Verse. 485 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

رَبَّنَاۗ اِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ اَخْزَيْتَہٗ۝۰ۭ وَمَا لِلظّٰلِمِيْنَ مِنْ اَنْصَارٍ۝۱۹۲
Rabbana innaka man tudkhili alnnara faqad akhzaytahu wama lilththalimeena min ansarin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ربَّنا إنك من تدخل النار» للخلود فيها «فقد أخزيته» أهنته «وما للظالمين» الكافرين، فيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بتخصيص الخزي بهم «من» زائدة «أنصار» يمنعونهم من عذاب الله تعالى.

192

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ } للخلود فيها {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } أهنته {وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ } الكافرين، فيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعاراً بتخصيص الخزي بهم {مِنْ } زائدة {أَنصَارٍ } يمنعونهم من عذاب الله تعالى.

النسفي

تفسير : {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } أهنته أو أهلكته أو فضحته، واحتج أهل الوعيد بالآية مع قوله: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ} تفسير : [التحريم: 8]. في أن من يدخل النار لا يكون مؤمناً ويخلد. قلنا: قال جابر: إخزاء المؤمن تأديبه وإن فوق ذلك لخزياً {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ } اللام إشارة إلى من يدخل النار والمراد الكفار {مِنْ أَنصَارٍ } من أعوان وشفعاء يشفعون لهم كما للمؤمنين {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً } تقول: سمعت رجلاً يقول كذا، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف لم يكن منه بد وأن يقال سمعت كلام فلان. والمنادي هو الرسول عليه السلام أو القرآن {يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } لأجل الإيمان بالله، وفيه تفخيم لشأن المنادي إذ لا منادي أعظم من منادٍ ينادي للإيمان {أَنْ ءَامِنُواْ} بأن آمنوا أو أي آمنوا {بِرَبّكُمْ فَـئَامَنَّا } قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: فيه دليل بطلان الاستثناء في الإيمان {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } كبائرنا {وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا } صغائرنا {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ } مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم، والأبرار والمتمسكون بالسنة جمع «بر» أو «بار» كـ «رب» وأرباب وصاحب وأصحاب {رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ } أي على تصديق رسلك، أو ما وعدتنا منزلاً على رسلك، أو على ألسنة رسلك، و «على» متعلق بـ «وعدتنا» والموعود هو الثواب أو النصرة على الأعداء. وإنما طلبوا إنجـاز ما وعد الله والله لا يخلف الميعاد لأن معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد، أو المراد اجعلنا ممن لهم الوعد إذ الوعد غير مبين لمن هو، أو المراد ثبتنا على ما يوصلنا إلى عدتك يؤيده قوله {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أو هو إظهار للخضوع والضراعة {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } هو مصدر بمعنى الوعد. {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ } أي أجاب يقال استجاب له واستجابه {أَنّى } بأني {لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } «منكم» صفة لـ عامل {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ } بيان لـ «عامل» {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر كلكم بنو آدم، أو بعضكم من بعض في النصرة والدين، وهذه جملة معترضة بينت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله به عباده العاملين. عن جعفر الصادق رضي الله عنه: من حزبه أمر فقال خمس مرات: «ربنا»، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد وقرأ الآيات. {فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ } مبتدأ وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له كأنه قال: فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة وهي المهاجرة عن أوطانهم فارين إلى الله بدينهم إلى حيث يأمنون عليه، فالهجرة كائنة في آخر الزمان كما كانت في أول الإسلام {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ } التي ولدوا فيها ونشأوا {وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } بالشتم والضرب ونهب المال يريد سبيل الدين {وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ } وغزوا المشركين واستشهدوا، «وقتّلوا»: مكي وشامي، «وقتلوا وقاتلوا» على التقديم والتأخير: حمزة وعلي. وفيه دليل على أن الواو لا توجب الترتيب والخبر. {لاكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } وهو جواب قسم محذوف {ثَوَاباً } في موضع المصدر المؤكد يعني إثابة أو تثويباً {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } لأن قوله «لأكفرن عنهم ولأدخلنهم» في معنى لأثيبنهم {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ } أي يختص به ولا يقدر عليه غيره. وروي أن طائفة من المؤمنين قالوا: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع، فنزل {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ } والخطاب لكل أحد أو للنبي عليه السلام والمراد به غيره، أو لأن مدره القوم ومقدّمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً