسنة الرسل، ووجدوا عاقبة التكليف الجنة أو النار فتضرعوا إلى معبودهم في توفيق الوصول إلى الجنة والخلاص من النار، ولأن دفع الضرر أهم من جلب المنفعة فجعلوا أول دعائهم وآخره الاستعاذة من العذاب، ولأن العذاب الروحاني عند العقلاء أشد من العذاب الجسماني فلا جرم وقع الختم على الاستعاذة من الإخزاء، اللهم شاركنا في هذا الدعاء واجعلنا من السعداء المتفكرين في ملكوت الأرض والسماء إنك واهب العطاء وكاشف الغطاء. عن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات "ربنا" أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد لأن الله تعالى حكى عنهم في هذه الآيات أنهم قالوا خمس مرات "ربنا" ثم قال: {فاستجاب لهم ربهم} أي أجابهم {أني} أي بأني {لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} "من" في {منكم} للتبعيض. لأن كل عامل فرد من أفراد المخاطبين وفي "من" ذكر للتبيين لأن العامل إما ذكر وإما أنثى وإضاعة العمل عبارة عن إضاعة ثوابه {بعضكم من بعض} أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر أي من أصله. أو المراد بعضكم كأنه من البعض الآخر لفرط اتصالكم واتحادكم كما يقال: فلان مني أي على خلقي وسيرتي. قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : من غشنا فليس منا " تفسير : وقيل: المراد وصلة الإسلام. وهذه جملة معترضة بيّن بها شركة النساء مع / الرجال فيما يرجع إلى استحقاق الثواب على العمل. روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت. ثم فصل عمل العامل منهم تفخيماً لشأن العمل وتنويهاً بذكره فقال: {فالذين هاجروا} أوطانهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعده باختيارهم {وأخرجوا من ديارهم} ألجأهم الكفار إلى الخروج {وأوذوا في سبيلي} يريد طريق الدين {وقاتلوا وقتلوا} من قرأ بالتشديد فللتكثير وتكرر القتل فيهم. وقيل: أي قطعوا. ومن قرأ {قتلوا وقاتلوا} فإما لأن الواو لا تفيد الترتيب والترتيب الطبيعي: قاتلوا حتى قتلوا. وإما من قولهم: قتلنا ورب الكعبة إذا ظهرت أمارات القتل وإذا قتل قومه وعشيرته. وإما بإضمار "قد" أي قتلوا وقد قاتلوا {لأكفرنّ} جواب للقسم المقدر {عنهم سيئاتهم} وهو الذي طلبوه بقولهم: {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا} {ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار} وهو الذي طلبوه بقولهم {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} {ثوباً من عند الله} وهو الذي طلبوه من الثواب المقرون بالتعظيم بقولهم: {ولا تخزنا يوم القيامة} أي ثوباً يختص به وبقدرته وبفضله لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه.يقول الرجل: عندي ما تريد أنا مختص به وبملكه وإن لم يكن بحضرته. و{ثواباً} نصب على المصدر المؤكد أي إثابة أو تثويباً من عنده لأن قوله: {لأكفرن} {ولأدخلنهم} في معنى لأثيبنهم. وقال الكسائي: هو منصوب على القطع أي على الحال. وقال الفراء: نصب على التفسير كقولك: هو لك هبة أوبيعاً أو صدقة. ثم ختم بقوله: {والله عنده حسن الثواب} لأنه القادر على كل المقدورات، العالم بكل المعلومات، القاضي جميع الحاجات. وفي تعليقه حسن الإثابة على احتمال المشاق في دينه والصبر على صعوبة تكاليفه دليل على أن حكمة الله تعالى اقتصت نوط الثواب والجنة بالعمل حتى لا يتكل الناس على فضله بالكلية، ولا يهملوا جانب العمل رأساً. عن الحسن: أخبر الله تعالى أنه استجاب لهم إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد له من تقديمه بين يدي الدعاء يعني قوله: {أية : والعمل الصالح يرفعه} تفسير : [فاطر:10] ثم إنه تعالى لما وعد المؤمنين الثواب العظيم وكانوا في الدنيا في غاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في التنعم، أراد أن يسليهم ويصبرهم فقال: {لا يغرنك} والخطاب لكل مكلف يسمعه أي لا يغرنك أيها السامع أو للرسول والمراد الأمة. قال قتادة: والله ما غرّوا نبي الله حتى قبضه الله وله. والمراد هو فلعل السبب في عدم اغتراره هو تواتر أمثال هذه الآيات عليه. قيل: إن مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت. وقيل: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت. والمراد بتقلبهم / تبسطهم وتصرفهم في المكاسب والمزارع والمتاجر ذلك التقلب أو الكسب والربح {متاع قليل} في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما وعد الله المؤمنين من الثواب، أو هو قليل في نفسه إذ لا نسبة لمدته إلى ما بين أمدي الأزل والأبد، ومع قلته سبب للوقوع في نار جهنم أبد الآبدين. والنعمة القليلة إذا كانت سبباً للمضرة العظيمة لم تكن في الحقيقة نعمة ولهذا استدرك وقال {لكن الذين اتقوا} الآية، ويدخل في التقوى الأوامر والنواهي. والنزل ما يعدّ للضيف ويعجل، ومن هنا تمسك به بعض الأصحاب في الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلاَ فلا بد من شيء آخر يكون اصلاً بالنسبة إليها، قلت: يحتمل أن يكون قوله: {أية : وما عند الله باق} تفسير : [النحل:96] إشارة إليه وهو مقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة. وقيل: المعنى وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وانتصاب {نزلاً} على الحال من {جنات} لتخصيصها بالوصف، والعامل معنى الاستقرار في لهم، أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقاً أو عطاء، أو نصب على التفسير كما قلنا في {ثواباً}. ثم إنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار بين حال مؤمني أهل الكتاب كلهم فقال: {وإن من أهل الكتاب} وهذا قول مجاهد. وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه. وقيل: في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا. وعن جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة: حديث : نزلت في النجاشي لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأصحاب: اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم. قالوا: ومن هو؟ قال: النجاشي: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه: استغفروا له. فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله هذه الآيةتفسير : . واللام في {لمن يؤمن} لام الابتداء الذي يدخل على خبر "إن" أو على اسمه عند الفصل كما في الآية. والمراد {بما أنزل إليكم} القرآن {وما أنزل إليهم} الكتابان و{خاشعين لله} حال من فاعل يؤمن لأن "من" في معنى الجمع فحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى {لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً} كما يفعله من لم يسلم من أحبارهم ورؤسائهم {أولئك لهم أجرهم عند ربهم} ولا يخفى فخامة شأن هذا الوعد حسبما أشار إليه بقوله: {إن الله سريع الحساب} لأنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل المقدورات فيعلم ويعطي ما لكل أحد من جزاء الحسنات والسيئات. أو المراد سرعة موعد حسابه / فتكون فيه بشارة بسرعة حصول الأجر. ثم ختم السورة بآية جامعة لأسباب سعادة الدارين، وذلك أن أحوال الإنسان قسمان: الأول ما يتعلق به وحده فأمر فيه بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن المنهيات، والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها. الثاني ما يتعلق بالمشاركة مع أهل المنزل أو المدينة فأمر فيه بالمصابرة، ويدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من الأقارب والأجانب، وترك الانتقام منهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد مع أعداء الدين بالحجة وبالسيف وباللسان أو بالسنان. ثم إنه لا بد للإنسان في تكلف أقسام بالصبر والمصابرة من قهر القوى النفسانية البهيمية والسبعية الباعثة على أضداد ذلك، فأمر بالمرابطة من الربط الشدّ. فكل من صبر على أمر فقد ربط قلبه عليه وألزم نفسه إياه. ثم لا بد في جميع الأعمال والأقوال من ملاحظة جانب الحق حتى يكون معتداً بها، فلهذا أمر بتقوى الله. ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام على وظيفة الربوبية وهو رجاء الفلاح منه، فظهر أن هذه الآية مشتملة على كنوز الحكم والمعارف وجامعة لآداب الدين والدنيا. ثم إنها على اختصارها كالإعادة لما تقدم في هذه السورة من الأصول. وهي: تقرير التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد. ومن الفروع كأحكام الحج والزكاة والجهاد. وعن الحسن {اصبروا} على دينكم فلا تتركوه بسبب الفقر والجوع {وصابروا} عدوّكم فلا تفشلوا بسبب ما أصابكم يوم أحد.وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم، فلا ينبغي أن يكونوا أصبر منكم. وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله تعالى في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها. ولما كثر ترغيب الله تعالى في الجهاد فيها أمرهم بالمصابرة مع الأعداء. أما البرابطة ففيها قولان: أحدهما أن يربط هؤلاء خيولهم في الثغور ويربط أولئك أيضاً خيولهم بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر قال تعالى: {أية : ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم} تفسير : [الأنفال:60] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رابط يوماَ وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة " تفسير : وثانيهما أنها انتظار الصلاة بعد الصلاة لما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: حديث : لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، ولكن انظار الصلاة خلق الصلاةتفسير : . وفي حديث أبي هريرة ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: فذلك الرباط ثلاث مرات والله أعلم. التأويل: / إن في خلق سموات القلوب وأطوارها، وخلق أرض النفوس وقرارها، واختلاف ليل البشرية وصفاتها، ونهار الروحانية وأنوارها، لآيات لأولي الألباب.الذين عبروا بقدمي الذكر والفكر عن قشر الوجود الجسماني، ووصلوا إلى لب الوجود الروحاني، فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر أن لهم وللعالم إلهاً قادراً حياً عليماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً. وإنما نالوا هذه المراتب لأنهم يذكرون الله في جميع الأحوال بالظاهر والباطن، ويتفكرون في خلق المصنوعات من البسائط والمركبات، ويقولون ما خلقت هذا باطلاً أي خلقته إظهاراً للحق على الخلق، ووسيلة للخلق إلى الحق. سبحانك تنزيهاً للحق عن الشبه بالخلق، {فقنا} باعد عنا عذاب نار قهرك والبعد عنك، ففيها كل الخزى والندامة والغواية والضلالة. ثم أخبر عن شرط العبودية في استجلاب فضل الربوبية بقوله: {ربنا إننا سمعنا} من هاتف الحق في الغيب بالسمع الحقيقي مناديا {فاغفر لنا ذنوبنا} أي كما أسمعتنا النداء بالإرادة القديمة لا بسعي منا قبل أن تخلقنا. فاغفر لنا بفضلك ورحمتك. {لا أضيع عمل عامل منكم} بالظاهر والباطن {من ذكر أو أنثى} على قدر همتكم ورجوليتكم {فالذين هاجروا} عن الأوطان والأوطار والأعمال السيئة والأخلاق الذميمة {وأخرجوا من ديارهم} من معاملات الطبيعة وديارها إلى عالم الحقيقة بسطوات تجلي صفات الربوبية {وأوذا في} طلبي بأنواع البلاء {وقاتلوا} مع النفس {وقتلوا} بسيف الصدق {لأكفرن عنهم} سيئات وجودهم {ولأدخلنهم جنات} الوصول فيها أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص والهدى والقناعة والعفة والمروءة والفتوّة والمجاهدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة والوفاء والطلب والمحبة والحياء والكرم والشجاعة والعلم والحلم والعزة والقدرة والهمة وغيرها من المقامات والأخلاق {تجري من تحتها الأنهار} أنهار العناية {ثواباً} من مقام العندية {والله عنده حسن الثواب} لايكون عند الجنة وغيرها {وإن من أهل الكتاب} من علماء الظاهر علماء متقين يكون إيمانه من نتيجة نور الله الذي دخل قلبه، و{يؤمن بما أنزل إليكم} من الواردات والإلهامات والكشوف {وما أنزل إليهم} من الخواطر الرحمانية {خاشعين لله} كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا تجلى الله لشيء خضع له"تفسير : {لا يشترون} بما أوتوا من العلم والحكمة عرض الدنيا {إن الله سريع الحساب} يوصلهم إلى مقام العندية قبل وفاتهم {اصبروا} على جهاد النفس بالرياضات {وصابروا} في مراقبة القلب عند الابتلاءات {ورابطوا} الأرواح للوصل بالله {واتقوا الله} في الالتفات إلى ما سواه {لعلكم تفلحون} فتفوزوا بالبقاء بالله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنه - تعالى - لما قرَّر الأحكام، وأجاب عن شُبَه المُبْطِلين، عاد إلى ذِكْر ما يدل على التوحيد فذكر هذه الآية. قال ابنُ عبيد قلت لعائشة - رضي الله عنها -: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكَتْ وأطالت، ثم قالت: حديث : كُلُّ أمره عَجَبٍ، أتاني في ليلتي، فدخل في لحافي، حتى ألصق جِلدَه بجلدي، ثم قال لي: يَا عَائِشَة، هَلْ لَكِ أنْ تَأذَنِي لِي اللَّيْلةَ في عِبَادَةِ رَبِّي؟ فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي لأحبُّكَ وأحِبُّ مُرَادَكَ، فَقَدْ أذِنْتُ لَكَ، فَقَامَ إلى قِرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ في البيتِ، فَتَوَضَّأ، ولم يُكْثِرْ من صَبِّ الْمَاءِ، ثُمَّ قَامَ يُصلِّي، فَقَرأ مِنَ الْقُرْآنِ، وجَعَلَ يَبْكِي، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى رَأَيْتُ دُمُوعَه قَدْ بَلَّتِ الأرْض فأتاه بلالٌ يُؤذنُهُ بِصَلاَةِ الْغَدَاةِ، فَرَآهُ يَبْكِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أتَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ؟ فَقَالَ: يَا بِلاَلُ، أفَلا أكُونُ عَبْداً شَكُوراً، ثُمَّ قَالَ: مَا لِيَ لا أبكي وَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآيات، ثُمَّ قَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا تفسير : وروي: حديث : ويلٌ لِمَنْ لاَكَها بَيْنَ فَكَّيْهِ وَلَمْ يَتَأمَّلْ فِيهَا . تفسير : وروي عن عَلِيٌّ - رضي الله عنه - حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قامَ من الليلِ يتسوكُ، ثم ينظر إلى السماء ويقول: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} . تفسير : واعلم أنه - تعالى - ذكر هذه الآية في سورة البقرة، وختمها بقوله: {أية : لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 164] وختمها هنا - بقوله: {لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} وذكر في سورة البقرة - مع هذه الدلائل الثلاثة - خمسة أنواعٍ أخر حتى كان المجموع ثمانية أنواع من الدلائل، وهنا اكتفى بذكر ثلاثةٍ - وهي السموات والأرض والليل والنهار - فأمّا الأول فلأن العقلَ له ظاهرٌ، وله لُبّ، ففي أولِ الأمرِ يكون عقْلاً، وفي كمالِ الحالِ يكون لُبًّا، ففي حالةِ كمالِهِ لا يحتاجُ إلى كَثرة الدلائلِ، فلذلك ذكر له ثلاثةَ أنواعٍ من الدلائلِ، وأسقط الخمسةَ، واكتفى بذكر هذه الثلاثة؛ لأن الدلائل السماوية أقْهَر وأبْهَر، والعجائب فيها أكثر. قوله: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ} فيه خمسة أوجهٍ: أحدها: أنه نعت لـِ {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} فهو مجرور. ثانيها: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين. ثالثها: أنه منصوب بإضمار أعني. وهذان الوجهان يُسَمَّيان بالقطع كما تقدم. رابعها: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: يقولون: ربنا. قاله أبو البقاء. خامسها: أنه بدل من {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} ذكره مكِّيٌّ، والأول أحسنها. و {قِيَاماً وَقُعُوداً} حالانِ من فاعلٍ {يَذْكُرُونَ} و {وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} حال - أيضاً - فيتعلق بمحذوف، والمعنى: يذكرونه قياماً وقعوداً ومضطجعين، فعطف الحال المؤوَّلة على الصريحة، عكس الآية الأخْرَى - وهي قوله تعالى: {أية : دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} تفسير : [يونس: 12] - حيث عطفَ الصريحةَ على المؤولة. و {قِيَاماً وَقُعُوداً} جَمْعان لقائمٍ وقاعدٍ، وأجِيز أن يكونا مصدرَيْن، وحينئذ يتأوَّلان على معنى: ذوي قيام وقعود، ولا حاجة إلى هذا. فصل قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عباس، والنَّخعيّ، وقتادة: هذا في الصلاة، يُصلي قائماً، فإن لم يستطعْ فعلى جَنْبٍ. وقال سائر المفسّرين: أراد به المداومة على الذكر في جميع الأحوال، لأن الإنسانَ قلما يخلو من إحدى هذه الحالات. قوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ} فيه وجهان: أظهرهما: أنها عطف على الصلة، فلا محلَّ لها. والثاني: أنها في محل نصبٍ على الحالِ، عطفاً على {قِيَاماً} أي: يذكرونه متفكِّرين. فإن قيل: هذا مضارع مثبت، فكيف دخلت عليه الواو؟. فالجوابُ: أن هذه واو العطف، والممنوع إنما هو واو الحال. و "خَلْق" فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر على أصْله، أي يتفكرون في صفة هذه المخلوقات العجيبة، ويكون مصدراً مضافاً لمفعوله. الثاني: أنه بمعنى المفعول، أي: في مخلوق السموات والأرض وتكون إضافته في المعنى إلى الظرف، أي: يتفكرون فيما أودع اللَّهُ هذين الظرفين من الكواكب وغيرها. وقال أبو البقاء: "وأن يكون بمعنى المخلوق، ويكون من إضافة الشيء إلى ما هو في المعنى". قال شِهَابُ الدّينِ: "وهذا كلامٌ متهافتٌ؛ إذ لا يُضاف الشيء إلى نفسه، وما أوهم بذلك يُؤَوَّل". فصل {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وما أبدع فيهما؛ ليدلهم ذلك على قدرة الصانع، [ويعرفوا] أن لها مُدَبِّراً حَكِيماً. وقال بعض العلماءِ: الفكرة تُذْهِب الغفلة، وتُحْدِث للقلب خشية، كما يُحْدث الماء للزرع والنبات، ولا أجليت القلوب بِمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفِكْرة. واعلم أن دلائلَ التوحيدِ محصورةٌ في