Verse. 486 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

رَبَّنَاۗ اِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُّنَادِيْ لِلْاِيْمَانِ اَنْ اٰمِنُوْا بِرَبِّكُمْ فَاٰمَنَّا۝۰ۤۖ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوْبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّاٰتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْاَبْرَارِ۝۱۹۳ۚ
Rabbana innana samiAAna munadiyan yunadee lileemani an aminoo birabbikum faamanna rabbana faighfir lana thunoobana wakaffir AAanna sayyiatina watawaffana maAAa alabrari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ربَّنا إننا سمعنا مناديا ينادي» يدعو الناس «للإيمان» أي إليه وهو محمد أو القرآن «أن» أي بأن «آمنوا بربكم فآمنا» به «ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر» حط «عنا سيئاتنا» فلا تظهرها بالعقاب عليها «وتوفَّنا» اقبض أرواحنا «مع» في جملة «الأبرار» الأنبياء الصالحين.

193

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في المنادي قولان: أحدهما: أنه محمد عليه الصلاة والسلام وهو قول الأكثرين، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ }تفسير : [النحل: 125] {أية : وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ } تفسير : [الأحزاب: 46] {أية : أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ } تفسير : [يوسف: 108] والثاني: أنه هو القرآن، قالوا إنه تعالى حكى عن مؤمني الانس ذلك كما حكى عن مؤمني الجن قوله: {أية : إنَّا سمعنا قرآناً عجباً يَهْدِى إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـئَامَنَّا بِهِ } تفسير : [الجن: 1، 2] قالوا: والدليل على أن تفسير الآية بهذا الوجه أولى لأنه ليس كل أحد لقي النبي صلى الله عليه وسلم، أما القرآن فكل أحد سمعه وفهمه، قالوا: وهذا وان كان مجازا إلا أنه مجاز متعارف، لأن القرآن لما كان مشتملا على الرشد، وكان كل من تأمله وصل به إلى الهدى إذا وفقه الله تعالى لذلك، فصار كأنه يدعو الى نفسه وينادي بما فيه من أنواع الدلائل، كما قيل في جهنم: {أية : تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [المعارج: 17] إذ كان مصيرهم اليها، والفصحاء والشعراء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ، ومرادهم منها دلالة تصاريف الزمان، قال الشاعر: شعر : يا واضع الميت في قبره خاطبك الدهر فلم تسمع تفسير : المسألة الثانية: في قوله: {يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } وجوه: الأول: ان اللام بمعنى «إلى» كقوله: {أية : ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }تفسير : [المجادلة: 8] {أية : ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } تفسير : [المجادلة: 3] {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا }تفسير : [الزلزلة: 5] {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا } تفسير : [الأعراف: 43] ويقال: دعاه لكذا والى كذا، وندبه له واليه، وناداه له وإليه، وهداه للطريق واليه، والسبب في إقامة كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى: أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص حاصلان جميعا. الثاني: قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير، أي سمعنا مناديا للايمان ينادي بأن آمنوا، كما يقال: جاءنا منادي الأمير ينادي بكذا وكذا. والثالث: أن هذه اللام لام الأجل والمعنى: سمعنا مناديا كان نداؤه ليؤمن الناس، أي كان المنادي ينادي لهذا الغرض، ألا تراه قال: {أن آمنوا بربكم} أي لتؤمن الناس، وهو كقوله: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 64]. المسألة الثالثة: قوله: {سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى } نظيره قولك: سمعت رجلا يقول كذا، وسمعت زيدا يتكلم، فيوقع الفعل على الرجل ويحذف المسموع، لأنك وصفته بما يسمع وجعلته حالا عنه فأغناك عن ذكره، ولأن الوصف أو الحال لم يكن بد منه، وأنه يقال: سمعت كلام فلان أو قوله. المسألة الرابعة: ههنا سؤال وهو أن يقال: ما الفائدة في الجمع بين المنادي وينادي؟ وجوابه: ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالايمان تفخيما لشأن المنادي، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان، ونظيره قولك: مررت بهاد يهدي للاسلام، وذلك لأن المنادي اذا أطلق ذهب الوهم الى مناد للحرب، أو لاطفاء النائرة، أو لاغاثة المكروب، أو الكفاية لبعض النوازل، وكذلك الهادي، وقد يطلق على من يهدي للطريق، ويهدي لسداد الرأي، فاذا قلت ينادي للايمان ويهدي للاسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته. المسألة الخامسة: قوله: {أن آمنوا} فيه حذف أو إضمار، والتقدير: آمنوا أو بأن آمنوا، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا بعد ذلك: {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أعلم أنهم طلبوا من الله تعالى في هذا الدعاء ثلاثة أشياء: أولها: غفران الذنوب، وثانيها: تكفير السيئات، وثالثها: أن تكون وفاتهم مع الأبرار. أما الغفران فهو الستر والتغطية، والتكفير أيضا هو التغطية، يقال: رجل مكفر بالسلاح، أي مغطى به، والكفر منه أيضا، وقال لبيد:شعر : في ليلة كفر النجوم ظلامها تفسير : اذا عرفت هذا: فالمغفرة والتكفير بحسب اللغة معناهما شيء واحد. أما المفسرون فذكروا فيه وجوها: أحدها: أن المراد بهما شيء واحد وإنما أعيد ذلك للتأكيد لأن الالحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب، وثانيها: المراد بالأول ما تقدم من الذنوب، وبالثاني المستأنف، وثالثها: أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة، ورابعها: أن يكون المراد بالاول ما أتى به الانسان مع العلم بكونه معصية وذنبا، وبالثاني: ما أتى به الانسان مع جهله بكونه معصية وذنبا. وأما قوله: {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ } ففيه بحثان: الأول: أن الأبرار جمع بر أو بار، كرب وأرباب، وصاحب وأصحاب، الثاني: ذكر القفال في تفسير هذه المعية وجهين: الأول: أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة، قد يقول الرجل أنا مع الشافعي في هذه المسألة، ويريد به كونه مساويا له في ذلك الاعتقاد، والثاني: يقال فلان في العطاء مع أصحاب الألوف، أي هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفا. والثالث: أن يكون المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار وأشياعهم، ومنه قوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ } تفسير : [النساء: 69]. المسألة الثانية: احتج أصحابنا على حصول العفو بدون التوبة بهذه الآية أعني قوله تعالى حكاية عنهم: {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} والاستدلال به من وجهين: الأول: أنهم طلبوا غفران الذنوب ولم يكن للتوبة فيه ذكر، فدل على أنهم طلبوا المغفرة مطلقا، ثم إن الله تعالى أجابهم إليه لأنه قال في آخر الآية: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ } تفسير : [آل عمران: 195] وهذا صريح في أنه تعالى قد يعفو عن الذنب وان لم توجد التوبة. والثاني: وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أخبروا عن أنفسهم بأنهم آمنوا، فعند هذا قالوا: فاغفر لنا ذنوبنا، والفاء في قوله: {فَٱغْفِرْ } فاء الجزاء وهذا يدل على أن مجرد الايمان سبب لحسن طلب المغفرة من الله، ثم إن الله تعالى أجابهم اليه بقوله: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ } فدلت هذه الآية على أن مجرد الايمان سبب لحصول الغفران، إما من الابتداء وهو بأن يعفو عنهم ولا يدخلهم النار أو بأن يدخلهم النار ويعذبهم مدة ثم يعفو عنهم ويخرجهم من النار، فثبت دلالة هذه الآية من هذين الوجهين على حصول العفو. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في حق أصحاب الكبائر مقبولة يوم القيامة، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن هؤلاء المؤمنين طلبوا من الله غفران الذنوب مطلقا من غير أن قيدوا ذلك بالتوبة، فأجاب الله قولهم وأعطاهم مطلوبهم فاذا قبل شفاعة المؤمنين في العفو عن الذنب، فلأن يقبل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيه كان أولى. النوع الرابع: من دعائهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَّبَّنآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى } يدعو الناس {لِلإِيمَٰنِ } أي إليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن {أَنْ} أي بأن {ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَئَامَنَّا } به {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ } نحطّ {عَنَّا سَيّئَاتِنَا } فلا تظهرها بالعقاب عليها {وَتَوَفَّنَا } اقبض أرواحنا {مَعَ } في جملة {ٱلأَبْرَار } الأنبياء والصالحين.