فكأنه قيل: لا يغرنكم. أو لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه كقوله {أية : فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لّلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [القصص: 86] {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ }تفسير : [الأنعام: 14] وهذا في النهي نظير قوله في الأمر {أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }تفسير : [الفاتحة: 7] {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ }تفسير : (النساء 136). {مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ } خبر مبتدإ محذوف أي تقلبهم في البلاد متاع قليل، وأراد قتله في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة أو في جنب ما أعد الله للمؤمنين من الثواب، أو أراد أنه قليل في نفسه لانقضائه وكل زائل قليل {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وساء ما مهدوا لأنفسهم {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ } عن الشرك {لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلاٍ } النزل والنزل ما يقام للنازل وهو حال من «جنات» لتخصصها بالصفة، والعامل اللام في «لهم» أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل رزقاً أو عطاء {مّن عند اللّه} صفة له {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } من الكثير الدائم {خَيْرٌ لّلابْرَارِ } مما يتقلب فيه الفجـار من القليل الزائل. «لكن» بالتشديد: يزيد وهو للاستدراك أي لإبقاء لتمتعهم لكن ذلك للذين اتقوا. ونزلت في ابن سلام وغيره من مسلمي أهل الكتاب، أو في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم وكانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا. {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } دخلت لام الابتداء على اسم «إن» لفصل الظرف بينهما {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } من القرآن {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } من الكتابين {خَـٰشِعِينَ للَّهِ } حال من فاعل «يؤمن» لأن من يؤمن في معنى الجمع {لاَ يَشْتَرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً } كما يفعل من لم يسلم من أحبارهم وكبارهم وهو حال بعد حال أي غير مشترين {أُوْلـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } أي ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعده في قوله {أية : أولئك يؤتون أجرهم مرتين} تفسير : [القصص:54] {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لنفوذ علمه في كل شيء. { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ } على الدين وتكاليفه. قال الجنيد رضي الله عنه: الصبر حبس النفس على المكروه بنفي الجزع {وَصَابِرُواْ } أعداء الله في الجهاد أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبراً منهم وثباتاً {وَرَابِطُواْ } وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } الفلاح: البقاء مع المحبوب بعد الخلاص عن المكروه، و «لعل» لتغييب المآل لئلا يتكلوا على الآمال عن تقديم الأعمال. وقيل: اصبروا في محبتي، وصابروا في نعمتي، ورابطوا أنفسكم في خدمتي لعلكم تفلحون تظفرون بقربتي. قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : اقرأوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما » تفسير : والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء وابن عباس أنهما كانا يقولان‏:‏ اسم الله الأكبر رب رب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس في قوله ‏ {‏من تُدخل النار فقد أخزيته‏} ‏ قال‏:‏ من تخلد‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن المسيب في قوله ‏{‏ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته‏} ‏ قال‏:‏ هذه خاصة لمن لا يخرج منها‏. وأخرج ابن جرير والحاكم عن عمرو بن دينار قال‏:‏ قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت ‏{‏أية : وما هم بخارجين من النار‏} ‏تفسير : [‏البقرة: 167‏]‏ قال‏:‏ أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الكفار‏.‏ قلت لجابر‏:‏ فقوله ‏ {‏إنك من تدخل النار فقد أخزيته‏} ‏ قال‏:‏ وما أخزاه حين أحرقه بالنار، وإن دون ذلك خزياً‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله ‏ {‏منادياً ينادي للإيمان‏} ‏ قال‏:‏ هو محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق عن محمد بن كعب القرظي ‏ {‏سمعنا منادياً ينادي للإيمان‏}‏ قال‏:‏ هو القرآن ليس كل الناس يسمع النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال‏:‏ سمعوا دعوة من الله فأجابوها، وأحسنوا فيها‏:‏ وصبروا عليها‏.‏ ينبئكم الله عن مؤمن الأنس كيف قال، وعن مؤمن الجن كيف قال‏.‏ فأما مؤمن الجن فقال {أية : إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا‏ً} ‏تفسير : [‏الجن: 1‏]‏‏.‏ وأما مؤمن الأنس فقال ‏{‏ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج ‏ {‏ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك‏} ‏ قال‏:‏ ستنجزون موعد الله على رسله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏ولا تخزنا يوم القيامة‏} ‏ قال‏:‏ لا تفضحنا ‏{‏إنك لا تخلف الميعاد‏} ‏ قال‏:‏ ميعاد من قال لا إله إلا الله ‏ {‏فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم‏}‏ قال‏:‏ أهل لا إله إلا الله أهل التوحيد والإخلاص لا أخزيهم يوم القيامة‏.