قسمين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس، ولا شك أن دلائلَ الآفاق أجَلُّ وأعْظَمُ، كما قال تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] فلذلك أمر بالتفكر في خلق السموات والأرض؛ لأن دلالتها أعجب، وكيف لا تكون كذلك لو أنَّ الإنسانَ نظرَ إلى ورقةٍ صغيرةٍ من أوراقِ شجرةٍ رأى في تلك الورقةِ عِرْقاً واحداً مُمْتداً في وَسَطها، ثم يتشعَّب من ذلك العرق عروقٌ كثيرةٌ من الجانبين، ثم بتشعَّب منها عروق دقيقة، ولا يزال يتشعب من كل عرقٍ عروقٌ أخْرَى، حتى تصيرَ في الورقة بحيثُ لا يراها البَصَر، وعند هذا يعلم أن للحق في تدبير هذه الورقة على هذه الخلقة حِكَمَاً بَالِغَةً، وأسراراً عجيبةً، وأن الله تعالى أودَعَ فيها قوةً جاذبةً لغذائها من قََعْر الأرض، ثم إنّ ذلك الغذاء يجري في تلك العروق حتى يتوزَّع على كل جزءٍ من أجزاء تلك الورقةِ جُزْءٌ من أجزاء ذلك الغذاء - بتقدير العزيز العليم - ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلقه على تلك الورقة، وكيفية التدبير في إيجادها، وإيداع القوى الغذائية والنامية فيها لعجز عنه، فإذا عرف أن عقله قاصرٌ عن الوقوف على كيفية خلقه تلك الورقة الصغيرة، فحينئذ يقيس تلك الورقة إلى السموات - مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم - وإلى الأرض - مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان - عرف أن تلك الورقة - بالنسبة إلى هذه الأشياء - كالعدم، فإذا اعترف بقصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير، عرف أنه لا سبيل لَهُ - ألبتة - إلى الاطلاع على عجائب حِكمته في خَلْقِ السَّمَواتِ والأرض فلم يَبْقَ - مع هذا - إلا الاعترافُ بأنّ الخالقَ أجَلّ وأعظم من أن يُحِيط به وَصْفُ الواصفينَ ومعارفُ العارفين، بل يسلّم أن كل ما خلق ففيه حِكَمٌ بالغة -وإن كان لا سبيلَ له إلى معرفتها - فعند ذلك يقول: {سُبْحَانَكَ} والمرادُ منه الاشتغال بالتهليل والتسبيح والتحميد، ويشتغل بالدعاء، فيقول: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}. قوله: {رَبَّنَآ} هذه الجملة في محل نصب بقول محذوف، تقديره: يقولون، والجملة القولية فيها وجهان: أظهرهما: أنها حال من فاعل "يَتَفَكَّرُونَ" أي: يتفكرون قائلين قائلين ربنا، وإذا أعربنا "يَتَفَكَّرُونَ" حالاً - كما تقدم - فيكون الحالان متداخلين. والوجه الثاني: أنها في محل رفع؛ خبراً لـِ "الَّذِينَ" على قولنا بأنه مبتدأ، كما تقدم نقله عن أبي البقاءِ. قوله: "هَذَا" إشارة إلى الخلق، إن أريد به المخلوق، وأجاز أبو البقاء - حال الإشارة إليه بـ "هذا" - أن يكون مصدراً على حاله، لا بمعنى المخلوق، وفيه نظرٌ. أو إلى السّموات والأرض - وإن كانا شيئين، كل منهما جمع - لأنهما بتأويلِ هذا المخلوق العجيب، أو لأنهما في معنى الجَمْعِ، فأشير إليهما كما يُشار إلى لفظِ الجمعِ. قوله: "بَاطِلاً" في نصبه خمسةُ أوجهٍ: أحدها: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: خَلْقاً باطلاً، وقد تقدم أن سيبويه يجعل مثل هذا حالاً من ضمير ذلك المصدر. الثاني: أنه حالٌ من المفعولِ به، وهو "هَذَا". الثالث: أنه على إسقاطِ حرفٍ خافضٍ - وهو الباء - والمعنى: ما خلقتهما بباطلٍ، بل بحَقٍّ وقُدْرَةٍ. الرابع: أنه مفعول من أجله، و "فاعل" قد يجيء مصدراً، كالعاقبة، والعافية. الخامس: أنه مفعولٌ ثانٍ لـ "خلق" قالوا: و "خلق" إذا كانت بمعنى "جَعَلَ" التي تتعدى لاثنين، تعدّت لاثنين. وهذا غيرُ معروفٍ عند أهلِ العربيةِ، بل المعروف أن "جعل" إذا كانت بمعنى "خلق" تعدت لواحدٍ فقط. وأحسن هذه الأعاريب أن تكون حالاً مِنْ "هَذَا" وهي حالٌ لا يُستغنَى عَنْهَا؛ لأنها لو حُذِفَتْ لاختلَّ الكلامُ، وهي كقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} تفسير : [الدخان: 38]. قوله: {سُبْحَانَكَ} تقدم إعرابه، وهو معترض بين قوله: {رَبَّنَآ} وبين قوله: {فَقِنَا}. وقال أبو البقاء: "دخلت الفاء لمعنى الجزاءِ، والتقدير: إذا نزهناك، أو وَحَّدْناك فقنا". وهذا لا حاجةَ إليه، بل التسبب فيها ظاهر؛ تسبب عن قولهم: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ} طلبهم وقاية النار. وقيل: هي لترتيب السؤالِ على ما تضمنه {سُبْحَانَكَ} من معنى الفعل، أي: سبحانك فقنا. وأبْعَد مَنْ ذَهَب إلى أنها للترتيب على ما تضمنه النداء. فصل قالتِ المعتزلةُ: دلَّتْ هذه الآيةُ على أنّ كلَّ ما يفعله الله تعالى، فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبيد، ولأجل الحكمة، والمراد منها رعاية مصالح العباد، قالوا: لأنه لو لم يخلق السمواتِ والأرضَ لغرض كان قد خلقهما باطلاً، وذلك ضد هذه الآية، قالوا: وقوله: {سُبْحَانَكَ} تنزيهٌ له عن خَلْقِه لهما باطلاً. وأجابَ الواحدي: بأنّ الباطل هو الذاهبُ الزائلُ؛ الذي لا يكون له قوةٌ ولا صلابةٌ ولا بقاءٌ، وخَلْق السمواتِ والأرض مُحْكَمٌ، مُتْقَن، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} تفسير : [الملك: 3]؟ وقوله تعالى: {أية : وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} تفسير : [النبأ: 12]. فكان المرادُ من قوله: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} هذا المعنى، لا ما ذكره المعتزلة. فإن قيل: هذا الوجهُ مدفوعٌ بوجوهٍ: الأول: لو كان المرادُ بالباطلِ: الرخو، المتلاشي؛ لكان قوله: {سُبْحَانَكَ} تنزيهاً لهُ أنْ يخلق مثل الخلق، وذلك باطلٌ. الثاني: أنه إنما يحسن وصل قوله: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه؛ لأن التقدير: ما خلقته باطلاً بغير حكمةٍ، بل خلقته بحكمةٍ عظيمةٍ. فعلى قولنا يحسن النظم، وعلى قولكم بشدة التركيب لم يحسن النَّظمُ. الثالثُ: أنه - تعالى - ذكر هذا في آيةٍ أخْرى، فقال: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [ص: 27] وقال في آية أخرى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الدخان: 38- 39] وقال: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [المؤمنون: 115 و 116]. أي: فتعالى الملك الحقُّ على أنْ يكونَ خلقه عَبَثاً، وإذا لم يكن عبثاً فامتناعُ كونِهِ باطلاً أولَى. فالجواب: أنّ بديهةَ العقلِ شاهدةٌ بأنّ الموجودَ إما واجبٌ لذاته، وإما ممكن لذاته، وشاهدة بأنّ كلَّ ممكنٍ لذاته فإنه لا بد وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته، وإذا كان كذلك وجب أن يكونَ الخير والشر بقضاء اللَّهِ، وإذا كان كذلك امتنع أن يكونَ المرادُ من الآية تعليلُ أفعالِ اللهِ - تعالى - بالمصالح وأما قوله: لو كان كذلك لكان قوله: {سُبْحَانَكَ} تنزيهاً عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة، وذلك باطلٌ، فجوابُهُ: لِمَ لا يجوز أن يكون المرادُ: ربنا ما خلقت هذا رخواً فاسدَ التركيب، بل خلقته صلباً محكماً؟ وقوله: {سُبْحَانَكَ} معناه: أنك إن خلقت السمواتِ والأرضَ صلبةً، شديدةً، باقيةً، فأنت منزهٌ عن الاحتياج إليه والانتفاع به. وأما قولهم: إنما يحسن وصل قوله: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} به إذا فسَّرناه بقولنا، فالجوابُ: لا نسلم بل وجه النظم أنّ قوله: {سُبْحَانَكَ} اعتراف بكونه غنياً عن كل ما سواه، وإذا وصفه بالغنى يكون قد اعترف لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة، فقال: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} وهذا الوجه أحسن في النظم. وأما سائر الآيات التي ذكروها فهي دالةٌ على أن أفعاله منزهة عن اتصافها بالعبث، واللعب، والبطلان ونحن نقولُ بموجبه، وأنّ أفعَالهُ كُلَّها حكمةٌ وصوابٌ. وقوله: {سُبْحَانَكَ} إقرارٌ بعجز العقولِ عن الإحاطة بآثار اللَّهِ في خلق السمواتِ والأرضِ. يعني أنَّ الخلقَ إذا تفكروا في هذهِ الأجسامِ العظيمةِ لم يعرفوا منها إلا هذا القدر. والمقصود منه تعليم العبادِ كيفية الدعاء وآدابه، وذلك أنّ من أراد الدعاء فليقدم الثناءَ، ثم يذكر بعده الدعاء، كهذه الآيةِ. قوله: {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ} "من" شرطية، مفعول مقدم، واجب التقديم، لأن له صدرَ الكلام، و "تُدْخِل" مجزوم بها، و {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} جوابٌ لها. وحكى أبو البقاءِ عن بعضهم قولين غريبين: الأول: أن تكون "من" منصوبة بفعل مقدَّر، يُفَسِّره قوله: {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}. وهذا غلطٌ؛ لأن مَنْ شرط الاشتغال صحة تسلط ما يفسِّر على ما هو منصوب، والجوابُ لا يعمل فيما قبل فعل الشرط؛ لأنه لا يتقدم على الشرط. الثاني: أن تكون "مَنْ" مبتدأ، والشرطُ وجوابُهُ خبر هذا المبتدأ. وهذان الوجهان غلط، والله أعلم. وعلى الأقوالِ كُلِّها فهذه الجملةُ الشرطيةُ في محل رفع؛ خبراً لـِ "إنَّ". ويقال: خزيته وأخزيته ثلاثياً ورباعياً - والأكثر الرباعي، وخَزِيَ الرجلُ يَخْزَى خِزْياً - إذا افتضح - وخزايةً - إذا استحيا - فالفعل واحدٌ، وإنما يتميز بالمصدرِ. قال الواحديُّ: الإخزاء - في اللغة - يَرِد على معانٍ يقرب بعضُها من بعض. قال الزَّجَّاجُ: أخْزَى الله العدُوَّ: أي: أبعده. وقال غيره: أخزاه اللَّهُ: أي: أهانه. وقال شمر: أخزاه اللَّهُ: أي: فضحه، وفي القرآن: {أية : وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} تفسير : [هود: 78]. وقال المفضَّلُ: أخزاه الله: أي: أهلكه. وقال ابنُ الأنباري: الخِزْي - في اللغة - الهلاك بتلف أو انقطاع حجة، أو وقوع في بلاء، وكل هذه الوجوه متقاربة. وقال الزمخشريُّ: "فَقَدْ أخْزَيْتَهُ" أي: أبلغت في إخزائه. فصل قالت المعتزلةُ: هذه الآيةُ دالةٌ على أن صاحب الكبيرةِ - من أهل الصَّلاةِ - ليس بمؤمن؛ لأن صاحبَ الكبيرة إذا دخل النار فقد أخزاهُ اللَّهُ؛ لدلالة هذه الآية، والمؤمن لا يخزى؛ لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} تفسير : [التحريم: 8] فوجب من [مجموع هاتين] الآيتين ألا يكون صاحب الكبيرةِ مؤمناً. والجواب أن قوله: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} تفسير : [التحريم:8] لا يقتضي نفي الإخزاء مطلقاً، وإنما يقتضي ألا يحصل الإجزاءُ حال ما يكونون مع النبيّ، وهذا النفيُ لا يناقضه إثبات الإخزاء في الجملة؛ لاحتمال أن يَحْصُلَ الإخزاءُ في وقتٍ آخَرَ. وأجاب الواحديُّ في "البسيط" بثلاثة أجوبةٍ أُخَرَ. أحدها: أنه نقل عن سعيد بن المُسَيَّبِ، والثوري، وقتادة، أن قوله: "فَقَدْ أخْزَيْتَهُ" مخصوصٌ بمن يدخل النّارَ للخلودِ. وهذا الجوابُ ضعيفٌ؛ لأن مذهبَ المعتزلةِ أنّ كلَّ فاسقٍ دخل النَّارَ، فإنَّما يدخلُها للخلودِ فيها. وثانيها: أن المُدْخَل في النار مخزًى في حال دخوله، وإن كان عاقبته أن يخرج منها. وهذا -أيضاً - ضعيفٌ؛ لأنَّ موضعَ الاستدلالِ أن قوله: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} تفسير : [التحريم:8] يدل على نفي الخِزْي عن المؤمنين على الإطلاق، وهذه الآيةُ دلت على حصول الخِزْي لكل من دخل النّارَ، فحصل بحُكم هاتين الآيتين - بين كونه مؤمناً، وبين كونه كافراً - من يدخل النار - منافاةٌ. وثالثها: أنّ الإخزاءَ يحتمل وَجْهَيْن": أحدهما: الإهانة والإهلاك. وثانيهما: التخجيل، يقال: خَزِيَ خِزَايةً: إذا استحيا، وأخزاهُ غيرُه: إذا عمل به عملاً يُخْجله ويستحيي منه. قال ابنُ الخطيبِ: "واعلم أنّ حاصلَ هذا الجوابِ: أنَّ لفظَ الإخزاءِ مشتركٌ بين التخجيلِ وبين الإهلاكِ، واللفظُ لا يمكن حَمْله في طرفي النفي والإثبات على معنييه جميعاً، وإذا كانَ كذلك جاز أن يكون المنفي بقوله: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} تفسير : [التحريم: 8] غير المثبت في قوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} وعلى هذا يسقط الاستدلالُ، إلا أنّ هذا الجوابَ إنما يتمشى إذا كان لفظُ الإخزاء مشتركاً بين هذين المفهومين، أما إذا كان لفظاً متواطئاً، مفيداً لمعنًى واحدٍ وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحديُّ نوعين تحت جنس واحدٍ، سقط هذا الجوابُ؛ لأن قوله: {أية : لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} تفسير : [التحريم: 8] لنفي الجنس، وقوله: "فقد أخزيته" لإثبات النوع، وحينئذ تحصل المنافاةُ بينهما". قال القرطبيُّ: "وقال أهل المعاني: الخِزي أن يكون بمعنى الحياء، يقال: خَزِيَ يَخْزَى خزايةً إذا استحيا، فهو خَزْيان. قال ذو الرمة: [البسيط] شعر : 1714- خَزَايَةً أدْرَكَتْهُ عِنْدَ جُرْأتِهِ مِنْ جَانِبِ الحَبْلِ مَخْلُوطاً بِهَا الْغَضَبُ تفسير : فخِزْي المؤمنينَ - يومئذٍ - استحياؤهم في دخول النَارِ من سائرِ أهلِ الأدْيَانِ إلى أن يخرجوا مِنْهَا، والخِزْي للكافرين هو إهلاكهم فيها من غير موتٍ، والمؤمنون يموتون، فافترقوا، كذا ثبت في صحيح السنة، من حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أخرجه مسلمٌ". فصل احتجت المرجئة بهذه الآيةِ في القطعِ بأنَّ صاحبَ الكبيرةِ لا يُخْزَى، وكل مَنْ دخل النَّار فإنه يُخْزَى، فيلزم القطع بأنَّ صاحبَ الكبيرةِ لا يدخل النارَ، وإنما قُلْنا: صاحبُ الكبيرةِ لا يُخْزَى؛ لأن صاحبَ الكبيرةِ مؤمنٌ، والمؤمنُ لا يُخْزَى، وإنما قلنا: إنه مؤمنٌ؛ لقوله تعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحجرات: 9] سمي الباغي - حال كونِهِ باغياً - مؤمناً، والبغي من الكبائر بالإجماع، وأيضاً قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} تفسير : [البقرة: 178] سمى القاتلَ - بالعَمْد العدوان - مؤمناً، فثبت أنّ صاحبَ الكبيرةِ مؤمنٌ، وإنما قلنا: إن المؤمن لا يُخْزَى؛ لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} تفسير : [التحريم: 8] ولقوله: {أية : وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [آل عمران: 194]، ثم قال: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} تفسير : [آل عمران: 195] وهذه الاستجابة تدل على أنه - تعالى - لا يخزي المؤمنين، فثبت أن صاحبَ الكبيرِ لا يُخْزَى وكل مَنْ دخل النار فإنه يُخْزَى؛ لقوله تعالى: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} فثبت - بهاتين المقدمتين - أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار. والجوابُ: ما تقدم من أن قوله: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} تفسير : [التحريم: 8] إنما يدل على نَفْي الإخزاء حال كونهم مع النَّبِيّ، وذلك لا ينافي حصول الإخزاء في وقتٍ آخرَ. فصل عموم هذه الآية مخصوصٌ في مواضع، منها قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71] ثم قال: {أية : ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} تفسير : [مريم: 72] وأهل الثَّوابِ مصونونَ عن الخِزْي. ومنها: أنَّ الملائكةَ - الذين هم خَزَنَة جَهَنَّم يكونونَ في النَّارِ، وهُمْ - أيضاً - مصونونَ عَنِ الخزي، قال تعالى: {أية : عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. قوله: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} "مِنْ" زائدة، لوجودِ الشَّرْطَيْنِ، وفي مجرورها وجهانِ: أحدهما: أنه مبتدأ، وخبره في الجارّ قبله، وتقديمه - هنا - جائزٌ لا واجبٌ؛ لأنَّ النفي مسوَّغٌ وحَسَّن تقديمه كونُ مبتدئه فاصلةً. الثاني: أنه فاعل بالجارِّ قبله، لاعتماده على النفي، وهذا جائزٌ عند الجميعِ. فصل تمسَّك المعتزلةُ بهذه الآيةِ في نَفْي الشفاعةِ للفسَّاق؛ وذلك لأن الشفاعة، نوع نُصْرَةٍ، ونَفْي الجنس يقتضي نَفْيَ النَّوعِ، والجوابُ من وجوهٍ: أحدها: أن القرآنَ دلَّ على أنّ الظالمينَ - بالإطلاقِ - هم الكفَّارُ، قال تعالى: {أية : وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [البقرة: 254] ويؤكِّده ما حكى عن الكفار من نفيهم الشفعاء والأنصار في قولهم: {أية : فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 100- 101]. ثانيها: أنَّ الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا بإذن اللَّهِ تَعَالَى، قال تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255] وإذا كان كذلك لم يكن الشفيعُ قادراً على النُّصرَةِ إلا بعد الإذن، وإذا حصل الإذن ففي الحقيقة إنما ظهر العفو من اللَّهِ تَعَالَى، فقوله: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} يُفيد أنه لا حكمَ إلا لله، كما قال: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ} تفسير : [الأنعام: 62] وقال: {أية : وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار: 19]. فإن قيل: فعلى هذا التقديرِ لا يبقى لتخصيص الظالمينَ - بهذا الحكمِ - فائدةٌ. فالجوابُ: بل فيه فائدةٌ، لأنه وعد المؤمنينَ المتقينَ في الدُّنْيَا بالفوزِ بالثَّوابِ، والنجاةِ من العقابِ، فلهم يومَ القيامةِ هذه المنزلةُ، وأما الفُسَّاقُ فليس لهم ذلك، فصحَّ تخصيصهم بنَفْي الأنصارِ على الإطلاقِ. ثالثها: أن هذه الآيةَ عامةٌ، والأحاديثُ الواردةُ بثبوتِ الشفاعةِ خاصةٌ، والخاصُّ مقَدَّم على العامّ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه، ويده بيضاء للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً. فدعا ربه فنزلت {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} فليتفكروا فيها. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس قال: "حديث : بت عند خالتي ميمونة، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده. ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم "تفسير : . وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والطبراني والحاكم في الكنى والبغوي في معجم الصحابة "حديث : عن صفوان بن المعطل السلمي قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرهقت صلاته ليلة فصلى العشاء الآخرة ثم نام، فلما كان نصف الليل استيقظ فتلا الآيات العشر. آخر سورة آل عمران، ثم تسوّك، ثم توضأ فصلى إحدى عشرة ركعة ".
