٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
191
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الإلهية والقدرة والحكمة وهو ما يتصل بتقرير الربوبية ذكر بعدها ما يتصل بالعبودية، وأصناف العبودية ثلاثة أقسام: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، فقوله تعالى: {يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ } إشارة إلى عبودية اللسان، وقوله: {قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } إشارة الى عبودية الجوارح والأعضاء، وقوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } إشارة الى عبودية القلب والفكر والروح، والانسان ليس إلى هذا المجموع، فإذا كان اللسان مستغرقا في الذكر، والأركان في الشكر، والجنان في الفكر، كان هذا العبد مستغرقا بجميع أجزائه في العبودية، فالآية الأولى دالة على كمال الربوبية، وهذه الآية دالة على كمال العبودية، فما أحسن هذا الترتيب في جذب الأرواح من الخلق الى الحق، وفي نقل الأسرار من جانب عالم الغرور الى جناب الملك الغفور، ونقول في الآية مسائل: المسألة الأولى: للمفسرين في هذه الآية قولان: الأول: أن يكون المراد منه كون الانسان دائم الذكر لربه، فإن الأحوال ليست إلا هذه الثلاثة، ثم لما وصفهم بكونهم ذاكرين فيها كان ذلك دليلا على كونهم مواظبين على الذكر غير فاترين عنه ألبتة. والقول الثاني: أن المراد من الذكر الصلاة، والمعنى أنهم يصلون في حال القيام، فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاضطجاع، والمعنى أنهم لا يتركون الصلاة في شيء من الأحوال، والحمل على الأول أولى لأن الآيات الكثيرة ناطقة بفضيلة الذكر، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله». تفسير : المسألة الثانية: يحتمل أن يكون المراد بهذا الذكر هو الذكر باللسان، وأن يكون المراد منه الذكر بالقلب، والأكمل أن يكون المراد الجمع بين الأمرين. المسألة الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: إذا صلى المريض مضطجعاً وجب أن يصلي على جنبه، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: بل يصلى مستلقياً حتى إذا وجد خفة قعد، وحجة الشافعي رضي الله عنه ظاهر هذه الآية، وهو أنه تعالى مدح من ذكره على حال الاضطجاع على الجنب، فكان هذا الوضع أولى. واعلم أن فيه دقيقة طبية وهو أنه ثبت في المباحث الطبية أن كون الانسان مستلقياً على قفاه يمنع من استكمال الفكر والتدبر، وأما كونه مضطجعاً على الجنب فإنه غير مانع منه، وهذا المقام يراد فيه التدبر والتفكر، ولأن الاضطجاع على الجنب يمنع من النوم المغرق، فكان هذا الوضع أولى، لكونه أقرب إلى اليقظة، وإلى الاشتغال بالذكر. المسألة الرابعة: محل {عَلَىٰ جُنُوبُهُمْ } نصب على الحال عطفاً على ما قبله، كأنه قيل: قياماً وقعوداً ومضطجعين. واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالذكر وثبت أن الذكر لا يكمل إلا مع الفكر، لا جرم قال بعده: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى رغب في ذكر الله، ولما آل الأمر إلى الفكر لم يرغب في الفكر في الله، بل رغب في الفكر في أحوال السموات والأرض، وعلى وفق هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق»تفسير : والسبب في ذلك أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة، إنما يمكن وقوعه على نعت المخالفة، فاذن نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبكميتها وكيفيتها وشكلها على براءة خالقها عن الكمية والكيفية والشكل، وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من عرف نفسه عرف ربه» تفسير : معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم، ومن عرف نفسه بالامكان عرف ربه بالوجوب، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء، فكان التفكر في الخلق ممكنا من هذا الوجه، أما التفكر في الخالق فهو غير ممكن ألبتة، فإذن لا يتصور حقيقته إلا بالسلوب فنقول: إنه ليس بجوهر ولا عرض، ولا مركب ولا مؤلف، ولا في الجهة، ولا شك أن حقيقته المخصوصة مغايرة لهذه السلوب، وتلك الحقيقة المخصوصة لا سبيل للعقل إلى معرفتها فيصير العقل كالواله المدهوش المتحير في هذا الموقف فلهذا السبب نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكر في الله، وأمر بالتفكر في المخلوقات، فلهذه الدقيقة أمر الله في هذه الآيات بذكره، ولما ذكر الفكر لم يأمر بالتفكر فيه، بل أمر بالفكر في مخلوقاته. المسألة الثانية: اعلم أن الشيء الذي لا يمكن معرفته بحقيقته المخصوصة إنما يمكن معرفته بآثاره وأفعاله، فكلما كانت أفعاله أشرف وأعلى كان وقوف العقل على كمال ذلك الفاعل أكمل، ولذلك ان العامي يعظم اعتقاده في القرآن ولكنه يكون اعتقادا تقليديا إجمالياً، أما المفسر المحقق الذي لا يزال يطلع في كل آية على أسرار عجيبة، ودقائق لطيفة، فإنه يكون اعتقاده في عظمة القرآن أكمل. إذا عرفت هذا فنقول: دلائل التوحيد محصورة في قسمين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم كما قال تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } تفسير : [غافر: 57] ولما كان الأمر كذلك لا جرم أمر في هذه الآية بالفكر في خلق السموات والأرض لأن دلالتها أعجب وشواهدها أعظم، وكيف لا نقول ذلك ولو أن الانسان نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة، رأى في تلك الورقة عرقا واحداً ممتدا في وسطها، ثم يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين، ثم يتشعب منها عروق دقيقة. ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخر حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر، وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكما بالغة وأسراراً عجيبة، وأن الله تعالى أودع فيها قوى جاذبة لغذائها من قعر الأرض ثم إن ذلك الغذاء يجري في تلك العروق حتى يتوزع على كل جزء من أجزاء تلك الورقة جزء من أجزاء ذلك الغذاء بتقدير العزيز العليم، ولو أراد الانسان أن يعرف كيفية خلقة تلك الورقة وكيفية التدبير في إيجادها وإيداع القوى الغاذية والنامية فيها لعجز عنه، فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقة تلك الورقة الصغيرة، فحينئذ يقيس تلك الورقة إلى السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أن تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء كالعدم، فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير عرف أنه لا سبيل له ألبتة إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله في خلق السموات والأرض، وإذا عرف بهذا البرهان النير قصور عقله وفهمه عن الإحاطة بهذا المقام لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجل وأعظم من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين، بل يسلم أن كل ما خلقه ففيه حكم بالغة وأسرار عظيمة وإن كان لا سبيل له إلى معرفتها، فعند هذا يقول: سبحانك! والمراد منه اشتغاله بالتسبيح والتهليل والتحميد والتعظيم، ثم عند ذلك يشتغل بالدعاء فيقول: فقنا عذاب النار. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء وقال: أشهد أن لك ربا وخالقا، اللهم اغفر لي فنظر الله اليه فغفر له»تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا عبادة كالتفكر» تفسير : وقيل: الفكرة تذهب الغفلة وتجذب للقلب الخشية كما ينبت الماء الزرع. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض» تفسير : قالوا: وكان ذلك العمل هو التفكر في معرفة الله، لأن أحدا لا يقدر أن يعمل بجوارحه مثل عمل أهل الأرض. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن أعلى مراتب الصديقين التفكر في دلائل الذات والصفات وأن التقليد أمر باطل لا عبرة به ولا التفات إليه. واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء العباد الصالحين المواظبين على الذكر والفكر أنهم ذكروا خمسة أنواع من الدعاء. النوع الأول: قوله: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية إضمار وفيه وجهان، قال الواحدي رحمه الله: التقدير: يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا، وقال صاحب «الكشاف»: أنه في محال الحال بمعنى يتفكرون قائلين. المسألة الثانية: هذا: في قوله: {مَا خَلَقْتَ هَذا } كناية عن المخلوق، يعني ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلا، وفي كلمة {هَـٰذَا } ضرب من التعظيم كقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } تفسير : [الإسراء: 9]. المسألة الثالثة: في نصب قوله {بَـٰطِلاً } وجوه: الأول: أنه نعت لمصدر محذوف أي خلقا باطلا. الثاني: أنه بنزع الخافض تقديره: بالباطل أو للباطل. الثالث: قال صاحب «الكشاف»: يجوز أن يكون «باطلا» حالا من «هذا». المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبيد ولأجل الحكمة، والمراد منها رعاية مصالح العباد، واحتجوا عليه بهذه الآية لأنه تعالى لو لم يخلق السموات والأرض لغرض لكان قد خلقها باطلا، وذلك ضد هذه الآية قالوا: وظهر بهذه الآية أن الذي تقوله المجبرة: إن الله تعالى أراد بخلق السموات والأرض صدور الظلم والباطل من أكثر عباده وليكفروا بخالقها، وذلك رد لهذه الآية، قالوا: وقوله: {سُبْحَـٰنَكَ } تنزيه له عن خلقه لهما باطلا، وعن كل قبيح، وذكر الواحدي كلاما يصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة فقال: الباطل عبارة عن الزائل الذاهب الذي لا يكون له قوة ولا صلابة ولا بقاء، وخلق السموات والأرض خلق متقن محكم، ألا ترى إلى قوله: {أية : مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } تفسير : [الملك: 3] وقال: {أية : وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً } تفسير : [النبأ: 12] فكان المراد من قوله: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } هذا المعنى، لا ما ذكره المعتزلة. فإن قيل: هذا الوجه مدفوع بوجوه: الأول: لو كان المراد بالباطل الرخو المتلاشي لكان قوله: {سُبْحَـٰنَكَ } تنزيها له عن أن يخلق مثل هذا الخلق، ومعلوم أن ذلك باطل. الثاني: أنه إنما يحسن وصل قوله: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه لأن التقدير: ما خلقته باطلا بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة، وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك، فقنا عذاب النار، لأنه جزاء من عصى ولم يطع، فثبت أنا إذا فسرنا قوله: {وَمَا خَلَقْتُ هَذا بَـٰطِلاً } بما ذكرنا حسن هذا النظم، أما إذا فسرناه بأنك خلقته محكما شديد التركيب لم يحسن هذا النظم. الثالث: أنه تعالى ذكر هذا في آية أخرى فقال: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـاء وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }تفسير : [ص: 27] وقال في آية أخرى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَـٰهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ }تفسير : [الدخان: 38، 39] وقال في آية أخرى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً } تفسير : [المؤمنون: 115] إلى قوله: {أية : فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ } تفسير : [المؤمنون: 116] أي فتعالى الملك الحق عن أن يكون فعله عبثا، وإذا امتنع أن يكون عبثا فبأن يمتنع كونه باطلا أولى. والجواب: اعلم أن بديهة العقل شاهدة بأن الموجود إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، وشاهده أن كل ممكن لذاته فإنه لا بد وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته، وليس في هذه القضية تخصيص بكون ذلك الممكن مغايرا لأفعال العباد، بل هذه القضية على عمومها قضية يشهد العقل بصحتها، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشر بقضاء الله. وإذا كان كذلك امتنع يكون المراد من هذه الآية تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح، إذا عرفت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يكون تأويل الآية ما حكيناه عن الواحدي: قوله: ولو كان كذلك لكان قوله: {سُبْحَـٰنَكَ } تنزيها له عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة وذلك باطل. قلنا: لم لا يجوز أن يكون المراد: ربنا ما خلقت هذا رخوا فاسد التركيب بل خلقته صلبا محكما، وقوله: {سُبْحَـٰنَكَ } معناه أنك وإن خلقت السموات والأرض صلبة شديدة باقية فأنت منزه عن الاحتياج إليه والانتفاع به فيكون قوله: {سُبْحَـٰنَكَ } معناه هذا. قوله ثانيا: إنما حسن وصل قوله: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } به إذا فسرناه بقولنا، قلنا لا نسلم بل وجه النظم أنه لما قال: {سُبْحَـٰنَكَ } اعترف بكونه غنياً عن كل ما سواه، فعندما وصفه بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } وهذا الوجه في حسن النظم إن لم يكن أحسن مما ذكرتم لم يكن أقل منه، وأما سائر الآيات التي ذكرتموها فهي دالة على أن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بكونها عبثا ولعبا وباطلا، ونحن نقول بموجبه، وإن أفعال الله كلها حكمة وصواب، لأنه تعالى لا يتصرف إلا في ملكه وملكه، فكان حكمه صوابا على الاطلاق فهذا ما في هذه المناظرة والله أعلم. المسألة الخامسة: احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أنه سبحانه خلق هذه الافلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع سكان هذه البقعة الارضية، قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، وذلك رد للآية. قالوا: وليس لقائل أن يقول الفائدة فيها الاستدلال بها على وجود الصانع المختار، وذلك لأن كل واحد من كرات الهواء والماء يشارك الافلاك والكواكب في هذا المعنى، فحينئذ لا يبقى لخصوص كونه فلكا وشمسا وقمرا فائدة، فيكون باطلا وهو خلاف هذا النص. أجاب المتكلمون عنه: بأن قالوا: لم لا يكفي في هذا المعنى كونها أسباباً على مجرى العادة لا على سبيل الحقيقة. أما قوله تعالى: {سُبْحَـٰنَكَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا إقرار بعجز العقول عن الاحاطة بآثار حكمة الله في خلق السموات والأرض، يعني: أن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر، وهو أن خالقها ما خلقها باطلا، بل خلقها لحكم عجيبة، وأسرار عظيمة، وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها. المسألة الثانية: المقصود منه تعليم الله عباده كيفية الدعاء، وذلك أن من أراد الدعاء فلا بد وأن يقدم الثناء ثم يذكر بعده الدعاء كما في هذه الآية. أما قوله تعالى: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } فاعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى، وأبدانهم في طاعة الله، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار، ولولا أنه يحسن من الله تعذيبهم وإلا لكان هذا الدعاء عبثاً، فإن كان المعتزلة ظنوا أن أول الآية حجة لهم، فليعلموا أن آخر هذه الآية حجة لنا في أنه لا يقبح من الله شيء أصلا، ومثل هذا التضرع ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم في قوله: {أية : وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ } تفسير : [الشعراء: 82]. النوع الثاني من دعواتهم: قوله تعالى حكاية عنهم: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنْصَـٰرٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي، ليكون موقع السؤال أعظم، لأن من سأل ربه أن يفعل شيئاً أو أن لا يفعله، إذا شرح عظم ذلك المطلوب وقوته كانت داعيته في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه في طلبه أشد، والدعاء لا يتصل بالاجابة إلا إذا كان مقروناً بالإخلاص، فهذا تعليم من الله عباده في كيفية إيراد الدعاء. المسألة الثانية: قال الواحدي: الاخزاء في اللغة يرد على معان يقرب بعضها من بعض. قال الزجاج: أخزى الله العدو، أي أبعده وقال غيره: أخزاه الله أي أهانه، وقال شمر بن حمدويه أخزاه الله أي فضحه الله، وفي القرآن {أية : وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى }تفسير : [هود: 78] وقال المفضل: أخزاه الله أي أهلكه وقال ابن الانباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء، وكل هذه الوجوه متقاربة. ثم قال صاحب «الكشاف»: {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } أي قد أبلغت في إخزائه وهو نظير ما يقال: من سبق فلاناً فقد سبق، ومن تعلم من فلان فقد تعلم. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن، وذلك لأن صاحب الكبيرة اذا دخل النار فقد أخزاه الله لدلالة هذه الآية، والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: {يَوْمَ لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} فوجب من مجموع هاتين الآيتين أن لا يكون صاحب الكبيرة مؤمنا. والجواب: أن قوله {أية : يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } تفسير : [التحريم: 8] لا يقتضي نفي الاخزاء مطلقا، وإنما يقتضي أن لا يحصل الاخزاء حال ما يكون مع النبي، وهذا النفي لا يناقضه إثبات الاخزاء في الجملة لاحتمال أن يحصل ذلك الاثبات في وقت آخر، هذا هو الذي صح عندي في الجواب، وذكر الواحدي في البسيط أجوبة ثلاثة سوى ما ذكرناه: أحدها: أنه نقل عن سعيد بن المسيب والثوري وقتادة أن قوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } مخصوص بمن يدخل النار للخلود، وهذا الجواب عندي ضعيف، لأن مذهب المعتزلة أن كل فاسق دخل النار فإنما دخلها للخلود، فهذا لا يكون سؤالا عنهم. ثانيها: قال: المدخل في النار مخزي في حال دخوله وإن كانت عاقبته أن يخرج منها، وهذا ضعيف أيضا لأن موضع الاستدلال أن قوله: {أية : يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} تفسير : [التحريم: 8] يدل على نفي الخزي عن المؤمنين على الاطلاق، وهذه الآية دلت على حصول الخزي لكل من دخل النار، فحصل بحكم هاتين الآيتين بين كونه مؤمنا وبين كونه كافرا ممن يدخل النار منافاة، وثالثها: قال: الاخزاء يحتمل وجهين: أحدهما: الاهانة والاهلاك، والثاني: التخجيل، يقال: خزي خزاية اذا استحيا، وأخزاه غيره اذا عمل به عملا يخجله ويستحيى منه. واعلم أن حاصل هذا الجواب: أن لفظ الاخزاء لفظ مشترك بين التخجيل وبين الاهلاك، واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والاثبات على معنييه جميعا، واذا كان كذلك جاز أن يكون المنفى بقوله: {يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} غير المثبت في قوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } وعلى هذا يسقط الاستدلال، إلا أن هذا الجواب إنما يتمشى اذا كان لفظ الاخزاء مشتركا بين هذين المفهومين، أما اذا كان لفظا متواطئا مفيدا لمعنى واحد، وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحدي نوعين تحت جنس واحد، سقط هذا الجواب لأن قوله: {لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} لنفي الجنس وقوله: {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } لاثبات النوع، وحينئذ يحصل بينهما منافاة. المسألة الرابعة: احتجت المرجئة بهذه الآية في القطع على أن صاحب الكبيرة لا يخزي وكل من دخل النار فإنه يخزى، فيلزم القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار، إنما قلنا صاحب الكبيرة لا يخزى لأن صاحب الكبيرة مؤمن، والمؤمن لا يخزى. إنما قلنا إنه مؤمن لقوله تعالى: {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىء إِلَىٰ أَمْرِ } تفسير : [الحجرات: 9] سمي الباغي حال كونه باغياً مؤمناً، والبغي من الكبائر بالاجماع، وأيضا قال تعالى: {أية : يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } تفسير : [البقرة: 178] سمي القاتل بالعمد العدوان مؤمناً، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإنما قلنا إن المؤمن لا يخزى لقوله: {أية : يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه}تفسير : [التحريم: 8] ولقوله: {أية : وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [آل عمران: 194]. ثم قال تعالى: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ } تفسير : [آل عمران: 195] وهذه الاستجابة تدل على أنه تعالى لا يخزي المؤمنين، فثبت بما ذكرنا أن صاحب الكبيرة لا يخزى بالنار، وإنما قلنا إن كل من دخل النار فإنه يخزى لقوله تعالى: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } وحينئذ يتولد من هاتين المقدمتين القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار. والجواب عنه ما تقدم: أن قوله: {أية : يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } تفسير : [التحريم: 8] لا يدل على نفي الاخزاء مطلقاً، بل يدل على نفي الاخزاء حال كونهم مع النبي، وذلك لا ينافي حصول الاخزاء في وقت آخر. المسألة الخامسة: قوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } عام دخله الخصوص في مواضع منها: أن قوله تعالى: {أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } تفسير : [مريم: 71 ـ 72] يدل على أن كل المؤمنين يدخلون النار، وأهل الثواب يصانون عن الخزي. وثانيها: أن الملائكة الذين هم خزنة جهنم يكونون في النار، وهم أيضا يصانون عن الخزي. قال تعالى: {أية : عَلَيْهَا مَلَـٰئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ } تفسير : [التحريم: 6]. المسألة السادسة: احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أشد وأقوى من العذاب الجسماني، قالوا: لأن الآية دالة على التهديد بعد عذاب النار بالخزي، والخزي عبارة عن التخجيل وهو عذاب روحاني، فلولا أن العذاب الروحاني أقوى من العذاب الجسماني وإلا لما حسن تهديد من عذب بالنار بعذاب الخزي والخجالة. المسألة السابعة: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الفساق الذين دخلوا النار لا يخرجون منها بل يبقون هناك مخلدين، وقالوا: الخزي هو الهلاك، فقوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } معناه فقد أهلكته، ولو كانوا يخرجون من النار الى الجنة لما صح أن كل من دخل النار فقد هلك. والجواب: أنا لا نفسر الخزي بالاهلاك بل نفسره بالاهانة والتخجيل، وعند هذا يزول كلامكم. أما قوله تعالى: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعتزلة تمسكوا به في نفي الشفاعة للفساق، وذلك لأن الشفاعة نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع. والجواب من وجوه: الأول: أن القرآن دل على أن الظالم بالاطلاق هو الكافر، قال تعالى: {أية : وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [البقرة: 254] ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم خصصوا أنفسهم بنفي الشفعاء والأنصار حيث قالوا: {أية : فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ }تفسير : [الشعراء:101] وثانيها: أن الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا بإذن الله، قال تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255] وإذا كان كذلك لم يكن الشفيع قادراً على النصرة إلا بعد الإذن، وإذا حصل الإذن لم يكن في شفاعته فائدة في الحقيقة، وعند ذلك يظهر أن العفو إنما حصل من الله تعالى، وتلك الشفاعة ما كان لها تأثير في نفس الأمر، وليس الحكم إلا لله، فقوله: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } يفيد أنه لا حكم إلا الله كما قال: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ }تفسير : [الأنعام:62] وقال: {أية : وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }تفسير : [الأنفطار: 19] لا يقال: فعلى هذا التقدير لا يبقى لتخصيص الظالمين بهذا الحكم فائدة، لأنا نقول: بل فيه فائدة لأنه وعد المؤمنين المتقين في الدنيا بالفوز بالثواب والنجاة من العقاب، فلهم يوم القيامة هذه الحجة. اما الفساق فليس لهم ذلك، فصح تخصيصهم بنفي الأنصار على الإطلاق. الثالث: أن هذه الآية عامة وواردة بثبوت الشفاعة خاصة والخاص مقدم على العام، والله أعلم. المسألة الثانية: المعتزلة تمسكوا في أن الفاسق لا يخرج من النار، قالوا: لو خرج من النار لكان من أخرجه منها ناصرا له، والآية دالة على أنه لا ناصر له ألبتة. والجواب: المعارضة بالآيات الدالة على العفو كما ذكرناه في سورة البقرة. النوع الثالث: من دعواتهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ } نعت لما قبله أو بدل {يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } مضطجعين أي في كل حال وعن ابن عباس: يصلون كذلك حسب الطاقة {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } ليستدلوا به على قدرة صانعهما يقولون {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا } الخلق الذي نراه {بَٰطِلاً } حال، عبثاً بل دليلاً على كمال قدرتك {سُبْحَٰنَكَ } تنزيهاً لك عن العبث {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }.