‏ وأخرج أبو يعلى عن جابر‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏العار والتخزية يبلغ من ابن آدم يوم القيامة في المقام بين يدي الله ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو بكر الشافعي في رباعياته عن أبي قرصافة قال ‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: ‏ "‏حديث : اللهم لا تخزنا يوم القيامة، ولا تفضحنا يوم اللقاء ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ إذا فرغ أحدكم من التشهد في الصلاة فليقل‏:‏ اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك الصالحون ‏{أية : ‏ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار‏}‏ ‏تفسير : [‏البقرة: 201‏]‏ ربنا إننا آمنا ‏{‏فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏إنك لا تخلف الميعاد‏}.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ كان يستحب أن يدعو في المكتوبة بدعاء القرآن‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين أنه سئل عن الدعاء في الصلاة فقال‏:‏ كان أحب دعائهم ما وافق القرآن‏.‏ وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : عسقلان أحد العروسين يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفاً لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسون ألفاً شهداء وفوداً إلى الله وبها صفوف الشهداء، رؤوسهم تقطر في أيديهم تثج أوداجهم دماً يقولون ‏{‏ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك‏.‏‏.‏إنك لا تخلف الميعاد‏}‏ فيقول‏:‏ صدق عبيدي‏.‏ اغسلوهم بنهر البيضة فيخرجون منه بيضاً، فيسرحون في الجنة حيث شاؤوا‏ "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} مبالغةٌ في استدعاء الوقايةِ وبـيانٌ لسببه. وتصديرُ الجملةِ بالنداء للمبالغةِ في التضرع والجُؤار، وتأكيدُها لإظهار كمالِ اليقينِ بمضمونها والإيذانِ بشدة الخوفِ، وإظهارُ النارِ في موضع الإضمارِ لتهويلِ أمرِها، وذكرُ الإدخالِ في مورد العذابِ لتعيـين كيفيتِه وتبـيـينِ غاية فظاعتِه. قال الواحدي: للإخزاء معانٍ متقاربةٌ يقال: أخزاه الله أي أبعده، وقيل: أهانه، وقيل: أهلكه، وقيل: فضحه. قال ابن الأنباري: الخزيُ لغةً الهلاكُ بتلف أو بانقطاع حجةٍ أو بوقوع في بلاء، والمعنى فقد أخزيته خِزياً لا غايةَ وراءَه كقولهم: من أدرك مَرْعى الصمّانِ فقد أدرك، أي المرعىٰ الذي لا مرعى بعدَه، وفيه من الإشعار بفظاعة العذابِ الروحاني ما لا يخفى. وقولُه تعالى: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} تذيـيلٌ لإظهار نهايةِ فظاعةِ حالِهم ببـيان خلودِ عذابِهم بفُقدان من ينصُرهم ويقوم بتخليصهم، وغرضُهم تأكيدُ الاستدعاءِ ووضعُ الظالمين موضعَ ضميرِ المُدخَلين لذمهم والإشعارِ بتعليل دخولِهم النارَ بظلمهم ووضعِهم الأشياء في غير مواضعِها، وجمعُ الأنصارِ بالنظر إلى جمع الظالمين أي ما لظالم من الظالمين نصيرٌ من الأنصار، والمرادُ به من ينصُر بالمدافعة والقهر فليس في الآية دِلالةٌ على نفي الشفاعةِ، على أن المرادَ بالظالمين هم الكفارُ. {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ} حكايةٌ لدعاء آخرَ لهم مبنيٌّ على تأملهم في الدليل السمعيِّ بعد حكايةِ دعائِهم السابقِ المبنيِّ على التفكر في الأدلة العقليةِ، وتصديرُ مقدمةِ الدعاءِ بالنداء لإظهار كمالِ الضراعةِ والابتهالِ، والتأكيدُ للإيذان بصدور المقالِ عنهم بوفور الرغبةِ وكمالِ النشاطِ، والمرادُ بالنداء الدعاءُ وتعديتُهما بإلى لتضمُّنهما معنى الإنهاءِ، وباللام لاشتمالها على معنى التخصيص والمرادُ بالمنادي الرسولُ صلى الله عليه وسلم، وتنوينُه للتفخيم، وإيثارُه على الداعي للدلالة على كمال اعتنائِه بشأن الدعوةِ وتبليغِها إلى الداني والقاصي لما فيه من الأيذان برفع الصوتِ و{يُنَادِى} صفةٌ لمنادياً عند الجمهورِ كما في قولك: سمعتُ رجلاً يقول: كيت وكيت ولو كان معرفةً لكان حالاً منه كما إذا قلت: سمعت زيداً يقول الخ، ومفعولٌ ثانٍ لسمعنا عند الفارسي وأتباعِه، وهذا أسلوبٌ بديعٌ يُصار إليه للمبالغة في تحقيق السماعِ والإيذانِ بوقوعه بلا واسطةٍ عند صدورِ المسموعِ عن المتكلم وللتوسل إلى تفصيله واستحضارِ صورتِه، وقد اختص النظمُ الكريمُ بمزية زائدةٍ على ذلك حيث عبَّر عن المسموع منه بالمنادي ثم وَصَفه بالنداء للإيمان على طريقة قولك: سمعت متكلماً يتكلم بالحِكمة لما أن التفسيرَ بعد الإبهامِ والتقيـيدَ بعد الإطلاقِ أوقعُ عند النفسِ وأجدرُ بالقبول. وقيل: المنادي القرآنُ العظيمُ {أنْ آمِنُوا} أي آمنوا على أن {أنْ} تفسيريةٌ أو بأنْ آمِنوا على أنها مصدريةٌ {بِرَبّكُمْ} بمالككم ومتوليِّ أمورِكم ومبلِّغِكم إلى الكمال، وفي إطلاق الإيمانِ ثم تقيـيدِه تفخيمٌ لشأنه. {فَـئَامَنَّا} أي فامتثلنا بأمره وأجبنا نداءَه {رَبَّنَا} تكريرٌ للتضرُّع وإظهارٌ لكمال الخضوعِ وعرضٌ للاعتراف بربوبـيته مع الإيمان به، والفاءُ في قوله تعالى: {فَٱغْفِرْ لَنَا} الفاء لترتيب المغفرةِ أو الدعاءِ بها على الإيمان به تعالى والإقرار بربوبـيته فإن ذلك من دواعي المغفرةِ والدعاءِ بها {ذُنُوبَنَا} أي كبائرَنا فإن الإيمان يجُبُّ ما قبله {وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا} أي صغائرَنا فإنها مكفَّرةٌ عمن اجتنبَ الكبائرَ {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} أي مخصوصين بصُحبتهم مغتنمين لجوارهم، معدودين من زُمرتهم، وفيه إشعارٌ بأنهم كانوا يحبون لقاءَ الله «ومن أحب لقاءَ الله أحب الله لقاءَه» والأبرارُ جمع بارَ أو بَرٍّ كأصحاب وأرباب.