السلمي
تفسير : قال الواسطى: فى هذه الآية أثبت للعامة المخلوق فأثبتوا به الخالق فقال: {لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}. قال لأهل الحقائق، وقال للخواص "ألم تر إلى ربك". قال الجنيد رحمه الله: كل من أثبته بعلة فقد أثبت غيره، لأن العلة لا تصحب إلا معلولاً لأجل الحق عن ذلك. قال الواسطى فى هذه الآية: هو فرق بين معرفة العامة ومعرفة الموحدين، لأن العامة اعتقدته بما يليق به، وكل حالٍ أثبته العموم جحدته الخصوص فهو عند الخاص منزه عن كل ما وصفه به العام لأن العام أثبتوه من حيث العبودية والخاص أثبتوه من حيث الربوبية. قال بعضهم فى قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}: إن الخواص لم ينظروا إلى الكون والحوادث إلا بمشاهدة الآيات، وما شاهدوا الآيات إلا بمشاهدة الحق فيها، ومن شاهد الحق لم يمازج سريرته طعم الحدث، وأنَّى بالحدث لمن الحدث عنده غير حدث. قال النصرآباذى: من لم يكن من أولى الألباب لم يكن له فى النظر إلى السماوات والأرض اعتبار، وأولوا الألباب هم الناظرون إلى الخلق بعين الحق.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ}. الآيات التي تعرَّف الحق سبحانه وتعالى بها إلى العوام هي التي في الأقطار من العبَرِ والآثار، والآيات التي تعرَّف بها إلى الخواص فالتي في أنفسهم. قال سبحانه: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [فصلت: 53]؛ فالآيات الظاهرة توجِب علم اليقين، والآيات الباطنة توجِب عين اليقين. والإشارة من اختلاف الليل والنهار إلى اختلاف ليالي العباد؛ فليالي أهل الوصلة قصيرة، وليالي أهل الفراق طويلة؛ فهذا يقول: شعر : شهور ينقضين وما شعرنا بأنصافٍ لهن ولا سِرار تفسير : ويقول: شعر : صباحك سكر والمساء خمار فنمت وأيام السرور قصار تفسير : والثاني يقول: شعر : ليالي أقر الظاعنين (... ) شَكَوْتَ وليلُ العاشقين طويلُ تفسير : وثالث ليس له خبر عن طول الليل ولا عن قِصَرِه فهو لِمَا غَلَبَ عليه يقول: شعر : لستُ أدري أطال لَيْلِيَ أمْ لا؟ كيف يدري بذاك من يَتَقَلَّى؟! لو تَفَرَّغْتُ لاستطالةِ لَيْلِي ورعَيْتُ النجوم كنتُ مُحِلاَّ تفسير : قوله تعالى: {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}: أولو الألباب هم الذين صَحَتْ عقولُهم من سِكْر الغفلة. وأمارة مَنْ كان كذلك أن يكون نظرُه بالحق؛ فإذا نظر من الحقِّ إلى الحقِّ استقام نظره، وإذا نظر من الخَلْق إلى الحق انتكست نعمته، وانقلبت أفكاره مُورِّثَةً للشبهة. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً} الآية. استغرق الذكرُ جميعَ أوقاتهم؛ فإن قاموا فبذكره، وإن قعدوا أو ناموا أو سجدوا فجملة أحوالهم مستهلكة في حقائق الذكر، فيقومون بحق ذكره ويقعدون عن إخلاف أمره، ويقومون بصفاء الأحوال ويقعدون عن ملاحظتها والدعوى فيها. ويذكرون الله قياماً على بساط الخدمة ثم يقعدون على بساط القربة. ومَنْ لم يَسْلَمْ في بداية قيامه عن التقصير لم يسلم له قعودٌ في نهايته بوصف الحضور. والذكر طريق الحق - سبحانه - فما سلك المريدون طريقاً أصحَّ وأوضح من طريق الذكر، وإن لم يكن فيه سوى قوله: "أنا جليس من ذكرني" لكان ذلك كافياً. والذاكرون على أقسام، وذلك لتباين أحوالهم: فذكر يوجب قبض الذاكر لما يذكره من نَقْصٍ سَلَفَ له، أو قُبْحٍ حصل منه، فيمنعه خجله عن ذكره، فذلك ذكر قبض. وذكر يوجب بسط الذاكر لما يجد من لذائذ الذكر ثم تقريب الحقِّ إياه بجميل إقباله عليه. وذاكر هو محو في شهود مذكوره؛ فالذكر يجري على لسانه عادةً، وقلبه مُصْطَلَمٌ فيما بدا له. وذاكر هو محل الإجلال يأنف من ذكره ويستقذر وصفه، فكأنه لتصاغره عنه لا يريد أن يكون له في الدنيا والآخرة (ثناء) ولا بقاء، ولا كون ولا بهاء، قال قائلهم: شعر : ما إن ذكرتك إلا همّ يلعنني قلبي وروحي وسرى عند ذكراكا حتى كأنَّ رقيباً منك يهتف بي إياك ويحك والتذكار إياكا تفسير : والذكر عنوان الولاية، وبيان الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة صفاء النهاية، فليس وراء الذكر شيء، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر، ومُنْشَأَةٌ عن الذكر. قوله جلّ ذكره: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ}. التفكر نعمة كل طالب، وثمرته الوصال بشرط العلم، فإذا سلم الذكر عن الشوائب ورد صاحبه على مناهل التحقيق، وإذا حصل الشهود والحضور سما صاحبه عن الفكر إلى حدود الذكر، فالذكر سرمد. ثم فكر الزاهدين في فناء الدنيا وقلة وفائها لطلابها فيزدادون بالفكرة زهداً فيها. وفكر العابدين في جميل الثواب فيزدادون نشاطاً عليه ورغبةً فيه. وفكر العارفين في الآلاء والنعم فيزدادون محبةً للحق سبحانه. قوله جلّ ذكره: {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}. التسبيح يشير إلى سبح الأسرار في بحار التعظيم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} فى هذه الاية اشارة لطيفة وذلك ان الله سبحانه وصف الربانين بادراك انور صفة الازل وذات القدم فى ظهورقدرته فى فعله اى لهم برهان منه اليه لا من الخلق لان فى ايجاده غلقة يدركه نظار المعارف وحذاق الكواشف لا فى رؤية الخلق لان الحدث حجاب عن رؤية القدم وهذا مقام الخليل صلوات الله عليه احسن الادب وعلل فى السوال برؤية الخلق مراده وادراك الربوبيت المحضة وذلك السوال اعظم من سوال موسى لان موسى سال رؤية الله تعالى قط بغير الواسطة وهذا عام وما سال الخليل بالواسطة ادق لانه سال سر التقدير والقدرة من كمال شوقه من معرفته الى نكرته ومن نكرته الى معرفته وايضا خص السماء بظهور الايات منها لانها مزينة بنور جلاله ملتبسة بسنا جماله لانها مرأة كواشف الصديقين وطرق معارج المرسلين الا ترى الى قوله الله نور السموات والارض وقال وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات والارض وكشف جلاله للخليل بواسطة الشمس والقمر والنجم حتى قال هذا ربى وخاصية الارض لموقع اقدام الصديقين والانبياء والمرسلين واشراق نوره للمراقبين والمشاهدين لانها مقبوضة بطش الحق بقبضة العزة قوله والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه واخبر النبى صلى الله عليه وسلم فى معالم القدرة عن ظهور جلال الازل من مواقف المقدسية بقوله جاء الله من سينا واستعلن بساعير واشرف من جبال فاران وخص الليل لانها محل مناجاة العارفين وكشوف عظمته فهو الازل بنعت الهيبة للموحدين وحض النهار لانه سبب فرحة المحبين وموضع بسط المشتاقين ورؤية جلاله للمبصرين الذين يرون الله فى مرأة الكون بنور القدرة وسناء المعرفة وفقوا الباب المعارف على هذه الشواهد وراؤ الشاهد قل المشاهد كما قال بعضهم ما نظرت الى شئ الا ورايت الله فيه راى الباء الحقيقة انور فعله فى السموات والارض والليل والنهار ثم اراهم فيها انوار القدرة الخاصة الصفاتية وارى ذاته تعالى فى انور الصفة فعلا الحقائق يلفظ المجهول وايهم على الاغيار اسرار معانى الخطاب بقوله الأيات وعنى بالأيات ما ذكرنا انشد بعضهم. شعر : ان المودة لم تزل موصولة قرر بلادى واكثروا دادى واحذر عداة الحى ان يلقوك وليظن العداة انك حادى تفسير : هذا محل الالتباس وشبيه ذلك ما اخبر تعالى لمن حق فهم ظهور جلال عظمته فى لباس المقهر وفعل المجهول من المقصرين فى نعوت الارادة حيث قال هل ينظرون الا ان ياتيهم الله فى ظل من الغمام ومع هذا لو كانوا هؤلاء شاهدين على نعت رؤية الفردانية لم تحلهم الى رؤية الصفة فى الأيات لانها وسائط تليق بمقام المحبة وافراد القدم عن الحدوث مقام اهل التوحيد حيث يرونه به لا بغيره الا ترى كيف خاطب الحق من انسلخ من نعوت الحدث الى نعوت الازل صلى الله عليه وسلم حيث قال الم تر الى ربك ولولا انهم حجبوا بالعقول ما ردهم الى رؤية الحوادث بان الله سبحانه خلق العقول لجولانها فى الايات بنعت التفكير والتذكير وخلق الارواح لتنفسهم نفخات تجلى القدس من بساتين الانس وايضا من احتاج فى معرفة الله سبحانه الا رؤية الايات لثبت بها وجود الحق سبحانه فهو عامى حيث يعرف القديم بالمحدث وان الاكوان تلاشت فى اول باد بدأ من نور العظمة والكبرياء القديم قال الجنيد كل من اثبته بعلة فقد اثبت غيره لان العلة لا تصبح الا معلولا جل الحق عن ذلك وقال الواسطى فى هذه الأية هو فرق ما بين معرفة العامة ومعرفة المحققين لان العامة اعتقد به بما يلق بطبعها والخواص اعتقدوا به بما يليق به وكل حال اثبته العموم حجدته الخصوص فهو عند الخاص منزه من كل ما وصفه به العامة لان العام اعتقدوه من حيث العبويجة والخاص اعتقدوه من حيث الربوبية وقال بعضهم ان الخواص لم ينظروا الى الكون والحوادث الا لمشاهدة الايات وما شاهدوا الايات الا لمشاهدة الحق فها ومن شاهد الحق لم يمازح سريرته طعم الحدث وقال انصر ابادى من لم يكن امن اولى الالباب لم يكن له فى النظر الى السموات والارض اعبتار والو الالباب هم الناظرون الى الخلق بعين الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان فى خلق السموات والارض} وذلك ان اهل مكة سألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام ان يأتيهم بآية لصحة دعواهم لانه كان يدعوهم الى عبادة الله وحده فنزل {ان فى خلق السموات والارض} خلقين عظيمين ويقال فيما خلق الله فى السموات من الشمس والقمر والنجوم وما خلق الله فى الارض من الجبال والبحار والاشجار والوحوش والطيور {واختلاف الليل والنهار} يعنى ذهاب الليل ومجيئ النهار ويقال فى اختلاف لونيهما او فى تفاوتهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر وانتقاصه بازدياده باختلاف حال الشمس بالنسبة الينا قربا وبعدا بحسب الازمنة {لآيات لاولى الالباب} لعبرات كثيرة لذوى العقل الخالص من شوائب الاوهام والخيالات. واللب خالص العقل فان العقل له ظاهر وله لب ففى اول الامر يكون عقلا وفى حال كماله ونهاية امره يكون لبا.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن في خلق السماوات والأرض} وأظهارهما للعيان، لَدلائل واضحة على وجود الصانع، وكمال قدرته، وعلمه، لذوي العقول الكاملة الصافية، الخالصة من شوائب الحس والوهم. قال البيضاوي: ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية؛ لأن مناط الاستدلال هو التغير، وهذه متعرضة لجملة أنواعه، فإنه - أي التغير - إما أن يكون في ذات الشيء، كتغير الليل والنهار، أو جزئه، كتغير الناميات بتبدل صورها، أو لخارج عنها، كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : وَيْلٌ لمن قَرَأَهَا ولَمْ يَتَفَكَرْ فِيْهَا ". تفسير : الإشارة: الخلق هو الاختراع والإظهار، فإظهار هذه التجليات الأربعة يدل على الحقّ - تعالى - تجلى لعباده بين الضدين، بين النور والظلمة، بين القدرة والحكمة، بين الحس والمعنى، وهكذا خلق من كل زوجين اثنين، ليقع الفرار من إثنينية حسهما إلى فردية معناهما، ففرّوا إلى الله، فالسماوات والنهار نورانيان، والأرض والليل ظلمانيان، ففي ذلك دلالة على وحدة المعاني، فلا تقف مع الأواني، وخُض بحر المعاني، لعلك تراني. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : في هذه الآية دلالة على وجوب النظر والفكر، والاعتبار بما يشاهد من الخلق والاستدلال على الله تعالى، ومدح لمن كانت صفته هذه، ورد على من أنكر وجوب ذلك، وزعم أن الايمان لا يكون إلا تقليداً وبالخبر، لأنه تعالى أخبر عما في خلق السماوات والارض، واختلاف الليل والنهار من الدلالات عليه وعلى وحدانيته، لأن من فكر في السماوات وعظمها وعجائب ما فيها من النجوم والافلاك، ومسير ذلك على التقدير الذي تسير عليه، وفكر في الارض وما فيها من ضروب المنافع، وفي اختلاف الليل والنهار ومجيئهما بالأوقات والازمنة التي فيها المصالح، واتساق ذلك وانتظام بعضها إلى بعض، وحاجة بعضها إلى بعض حتى لو عدم شيء منه لم يقم ما سواه [مقامه] علم أن ذلك لا يكون إلا من مدبر قادر عليم حكيم واحد، لأنه لو كان قادراً، ولم يكن عالماً بالعواقب لما أغنت القدرة شيئاً، ولو كان عالماً غير حكيم في فعله لما أغنى العلم شيئاً، ولو كانا اثنين ما انتظم تدبير، ولا تم خلق، ولعلا بعضهم على بعض، كما قال تعالى: {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } تفسير : فكيف ينسب إلى الفقر من كان جميع ما في السماوات والاض بيده، أم كيف يكون غنياً من كان رزقه بيد غيره إذا شاء رزقه وإذا شاء حرمه، ويدل على أن خالق الجسم لا يشبهه، لأنه لو أشبهه لكان محدثاً مثله، ويدل على أنه قديم، لأنه لو كان محدثاً لاحتاج إلى محدث ولأدى ذلك إلى ما لا يتناهى ويدل أيضاً على أنه قادر على جميع الاجناس، لأنه من قدر على الجسم يقدر على سائر الاجناس، ووجه الدلالة من خلق السماوات والارض على الله هو ان الانسان إذا فكر ورأى عظمها، وثقل الارض ووقوفها على غير عمد يقلها، وحركة السماوات حولها لا على شيء يدعمها، علم أن الممسك لذلك هو الذي لا يشبه الاجسام ولا المحدثات، لأنه لو اجتمع جميع الخلق على أن يمسكوا جسما خفيف المقدار، ويقلوه في الجو من غير أن يدعموه لما قدروا عليه، فعلم حينئذ ان الذي يقدر عليه مخالف لجميع الاشياء وعلم أيضاً أنها لو كانت السماوات والارض معتمدة على غيرها لكان ذلك الغير يحتاج إلى ما يعتمد عليه وفي ذلك اثبات ما لا يتناهى من الاجسام، وذلك محال فهذا أحد وجوه دلالة السماوات والارض، وهو أحد ما قال {إن في ذلك لآيات لأولي الألباب} ووجه الدلالة من اختلاف الليل والنهار هو أن جميع الخلق لو اجتمعوا على أن يأتوا بالليل بدلا من النهار، أو النهار بدلا من الليل أو ينقصوا، أو يزيدوا من أحدهما في الآخر لما قدروا عليه، كما قال:{أية : قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون. ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} تفسير : وقوله: {لأولي الألباب} معناه لذوي العقول. واللب: العقل سمي به لأنه خير ما في الانسان واللب من كل شيء خيره، وخالصه. فان قيل: فما وجه الاحتجاج بخلق السماوات [والأرض] على الله ولم يثبت بعد انها مخلوقة قيل عند ثلاثة أجوبة: أولها - على تقدير اثبات كونها مخلوقة قبل الاستدلال به لأن الحجة به قامت عليه من حيث أنها لم تنفك من المعاني المحدثة. الثاني - أن الغرض ذكر ما يوجب صحة الذي تقدم ثم يترقى من ذلك إلى تصحيح ما يقتضيه على مراتبه، كالسؤال عن الدلالة على النبوة فيقع الجواب بذكر المعجزة دون ما قبلها من الرتبة. الثالث - أن تعاقب الضياء والظلام يدل على حدوث الاجسام.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} استئناف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ للتّعليل على مالكيّته وعموم قدرته لانّ فيهما وفى تنضيدهما وتعانقهما وتعاشقهما واختلاف حركات السّماوات واوضاع كواكبها واختلاف اوضاعها وظهور الآثار المختلفة منها فى الارض {وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} بتعاقبهما وتخالفهما بالزّيادة والنّقيصة وبالآثار المترتّبة عليهما من اختلاف فصول الارض وتوليد المركّبات التامّة والنّاقصة {لآيَاتٍ} دالّة على علمه تعالى وحكمته وعموم قدرته ومالكيّته وكمال عنايته بخلقه {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} وهم الّذين بايعوا البيعة الخاصّة الولويّة وقبلوا الدّعوة الباطنة واقرّوا بولاية علىّ (ع) فانّ غيرهم وان بلغ ما بلغ فى العلم والزّهد والتّقوى والعبادة بحيث لو عبد الله سبعين خريفاً قائماً ليله صائماً نهاره لم تكن منه مقبولة ولأكّبه الله على منخريه فى النّار لانّه لم يكن له لبّ ولا لعلمه مقدار، واولوا الالباب هم الّذين يستدلّون بدقائق الصّنع على دقائق الحكمة الدّالّة على عموم القدرة وعموم المالكيّة لله.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض} الآية، روي عن ابن عباس جاءت قريش إلى اليهود وقالوا: ما جاءكم به موسى؟ قالوا: العصا ويده البيضاء، فأتوا النصارى وقالوا: ما جاءكم به عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمَّه والأبرص ويحيي الموتى، فأتوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: ادع لنا ربَّك يجعل لنا الصفا ذهباً فنزلت الآية، وروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : ويل لمن لاكها بين فكَّيه ولم يتأملها"تفسير : ، يعني هذه الآيات، وروي: "حديث : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" تفسير : وعن علي (عليه السلام): "حديث : أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا قام من الليل تسوك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: إن في خلق السموات والأرض الآية" تفسير : وحكي أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة فعبد واحدٌ منهم فلم تُظِلُّه فقالت له أُمُّه: لعل فرطةً فرطت منك في مدتك؟ قال: ما أذكر: قالت: لعل نظرت مرة في السماء فلم تعتبر؟ قال: لعل، قالت: فما أُتِيت إلا من ذلك، قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً} ذكراً دائماً على أي حال من قيام وقعود واضطجاع لا يخلون من الذكر، وعن ابن عمر وعروة بن الزبير وجماعةً أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلَّى فجعلوا يذكرون الله فقال بعضهم: أما قال الله: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً} فقاموا يذكرون الله على إقدامهم، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من أحب أن يرتع في رياض الجنَّة فليكثر ذكر الله" تفسير : وقيل: معناه يصلون في هذه الأحوال على حسب استطاعتهم {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} وما يدل عليه اختراع هذه الاجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبَّر فيهما مما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه على عظم شأن الصانع وعن سفيان الثوري أنه صلَّى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء فلما نظر إلى الكواكب غشي عليه وكان يبوِّل الدم من طول حزنه وفكرته وقال (عليه السلام): "لا عبادة كالتفكُّر" وقال: "الفكرة تذهب الصِلة وتجلب في القلب الخشية" وروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "حديث : لا تفضلوني على يونس بن متَّى فإنه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض" تفسير : وإنما كان ذلك بالتفكُّرْ في أمر الله الذي هو عمل القلب لأن أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض، قوله تعالى: {ربنا ما خلقت هذا باطلاً} على إرادة القول أي يقولون ذلك، قوله تعالى: {ربنا إننا سمعنا منادياً} قيل: هو الرسول، وقيل: القرآن، قوله تعالى: {وتوفنا مع الأبرار} أي العاملين البر، قوله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم}، أي المؤمنين الذين تقدم ذكرهم، وعن الحسن: ما زالوا يقولون ربنا حتى استجاب لهم ربهم، {إني لا أضيع عمل عامل منكم} أي وقال لهم لا أبطل عمل عامل منكم أيها المؤمنون، وروي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله ما بال الرجال يذكرون في الهجرة دون النساء فنزلت {لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} وروي في الكشاف عن جعفر الصادق (عليه السلام): "من أحزنه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد" وعن الحسن: حكى الله عنهم أنه قال خمس مرات ربنا ثم أخبر أنه استجاب لهم، {بعضكم من بعض} قيل: حكم جميعكم في الثواب واحدٌ، وقيل: كلكم من آدم وحواء، وقيل: المؤمنين من المؤمنات والمؤمنات من المؤمنين في الموالاة، وقيل: رجالكم شكل نسائكم في الطاعة ونساؤكم شكل رجالكم، قوله تعالى: {فالذين هاجروا} يعني هاجروا عن أوطانهم فارين الى الله بدينهم، قوله تعالى: {وأوذوا في سبيلي} يعني سبيل الدين {وقاتلوا} يعني حاربوا الكفار في الدين {وقتلوا} قيل: قتلوا بعد المحاربة، وقيل: قاتل بعضهم وقتل بعضهم {لأكفرن عنهم سيئاتهم} لأمحوَّنَّ عنهم ذنوبهم {ولأدخلنَّهُم جنَّات تجري من تحتها الأنهار} أي من تحت أبنيتها وأشجارها {ثواباً من عند الله} أي: أثيبهم بذلك ثواباً، وقيل: هو ثواب لهم {والله عنده حسن الثواب}.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِى الأَلْبَابِ}: انهض القلوب إلى معرفة الله تعالى، وعبادته بذكر دلائل التوحيد، والعظمة، وذكر الأدعية بعدما طال الكلام فى الأحكام، والآية إما سماوية أو أرضية، كما قال: {إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أو مركبة منها، كما قال: {وَاخْتِلاَفِ الْلَّيْلِ وَالنَّهَار} لأن اختلافهما على الأرض بدوران الشمس فى السماء، ومعنى اختلاف الليل والنهار: تعاقبهما يجىء كل واحد بعد الآخر، وهما أيضاً مختلفان بالطول والقصر، والنور والظلمة. والألباب: العقول الخالصة، فإذا لب الشىء خالصة فإن العقل الغريزى إذا اتبع واستعمل، صار كسبياً، وتجرد وتخلص عن الكدورات، وكان يكفيه استدلال قليل، وفى اختلاف الليل والنهار فائدة التصرف فى النهار لطلب الأرزاق وغيرها، والسكون فى الليل والنوم فيه لإراحة الأجساد، والظلمة داعية للنوم لعدم تصرف البصر فيه. سأل أهل مكة النبى، صلى الله عليه وسلم، أن يأتيهم بآية فنزلت الآية: {إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَات..} إلخ رواه ابن عباس أن فى التفكر فى خلقه السماوات والأرض، مع عظمهما، لآيات واضحات على وحدانيته تعالى، أى فى إيجاده إياهما بعدم عدم، فخلق: مصدر مضاف للمفعول بعد حذف الفاعل، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول أصله التأخير، أى أن فى السماوات والأرض المخلوقات لآيات له. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تفكروا فى الخلق ولا تتفكروا فى الخالق"تفسير : وذلك لأنه لا يدرك فلا فائدة فى التفكر فيه، بل يؤدى إلى الشرك. قال ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: بت عند خالتى ميمونة، وقلت لأنظرن إلى صلاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وطرحت ميمونة وسادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدث معها ساعة ثم اضطجع معها فى طولها، واضطجعت فى عرضها فرقد حتى انتصف الليل، أو قبل انتصافه بقليل، أو بعده بقليل. وفى رواية إلى ثلث الليل الأخير، وهى تقوى أنه رقد أكثر من النصف بقليل ثم استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ونظر إلى السماء ثم قرأ عشر الآيات الخواتم من آل عمران، ثم قام إلى شن معلق فتوضأ وأحسن الوضوء، ثم قم يصلى فقمت وصنعت مثل ما صنع، وقمت عن يساره وأخذنى وجعلنى عن يمينه، وجعل يده اليمنى على رأسى، وأخذ بأذنى يقبلها، أى يزيل عنه العجز وبقية فشل النوم والله أعلم. فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح. حديث : قال ابن عمر قلت لعائشة: أخبرينى بأعجب ما رأيت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب، أتانى فى ليلتى فدخل فى لحافى حتى ألصق جلده بجلدى ثم قال يا عائشة: "هل تأذنين لى الليلة فى عبادة ربى"، فقلت: يا رسول الله إنى أحب قربك وأحب هواك، قد أذنت لك؟ فقام إلى قربة من ماء فى البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ثم قام يصلى فقرأ من القرآن وجعل يبكى حتى بلغ الدمع حقويه، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكى، ثم رفع يديه فجعل يبكى حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذن بصلاة الغداة فرآه يبكى، فقال له: يا رسول الله أتبكى وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً" ثم قال: وما لى لا أبكى وقد أنزل الله على فى هذه الآية {إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض...} ثم قال: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها"تفسير : وروى "حديث : ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأملها"تفسير : . وعن على: حديث : أن النبى صلى الله عليه وسلم، كان إذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: {إن فى خلق السماوات والأرض..} تفسير : وحكى: إن الرجل من بنى إسرائيل كان إذا عبد ثلاثين سنة، أظلته سحابة وعبد فتى منهم الله ثلاثين سنة فلم تظله، فقالت له أمه لعل فرطة فرطت منك فى مدتك قال: ما أذكر؟ قالت: لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر. قال: لعل ذلك. قالت: فما أوتيت إلا من ذلك.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تأكيد لما قبله وإقامة دليل عليه ولذا لم يعطف، وأتى بكلمة {إِنَّ} اعتناءاً بتحقق مضمون الجملة أي إن في إيجادهما وإنشائهما على ما هما عليه من العجائب والبدائع {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } أي تعاقبهما ومجيء كل منهما خلف الآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها التابعين لسباحتها في بحر قدرته سبحانه حسب إرادته، وخبر الخرزتين خارج عن سلك القبول وبفرض نظمه فيه مؤل، وثقب التأويل واسع وكون ذلك تابعاً لحركة السماوات وسكون الأرض ـ كما قاله مولانا شيخ الإسلام ـ مخالف لما ذهب إليه جمهور أهل السنة من المحدثين وغيرهم من سكون السماوات وتحرك النجوم أنفسها بتقدير الله تعالى العليم، وما ذهب إليه هو مذهب الحكماء المشهور بين الناس، وقد ذكر مولانا الشيخ الأكبر قدس سره ما يخالفه أيضاً حيث قال: إن الله سبحانه جعل هذه السماوات ساكنة وخلق فيها نجوماً تسبح بها وجعل لها في سباحتها حركات مقدرة لا تزيد ولا تنقص وجعلها تسير في جرم السماء الذي هو مساحتها فتخرق الهواء المماس لها فيحدث بسيرها أصوات ونغمات مطربة لكون سيرها على وزن معلوم فتلك نغمات الأفلاك الحادثة من قطع الكواكب المسافات السماوية، وجعل أصحاب علم الهيئة للأفلاك ترتيباً ممكناً في حكم العقل وجعلوا الكواكب في الأفلاك كالشامات على سطح الجسم وكل ما قالوه يعطيه ميزان حركاتها وإن الله تعالى لو فعل ذلك كما ذكروه لكان السير السير بعينه، ولذلك يصيبون في علم الكسوفات ونحوه، وقالوا: إن السماوات كالأكر وإن الأرض في جوفها وذلك كله ترتيب وضعي يجوز في الإمكان غيره وهم مصيبون في الأوزان مخطئون في أن الأمر كما رتبوه فليس الأمر إلا على ما ذكرناه شهوداً انتهى. ويؤيد دعوى أنه يجوز في الإمكان غيره ما ذهب إليه أصحاب الزيج الجديد من أن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلاً وأنها مركز العالم وأن الأرض وكذا سائر السيارات والثوابت تتحرك عليها وأقاموا على ذلك الأدلة والبراهين / بزعمهم وبنوا عليه الكسوف والخسوف ونحوهما ولم يتخلف شيء من ذلك فهذا يشعر بأنه لا قطع فيما ذهب إليه أصحاب الهيئة، ويحتمل أن يراد باختلاف الليل والنهار تفاوتهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر وانتقاصه بازدياده باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قرباً وبعداً بحسب الأزمنة، أو في اختلافهما وتفاوتهما بحسب الأمكنة إما في الطول والقصر فإن البلاد القريبة من قطب الشمال أيامها الصيفية أطول وليالها الصيفية أقصر من أيام البلاد البعيدة منه ولياليها، وإما في أنفسهما فإن كرية الأرض تقتضي أن يكون بعض الأوقات في بعض الأماكن ليلاً، وفي مقابله نهاراً، وفي بعضها صباحاً، وفي بعضها ظهراً أو عصراً أو غير ذلك، وهذا مما لا شبهة فيه عند كثير من الناس، وذكره شيخ الإسلام أيضاً ـ وليس بالبعيد ـ بل اختلاف الأوقات في الأماكن مشاهد محسوس لا يختلف فيه اثنان إلا أن في كرية الأرض اختلافاً، فقد ذكر مولانا الشيخ الأكبر قدس سره أن الله تعالى بعد أن خلق الفلك المكوكب في جوف الفلك الأطلس خلق الأرض سبع طبقات وجعل كل أرض أصغر من الأخرى ليكون على كل أرض قبة سماء فلما تم خلقها وقدر فيها أقواتها واكتسى الهواء صورة البخار الذي هو الدخان فتق ذلك الدخان سبع سماوات طباقاً وأجساماً شفافة وجعلها على الأرضين كالقباب على كل أرض سماء أطرافها عليها نصف كرة وكرة الأرض لها كالبساط فهي مدحية دحاها من أجل السماء أن تكون عليها وجعل في كل سماء من هذه واحدة من الجواري على الترتيب المعروف انتهى، والقلب يميل إلى الكرية والله لا يستحيـى من الحق؛ وما ذهب إليه الشيخ الأكبر قدس سره أمر شهودي وفيه الموافق والمخالف لما ذهب إليه معظم المحدثين وأكثر علماء الدين. والذي قطع به بعض المحققين أنه لم يجىء في الأحاديث الصحيحة المرفوعة ما يفصل أمر السماوات والأرض أتم تفصيل إذ ليست المسألة من المهمات في نظر الشارع صلى الله عليه وسلم والمهم في نظره منها واضح لا مرية فيه، وسبحان من لا يتعاصى قدرته شيء، والليل واحد بمعنى جمع وواحده ليلة مثل تمرة وتمر وقد جمع على ليال فزادوا فيها الياء على غير قياس، ونظيره أهل وأهال، ويقال: كان الأصل فيها ليلاة فحذفت لأن تصغيرها لييلية كذا في «الصحاح»، وصحح غير واحد أنه مفرد ولا يحفظ له جمع، وأن القول بأنه جمع والليالي جمع جمع غير مرضي فافهم، وقد تقدم الكلام مستوفى في الليل والنهار، ووجه تقديم الأول على الثاني. {لأَيَـٰتٍ } أي دلالات على وحدة الله تعالى وكمال علمه وقدرته، وهو اسم {إِنَّ} وقد دخله اللام لتأخره عن خبرها والتنوين فيه للتفخيم كماً وكيفاً أي آيات كثيرة عظيمة، وجمع القلة هنا قائم مقام جمع الكثرة، قيل: وفي ذلك رمز إلى أن الآيات الظاهرة وإن كانت كثيرة في نفسها إلا أنها قليلة في جنب ما خفي منها في خزائن العلم ومكامن الغيب ولم يظهر بعد {لأُِوْلِى ٱلألْبَـٰبِ } أي لأصحاب العقول الخالصة عن شوائب الحسّ والوهم، ومنه خبر: «حديث : إن الله تعالى منع مني بني مدلج لصلتهم الرحم وطعنهم في ألباب الإبل» تفسير : أي خالص إبلهم وكرائمها، ويقال: لب يلب كعض يعض إذا صار لبيباً وهي لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون: لبّ يلبّ كفرّ يفرّ، ويقال: لببَ الرجل بالكسر يلب بالفتح إذا صار ذا لب، وحكى لبب بالضم وهو نادر لا نظير له في المضاعف. ووجه دلالة المذكورات على وحدته تعالى أنها تدل على وجود الصانع لتغيرها المستلزم لحدوثها واستنادها إلى مؤثر قديم ومتى دلت على ذلك لزم منه الوحدة، ووجه دلالتها على ما بعد أنها في غاية الاتقان ونهاية الإحكام / لمن تأمل فيها وتفكر في ظاهرها وخافيها وذلك يستدعي كمال العلم والقدرة كما لا يخفى، وللمتكلمين في الاستدلال على وجود الصانع بمثل هذه المذكورات طريقان: أحدهما: طريق التغير، والثاني: طريق الإمكان، والأكثرون على ترجيح الثاني، والبحث مفصل في موضعه. وإنما اقتصر سبحانه هنا على هذه الثلاثة بعد ما زاده في البقرة لأن الآيات على كثرتها منحصرة في السماوية والأرضية والمركبة منهما، فأشار إلى الأولين بخلق السماوات والأرض، وإلى الثالثة باختلاف الليل والنهار لأنهما من دوران الشمس على الأرض، أو لأنهما بواسطة مفيض بحسب الظاهر وهو الجرم العلوي وقابل للإفاضة وهو الجرم السفلي القابل للظلمة والضياء قاله بعضهم، وقال ناصر الدين: لعل ذلك لأن مناط الاستدلال هو التغير، وهذه الثلاثة متعرضة لجملة أنواعه فإنه إنما يكون في ذات الشيء كتغير الليل والنهار، أو جزئه كتغير العناصر بتبدل صورها، أو الخارج عنه كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها، واعترض بأنه مبني على مذهب الحكماء في إثبات الهيولى والصورة والأوضاع الفلكية فلا يناسب تخريج كتاب الله تعالى عليه، ولعل الأولى من هذا وذاك ما قاله شيخ الإسلام في عدم التعرض لما ذكر في تلك السورة من أن المقصود هٰهنا بيان استبداده تعالى بما ذكر من الملك والقدرة، والثلاثة المذكورة معظم الشواهد الدالة على ذلك فاكتفى بها؛ وأما هناك فقد قصد في ضمن بيان اختصاصه تعالى بالألوهية بيان اتصافه تعالى بالرحمة الواسعة فنظمت دلائل الفضل والرحمة في سلك دلائل التوحيد فإن ما فصل هناك من آيات رحمته تعالى كما أنه من آيات ألوهيته ووحدته. ومما يؤيد كون المذكورات معظم الشواهد الدالة على التوحيد ما أخرجه الطبراني وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرىء الأكمة والأبرص ويحي الموتى فأتوا النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً فدعا ربه فنزلت: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لأَيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } وأخرج ابن حبان في «صحيحه»، وابن عساكر وغيرهما عن عطاء قال: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: وأي شأنه لم يكن عجبا؟ حديث : إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال: ذريني أتعبد لربـي فقام فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى ثم رفع رأسه فبكى فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فأذنه بالصلاة فقلت: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله تعالى لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً ولِمَ لا أفعل وقد أنزل الله تعالى عليَّ في هذه الليلة {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } إلى قوله سبحانه: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190-191] ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيهاتفسير : ، وكان صلى الله عليه وسلم على ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه إذا قام من الليل تسوك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } الآية. وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس قال: حديث : بتّ عند خالتي ميمونة فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل، أو بعده بقليل ثم استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم.
سيد قطب
تفسير : هذا هو الدرس الأخير في السورة التي ضمت ذلك الحشد الضخم الذي استعرضناه: من مقوّمات التصور الإسلامي. وتقرير هذه المقوّمات وتجليتها من الغبش واللبس في الجدل مع أهل الكتاب، ثم في الجدل مع المنافقين والمشركين، وبيان طبيعة هذا المنهج الإلهي وتكاليفه في الأنفس والأموال. وتعليم الجماعة المسلمة كيف تنهض بهذه التكاليف، وكيف تستقبل الابتلاء بالسراء والضراء، وكيف تتجرد لهذه العقيدة وتكاليفها الضخمة في الأنفس والأموال.. إلى آخر ما ضمه سياق السورة، واستعرضناه في الجزئين الثالث والرابع من هذه الظلال.. فالآن يجيء هذا الإيقاع الأخير في السورة - أو هذه الإيقاعات الأخيرة - متناسقة في موضوعها وفي أسلوبها مع ذلك الحشد من الإيقاعات من ناحية الموضوع ومن ناحية الأداء تجيء بحقيقة عميقة: إن هذا الكون بذاته كتاب مفتوح، يحمل بذاته دلائل الإيمان وآياته; ويشي وراءه من يد تدبره بحكمة; ويوحي بأن وراء هذه الحياة الدنيا آخرة وحساباً وجزاء إنما يدرك هذه الدلائل, ويقرأ هذه الآيات, ويرى هذه الحكمة، ويسمع هذه الإيحاءات {أولو الألباب} من الناس، الذين لا يمرون بهذا الكتاب المفتوح, وبهذه الآيات الباهرة مغمضي الأعين غير واعين! وهذه الحقيقة تمثل أحد مقومات التصور الإسلامي عن هذا "الكون" والصلة الوثيقة بينه وبين فطرة "الإنسان" والتفاهم الداخلي الوثيق بين فطرة الكون وفطرة الإنسان; ودلالة هذا الكون بذاته على خالقه من جهة; وعلى الناموس الذي يصرّفه وما يصاحبه من "غاية" و "حكمة" و "قصد" من جهة أخرى.. وهي ذات أهمية بالغة في تقرير موقف "الإنسان" من "الكون" و "إله" الكون سبحانه وتعالى. فهي ركيزة من ركائز التصور الإسلامي للوجود. يلي هذه الحقيقة في سياق الدرس استجابة الله {لأولي الألباب} وقد توجهوا إليه سبحانه بدعاء خاشع منيب؛ وهم يتدبرون كتاب الكون المفتوح، ويتأملون ما ينطق به من الآيات، وما يوحي به من الغايات.. استجابته لهم استجابة توجيهية إلى العمل والجهاد والتضحية والصبر، والنهوض بتكاليف هذا الإيمان، الذي ثابوا به من جولتهم الخاشعة في كتاب الكون المفتوح.. مع التهوين من شأن الذين كفروا وما قد يستمتعون به من أعراض هذه الحياة. وإبراز القيم الباقية في الجزاء الأخروي، التي ينبغي أن يحفل بها المؤمنون الأبرار. وعطفاً على الحديث الطويل في السورة عن أهل الكتاب ومواقفهم من المؤمنين، يرد هنا في هذا القطاع الأخير ذكر الفريق المؤمن، وجزاؤه المناسب، ويبرز من صفاتهم صفة الخشوع، التي تتناسق مع مشهد أولي الألباب أمام كتاب الكون المفتوح، ودعائهم الخاشع المنيب. وصفة الحياء من الله أن يشتروا بآياته ثمناً قليلاً، كأولئك الذين كفروا من أهل الكتاب, وتقدم وصفهم في السورة. ثم تجيء الآية الخاتمة تلخص التوجيهات الإلهية للجماعة المسلمة، وتمثل خصائصها المطلوبة، وتكاليفها المحددة، والتي بها يكون الفلاح: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله، لعلكم تفلحون}.. وهو ختام يناسب محور السورة الأصيل، وموضوعاتها الرئيسية، ويتسق معها كل الاتساق. {إن في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض: ربنا ما خلقت هذا باطلاً. سبحانك! فقنا عذاب النار. ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته، وما للظالمين من أنصار. ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان: أن آمنوا بربكم. فآمنا. ربنا فاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار. ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد...}.. ما الآيات التي في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار؟ ما الآيات التي تتراءى لأولي الألباب عندما يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، وهم يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم؟ وما علاقة التفكر في هذه الآيات بذكرهم الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم؟ وكيف ينتهون من التفكر فيها إلى هذا الدعاء الخاشع الواجف: {ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك! فقنا عذاب النار}.. إلى نهاية ذلك الدعاء؟ إن التعبير يرسم هنا صورة حية من الاستقبال السليم للمؤثرات الكونية في الإدراك السليم. وصورة حية من الاستجابة السليمة لهذه المؤثرات المعروضة للأنظار والأفكار في صميم الكون، بالليل والنهار. والقرآن يوجه القلوب والأنظار توجيهاً مكرراً مؤكداً إلى هذا الكتاب المفتوح؛ الذي لا تفتأ صفحاته تقلب، فتتبدى في كل صفحة آية موحية، تستجيش في الفطرة السليمة إحساساً بالحق المستقر في صفحات هذا الكتاب، وفي "تصميم" هذا البناء، ورغبة في الاستجابة لخالق هذا الخلق، ومودعه هذا الحق, مع الحب له والخشية منه في ذات الأوان!!! وأولو الألباب.. أولو الإدراك الصحيح.. يفتحون بصائرهم لاستقبال آيات الله الكونية؛ ولا يقيمون الحواجز، ولا يغلقون المنافذ بينهم وبين هذه الآيات. ويتوجهون إلى الله بقلوبهم قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، فتتفتح بصائرهم، وتشف مداركهم، وتتصل بحقيقة الكون التي أودعها الله إياه، وتدرك غاية وجوده، وعلة نشأته، وقوام فطرته. بالإلهام الذي يصل بين القلب البشري ونواميس هذا الوجود. ومشهد السماوات والأرض، ومشهد اختلاف الليل والنهار. لو فتحنا له بصائرنا وقلوبنا وإدراكنا. لو تلقيناه كمشهد جديد تتفتح عليه العيون أول مرة. لو استنقذنا حسنا من همود الإلف، وخمود التكرار.. لارتعشت له رؤانا، ولاهتزت له مشاعرنا، ولأحسسنا أن وراء ما فيه من تناسق لا بد من يد تنسق؛ ووراء ما فيه من نظام لا بد من عقل يدبر؛ ووراء ما فيه من إحكام لا بد من ناموس لا يتخلف.. وأن هذا كله لا يمكن أن يكون خداعاً ولا يمكن أن يكون جزافاً، ولا يمكن أن يكون باطلاً. ولا ينقص من اهتزازنا للمشهد الكوني الرائع أن نعرف أن الليل والنهار، ظاهرتان ناشئتان من دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس. ولا أن تناسق السماوات والأرض مرتكز إلى "الجاذبية" أو غير الجاذبية. هذه فروض تصح أو لا تصح، وهي في كلتا الحالتين لا تقدم ولا تؤخر في استقبال هذه العجيبة الكونية، واستقبال النواميس الهائلة الدقيقة التي تحكمها وتحفظها.. وهذه النواميس - أياً كان اسمها عند الباحثين من بني الإنسان - هي آية القدرة، وآية الحق، في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار. والسياق القرآني هنا يصور خطوات الحركة النفسية التي ينشئها استقبال مشهد السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار في مشاعر أولي الألباب تصويراً دقيقاً، وهو في الوقت ذاته تصوير إيحائي، يلفت القلوب إلى المنهج الصحيح، في التعامل مع الكون، وفي التخاطب معه بلغته، والتجاوب مع فطرته وحقيقته, والانطباع بإشاراته وإيحاءاته. ويجعل من كتاب الكون المفتوح كتاب "معرفة" للإنسان المؤمن الموصول بالله، وبما تبدعه يد الله. وإنه يقرن ابتداء بين توجه القلب إلى ذكر الله وعبادته: {قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم}.. وبين التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار.. فيسلك هذا التفكر مسلك العبادة، ويجعله جانباً من مشهد الذكر.. فيوحي بهذا الجمع بين الحركتين بحقيقتين هامتين. الحقيقة الأولى: أن التفكر في خلق الله، والتدبر في كتاب الكون المفتوح، وتتبع يد الله المبدعة، وهي تحرك هذا الكون، وتقلب صفحات هذا الكتاب.. هو عبادة لله من صميم العبادة، وذكر لله من صميم الذكر. ولو اتصلت العلوم الكونية، التي تبحث في تصميم الكون, وفي نواميسه وسننه، وفي قواه ومدخراته، وفي أسراره وطاقاته.. لو اتصلت هذه العلوم بتذكر خالق هذا الكون وذكره، والشعور بجلاله وفضله. لتحولت من فورها إلى عبادة لخالق هذا الكون وصلاة. ولاستقامت الحياة - بهذه العلوم - واتجهت إلى الله. ولكن الاتجاه المادي الكافر، يقطع ما بين الكون وخالقه، ويقطع ما بين العلوم الكونية والحقيقة الأزلية الأبدية؛ ومن هنا يتحول العلم - أجمل هبة من الله للإنسان - لعنة تطارد الإنسان، وتحيل حياته إلى جحيم منكرة، وإلى حياة قلقة مهددة، وإلى خواء روحي يطارد الإنسان كالمارد الجبار! والحقيقة الثانية: أن آيات الله في الكون، لا تتجلى على حقيقتها الموحية، إلا للقلوب الذاكرة العابدة. وأن هؤلاء الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم - وهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار - هم الذين تتفتح لبصائرهم الحقائق الكبرى المنطوية في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، وهم الذين يتصلون من ورائها بالمنهج الإلهي الموصل إلى النجاة والخير والصلاح.. فأما الذين يكتفون بظاهر من الحياة الدنيا، ويصلون إلى أسرار بعض القوى الكونية - بدون هذا الاتصال - فهم يدمرون الحياة ويدمرون أنفسهم بما يصلون إليه من هذه الأسرار، ويحولون حياتهم إلى جحيم نكد، وإلى قلق خانق. ثم ينتهون إلى غضب الله وعذابه في نهاية المطاف! فهما أمران متلازمان، تعرضهما هذه الصورة التي يرسمها القرآن لأولي الألباب في لحظة الاستقبال والاستجابة والاتصال. إنها لحظة تمثل صفاء القلب، وشفافية الروح، وتفتح الإدراك، واستعداده للتلقي. كما تمثل الاستجابة والتأثر والانطباع.. إنها لحظة العبادة.. وهي بهذا الوصف لحظة اتصال، ولحظة استقبال. فلا عجب أن يكون الاستعداد فيها لإدراك الآيات الكونية أكبر؛ وأن يكون مجرد التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، ملهما للحقيقة الكامنة فيها، ولإدراك أنها لم تخلق عبثاً ولا باطلاً. ومن ثم تكون الحصيلة المباشرة، للخطة الواصلة. {ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك!}.. ما خلقت هذا الكون ليكون باطلاً. ولكن ليكون حقاً. الحق قوامه. والحق قانونه. والحق أصيل فيه. إن لهذا الكون حقيقة، فهو ليس "عدماً" كما تقول بعض الفلسفات! وهو يسير وفق ناموس، فليس متروكاً للفوضى. وهو يمضي لغاية، فليس متروكاً للمصادفة. وهو محكوم في وجوده وفي حركته وفي غايته بالحق لا يتلبس به الباطل. هذه هي اللمسة الأولى، التي تمس قلوب "أولي الألباب" من التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار بشعور العبادة والذكر والاتصال. وهي اللمسة التي تطبع حسهم بالحق الأصيل في تصميم هذا الكون، فتطلق ألسنتهم بتسبيح الله وتنزيهه عن أن يخلق هذا الكون باطلاً: {ربنا ما خلقت هذا باطلاً. سبحانك!}.. ثم تتوالى الحركات النفسية، تجاه لمسات الكون وإيحاءاته. {... فقنا عذاب النار. ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته. وما للظالمين من أنصار...}.. فما العلاقة الوجدانية، بين إدراك ما في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من حق، وبين هذه الارتعاشة المنطلقة بالدعاء الخائف الواجف من النار؟ إن إدراك الحق الذي في تصميم هذا الكون وفي ظواهره، معناه عند - أولي الألباب - أن هناك تقديراً وتدبيراً, وأن هناك حكمة وغاية، وأن هناك حقاً وعدلاً وراء حياة الناس في هذا الكوكب. ولا بد إذن من حساب ومن جزاء على ما يقدم الناس من أعمال. ولا بد إذن من دار غير هذه الدار يتحقق فيها الحق والعدل في الجزاء. فهي سلسلة من منطق الفطرة والبداهة، تتداعى حلقاتها في حسهم على هذا النحو السريع. لذلك تقفز إلى خيالهم صورة النار، فيكون الدعاء إلى الله أن يقيهم منها، هو الخاطر الأول، المصاحب لإدراك الحق الكامن في هذا الوجود.. وهي لفتة عجيبة إلى تداعي المشاعر عند ذوي البصائر.. ثم تنطلق ألسنتهم بذلك الدعاء الطويل، الخاشع الواجف الراجف المنيب، ذي النغم العذب، والإيقاع المنساب، والحرارة البادية في المقاطع والأنغام! ولا بد من وقفة أمام الرجفة الأولى وهم يتجهون إلى ربهم ليقيهم عذاب النار.. لا بد من وقفة أمام قولهم: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته}.. {وما للظالمين من أنصار}.. إنها تشي بأن خوفهم من النار، إنما هو خوف - قبل كل شيء - من الخزي الذي يصيب أهل النار.. وهذه الرجفة التي تصيبهم هي أولاً رجفة الحياء من الخزي الذي ينال أهل النار. فهي ارتجافة باعثها الأكبر الحياء من الله، فهم أشد حساسية به من لذع النار! كما أنها تشي بشعور القوي بأنه لا ناصر من الله، وأن الظالمين ما لهم من أنصار.. ثم نمضي مع الدعاء الخاشع الطويل: {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم. فآمنا. ربنا فاغفر لنا ذنوبنا, وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار}.. فهي قلوب مفتوحة؛ ما إن تتلقى حتى تستجيب. وحتى تستيقظ فيها الحساسية الشديدة، فتبحث أول ما تبحث عن تقصيرها وذنوبها ومعصيتها، فتتجه إلى ربها تطلب مغفرة الذنوب وتكفير السيئات، والوفاة مع الأبرار. ويتسق ظل هذه الفقرة في الدعاء مع ظلال السورة كلها، في الاتجاه إلى الاستغفار والتطهر من الذنب والمعصية، في المعركة الشاملة مع شهوات النفس ومع الذنب والخطيئة. المعركة التي يتوقف على الانتصار فيها ابتداء كل انتصار في معارك الميدان، مع أعداء الله وأعداء الإيمان.. والسورة كلها وحدة متكاملة متناسقة الإيقاعات والظلال. وختام هذا الدعاء. توجه ورجاء. واعتماد واستمداد من الثقة بوفاء الله بالميعاد: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك, ولا تخزنا يوم القيامة, إنك لا تخلف الميعاد}.. فهو استنجاز لوعد الله، الذي بلغته الرسل، وثقة بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد، ورجاء في الإعفاء من الخزي يوم القيامة، يتصل بالرجفة الأولى في هذا الدعاء، ويدل على شدة الخوف من هذا الخزي، وشدة تذكره واستحضاره في مطلع الدعاء وفي ختامه. مما يشي بحساسية هذه القلوب ورقتها وشفافيتها وتقواها وحيائها من الله. والدعاء في مجموعه يمثل الاستجابة الصادقة العميقة، لإيحاء هذا الكون وإيقاع الحق الكامن فيه، في القلوب السليمة المفتوحة.. ولا بد من وقفة أخرى أمام هذا الدعاء، من جانب الجمال الفني والتناسق في الأداء.. إن كل سورة من سور القرآن تغلب فيها قافية معينة لآياتها - والقوافي في القرآن غيرها في الشعر، فهي ليست حرفاً متحداً, ولكنها إيقاع متشابه - مثل "بصير. حكيم. مبين. مريب".. "الألباب، الأبصار. النار. قرار".. "خفياً. شقياً. شرقياً. شيئاً"... الخ. وتغلب القافية الأولى في مواضع التقرير. والثانية في مواضع الدعاء. والثالثة في مواضع الحكاية. وسورة آل عمران تغلب فيها القافية الأولى. ولم تبعد عنها إلا في موضعين: أولهما في أوائل السورة وفيه دعاء. والثاني هنا عند هذا الدعاء الجديد.. وذلك من بدائع التناسق الفني في التعبير القرآني.. فهذا المد يمنح الدعاء رنة رخية، وعذوبة صوتية. تناسب جو الدعاء والتوجه والابتهال. وهناك ظاهرة فنية أخرى.. إن عرض هذا المشهد: مشهد التفكر والتدبر في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، يناسبه دعاء خاشع مرتل طويل النغم، عميق النبرات. فيطول بذلك عرض المشهد وإيحاءاته ومؤثراته، على الأعصاب والأسماع والخيال، فيؤثر في الوجدان، بما فيه من خشوع وتنغيم وتوجه وارتجاف.. وهنا طال المشهد بعباراته وطال بنغماته مما يؤدي غرضاً أصيلاً من أغراض التعبير القرآني، ويحقق سمة فنية أصيلة من سماته. ثم.. طال بالرد عليه والاستجابة له كذلك: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى - بعضكم من بعض - فالذين هاجروا، وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقتلوا، لأكفرن عنهم سيئاتهم، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار.. ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب.. لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد. متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد. لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، نزلاً من عند الله. وما عند الله خير للأبرار}.. وهي استجابة مفصلة، وتعبير مطول، يتناسق مع السمة الفنية للتعبير القرآني؛ وفق مقتضى الحال، ومتطلبات الموقف، من الجانب النفسي والشعوري. ثم نخلص لمحتويات هذه الاستجابة الإلهية، ودلالتها على طبيعة هذا المنهج الإلهي ومقوماته، ثم على طبيعة منهج التربية الإسلامية وخصائصه.. إن أولي الألباب هؤلاء, تفكروا في خلق السماوات والأرض، وتدبروا اختلاف الليل والنهار، وتلقوا من كتاب الكون المفتوح، واستجابت فطرتهم لإيحاء الحق المستكن فيه، فاتجهوا إلى ربهم بذلك الدعاء الخاشع الواجف الطويل العميق.. ثم تلقوا الاستجابة من ربهم الكريم الرحيم، على دعائهم المخلص الودود.. فماذا كانت الاستجابة؟ لقد كانت قبولاً للدعاء وتوجيهاً إلى مقومات هذا المنهج الإلهي وتكاليفه في آن: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم.. من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض}.. إنه ليس مجرد التفكر ومجرد التدبر. وليس مجرد الخشوع والارتجاف. وليس مجرد الاتجاه إلى الله لتكفير السيئات والنجاة من الخزي ومن النار.. إنما هو "العمل" العمل الإيجابي، الذي ينشأ عن هذا التلقي، وعن هذه الاستجابة، وعن هذه الحساسية الممثلة في هذه الارتجافة. العمل الذي يعتبره الإسلام عبادة كعبادة التفكر، والتدبر, والذكر والاستغفار، والخوف من الله، والتوجه إليه بالرجاء. بل العمل الذي يعتبره الإسلام الثمرة الواقعية المرجوة لهذه العبادة، والذي يقبل من الجميع: ذكرانا وإناثاً بلا تفرقة ناشئة من اختلاف الجنس. فكلهم سواء في الإنسانية - بعضهم من بعض - وكلهم سواء في الميزان.. ثم تفصيل للعمل، تتبين منه تكاليف هذه العقيدة في النفس والمال؛ كما تتبين منه طبيعة المنهج، وطبيعة الأرض التي يقوم عليها، وطبيعة الطريق وما فيه من عوائق وأشواك، وضرورة مغالبة العوائق، وتكسير الأشواك، وتمهيد التربة للنبتة الطيبة، والتمكين لها في الأرض، أياً كانت التضحيات، وأياً كانت العقبات: {فالذين هاجروا، وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقتلوا. لأكفرن عنهم سيئاتهم، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار. ثواباً من عند الله، والله عنده حسن الثواب}. وقد كانت هذه صورة الداعين المخاطبين بهذا القرآن أول مرة. الذين هاجروا من مكة، وأخرجوا من ديارهم، في سبيل العقيدة، وأوذوا في سبيل الله لا في أي غاية سواه، وقاتلوا وقتلوا.. ولكنها صورة أصحاب هذه العقيدة في صميمها.. في كل أرض وفي كل زمان.. صورتها وهي تنشأ في الجاهلية - أية جاهلية - في الأرض المعادية لها - أية أرض - وبين القوم المعادين - أي قوم - فتضيق بها الصدور، وتتأذى بها الأطماع والشهوات، وتتعرض للأذى والمطاردة، وأصحابها - في أول الأمر - قلة مستضعفة.. ثم تنمو النبتة الطيبة - كما لا بد أن تنمو - على الرغم من الأذى، وعلى الرغم من المطاردة، ثم تملك الصمود والمقاومة والدفاع عن نفسها. فيكون القتال، ويكون القتل.. وعلى هذا الجهد الشاق المرير يكون تكفير السيئات، ويكون الجزاء ويكون الثواب. هذا هو الطريق.. طريق هذا المنهج الرباني، الذي قدر الله أن يكون تحققه في واقع الحياة بالجهد البشري، وعن طريق هذا الجهد، وبالقدر الذي يبذله المؤمنون المجاهدون في سبيل الله. ابتغاء وجه الله. وهذه هي طبيعة هذا المنهج، ومقوماته، وتكاليفه.. ثم هذه هي طريقة المنهج في التربية، وطريقته في التوجيه، للانتقال من مرحلة التأثر الوجداني بالتفكر والتدبر في خلق الله؛ إلى مرحلة العمل الإيجابي وفق هذا التأثر تحقيقاً للمنهج الذي أراده الله. ثم التفاتة واقعية إلى الفتنة المستكنة في المتاع المتاح في هذه الأرض للكفار والعصاة والمعادين لمنهج الله.. التفاتة لإعطاء هذا المتاع وزنه الصحيح وقيمته الصحيحة، حتى لا يكون فتنة لأصحابه. ثم كي لا يكون فتنة للمؤمنين، الذي يعانون ما يعانون، من أذى وإخراج من الديار، وقتل وقتال: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد. متاع قليل.. ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد. لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها نزلاً من عند الله. وما عند الله خير للأبرار}.. وتقلب الذين كفروا في البلاد، مظهر من مظاهر النعمة والوجدان، ومن مظاهر المكانة والسلطان، وهو مظهر يحيك في القلوب منه شيء لا محالة. يحيك منه شيء في قلوب المؤمنين؛ وهم يعانون الشظف والحرمان، ويعانون الأذى والجهد، ويعانون المطاردة أو الجهاد.. وكلها مشقات وأهوال، بينما أصحاب الباطل ينعمون ويستمتعون!.. ويحيك منه شيء في قلوب الجماهير الغافلة، وهي ترى الحق وأهله يعانون هذا العناء، والباطل وأهله في منجاة، بل في مسلاة! ويحيك منه شيء في قلوب الضالين المبطلين أنفسهم؛ فيزيدهم ضلالاً وبطراً ولجاجاً في الشر والفساد. هنا تأتي هذه اللمسة: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد. متاع قليل. ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}. متاع قليل.. ينتهي ويذهب.. أما المأوى الدائم الخالد، فهو جهنم.. وبئس المهاد! وفي مقابل المتاع القليل الذاهب جنات. وخلود. وتكريم من الله: {جنات تجري من تحتها الأنهار}.. {خالدين فيها}.. {نزلاً من عند الله}.. {وما عند الله خير للأبرار}.. وما يشك أحد يضع ذلك النصيب في كفة، وهذا النصيب في كفة، أن ما عند الله خير للأبرار. وما تبقى في القلب شبهة في أن كفة الذين اتقوا أرجح من كفة الذين كفروا في هذا الميزان. وما يتردد ذو عقل في اختيار النصيب الذي يختاره لأنفسهم أولو الألباب! إن الله - سبحانه - في موضع التربية، وفي مجال إقرار القيم الأساسية في التصور الإسلامي لا يعد المؤمنين هنا بالنصر، ولا يعدهم بقهر الأعداء، ولا يعدهم بالتمكين في الأرض، ولا يعدهم شيئاً من الأشياء في هذه الحياة.. مما يعدهم به في مواضع أخرى، ومما يكتبه على نفسه لأوليائه في صراعهم مع أعدائه. إنه يعدهم هنا شيئاً واحداً هو {ما عند الله}. فهذا هو الأصل في هذه الدعوة. وهذه هي نقطة الانطلاق في هذه العقيدة: التجرد المطلق من كل هدف ومن كل غاية، ومن كل مطمع - حتى رغبة المؤمن في غلبة عقيدته وانتصار كلمة الله - وقهر أعداء الله - حتى هذه الرغبة يريد الله أن يتجرد منها المؤمنون، ويكلوا أمرها إليه، وتتخلص قلوبهم من أن تكون هذه شهوة لها ولو كانت لا تخصها! هذه العقيدة: عطاء ووفاء وأداء.. فقط. وبلا مقابل من أعراض هذه الأرض، وبلا مقابل كذلك من نصر وغلبة وتمكين واستعلاء.. ثم انتظار كل شيء هناك! ثم يقع النصر، ويقع التمكين، ويقع الاستعلاء.. ولكن هذا ليس داخلاً في البيعة. ليس جزءاً من الصفقة. ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا. وليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء.. والابتلاء.. على هذا كانت البيعة والدعوة مطاردة في مكة؛ وعلى هذا كان البيع والشراء. ولم يمنح الله المسلمين النصر والتمكين والاستعلاء؛ ولم يسلمهم مقاليد الأرض وقيادة البشرية، إلا حين تجردوا هذا التجرد، ووفوا هذا الوفاء: قال محمد بن كعب القرظي وغيره: "حديث : قال عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني ليلة العقبة (ونقباء الأوس والخزرج يبايعونه - صلى الله عليه وسلم - على الهجرة إليهم): اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً. وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم". قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال "الجنة".. قالوا: ربح البيع. ولا نقيل ولا نستقيل ".. تفسير : هكذا.. "الجنة" والجنة فقط لم يقل: النصر والعز والوحدة. والقوة. والتمكين. والقيادة. والمال. والرخاء - مما منحهم الله وأجراه على أيديهم - فذلك كله خارج عن الصفقة! وهكذا.. ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل.. لقد أخذوها صفقة بين متبايعين؛ أنهي أمرها، وأمضي عقدها. ولم تعد هناك مساومة حولها! وهكذا ربى الله الجماعة التي قدر أن يضع في يدها مقاليد الأرض، وزمام القيادة، وسلمها الأمانة الكبرى بعد أن تجردت من كل أطماعها، وكل رغباتها، وكل شهواتها، حتى ما يختص منها بالدعوة التي تحملها، والمنهج الذي تحققه، والعقيدة التي تموت من أجلها. فما يصلح لحمل هذه الأمانة الكبرى من بقي له أرب لنفسه في نفسه، أو بقيت فيه بقية لم تدخل في السلم كافة. وقبل ختام السورة يعود السياق إلى أهل الكتاب، فيقرر أن فريقاً منهم يؤمن إيمان المسلمين، وقد انضم إلى موكب الإسلام معهم. وسار سيرتهم. وله كذلك جزاؤهم: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم, وما أنزل إليهم خاشعين لله, لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً. أولئك لهم أجرهم عند ربهم. إن الله سريع الحساب}. إنه الحساب الختامي مع أهل الكتاب. وقد ذكر من طوائفهم ومواقفهم فيما سبق من السورة الكثير. ففي معرض الإيمان، وفي مشهد الدعاء والاستجابة، يذكر كذلك أن من أهل الكتاب من سلكوا الطريق، وانتهوا إلى النهاية. فآمنوا بالكتاب كله، ولم يفرقوا بين الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد من رسله. آمنوا بما أنزل إليهم من قبل، وآمنوا بما أنزل للمسلمين - وهذه سمة هذه العقيدة التي تنظر إلى موكب الإيمان نظرة القرب والود؛ وتنظر إلى خط العقيدة موصولاً بالله، وتنظر إلى منهج الله في وحدته وكليته الشاملة، ويبرز من سمات المؤمنين من أهل الكتاب: سمة الخشوع لله وسمة عدم شرائهم بآياته ثمناً قليلاً.. ليفرقهم بهذا من صفوف أهل الكتاب: وسمتهم الأصيلة هي التبجح وقلة الحياء من الله. ثم التزوير والكتمان لآيات الله، لقاء أعراض الحياة الرخيصة! ويعدهم أجر المؤمنين عند الله. الذي لا يمطل المتعاملين معه - حاشاه -! {إن الله سريع الحساب}.. ثم يجيء الإيقاع الأخير، في نداء الله للذين آمنوا، وتلخيص أعباء المنهج، وشرط الطريق: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون}.. إنه النداء العلوي للذين آمنوا. نداؤهم بالصفة التي تربطهم بمصدر النداء. والتي تلقي عليهم هذه الأعباء. والتي تؤهلهم للنداء وتؤهلهم للأعباء، وتكرمهم في الأرض كما تكرمهم في السماء: {يا أيها الذين آمنوا}. النداء لهم. للصبر والمصابرة، والمرابطة والتقوى.. وسياق السورة حافل بذكر الصبر وبذكر التقوى.. يذكران مفردين، ويذكران مجتمعين.. وسياق السورة حافل كذلك بالدعوة إلى الاحتمال والمجاهدة ودفع الكيد وعدم الاستماع لدعاة الهزيمة والبلبلة، ومن ثم تختم السورة بالدعوة إلى الصبر والمصابرة، وإلى المرابطة والتقوى، فيكون هذا أنسب ختام. والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة. إنه طريق طويل شاق، حافل بالعقبات والأشواك مفروش بالدماء والأشلاء, وبالإيذاء والابتلاء.. الصبر على أشياء كثيرة: الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها وملالها من قريب! والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار! والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وغلبة الشهوة، وتصعير الغرور والخيلاء! والصبر على قلة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق, ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق! والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة. من الألم والغيظ، والحنق، والضيق، وضعف الثقة أحياناً في الخير، وقلة الرجاء أحياناً في الفطرة البشرية؛ والملل والسأم واليأس أحياناً والقنوط! والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة، واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام، وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء! والبقاء في السراء والضراء على صلة بالله، واستسلام لقدره، ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة وخشوع.. والصبر على هذا كله - وعلى مثله - مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل.. لا تصوره حقيقة الكلمات. فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة. إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقات الطريق؛ وتذوقها انفعالات وتجارب ومرارات! والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من ذلك المدلول الحقيقي. فكانوا أعرف بمذاق هذا النداء. كانوا يعرفون معنى الصبر الذي يطلب الله إليهم أن يزاولوه.. والمصابرة.. وهي مفاعلة من الصبر.. مصابرة هذه المشاعر كلها، ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلوا من صبر المؤمنين.. مصابرتها ومصابرتهم، فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة. بل يظلون أصبر من أعدائهم وأقوى: أعدائهم من كوامن الصدور، وأعدائهم من شرار الناس سواء. فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم، يدعون فيه إلى مقابلة الصبر بالصبر، والدفع بالدفع، والجهد بالجهد، والإصرار بالإصرار.. ثم تكون لهم عاقبة الشوط بأن يكونوا أثبت وأصبر من الأعداء.. وإذا كان الباطل يصر ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشد إصراراً وأعظم صبراً على المضي في الطريق! والمرابطة.. الإقامة في مواقع الجهاد، وفي الثغور المعرضة لهجوم الأعداء.. وقد كانت الجماعة المسلمة لا تغفل عيونها أبداً, ولا تستسلم للرقاد! فما هادنها أعداؤها قط، منذ أن نوديت لحمل أعباء الدعوة، والتعرض بها للناس. وما يهادنها أعداؤها قط في أي زمان أو في أي مكان وما تستغني عن المرابطة للجهاد، حيثما كانت إلى آخر الزمان! إن هذه الدعوة تواجه الناس بمنهج حياة واقعي. منهج يتحكم في ضمائرهم، كما يتحكم في أموالهم، كما يتحكم في نظام حياتهم ومعايشهم. منهج خير عادل مستقيم. ولكن الشر لا يستريح للمنهج الخير العادل المستقيم؛ والباطل لا يحب الخير والعدل والاستقامة؛ والطغيان لا يسلم للعدل والمساواة والكرامة.. ومن ثم ينهد لهذه الدعوة أعداء من أصحاب الشر والباطل والطغيان. ينهد لحربها المستنفعون المستغلون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الاستنفاع والاستغلال. وينهد لحربها الطغاة المستكبرون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الطغيان والاستكبار. وينهد لحربها المستهترون المنحلون، لأنهم لا يريدون أن يتخلوا عن الانحلال والشهوات.. ولا بد من مجاهدتهم جميعاً. ولا بد من الصبر والمصابرة. ولا بد من المرابطة والحراسة. كي لا تؤخذ الأمة المسلمة على غرة من أعدائها الطبيعيين، الدائمين في كل أرض وفي كل جيل.. هذه طبيعة هذه الدعوة، وهذا طريقها.. إنها لا تريد أن تعتدي؛ ولكن تريد أن تقيم في الأرض منهجها القويم ونظامها السليم.. وهي واجدة أبداً من يكره ذلك المنهج وهذا النظام. ومن يقف في طريقها بالقوة والكيد. ومن يتربص بها الدوائر. ومن يحاربها باليد والقلب واللسان.. ولا بد لها أن تقبل المعركة بكل تكاليفها، ولا بد لها أن ترابط وتحرس ولا تغفل لحظة ولا تنام!! والتقوى.. التقوى تصاحب هذا كله. فهي الحارس اليقظ في الضمير يحرسه أن يغفل؛ ويحرسه أن يضعف؛ ويحرسه أن يعتدي؛ ويحرسه أن يحيد عن الطريق من هنا ومن هناك. ولا يدرك الحاجة إلى هذا الحارس اليقظ، إلا من يعاني مشاق هذا الطريق؛ ويعالج الانفعالات المتناقضة المتكاثرة المتواكبة في شتى الحالات وشتى اللحظات.. إنه الإيقاع الأخير في السورة التي حوت ذلك الحشد من الإيقاعات. وهو جماعها كلها، وجماع التكاليف التي تفرضها هذه الدعوة في عمومها.. ومن ثم يعلق الله بها عاقبة الشوط الطويل وينوط بها الفلاح في هذا المضمار: {لعلكم تفلحون}. وصدق الله العظيم.