ابن عطية
تفسير : {الذين} في موضع خفض صفة {أية : لأولي الألباب} تفسير : [آل عمران: 190]، وهذا وصف ظاهره استعمال التحميد والتهليل والتكبير ونحوه من ذكر الله، وأن يحصر القلب اللسان، وذلك من أعظم وجوه العبادات، والأحاديث في ذلك كثيرة، وابن آدم منتقل في هذه الثلاث الهيئات لا يخلو في غالب أمره منها فكأنها تحصر زمنه، وكذلك جرت عائشة رضي الله عنها إلى حصر الزمن في قولها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه، فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغير ذلك، وذهبت جماعة من المفسرين إلى أن قوله: {الذين يذكرون الله}، إنما هو عبارة عن الصلاة، أي لا يضيعونها ففي حال العذر يصلونها قعوداً وعلى جنوبهم، قال بعضهم وهي كقوله تعالى: {أية : فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله} تفسير : [النساء: 103]، هذا تأويل من تأول هنالك قضيتم بمعنى أديتم، لأن بعض الناس يقول قضيتم هنالك بمعنى فرغتم منها، فإذا كانت هذه الآية في الصلاة ففقهها أن الإنسان يصلي قائماً، فإن لم يستطيع فقاعداً، ظاهر المدونة متربعاً، وروي عن مالك وبعض أصحابه أنه يصلي كما يجلس بين السجدتين، فإن لم يستطع القعود صلى على جنبه أو ظهره على التخيير، هذا مذهب المدونة، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم يصلي على ظهره، فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن، ثم على الأيسر، وفي كتاب ابن المواز، يصلي على جنبه الأيمن، وإلا فعلى الأيسر، وإلا فعلى الظهر، وقال سحنون يصلي على الأيمن كما يجعل في لحده، وإلا فعلى ظهره، وإلا فعلى الأيسر، وحسن عطف قوله {وعلى جنوبهم}، على قوله: {قياماً وقعوداً} لأنه في معنى مضطجعين، ثم عطف على هذه العبادة التي ذكر الله باللسان أو الصلاة فرضها ومندوبها بعبادة أخرى عظيمة، وهي الفكرة في قدرة الله تعالى ومخلوقاته، والعبر التي بث: [المتقارب] شعر : وفي كل شيءٍ له آيةٌ تَدُلُّ على أنَّهُ واحدُ تفسير : ومر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال: تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق، فإنكم لا تقدرون قدره، وهذا هو قصد الآية: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض}، وقال بعض العلماء: المتفكر في ذات الله تعالى كالناظر في عين الشمس، لأنه تعالى ليس كمثله شيء، وإنما التفكير وانبساط الذهن في المخلوقات، وفي مخاوف الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا عبادة كتفكر تفسير : ، وقال الحسن بن أبي الحسن: الفكرة مرآة المؤمن، ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته، وقال ابن عباس وأبو الدرداء: فكرة ساعة خير من قيام ليلة، وقال سري السقطي: فكرة ساعة خير من عبادة سنة، ما هو إلا أن تحل أطناب خيمتك فتجعلها في الآخرة، وأخذ أبو سليمان الداراني قدح الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف، فرآه لما أدخل أصبعه في أذن القدح أقام كذلك مفكراً حتى طلع الفجر، فقال له ما هذا يا أبا سليمان؟ فقال: إني لما طرحت أصبعي في أذن القدح تذكرت قول الله جل وتعالى: {أية : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} تفسير : [غافر: 71]، ففكرت في حالي، وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم القيامة، فما زلت في ذلك حتى أصبحت. قال القاضي: فهذه نهاية الخوف، وخير الأمور أوسطها، وليس علماء الأمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج، وقراءة علم كتاب الله ومعاني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يفهم ويرجى نفعه أفضل من هذا، لكنه يحسن أن لا تخلو البلاد من مثل هذا، وحدثني أبي رضي الله عنه عن بعض علماء المشرق قال: كنت بائتاً في مسجد الأقدام بمصر، فصليت العشاء فرأيت رجلاً قد اضطجع في كساء له مسجى بكسائه حتى أصبح، وصلينا نحن تلك الليلة وسهرنا، فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة فصلى مع الناس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظه فلما دونت منه سمعته ينشد: [المنسرح] شعر : مُنْسَحِقُ الجسْمِ غائِبٌ حاضِرْ مُنْتَبِهُ الْقَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْ مُنْقَبِضٌ في الغُيوبِ مُنْبَسِطٌ كذاكَ مَنْ كَانَ عارفاً ذَاكِرا يَبيتُ في لَيْلهِ أَخَا فِكَرٍ فهوَ مَدَى اللَّيلِ نَائِمٌ سَاهِرْ تفسير : قال فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة وانصرفت عنه، وقوله تعالى: {ربنا} معناه يقولون ربنا على النداء، ما خلقت هذا باطلاً، يريد لغير غاية منصوبة بل خلقته وخلقت البشر لينظر فيه فتوحد وتعبد، فمن فعل ذلك نعمته ومن ضل عن ذلك عذبته لكفره وقوله عليك ما لا يليق بك، ولهذا المعنى الذي تعطيه قوة اللفظ حسن قولهم: {سبحانك}: أي تنزيهاً لك عما يقول المبطلون وحسن قولهم: {فقنا عذاب النار} إذ نحن المسبحون المنزهون لك الموحدون. وقولهم: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته}، استجارة واستعاذة، أي فلا تفعل بنا ذلك ولا تجعلنا ممن يعمل عملها، والخزي: الفضيحة المخجلة الهادمة لقدر المرء، خزي الرجل يخزى خزياً إذا افتضح، وخزاية إذا استحيى، الفعل واحد والمصدر مختلف، وقال أنس بن مالك والحسن بن أبي الحسن وابن جريج وغيرهم: هذه إشارة إلى من يخلد في النار، ومن يخرج منها بالشفاعة والإيمان فليس بمخزي، وقال جابر بن عبد الله وغيره: كل من دخل النار فهو مخزي وإن خرج منها، وإن في دون ذلك لخزياً. قال القاضي: أما إنه خزي دون خزي وليس خزي من يخرج منها بفضيحة هادمة لقدره، وإنما الخزي التام للكفار وقوله تعالى: {وما للظالمين من أنصار} هو من قول الداعين، وبذلك يتسق وصف الآية.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} قال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وقتادة هذا في الصلاة. يعني الذين يصلون قياماً فإن عجزوا فقعوداً فإن عجزوا فعلى جنوبهم والمعنى أنهم لا يتركون الصلاة في حال من الأحوال بل يصلون في كل حال (خ) عن عمران بن حصين قال كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: "حديث : صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب" تفسير : أخرجه الترمذي. وقال فيه سألته عن صلاة المريض وذكره نحوه قال الشافعي رضي الله عنه إذا صلى المريض مضطجعاً وجب عليه أن يصلي على جنب ويومئ برأسه إيماء. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بل يصلي مستلقياً على ظهره فإن وجد خفة قعد وحجة الشافعي ظاهر الآية وهو قوله تعالى وعلى جنوبهم وقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين فإن لم تستطع فعلى جنب فنص على الجنب دون غيره. وقال أكثر المفسرين المراد به المداومة على الذكر في غالب الأحوال لأن الإنسان قل أن يخلو من إحدى هذه الثلاث حالات وهي: القيام والقعود وكونه نائماً على جنبه (م) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله عز وجل في كل أحيانه وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ومن اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة وما مشى أحد ممشى لا يذكر الله فيه إلاّ كانت عليه من الله ترة" تفسير : أخرجه أبو داود والترة النقص وقيل هي هنا التبعة. وقوله تعالى: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} أصل الفكر إعمال الخاطر في الشيء وتردد القلب في ذلك الشيء وهو قوة متطرفة للعلم إلى المعلوم والتفكر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل. ولا يمكن التفكر إلاّ فيما له صورة في القلب ولهذا قيل تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله إذ الله منزه أن يوصف بصورة. فلذلك أخبر عن عباده الصالحين بأنهم يتفكرون في خلق السموات والأرض وما أبدع الله فيهما من عجائب مصنوعاته وغرائب مبتدعاته ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع سبحانه وتعالى ويعلموا أن لهما خالقاً قادراً مدبراً حكيماً لأن عظم آثاره وأفعاله تدل على عظم خالقها سبحانه وتعالى كما قيل: شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : وقيل: إن الفكر مقلوب عن الفرك لأن الفكر مستعمل في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلباً للوصول إلى حقيقتها. وقيل الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النماء وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة {ربنا} أي ويقولون ربنا وقيل معناه ويتفكرون في خلق السموات والأرض قائلين ربنا {ما خلقت هذا باطلاً} يعني وهزلاً بل خلقته دليلاً على وحدانيتك وكمال قدرتك {سبحانك} تنزيهاً لك عن أن تخلق شيئاً عبثاً لغير حكمة {فقنا عذاب النار} يعني إنا قد صدقنا بوحدانيتك وإن لك جنة وناراً فقنا عذاب النار والمقصود من قوله سبحانك فقنا عذاب النار تعليم عباده كيفية الدعاء ويدل عليه قوله فقنا عذاب النار {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} أي أهنته وأذللته وقيل أهلكته وقيل فضحته وأبلغت في إيذائه والخزي ضرب من الاستخفاف أو انكسار يلحق الإنسان وهو الحياء المفرط. فإن قلت قد تمسكت المعتزلة بهذه الآية وقالوا قد أخبرنا الله أنه لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه فوجب أن كل من يدخل النار لا يكون مؤمناً لقوله إنك من تدخل النار فقد أخزيته والمؤمن لا يخزي. قلت قد ذكر العلماء في الجواب وجوهاً أحدها ما روي عن أنس في تفسير قوله تعالى إنك من تدخل النار فقد أخزيته قال من يخلده وروي نحوه عن سعيد بن المسيب قال هي خاصة لمن لا يخرج منها وهذا الجواب إنما يصح على مذهب أهل السنة الذين يرون إخراج الموحدين من النار أما على مذهب المعتزلة فلا يصح هذا الجواب لأن مذهبهم أن الفاسق مخلد في النار فهو داخل في قوله تعالى فقد أخزيته، الوجه الثاني في الجواب أن المدخل في النار مخزي في حال دخوله وإن كانت عاقبته أن يخرج منها ومعنى الآية على هذا فقد أخزيته بدخوله فيها وتعذيبه بها ويدل على صحة هذا المعنى ما روي عن عمرو بن دينار قال قدم علينا جابر بن عبدالله في عمرة فانتهيت إليه أنا وعطاء فسألته عنه هذه الآية: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} فقال وما أخزاه حين أحرقه بالنار إن دون ذا لخزيا. وهذا الوجه هو اختيار ابن جرير الطبري لأن من أدخل النار فقد أخزي بدخوله إياها وإن خرج منها وذلك الخزي هو هتك المخزي وفضيحته. وقال ابن الأنباري حمل الآية على العموم أولى من نقلها إلى الخصوص إذ لا دليل عليه، الوجه الثالث في الجواب ما قاله أهل المعاني وهو أن الخزي يحتمل معاني منها الإهانة والإهلاك والإبعاد. وهذا للكفار ومنها الإخجال يقال خزي خزاية إذا استحى وإذا عمل عملاً يستحيي منه ويخجل فيكون خزي المؤمن الذي يدخل النار الحياء من المؤمنين بدخوله النار إلى أن يخرج منها. وخزي الكافر والهلاك بالخلود في النار وحاصل هذا الجواب أن لفظ الإخزاء مشترك بين التخجيل والإهلاك. واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والإثبات على معنييه جميعاً وهذا يسقط الاستدلال، الوجه الرابع في الجواب وهو الذي اختاره الفخر الرازي وصححه أن قوله تعالى: {أية : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه}تفسير : [التحريم: 8] لا يقتضي نفي الإخزاء مطلقاً وإنما يقتضي أن لا يحصل الإخزاء حال ما يكونون مع النبي وهذا النفي لا يناقضه إثبات الإخزاء في الجملة لاحتمال أن يحصل ذلك الإثبات في وقت آخر والله أعلم وقوله تعالى {وما للظالمين} يعني المشركين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها {من أنصار} يعني ينصرونهم يوم القيامة ويمنعونهم من العذاب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً}: الَّذِينَ: في موضع خفضٍ صفَة لـ {أُوْلِي ٱلألْبَـٰبِ}، وهذا وصف ظاهره استعمالُ التحميدِ والتَّهْليلِ والتَّكْبير ونَحْوه مِنْ ذكر اللَّه، وأنْ يحضر القلب اللسان؛ وذلك من أعْظَمِ وجوه العبادَاتِ، والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ، وابنُ آدم متنقِّلٌ في هذه الثلاثِ الهيئاتِ، لا يَخْلُو في غالب أمْرِه مِنْها فكأنها تحصرُ زمنه، وكذلك جَرَّتْ عائشةُ (رضي اللَّه عنها) إلى حصر الزَّمَن في قَوْلها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ أَحْيَانِهِ». قلت: خرَّجه أبو داود، فدخَلَ في ذلك كونه على الخَلاَءِ وغيره. وذهَبَ جماعةٌ إلى أنَّ قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ} إنما هو عبارةٌ عن الصَّلاة، أي: لا يضيِّعونها، ففي حال العُذْر يصلُّونها قعوداً، وعلى جُنُوبهم، ثم عَطَف علَىٰ هذه العبادةِ التي هِيَ ذكُرْ اللَّه باللسان، أو الصَّلاة فرضها وندبها بعبادة أخرَىٰ عظيمةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرة اللَّه تعالَىٰ ومخلوقاتِهِ، والعِبَرُ التي بَثَّ. [المتقارب] شعر : وَفِــي كُــلِّ شَــيْءٍ لَــهُ آيَــةٌ تَــدُلُّ عَــلَــىٰ أَنَّــهُ وَاحِــدُ تفسير : قال الغَزَّالِيُّ: ونهايةُ ثمرة الدِّين في الدُّنيا تَحْصيلُ معرفة اللَّه، وتحصيلُ الأُنُس بذكْرِ اللَّهِ تعالَىٰ، والأنسُ يَحْصُلُ بدوامِ الذِّكْر، والمعرفَةُ تحصُلُ بدوامِ الفِكْرِ. انتهى من «الإحياء». ومَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم علَىٰ قومٍ يتفكَّرون في اللَّه، فَقَالَ: «حديث : تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ، وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ؛ فَإنَّكُمْ لاَ تَقْدُرُونَ قَدْرَهُ».تفسير : قال * ع *: وهذا هو قَصْدُ الآية في قوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. وقال بعض العلماء: المتفكِّر في ذاتِ اللَّهِ كَالنَّاظر في عَيْنِ الشمْسِ؛ لأنه سبحانه لَيْسَ كمثله شيء، وإنما التفكُّر وٱنبساطُ الذِّهْن في المخلوقاتِ، وفي أحوالِ الآخِرَةِ، قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ عِبَادَةَ كَتَفَكُّرٍ»تفسير : وقال ابن عبَّاس، وأبو الدَّرْدَاء: فكْرَةُ ساعَةٍ خيُرٌ من قيامِ لَيْلَةٍ، وقال سَرِيٌّ السَّقطِيُّ: فكرةُ ساعةٍ خَيْرٌ من عبادة سَنَةٍ، ما هو إلاَّ أنْ تحلَّ أطناب خَيْمَتِكَ، فَتَجْعَلها في الآخِرَةِ، وقال الحَسَنُ بْنُ أَبي الحَسَن: الفكْرةُ مِرآةُ المُؤْمنِ، ينظر فيها إلَىٰ حسنَاتهِ وسيِّئاته، وأخذ أبو سليمان الدَّارانِيُّ قَدَح الماء؛ ليتوضَّأ لصلاة الليلِ، وعنده ضيْفٌ، فرآه لما أدخَلَ أصبعه في أُذُنِ القَدَح، أقام كذلك مفكِّراً حتى طلع الفَجْر، فقال له: ما هذا يَا أبا سليمان؟ فَقَالَ: إني لما طَرَحْتُ أصبعي في أُذُنِ القَدَحِ، تذكَّرت قول اللَّه سُبْحَانه: {أية : إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِي أَعْنَـٰقِهِمْ وٱلسَّلَـٰسِلُ} تفسير : [غافر:71]، فتفكَّرت في حالِي، وكيف أتلَقَّى الغُلَّ، إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يوم القيامة، فما زلْتُ في ذلك حتى أُصْبِحَ. قال * ع *: وهذه نهايةُ الخَوْف، وخَيْرُ الأمور أوساطها، وليس علماء الأمَّة الذين هم الحُجَّة علَىٰ هذا المنهاج، وقراءةُ علْمِ كتابِ اللَّه ومَعَانِي سُنَّة رسُوله لِمَنْ يفهم ويُرْجَىٰ نَفْعُه أفضَلُ من هذا، لكنْ يَحْسُنُ ألاَّ تخلُوَ البلاد مِنْ مثل هذا. قال * ع *: وحدثني أبي (رحمه اللَّه)، عَنْ بعضِ علماءِ المَشْرق، قال: كنتُ بائتًا في مسجد الإقدامُ بـــ «مَصْرَ» فصلَّيْتُ العَتَمَةَ، فرأَيْتُ رجلاً قد ٱضْطَجَعَ في كساءٍ له، حتى أصبح، وصلَّينا نَحْنُ تلك اللَّيْلَة، وسَهِرْنَا، فلَمَّا أُقِيمَتْ صلاةُ الصُّبْح، قام ذلك الرجُلُ، فٱستقْبَلَ القبْلَةَ، وصلَّىٰ مع النَّاس، فٱستعظَمْتُ جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلَمَّا فرغَتِ الصلاةُ، خرَجَ، فتبعْتُهُ لأعظَهُ، فلَمَّا دنوْتُ منه، سَمِعْتُهُ، وهو يُنْشِدُ: [المنسرح] شعر : مُنْسَجِنُ الْجِسْمِ غَائِبٌ حَاضِر مُنْتَبِهُ القَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْ مُنْبَسِطٌ فِي الغُيُوبِ مُنْقَبُض كَذَاكَ مَنْ كَانَ عَارِفاً ناكِرْ يَبِيتُ فِي لَيْلِهِ أَخَا فِكَر فَهْوَ مَدَى اللَّيْلِ نَائِمٌ سَاهِرْ تفسير : قال: فعلمتُ أنه مِمَّن يعبدُ اللَّهَ بالفِكْرة، فٱنصرفْتُ عنه. قال الفَخْر: ودلَّتِ الآية علَىٰ أنَّ أعلَىٰ مراتب الصِّدِّيقين التفكُّر. انتهى. وفي «العتبية»: قال مالكٌ: قيلَ لأمِّ الدَّرْداء: ما كان أَكْثَر شأن أبي الدَّرْداء؟ قَالَتْ: كان أَكْثَرُ شَأْنِهِ التفكُّرَ. قال مالكٌ: وهو مِنَ الأعمال، وهو اليَقِينُ؛ قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}، قال ابنُ رُشْدٍ: والتفكُّر مِنَ الأعمال؛ كما قاله مالك (رحمه اللَّه)، وهو مِنْ أشرف الأعمال؛ لأنه مِنْ أعمال القُلُوب التي هي أشْرَفُ الجوارحِ؛ أَلاَ تَرَىٰ أنه لا يُثَابُ أحدٌ علَىٰ عملٍ مِنْ أعمال الجَوَارح مِنْ سائر الطَّاعات، إلاَّ مع مشارَكَةِ القُلُوبِ لها بإخلاص النِّيَّة للَّه (عَزَّ وجَلَّ) في فعلها. انتهى من «الَبَيانِ والتحصيل». قال ابنُ بَطَّال: إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه، وكَثُر تفكُّره، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ والخَوْف. انتهى. قال ابنُ عطاءِ اللَّهِ: الفِكْرَةُ سَيْر القَلْب في ميادين الاعتبارِ، والفَكْرَةِ سِرَاجُ القَلْب، فإذا ذَهَبَتْ، فلا إضاءة له. قُلْتُ: قال بعض المحقِّقين: وذلك أن الإنسان إذا تفكَّر، عَلِم، وإذا عَلِمَ، عَمِلَ. قال ابنُ عَبَّاد: قال الإمام أبو القاسم القُشَيْريُّ (رحمه اللَّه): التفكُّر نعتُ كلِّ طالب، وثمرتُهُ الوصولُ بشرط العِلْمِ، ثم فِكْرُ الزاهدين: في فناءِ الدنيا، وقلَّةِ وفائها لطلاَّبها؛ فيزدادُونَ بالفِكْرِ زهْداً، وفِكْرُ العابدين: في جَميلِ الثوابِ، فيزدادُونَ نَشَاطاً ورغبةً فيه، وفِكْرُ العارفين: في الآلاء والنعماء؛ فيزدادُونَ محبَّةً للحَقِّ سبحانه. انتهى. وقوله تعالى: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً}، أي: يقولُونَ: يا ربَّنا؛ على النداء، ما خلَقْتَ هذا باطلاً، يريد: لغير غايةٍ منصوبةٍ، بل خلقْتَهُ، وخلَقْتَ البشر؛ لينظروا فيه؛ فيوحِّدوك، ويعبدوك؛ فَمَنْ فعل ذلك نَعَّمْتَهُ، ومَنْ ضَلَّ عن ذلك، عَذَّبته، وقولهم: {سُبْحَـٰنَكَ}، أي: تنزيهاً لك عمَّا يقول المُبْطِلُون، وقولهم: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}، أي: فلا تفعلْ ذلك بِنَا، والخِزْيُ: الفضيحةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَة لقَدْرِ المرء. قال أنَسُ بنُ مالكٍ، والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن، وابنُ جُرَيْج، وغيرهم: هذه إشارة إلَىٰ من يَخْلُدُ في النَّار، وأمَّا مَنْ يخرج منها بالشفاعةِ والأَمان، فليس بمُخْزًى، أي: وما أصابه من عذابِهَا، إنما هو تمحيصٌ لذنوبه. وقوله سبحانه: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}: هو من قول الدَّاعِينَ.
السيوطي
تفسير : أخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينادي مناد يوم القيامة أين أولوا الألباب؟ قالوا: أي أولي الألباب تريد؟! قال {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار} عقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم وقال لهم: ادخلوها خالدين ". تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم والطبراني من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود في قوله {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} قال: إنما هذا في الصلاة، إذا لم يستطع قائماً فقاعدا، وإن لم يستطع قاعداً فعلى جنبه. وأخرج الحاكم عن عمران بن حصين. أنه كان به البواسير فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي على جنب. وأخرج البخاري حديث : عن عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة؟ فقال "صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" . تفسير : وأخرج البخاري عن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال "حديث : من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} قال: هذه حالاتك كلها يا ابن آدم. اذكر الله وأنت قائم، فإن لم تستطع فاذكره جالساً، فإن لم تستطع فاذكره وأنت على جنبك. يسر من الله وتخفيف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لا يكون عبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً. قوله تعالى {ويتفكرون...} الآية. أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والأصبهاني في الترغيب عن عبد الله بن سلام قال "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتفكرون فقال: لا تفكروا في الله ولكن تفكروا فيما خلق ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والأصبهاني في الترغيب عن عمرو بن مرة قال "حديث : مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون فقال: تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن عثمان بن أبي دهرين قال بلغني "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون فقال: ما لكم لا تتكلمون؟! قالوا: نتفكر في خلق الله قال: كذلك فافعلوا، تفكروا في خلقه ولا تفكروا فيه ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني وابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في التفكر وابن المنذر وابن حبان في صحيحه وابن مردويه والأصبهاني في الترغيب وابن عساكر "حديث : عن عطاء قال قلت لعائشة أخبرني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: وأي شأنه لم يكن عجباً! إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال: ذريني أتعبد لربي. فقام فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى. فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقلت: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، ولم لا أفعل وقد أنزل علي هذه الليلة {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} إلى قوله {سبحانك فقنا عذاب النار} ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في التفكر عن سفيان رفعة قال "من قرأ سورة آل عمران فلم يتفكر فيها ويله. فعد بأصابعه عشراً. قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرؤهن وهو يعقلهن". وأخرج ابن أبي الدنيا عن عامر بن عبد قيس قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر عن ابن عون قال: سألت أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكر والإعتبار. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. وأخرج ابن سعد عن أبي الدرداء. مثله. وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً. مثله. وأخرج الديلمي من وجه آخر مرفوعاً عن أنس "حديث : "تفكر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة" "تفسير : . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فكرة ساعة خير من عبادة ستين ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ والديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً "حديث : "بينما رجل مستلق ينظر إلى السماء وإلى النجوم فقال: والله إني لأعلم أن لك خالقاً ورباً. اللهم اغفر لي. فنظر الله إليه فغفر له" ".
ابو السعود
تفسير : {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ} الموصولُ إما موصولٌ بأولي الألباب مجرورٌ على أنه نعتٌ كاشفٌ له بما في حيز الصلةِ وإما مفصولٌ عنه مرفوعٌ أو منصوبٌ على المدح، أو مرفوعٌ على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ، وقيل: هو مرفوعٌ على الابتداء والخبرُ هو القولُ المقدرُ قبل قولِه تعالى: {رَبَّنَا}، وفيه من تفكيك النظمِ الجليلِ ما لا يخفى. وأياً ما كان فقد أشير بما في حيز صلتِه أن المرادَ بهم الذين لا يغفُلون عنه تعالى في عامة أوقاتِهم لاطمئنان قلوبِهم بذكره واستغراقِ سرائرِهم في مراقبته لما أيقنوا بأن كلَّ ما سواه فائضٌ منه وعائدٌ إليه فلا يشاهدون حالاً من الأحوال في أنفسهم، وإليه أشير بقوله عز وجل: {قِيَـٰماً وَقُعُوداً وعَلَىٰ جُنُوبُهُمْ} ولا في الآفاق وإليه أشير بما بعده إلا وهم يعاينون في ذلك شأناً من شؤونه تعالى، فالمرادُ به ذكرُه تعالى مطلقاً سواءٌ كان ذلك من حيث الذاتُ أو من حيث الصفاتُ والأفعالُ، وسواءٌ قارنه الذكرُ اللسانيُّ أو لا. وأما ما يُحكى عن ابن عمرَ وعروةَ بنِ الزبـير وجماعةٍ رضي الله عنهم من أنهم خرجوا يوم العيدِ إلى المصلىٰ فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضُهم: أما قال الله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً} [آل عمران، الآية 191] فقاموا يذكرون الله على أقدامهم فليس مرادُهم به تفسيرَ الآيةِ وتحقيقَ مِصداقِها على التعيـين وإنما أرادوا به التبركَ بنوع موافقةٍ لها في ضمن الإتيانِ بفرد من أفرادِ مدلولِها، وأما حملُ الذكرِ على الصلاة في هذه الأحوالِ حسب الاستطاعةِ كما «حديث : قال عليه السلام لعِمرانَ بنِ الحصين: "صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطعْ فعلى جنب تومىء إيماءً"» تفسير : فمما لا يساعده سباقُ النظمِ الجليلِ ولا سياقُه. والقيامُ والقعودُ جمعُ قائمٍ وقاعدٍ كنيام ورُقودٍ جمعُ نائمٍ وراقد، وانتصابُهما على الحالية من ضمير يذكرُون أي يذكرونه قائمين وقاعدين، وقولُه تعالى: {وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} متعلقٌ بمحذوف معطوفٍ على الحالين أي وكائنين على جنوبهم أي مضطجعين، والمرادُ تعميمُ الذكرِ للأوقات كما مر، وتخصيصُ الأحوالِ المذكورةِ بالذكر ليس لتخصيص الذكرِ بها بل لأنها الأحوالُ المعهودةُ التي لا يخلو عنها الإنسانُ غالباً {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} عطفٌ على {يَذكرُونَ} منتظمٌ معه في حيِّز الصلةِ فلا محلَّ له من الإعراب، وقيل: محلُّه النصبُ على أنه معطوفٌ على الأحوال السابقةِ وليس بظاهر، وهو بـيانٌ لتفكرهم في أفعاله سبحانه إثرَ بـيانِ تفكرِهم في ذاته تعالى على الإطلاق وأشار إلى نتيجته التي يؤدّي إليها من معرفة أحوالِ المعادِ حسبما نطقت به ألسنةُ الرسلِ وآياتُ الكتبِ، فكما أنها آياتٌ تشريعيةٌ هاديةٌ للخلق إلى معرفته تعالى ووجوبِ طاعتِه كذلك المخلوقاتُ آياتٌ تكوينيةٌ مرشدةٌ لهم إلى ذلك، فالأُولى منبِّهاتٌ لهم على الثانية ودواعٍ إلى الاستشهاد بها كهذه الآيةِ الكريمةِ ونحوِها مما ورد في مواضعَ غيرِ محصورةٍ من التنزيل، والثانيةُ مؤيِّداتٌ للأولى وشواهدُ دالةٌ على صحة مضمونِها وحقّيةِ مكنونِها، فإن من تأمل في تضاعيف خلقِ العالَمِ على هذا النمطِ البديعِ قضىٰ باتصاف خالقِه تعالى بجميع من نطقت به الرسلُ والكتبُ من الوجوب الذاتيِّ والوَحدةِ الذاتيةِ والمُلك القاهِرِ والقُدرةِ التامةِ والعلمِ الشاملِ والحِكمةِ البالغةِ وغيرِ ذلك من صفات الكمالِ، وحكمَ بأن مَن قدَر على إنشائه بلا مثال يِحتذيه أو قانونٍ ينتحيه فهو على إعادته بالبعث أقدرُ، وحكمَ بأن ذلك ليس إلا لحكمة باهرةٍ هي جزاءُ المكلَّفين بحسب استحقاقِهم المنوطِ بأعمالهم أي علومِهم واعتقاداتِهم التابعةِ لأنظارهم فيما نُصب لهم من الحُجج والدلائلِ والأَماراتِ والمَخايلِ وسائرِ أعمالِهم المتفرّعةِ على ذلك، فإن العملَ غيرُ مختصَ بعمل الجوارحِ بل متناولٌ للعمل القلبـيِّ، وهو أشرفُ أفراده لما أن لكلٍ من القلب والقالَب عملاً خاصاً. ومن قضية كونِ الأولِ أشرفَ من الثاني كونُ عملِه أيضاً أشرفَ من عملِه، كيف لا، ولا عملَ بدون معرفتِه تعالى التي هي أولُ الواجباتِ على العباد، والغايةُ القُصوى من الخلق على ما نطَق به عز وجل: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : [الذاريات، الآية 56] أي ليعرفونِ كما أَعرَب عنه قولُه عليه الصلاة والسلام: «حديث : يقول الله تعالى: «كُنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعْرَفَ فخلقتُ الخلقَ لأُعرف» تفسير : وإنما طريقُها النظرُ والتفكرُ فيما ذُكر من شؤونه تعالى. وقد روي عنه عليه السلام أنه قال: «حديث : لا تُفضِّلوني على يونسَ بنِ متى فإنه كان يُرفع له كلَّ يومٍ مثلُ عملِ أهلِ الأرض»تفسير : . قالوا: وإنما كان ذلك التفكّرَ في أمر الله تعالى ولذلك قال عليه السلام: «حديث : لا عبادةَ مثلُ التفكر» تفسير : وقد عرفت أنه مستتبِعٌ لتحقيق ما جاءت به الشريعةُ الحقةُ، وإلا لما فسَّر النبـي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } تفسير : [هود، الآية 7] بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أيُكم أحسنُ عقلاً وأورَعُ عن محارم الله تعالى» تفسير : فإن التورعَ عن محارمه سبحانه موقوفٌ على معرفة الحلالِ والحرامِ المنوطةِ بالكتاب والسنة، فحينئذ تتصادقُ الآياتُ التكوينيةُ وتتوافق الأدلةُ السمعيةُ والعقليةُ وهو السرُّ في نظم ما حُكي عن المتفكرين من الأمور المستدعِيةِ للإيمان بالشريعة في سلك نتيجةِ تفكُّرِهم كما ستقف عليه. وإظهارُ خلقِ السمواتِ والأرضِ ــ مع كفاية الإضمارِ لإبراز كمالِ العنايةِ ببـيان حالِهم، والإيذانِ بكون تفكرِهم على وجه التحقيقِ والتفصيلِ وعدمِ التعرضِ لإدراج اختلافِ المَلَوْينِ في سلك التفكر مع ذكره فيما سلف ــ إما للإيذان بظهور اندراجِه فيه لما أن ذلك من الأحوال التابعةِ لأحوال السمواتِ والأرضِ كما أشير إليه، وإما للإشعار بمسارعتهم إلى الحُكم بالنتيجة بمجرد تفكرِهم في بعض الآياتِ من غير حاجةٍ إلى بعض آخَرَ منها في إثبات المطلوب. والخلقُ مصدرٌ على حاله أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعِهما بما فيهما من عجائبِ المصنوعات، وقيل: بمعنى المخلوقِ على أن الإضافةَ بمعنى في ــ أي يتفكرون فيما خُلق فيهما ــ أعمُّ من أن يكون بطريق الجزئيةِ منهما أو بطريق الحلولِ فيهما أو على أنها بـيانية. {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً} كلمةُ {هَـٰذَا} إشارةٌ إلى السموات والأرضِ متضمّنةٌ لضرب من التعظيم كما في قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ} [الإسراء، الآية 9] والتذكيرُ لما أنهما باعتبار تعلّقِ الخلقِ بهما في معنى المخلوقِ، أو إلى الخلق على تقدير كونِه بمعنى المخلوقِ، و{بَـٰطِلاً} إما صفةٌ لمصدر مؤكدٍ محذوفٍ أو حالٌ من المفعول به، أي ما خلقتَ هذا المخلوقَ البديعَ العظيمَ الشأنِ عبثاً عارياً عن الحكمة خالياً عن المصلحة كما تُنبىء عنه أوضاعُ الغافلين عن ذلك، المعرِضين عن التفكر فيه، بل منتظِماً لحكمة جليلةٍ ومصالحَ عظيمةٍ من جملتها أن يكون مداراً لمعايش العبادِ ومناراً يُرشدهم إلى معرفة أحوالِ المبدأ والمعادِ حسبما أَفْصحت عنه الرسلُ والكتبُ الإلٰهيةُ كما تحققتَه مفصلاً. والجملة بتمامها في حيز النصبِ بقولٍ مقدرٍ هو ــ على تقدير كونِ الموصولِ نعتاً لأولي الألباب ــ استئنافٌ مبـينٌ لنتيجة التفكرِ ومدلولِ الآياتِ، ناشىءٌ مما سبق فإن النفسَ عند سماعِ تخصيصِ الآياتِ المنصوبةِ في خلق العالمِ بأولي الألباب ثم وصفَهم بذكر الله تعالى والتفكرِ في محالِّ تلك الآياتِ تبقى مترقبةً لما يظهر منهم من آثارها وأحكامِها، كأنه قيل: فماذا يكونُ عند تفكرِهم في ذلك وماذا يترتب عليه من النتيجة؟ فقيل: كيتَ وكيتَ مما ينبىء عن وقوفهم على سر الخلقِ المؤدِّي إلى معرفة صدقِ الرسلِ وحقية الكُتب الناطقةِ بتفاصيل الأحكامِ الشرعيةِ على التفصيل الذي وقفت عليه. هذا وأما جعلُه حالاً من المستكنِّ في الفعل كما أطبق عليه الجمهورُ فمما لا يساعده جزالةُ النظمِ الكريمِ لما أن ما في حيز الصلةِ وما هو قيدٌ له حقُّه أن يكون من مبادىء الحُكمِ الذي أُجريَ على الموصول ودواعي ثبوته له، كذكرهم الله عز وجل في عامة أوقاتِهم وتفكرِهم في خلق السموات والأرض، فإنهما مما يؤدي إلى اجتلاء تلك الآياتِ والاستدلالِ بها على المطلوب، ولا ريب في أن قولَهم ذلك ليس من مبادىء الاستدلال المذكورِ بل من نتائجه المترتبةِ عليه فاعتبارُه قيداً لما في حيز الصلةِ مما لا يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ. نعم هو حال من ذلك على تقدير كونِ الموصولِ مرفوعاً أو منصوباً على المدح، أو مرفوعاً على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ إذ لا اشتباهَ في أن قولَهم ذلك مبادىءُ مدحِهم ومحاسنُ مناقبهم، وفي إبراز هذا القولِ في معرض الحالِ دون الخبرِ إشعارٌ بمقارنته لتفكرهم من غير تلعثم وترددٍ في ذلك. وقوله تعالى: {سُبْحَـٰنَكَ} أي تنزيهاً لك عما لا يليق بك من الأمور التي من جملتها خلقُ ما لا حكمةَ فيه اعتراضٌ مؤكدٌ لمضمون ما قبله ممهّد لما بعده من قوله تعالى: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} فإن معرفةَ سرِّ خلقِ العالمِ وما فيه من الحكمةِ البالغةِ والغايةِ الحميدةِ والقيامَ بما تقتضيه من الأعمال الصالحةِ وتنزيهَ الصانعِ تعالى عن العبث ــ من دواعي الاستعاذة مما يَحيق بالمُخلِّين بذلك من وجهين: أحدُهما الوقوفُ على تحقق العذابِ فالفاءُ لترتيب الدعاءِ على ما ذُكر والثاني الاستعدادُ لقبول الدعاءِ، فالفاءُ لترتيب المدعوِّ أعني الوقايةَ على ذلك كأنه قيل: وإذ قد عرَفنا سرَّك وأطعنا أمرَك ونزّهناك عما لا ينبغي فقِنا عذابَ النارِ الذي هو جزاءُ الذين لا يعرِفونك ذلك.