القشيري

تفسير : من ابتليته في الآجل بالحرقة فقد أخزيته، ومن ابتليته بالفرقة في العاجل فقد أشقيته، ومن أوليته بِيُمْنِ الوصلة فقد آويته وأدنيته.

اسماعيل حقي

تفسير : {ربنا انك من تدخل النار فقد اخزيته} غاية الاخزاء ونظيره قولهم "من ادرك مرعى الصمان فقد ادرك" اى المرعى الذى لا مرعى بعده والمراد به تهويل المستعاذ منه تنبيها على شدة خوفهم وطلبهم الوقاية منه وفيه اشعار بان العذاب الروحانى افظع {وما للظالمين من انصار} اراد بهم المدخلين وجمع الانصار بالنظر الى جمع الظالمين اى وما لظالم من الظالمين نصير من الانصار والمراد به من ينصر بالمدافعة والقهر فليس فى الآية دلالة على نفى الشفاعة لانها هى الدفع بطريق اللين والمسألة فنفى النصرة لا يستلزم نفى الشفاعة.

الطوسي

تفسير : وهذه أيضاً حكاية عن أولي الألباب الذين وصفهم بانهم أيضاً يقولون {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} أي من ناله عذاب النار وما فيها من الذل والمهانة فهو المخزى. وقال ابن جريج، وقتادة، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيب: الاخزاء يكون بالتأييد فيها. وقال جابر بن عبدالله: إن الخزي يكون بالدخول فيها. وروى عنه عمرو بن دينار وعطا أنه قال: وما أخزاه من أحرقه بالنار إن دون ذا لخزياً، وهذا هو الأقوى، لأن الخزي إنما هو هتك المخزى، وفضيحته، ومن عاقبه الله على ذنوبه،، فقد فضحه وذلك هو الخزي، ولا ينافي ذلك ما نذهب إليه من جواز العفو عن المذنبين، لأنه تعالى إذا عفا عن العاصي لا يكون أخزاه وان أدخله النار ثم أخرجه منها بعد استيفاء العقاب، فعلى قول من قال: الخزي يكون بالدوام لا يكون أخزاه، ومن قال يكون بنفس الدخول، له أن يقول: إن ذلك وإن كان خزياً، فليس مثل خزي الكفار، وما يفعل بهم من دوام العقاب، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: {أية : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} تفسير : وقوله: {وما للظالمين من أنصار} معناه ليس للظالمين من يدفع عنهم على وجه المغالبة والقهر، لأن الناصر هو الذي يدفع عن المنصور على وجه المغالبة ولا ينافي ذلك الشفاعة في أهل الكبائر لأن الشفاعة هي مسألة وخضوع وضرع إلى الله تعالى، وليست من النصرة في شيء وقوله (صلى الله عليه وسلم) "حديث : يخرجون من النار بعدما يصيرون حمماً وفحماً"تفسير : صريح بوقوع العفو عن مرتكبي الكبائر وتأول الرماني الخبر تأويلين: أحدهما - أنه لولا الشفاعة، لواقعوا كبيرة يستوجبون بها الدخول فيها، فيخرجون بالشفاعة على هذا الوجه، كما يقال أخرجتني من السلعة إذا كان لولا مشورته، لدخل فيها بابتياعه إياها. الثاني - لولا الشفاعة، لدخلوها بما معهم من الصغيرة ثم أخرجوا عنها إلى الجنة. والأول فاسد، لأنه مجاز. والثاني - ليس بمذهب لأحد من القائلين بالوعيد لأن الصغيرة تقع مكفرة لا عقاب عليها فكيف يدخل بها النار.