ابن عاشور
تفسير : هذا غرض أُنف بالنسبة لما تتابع من أغراض السورة، انتُقل به من المقدّمات والمقصد والمتخلِّلات بالمناسبات، إلى غرض جديد هو الاعتبار بخلق العوالم وأعراضها والتنويه بالذين يعتبرون بما فيها من آيات. ومِثْل هذا الانتقال يكون إيذاناً بانتهاء الكلام على أغراض السورة، على تفنّنها، فقد كان التنقّل فيها من الغرض إلى مشاكله وقد وقع الانتقال الآن إلى غرض عامّ: وهو الاعتبار بخلق السماوات والأرض وحال المؤمنين في الاتّعاظ بذلك، وهذا النحو في الانتقال يعرض للخطيب ونحوه من أغراضه عقب إيفائها حقّها إلى غرض آخر إيذاناً بأنّه أشرف على الانتهاء، وشأن القرآن أن يختم بالموعظة لأنّها أهمّ أغراض الرسالة، كما وقع في ختام سورة البقرة. وحرف (إنّ) للاهتمام بالخبر. والمراد بـ{خلْق السماوات والأرض} هنا: إمّا آثار خَلْقِها، وهو النظام الذي جعل فيها، وإمّا أن يراد بالخلق المخلوقات كقوله تعالى: {أية : هذا خلق اللَّه}تفسير : [لقمان: 11]. و{أولو الألباب} أهل العقول الكاملة لأنّ لبّ الشيء هو خلاصته. وقد قدّمنا في سورة البقرة بيان ما في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من الآيات عند قوله تعالى: {أية : إن في خلق السمٰوات والأرض واختلاف اللَّيل والنهار والفلك}تفسير : [البقرة: 164] إلخ. و{يذكرون الله} إمّا من الذِّكر اللساني وإمّا من الذُّكر القلبي وهو التفكّر، وأراد بقوله: {قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} عموم الأحوال كقولهم: ضَربه الظهرَ والبطْن، وقولهم: اشتهر كذا عند أهل الشرق والغرب، على أنّ هذه الأحوال هي متعارَف أحوال البشر في السلامة، أي أحوال الشغل والراحة وقصد النوم. وقيل: أراد أحوال المصلّين: من قادر، وعاجز، وشديد العجز. وسياق الآية بعيد عن هذا المعنى. وقوله: {ويتفكرون في خلق السمٰوات والأرض} عطف مرادف إن كان المراد بالذكر فيما سبق التفكّر، وإعادتُه لأجل اختلاف المتفكَّر فيه، أو هو عطف مغاير إذا كان المراد من قوله: {يذكرون} ذِكر اللسان. والتفكّر عبادة عظيمة. روى ابن القاسم عن مالك رحمه الله في جامع العتبية قال: قيل لأمّ الدرداء: ما كان شأن أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكّر، قيل له: أترى التفكّر عَمَلاً من الأعمال؟ قال: نعم، هو اليقين. {والخلق} بمعنى كيفية أثر الخلق، أو المخلوقات التي في السماء والأرض، فالإضافة إمّا على معنى اللام، وإمّا على معنى (في). وقوله: {ربنا ما خلقت هذا باطلاً} وما بعده جملة واقعة موقع الحال على تقدير قَوْلٍ: أي يتفكّرون قائلين: ربّنا إلخ لأنّ هذا الكلام أريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء. فإن قلت: كيف تواطأ الجمع من أولي الألباب على قول هذا التنزيه والدعاء عند التفكّر مع اختلاف تفكيرهم وتأثّرهم ومقاصدهم. قلت: يحتمل أنّهم تلقَّوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يلازمونه عند التفكّر وعقبَه، ويحتمل أنّ الله ألهمهم إيّاه فصار هجيراهم مثلَ قوله تعالى: {أية : وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا}تفسير : [البقرة: 285] الآيات. ويدلّ لذلك حديث ابن عباس في «الصحيح» قال: «حديث : بتّ عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات من سورة آل عمران»تفسير : إلى آخر الحديث. ويجوز عندي أن يكون قوله: {ربنا ما خلقت هذا باطلاً} حكاية لتفكّرهم في نفوسهم، فهو كلام النفس يشترك فيه جميع المتفكّرين لاستوائهم في صحّة التفكّر لأنّه تنقل من معنى إلى متفرّع عنه، وقد استوى أولو الألباب المتحدّث عنهم هنا في إدراك هذه المعاني، فأوّل التفكّر أنتج لهم أنّ المخلوقات لم تخلق باطلاً، ثم تفرّع عنه تنزيه الله وسؤاله أن يقيهم عذاب النار، لأنّهم رأوا في المخلوقات طائعاً وعاصياً، فعلموا أنّ وراء هذا العالم ثَواباً وعقاباً، فاستعاذوا أن يكونوا ممّن حقّت عليه كلمة العذاب. وتوسّلوا إلى ذلك بأنّهم بذَلوا غاية مقدورهم في طلب النجاة إذ استجابوا لمنادي الإيمان وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، وسألوا غفران الذنوب، وتكفير السيئات، والموتَ على البر إلى آخره... فلا يكاد أحد من أولي الألباب يخلو من هذه التفكّرات وربّما زاد عليها، ولمّا نزلت هذه الآية وشاعت بينهم، اهتدى لهذا التفكير من لم يكن انتبه له من قبل فصار شائعاً بين المسلمين بمعانيه وألفاظه. ومعنى {ما خلقتَ هذا باطلاً} أي خلقاً باطلاً، أو ما خلقت هذا في حال أنّه باطل، فهي حال لازمة الذكر في النفي وإن كانت فضلة في الإثبات، كقوله: {أية : وما خلقنا السموٰت والأرض وما بينهما لاعبين}تفسير : [الدخان: 38] فالمقصود نفي عقائد من يفضي اعتقادهم إلى أنّ هذا الخلق باطل أو خلي عن الحكمة، والعرب تبني صيغة النفي على اعتبار سبق الإثبات كثيراً. وجيء بفاء التعقيب في حكاية قولهم: {فقنا عذاب النار} لأنّه ترتّبَ على العلم بأنّ هذا الخلق حقّ، ومن جملة الحقّ أن لا يستوي الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، فعلموا أنّ لكلّ مستقرّاً مناسباً فسألوا أن يكونوا من أهل الخير المجنّبين عذاب النار. وقولهم: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} مسوق مساق التعليل لسؤال الوقاية من النار، كما توذن به (إنّ) المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا مقام للتأكيد هنا. والخزي مصدر خزِيَ يَخْزَى بمعنى ذلّ وهان بمرأى من الناس، وأخزاه أذلّه على رؤوس الأشهاد، ووجه تعليل طلب الوقاية من النار بأنّ دخولها خزي بعد الإشارة إلى موجب ذلك الطلب بقولهم: {عذاب النار} أنّ النار مع ما فيها من العذاب الأليم فيها قهر للمعذَّب وإهانة علنية، وذلك معنى مستقرّ في نفوس الناس، ومنه قول إبراهيم عليه السلام: {أية : ولا تخزني يومَ يبعثون}تفسير : [بالشعراء: 87] وذلك لظهور وجه الربط بين الشرط والجزاء، أي من يدخل النار فقد أخزيته. والخزي لا تطيقه الأنفس، فلا حاجة إلى تأويل تأوّلوه على معنى فقَد أخزيته خزياً عظيماً. ونظّره صاحب «الكشاف» بقول رُعاة العرب: «من أدْرَكَ مَرْعَى الصَّمَّان فقد أدرك» أي فقد أدرك مرعى مخصباً لئلاّ يكون معنى الجزاء ضروري الحصول من الشرط فلا تظهر فائدة للتعليق بالشرط، لأنّه يخلي الكلام عن الفائدة حينئذ. وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: {أية : فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز}تفسير : [آل عمران: 185]. ولأجل هذا أعقبوه بما في الطباع التفادي به عن الخزي والمذلّة بالهرع إلى أحلافهم وأنصارهم، فعلموا أن لا نصير في الآخرة للظالم فزادوا بذلك تأكيداً للحرص على الاستعاذة من عذاب النار إذ قالوا: {وما للظالمين من أنصار} أي لأهل النار من أنصار تدفع عنهم الخزي. وقوله تعالى: {ربنا إننا سمعنا منادياً} أرادوا به النبي محمداً صلى الله عليه وسلم والمنادي، الذي يرفع صوته بالكلام. والنداء: رفع الصوت بالكلام رفعاً قوياً لأجل الإسماع وهو مشتقّ من النداء ـــ بكسر النون وبضمّها ـــ وهو الصوت المرتفع. يقال: هو أندى صوتاً أي أرفعُ، فأصل النداء الجهر بالصوت والصياح به، ومنه سمّي دعاء الشخص شخصاً ليقبل إليه نداء، لأنّ من شأنه أن يرفع الصوت به؛ ولذلك جعلوا له حروفاً ممدودة مثل (يا) و (آ) و (أيا) و (هيا). ومنه سمّي الأذان نداء، وأطلق هنا على المبالغة في الإسماع والدعوة وإن لم يكن في ذلك رفع صوت، ويطلق النداء على طلب الإقبال بالذات أو بالفَهم بحروف معلومة كقوله تعالى: {أية : وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا}تفسير : [فصلت: 104، 105] ويجوز أن يكون هو المراد هنا لأنّ النبي يدعو الناس بنحو: يأيّها الناس ويا بَني فلان ويا أمّة محمد ونحو ذلك، وسيأتي تفسير معاني النداء عند قوله تعالى: {أية : ونودوا أن تلكم الجنة}تفسير : في سورة [الأعراف: 43]. واللام لام العلّة، أي لأجل الإيمان بالله. و(أن) في {أن آمنوا} تفسيرية لما في فعل (يُنادي) من معنى القول دون حروفه. وجاءوا بفاء التعقيب في (فآمنّا): للدلالة على المبادرة والسبق إلى الإيمان، وذلك دليل سلامة فطرتهم من الخطأ والمكابرة، وقد توسّموا أن تكون مُبادرتهم لإجابة دعوة الإسلام مشكورة عند الله تعالى، فلذلك فرّعوا عليه قولهم: {فاغفر لنا ذنوبنا} لأنّهم لمّا بذلوا كلّ ما في وسعهم من اتّباع الدين كانوا حقيقين بترجّي المغفرة. والغَفْر والتكفير متقاربان في المادة المشتقيْن منها إلاّ أنّه شاع الغفر والغفران في العفو عن الذنب والتكفير في تعويض الذنب بعوض، فكأنّ العوض كفّر الذنب أي ستره، ومنه سمّيت كفّارة الإفطار في رمضان. وكفّارة الحنث في اليمين إلاّ أنهم أرادوا بالذنوب ما كان قاصراً على ذواتهم، ولذلك طلبوا مغفرته، وأرادوا من السيّئات ما كان فيه حقّ الناس، فلذلك سألوا تكفيرها عنهم. وقيل هو مجرّد تأكيد، وهو حسن، وقيل أرادوا من الذنوب الكبائر ومن السيّئات الصغائر لأنّ اجتناب الكبائر يكفّر الصغائر، بناء على أنّ الذنب أدلّ على الإثم من السيئة. وسألوا الوفاة مع الأبرار، أي أن يموتوا على حالة البِرّ، بأن يلازمهم البرّ إلى الممات وأن لا يرتدّوا على أدبارهم، فإذا ماتوا كذلك ماتوا من جملة الأبرار. فالمعية هنا معية اعتبارية، وهي المشاركة في الحالة الكاملة، والمعية مع الأبرار أبلغ في الاتّصاف بالدلالة، لأنّه برّ يرجى دوامه وتزايدُه لِكون صاحبه ضمن جمع يزيدونه إقبالاً على البرّ بلسان المقال ولسان الحال. ولمّا سألوا أسباب المثوبة في الدنيا والآخرة ترقّوا في السؤال إلى طلب تحقيق المثوبة، فقالوا: {وآتنا ما وعدتنا على رسلك}. وتحتمل كلمة (على) أن تكون لتعدية فعل الوعد، ومعناها التعليل فيكون الرسل هم الموعود عليهم، ومعنى الوعد على الرسل أنّه وعد على تصديقهم فتعيّن تقدير مضاف، وتحتمل أن تكون (على) ظرفاً مستقرّاً، أي وعداً كائناً على رُسلك أي، منزلاً عليهم، ومتعلَّق الجار في مثله كونٌ غير عامّ بل هو كون خاصّ، ولا ضير في ذلك إذا قامت القرينة، ومعنى (على) حينئذ الاستعلاء المجازي، أو تجعل (على) ظرفاً مستقرّاً حالاً {ممّا وعدتنا} أيضاً، بتقدير كون عامّ لكن مع تقدير مضاف إلى رسلك، أي على ألْسِنَةِ رسلك. والموعود على ألسنة الرسل أو على التصديق بهم الأظهر أنّه ثواب الآخرة وثواب الدنيا: لقوله تعالى: {أية : فآتاهم اللَّه ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة}تفسير : [آل عمران: 148] وقوله: {أية : وعد اللَّه الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}تفسير : [النور: 55] الآية، وقوله: {أية : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون}تفسير : [الأنبياء: 105]. والمراد بالرسل في قوله: {على رسلك} خصوص محمد - صلى الله عليه وسلم - أطلق عليه وصف «رسل» تعظيماً لقوله تعالى: {أية : فلا تحسبن اللَّه مخلف وعده رسله}تفسير : [إبراهيم: 47]. ومنه قوله تعالى: {أية : وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم}تفسير : [الفرقان: 37]. فإن قلتَ: إذا كانوا عالمين بأنّ الله وعدهم ذلك وبأنَّه لا يخلف الميعاد فما فائدة سُؤالهم ذلك في دعائهم؟ قلت: له وجوه: أحدها: أنّهم سألوا ذلك ليكون حصوله أمارة على حصول قُبول الأعمال التي وعد الله عليها بما سألوه فقد يظنّون أنفسهم آتين بما يبلّغهم تلك المرتبة ويخشون لعلّهم قد خلطوا أعمالهم الصالحة بما يبطلها، ولعلّ هذا هو السبب في مجيء الواو في قولهم: {وآتنا ما وعدتنا} دون الفاء إذ جعلوه دعوة مستقلّة لتتحقّق ويتحقّق سببها، ولم يجعلوها نتيجة فعل مقطوع بحصوله. ويدلّ لصحّة هذا التأويل قوله بعدُ: {أية : فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم}تفسير : [آل عمران: 195] مع أنّهم لم يطلبوا هنا عدم إضاعة أعمالهم. الثاني: قال في «الكشّاف»: أرادوا طلب التوفيق إلى أسباب ما وعدهم الله على رسله. فالكلام مستعمل كناية عن سبب ذلك من التوفيق للأعمال الموعود عليها. الثالث: قال فيه ما حاصله: أن يكون هذا من باب الأدب مع الله حتّى لا يظهروا بمظهر المستحقّ لتحصيل الموعود به تذلّلاً، أي كسؤال الرسل عليهم السلام المغفرة وقد علموا أنّ الله غفر لهم. الرابع: أجاب القرافي في الفرق (273) بأنّهم سألوا ذلك لأنّ حصوله مشروط بالوفاة على الإيمان، وقد يؤيّد هذا بأنّهم قدّموا قبله قولهم: {وتوفّنا مع الأبرار} لكن هذا الجواب يقتضي قصر الموعود به على ثواب الآخرة، وأعادوا سؤال النجاة من خزي يوم القيامة لشدّته عليهم. الخامس: أنّ الموعود الذي سألوه هو النصر على العدوّ خاصّة، فالدعاء بقولهم: {وآتنا ما وعدتنا على رسلك} مقصود منه تعجيل ذلك لهم، يعني أنّ الوعد كان لمجموع الأمّة، فكلّ واحد إذا دعا بهذا فإنّما يعني أن يجعله الله ممَّن يرى مصداق وعد الله تعالى خشية أن يفوتهم. وهذا كقول خبّاب بن الأرتّ: "هاجرنا مع النبي نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمِنَّا مَن أيْنَعَتْ له ثمرته فهو يهدبُها، ومنَّا من مات لم يأكُل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحُد، فلم نجد له ما نكفّنه إلاّ بُردة» إلخ. وقد ابتدأوا دعاءهم وخلّلوه بندائه تعالى: خمس مرات إظهار للحاجة إلى إقبال الله عليهم. وعن جعفر ابن محمد رضي الله عنه «مَن حَزبه أمر فقال: يا ربّ خمس مرات أنجاه الله ممّا يخاف وأعطاه ما أراد»، واقرأوا: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً} إلى قوله: {إنك لا تخلف الميعاد}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: في خلق السماوات والأرض: أي في وجودهما من العدم. واختلاف الليل والنهار: تعاقبهما هذا يجيء وذاك يذهب، هذا مظلم وذاك مضيء. لآيات: دلائل واضحة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته. لأولي الألباب: أصحاب العقول التي تُدرك بها الأشياء وتفهم بها الأدلة. ربّنا: يقولون: ربنا الخ.. باطلاً: لا لشيء مقصود منه، وإنما هو من باب اللعب. سبحانك: تنزيها لك عن العبث واللعب، وعن الشريك والولد. فقنا عذاب النار: أجرنا واحفظنا من عذاب النار بتوفيقك لنا للأعمال الصالحة وتجنيبنا الأعمال الفاسدة الموجبة لعذاب النار. أخزيته: أذللته وأشقيته. كفر عنا: استر وامح. الأبرار: جمع برّ أو بار وهم المتمسكون بالشريعة. على رسلك: على ألسنة رسلك من النصر والتأييد. الميعاد: الوعد. هاجروا: تركوا بلادهم وديارهم وأموالهم وأهليهم فراراً بدينهم. أوذوا في سبيلي: آذاهم المشركون من أجل الإِيمان بي ورسولي وطاعتنا. ثوابا من عند الله: أي أجراً جزاء كائناً من عند الله، وهو الجنات بعد تكفير السيئات. معنى الآيات: لما قال اليهود تلك المقالة السيئة: إن الله تعالى فقير ونحن أغنياء، وحرفوا الكتاب وبدلوا وغيروا ويحبون أن يحمدوا على باطلهم كانت مواقفهم هذه دالة على عمى في بصائرهم، وضلال في عقولهم، فذكر تعالى من الآيات الكونيّة ما يدل على غناه، وافتقار عباده إليه، كما يدل على ربوبيته على خلقه، وتدبيره لحياتهم وتصرفه في أمورهم، وإنه ربهم لا رب لهم غيره وإلههم الذي لا إله لهم سواه إلا أن هذا لا يدركه إلا أرباب العقول الحصيفة والبصائر النيرة فقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} نعم إن في إيجاد السماوات والأرض من العدم وفي اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر والظلام والضياء، والتعاقب بذهاب هذا ومجيء ذاك دلائل واضحات على غنى الله وافتقار عباده وبراهين ساطعة على ربوبيته لخلقه. وألوهيته لهم. هذا ما تضمنته الآية الأولى [190] وأما الآيات الأربع بعدها فقد تضمنت وصفاً لأولي الألباب الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض فيهتدون إلى معرفة الربّ تعالى فيذكرونه ويشكرونه. فقال تعالى عنهم: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} وهذا شامل لحالهم فى الصلاة وخارج الصلاة. وقال عنهم: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، أي في إيجادهما وتكوينهما وإبداعهما، وعظيم خلقهما، وما أودع فيهما من مخلوقات. فلا يلبثون أن يقولوا: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} أي لا لحكمة مقصودة ولا لهدف مطلوب، بل خلقته بالحق وحاشاك أن تكون من اللاعبين العابثين سبحانك تنزيها لك عن العبث واللعب بل خلقت ما خلقت لحكم عالية خلقته لأجل أن تذكر وتشكر، فتكرم الشاكرين الذاكرين، في دار كرامتك وتهين الكافرين في دار عذابك، ولذا قالوا: في الآية [192] {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}. والظالمون هم الكافرون. ولذا يعدمون النصير ويخزون بالعذاب المهين، وقال عنهم في الآية [193] {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}، والمنادى هو القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم وتوسلوا بإيمانهم لربهم طالبين أشرف المطالب وأسماها مغفرة ذنوبهم ووفاتهم مع الأبرار فقالوا {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} وهو ما جاء في الآية [193] وأما الآية الخامسة [194] فقد سألوا ربهم أن يعطيهم ما وعدهم على ألسنة رسله من النصر والتمكين في الأرض، هذا في الدنيا، وأن لا يُخزِيهم يوم القيامة بتعذيبهم في النار، فقالوا: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}، أي وعدك الحق وفي الآية السادسة [195] ذكر تعالى استجابته لهم فقال لهم: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} بل أجازي الكل بعمله لا أنقصه له ذكراً كان أو أنثى لأن بعضكم من بعض الذكر من الأنثى والأنثى من الذ1كر فلا معنى للتفرقة بينكم، وذكر تعالى بعض أعمالهم الصالحة التي استوجبوا بها هذا الإِنعام فقال: {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ}، وواعدهم قائلا: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ}، وكان ذلك ثوابا منه تعالى على أعمالهم الصالحة، والله عنده حسن الثواب، فليُرغَب إليه، وليَطمَع فيه، فإنه البر الرحيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب التفكر في خلق السماوات والأرض للحصول على المزيد من الإِيمان والإِيقان. 2- استحباب تلاوة هذه الآيات: إن في خلق السماوات الى آخر السورة وذلك عند القيام للتهجد آخر الليل لثبوت ذلك في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم. 3- استحباب ذكر الله في كل حال من قيام أو قعود أو اضطجاع. 4- استحباب التعوذ من النار بل وجوبه ولو مرة فى العمر. 5- مشروعية التوسل الى الله تعالى بالإِيمان وصالح الأعمال. 6- فضل الهجرة والجهاد في سبيل الله. 7- المساواة بين المؤمنين والمؤمنات في العمل والجزاء. 8- استحباب الوفاة بين الأبرار وهم أهل الطاعة لله ولرسوله والصدق فيها وذلك بالحياة معهم والعيش بينهم لتكون الوفاة بإذن الله معهم.