ابن عطية

تفسير : هذه الآيات حكاية عن أولي الألباب أنهم يقولون: {ربنا} قال أبو الدرداء: يرحم الله المؤمنين ما زالوا يقولون: "ربنا ربنا" حتى استجيب لهم، واختلف المتأولون في المنادي، فقال ابن جريج وابن زيد وغيرهما: المنادى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال محمد بن كعب القرظي: المنادي كتاب الله وليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم وسمعه، ولما كانت {ينادي} بمنزلة يدعو، حسن وصولها باللام بمعنى "إلى الإيمان"، وقوله: {أن آمنوا} "أن" مفسرة لا موضع لها من الإعراب، وغفران الذنوب وتكفير السيئات أمر قريب بعضه من بعض، لكنه كرر للتأكيد ولأنها مناح من الستر، وإزالة حكم الذنب بعد حصوله، و {الأبرار} جمع بر، أصله برر على وزن فعل، أدغمت الراء في الراء، وقيل: هو جمع بار كصاحب وأصحاب، والمعنى: توفنا معهم في كل أحكامهم وأفعالهم. وقوله: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} معناه: على ألسنة رسلك، وقرأ الأعمش "رسْلك" بسكون السين، وطلبوا من الله تعالى إنجاز الوعد، وهو تعالى من لا يجوز عليه خلفه من حيث في طلبه الرغبة أن يكونوا ممن يستحقه، فالطلبة والتخوف إنما هو في جهتهم لا في جهة الله تعالى لأن هذا الدعاء إنما هو في الدنيا، فمعنى قول المرء: اللهم أنجز لي وعدك، إنما معناه: اجعلني ممن يستحق إنجاز الوعد، وقيل: معنى دعائهم الاستعجال مع ثقتهم بأن الوعد منجز، وقال الطبري وغيره: معنى الآية ما وعدتنا على ألسنة رسلك من النصر على الأعداء فكأن الدعوة إنما هي في حكم الدنيا، وقولهم: {ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد}، إشارة إلى قوله تعالى: {أية : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} تفسير : [التحريم: 8] فهذا وعده تعالى وهو دال على أن الخزي إنما هو مع الخلود.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُنَادِيًا} النبي صلى الله عليه وسلم، أو القرآن، لأن كل الناس لم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم {لِلإِيمَانِ} إلى الإيمان {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا}تفسير : [الأعراف: 43] وقال: شعر : أوحى لها القرار فاستقرت وشدها بالراسيات الثبت

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان} قال ابن عباس وأكثر المفسرين المنادي هو محمد صلى الله عليه وسلم ويدل على صحة هذا قوله تعالى: {أية : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} تفسير : [النحل: 126] وقوله: {أية : وداعياً إلى الله بإذنه} تفسير : [الأَحزاب: 46] وقال محمد بن كعب القرظي المنادي هو القرآن قال إذ ليس كل أحد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ووجه هذا لقول أن كل أحد يسمع القرآن ويفهمه فإذا وفقه الله تعالى للإيمان به فقد فاز به. وذلك لأن القرآن مشتمل على الرشد والهدى وأنواع الدلائل الدالة على الوحدانية فصار كالداعي إليها واللام في للإيمان بمعنى إلى يعني ينادي إلى الإيمان {أن آمنوا بربكم فآمنا} أي فصدقنا {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} أي كبائر ذنوبنا {وكفر عنا سيئاتنا} أي صغائر ذنوبنا وقيل إن الغفر هو الستر والتغطية وكذلك التفكير فهماً بمعنى واحد وإنما ذكرهما للتأكيد لأن الإلحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب إليه وقيل معناه اغفر لنا ما تقدم من ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا في المستقبل وقيل يريد بالغفران ما يزول بالتوبة من الذنوب وبالتكفير ما يكفر بالطاعات من الذنوب {وتوفنا مع الأبرار} يعني في جملتهم وزمرتهم والأبرار هم الأنبياء والصالحون والمعنى توفنا على مثل أعمالهم حتى نكون في درجتهم يوم القيامة وقيل توفنا في جملة أتباعهم وأشياعهم {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} يعني على ألسنة رسلك وقيل معناه وآتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك. فإن قلت كيف سألوا الله إنجاز ما وعد الله لا يخلف المعياد. قلت معناه أنهم طلبوا من الله تعالى التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد. وقيل هو من باب اللجأ إلى الله تعالى والتذلل له وإظهار الخضوع والعبودية. كما أن الأنبياء عليهم السلام يستغفرون الله مع علمهم أنهم مغفور لهم يقصدون بذلك التذلل لربهم سبحانه وتعالى والتضرع إليه واللجأ إليه الذي هو سيما العبودية. وقيل معناه ربنا واجعلنا ممن يستحق ثوابك وتؤتيهم ما وعدتهم على ألسنة رسلك لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها. وقيل إنما سألوه تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء وقالوا قد علمنا أنك لا تخلف الميعاد ولكن لا صبر لنا على حلمك فعجل هلاكهم وانصرنا عليهم {ولا تخزنا يوم القيامة} يعني ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا في ذلك اليوم فإن قلت قوله وآتنا ما وعدتنا على رسلك يدل على طلب الثواب ومتى حصل الثواب اندفع العقاب لا محالة فما معنى قوله ولا تخزنا وهو طلب دفع العقاب عنهمم قلت المقصود من الآية طلب التوفيق على الطاعة والعصمة عن فعل المعصية كأنهم قالوا وفقنا للطاعات وإذا وفقنا لها فاعصمنا عن فعل ما يبطلها ويوقعنا في الخزي وهو الهلاك ويحتمل أن يكون قوله ولا تخزنا يوم القيامة سبباً لقوله تعالى: {أية : وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} تفسير : [الزمر: 47] فإنه ربما يظن الإنسان أنه على عمل صالح فإذا كان يوم القيامة ظهر أنه على غير ما يظن فيحصل الخجل والحسرة والندامة في موقف فسألوا الله تعالى أن يزيل ذلك عنهم فقالوا {ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد}. قوله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم} يعني أجاب دعاءهم وأعطاهم ما سألوه {أني} أي وقال لهم أني {لا أضيع عمل عامل منكم} يعني لا أحبط عملكم أيها المؤمنون بل أثيبكم عليه {من ذكر أو أثنى} يعني لا أضيع عمل عامل منكم ذكراً أو أنثى عن أم سلمة قالت قلت يا رسول الله ما أسمع الله تعالى ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله تعالى: {أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ـ إلى - والله عنده حسن الثواب} أخرجه الترمذي وغيره. وقوله تعالى: {بعضكم من بعض} يعني في الدين والنصرة والموالاة. وقيل كلكم من آدم وحواء وقيل بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية فهو كما يقال: فلان يعني على خلقي وسيرتي وقيل إن الرجال والنساء في الطاعة على شكل واحد {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي} يعني المهاجرين الذين هجروا أوطانهم وأهليهم