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ}[191] قال: من أراد حفظ القرآن فليختم بثلاث ختمات على شرط الآية، ختمة قائماً يصلي، وختمة قاعداً يدرس، وختمة مضجعاً على جنبيه، فإنه لا ينسى إن شاء الله عزَّ وجلَّ. ومن اشتغل بطلب العلم بالتقوى وقراءة القرآن وذكر الله عزَّ وجلَّ واتباع السنة واجتناب اللهو لم تصبه الأمراض والأسقام. ومن أطاع الله بالعلم وصدق النية لم يفقد عقله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أطاع الله عزَّ وجلَّ فقد ذكره ومن عصاه فقد نسيه ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} [الآية: 191]. قال أبو العباس بن عطاء: يذكرونه قيامًا بشرط قيامهم لوفاء الذكر، ويذكرونه قعودًا بقعودهم عن المخالفات، وعلى جنوبهم على كل جهة يجنبهم عليها أى يحملهم. وسُئل بعضهم هل فى الجنة ذكر؟ قال: الذكر طرد الغفلة فإذا ارتفعت الغفلة فلا معنى لذكره وأنشد: شعر : كفـَى حُزنًـا أنى أناديك أبيًـا كأنى بعيـدُ وكأنـك غائب وأطلبُ مِنكَ الفضلَ من غير رغبةٍ ولم أرَ مثلى زَاهدًا فيكَ راغبُ تفسير : قال جعفر: يذكرون الله تعالى قيامًا فى مشاهدات الربوبية، وقعودًا فى إقامة الخدمة، وعلى جنوبهم فى رؤية الزُلَف. قال الواسطى: كل ذاكرٍ على قدر مطالعة قلبه بذكر، فمن طالع ملك الجلال ذكره بذلك، ومن طالع ملك رحمته ذكره بذلك، ومن طالع ملك معرفته ذكره على ذلك، ومن طالع ملك سخطه وغضبه كان ذكره أهيب، ومن طالع المذكور أُغلق عليه باب الذكر. قال النصرآباذى: الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا بقيوميته { أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } تفسير : [الرعد: 33]. وقعودًا بمجالسة "أنا جليس من ذكرنى". وعلى جنوبهم إشارة { أية : يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 56]. قال بعضهم: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً}: يذكرونه قائمين باتباع أمر الله، وقعودًا أى قعودًا عن زواجره ونواهيه، وعلى جنوبهم أى وعلى اجتنابهم مطالعات المخالفات بحالٍ. وقيل: الأصل فى الذكر أنه ذكرك إما بالتوحيد أو بالإلحاد، وذكرك للعطية أو للمحبة فما أظهر عليك من نعمته ظهر عليك من ذكره قال النبى صلى الله عليه وسلم: " حديث : كلٌّ ميسرٌ لما خُلق له ". تفسير : قال سهل: ما ذكره أحدٌ إلا من غفلة. قال فارس: الذكر طرد الغفلة وليس للمذكور من الذكر إلا حظ الذاكر منه، وكل من ذكر فبنفسه بدأ لأن ثمرته عائدة عليه والحق وراء ذلك. قال ذو النون: إنما حسن ذكرك له لأنه تبع ذكره لك، ولولا ذاك لكان كسائر أفعالك. قال القناد: الذكر غذاء الأرواح كما أن الطعام غذاء الأشباح. قال الشبلى رحمة الله تعالى عليه: ذكر الغفلة يكون جوابه اللغز. وأنشد: شعر : مَا إن ذكرتك إلا هـم يلعننى سرِى وذكرى وفكـرى عند ذكراكا حتى كـأن رقيبـًا منك يهتف بى إياك ويحـك والتذكـار إيّاكا تفسير : قوله تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. قال بعضهم: قدم الذكر على التفكر، ليتم شكر النعمة على حسب استحقاق المزيد من واجب الشكر لأن الفكر يبرئ الكل منك، ولا ينصرف إلا بحق. قال بعضهم: فكرة العامة فى العواقب، وفكرة الخاصة فى السوابق، وفكرة الأوساط فى الطوارق وهذا يدخل فى مثلات تفسير قوله تعالى: { أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } تفسير : [فاطر: 32]. قال بعضهم: الفكرة بالملاحظة والبصيرة والنجيزة، فخلوص النجايز أورثت مطالعات المعارف وسلامة البصائر أورثت الضياء فى الضمائر وملاحظة الكريم أوجبت البر والنعيم. قال بعضهم: التفكر يتولد على قدر اليقين ولا يخلو القلب من فكرتين: فكرة فى الآخرة وفكرة فى الدنيا، ومن صحة التفكر أن يكون حشوه اليقين والرجوع إلى الحق، ومن فساد التفكر أن يجلب عليك الكدورات والشبهات. قال بعضهم: التفكر أن تتفكر فى تنبهك وغفلتك وطاعتك ومعصيتك، فإذا تفكرت فيه خَلَص لك أفعالك. قال بعضهم: هو رؤية الله تعالى قبل التفكر فى الأشياء، وواسطة التفكر أن ترى الأشياء قائمة بالله تعالى، وفساد التفكر أن ترى الأشياء فتستدل بها على الله تعالى. قال ذو النون: من وفقه الله تعالى للتفكر فُتح عليه المنّه وغرَّقه فى بحار النعمة وأوصله إلى محبة المولى. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون يقول: خَلْق الله تعالى على الفطرة وأطلق لهم الفكرة، فبالفطرة عرفوه وبالفكرة عبدوه. وقيل: ذلك بالتفكر فى صفات الحق لا فى المحدثات ولو دلك على المحدثات لقال فى حق السماوات والأرض. قال النصرآباذى رحمة الله عليه: أوائل التفكر بالتمييز، وانتهاؤه عنده سقوط التمييز بالتمييز وانتهاؤه. قوله تعالى: {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [الآية: 191]. كأنه يقول: نزهنى يا من لا ينزهنى أبدًا غيره وعظمنى يا من لا يعظمنى أبدًا غيره. قال النصرآباذى: سبحانك إنى نزهت نفسك بنفسك فى نفسك، بمعناك فى معناك، بما لاق منك بك لك.
البقلي
تفسير : { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } ان الله سبحانه لما خلق ارواح اهل المعارف اوحدها على كشف جماله فوقعت كينونة الارواح على سواطع نور المشاهدة فباشرت انوارها صميم الارواح فعشقت بالله جماله وجلاله فلما اشترت بالاشباح بقى الذكر والعشق والمحبة معها عوض المشاهدة ففى كل نفس لا يخلوا عن ذكرها معاهد الاول ومشاهدة القديم بنعت الشوق والمحبة وذلك بغر اختيارها ذاكرة للمذكور متفكره للغيبة والحضرو شائقه عاشقة نبعت الهيجان والهيمان على جميع الاحوال محذوبة بسلسلة الوصلة الى جمال القدم مستغرفة فى بحار المواجيد وانوار الكواشف لاجل ذلك وصفها الله بدوام الذكر والفكر على نعت التشهد واخبرعلى قدر عقول الخلق عن احالهم بلفظ الذكر والفكر وذلك نعت قلوبهم وعقولهم وابدانهم واخفى شهود ارواحهم مشاهد القدس والانس لطفا وابقاء ومحبة وغيره بقوله الذين يذكرون الله قياما وقعود وعلى جنوبهم قيامهم مقرون بذرك العظمة والكبرياء وقعودهم مقرون بذكر الجمال وحسن الافضال واضطجاعهم مقرون بذكر البسط والرفاهية فى الشوق والمحبة فذكرهم على قدر كشوف الصفات فشكف العظمة يهجهم الى ذكر الفناء الى التوتحيد وكشف الكبرياء هيجهم الى ذكر الاضمحلال فى التواضع والتفريد وكشف البهاء هيجهم الى ذكر الخمود فى الشهود وكشف القدرة هيجهيم الى ذكر العجز فى العبودية عن ادراك الربوبية وكشف الجمال هيجهم الى الغيبة فى ذكر الاباد وعلى ذلك كل صفة لها تجلى ولذلك التجلى مباشرة فى قلوب الذاكرين لكل كر له عمل فى المقامات وله حقيقة وجد فى الحالات ذكر ايضا من رضى الحق والتوكل من حب الله وذكر القهر من جبروت الله وذكر الافضال من ملكوت الله وذكر الالاء من ملك الله وعلى قدر ظهور الصفات لهم تسرمد الذكر الذى وافق الكشف من الاسماء والصفات والنعوت والذات سبحان من خص الاولياء بكشوف صفاته سبق ذكره لهم بهذه الفضائل والقربات قبل ذكرهم ايه الى الازل فذكره تجعلهم ذاكرين ورحمة جعلتهم متفكرين فى جلاله وعظمته ومن عاش منهم عن حقيقة القدم صار متصفا بعد الذكر بصفة المذكور وخرج من مقام الذكر لغيبته عن الذكر فى رؤية الازل والابد فعند ذلك الذاكر والذكر والمذكور فى باب الاتحاد واحد فى شرط الفردانية الموحد الذاكر فنى ويبقى الموحد لا غير كما لم يزل فى الازل قال جفعر يذكرون الله قياما فى مشاهدات الربوبية وقعود فى اقامة الخدمة على جنوبهم فى رؤية الزلف وقال الواسطى كل ذاكر على قدر مطالعه قلبه بذكره فمن طالع ملك الحلال ذكره بذلك ومن طالع ملك رحمته ذكره بذلك ومن طالع ملك معرفته ذكره على ذلك من طالع ملك سخطه وغضبه كان ذكره اهيب ومن طالع المذكور غلق عليه باب الذكر وقال النصر بادى الذين يذكرون الله قياما بقيوميته فامن هو قائم على كل نفس وقعود بمجالسة انا جليس من ذكرنى وعلى جنوبهم على اشارة ياحسرتى على ما فرطت فى حنب الله قال بعضهم الذين يذكرون الله قياما يذكرونه قائمون باتباع اوامره وقعود اى قعودا عن زواجره ونواهيه وعلى جنوبهم اى وعلى اجتنابهم مطالعات المخالفات بحال قوله تعالى {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } التفكر فى خلق السموات والارض على معنين الاول طلب غيب القلوب فى الغيوب التى هى كنوز انوار الصفات الت برز منها مقادير الخلق يتفكرون فى محض الربوبية وارادتهم ادراك انوار القدرة التى تبلغ الشاهد الى المشهود بحقيقة رؤية الوصف والثانى جولان القلوب بنعت التفكر فى ابداع الملك فى الملك طلب مشاهدة المالك الاول منزل التوحيد والاخر منزل الجمع قال بعضهم هو رؤية الله قبل التفكر فى الاشياء وواسطة التفكر ان ترى الاشياء قائمة بالله وفساد التفكر ترى الاشياء فيستدل بها على الله وقبل ذلك بالتفكر فى صفات الحق لا فى المحدثات لقال ويتفكرون فى السموات قوله تعالى {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً } تطرقوا من مقام الذكر الى مقام التفكر فى خلق الكون استرواحا من الاحتراق بنور الذكر بمروحة صفاء الفعل لكى لا يفنوا فى مشاهدة المذكور وذلك غلبة المريدين فى طلب الرفاهية وركوب الرخص الا ترى كيف احتجبوا بالفعل عن الفاعل وايضا لما استحلوا رؤية الفاعل فى العفل ووجدوا حكما لانانية بنعت التجلى فى مرأة الفعل قالوا ما خلقت هذا باطلا ارادوا وجود الكون مرأة التجلى المكون فى مقام التفكر بعد ارادتهم زواله صفاء الذكر غيره على الغير وذلك قولهم ربنا ما خلقت وعلة ذلك ان الله سبحانه عرف مكان ضعف الخلق عن حمل مشاهدته صرفا فاظهر الكون ليتطرقوا بالوسيلة اليه كيلا يحترقوا فى اول بوادى ظهور العظمة وسطوات الكبرياء رحة وشفقة قال فارس الحكمة فى اظهار الكون اظهار حقائق حكمته بالفعل الحكيمى قال اخواص امرهم بالتفكر فى خلق السموات والارض ثم قطعهم عن ذلك بقوله ربنا ما خلق هذا باطلا ولهم عليها ثم حثهم على الرجوع اليه لكيلا يقفوا معها وينقطعوا من مشاهدته والاقبال عليه قوله تعالى {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } لما نزل القوم من مقام الذكر الخالص بغير الوسائط الى مقام التفكر فى الافعال والايات ووقعوا فى رؤية الخلق ادركوا ما فاتهم من خوالص الذكر بقوله سبحانك اى انت منزه عن كل ذكر وفكر وكل خاطر واشارة عبارة وانت اعظم من ان يدركك احد وسيلة الكون حيث لم يدركك بكل ذكر خالص ولا يدركك الا بك كل عارف وسبحانك عما وصفناك بلسان الحدث انت كما اثنيت على نفسك بقولك سبحان الله عما يصفون وقنا عذاب النار اى عن طلبنا بنا لا بك وعذاب النار عذاب البعد وذلك نيران القرأن وهو احرق من نار الظاهر قال النصر ابادى سبحانك اى نزهت فى نفسك فى نفسك بمعناك بما لاق منك بك لك.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} نعت لاولى الالباب اى يذكرونه دائما على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين فان الانسان لا يخلو عن هذه الهيآت غالبا {ويتفكرون فى خلق السموات والارض} يعنى يعتبرون فى خلقهما. وانما خصص التفكر بالخلق لقوله عليه السلام "حديث : تفكروا فى الخلق ولا تتفكروا فى الخالق " .تفسير : وانما نهى عن التفكر فى الخالق لان معرفة حقيقته المخصوصة غير ممكنة للبشر فلا فائدة لهم فى التفكر فى ذات الخالق. ولما كان الانسان مركبا من النفس والبدن كانت العبودية بحسب النفس وبحسب البدن فاشار الى عبودية البدن بقوله {الذين يذكرون الله} الخ فان ذلك لا يتم الا باستعمال الجوارح والاعضاء واشار الى عبودية القلب والروح بقوله {ويتفكرون فى خلق السموات والارض}. "حديث : وعن عطاء بن ابى رباح قال دخلت مع ابن عمر وعبيد الله بن عمر على عائشة رضى الله عنها فسلمت عليها فقالت من هؤلاء فقلت عبيد الله بن عمر فقالت مرحبا بك يا عبيد الله بن عمر مالك لا تزورنا فقال عبيد الله زر غبا تزدد حبا قال ابن عمر دعونا من هذا حدثينا باعجب ما رأيت من رسول الله عليه السلام فبكت بكاء شديدا فقالت كل امره عجيب اتانى فى ليلتى فدخل فى فراشى حتى الصق جلده بجلدى فقال "يا عائشة أتأذنين لى ان اتعبد لربى" فقلت والله انى لاحب قربك وهواك قد اذنت لك فقام الى قربة من ماء فتوضأ منها ثم قام فبكى وهو قائم حتى بلغ الدموع حقويه حتى اتكأ على شقه الايمن ووضع يده اليمنى تحت خده الايمن فبكى حتى ادرّت الدموع وبلغت الارض ثم اتاه بلال بعدما اذن للفجر فلما رآه يبكى قال لم تبكى يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال "يا بلال أفلا اكون عبدا شكورا ومالى لا ابكى وقد انزلت على الليلة ان فى خلق السموات والارض الى قوله فقنا عذاب النار ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها"" تفسير : وفى الحديث "حديث : تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة " .تفسير : وفى التفضيل وجهان. احدهما ان التفكر يوصلك الى الله والعبادة توصلك الى ثواب الله والذى يوصلك الى الله خير مما يوصلك الى غير الله. والثانى ان التفكر عمل القلب والطاعة عمل الجوارح والقلب اشرف من الجوارح فكان عمل القلب اشرف من عمل الجوارح. ثم شرع فى تعليم الدعاء تنبيها على ان الدعاء انما يجدى ويستحق الاجابة اذا كان بعد تقديم الوسيلة وهى اقامة وظائف العبودية من الذكر والفكر فقال {ربنا}. يعنى يتفكرون ويقولون ربنا {ما خلقت هذا}. اى السموات والارض وتذكير الضمير لما انهما باعتبار تعلق الخلق بهما فى معنى المخلوق {باطلا}. اى خلقا باطلا عبثا ضائعا عن الحكمة خاليا عن المصلحة كما ينبئ عنه اوضاع الغافلين عن ذلك المعرضين عن التفكر فيه بل منتظما لحكم جليلة ومصالح عظيمة من جملتها ان يكون مدارا لمعايش العباد ومنارا يرشدهم الى معرفة احوال المبدأ والمعاد حسبما افصحت عنه الرسل والكتب الآلهية {سبحانك}. اى ننزهك عما لا يليق بك من الامور التى من جملتها خلق ما لا حكمة فيه {فقنا عذاب النار}. اى من عذاب النار الذى هو جزاء الذين لا يعرفون ذلك وفائدة الفاء هى الدلالة على ان علمهم بما لاجله خلقت السموات والارض حملهم على الاستعاذة. وفيه اشارة الى عظم ذكر الله واشارة الى ثلاث مراتب. اولاها الذكر باللسان وثانيتها التفكر بالقلب. وثالثتها المعرفة بالروح لان ذكر اللسان يوصل صاحبه الى ذكر القلب فهو التفكر فى قدرة الله وذكر القلب يوصل الى مقام الروح فيعرف فى ذلك حقائق الاشياء ويشاهد الحكم الآلهية فى خلق الله فيقول بعد المشاهدة {ربنا ما خلقت هذا باطلاً}. فينبغى للمؤمن ان يلازم ذكر الله بلسانه فى جميع الاحوال حتى يصل بسبب الذكر باللسان الى ذكر القلب ثم الى ذكر الروح ويحصل له اليقين والمعرفة ويخلص من ظلمة الجهل ويتنور بنور المعرفة قال بعضهم معنى لا اله الا الله للعوام لا معبود الا الله. ومعناها للخواص لا محبوب ولا مقصود الا الله. ومعناها لأخص الخواص لا موجود الا الله فانه يكون فى تلك الحالة مستهلكا فى بحر الشهود فلا يشعر بشىء سوى الله ولا يرى موجودا. وفى تفسير الحنفى منقول فى التوحيد اربع مراتب وهو ينقسم الى لب والى لب اللب والى قشر والى قشر القشر. وتمثيل ذلك تقريبا الى الافهام الضعيفة بالجوز فى قشرتيه العليا والسفلى فان له قشرتين وله لب وللب دهن وهو لب اللب. فالمرتبة الاولى من التوحيد ان يقول الانسان باللسان لا اله الا الله وقلبه غافل عنه او منكر له كتوحيد المنافق. والثانية ان يصدق بمعناه قلبه كما صدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد. والثالثة ان يشاهد ذلك بواسطة نور آلهى وذلك ان يرى الاشياء صادرة من الواحد القهار. والرابعة انه لا يرى فى الوجود الا وجودا وهو مشاهدة الصديقين وهو الفناء فى التوحيد بمعنى انه فنى