الجنابذي

تفسير : {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} اعترافاً بانّ ادخال النّار ليس الاّ بحكمة {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} وضعوا الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بانّ فعله تعالى ليس جزافاً وليس ادخال الدّاخلين فى النّار الاّ لظلمهم وذلك ايضاً سبب انتفاء النّصرة عنهم، ويجوز ان يكون هذه الجملة من كلام الله معترضة او معطوفة على قولهم ثمّ يستبصرون بمساوئهم الّلازمة لذواتهم من انانيّاتهم ولوازمها فيستظهرون بالايمان الّذى به يغفر الذّنوب ويستر ويذكرونه مقدّمة لسؤال المغفرة منادين لربّهم مستغيثين به.

الهواري

تفسير : قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أي: فقد أهنته {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} أي للمشركين {مِنْ أَنصَارٍ}. {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِْيمَانِ} يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم {أَنْ ءَامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}. {رَبَّنَا} أي يا ربنا {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ}. قال الحسن: أمرهم الله أن يدعوا بتكفير ما مضى من الذنوب والسيئات والعصمة فيما بقي.

اطفيش

تفسير : {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}: فلا تخزنا بإدخال النار، والخزى: الفضيحة المخجلة الهادمة لقدر المرء، وكل ما كان كذلك فهو خزى، وإيقاعه إخزاء، فكان من جاب قولهم: "من أدرك مرعى الضمان فقد أدرك" أى أدرك المرعى العظيم، والضمان: جبل كثير المرعى فكان المعنى: فقد أخزيته غاية الإخزاء، والله تبارك وتعالى وعز وجل عالم بأنه من أدخله هو النار فقد أخزاه، وعالم بأنهم عالمون بذلك فلا يفيدونه بذلك الكلام شيئاً، فالمقصود الدعاء بالتنجية من الإخزاء والتأثر بهوله، وهذه الآية تدل على عظم العذاب اللاحق بالقلب، بنحو الذل والفضيحة من عذابه اللاحق له باصابة جسد صاحبه، بل على أنه أعظم لأنهم اشتكوا به خصوصاً من جملة عذاب النار المفروض وقوعه بعد ذكر وقوعه. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ}: أى للمشركين إن الشرك لظلم عظيم ولكل مصر لأنه ظالم لنفسه أو لها ولغيره. {مِنْ أَنْصَارٍ}: يدفعون عنهم النار، فالآية دلت على أن من دخل النار لا يخرج منها بشفاعة ولا بغيرها، إذ المعنى: لا ينصرهم الله ولا غيره، فإن النصر ولو كان دفعاً بقهر، والشفاعة توصل بلين، لكن لو كان يشفع صلى الله عليه وسلم للمصر فيخرجهم منها لكان دفعاً لملائكة النار عنهم بقهر لأنهم إذا عملوا بتشفيع الله إياه، أذعنوا وقد كانوا من قبل حريصين على تعذيبهم، ويجوز أن يكون الظالمين فى موضع المضمر، أى وما لهم، أى لمن تدخل النار، روعى لفظه من {ما} فرد الهاء، ومعناه، وجمع الظالم وحكمة وضع {الظالمين} موضع الضمير الإشعار بأن الظلم علة عدم النصر عزا فلا ناصر لهم من دخولها، ولا ناصر لهم يخرجهم.