وأذاهم المشركون بسبب إسلامهم ومتابعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا مهاجرين إلى الله ورسوله وتركوا أوطانهم وعشائرهم لله ورسوله ومعنى {في سبيلي} في طاعتي وديني وابتغاء مرضاتي وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة فهاجر طائفة إلى الحبشة وطائفة إلى المدينة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد هجرته فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة رجع إليه من كان هاجر إلى الحبشة من المسلمين {وقاتلوا وقتلوا} يعني وقاتلوا العدو واستشهدوا في جهاد الكفار {لأكفرن عنهم سيئاتهم} يعني لأمحون عنهم ذنوبهم ولأغفرنها لهم {ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله} يعني ذلك الذي أعطاهم من تكفير سيئاتهم وإدخالهم الجنة ثواباً من فضل الله وإحسانه إليهم {والله عنده حسن الثواب} وهذا تأكيد لكون ذلك الثواب الذي أعطاهم من فضله وكرمه لأنه جواد كريم روى ابن جرير الطبري بسنده عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن أول ثلة تدخل الجنة فقراء المهاجرين الذين يتقى بهم المكاره إذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض له حتى يموت وهي في صدره"تفسير : . فإن الله عز وجل يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي، ادخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ونقدس لك؛ من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب عز وجل: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل الملائكة عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. قال بعضهم في هذه الآية تعليم من الله تعالى لعباده كيف يدعى وكيف يبتهل إليه ويتضرع وتكرير ربنا من باب الابتهال وإعلام بما يوجب حسن الإجابة. وقال جعفر الصادق من حزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا نجّاه الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما أراد وقرأ هذه الآية وقال الحسن حكى الله عنهم أنهم قالوا خمس مرات ربنا ثم أخبر أنه استجاب لهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَـٰنِ...} الآية: حكايةٌ عن أولي الألباب، قال أبو الدرداء: يرحم اللَّه المؤمنينَ؛ ما زالُوا يقولُونَ: رَبَّنَا رَبَّنَا، حتَّى ٱستُجِيبَ لهم، قال ابنُ جُرَيْجٍ وغيره: المنادِي محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال محمَّد بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: المنادِي كتابُ اللَّهِ، وليس كلُّهم رَأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وسمعه، وقولهم: {مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ}، معناه: على أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، وقولهم: {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}: إشارةٌ إلَىٰ قوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} تفسير : [التحريم:8] فهذا وعده تعالَىٰ، وهو دالٌّ على أنَّ الخِزْيَ إنما هو مع الخلود. قال * ص *: قال أبو البقاء: المِيعَادُ مصدَرٌ بمعنى الوَعْد. انتهى.

ابن عادل