عن رؤية نفسه. فالاول موحد بمجرد اللسان ويعصم ذلك صاحبه فى الدنيا من السيف والسنان. والثانى موحد بمعنى انه معتقد بقلبه مفهوم لفظه وقلبه خال من التكذيب بما انعقد عليه قلبه وهو عقد على القلب ليس فيه انشراح وانفتاح ولكنها تحفظ صاحبها من العذاب فى الآخرة ان توفى عليها ولم يضعف بالمعاصى عقدتها ولهذا العقد حيل يقصد بها تضعيفه وتحليله تسمى بدعة. والثالث موحد بمعنى انه لم يشاهد الا فاعلا واحدا اذا انكشف له لا فاعل بالحقيقة كما هى عليه لانه كلف قلبه ان يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة فان ذلك رتبة العوام والمتكلمين اذ لا فرق بينهما فى الغاية القصوى فى التوحيد. فالاول كالقشرة العليا من الجوز. والثانى كالقشرة السفلى. والثالث كاللب. والرابع كالدهن المستخرج من اللب وكما ان القشرة العليا لا خير فيها بل ان اكل فهو مر المذاق وان نظر الى باطنه فهو كريه المنظر وان اخذ حطبا اطفأ النار واكثر الدخان وان ترك فى البيت ضيق المكان ولا يصلح الا ان يترك مدة على الجوز للصون ثم يرمى فكذلك التوحيد بمجرد اللسان عديم الجدوى كثير الضرر مذموم الظاهر والباطن لكنه ينفع مدة فى حفظ القشرة السفلى الى وقت الموت والقشرة السفلى هى البدن فيصون من السيف وانما يتجرد عند الموت فلا يبقى لتوحيده فائدة بعده وكما ان القشرة السفلى ظاهرة النفع بالاضافة الى القشرة العليا فانه يصون اللب ويحرسه من الفساد عند الادخار واذا فصل امكن ان ينتفع به حطبا لكونه لا قدر له بالنسبة الى اللب فكذلك مجرد الاعتقاد من غير كشف كثير النفع بالاضافة الى مجرد نطق اللسان ناقص القدر بالاضافة الى الكشف والمجاهدة التى تحصل بانشراح الصدر وانفتاحه واشراق نور الحق فيه اذ ذلك الشرح هو المراد بقوله تعالى {أية : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} تفسير : [الزمر: 22]. وقوله {أية : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} تفسير : [الأنعام: 125]. وكما ان اللب نفيس بالاضافة الى القشرة لانه المقصود لكن لا يخلو عن شوب بالنسبة الى الدهن كذلك هذا التوحيد لا يخلو عن ملاحظة الغير والالتفات الى الكثرة بالاضافة الى من لم ير سوى الواحد الحق انتهى ما فى الحنفى. واعلم ان الآية تدل على جواز ذكر الله تعالى قائما ولهذا قال المشايخ ولا بأس ان يقوموا ترويحا لقلوبهم ولا يتحركوا فى ذلك ولا يستظهروا بحال ليس عندهم منه حقيقة. والحاصل ان التوحيد اذا قرن بالآداب فليس له وضع مخصوص يجوز قائما وقاعدا ومضطجعا ولكن ورد فى الاحاديث ما يدل على استحباب الاخفاء فى ذكر الله وذكر شارح الكشاف ان هذا بحسب المقام والشيخ المرشد يأمر المبدأ برفع الصوت لتنقلع عن قلبه الخواطر الراسخة فيه كذا فى شرح المشارق ويوافقه ما ذكر فى المظهر حيث قال الذكر برفع الصوت جائز بل مستحب اذا لم يكن عن رياء ليغتنم الناس باظهار الدين ووصول بركة الذكر الى السامعين فى الدور والبيوت والحوانيت ويوافق الذاكر من سمع صوته ويشهد له يوم القيامة كل رطب ويابس سمع صوته وبعض المشايخ اختار الاخفاء لانه ابعد عن الرياء وهذا يتعلق بالنية فمن كانت نيته صادقة فرفع صوته بقراءة القرآن والذكر اولى لما ذكرنا ومن خاف من نفسه الرياء فالاولى له اخفاء الذكر لئلا يقع فى الرياء انتهى قيل اذا كان وحده فان كان من الخواص فالاخفاء فى حقه اولى وان كان من العوام فالجهر فى حقه اولى واذا كانوا مجتمعين على الذكر فالاولى فى حقهم رفع الصوت بالذكر والقوة فانه اكثر تأثيرا فى رفع الحجب ومن حيث الثواب فلكل واحد ثواب ذكر نفسه وسماع ذكر رفقائه قال الله تعالى {أية : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة او أشد قسوة} تفسير : [البقرة: 74]. شبه القلوب بالحجارة ومعلوم ان الحجر لا ينكسر الا بقوة فقوة ذكر جماعة مجتمعين على قلب واحد اشد من قوة ذكر شخص واحد كذا فى ذخرة العابدين: قال حسين الواعظ الملقب بالكاشفى شعر : كفت وكوى عاشقان دركار رب جوشس عشقست نه ترك ادب هركه كرد ازجام حق يك جرعه نوش نه ادب ماند درو نه عقل و هوش تفسير : والمقصود ان السالك اذا سلب اختياره عند التوحيد بغلبة الوجد فلا دخل لشىء من اوضاعه وحركاته فانه اذا ليس فى يده فلا يرد ما قيل شعر : كار نادان كوته انديشست ياد كردن كسى كه دبيشست تفسير : فان الجهر وحركات الموحد بالنسبة الى مقامه وحاله ممدوحة جدا واما المتصلفون المتكلفون فحركاتهم وافعالهم من عند انفسهم وقد نهى المشايخ فى كتبهم عن امثال هؤلاء وافعالهم واقوالهم. فعلى العاقل ان يراعى الآداب والاطوار ولا ينفك لحظة عن ذكر الملك الغفار.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: في وصف أولي الألباب: هم {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم}، أي: يذكرونه على الدوام، قائمين وقاعدين ومضطجعين، وعنه - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : منْ أرادَ أن يَرْتَع في رِيَاضِ الجَنة فليُكثْر ذِكرَ الله"تفسير : . وقيل: يُصلّون على الهيئات الثلاث، حسب الطاعة لقوله عليه الصلاة والسلام لعمران بن حصين، وكان مريضاً: "حديث : صَلِّ قائِماً، فإِنْ لَمْ تَسْتَطْع فقاعِداً، فإنْ لَمْ تَستطِعْ فعلى جَنْبِكَ وتُومئ إيماء ". تفسير : {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} استدلالاً واعتباراً، وهو أفضل العبادات قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا عبادة كالتفكر"تفسير : ؛ لأن المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق، وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : بينَمَا رجلٌ مُسْتَلقٍ على فِرَاشهِ فَنَظَر إلى السماءِ والنُجومِ، فَقَال: أشْهدُ أن لَكِ خَالِقًَ، اللُهمَّ اغفرْ لي، فَنَظَر اللّهُ إِليه فَغَفر لَهْ"تفسير : . وهذا دليل واضح على شرف علم الأصول وفضل أهله. قاله البيضاوي. وسيأتي مزيد من كلام على التفكر في الإشارة إن شاء الله. فلما تفكروا في عجائب المصنوعات، قالوا: {ربنا ما خلقت هذا باطلاً} أي: عبثاً من غير حكمة، بل خلقته لحكمة بديعة، من جملتها: ان يكون مبدأ لوجود الإنسان، وسبباً لمعاشه، ودليلاً يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك، لينال الحياة الأبدية، والسعادة السرمدية في جوارك، {سبحانك} تنزيهاً لك من العبث وخلق الباطل، {فَقِنَا عذابَ النار} التي استحقها من أعرض عن النظر والاعتبار، وأخلّ بما يقتضيه من أحكام الواحد القهار، {وما للظالمين من أنصار} يمنعونهم من دخول النار. ووضع المظهر موضع المضمر؛ للدلالة على أن ظلمهم سبب لإدخالهم النار، وانقطاع النصرة عنهم في دار البوار. {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان}، وهو الرسول العظيم الشأن، أو القرآن؛ قائلا: {أن آمنوا بربكم} ووحدوه، فأجبنا نداءه وآمنا، {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} الكبائر، {وكفر عنا سيئاتنا} الصغائر، {وتوفنا مع الأبرار} المصطفين الأخيار، مخصوصين بصحبتهم، معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم يُحبون لقاء الله فأحب الله لقاءهم، {ربنا وآتنا ما وعدتنا على} تصديق {رسلك} من الثواب، أو على ألسنة رسلك من الفضل والرحمة وحسن المآب، سألوا ما وُعدوا على الامتثال، لا خوفاً من إخلاف الوعدن بل مخافة ألاَّ يكونوا موعودين لسوء عاقبة، أو قصور في الامتثال، أو تعبداً، أو استكانة. قاله البيضاوي. {ولا تخزنا يوم القيامة} أي: لا تُهِنَّا بسبب تقصيرنا، {إنك لا تخلف الميعاد} بإثابة المؤمن وإجابة الداعي، أو ميعاد البعث والحساب، وتكرير {ربنا}؛ للمبالغة في الابتهال، والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها، ففي بعض الآثار: (من حزبه أمر فقال خمس مرات: "ربنا"، أنجاه الله مما يخاف). قاله البيضاوي. الإشارة: قدَّم الحق الذكر على الفكر على ترتيب السير، فإن المريد يُؤمَر أول أَمرِهِ بذكر اللسان، حتى يفضي إلى الجنان، فينتقل الذكر إلى القلب، ثم إلى الروح، وهو الفكر، ثم إلى السر، وهو الشهود والعيان، وهنا يخرس اللسان، ويغيب الإنسان في أنوار العيان، وفي ذلك يقول القائل: شعر : مَا إنْ ذَكَرْتُكَ إلاَّ هَمَّ يَلْعَنُنِي سِرِّي ورُوحِي وقَلْبي عِنْدَ ذِكرَاكَ حَتَّى كَأنَّ رقيباً مِنكَ يَهْتِفُ بِي: إيَّاكَ: وَيْحَكَ والتَّذْكَارَ! إيَّاكَ! أمَا تَرَى الحَقَّ قَدْ لاحَتْ شَوَاهِدُهُ وَوَاصَلَ الكُلَّ مِنْ مَعْنَاهُ مَعْنَاكَ تفسير : فإذا بلغ العبد هذا المقام - الذي هو مقام الإفراد - اتحدت عنده الأوراد، وصار ورداً واحداً، وهو عكوف القلب في الحضرة بين فكرة ونظرة، أو إفراد القلب بالله، وتغيبه عما سواه. قال في الإحياء في كتاب الأوراد: الموحد المستغرق الهم بالواحد الصمد، الذي أصبح وهمومه هم واحد، فلا يحب إلا الله، ولا يخاف إلا منه، ولا يتوقع الرزق من غيره، ولا ينظر في شيء إلا يرى الله فيه، فمن ارتفعت رتبته إلى هذه الدرجة، لم يفتقر إلى ترتيب الأوراد واختلافها، بل ورده بعد المكتوبات ورد واحد، وهو حضور القلب مع الله في كل حال، فلا يخطر بقلبه أمر، ولا يقرع سمعه قارع، ولا يلوح لنظره لائح، إلاَّ كان له فيه عبرة وفكرة ومزيد، فلا محرك ولا مسكن إلا الله. فهؤلاء جميع أحوالهم تصلح أن تكون سبباً لازديادهم، فلا تتميز عندهم عبادة عن عبادة، وهم الذين فرّوا إلى الله كما قال تعالى: {ففرّوا إلى الله}، وتحقق فيهم قوله: {إني ذاهب إلى ربي}، وهذه الدرجة منتهى درجة الصديقين، ولا ينبغي أن يغتر المريد بما يسمعه من ذلك، فيدعيه لنفسه، ويفتر عن وظائف عباداته، فذلك علامته ألا يحس في قلبه وسواساً، ولا يخطر بقلبه معصية، لا يزعجه هواجم الأحوال، ولا يستفزه عظائم الأشغال، وأنى تكون هذه المرتبة!. هـ. قلت: قوله: [لا يخطر بقلبه معصية] غير لازم؛ لأن قلب العارف مرسى للتجليات النورانية والظلمانية لكنها تقل ولا تسكن. وقال في موضع آخر: وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه؛ حُبّاً لجلاله وجماله، وسار الأعمال تكون مؤكدات. قال: والعامل لأجر الجنة؛ درجته درجة البُلْه، وإنه لينالها بعمله؛ إذ أكثر أهل الجنة البله. هـ. وقال في كتاب كيمياء السعادة: وقد غلط من ظن أن وظائف الضعفاء كوظائف الأقوياء، حتى قال بعض مشايخ الصوفية: من رأني في الابتداء، قال: صار صديقاً، ومن رآني في الانتهاء، قال: صار زنديقاً، يعني أن الابتداء يقتضي المجاهدة الظاهرة للأعين بكثرة العبادات، وفي الانتهاء يرجع العمل إلى الباطن، فيبقى القلب على الدوام في عين الشهود والحضور، وتفتر ظواهر الأعضاء، فيظن أن ذلك تهاون بالعبادة، وهيهات هيهات!!، فذلك استغراق لمخ العبادات ولبابها وغياتها، ولكن أعين الخفافيش تكل عن درك نور الشمس. هـ. قال شيخ شيوخنا - سيدي عبد الرحمن العارف - بعد نقل كلام القشيري في هذا المعنى: وما أشار إليه ظاهر في أن أهل القلوب لا يتعاطون كل طاعة. وإنما يتعاطون من الطاعات ما يجمعهم ولا يفرقهم. ولذلك قال الجنيد: أحب للصوفي ألا يقرأ ولا يكتب؛ لأنه أجمع لهمه، قال: وأحب للمريد ألا يشتغل بالتكسب وطلب الحديث؛ لئلا يتغير حاله. هـ. قلت: ومن رزقه الله شيخ التربية فما عيَّنه له فهو عين ذكره، يسير به كيفما كان. هذا ما يتعلق بحال الذكر الذي قدَّمه الله تعالى، وأما التفكر فهو أعظم العبادات وأفضل القربات، هو عبادة العارفين ومنتهى المقربين. وفي الخبر: "تفكرُ سَاعةٍ أفضَل مِنْ عَبَادَةِ سبعينَ سَنة". وقال الجنيد رضي الله عنه: أشرف المجالس وأعلاها: الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد، والتنسم بنسيم المعرفة، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد، والنظر لحسن الظن بالله تعالى. ثم قال: يا لها من مجالس، ما أجلها، ومن شرابٍ ما ألذه، طوبى لمن رزقه. وقال القشيري رضي الله عنه التفكر نعت كل طالب، وثمرته: الوصول بشرط العلم، فإذا سلم الفكر عن الشوائب ورد صاحبهُ على مناهل التحقيق. هـ. وسئلت زوجة أبي ذر عن عبادة زوجها، فقالت: كان نهاره أجمع في ناحية يتفكر. وكذلك زوجة أبي بكر قالت: كان ليله أجمع في ناحية يتفكر. وكذا زوجة أبي الدرداء، وكان سيدنا عيسى عليه السلام يقول: طوبى لمن كان قيله ذكراً وصمته تفكراً، ونظره عبرة. وقال الحسن رضي الله عنه: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكراً فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتباراً فهو لهو. هـ. وقال في الحكم: "ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة". وقال أيضاً:"الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له". وقال أيضاً: "الفكرة فكرتان؛ فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان، فالأولى لأرباب الاعتبار، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار". وفكرة الشهود والعيان هي عبادة العارفين، ولا يُحصر ثوابها في ستين ولا في سبعين، بل وقت منها يعدل ألف سنة، كما قال الشاعر: شعر : كَلُّ وَقْتٍ مِنْ حَبِيبِي قَدْرُهُ كَأَلفِ حَجّه تفسير : فأوقات هؤلاء كلها ليلة القدر، ومن لم يبلغ هذا المقام فليبك على نفسه على الدوام، ومن ظفر بها ونالها حق له الهناء، وفي أمثاله قال القائل: شعر : هُم الرِّجَالُ وغَبْنٌ أنْ يُقَالَ لِمَنْ لَمْ يَتَّصِفُ بمَعَاني وَصْفِهِمْ رَجُلُ تفسير : حققنا الله بمقامهم، وسقانا من منالهم، آمين. وقوله: {ربنا ما خلقت هذا باطلاً} بل هو ثابت بإثباتك، مَمْحُوٍّ بأحدية ذاتك، فالباطل محال، وكل ما سواه باطل، كما قرره الرسول - عليه الصلاة والسلام. وقوله: {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا} أي: كنا في الرعيل الأول من أهل الإيمان، فجعل لنا سبيلاً إلى مقام الإحسان، {ربنا وآتنا ما وعدتنا} وهو الوصول إلى العيان. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : موضع {الذين} خفض، لأنه نعت {لأولي الألباب} أي فهؤلاء يستدلون على توحيد الله بخلقه السماوات والارض، وأنهم يذكرون الله في جميع أحوالهم قياماً وقعوداً، وهو نصب على الحال. وقوله: {وعلى جنوبهم} أي ومضطجعين، وانما عطف على قياماً وقعوداً، لأن معناه يدل على الحال، لأن الظرف يكون حالا للمعرفة كما يكون نعتاً للنكرة، لأنه من الاستقرار (كما تقول: مررت برجل على الحائط أي مستقراً على الحائط، ومررت برجل في الدار مثله، كما نقول أنا أصير إلى فلان ماشياً، وعلى الخيل، ومعناه وراكباً، كما قال: {أية : إذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً} تفسير : ومعناه مضطجعاً أو قائماً أو قاعداً فبين تعالى أن هؤلاء المستدلين على حقيقة توحيد الله يذكرون الله في سائر الأحوال. وقال قوم: {يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} أي يصلون على قدر إمكانهم في صحتهم وسقمهم، وهو المروي في أخبارنا، ولا تنافي بين التأويلين، لأنه لا يمتنع أن يصفهم بأنهم يفكرون في خلق السماوات والارض في هذه الاحوال ومع ذلك يصلون على هذه الأحوال في أوقات الصلوات، وهو قول ابن جريج وقتادة. وقوله: {ربنا ما خلقت هذا باطلاً} انما قال هذا ولم يقل هذه ولا هؤلاء، لأنه أراد به الخلق كأنه قال ما خلقت هذا الخلق باطلا أي يقولون {ربنا ما خلقت هذا باطلاً} بل خلقته دليلا على وحدانيتك وعلى صدق ماأتت به أنبياؤك، لأنهم يأتون بما يعجز عنه جميع الخلق. وقوله: {سبحانك} معناه براءة لك من السوء وتنزيهاً لك من أن تكون خلقتهما باطلا قال الشاعر: شعر : أقول - لما جاءني فخره - سبحان من علقمة الفاخر تفسير : وقال آخر: شعر : سبحانه ثم سبحانا يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد تفسير : وقوله: {فقنا عذاب النار} أي فقد صدقنا رسلك بأن لك جنة وناراً فقنا عذاب النار. ووجه اتصال قوله {فقناعذاب النار} بما قبله قيل فيه قولان: أحدهما - كأنه قال: {ما خلقت هذا باطلاً} بل تعريضاً للثواب بدلا من العقاب {فقنا عذاب النار} بلطفك الذي نتمسك معه بطاعتك. الثاني - اتصال الدعاء الذي هو طاعة لله بالاعتراف الذي هو طاعة له. وفي الآية دلالة على أن الكفر والضلال وجميع القبائح ليست خلقاً لله، لأن هذه الاشياء كلها باطلة بلا خلاف. وقد نفى الله تعالى بحكايته عن أولي الالباب الذين رضي أقوالهم بأنه لا باطل فيما خلقه، فيجب بذلك القطع على أن القبائح كلها من فعل غيره، وأنه لا يجوز اضافتها إليه تعالى.