اطفيش

تفسير : {رَّبَّنَآ إنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} لا يخفى أن داخل النار مخزى فلا فائدة فيه بسحب الظاهر، فالمراد أنخ يلحقه الذل زيادة على العذاب، أو أخزيته غاية الإخزاء، والإخزاء،وهو الإهانة والتخجيل،عذاب روحى اجتمع مع عذاب الجسم بالنار، والعذاب الروحى أشد من الجسمى، كما دلت له الآية، إذ تعرضت له دون الجسمى، أو الخزى بمعنى النكال، وليس كل من يدخلها يعذب فالملائكة لا يعذبون فيها، وأظهر النار ولم يضمر لها للتهويل {وَمَا لِلظَالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} ما لمطلقى الظالمين أو لهؤلاء المدخلين النار المخزين من أنصار، وعبر بالظالمين لا بقوله ما لهم مراعاة لمعنى من، أو ماله مراعاة للفظها، ليفيد أن ظلمهم سبب انتفاء النجاة، ولولا ظلمهم لنصرهم الله على العذاب، فلا ينالهم ولشفع لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصرهم على العذاب، فلا يخرج منها الفاسق كما لا يخرج منها المشرك لإطلاق الآية أنه لا ناصر لهم بأن لا يدخلوها، ولا بأن يخرجوا منها، والشفاعة نوع من النصر، فإنه إما بالقهر وإما باللين، وهو الشفاعة، وهذا إلى قوله من بعض للرجال والنساء، وقوله: فالذين هاجروا للرجال لقوله: وقاتلوا وقتلوا، إلا أن يراد التوزيع فيكون أيضاً الذين هاجروا فى سبيلى للرجال والنساء وقوله: وقاتلوا وقتلوا للرجال، فالآية حكم على المجموع.

الالوسي

تفسير : {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } مبالغة في استدعاء الوقاية من النار وبيان لسببه، وصدرت الجملة بالنداء مبالغة في التضرع إلى معود الاحسان كما يشعر به لفظ الرب، وعن ابن عباس أنه كان يقول: اسم الله تعالى الأكبر رب رب، والتأكيد بأن الإظهار كمال اليقين بمضمون الجملة، والإيذان بشدّة الخوف ووضع الظاهر موضع الضمير للتهويل، وذكر الإدخال في موارد العذاب لتعيين كيفيته وتبيين غاية فظاعته والإخزاء ـ كما قال الواحدي ـ جاء لمعان متقاربة فعن الزجاج يقال: أخزى الله تعالى العدو أي أبعده، وقيل: أهانه، وقيل: فضحه، وقيل: أهلكه، ونقل هذا عن المفضل، وقيل: أحله محلاً وأوقفه موقفاً يستحى منه. وقال ابن الأنباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو بانقطاع حجة أو بوقوع في بلاء؛ والمراد فقد أخزيته خزياً لا غاية وراءه، ومن القواعد المقررة أنه إذا جعل الجزاء أمراً ظاهر اللزوم للشرط سواء كان اللزوم بالعموم والخصوص كما في قولهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك، أو بالاستلزام كما في هذه الآية يحمل على أعظم أفراده وأخصها لتربية الفائدة، ولهذا قيد الخزي بما قيد. واحتج حكماء الإسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أقوى من العذاب الجسماني وذلك لأنه رتب فيها العذاب الروحاني وهو الإخزاء بناءاً على أنه الإهانة والتخجيل على الجسماني الذي هو إدخال النار، وجعل الثاني شرطاً والأول جزاءاً، والمراد من الجملة الشرطية الجزاء والشرط قيد له فيشعر بأنه أقوى وأفظع وإلا لعكس ـ كما قال الإمام الرازي ـ وأيضاً المفهوم من قوله تعالى: {أية : فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } تفسير : [آل عمران: 191] طلب الوقاية منه، وقوله سبحانه: {رَبَّنَا } الخ دليل عليه فكأنه طلب الوقاية من المذكور لترتب الخزي عليه فيدل على أنه غاية يخاف منه ـ كما قاله بعض المحققين ـ واحتج بها المعتزلة على أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن لأنه إذا أدخله الله تعالى النار فقد أخزاه والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ }تفسير : [التحريم: 8]، وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن مع النبـي صلى الله عليه وسلم مخزياً أن لا يكون غيره وهو مؤمن كذلك، وأيضاً الآية ليست عامة لقوله تعالى: {أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } تفسير : [مريم: 71-72] فتحمل على من أدخل النار للخلود وهم الكفار، وهو المروي عن أنس وسعيد بن المسيب وقتادة وابن جريج. وأيضاً يمكن أن يقال: إن كل من يدخلها مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبة أهل الكبائر منهم الخروج، وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى }تفسير : [التحريم: 8] الخ نفي الخزي فيه على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهو نفس الخزي المخلد، وأيضاً يحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين التخجيل والإهلاك والمثبت هو الأول والمنفي هو الثاني، وحينئذ لا يلزم التنافي. واحتجت المرجئة بها على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى}تفسير : [البقرة: 178] وقوله سبحانه: {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ }تفسير : [الحجرات: 9] والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ }تفسير : [التحريم: 8] الخ والمدخل في النار مخزي لهذه الآية، وأجيب بمنع المقدمات بأسرها / أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمناً وإن كان قبل مؤمناً، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئية الموضوع كما تقرر آنفاً. {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } أي ليس لكل منهم ناصر ينصره ويخلصه مما هو فيه، والجملة تذييل لإظهار فظاعة حالهم، وفيه تأكيد للاستدعاء ووضع الظالمين موضع ضمير المدخلين لذمهم والإشعار بتعليل دخولهم النار بظلمهم، وتمسكت المعتزلة بنفي الأنصار على نفي الشفاعة لسائر المدخلين، وأجيب بأن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله تعالى: {أية : وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}تفسير : [البقرة: 254]، وقيل: نفي الناصر لا يمنع نفي الشفيع لأن النصر دفع بقوة والشفاعة تخليص بخضوع وتضرع وله وجه، والقول بأن العرف لا يساعده غير متجه. وقال في «الكشف»: الظاهر من الآية أن من دخل النار لا ناصر له من دخولها أما إنه لا ناصر له من الخروج بعد الدخول فلا، وذلك لأنه عام في نفي الافراد مهمل بحسب الأوقات، والظاهر التقييد بما يطلب النصر أولا لأجله كمن أخذ يعاقب فقلت: ما له من ناصر لم يفهم منه أن العقاب لا ينتهي بنفسه وأنه بعد العقاب لم يشفع بل فهم منه لم يمنعه أحد مما حل به، ثم إن سلم التساوي لم يدل على النفي، وأجاب غير واحد على تقدير عموم الظالم وعدم الفرق بين النصر والشفاعة بأن الأدلة الدالة على الشفاعة ـ وهي أكثر من أن تحصى ـ مخصصة للعموم، وقد تقدم ما ينفعك هنا.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلظَّالِمِينَ} (192) - ثُمَّ يُتَابِعُونَ دُعَاءَهُمْ وَرَجَاءَهُمْ لِرَبِّهِمْ قََائِلِينَ: رَبَّنَا إنَّكَ مَنْ تُدْخِلَهُ النَّارَ فَقَدْ أَهَنْتَهُ وَأَذْلَلْتَهُ، وَأَظْهَرْتَ خِزْيَهُ لأِهْلِ الجَمْعِ يَوْمَ القِيَامَةَ، وَالظَّالِمُونَ لاَ يَجِدُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ يَنْصُرُهُمْ مِنَ اللهِ. أخْزَيْتَهُ - أذْلَلْتَهُ وَأهَنْتَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنها العظمة، فهم لا يذكرون عذاب مَنْ يدخل النار، ولكنهم يذكرون خزي الله لمَنْ دخل النار. وكأن الخزي مرتبة أشر من عذاب النار، فمَنْ الذي أعطانا كل هذا الفضل، إنه - سبحانه - أعطانا توفيقاً لذكره، وتوفيقاً لنتفكر في خلق السماوات والأرض، فهل يصح أن نقابله بكفران النعمة؟ وما الذي يحدث بهؤلاء الذين يدخلون النار؟ إنه الخزي والعياذ بالله. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [آل عمران: 192] أي وليس لهم أنصار يمنعون عنهم عذاب النار. ومن بعد ذلك يقول الحق: {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي ...}.