تفسير : "سمع" إن دخلت على ما يصح أن يُسْمَعَ - نحو: سمعتُ كلامكَ وقراءتك - تَعَدَّتْ لواحدٍ، فإن دخلت على ما يصح سماعهُ - بأنْ كان ذاتاً - فلا يصحُّ الاقتصارُ عليه وَحْدَه، بل لا بد من الدلالة على شيء يُسْمَع، نحو سمعتُ رجلاً يقول كذا، وسمعت زيداً يتكلم، وللنحويين - في هذه المسألة - قولانِ: أحدهما: أنها تتعدى فيه - أيضاً - إلى مفعولٍِ واحدٍ، والجملة الواقعة بعد المنصوب صفة إن كان قبلها نكرة، أو حالاً، إن كان معرفة. والثاني: - قول الفارسيِّ وجماعة -: أنها تتعدى لاثنين، والجملة في محلِّ الثاني منهما، فعلى قول الجمهورِ يكون "يُنَادِي" في محل نَصْبٍ، لأنهُ صفةٌ لمنصوبٍ قبلهُ، وعلى قول الفارسيِّ يكون في محل نَصْبٍ على أنه مفعولٌ ثانٍ. وقال الزمخشريُّ: "تقول: سمعت رجلاً يقولُ كذا، وسمعت زيداً يتكلمُ، فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالاً منه، فأغناك عن ذِكْره، ولولا الوصفُ أو الحالُ لم يكن منه بُدٌّ، وأن تقول: سمعتُ كلامَ فلانٍ أو قَوْلَهُ". وهذا قولُ الجمهورِ المتقدم ذِكره. إلا أن أبا حيّان اعترض عليه، فقال "وقوله: ولولا الوصفُ أو الحالُ... إلى آخره، ليس كذلك، بل لا يكونُ وَصْفٌ ولا حالٌ، ويدخل"سَمِعَ" على ذات على مسموع، وذلك إذا كان في الكلام ما يُشْعِر بالمسموع - وإن لم يكن وَصْفاً ولا حالاً - ومنه قوله تعالى: {أية : قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} تفسير : [الشعراء: 72] فأغنى ذكر ظرف الدعاء عن ذكر المسموع". وأجاز أبو البقاء في "يُنَادِي" أن تكون في محل نَصْبٍ على الحال من الضمير المستكن في "مُنَادِياً". فإن قيل: ما الفائدة في الجمع بين "مُنَادِياً" و "يُنَادِي"؟ فأجاب الزمخشريُّ بأنه ذَكَر النداء مطلقاً، ثم مقيَّداً بالإيمانِ، تفخيماً لشأن المُنَادِي؛ لأنه لا مناديَ أعظمُ من منادٍ ينادي للإيمان، ونحوه قولك: مررت بهادٍ يهدي للإسلام، وذلك أن المنادِيَ إذا أطلق ذهب الوَهم إلى منادٍ للحرب، أو لإطفاء الثائرة، أو لإغاثة المكروبِ، أو لكفاية بعض النوازلِ، أو لبعض المنافعِ وكذلكَ الهادي يُطلق على مَنْ يهدي للطريق، ويهدي لسدادِ الرأي، وغير ذلك فإذا قُلْتَ: ينادي للإيمان، ويهدي للإسلام فقد رَفَعْتَ من شأن المنادِي والهادي وفخّمته. وأجاب أبو البقاء بثلاثة أجوبةٍ: أحدها: التوكيد، نحو: قُم قَائِماً. الثاني: أنه وصل به ما حسَّن التكرير، وهو الإيمان. الثالث: أنه لو اقتصر على الاسم لجاز أن يكون "سَمِعَ" مقروناً بالنداء بذكر ما ليس بنداءٍ، فلمَّا قال: "يُنَادِي" محذوفٌ، أي: ينادي في الناس، ويجوز ألا يُرادَ مفعول، نحو: أمات وأحيا. ونادى ودعا يتعديان باللام تارةً، وبـ "إلى" أخرى، وكذلك نَدَبَ. قال الزمخشريُّ: وذلك أن معنى انتهاءِ الغايةِ ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً، فاللام في موضعها ولا حاجةَ إلى أن يقالَ: إنها بمعنى "إلى" ولا أنها بمعنى الباء، ولا أنها لام العلة - أي: لأجل الإيمان - كما ذهب إليه بعضهم ووجه المجاز فيه أنه لما كان مشتملاً على الرشد وكان كل مَنْ تأمَّلَه وَصَلَ به إلى الهدى - إذا وفَّقه الله لذلك - صار كأن يدعو إلى الهُدَى، وينادي بما فيه من أنواعِ الدلائلِ، كما قيل - في جهنم -: {أية : تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ} تفسير : [المعارج: 17] إذْ كان مصيرهم إليها. فصل اختلفوا في المراد بالمنادِي: فقال ابنُ مسعود، وابنُ عباسٍ، وأكثرُ المفسّرين: يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وقال