الجنابذي
تفسير : { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ} فى جميع احوالهم فانّ صاحب اللّبّ الّذى قبل الولاية وصار ذا لبّ بتلقيح الولاية لا يخلو فى احواله من ذكر الله وان أنساه الشّيطان ذكر ربّه حيناً ما تذكّر فاستغفر على اىّ حال كان {قِيَاماً وَقُعُوداً} يجوز فى كلّ منها ان يكون مصدراً وان يكون جمعاً {وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} قد مرّ بيان للذّكر واقسامه وشطر من الاخبار فى اوّل البقرة عند قوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152]، وفى هذه الآية دلالة على حسن ذكر الله على كلّ حال ولا بأس بذكر الله فى كلّ حال وفى خبرٍ: لا باس بذكر الله وانت تبول، وفى خبر عن النّبىٍّ (ص): "حديث : من احبّ ان يرتع فى رياض الجنّة فليكثر ذكر الله"تفسير : ، وفى خبرٍ: "حديث : ذاكر الله فى الغافلين كالمقاتل فى الغازين"تفسير : ، وفى خبرٍ حديث : عن النّبىّ (ص) يقول الله تعالى: انا مع عبدى ما ذكرنى وتحرّكت به شفتاهتفسير : ، وفى خبرٍ: حديث : ما عمل ابن آدم من عمل انجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله، قالوا: يا رسول الله (ص) ولا الجهاد فى سبيل الله؟ - قال (ص) ولا الجهاد فى سبيل الله ولا ان تضرب بسيفك حتّى تقطّع، ثمّ تضرب به حتّى تقطّع ثلاثاًتفسير : ، وفى حديثٍ قدسىّ:حديث : يا موسى (ع) لو انّ السّماوات السّبع وعامريهن عندى والارضين السّبع فى كفّة ولا اله الاّ الله فى كفّة مالت بهنّتفسير : ، وفى قدسىّ آخر: حديث : اذا كان الغالب على عبدى الاشتغال بى جعلت همّه ولذّته فى ذكرى، واذا جعلت همّه ولذّته فى ذكرى عشقنى وعشقته، واذا عشقته رفعت الحجاب بينى وبينه، لا يسهو اذا سهى النّاس، اولئك كلامهم كلام الانبياء، اولئك الابدال حقّاً، اولئك الّذين اذا اردت باهل الارض عقوبةً او عذاباً ذكرتهم فيهم فصرفته بهم عنهمتفسير : ، وفى قدسىّ آخر: حديث : ايّما عبد اطّلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التّمسّك بذكرى تولّيت سياسته وكنت جليسه ومحادثه، ونسب الى امير المؤمنين (ع) انّه قال: انّ الله يتجلّى على عباده الذّاكرين عند الذّكر وعند تلاوة القرآن من غير ان يروه ويريهم نفسه من غير ان يتجلّى لهم لانّه اعزّ من ان يرى واظهر من ان يخفى فتفرّدوا بالله سبحانه واستأنسوا بذكرهتفسير : ، ونسب اليه (ع) فى هذه الآية انّه قال: الصّحيح يصلّى قائماً والمريض يصلّى جالساً، وعلى جنوبهم الّذى يكون أضعف من المريض الّذى يصلّى جالساً. بيان الفكر ومراتبه {وَيَتَفَكَّرُونَ} الفكر والتّفكّر والنّظر هو الانتقال من المعلوم الحاضر الى المجهول كما انّ الفقه هو العلم الدّينىّ الّذى ينتقل منه الى علم آخر والعلم عندهم ليس الاّ بهذا المعنى كما انّ الفكر عندهم هو السّير من المبادئ المعلومة الى المقاصد المطلوبة للانسان اى المقاصد النّافعة فى الآخرة، والفكر بهذا المعنى من اجلّ العبادات واعظم القربات وفى مدحه بهذا المعنى ورد اخبار كثيرة؛ منها: "حديث : تفكّر ساعة خير من عبادة ستّين سنة"تفسير : ، ولهذا الفكر مراتب ودرجات بحسب اختلاف احوال الاشخاص فمنها التّفكّر فى حال الخربة المنظورة والانتقال منها الى فناء بانيها وساكنيها، ومنه الى فناء نفس المتفكّر الّتى هى مماثلة البانين والسّاكنين، ومنه الى اعداد النّفس للبقاء بعد الفناء، ومنه الى لزوم التّوسّل بمن يستعلم منه كيفيّة ذلك الاعداد، ومنها التّفكّر فى خلق بدنه الّذى هو مركب روحه وكيفيّة ارتباط اجزائه واتّصال اركانه بحيث ينتفع منه الانسان بابلغ وجه، ومنها التّفكّر فى نفسه وتعلّقها ببدنه بحيث تؤثّر فى بدنه وتتأثّر منه مع الانتقال منه الى المصالح والحكم المودعة فى انتضاد نفسه وبدنه وقواهما واجزائهما ورجوعها الى غاية هى استكمال نفسه وبدنه وهما السّماء والارض فى عالمه الصّغير، ومنها ان يتفكّروا {فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فى العالم الكبير وكيفيّة ارتباطهما وتأثير السّماوات فى الارض وتأثّر الارض منها، وفى وضعهما ووضع كواكب السّماء واختلافها فى الصّغر والكبر والضوء، وفى الحركة بالبطوء والسّرعة والمناطق والشّرقيّة والغربيّة والاستقامة والرّجوع والوقوف، وفى وضع الارض بالنّسبة الى مناطق الكواكب بحيث يلزمه طلوعها وغروبها وتعاقب اللّيالى والايّام وتخالفهما بالكيفيّة والزّيادة والنّقيصة وتعاقب الفصول الاربعة وفى انتفاع الانسان بتلك الاوضاع، وفى انّ كلاًّ من هذه الحكم ودقائق الصّنع فى السّماوات والارض راجع الى الانسان ونافع له، وفى انّ الانسان الّذى هو غاية الكلّ لابقاء له ببدنه وحياته الحيوانيّة وانّ الغاية ليست انتفاع الانسان من حيث حياته الحيوانيّة الفانية فلا بدّ ان يكون المقصود غير هذه الحياة وان يكون بعد هذه الحياة حياة اشرف واتمّ وأكمل من هذه الحياة او عذاب اتمّ وابقى واشدّ من هذا العذاب فيتضرّع عليه تعالى ويلتجئ اليه ويسأله ان يحفظه من عذاب ما بعد هذه الحياة وان يوصله الى حياة اتمّ ويقول {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا} المخلوق من السّماوات والارض وما فيهما {بَاطِلاً} غير منتهٍ الى غايةٍ وغير مندرج فيه حكم ومصالح كما يقوله الدّهرىّ والطّبيعىّ، ومنها التّفكّر فى اعماله واقواله وانّها من اىّ مصدر صدرت والى اىّ غاية ترجع فيحترز ممّا يصدر من مصدرٍ غير الهىٍّ او يرجع الى غايةٍ غير انسانيّةٍ، ومنها التّفكّر فى خطراته وخيالاته وانّها من اىّ مصدر والى اىّ غاية، ومنها التّفكّر فى صفاته واخلاقه وانّها من اىّ دار، ومنها التّفكّر فى آيات الله ونعمه فى السّماوات والاراضى فى العالم الصّغير والكبير، ومنها التّفكّر فى صفاته الاضافيّة وخصوصاً جبّاريّته تعالى وانّه ما اخذ من موجودات هذا العالم شيئاً الاّ واعطى خيراً منها اومثلها، وانّه ما ينسخ من آية او ينسها يأت بخير منها او مثلها كما يشاهد من حال الانسان من اوّل تكوّنه من مادّة الغذاء ووصوله الى الانسانيّة وانسلاخه كلّ آن من لباس وصورة وتصوّره بصورةٍ اكمل واشرف الى اوان بلوغه ورشده، ومنها التّفكّر فى الذّكر المأخوذ من صاحب الاجازة وفيما يستعقبه من الواردات والاستبصارات والوجدانيّات الذّوقيّات والمشاهدات واليه اشار المولوىّ قدّس سرّه بقوله: شعر : فكر آن باشد كه بكَشايد رهى راه آن باشد كه بيش آيد شهى تفسير : ومنها التّفكّر فى الفكر المصطلح للصّوفيّة وهو تمثّل شيخ السّالك عنده من قوّة اشتغاله بذكره بحيث لا يرى فيما يرى غيره وبحيث يطّلع تدريجاً على تصرّفاته فى ملكه وفى ملك العالم الكبير، وهذا الفكر هو غاية الغايات ونهاية الطّلبات وهو السّكينة القرينة بالنّصر والتّأييد وهو الرّيح الفائحة من الجنّة لها وجه كوجه الانسان وهو الامام الظّاهر فى العالم الصّغير واشرقت الارض بنور ربّها اشارة اليه {ويوم تبدّل الارض غير الارض} بظهوره، واليه اشار الشّيخ الكامل قدّس سرّه بقوله: شعر : كرد شهنشاه عشق در حرم دل ظهور قد زميان بر فراشت رايت الله نور تفسير : والمنظور من قوله تعالى: {كونوا مع الصّادقين} هذه المعيّة، {وابتغوا اليه الوسيلة} حقيقتها هذه الوسيلة، وكيف مدّ الظّلّ بيانه هذا الظّلّ. شعر : كيف مدّ الظّل نقش اولياست كو دليل نور خورشيد خداست دامن او كير زو تر بيكَمان تا رهى از آفت آخر زمان اندر اين وادى مرو بى اين دليل لا احبّ الافلين كَو جون خليل تفسير : واذا وصل السّالكون الى شيخهم يقولون حالاً وقالاً {سُبْحَانَكَ} اللّهمّ من معرفة امثالنا ووصول اشباهنا الى ساحة جلالك وعمّا يتصوّره المتصوّرون ويظهر عليهم عالم الظّلمة والنّور ويذوقون ويشاهدون آلام الفتنة والغرور، ولذّات نعيم الجنان وراحات دار السّرور، ويعرفون انّ الانسان برزخ بين الجحيم والجنان {فَـ} يستعيذون بربّهم من النّيران ويقولون {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} منادين لربّهم متضرّعين عليه بقولهم {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}: الذين: نعت لأولى الألباب، وقياماً: جمع قائم، وقعوداً: جمع قاعد، وعلى جنوبهم: متعلق بحال محذوفة، أى وثابتين على جنوبهم أو مضطجعين على جنوبهم، فهذه ثلاثة أحوال، الثانى والثالث بالعطف فمعطوف الواو فى قوله: وعلى جنوبهم محذوف، وهو ثابتين أو مضطجعين ومعنى ذكرهم الله قياماً وقعوداً، وعلى جنوبهم: أنهم يستغرقون فى الذكر ما قدروا يذكرونه تعالى، حال القيام وحال القعود وحال الاضطجاع، على الظهر أو اليمين أو الشمال أو الركوع، والانحناء، داخلان فى القيام وأما الاتكاء فداخل فى القعود، والآية عمت الصلاة وغيرها جميعاً الفرض والنفل. خرج ابن عمر وعروة بن الزبير وجماعة يوم العيد إلى المصلى، فجعلوا يذكرون الله فقال بعضهم: أما قال الله تعالى {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداًً}؟ فقاموا يذكرون على أقدامهم. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحب أن يرتع فى رياض الجنة فليكثر ذكر الله"تفسير : قالت عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله عز وجل على كل أحيانه أى ولو فى حال إخلائه، لكن إذا كان فى الخلاء يذكر فى قلبه، وعن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، وما مشى أحد مشيا لا يذكر الله فيه إلا كانت عليه من الله ترة" تفسير : والترة: النقص. وقيل: البقعة، أى شهدت عليه أنه غفل فيها. وقال على وابن مسعود وابن عباس وقتادة: المراد بالذكر الصلاة، لأن المصلى يذكر الله فيها، بمعنى أنهم لا يتركون الصلاة إن قدروا صلوا قياماً وإلا صلوا قعوداً وإن لم يقدروا صلوا مضطجعين على جنوبهم اليمنى مستقبلين القبلة بأوجههم وتكون أرجلهم إلى الشمال أو غيره بحسب الجهات. وقيل: على ظهورهم وتكون أرجلهم إلى القبلة بحيث تكون وجوههم إلى السماء، ولو قعدوا لصاروا مستقبلين، ويؤمون فى ذلك إيماءً، وإن لم يستطيعوا ذلك كلفوا بما أمكنهم. حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعمران بن الحصين: "صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب تومئ إيماءً"تفسير : . وذلك أنه كان به بواسير، فساله كيف أصلى، فأجابه بذلك، ومن زعم أنه يستلقى على ظهره، فسر الجنوب بالظهور لما قيل عن ابن عمر: فإن لم تستطع فعلى قفاك، ونسب هذا القول للشافعى، وقيل عنه أنه يقول: بالجانب لا بالظهر، وهو الصحيح عنه، فهو موافق لنا. وعن أبى حنيفة: يستلقى فإذا وجد خفة قعد. {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}: استدلالا على وحدانية الله تعالى، وكمال قدرته، وصفاته وأفعاله، والتفكر أفضل العبادات كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا عبادة كالتفكر"تفسير : وذلك لأنه بالقلب، والقلب أفضل ما فى الإنسان وبصلاحه يصلح الجسد، يتفكر به فيعرف الله، ويستعمل الجوارح فى العبادة التى خلق الإنسان لأجلها، والفكر يذهب الغفلة ويجيد الخشية للقلب، كما يجدب النبات الماء ولا جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكر، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تفضلونى على يونس بن متى، فإنه يرفع له فى كل يوم مثل عمل أهل الأرض"تفسير : ، قالوا: وإنما ذلك بالتفكر فى أمر الله تعالى، إذ لا يعمل عمل أهل الأرض فى اليوم إلا بذلك، والنهى عن التفضيل قبل أن يعلم أنه أفضل الخلق، وبعده قال: أنا سيد ولد آدم ولا فخر. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال أشهد أن لك ربا وخالقاً، اللهم اغفر لى، فنظر الله إليه فغفر له"تفسير : . وفى الأحياء نهاية ثمرة الدين، فى الدنيا تحصيل معرفة الله، وتحصيل الأنس بذكر الله، والأنس يحصل بدوام الذكر، والمعرفة تحصل بدوال الفكر، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم، على قوم يتفكرون فى الخالق فقال: "حديث : تفكروا فى الخلق ولا تتفكروا فى الخالق، فإنكم لا تقدرون قدره"تفسير : . قال بعض العلماء: المتفكر فى الله، كالناظر فى عين الشمس، يزداد تحيراً، وإنما يتفكر فى المخلوقات وأحوال الآخرة وثواب الله وعقابه. قال ابن عباس وأبو الدرداء: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. قال سرى السقطى: فكرة ساعة خير من عبادة سنة، ما هو إلا أن تحل أطناب خيمتك فتجعلها فى الآخرة. وعن الحسن: الفكر مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وسيئأته. وأخذ أبو سليمان الدارانى قدح الماء ليتوضأ لصلاة ليل وعنده ضيف، فرآه لما دخل أصبعه فى أذن القدح أقام كذلك مفكراً حتى طلع الفجر، فقال له: ما هذا يا أبا سليمان؟ فقال: إنى طرحت أصبعى فى أذن القدح وتذكرت قول الله سبحانه: {أية : إذ الأغلال فى أعناقهم والسلاسل}تفسير : فتفكرت فى حالى، وكيف أتقى الغل إن طرح فى عنقى يوم القيامة، قيل لامرأة أبى الدرداء: ما كان أكثر شأن أبى الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر. قال ابن بطال: إذا كمل إيمان الإنسان وكثر تفكره، كان الغالب عليه الإشفاق والخوف. والآية دليل على شرف العلم الذى يبحث فيه على ثبوت الصانع وقدمه، وعدم شبه الخلق وشرف أهل ذاك العلم وهو علم الكلام، وقال ابن عطاء الله: الفكر سراج القلب، فإذا ذهب فلا إضاءة له. قال القشيرى: فكر الزاهدين فى الدنيا وقلة وفائها لطلابها، فيزدادون بالفكر زهداً، وفكر العابدين فى جميل الثواب فيزدادون نشاطاً عليه ورغبه فيه، وفكرة العارفين فى الآلاء والنعماء فيزدادون محبة للحق سبحانه. ذكر الله عبادة البدن بقوله {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِم} وعبادة القلب بقوله: {ويَتَفَكَّرُونَ فِى خّلْقِ السَّمَاواتِ والأرض}. {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً}: أى قائلين ربنا ما خلت هذا باطلا فهذا وما بعده إلى قوله "الميعاد" محكى بحال محذوفة - كما رأيت - وصاحب الحال واو {يتفكرون} والإشارة إلى المتفكر فيه المذكور، أى هذا الذى تفكرنا فيه من خلق السماوات والأرض، وإلى خلق بمعنى مخلوق على أن إضافته بيانية، اى مخلوق هو السماوات والأرض، أو إلى السماوات والأرض على تأويلهما بالمخلوق وبقاء خلق على المصدرية، وباطلا: حال من اسم الإشارة، أو مفعول مطلق أى خلقاً باطلا، أو حال من التاء، أو مفعول لأجله، أى لعبت المعانى تابعة لهذه الأعاريب، وما صدق الكل إن خلق السماوات والأرض حكمة، لا عبث ضائع، لأنه خلقهن ليكن مبدأ لوجود الإنسان والملائكة والجن، وسبباً للمعاش، وليكن آيات على وجوده تعالى وكمال قدرته، وداعيات إلى الطاعة لينال المطيع الجنة. {سُبْحَانَكَ}: أى نزهناك تنزيهاً عن العبث، وعدم الحكمة فى شىء ما من فعلك وقولك، ومن فعله خلق السماوات والأرض، وجملة سبحانك إذ ناب على الجملة معترضة بين المفرع عليه وهو اعترافهم بأنه لم يخلق السماوات والأرض عبثاً، والمفرع بالفاء، وهو ما بعدها فى قوله: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}: أى لا تعذبنا بنارك على تقصيرنا فى تفكيرنا فى خلق السماوات والأرض، وفى التفريع بالفاء إشعار بأن علمهم بأن الخلق للحكمة حامل لهم على قولهم قنا عذاب النار، أى احفظنا عنه وامنعه عنا.