الجيلاني

تفسير : {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} جعلته في مضيق الإمكان محبوسين، معذبين، مطرودين، فظلموا أنفسهم بالالتفات إلى غيرك {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} المستقرين، نفوسهم في ظلمة الإمكان {مِنْ أَنْصَارٍ} [آل عمران: 192] ينصرونهم ويخرجونهم منها، سوى من أبدت من عندك بأخراجهم من الأنبياء والأولياء، بعد توفيقك إيانا بإرسال الرسل. {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً} مشفقاً، هادياً، مرشداً؛ إذ هو {يُنَادِي} ويرشد {لِلإِيمَانِ} بتوحيدك قائلاً: {أَنْ آمِنُواْ} أيها التائهون في ظلمة الإمكان {بِرَبِّكُمْ} الذي رباكم بنور الوجود {فَآمَنَّا} فامتثلنا أمره يا {رَبَّنَا} فتحققنا بإرشاده في مرتبة اليقين العلمي بوحدة ذاتك، وبعد تحققننا فيها {فَٱغْفِرْ} استر {لَنَا ذُنُوبَنَا} أنانيتنا التي صرنا بها محرومين عن ساحة حضورك، حتى يتحقق بلطفك وتوفيقك في مرتبة اليقين العيني بمعاينة ذاتك {وَ} بعد تحققنا فيها {كَفِّرْ} طهِّر {عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} أوصافنا التي تُشعر بالاثنينية بالكلية، حتى نتحقق بفضلك وجودك في مرتبة اليقين الحقي {وَ} بعد ذلك {تَوَفَّنَا} في فضاء الفناء {مَعَ ٱلأَبْرَارِ} [آل عمران: 193] الفانين في الله، الباقين ببقائه. {رَبَّنَا} ثبتنا في مقام عبوديتك {وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ} لسان {رُسُلِكَ} من الكشوف والشهود وسائر ما جاءوا به، وأخبروا عنه {وَلاَ تُخْزِنَا} تحرمنا {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} حين لقيناك عما وعدتنا من شرف لقائك {إِنَّكَ} بلطفك وفضلك على عبادك {لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [آل عمران: 194] الذي وعدت من سعة رحمتك وجودك على عبادك.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن خبر أهل النار في تلك الدار بقوله تعالى: {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192]، إشارة في: {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ} [آل عمران: 192]؛ أي: من تدخله نار قهرك فقد أخزيته وأهلكته بالقهر وأضللته عن صراطك المستقيم، فيقع في نية الضلالة والغواية ويظلم نفسه بالشرك والطغيان، { وَمَا لِلظَّالِمِينَ } [آل عمران: 192] على أنفسهم بالخذلان، {مِنْ أَنْصَارٍ} [آل عمران: 192]، ينصرونهم ويخرجون من نار القهر، يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ}تفسير : [آل عمران: 160]. ثم أخبر عن شرائط العبودية في استجلاب فضل الربوبية بقوله تعالى: {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ} [آل عمران: 193]، إشارة في الآيات: {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا} [آل عمران: 193]؛ أي: من هاتف الحق في الغيب بالسمع الحقيقي، {مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ} [آل عمران: 193]، أي: ينادينا لأجل الإيمان، {أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ} [آل عمران: 193]، وهذا أمر حتم موافق للإرادة القديمة، {فَآمَنَّا} [آل عمران: 193]؛ يعني: بالإرادة القديمة وبإسماع الحق إيانا نداء منادي الحق آمناً، نظيره قوله تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ}تفسير : [الأنفال: 23]، {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 193]؛ يعني: يا ربنا كما أسمعتنا منادي الإيمان بفضلك ورحمتك، {وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} [آل عمران: 193] بإيماننا وطاعتنا في حال الحياة، { وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} [آل عمران: 193]؛ يعني: مع التوفيق بمعاملة الأبرار ومن جملتهم وطريقتهم الهداية؛ أي: ما أعددت لعبادك الصالحين "حديث : مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"تفسير : ، ومما قلت: "حديث : من تقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحبه كنت له سمعاً وبصراً ". تفسير : {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 194] بإظهار سوء أعمالنا، وعدم توفيق التوبة والاجتهاد في طلبك، {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [آل عمران: 194] الذي وعدتهم للعباد والمؤمنين، {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} [آل عمران: 195]؛ يعني: من كان هذا دأبه مع الله عاكفاً على بابه بصدق العبودية والإخلاص، وطلب ألطاف الربوبية، يستجيب لهم ربهم ما سئلوا، وذلك {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ} [آل عمران: 195]، بالظاهر والباطن في السر والعلانية {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} [آل عمران: 195]؛ يعني: على قدر همتكم وجدكم ورجوليتكم، وضعفكم في الأعمال والنيات أجازيكم، {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ} [آل عمران: 195]، عن الأوطان والأوطار والأعمال السيئة والأخلاق الذميمة، وجاهدوا بالأشباح والأرواح، {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} [آل عمران: 195]؛ يعني: هاجروا من معاملات الطبيعة تفرباً إلى الله تعالى، فأخرجوا من ديار الطبيعة إلى عالم الحقيقة، بسطوات تجلي صفات الربوبية تقرباً إلى العبد كقوله تعالى: "حديث : تقربت إليه ذراعاً"تفسير : ، {وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} [آل عمران: 195]؛ أي: في طلبي أوذي بالابتلاء وأنواع البلاء، {وَقَـٰتَلُواْ} [آل عمران: 195] مع النفس، {وَقُتِلُواْ} [آل عمران: 195] بسيف الصدق، {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [آل عمران: 195] وجودهم، {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ} [آل عمران: 195] الوصول، {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} [آل عمران: 195] أنهار العناية، {ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 195]؛ أي: كرامات من مقامات العندية الخاصية، {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} [آل عمران: 195]؛ أي: عنده حسن ثواب لا يكون عند الجنة وغيرها.

همام الصنعاني

تفسير : 494- عبد الرزاق، قال: أخبرني الثّوري عن رجل، عن ابن المسيّب في قوله تعالى: {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}: [الآية: 192]، قال: هذه خاصة لمن لا يخرج منها.