القرطبيُّ: يعني القرآن؛ إذ ليس كلهم سَمِع رسول الله صلى الله عليه وسلم ودليلُ هذا القولِ ما أخبر اللَّهُ - تعالى - عن مؤمني الجِنِّ إذْ قالوا: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} تفسير : [الجن: 1- 2]. قوله: "أَنْ آمَنُوا" في "أنْ" قولان: أحدهما: أنها تفسيرية؛ لأنها وقعت بعد فعل بمعنى القول لا حروفه، وعلى هذا فلا موضع لها من الإعرابِ. ثانيهما: أنها مصدرية، وُصلت بفعل الأمرِ، وفي وَصْلِها به نظرٌ، من حيثُ إنها إذا انسبك منها وما بعدها مصدر تفوت الدلالة على الأمرية، واستدلوا على وَصْلِها بالأمر بقولهم: كتبت إليه بأنْ قُمْ فهي - هنا - مصدرية [ليس إلا، وإلا يلزم عدم تعلُّق حرف الجر، وإذا قيل بأنها مصدرية] فالأصل التعدي إليها بالباء، أي: بأن آمنوا، فيكون فيها المذهبانِ المشهورانِ - الجرُّ والنصبُ. قوله: "فآمَنَّا" عطف على ما "سَمِعْنَا" والعطف بالفاء مؤذن بتعجيل القبولِ وتسبب الإيمانِ على السَّماع من غير مُهْلَة، والمعنى: فآمنا بربنا. قوله: {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} اعلم أنهم قد طلبوا من اللَّه في هذا الدعاءِ ثلاثةَ أشياءٍ: أحدهَا: غفران الذنوب، والغفران: هو الستر والتغطية. ثانيها: التكفير، وهو التغطية - أيضاً - يقال: رجل مُكَفَّرٌ بالسِّلاح - أي: مُغَطَّى - ومنه الكُفْر - أيضاً - قال الشاعرُ: [الكامل] شعر : 1715-.................... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ ظَلاَمُهَا تفسير : فالمغفرة والتكفير - بحسب اللغة - معناهما شيء واحد، وأما المفسرون فقال بعضهم: المرادُ بهما شيءٌ واحدٌ، وإنما أعيد ذلك للتأكيد؛ لأن الإلحاحَ والمبالغة في الدعاء أمرٌ مطلوبٌ. وقيل: المرادُ بالأول ما تقدم من الذنوب، وبالثاني المستأنفُ. وقيل: المرادُ بالغُفْران ما يزول بالتوبة، وبالتكفير ما تكفرِّه الطاعةُ العظيمةُ. وقيل: المرادُ بالأولِ: ما أتى به الإنسانُ مع العلمِ بكونهِ معصية، وبالثاني ما أتى به مع الجَهْل. ثالثها: قوله: {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} أي: توفَّنا معدودين في صُحْبَتِهم، فيكون الظرفُ متعلِّقاً بما قَبْلهُ، وقيل: تُجُوِّزَ به عن الزمان ويجوز أن يكون حالاً من المفعول، فيتعلق بمحذوف. وأجازَ مَكِّيٌّ، وأبو البقاءِ: أن يكون صفة لموصوف محذوف، أي: أبراراً مع الأبرارِ، كقوله: [الوافر] شعر : 1716- كأنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنّ تفسير : أي: كأنك جمل من جمال. قال أبو البقاء: "[تقديره] أبراراً مع الأبرار، وأبراراً - على هذا - حالٌ". والأبرار يجوز أن يكونَ جمع بارّ - كصاحب وأصحاب، ويجوز أن يكون جمع بَرٍّ، بزنة: كَتِف وأكتاف، ورَبّ وأرْبَاب. قال القفّالُ: في تفسير هذه المعية وجهانِ: أحدهما: أن وفاتهم معهم: هي أن يموتوا على مثل أعمالهم، حتى يكونوا في درجاتهم يومَ القيامةِ، كما تقول: أنّا مع الشافعي في هذه المسألة، أي: مساوٍ له في ذلك الاعتقادِ. ثانيهما: أنّ المرادَ منه كونُهم في جُملة أتباع الأبرار، كقوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ} تفسير : [النساء: 69]. فصل احتجوا بهذه الآية على حصول العفو بدون التوبة من وجهين: الأول: أنهم طلبوا المغفرةَ مطلقاً، ثم أجابهم الله تعالى