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يَذَكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} هما جمعا قائم وقاعد، أى قائمين وقاعدين، وكائنين أو ممتدين ومضطجعين على جنوبهم اليمنى، وهى أولى، أو اليسرى، ومثلها الظهور يستلقون عليها، ويجوز دخولها فى الجنوب، وعلى أن المراد بالجنوب الأطراف أو الجهات، وكأنه قال ساقطين على الأرض، والمذهب أن يمتد على يمينه، وعليه الشافعى، ودونه على يساره مستقبلا، قال أبو حنيفة: على قفاه بحيث لو قعد لاستقبل. وعلى أن المراد إكثار الذكر على أى حال، فكذر القيام والقعود الجنوب تمثيل لا تخصيص، فدخل أيضاً السجود والركوع، فإنه المتعارف، وهو بين أنهما غير داخلين فى القيام والقعود، وقيل المراد بالذكر ذكر الله بالقلب أو مع اللسان، وصفاته وأفعاله، والظاهر تلاوة القرآن والأذكار، والمراد ما يشمل الصلاة وغيرها، فتجوز صلاة النفل فى قعود أو اضطجاع للقادر على القيام، وأما الفرض فلا إلا لغير القادر، وفى الفرض جاء قوله صلى الله عليه وسلم لعمران ابن حصين: "حديث : صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك تومىء، إيماء" تفسير : ، وفى النفل والقدرة جاء قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلاة الرجل قاعداً نصف صلاته قائماً، وصلاته مضطجعاً نصف صلاته قاعداً، ومن لم يقدر لم ينقص أجره إذا صلى على الترتيب، فرضا أو نفلا، ولابد من الاستقبال بوجهه وجسده، وإن استلقى فبحيث يكون لو قعد لكان مستقبلا "تفسير : ، وفى حديث ابن عمر، حديث : فإن لم تستطع فعلى قفاكتفسير : ، وعن ابن عباس يصلون بحسب الطاعة والذكر باللسان والقلب معاً، أو بالقلب وحده، وأجمعوا أنه لا ثواب لذاكرغافل، قلت ذلك على حسب طاقته مثل أن يستحضر قلبه فى الذكر، ويفوته بعض آية أو غيرها ضرورة فله ثواب ذلك، ولو غفل عنه لنيته وعدم قدرته، وأرجو أكثر من ذلك أن يثاب على كل ما غفل عنه إذا نوى أن لا يغفل وجاهد نفسه فى الاستحضار، وأما أن يهمل فلا، وعد ابن جريح قراءة القرآن ذكراً، فتجوز فى الاضطجاع وكرهها الشافعى إذا غطى رأسه للنوم، وإنما خص الثلاثة فى الآية لأنها الغالب، وذكر عبادة البدن بقوله يذكرون الله قياماً وقعوداً وعَلَى جنوبهم، وعبادة القلب بقوله {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} مصدر أى فى نفس الإيجاد أو بمعنى مفعول والإضافة على الأول للمفعول أى فى إنشائهما لما فيهما م العجائب وعلى الثانى بيانية، أى فى المخلوق، الذى هو السموات والأرض أو بمعنى فى أى وإنما يتفكرون فيما خلق فى السموات والأرض من أجزائهما وما حل فيهما، وإنما يتفكرون استلالا عَلَى وجود الله وقدرته وحكمته، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تفكروا فى الخلق ولا تتفكروا فى الخالق"تفسير : ، أى لأنه لا يدرك بالتفكير فيه، بل فى أفعاله ومخلوقاته ولأن التكفير فيه يؤدى إلى التشبيه، وبعد ذلك ذكر الدعاء، لأن الدعاء يستجاب بعد تقديم الوسيلة، وهى إقامة وظائف العبودية من الذكر والفكر، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا عبادة كالتفكير" تفسير : ، وذلك لأنه المخصوص بالقلب والمقصود من الخلق، وعن ابن عباس، تفكر ساعة خير من قيام ليلة، وكذا عن أبى الدرداء، وأخرج الديلمى عن أنس مرفوعاً، وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة"تفسير : ، قالت أم الدرداء: أفضل عبادة أبى الدرداء التفكير، وروى الديلمى عن أنس مرفوعاً: تفكر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً} إلخ، مفعول لحال محذوف، أى قائلين ربنا ما خلقت هذا الخلق، أى المخلوق او التفكر فيه، والمعنى واحد، وهو السماوات والأرض وأنت باطل ذو عبث، أو ما خلقت هذا خلقاً باطلا عن الحكمة بل خلقته لحكمة النفع لخلقك والاستدلال بها، وحكمة الإشارة أن يستحضر المخلوق المذكور، فإن الكلام على المستحضر آكد منه على الغائب، كقوله تعالى: خلقاً باطلا والباطل ما لا فائدة فيه، أو فيه فائدة لا يعتد بها أو ما لا يقصد به فائدة {سُبْحَانَكَ} عن البطالة {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} المستوجب له الإعراض عن آيات السماء والأرض كما دلت له الفاء، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم، فقال أشهد أنك رب وخالق، اللهم اغفر لى، فنظر الله إليه فغفر له"تفسير : ، وهذا دليل واضح على شرف علم الكلام، والفاء للمعطف على سبحانك باعتبار سبحانك تسبيحا، عطف إنشاء على إخبار متضمن للإنشاء أو على محذوف أى نطيعك فقنا، أو وفقنا فقنا، أو رابطة لجواب شرط محذوف، أى إذا نزهناك أو وحدناك فقنا. >
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } في موضع جرّ على أنه نعت {أية : لأولي} تفسير : [آل عمران: 190] ويجوز أن يكون في موضع رفع أو نصب على المدح، وجعله مبتدأ والخبر محذوف تقديره يقولون: ربنا آمنا بعيد لما فيه من تفكيك / النظم، ويزيده بعداً ما أخرجه الأصبهاني في «الترغيب» عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ينادي مناد يوم القيامة أين أولو الألباب؟ قالوا: أي أولي الألباب تريد؟ قال: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً } الخ عقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم وقال لهم ادخلوها خالدين»تفسير : والظاهر أن المراد من الذكر الذكر باللسان لكن مع حضور القلب إذ لا تمدح بالذكر بدونه بل أجمعوا على أنه لا ثواب لذاكر غافل، وإليه ذهب كثير، وعدّ ابن جريج قراءة القرآن ذكراً فلا تكره للمضطجع القادر، نعم نص بعض الشافعية على كراهتها له إذا غطى رأسه للنوم، وقال بعض المحققين: المراد به ذكره تعالى مطلقاً سواء كان ذلك من حيث الذات أو من حيث الصفات والأفعال، وسواء قارنه ذكر اللسان أو لا، والمعنى عليه الذين لا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم باطمئنان قلوبهم بذكره واستغراق سرائرهم في مراقبته، وعليه فيحمل ما حكي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وعروة بن الزبير، وجماعة رضي الله تعالى عنهم من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضهم: أما قال الله تعالى: {يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً } فقاموا يذكرون الله تعالى على أقدامهم على أن مرادهم بذلك التبرك بنوع موافقة للآية في ضمن فرد من أفراد مدلولها وليس مرادهم به تفسيرها وتحقيق مصداقها على التعيين وإلا لاضطجعوا وذكروا أيضاً ليتم التفسير وتحقيق المصداق. وأخرج ابن أبـي حاتم والطبراني من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود في الآية أنه قال: إنما هذا في الصلاة إذا لم تستطع قائماً فقاعداً وإن لم تستطع قاعداً فعلى جنب، وكذلك أمر صلى الله عليه وسلم عمران بن حصين، وكانت به بواسير ـ كما أخرجه البخاري عنه ـ وبهذا الخبر احتج الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه على أن المريض يصلي مضطجعاً على جنبه الأيمن مستقبلاً بمقادم بدنه ولا يجوز له أن يستلقي على ظهره على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وجعل الآية حجة على ذلك بناءاً على أنه لما حصر أمر الذاكر في الهيئات المذكورة دل على أن غيرها ليس من هيئته والصلاة مشتملة على الذكر فلا ينبغي أن تكون على غير هيئته محل تأمل، وتخصيص ابن مسعود الذكر بالصلاة لا ينتهض حجة على أنه بعيد من سياق النظم الجليل وسباقه. والقيام والقعود جمع قائم وقاعد ـ كنيام ورقود ـ جمع نائم وراقد، وانتصابهما على الحالية من ضمير الفاعل في يذكرون ويحتمل أن يكونا مصدرين مؤلين بقائمين وقاعدين لتتأتى الحالية. وقوله تعالى: {وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } متعلق بمحذوف معطوف على الحال أي وكائنين على جنوبهم أي مضطجعين، وجوز أن يقدر المتعلق المعطوف خاصاً أي ومضطجعين على جنوبهم، والمراد من ذكر هذه الأحوال الإشارة إلى الدوام وانفهامه منها عرفاً مما لا شبهة فيه وليس المراد الدوام الحقيقي لاستحالته بل في غالب أحوالهم، وبعضهم يأخذ الدوام من المضارع الدال على الاستمرار وكيفما كان فالمراد يذكرون الله تعالى كثيراً. {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } عطف على {يَذَّكَّرُونَ } وعطفه على الأحوال السابقة غير ظاهر وتقديم الذكر في تلك الحالات على التفكر لما أن فيهما الاعتراف بالعبودية، والعبد مركب من النفس الباطنة والبدن الظاهر، وفي الأول: إشارة إلى عبودية الثاني، وفي الثاني: إشارة إلى عبودية الأول لأن التفكر إنما يكون بالقلب والروح، وفي بيان العبودية بعد الفراغ من آيات الربوبية ما لا يخفى من اللطف، وقيل: قدم الأول لأنه إشارة إلى النظر في الأنفس وأخر الثاني لأنه إشارة إلى النظر في الآفاق ولا شبهة في تقدم الأول على الثاني، وصرح مولانا شيخ الإسلام بأن / هذا بيان للتفكر في أفعاله تعالى، وما تقدم بيان للتفكر في ذاته تعالى على الإطلاق، والذي عليه أئمة التفسير أنه سبحانه إنما خصص التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته جل شأنه وعز سلطانه، وقد ورد هذا النهي في غير ما حديث، فقد أخرج أبو الشيخ والأصبهاني عن عبد الله بن سلام قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتفكرون فقال: «حديث : لا تفكروا في الله تعالى ولكن تفكروا فيما خلق»تفسير : . وعن عمرو بن مرة قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون فقال: «حديث : تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق» تفسير : وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تفكروا في آلاء الله تعالى ولا تفكروا في الله تعالى»تفسير : ، وعن ابن عباس تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله تعالى ـ إلى غير ذلك ـ ففي كون الأول بياناً للتفكر في ذاته سبحانه على الإطلاق نظر على أن بعض الفضلاء ذكر في تفسيره أن التفكر في الله سبحانه محال لما أنه يستدعي الإحاطة بمن هو بكل شيء محيط فتدبر، وقيل: قدم الذكر على الدوام على التفكر للتنبيه على أن العقل لا يفي بالهداية ما لم يتنور بنور ذكر الله تعالى وهدايته فلا بد للمتفكر من الرجوع إلى الله تعالى ورعاية ما شرع له، وأن العقل المخالف للشرع لبس الضلال ولا نتيجة لفكره إلا الضلال، و ـ الخلق ـ إما بمعنى المخلوق على أن الإضافة بمعنى في أي يتفكرون فيما خلق في السماوات والأرض أعم من أن يكون بطريق الجزئية منهما أو بطريق الحلول فيهما، أو على أنها بيانية أي في المخلوق الذي هو السماوات والأرض، وإما باق على مصدريته أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعهما بما فيهما من عجائب المصنوعات ودقائق الأسرار ولطائف الحكم ويستدلون بذلك على الصانع ووحدته الذاتية وأنه الملك القاهر والعالم القادر والحكيم المتقن إلى غير ذلك من صفات الكمال، ويجرّهم ذلك إلى معرفة صدق الرسل وحقية الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية وتحقيق المعاد وثبوت الجزاء، ولشرافة هذه الثمرة الحاصلة من التفكر مع كونه من الأعمال المخصوصة بالقلب البعيدة عن مظان الرياء كان من أفضل العبادات، وقد أخرج أبو الشيخ في «العظمة» عن ابن عباس قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، وأخرج ابن سعد عن أبـي الدرداء مثله، وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً مثله، وعن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة»تفسير : ، وعنه أيضاً مرفوعاً حديث : بينما رجل مستلق ينظر إلى النجوم وإلى السماء فقال والله إني لأعلم أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله تعالى له فغفر لهتفسير : ، وأخرج ابن المنذر عن عون قال: سألت أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبـي الدرداء؟ قالت: التفكر والاعتبار. وأخرج ابن أبـي الدنيا عن عامر بن قيس قال: سمعت غير واحد ـ لا اثنين ولا ثلاثة ـ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: إن ضياء الإيمان ـ أو نور الإيمان ـ التفكر، واقتصر سبحانه على ذكر التفكر في خلق السماوات والأرض ولم يتعرض جل شأنه لإدراج اختلاف الليل والنهار في ذلك السلك مع ذكره فيما سلف ـ وشرف التفكر فيه أيضاً كما يقتضيه التعليل، وظاهر ما أخرجه الديلمي عن أنس مرفوعاً «حديث : تفكر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة»تفسير : ـ إما للإيذان بظهور اندراج ذلك فيما ذكر لما أن الاختلاف من الأحوال التابعة لأحوال السماوات والأرض على ما أشير إليه، وإما للإشعار بمسارعة المذكورين إلى الحكم بالنتيجة لمجرد تفكرهم في بعض الآيات من غير حاجة إلى بعض آخر منها في إثبات المطلوب. {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } الإشارة إلى السماوات والأرض لما أنهما باعتبار تعلق الخلق بهما في معنى / المخلوق، أو إلى الخلق على تقدير كونه بمعنى المخلوق، وقيل: إليهما باعتبار المتفكر فيه وعلى كل فأمر الإفراد والتذكير واضح والعدول عن الضمير إلى اسم الإشارة للإشارة إلى أنها مخلوقات عجيبة يجب أن يعتنى بكمال تمييزها استعظاماً لها، ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ }تفسير : [الإسراء: 9] والباطل العبث وهو ما لا فائدة فيه مطلقاً أو ما لا فائدة فيه يعتدّ بها، أو ما لا يقصد به فائدة، وقيل: الذاهب الزائل الذي لا يكون له قوة وصلابة، ولا يخفى أنه قول لا قوة له ولا صلابة، وهو إما صفة لمصدر محذوف أي خلقاً باطلاً، أو حال من المفعول. والمعنى ربنا ما خلقت هذا المخلوق أو المتفكر فيه العظيم الشأن عارياً عن الحكمة خالياً عن المصلحة كما ينبـىء عنه أوضاع الغافلين عن ذلك المعرضين عن التفكر فيه العادمين من جناح النظر قداماه وخوافيه، بل خلقته مشتملاً على حكم جليلة منتظماً لمصالح عظيمة تقف الأفكار حسرى دون الإحاطة بها وتكل أقدام الأذهان دون الوقوف عليها بأسرها، ومن جملتها أن يكون مداراً لمعايش العباد ومناراً يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد حسبما نطقت به كتبك وجاءت به رسلك. والجملة بتمامها في حيز النصب بقول مقدر أي يقولون ربنا الخ، وجملة القول حال من المستكن في يتفكرون أي يتفكرون في ذلك قائلين ربنا ما خلقت هذا باطلاً، وإلى هذا ذهب عامة المفسرين. واعترض بأن النظم الكريم لا يساعده لما أن ما في حيز الصلة وما هو قيد له حقه أن يكون من مبادي الحكم الذي أجري على الموصول ودواعي ثبوته له كذكرهم الله تعالى في عامة أوقاتهم وتفكرهم في خلق السماوات والأرض فإنهما مما يؤدي إلى اجتلاء تلك الآيات والاستدلال بها على المطلوب، ولا ريب أن قولهم ذلك ليس من مبادىء الاستدلال المذكور بل من نتائجها المترتبة عليه فاعتباره قيداً لما في حيز الصلة مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل، فاللائق أن تكون جملة القول استئنافاً مبيناً لنتيجة التفكر ومدلول الآيات ناشئاً مما سبق فإن النفس عند سماع تخصيص الآيات المنصوبة في خلق العالم ـ بأولي الألباب ـ ثم وصفهم بذكر الله تعالى والتفكر في مجال تلك الآيات تبقى مترقبة لما يظهر منهم من آثارها وأحكامها كأنه قيل: فماذا يكون عند تفكرهم في ذلك وما يترتب عليه من النتيجة؟ فقيل: يقولون كيت وكيت مما ينبىء عن وقوفهم على سر الخلق المؤدي إلى معرفة صدق الرسل وحقية الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية وهذا على تقدير كون الموصول موصولاً نعتاً، {أية : لأُوْلِى }تفسير : [آل عمران: 190]، وأما على تقدير كونه مفصولاً منصوباً أو مرفوعاً على المدح مثلاً فتأتي الحالية من ذلك إذ لا اشتباه في أن قولهم هذا من مبادىء مدحهم ومحاسن مناقبهم ويكون في إبراز هذا القول في معرض الحال إشعار بمقارنته لتفكرهم من غير تردد وتلعثم في ذلك انتهى، وهو كلام تلوح عليه أمارات التحقيق ومخايل التدقيق. والقول بأن الحالية تجتمع مع كون القول المذكور من النتائج لا يخفى ما فيه، ثم كون هذا القول من نتائج التفكر مما لا يكاد ينكره ذو فكر، وتوضيح ذلك ـ على رأي ـ أن القوم لما تفكروا في مخلوقاته سبحانه ولا سيما السماوات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم والأرض وما عليها من البحار والجبال والمعادن عرفوا أن لها رباً وصانعاً فقالوا ربنا ثم لما اعترفوا في أن في كل من ذلك حكماً ومقاصد وفوائد لا تحيط بتفاصيلها الأفكار قالوا: {مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } ثم لما تأملوا وقاسوا أحوال هذه المصنوعات إلى صانعها رأوا أنه لا بدّ وأن يكون الصانع منزهاً عن مشابهة شيء منها، فإذن هو ليس بجسم ولا عرض ولا في حيز ولا بمفتقر ولا، ولا... فقالوا: {سُبْحَـٰنَكَ } أي تنزيهاً لك مما لا يليق بك، ثم لما استغرقوا في بحار العظمة والجلال وبلغوا هذا المبلغ الأعظم / وتحققوا أن من قدر على ما ذكر من الإنشاء بلا مثال يحتذيه أو قانون ينتحيه واتصف بالقدرة الشاملة والحكمة الكاملة كان على إعادة من نطقت الكتب السماوية بإعادته أقدر، وإن ذلك ليس إلا لحكمة باهرة هي جزاء المكلفين بحسب استحقاقهم المنوط بأعمالهم القلبية والقالبية طلبوا النجاة مما يحيق بالمقصرين ويليق بالمخلين فقالوا: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } أي فوفقنا للعمل بما فهمنا من الدلالة، ومن هنا قيل: إن الفاء لترتب الدعاء بالاستعاذة من النار على ما دل عليه ربنا ما خلقت هذا باطلاً من وجوب الطاعة واجتناب المعصية كأنه قيل: فنحن نطيعك فقنا عذاب النار التي هي جزاء من عصاك، وسبحانك مصدر منصوب بفعل محذوف، والجملة معترضة لتقوية الكلام وتأكيده، ولا ينافي ذلك كونها مؤكدة لنفي العبث عن خلقه. وبعضهم قال: بهذا التأكيد ولم يقل بالاعتراض، وجعل ما بعد الفاء مترتباً على التنزيه المدلول عليه بسبحانك وادعى أنه الأظهر لاندراج تنزهه تعالى عن ردّ سؤال الخاضعين الملتجئين إليه فيه، ولا يخفى تفرع المسألة على التنزيه عن خيبة رجاء الراجين، وقيل: إنه جواب شرط مقدر وأن التقدير إذا نزهناك أو وحدناك فقنا عذاب النار الذي هو جزاء الذين لم ينزهوا أو لم يوحدوا. واستدل الطبرسي بالآية ((على أن الكفر والضلال والقبائح ليست خلقاً لله تعالى لأن هذه الأشياء كلها باطلة بالإجماع وقد نفى الله سبحانه ذلك حكاية عن أولي الألباب الذين رضي قولهم بأنه لا باطل فيما خلقه سبحانه فيجب بذلك القطع بأن القبائح كلها ليست مضافة إليه عز شأنه ومنفية عنه)) خلقاً وإيجاداً ـ وفيه نظر ـ لأن الأشياء كلها سواء من حيث إنها خلق الله تعالى ومشتملة على المصالح والحكم كما ينبىء عن ذلك قوله تعالى: {أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ }تفسير : [طه: 50] وتفاوتها إنما هو باعتبار نسبة بعضها إلى بعض وكون بعضها متعلق الأمر والبعض الآخر متعلق النهي مثلاً لا باعتبار كون البعض مشتملاً على الحكمة والبعض الآخر عارياً عنها، فالقبائح من حيث إنها خلق الله تعالى ليست باطلة لأن الباطل كما علمت هو ما لا فائدة فيه مطلقاً، أو ما لا فائدة فيه يعتدّ بها أو ما لا يقصد به فائدة وهي ليست كذلك لاشتمالها في أنفسها على الحكم والفوائد الجمة التي لا يبعد قصد الله تعالى لها مع غناه الذاتي عنها ولا يشترط كون تلك الفوائد لمن صدرت على يده وإلا لزم خلو كثير من مخلوقاته تعالى عن الفوائد، وتسميتها قبائح إنما هي باعتبار كونها متعلق النهي لحكمة أيضاً وهو لا يستدعي كونها خالية عن الحكمة بل قصارى ذلك أنه يستلزم عدم رضاه سبحانه بها شرعاً المستدعي ذلك للعقاب عليها بسبب أن إفاضتها كانت حسب الاستعداد الأزلي فدعوى ـ أن هذه الأشياء كلها باطلة ـ باطلة كدعوى الإجماع على ذلك وكأن القائل لم يفهم معنى الباطل فقال ما قال. واستدل بها بعضهم أيضاً على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض وهو مبني ظاهراً على أن الباطل العبث بالمعنى الثالث وقد علمت أن معنى العبث ليس محصوراً فيه وبفرض الحصر لا بأس بهذا القول على ما ذهب كثير من المحققين لكن مع القول بالغنى الذاتي وعدم الاستكمال بالغير كما أشرنا إليه في البقرة. واحتج حكماء الإسلام بها على أنه سبحانه وتعالى خلق الأفلاك والكواكب وأودع فيها قوى مخصوصة وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتصال بعضها ببعض مصالح في هذا العالم لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع فقط لأن كل ذرة من ذرات الماء والهواء يشاركها في ذلك فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص، وناقشهم المتكلمون في ذلك بأنه يجوز أن تكون الفلكيات أسباباً عادية للأرضيات لا حقيقية وأن التأثير عندها لا بها ويكفي ذلك فائدة لخلقها. / وأنت تعلم أن القول بإيداع القوى في الفلكيات بل وفي جميع الأسباب مع القول بأنها مؤثرة بإذن الله تعالى مما لا بأس به بل هو المذهب المنصور الذي درج عليه سلف الأمة وحققناه فيما قبل وهو لا ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب ولا يزاحم جريان الأمور كلها بقضائه وقدره تعالى شأنه، نعم القول بأن الفلكيات ونحوها مؤثرة بنفسها ولو لم يأذن الله تعالى ضلال واعتقاده كفر، وعلى ذلك يخرج ما وقع في الخبر «حديث : من قال: أمطرنا بنوء كذا فهو كافر بالله تعالى مؤمن بالكوكب ومن قال: أمطرنا بفضل الله تعالى فهو مؤمن بالله تعالى كافر بالكوكب»تفسير : فليحفظ.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}. ذكر في هذه الآية: أن من جملة ما يقوله أولو الألباب: تنزيه ربهم عن كونه خلق السموات والأرض باطلاً، لا لحكمة سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. وصرح في موضع آخر: بأن الذين يظنون ذلك هم الكفار، وهددهم على ذلك الظن السيء بالويل من النار، وهو قوله: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 27].
الواحدي
تفسير : {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} أَيْ: يصلُّون على هذه الأحوال على قدر إمكانهم {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} فيكون ذلك أزيد في بصيرتهم {ربنا} أَيْ: ويقولون: {ربنا ما خلقت هذا} أَيْ: هذا الذي نراه من خلق السَّموات والأرض {باطلاً} أَيْ: خلقاً باطلاً. يعني: خلقته دليلاً على حكمتك وكمال قدرتك. {ربَّنا إنَّك مَنْ تدخل النار} للخلود فيها {فقد أخزيته} : أهلكته وأهنته {وما للظالمين} أَيْ: الكفَّار {من أنصار} يمنعونهم من عذاب الله. {ربنا إننا سمعنا منادياً} أَيْ: محمَّداً عليه السَّلام والقرآن {ينادي للإِيمان} أَيْ: إلى الإِيمان {أَنْ آمنوا بربكم فآمنّا، ربَّنا فاغفر لنا ذنوبنا وكَفِّرْ عنّا سيئاتنا} أَيْ: غطِّ واستر عنا ذنوبنا بقبول الطَّاعات حتى تكون كفَّارةً لها {وتوفنا مع الأبرار} يعني: الأنيباء، أَيْ: في جملتهم حتى نصير معهم. {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} أَيْ: على ألسنتهم من النَّصر لنا، والخذلان لعدِّونا {ولا تُخْزِنَا يوم القيامة} أَيْ: لا تهلكنا بالعذاب. وقوله: {بعضكم من بعض} أَيْ: حكمُ جميعكم حكمُ واحدٍ منكم فيما أفعل بكم من مجازاتكم على أعمالكم، وترك تضييعها لكم. {لا يغرنَّك تقلُّب الذين كفروا في البلاد} تصرُّفهم للتِّجارات في البلاد، وذلك أنَّهم كانوا يتَّجرون ويتنعَّمون في البلاد، فقال بعض المؤمنين: إنَّ أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت هذه الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 191- وشأن أولى الألباب أنهم يستحضرون فى نفوسهم عظمة الله وجلاله فى كل مكان، قائمين وقاعدين وعلى جنوبهم، ويتدبرون فى خلق السموات والأرض وما فيهما من عجائب قائلين: ربنا ما خلقت هذا إلا لحكمة قدَّرتها وأنت منزه عن النقص، بل خلقته دليلاً على قدرتك، وعنواناً لبالغ حكمتك، فاحفظنا من عذاب النار بتوفيقك لنا إلى طاعتك. 192- يا خالقنا والقائم على أمورنا، والحافظ لنا إن من يستحق النار وتدخله فيها فقد أخزيته، وليس للظالم الذى استحق النار من نصير يمنعه منها.
د. أسعد حومد
تفسير : {قِيَاماً} {ٱلسَّمَاوَاتِ} {بَاطِلاً} {سُبْحَانَكَ} (191) - وَيَصِفُ اللهُ تَعَالَى أوِلي الألْبَابِ فَيَقُولُ عَنْهُمْ: إنَّهُمْ الذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قَائِمِينَ وَقَاعِدِينَ وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَلاَ يَقْطَعُونَ ذِكْرَ اللهِ في جَمِيعِ أحْوَالِهِمْ، بِسَرَائِرِهِمْ، وَألْسِنَتِهِمْ ... وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لِيَفْهَمُوا مَا فِيهَا مِنْ أَسْرَارِ خَلِيقَتِهِ، وَمِنْ حِكمٍ وَعِبَرٍ وَعِظَاتٍ، تَدُلُّ عَلَى الخَالِقِ، وَقُدْرَتِهِ، وَحِكْمَتِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى أنْفُسِهِمْ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَكَ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذا الخَلْقَ عَبَثاً وَبَاطِلاً، رَبَّنَا تَنَزَّهْتَ عَنِ العَبَثِ وَالبَاطِلِ، وَإنَّمَا خَلَقْتَهُ بِالحَقِّ، وَالإِنْسَانُ مِنْ بَعْضِ خَلْقِكَ لَمْ تَخْلُقْهُ عَبَثاً، وَإنَّمَا خَلَقْتَهُ لِحِكْمَةٍ. وَمَتَى حُشِرَ الخَلْقُ إليكَ حَاسَبْتَهُمْ عَلَى أعْمَالِهِمْ، فَتَجْزِي الذِينَ أسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا، وَتَجْزِي الذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى. ثُمَّ يُتِمُّونَ دُعَاءَهُمْ سَائِلِينَ رَبَّهُمْ أنْ يَقِيَهُمْ عَذابَ النَّارِ. بَاطِلاً - عَبَثاً لاَ فَائِدَةَ فِيهِ. فَقِنَا - جَنِّبْنا وَاحْفَظْنَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنهم يقولون: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ..} [آل عمران: 191] لأنك حق، وخلقت السماوات والأرض بالحق، ووضعت لها نواميسها وقوانينها بالحق، فيجب أن نستقبل النعمة التي خلقتها لنا بالحق. فإن استقبلها بعض الناس بغير الحق، فإنها تكون وبالاً عليهم. ويقال: إن المؤمن الصادق في بني إسرائيل قبل رسالة عيسى عليه السلام كان إذا عبد الله بإخلاص ثلاثين سنة فإن غمامة تظله حيث سار. فكانوا عندما يرون واحداً من هؤلاء يسير تظلله غمامة، فهم يعرفون أنه عبد الله بإخلاص ثلاثين عاماً. وعَبَدَ واحد منهم الله ثلاثين سنة ولم ير السحابة تظلله، فشكا ذلك لأمه فقالت له: لعل شيئاً فَرطَ منك. فقال لها: يا أماه لا أذكر. فقالت له: لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تفكر. فقال لها: لعل ذلك حدث. فقالت: الذي يأتيك من ذاك. وهذه القصة تذكرنا بضرورة التفكير في الله دائماً. ويروى عن سيدنا الإمام عليّ - رضي الله عنه وكرم الله وجهه - أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا استيقظ في الليل، استاك، ثم نظر إلى السماء. إذن فالنظر إلى السماء هو النظر إلى العلو. والنظر إلى الأرض أيضاً هو تأمل في حكمة الخالق، لكن النظرة إلى السماء تجعل الإنسان يفطن إلى علو الخالق. ولذلك فالعربي الذي استلقى على ظهره نائماً، واستيقظ ففطن إلى لون السماء الأزرق البديع، والنجوم تتلألأ فيها فقال: أشهد أن لَكِ رباً وخالقاً، اللهم اغفر لي. ولقد عرف الرجل متى يدعو الله وكيف يدعو، لذلك غفر الله له. وفيما روت كتب السيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء ليلة ونام، وكانت ليلة عائشة رضوان الله عليها. قالت عائشة لعبد الله بن عمر رضوان الله عليه. فنام بجواري حتى مس جلدي جلده، ثم قال: "حديث : يا عائشة هل تأذنين لي الليلة في عبادة ربي "؟ تفسير : لقد استأذن منها رسول الله في حقها لأن الليلة ليلتها. وأضافت عائشة: يا رسول الله أنا أحب قربك وأحب هواك، وقد أذِنتُ لَكَ. لقد احتاطت الاحتياط الجميل، فهي تحب الرسول، وتقول: "وأنا أحب قربك" وهذا القول له معنى جميل، وحدث أن قال بعض المتنطعين على دين الله: إن رسول الله كان كبير السن بفارق كبير بينه وبين عائشة، وقولها ذلك إنما عن زهد فيه. لكنها عائشة - رضي الله عنها - ردت على ذلك من قبل أن يقال. فقالت: يا رسول الله أنا أحب قربك وأحب هواك وقد أذنت لك. وهذا درس يعطيه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نتعلم كيف نعامل أهلنا، حتى ولو كان الأمر الذي يشغلنا عنهم هو العبادة، وهو لا يريد أن ينشغل المؤمن عن رعاية أهله بعد أداء ما عليه من فروض، حتى ولو كان عبادة إلا بعد استئذان الأهل. لماذا؟ لأن الله طلب من الزوجة في العبادة غير المفروضة ألا تتطوع حتى تستأذن زوجها. فالزوجة إن صلت تطوعاً، أو صامت تطوعاً لا بد أن تستأذن زوجها، فإن أذن لها، فبها، وإن لم يأذن فليس لها أن تقوم بهذه العبادة غير المفروضة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "حديث : خيركم .. خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ". تفسير : لأن الزوج حين يقرب زوجته فهو يريد أن يعفها عن التطلعات البشرية؛ لذلك فعندما تريد الزوجة أن تأخذ وقتها وخصوصاً إن كان لها ضرائر، فهذا الوقت حق لها. فإن أراده الزوج للعبادة غير المفروضة فعليه أن يستأذن. وقد تكون الحالة النفسية للمرأة في عدم وجود ضرائر أكثر قدرة على قبول استئذان الزوج لها ليتفرغ للعبادة. ولذلك فأنت ترى من أهل الفتوى الإيضاح الناجح لمثل هذا الأمر. لقد ذهبت امرأة تشكو زوجها لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكان مضمون الشكوى أن زوجها لا يقربها، وكان مع عمر صحابي جليل. فقال له عمر ابن الخطاب: أفتها. فقال الصحابي للزوج: يا هذا سنفرض أنك تزوجت أربعاً، فلزوجتك إذن ليلة بعد كل ثلاث ليال. وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد استأذن عائشة في عبادة ربه، فهذا معناه درس للأزواج أن يحسنوا معاملة الأهل إحساناً لا يجعل للمرأة تطلعاً. لكننا نجد أناساًَ لا يستأذنون أهلهم لا في العبادة، ولا حتى في سهرات المعصية. وهذا ما يفسد البيوت والأسر. إن ما يفسد البيوت أن يكون الزوج مشغولاً عن الزوجة، ويذهب إلى أصحابه في المقهى أو في مكان آخر. ولا يهتم بأفراد أسرته. لماذا لا يذهب إلى منزلة ليؤانس أهله؟ وليشبع رغبتهم ويجلس مع زوجته وأهله وأولاده وبذلك تطمئن الزوجة أن رجلها معها وليس في مكان آ خر، وذلك حتى تستقر الأمور. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن عائشة رضي الله عنها فتأذن له. قالت عائشة رضوان الله عليها: "حديث : فقام إلى قربة فتوضأ ثم قام فبكى ثم قرأ فبكى، ثم أثنى على الله وحمده فبكى، حتى ابتلت الأرض، ثم جاء بلال، فقال: يا رسول الله صلاة الغداة. فرآه يبكي. فقال: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال رسول الله: أفلا أكون عبداً شكوراً، يا بلال لقد نزل علي الليلة: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ * ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ * فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ * لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ * لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ * وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلۤـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ * يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. وأضاف رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فويل لمَنْ قرأها ولم يتفكر فيها، وويل لمَنْ لاكها بين فكيه ولم يتأملها" ". تفسير : هذا ما جاء عن سيدنا رسول الله في أواخر سورة آل عمران، تلك الأواخر التي تبدأ بقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ..} تفسير : [آل عمران: 190]. إن في تلك الآيات المنهج والاستدلال، واصطحاب الحق سبحانه وتعالى وذكره على كل حال من القيام والقعود وعلى الجنب. إن الحق يقول: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]. ها نحن أولاء نرى أن مطلوب أولي الألباب هو أن يذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم. وقال بعض العلماء في تفسير قول الحق: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ..} [آل عمران: 191] إن المقصود بذلك هو الصلاة، فمَنْ لا يستطيع الصلاة قائماً يصلي قاعداً .. ومَنْ لا يستطيع الصلاة قاعداً فليصل مضطجعاً. ونقول لهؤلاء العلماء: لقد خصصتهم هذا المعنى حيث المقام للتعميم، لماذا لأن القرآن لا يتعارض مع بعضه، بل يفسر بعضه بعضاً، والحق يقول عند صلاة الخوف: {أية : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} تفسير : [النساء: 102]. وحتى لا يظن المؤمن أن الفروض الخمسة هي التي يذكر فيها الله فقط قال سبحانه: {أية : فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} تفسير : [النساء: 103]. أي إنه حصلت الصلاة أولاً، وحصلت الصلاة ثانياً، كأن ذكر الله أمر متصل واجب في الصلاة، وفي غيرها، وبعدها يتفكر المؤمنون في خلق السماوات والأرض ويعترفون أنه سبحانه لم يخلق هذا باطلاً. ويكون المطلوب أن يقولوا: {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]. لماذا؟ لأن كل هذا الذكر لا يوفي حق ربنا علينا. لذلك قالوا: {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):