القطان
تفسير : الخلق: التقدير والترتيب الدال على الاتقان. اختلاف الليل والنهار: تعاقبهما. الألباب: العقول. وعلى جنوبهم: مضطجعين. الأبرار: المحسنون، واحدُها بار أو بَر. على رسُلك: على أَلسنة رسلك. من أسلوب القرآن الكريم انه يجذب النفوس والعقول من الاشتغال بالخلق الى الاستغراق في معرفة الحق، فيأتي بين الآيات وفي أواخر السور بآيات مشوّقة تريح الأعصاب وتشوق القلوب. فقد اشتملت هذه الآيات الحكيمة على ثلاثة أمور: الأول: لما طال الكلام في تقرير الأخذ والرد والجواب عن شبهات المبطلين، عاد التنزيل الى إثارة القلوب بِذِكر ما يدل على التوحيد والالوهية. فقال: ان هذا الكون بذاته كتابٌ مفتوح، يحمل دلائل الايمان وآياته، ويشير الى أن وراء هذا الكون يداً تدبره بحكمة، ويوحي بأن وراء هذه الحياة الدنيا حياةً آخرة، وحساباً وجزاء. هذا ما اتفقت على وجوده الأديان الكتابيّة، وان اختلفت في تمثيل الحياة الأخرى. وقد آمن الفلاسفة بالحياة الاخرى قبل الاديان الكتابية جميعاً وبعد مجيئها أيضا. فمن أشهر المؤمنين بها قبل الأديان "أفلاطون"، ومن أشهرهم بعدها "عمانويل كانت"، وهما يجمعان أطراف الآراء الفلسفية في سبب الإيمان ببقاء النفس بعد الموت.... ونريد من الاشارة الموجزة الى رأي هذين الفيلسوفين، ان يذكر الناظرون في مسألة الحياة بعد الموت انها مسألة بحث وتفكير، لا قضية اعتقاد وايمان فحسب.. ان العقل لا يخرجها من تناول بحثه، فلا بد من توضيح الحقيقة الاعتقادية بالمحسوسات في كثير من الأحوال. وعلى هذا، ينبغي ان يروض فكره كلُّ من ينظر الى عقيدة الحياة الأخرى في القرآن الكريم. وانما يدرك هذه الدلائل، ويرى هذه الحكمة "أُولو الألباب" من الناس، لا الذين يمرون بهذا الكتاب المفتوح وأعينهم مغمضة، وعقولهم مغلقة غير واعين. والثاني: مدحٌ لأولي الألباب الذين يذكرون الله على كل حال، فهم يتفكرون في عظمة هذا الكون ثم يبتهلون الى الله بهذه الدعوات الصادقة، المنبعثة من قلوب صافية مؤمنة. والأمر الثالث: استجابة الخالق العظيم لهم، بأنه لا يضيع أجر أحد، وأنهم سيرجعون الى رب رحيم، عادل، قد أعدّ لهم أحسن الثواب وأجمل الاقامة. وها هو التفسير باقتضاب: ان في خلق الله للسماوات والأرض، بما فيهما من ابداع، وإحكام نظام، وبديع تقدير، وفي اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما بنظام دقيق نحسّ آثاره في أجسامنا بفعل حرارة الشمس وبرد الليل ـ لدلائل بيناتٍ لأصحاب العقول المدركة على وحدانية الله، وكمال قدرته. وفي هذه الآية اشارة الى حقائق مذهلة في هذا الكون العجيب، ذلك ان السماء ما هي الا آية من آيات الله تبدو لنا بتأثير الأشعة الشمسية على الغلاف الجوي المحيط بالأرض. فعندما تسقط هذه الأشعة على ذريرات العناصر الكيماوية التي يتألف منها الجو، وما يحمله من دقائق عالقة به ـ تنعكس هذه الأشعة وتتشتت، فنرى نحن الضوء الأبيض الذي يتألف من جميع الألوان المرئية. وصفوة القول، ان ضوء النهار يتطلب الاشعاع الشمسي، وكميةً متناسبة من الغبار الجوي. فقد حدث في سنة 1944 أن أظلمت السماء فجأة في وضح النهار، ولشدة ظلمتها صار النهار كأنه الليل. وقد ظل الأمر كذلك زمناً وجيزاً، ثم تحولت السماء الى لون أحمر، تدرّج الى لون برتقالي، فأصفر، حتى عادت الى حالتها الطبيعية، بعد نحو ساعة أو أكثر. وقد تبين فيما بعد ان هذه الظاهرة نشأت من تفتُّت نيزك في السماء، استحال الى رماد، وحملته الرياح الى مسافات بعيدة من أواسط افريقية الى شمالها، ثم الى غربي آسيا، حيث شوهدت هذه الظاهرة في سورية. وتفسير ذلك ان الغبار المعلق في الفضاء قد حجب نور الشمس، فلما قلّت كثافته أخذ الضوءُ في الاحمرار والاصفرار الى ان عاد طبيعيا. أما ما نراه في هذه السماء من نجوم وأجرام سماوية ومجرّات وكائنات، فهي أمور كُتب فيها مجلدات و موسوعات يتطلب التعرف على أنظمتها دراسة واسعة وتخصصا كبيرا، وهي مظهر من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى التي تتجلى في خلقه كلَّ ذلك. والأرض أهم عالم عرفناه، وفيها أحوال لا تُوجد مثلها في شيء من هذا الكون الواسع. وهي على ضخامتها في نظرنا لا تساوي في الحقيقة ذرة في هذا الكون العجيب. ولو ان حجمها كان أقل أو أكثر مما هي عليه الآن، لاستحالت الحياة فوقها. وهي تدور بسرعة مقدارها ألف ميل في الساعة، وفيها جاذبية غير عادية، وهي تشد كل شيء اليها بفعل تلك الجاذبية. وتُكمل الأرض دورة واحدة حول محورها كل أربع وعشرين ساعة، ولو فرضنا ان انخفضت هذه السرعة الى مائتي ميل في الساعة، لطالت أوقات لَيلِنا ونهارنا عشرات المرات، عما هي عليه الآن. ويترتب على ذلك ان تحرق الشمس كل شيء فوق الارض، فإن بقي بعد ذلك شيء قضت عليه البرودة الشديدة في الليل. ثم ان هذه الارض دائرة في الفضاء حول الشمس، وعلى زاوية محددة، الأمر الذي تنشأ عنه فصول السنة، وصلاحية البقاع للزراعة والسكن، فلو لم تَسِر الأرض على هذه الزاوية لغمر الظلام القطبين طوال السنة، ولسار بخار البحار شمالاً وجنوبا، ولما بقي على الأرض غير جبال الثلج وفيافي الصحراوات.. اذ ذاك تغدو الحياة على هذه الأرض مستحيلة تماماً. ولو كانت قشرة الارض أكثر سُمكاً مما هي الآن بمقدار عشرة أقدام لما وجد الأكسجين، لأن القشرة الارضية ستمتص الاوكسجين في تلك الحال. وبدونه تستحيل الحياة الحيوانية. وكذلك لو كانت البحار أعمق مما هي الآن بضعة أقدام، لا نجذبَ إليها غاز ثاني اوكسيد الكربون، والاوكسجين، ولاستحال وجود النباتات عند ذلك. ويحيط بالأرض غلاف جوي خليط من الغازات التي تحتفظ بخصائصها، وأقربُ طبقات الارض الى سطحها تسمى تروبوسفير، وهي تمتد الى ارتفاع ثمانية كيلو مترات عند القطبين والى 11 كم في خطوط العرض الوسطى، و12 كم عند خط الاستواء. وفي هذه الطبقة يحدث خلط مستمر للهواء نتيجة للتيارات الصاعدة والهابطة.... ويتركب الغلاف الجوي من الأزوت والأوكسجين، والأرغون، وثاني أوكسيد الكربون، وكميات ضئيلة من غازات النيون والكريتون والهيليوم والأيدروجين والكسينون والأوزون، بالاضافة الى كميات متغيرة من بخار الماء والغبار. ولكل هذه المواد نسب معينة محددة لا تزيد ولا تنقص. ولو كان الغلاف الجوي للأرض ألطف مما عليه الآن، لاخترقت النيازك الغلاف الخارجي منه كل يوم، ولرأينا هذه النيازك مضيئة في الليل، ولسقطت على كل بقعة من الارض وأحرقتها. فلولا ان غلاف الارض الهوائي يقينا من هذه الشهب لأحرقتنا. ذلك ان سرعتها أكبر من سرعة طلقة البندقية بتسعين مرة، كما ان حرارتها الشديدة كافية لإهلاك كل ما على سطح هذه الأرض. والآن. ألا يدل هذا التوازن الدقيق العجيب جداً على قدرة الخالق وبديع صنعه! الحق أنه لم يكن صدفة، ولا وُجد عفوا كما يقول المبطلون الجاهلون. لكن، من يدرك ذلك؟ إنهم أولوا الألباب، فهم الذين ينظرون إليه ثم يستحضرون في نفوسهم عظمة الله وجلاله. ومن ثم تجدهم لا يغفلون عنه تعالى في جميع أحوالهم: قائمين، وقاعدين، وعلى جنوبهم. وهم يتفكرون في خلق السماوات والارض، وما فيها من عجائب ثم يقولون: ربنا ما خلقتَ كل هذا الكون العجيب عبثا، بل وِفق حكمة قدّرتَها، إنك أنت العزيز الحكيم. وفي هذا تعليم للمؤمنين كيف يخاطبون ربهم عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه في بدائع خلقه، فوفّقنا يا ربُّ بعنايتك الى العمل الصالح حتى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النار. ثم إنهم يضرعون الى ربهم قائلين: يا ربنا وخالقنا، إن من يستحق النار بأعماله السيئة سيلقاها، وبذلك تكون قد أخزيته وأظهرتَ فضيحته. وليس للظالمين الذين استحقوا النار أنصار يحمونهم يوم القيامة من دخول النار. ثم يتّجهون بقلوب خاشعة تطلب المغفرة الواسعة، والوفاةَ مع الأبرار فيبتهلون: يا ربنا، إننا سمعنا رسولك الكريم يدعو الى الإيمان بك، فأطعناه وآمنّا، فاغفر لنا ذنوبنا كبيرها وصغيرها، وكفّر عنا سيئاتنا واجعلنا في الآخرة من عبادك الأخيار. أعطنا يا ربُّ ما وعدتنا على ألسنة رُسلك الكرام من حسن الجزاء في الدنيا كالنصر والتأييد، ومن النعيم في الآخرة. لا تفضحنا يا ربّ ولا تهتك سترنا يوم القيامة، انك لا تخلِف ما وعدت به جزاء الإيمان وصالح الأعمال. ولقد استجاب لهم ربهم طلبهم بعد تلك المناجاة اللطيفة، والدعاء الخالص، فطمأنهم الى انه لا يُضيع ثواب عامل، ذكراً كان أم أنثى، فكلّهم سواء في الانسانية. وفي هذه الآية نصٌّ على ان الذكر والأنثى متساويان عند الله ولا تفاضل بينهما الا بالأعمال. بعد ذلك ينتقل البحث الى المهاجرين من مكّة، فالذين هاجروا يريدون وجه الله، أو أُخرجوا من ديارهم ونالهم الأذى في سبيل الله، وقاتلوا وتعرضوا للقتل ـ قد كتب الله على نفسه ان سيمحو عنهم سيئاتهم، ويُدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار. والله وحده عنده الثواب الجميل. قراءات: قرأ حمزة والكسائي "وقتلوا وقاتلوا"، وقرأ ابن كثير وابن عامر "وقتلوا" بتشديد التاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {وَٱخْتِلاَفِ} {ٱلْلَّيْلِ} {لآيَاتٍ} {ٱلأَلْبَابِ} (190) - إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ، وَمَا فِيها مِنْ مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ، وَكَوَاكِبَ وَسَيَّارَاتٍ، وَفِي خَلْقِ الأرْضِ، وَمَا فِيها مِنْ بِحَارٍ، وَأنْهَارٍ وَجِبَالٍ وَأشْجِارٍ وَنَبَاتٍ، وَفِي تَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَقَارُضِهِمَا الطُّولَ وَالقِصَرَ، يَطُولُ هَذا تَارةً، وَيَطُولُ الآخَرُ تَارَةً أخْرَى ... لآيَاتٍ وَبَرَاهِينَ وَحُجَجاً وَدَلائِلَ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ، لأهْلِ العُقُولِ وَالألبابِ الزّكِيَّةِ. اخْتِلافُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ - تَعَاقُبُهُما وَمَجِيءُ أَحَدِهِمَا خَلْفَ الآخَرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبحانه يريد أن يبني التصور الإيماني على جذور ثابتة في النفس البشرية، لأن الإنسان الذي يفاجأ بهذا الكون، وفيه سماء بهذا الشكل: بلا عمد، وتحتها الكواكب، وأرض مستقرة، بالله ألا يفكر فيمَنْ صنع هذا؟ والله لو أن واحداً استيقظ من نومه ووجد سرادقاً قد نصب في الميدان ليلاً لوقف ليسأل: ما الحكاية؟ فما بالنا بواحد فتح عينيه فوجد هذا الكون المنتظم الذي يعطيه أسباب الحياة؟ ولذلك يجيء في سورة أخرى ليشرح هذه القضية شرحاً يجلي لنا قضية الإيمان بالفكر الإنساني، فلا ننتظر الواعظ فقط الذي يأتينا بالرسالة والنبوة ليدل على المنهج المراد لمَنْ خلق، بل يحتم علينا أن نتنبه بالفطرة إلى مَنْ خلق، لأننا قلنا من قبل: لو أن إنساناً وقعت به طائرة في صحراء، ولم يجد فيها ماء ولا شجراً ولا أناساً ولأنه مجهد غلبه النوم، فاستيقظ فوجد مائدة عليها أطايب الطعام، بالله قبل أن يمد يده لينتفع بها، ألا يجول فكره فيمَنْ صنع هذه؟ إن دهشته من الحدث تجعله يفكر فيمَنْ جاء بها قبلما يذوق الطعام، رغم أنه جوعان، فكذلك الناس الذين فتحوا عيونهم فوجدوا هذا الكون العجيب، وبعد ذلك لم يدَّع أحد منهم أنه خلقه، ولو كان أحد قد ادعى أنه خلقه، لكانت المسألة تسهل، لكن أحداً لم يدع صنعه. هذا الكون الذي نراه جميعاً بانتظامه الرائع، وقوانينه الثابتة. هل قال أحد: إنني صنعته؟ لا إذن فالذي قال: إنني صنعته تَسْلم له الدعوة، حتى يأتي واحداً آخر يقول: أنا الذي صنعته. لم يحدث هذا قط برغم وجود الملاحدة والمفترين على الله، ولذلك جاء قوله تعالى: {أية : أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ..} تفسير : [النمل: 60]. كأن الحق يقول: إن لم أكن أنا الذي خلقت فمن الذي خلق إذن؟ ولم يجرؤ أحد على أن ينسب الكون لنفسه؛ لأن الكفار والملاحدة لا يستطيعون خلق شيء تافه من عدم. ومثال ذلك كوب الماء الذي تركه الله ولم يخلقه على الصورة التي هو عليها، كي يصنعوه ليفهموا أن كل شيء تم بخلقه - سبحانه - كوب الماء هذا شيء تافه أترف الحياة، وقبل أن تتم صناعة الكوب كنا نشرب ولم يكن هناك شجر يطرح ويثمر أكواباً بل صنعه إنسان أراد أن يترف الحياة، فإذا كان هذا الشيء الصغير له صانع جال في نواحي علوم شتَّى وفي المادة، ثم نظر إلى الأرض حتى وجد المادة التي عندما تُصهر تعطي هذه الشفافية واللمعان، فجرب في عناصر الأرض فلم يجد إلا الرمل. واكتشف هذه المادة ومزجها بمواد أخرى لصهرها وإذابتها واحتاجت صناعة الكوب إلى معامل وعلماء، كل هذه من أجل الكوب الصغير الذي قد تستغني عنه، انظر ما يحتاجه لصنعه؟ احتاج طاقات جالت في جميع مواد الأرض، وإمكانات صناعية وأناساً يضعون معادلات كيماوية، فما بالنا بالأشياء الأصلية وكم تحتاج؟ إن كل صناعة تحتاج على قدرها، ولم يقل أحد: إنني صنعتها، فيقول الحق: مَنْ الذي صنع كل هذا؟ وساعة يطرح سؤالاً فهو لا يريد أن يجعل القضية إخبارية منه، وهو القادر أن يقول: أنا الذي خلق السماء والأرض؟ فماذا يفعل المسئول؟ إنه يتخبط في إجابته ثم في النهاية لا يجد إلا الله. وكأن السائل لا يطرح هذا السؤال إلا إذا وثق أن الإجابة لا تكون إلا على وفق ما يريد {أية : أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ ..} تفسير : [النمل: 60] وجاء بهذه الحاجة المباشرة .. {أية : فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} تفسير : [النمل: 60] أي أنها تسرّ النظر بما فيها من خضرة، ونضارة، وطراوة، وظل، وأزهار، وثمار، ولم يختصر الأمر فيقول: "لتأكلوا منها" لأن الذي يأكل هو الذي يملك فقط، لكن جمال المنظر لا يحجزه أحد عن كل مَنْ يرى، ويستمتع بما يراه. وكل منا عندما يرى بستاناً جميلاً يسره منظره، صحيح أنك لا تمد يدك لتأكل منه لأنه ليس ملكك، لكن هل يمنعك أحد أن تمتع به نظرك. وأن تمتع أنفك برائحته الجميلة؟ لا. وهكذا جاء الحق بالنعمة الشائعة لمَنْ يملك ولمَنْ لا يملك فقال: {أية : ذَاتَ بَهْجَةٍ} تفسير : [النمل: 60] ونعرف أن الحق سبحانه وتعالى حين يمتن بالأشياء يوضح لك: إياك أن تفهم أن الغرض من هذه المسألة أن تأكلها لتملأ بها بطنك فقط؛ لأن هناك أشياء جميلة لا ننتفع بها أكلاً، فهناك ألوان من الشجر ليس له ثمرة لكن لابد أن له عملاً؛ فورقه الجميل قد يفيد في الظل وما يشيعه من رائحة تعطر الجو، وبه خشب نحتاج إليه، وبجانب هذا نجد أشجاراً لها ثمار جميلة ننتفع بها. ولذلك يقول الحق: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنعام: 99 ]. وسبحانه يستفهم من الإنسان: {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} تفسير : [النمل: 60]. بسطحية راح أحد المستشرقين يردد: أيَنْعَى الله على الخلق ويعيب عليهم أن يعدلوا؟ ذلك أنه لم يفهم المعنى الصحيح، فالعدل هنا بمعنى العدول عن الحق أو الميل عنه. ويقول: {أية : أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [النمل: 61]. إنه سبحانه الذي خلق الأرض ومن خلالها الأنهار وجعل فيها الجبال الرواسي، ويوضح الحق سبب وجود الجبال الرواسي في موقع آخر من القرآن الكريم: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} تفسير : [فصلت: 9-10]. فلماذا باركت يا الله؟ بارك الله في الجبال وقدر فيها أقواتها، فالقوت هو ما يُنتفع به في استبقاء الحياة. ونعرف أن القوت يؤخذ من الزرع، والزرع ينمو دائماً في الأرض الخصبة، وخصوبة الأرض تكون في الوديان، والوادي هو المكان الذي يكون بين جبلين. ولماذا يكون الوادي خصباً بين جبلين؟ لأن المطر حين ينزل من السماء، إنما ينزل على الجبال، والجبال كما نعرف معرضة لعوامل التعرية، فالحرارة تأتي بعد البرودة، والحرارة تجعل الأرض تمتد والبرودة تقبض المادة، وما بين القبض والبسط يحدث للجبال التشقق السطحي. وعندما ينزل المطر فهو يجرف هذه التشققات، فتنزل من قمة الجبل بقوة الدفع لتصير جسيمات ناعمة، ونسميها نحن الغِرْين أو الطمي، كالذي كان يأتي لنا من الحبشة، والذي أحدث خصوبة وادي النيل. إذن فالجبال هي مخازن الأقوات. ومن فضل الله جعل الجبال صلبة، فلو أنها كانت هشة من أول الأمر، لكان سيلٌ واحد من المطر كفيلاً بإزالتها كلها، ولجعل الأرض سطحاً واحداً، ولا انتفع البشر بنصف متر من الخصوبة. وبعد ذلك يأتي الجدب. ونعلم أن الحق جعل مع التكاثر الإنساني تكاثراً لأسباب القوت، فكيف يكثر الحق سبحانه من القوت؟ نحن نرى أن للجبال قمة ولها قاعدة، وبين كل جبل وجبل يوجد الوادي، ونعرف أن ضيق الوادي يكون في أدناه، واتساع الوادي في أعلاه، والجبل عكس الوادي. فضيق الجبل يكون في القمة واتساعه في القاعدة أي أن قمة الجبل أقل اتساعاً من قاعدته. وعندما ينزل الغرين بوساطة المطر من الجبل فهو ينزل إلى الوادي، فيرفع من مستوى سطح الوادي، وتتسع مساحة الوادي. وكلما نزل المطر على الجبال اتسعت مساحة الوديان التي بين الجبال؛ لأن المطر يحمل معه أجزاء من الجبال وهو ما يسمى بالغرين. وعندما يشاء الحق سبحانه إيذان النهاية، تتفتت كل الجبال ويقول للساعة: "قومي الآن". وهو يقول: {أية : وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [النمل: 61]. وفي موقع آخر يقول الحق: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} تفسير : [الرحمن: 19-20]. الماء له استطراق فسلكه الله ينابيع في الأرض، فالإنسان يحفر في مكان من الأرض فيجد الماء عذباً، وفي موقع آخر يدق الإنسان الأرض ويحفرها ليجد الماء ولكنه مالح. لماذا إذن لم يتسرب الماء المالح إلى الماء العذب وكلاهما تحت الأرض؟ إذن لا بد أن للماء المالح مسارب تختلف عن مسارب الماء العذب ولا يطغى أحد على الآخر. لماذا؟ لأننا نجد أن الماء العذب يأتي من أعلى. ونجد دائماً منابع الأنهار عالية وتصب في البحر. والحق لم يجعل منسوب الماء المالح أعلى من منسوب الماء العذب، حتى لا يطغى الماء المالح على الماء العذب، لأنه سبحانه يريد أن يرتوي الناس من الظمأ بالماء، ويريد للزرع أن ينمو، وأن يتجه الفائض من الماء العذب إلى مخزن الماء سواء في بطن الأرض أو في البحار، وتأتي من بعد ذلك عملية التبخير فيتصاعد الماء بخاراً ليصير سحاباً، ثم يمطر من بعد ذلك ماء عذباً. والقدر الذي خلقه الله من الماء أزلاً، هو. هو، لا يزيد ولا ينقص. فالإنسان إذا كان قد شرب أطناناً من الماء طَوال حياته، فهل ظلت تلك الأطنان في جسد الإنسان أو أن تلك الأطنان قد خرجت في فضلات الإنسان؟ إن الإنسان لا يختزن إلا الموجود فيه الآن من الماء. والجسم الإنساني به حوالي تسعين بالمائة من مكوناته من الماء، وبعد ذلك يموت الإنسان فيتبخر منه الماء وتنزل بقية العناصر للأرض. إذن فكمية المياه واحدة، ولكنها تخضع لدورة أرادها الله. وبعد ذلك يقول الحق: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [النمل: 62]. ومعنى المضطر هو الإنسان الذي استنفد أسباب بشريته ولم يدرك ما يحفظ به حياته ولذلك يقول الحق: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [يونس: 12]. وكذلك يقول الحق في موضع آخر بالقرآن الكريم: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} تفسير : [الإسراء: 67]. ذلك أنه عندما يصاب الإنسان بحادث جسيم، فهو لا يكذب على نفسه، حتى الكافر بالله عندما يجد أن كل الأسباب المادية التي أمامه لا تنفعه فهو يلجأ ويعترف بأنّ هناك إلهاً واحداً خالقاً. فيقول: يا رب. إذن فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [النمل: 62-64]. كل هذه الآيات تؤكد قول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]. إنها ظواهر كونية. واختلاف الليل والنهار يعني أن هناك شيئاً آخر أو يأتي بعد شيء آخر. إذن فاختلاف الليل والنهار له معنيان: فمجيء الليل بعد النهار يعني اختلافهما أي كل منهما خليفة للآخر. والزمن يمثل ذلك. واختلاف آخر يتمثل في أن النهار منير، والليل مظلم، والنهار محل حركة، والليل محل سكون. فاختلاف الليل والنهار ليس آية فقط ولكنه آيات لكثيرين. وكأن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: أنّ الفرد أعجز من أن يستنبط كل ما في الآيات، ولكن على كل واحد منكم أنتم البشر أن يستنبط آية، وكل إنسان يستنبط آية ينتفع بها هو وغيره من الناس وهكذا. إنها آيات يتوزع استنباطها على الخلق الذين يملكون البصيرة والأخذ بأسباب الله ليشيع الحق الاستنباط من أسرار الله لكل خلق الله المؤمنين إلى أن تقوم الساعة، ولبين لنا أصحاب العقول الحقيقية التي لا تنشغل بالنعمة عن المنعم بالنعمة؛ لأن لله إمداداً حين خلق من عَدَم، وإمداداً حين أمدّ من عُدم، وإمداداً آخر حينما يلقى على نعمته شيئاً من البركة، فالذي أخذ نعمة الله التي سبقت وجوده، وبعد ذلك غفل عن الحق سبحانه وتعالى فإن النعمة تعطيه، لكنها لا تكون مصحوبة بالبركة. ومعنى البركة أن يكون الشيء الحاصل والمستنبط من حركتك لا يأتي منه لك ولا للناس إلا الخير. فقد يعطيك الله بالأسباب والمسببات. لكن الله لا يعطيكم البركة إذا أخذت النعمة وتركت المنعم. فلو أنك عند كل شيء ذكرت الله لأخذت النعمة والبركة. فحين ترى لك شيئاً تحبه عليك أن تقول: {أية : مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [الكهف: 39]. إنَّه ليس من شغلك ولا من عملك. ولكنها مشيئة الله وقوته سبحانه. ولذلك يقولون: إنك إذا رأيت أي نعمة لك في مال أو ولد أو خُلقٍ أو هندام تقول حين تراها: {أية : مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [الكهف: 39] فأنت لا ترى فيها سوءاً أبداً؛ لأنك رددتها إلى مَن خلقها، فضمنت صيانة الله لها بذلك الرد، والذي يحرسها هو الكلمة الواضحة {أية : مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [الكهف: 39]. ولذلك نرى في قوله تبارك وتعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً * وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 32-36]. فماذا قال له صاحبه؟ {أية : قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} تفسير : [الكهف: 37-40]. فكان يجب ألا يغتر الإنسان بوجود النعمة وأن يعزوها وينسبها ويردها إلى المنعم وهذا يوضح لنا معنى قول الحق: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 7]. فقد تعطيكم الأسباب مسبباتها، ولكن لا زيادة عن المسببات بالتفضل منه سبحانه بالبركة، بل ربما كانت فجيعة لصاحبها، فتعطيه الأسباب ثم ينزع العطاء فتكون حسرة عليك. إذن فمَنْ هم أولو الألباب؟ تكون إجابة الحق: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: بدأ تعالى هذه السورة الكريمة بذكر أدلة التوحيد والألوهية والنبوة، وختمها بذكر دلائل الوحدانية والقدرة ودلائل الخلق والإِيجاد، ليستدل منها الإِنسان على البعث والنشور فكان ختام مسك، ولما كان المقصود من هذا الكتاب العظيم جذب القلوب والأرواح عن الاشتغال بالخلق إِلى معرفة الإِله الحق، جاءت الآيات الكريمة تنير القلوب بأدلة التوحيد والإِلهية والكبرياء والجلال، فلفتت الأنظار إِلى التفكر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، ليخلص الإِنسان إِلى الاعتراف بوحدانية الله وباهر قدرته وهو يتأمل في كتاب الله المنظور "الكون الفسيح" بعد أن تأمل في كتاب الله المسطور "القرآن العظيم" وفي الكتاب المسطور إِشارات عديدة لآيات الكتاب المنظور وهو يدعو إِلى معرفة الحقائق باستخدام الحواس {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]. اللغَة: {ٱلأَلْبَابِ} العقول {بَاطِلاً} عبثاً بدون حكمة {سُبْحَانَكَ} تنزيهٌ لله عن السوء {أَخْزَيْتَهُ} أذللته وأهنته {كَفِّرْ عَنَّا} استر وامح {ٱلأَبْرَارِ} جمع بر أو بارّ وهم المستمسكون بالشريعة {فَٱسْتَجَابَ} بمعنى أجاب {نُزُلاً} النُّزُل: ما يهيأ للنزيل وهو الضيف من أنواع الإِكرام {رَابِطُواْ} المرابطة: ترصد العدو في الثغور. سَبَبُ النّزول: عن أم سلمة قالت قلت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} الآية. التفسِير: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي إِن في خلق السماوات والأرض على ما بهما من إِحكام وإٍبداع {وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} أي وتعاقب الليل والنهار على الدوام {لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي علامات واضحة على الصانع وباهر حكمته، ولا يظهر ذلك إِلا لذوي العقول الذين ينظرون إِلى الكون بطريق التفكر والاستدلال لا كما تنظر البهائم، ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} أي يذكرون الله بألسنتهم وقلوبهم في جميع الأحوال في حال القيام والقعود والاضطجاع فلا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم، لاطمئنان قلوبهم بذكره واستغراق سرائرهم في مراقبته {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي يتدبرون في ملكوت السماوات والأرض، في خلقهما بهذه الأجرام العظام وما فيهما من عجائب المصنوعات وغرائب المبتدعات قائلين {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} أي ما خلقت هذا الكون وما فيه عبثاً من غير حكمة {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أي ننزهك يا ألله عن العبث فأجرنا واحمنا من عذاب جهنم {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أي من أدخلته النار فقد أذللته وأهنته غاية الإِهانة وفضحته على رءوس الأشهاد {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} أي ليس لهم من يمنعهم من عذاب الله، والمراد بالظالمين الكفار كما قال ابن عباس وجمهور المفسرين وقد صرح به في البقرة {أية : وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [البقرة: 254] {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ} أي داعياً يدعو إِلى الإِيمان وهو محمد صلى الله عليه وسلم {أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} أي يقول هذا الداعي أيها الناس آمنوا بربكم واشهدوا له بالوحدانية فصدقنا بذلك واتبعناه {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} أي استر لنا ذنوبنا ولا تفضحنا بها {وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} أي امح بفضلك ورحمتك ما ارتكبناه من سيئات {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} أي ألحقنا بالصالحين قال ابن عباس: الذنوب هي الكبائر والسيئات هي الصغائر ويؤيده {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} تفسير : [النساء: 31] فلا تكرار إِذاً {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} تكرير النداء للتضرع ولإِظهار كمال الخضوع أي أعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك وهي الجنة لمن أطاع قاله ابن عباس {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي لا تفضحنا كما فضحت الكفار {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} أي لا تخلف وعدك وقد وعدت من آمن بالجنة {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} أي أجاب الله دعاءهم بقوله إِني لا أُبطل عمل من عمل خيراً ذكراً كان العامل أو أُنثى قال الحسن: ما زالوا يقولون ربنا، ربنا، حتى استجاب لهم {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} أي الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر، فإِذا كنتم مشتركين في الأصل فكذلك أنتم مشتركون في الأجر {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} أي هجروا أوطانهم فارين بدينهم، وألجأهم المشركون إِلى الخروج من الديار {وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} أي تحملوا الأذى من أجل دين الله {وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ} أي وقاتلوا أعدائي وقتلوا في سبيلي {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي الموصوفون بما تقدم لأمحونَّ ذنوبهم بمغفرتي ورحمتي {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ} أي ولأدخلنهم جنات النعيم جزاءً من عند الله على أعمالهم الصالحة {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} أي عنده حسن الجزاء وهي الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم نبه تعالى إِلى ما عليه الكفار في هذه الدار من النعمة والغبطة والسرور، وبيَّن أنه نعيم زائل فقال {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} أي لا يخدعنك أيها السامع تنقل الذين كفروا في البلاد طلباً لكسب الأموال والجاه والرتب {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي إِنما يتنعمون بذلك قليلاً ثم يزول هذا النعيم، ومصيرهم في الآخرة إِلى النار، وبئس الفراش والقرار نار جهنم. {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} أي لكن المتقون لله لهم النعيم المقيم في جنات النعيم مخلدين فيها أبداً {نُزُلاً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي ضيافة وكرامة من عند الله {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} أي وما عند الله من الثواب والكرامة للأخيار الأبرار، خير مما يتقلب فيه الأشرار الفجار من المتاع القليل الزائل، ثم أخبر تعالى عن إِيمان بعض أهل الكتاب فقال {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} أي ومن اليهود والنصارى فريق يؤمنون بالله حق الإِيمان، ويؤمنون بما أنزل إِليكم وهو القرآن وبما أنزل إِليهم وهو التوراة والإنجيل كعبد الله بن سلام وأصحابه، والنجاشي وأتباعه {خَاشِعِينَ للَّهِ} أي خاضعين متذللين لله {لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي لا يحرّفون نعت محمد ولا أحكام الشريعة الموجودة في كتبهم لعرضٍ من الدنيا خسيس كما فعل الأحبار والرهبان {أُوْلۤـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي ثواب إِيمانهم يعطونه مضاعفاً كما قال {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِْ}تفسير : [القصص: 54] {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي سريعٌ حسابُه لنفوذ علمه بجميع المعلومات، يعلم ما لكل واحدٍ من الثواب والعقاب، قال ابن عباس والحسن: حديث : نزلت في النجاشي وذلك أنه لما مات نعاه جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي، فقال بعضهم لبعض: يأمرنا أن نصلي على علج من علوج الحبشة فأنزل الله {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} الآيةتفسير : . ثم ختم تعالى السورة الكريمة بهذه الوصية الجامعة لسعادة الدارين فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ} أي اصبروا على مشاقّ الطاعات وما يصيبكم من الشدائد {وَصَابِرُواْ} أي غالبوا أعداء الله بالصبر على أهوال القتال وشدائد الحروب {وَرَابِطُواْ} أي لازموا ثغوركم مستعدين للكفاح والغزو {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي خافوا الله فلا تخالفوا أمره لتفوزوا بسعادة الدارين. البَلاَغَة: تضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع ما يلي: 1- الإِطناب في قوله {رَبَّنَآ} حيث كرر خمس مرات والغرض منه المبالغة في التضرع. 2- الطباق في قوله {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} و {ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} و {قِيَاماً وَقُعُوداً} و {ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ}. 3- الإِيجاز بالحذف {مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} أي على ألسنة رسلك وكذلك في قوله {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ} أي قائلين ربنا. 4- الجناس المغاير في قوله {آمِنُواْ... فَآمَنَّا} وفي {عَمَلَ عَامِلٍ} وفي {مُنَادِياً يُنَادِي}. 5- {لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} التنكير للتفخيم ودخلت اللام في خبر إِنَّ لزيادة التأكيد. 6- الاستعارة في قوله {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} استعير التقلب للضرب في الأرض لطلب المكاسب والله أعلم. الفوَائِدَ: الأولى: إِنما خصص التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق ففي الحديث الشريف "حديث : تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإِنكم لا تقدرون الله قدره" تفسير : وذلك لعدم الوصول إِلى كنه ذاته وصفاته قال بعض العلماء: المتفكر في ذات الله كالناظر في عين الشمس لأنه تعالى ليس كمثله شيء. الثانية: تكرر النداء بهذا الاسم الجليل {رَبَّنَآ} خمس مرات كل ذلك على سبيل الاستعطاف وتطلب رحمة الله بندائه بهذا الاسم الشريف الدال على التربية والملك والإِصلاح. الثالثة: سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن أعجب ما رأته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت وقالت: كل أمره كان عجباً، حديث : أتاني في ليلتي حتى مسَّ جلده جلدي ثم قال "ذريني أتعبد لربي عز وجل" فقلت: والله إِني لأحب قربك وأحب هواك، فقام إِلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر صبّ الماء ثم قام يصلي فبكى حتى بلّ لحيته، ثم سجد فبكى حتى بلّ الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى حتى إِذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح فقال يا رسول الله: ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال "ويحك يا بلال وما يمنعني أن أبكر وقد أنزل الله عليَّ في هذه الليلة {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ....} الآيات ثم قال: ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها" .
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } وفي ضمن ذلك حث العباد على التفكر فيها، والتبصر بآياتها، وتدبر خلقها، وأبهم قوله: { آيات } ولم يقل: "على المطلب الفلاني" إشارة لكثرتها وعمومها، وذلك لأن فيها من الآيات العجيبة ما يبهر الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب أفئدة الصادقين، وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية، فأما تفصيل ما اشتملت عليه، فلا يمكن لمخلوق أن يحصره، ويحيط ببعضه، وفي الجملة فما فيها من العظمة والسعة، وانتظام السير والحركة، يدل على عظمة خالقها، وعظمة سلطانه وشمول قدرته. وما فيها من الإحكام والإتقان، وبديع الصنع، ولطائف الفعل، يدل على حكمة الله ووضعه الأشياء مواضعها، وسعة علمه. وما فيها من المنافع للخلق، يدل على سعة رحمة الله، وعموم فضله، وشمول بره، ووجوب شكره. وكل ذلك يدل على تعلق القلب بخالقها ومبدعها، وبذل الجهد في مرضاته، وأن لا يشرك به سواه، ممن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وخص الله بالآيات أولي الألباب، وهم أهل العقول؛ لأنهم هم المنتفعون بها، الناظرون إليها بعقولهم لا بأبصارهم. ثم وصف أولي الألباب بأنهم { يذكرون الله } في جميع أحوالهم: { قياما وقعودا وعلى جنوبهم } وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب، ويدخل في ذلك الصلاة قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب، وأنهم { يتفكرون في خلق السماوات والأرض } أي: ليستدلوا بها على المقصود منها، ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين، فإذا تفكروا بها، عرفوا أن الله لم يخلقها عبثا، فيقولون: { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك } عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة على الحق. { فقنا عذاب النار } بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة من النار. ويتضمن ذلك سؤال الجنة، لأنهم إذا وقاهم الله عذاب النار حصلت لهم الجنة، ولكن لما قام الخوف بقلوبهم، دعوا الله بأهم الأمور عندهم، { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } أي: لحصوله على السخط من الله، ومن ملائكته، وأوليائه، ووقوع الفضيحة التي لا نجاة منها، ولا منقذ منها، ولهذا قال: { وما للظالمين من أنصار } ينقذونهم من عذابه، وفيه دلالة على أنهم دخلوها بظلمهم. { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان } وهو محمد صلى الله عليه وسلم، أي: يدعو الناس إليه، ويرغبهم فيه، في أصوله وفروعه. { فآمنا } أي: أجبناه مبادرة، وسارعنا إليه، وفي هذا إخبار منهم بمنة الله عليهم، وتبجح بنعمته، وتوسل إليه بذلك، أن يغفر ذنوبهم ويكفر سيئاتهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات، والذي من عليهم بالإيمان، سيمن عليهم بالأمان التام. { وتوفنا مع الأبرار } يتضمن هذا الدعاء التوفيق لفعل الخير، وترك الشر، الذي به يكون العبد من الأبرار، والاستمرار عليه، والثبات إلى الممات. ولما ذكروا توفيق الله إياهم للإيمان، وتوسلهم به إلى تمام النعمة، سألوه الثواب على ذلك، وأن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة رسله من النصر، والظهور في الدنيا، ومن الفوز برضوان الله وجنته في الآخرة، فإنه تعالى لا يخلف الميعاد، فأجاب الله دعاءهم، وقبل تضرعهم، فلهذا قال: { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ ...}.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [190] 107- أنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن مَخرمة بن سليمان، عن كُريب مولى ابن عباس/ أن ابن عباس أخبره، حديث : أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - وهي خالته - فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طولها، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل، أو قَبْله بقليل، أو بعده بقليل استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ معلَّقة، فتوضأ منها وضوءه، ثم قام يصلي، قال ابن عباس: فقمت، فصنعت مثل ما صنع وذهبت فقُمت إلى جنبه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي وأخذ بأُذُني يَفْتلها، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أُوْتر، فاضطجع حتى جاءه المؤذن، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الصبح . تفسير : 108- أنا عمرو بن منصور، أنا يزيد بن مِهران، نا أبو بكر ابن عياش، عن حُميد، عن أنس قال: حديث : لما جاء نعي النَّجاشي قال رسوله الله صلى الله عليه وسلم: "صلوا عليه" قالوا: يا رسول الله، نصلي على عبد حبشي؟ فأنزل الله عز وجل {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ / إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ} الآية [آل عمران: 199] . تفسير : 109- أنا عمرو بن منصور، نا يزيد بن مهران أبو خالد الخبَّاز، أنا أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن الحسن مثله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):