بقوله: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} تفسير : [آل عمران: 195] وهذا صريحٌ في أنه - تعالى - قد يغفرُ الذنبَ وإنْ لم توجد التوبةُ. الثاني: أنه - تعالى - حكى عنهم إخبارَهم بإيمانهم، ثم قالوا: {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} فأتى بفاء الجزاء وهذا يدلُّ على أنّ مجردَ الإيمان سبب لحسن طلب المغفرة من اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أجابَهُمْ بقوله: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} تفسير : [آل عمران: 195] فدلت هذه الآيةُ على أنَّ مجردَ الإيمانِ سببٌ لحصول الغُفْرانِ، إما ابتداء - بأن يعفوَ عنهم، ولا يُدخلَهم النار - أو بأن يُعَذِّبهم مدةً، ثم يعفوَ عنهم، ويُخْرِجَهم من النار. قوله تعالى: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} في هذا الجارّ ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنه متعلق بـ "وعدتنا". قال الزمخشريُّ: "على - هذه - صلة للوعد، كما في قولك: وعد اللَّه الْجَنَّةَ على الطَّاعَةِ، والمعنى: ما وعدتنا على تصديق رُسُلك". ثانيها: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من المفعولِ، وقدَّره الزمخشريُّ بقوله: ما وعدتنا مُنَزَّلاً على رسلك، أو محمولاً على رسلك؛ لأنَّ الرُّسُلَ مُحَمَّلون ذلك قال تعالى: {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} تفسير : [النور: 54]. وردَّ عليه أبو حيّان: بأنَّ الذي قدَّره محذوفاً كون مقيّد، وقد عُلِم من القواعد أنَّ الظرفَ والجارَّ إذا وقعَا حالَيْن، أو وَصْفَيْن، أو خَبَرَيْن، أو صِلَتَيْن تعلَّقاً بكون مطلق، والجار - هنا - وقع حالاً، فكيف يقدر متعلقه كوناً مقيَّداً، وهو منزَّل، أو محمول؟ ثالثها: - ذكره أبو البقاء - أن يتعلق "على" بـ "آتِنَا" وقدر مضافاً محذوفاً، فقال: على ألْسِنة رسُلك وهو حسن. وقرأ الأعمشُ: على رُسْلِكَ - بسكون السّينِ. فإن قيل: إن الخُلْف في وَعْد اللَّهِ - تعالى - محالٌ، فكيف طلبوا ما علموا أنه واقع لا محالة؟ فالجوابُ من وجوهٍ: الأول: أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعلِ، بل المقصود منه إظهارُ الخضوعِ والذَّلَّة والعبودية، وقد أمِرْنا بالدعاء بأشياء نقطع بوجودها لا محالة, كقوله: {أية : قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأنبياء: 112] وقوله: {أية : فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} تفسير : [غافر: 7]. الثاني: أنَّ وعدَ اللَّهِ لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم، بل بحسب أوصافهم، فإنه - تعالى - وعد المتقين بالثوابِ، ووعد الفُسَّاقَ بالعقاب، فقوله: {وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا} معناه: وفَّقْنا للأعمال التي نصير بها أهلاً لوعدك، واعصمْنا من الأعمال التي نصير بها أهلاً للعقابِ والخِزْي. الثالث: أن اللَّهَ - تَعَالَى - وعد المؤمنينَ بأن ينصُرَهُمْ في الدُّنُيَا على أعدائِهِم، فهُم طلبوا تعجيل ذلك. فصل دلَّت الآية على أنَّهُم إنَّمَا طلبوا منافعَ الآخرةِ بحُكْم الوعدِ لا بحُكْم الاستحقاق؛ لقولهم: {وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} ثم قالوا: {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} وهذا يدلُّ على أنَّ المقتضي لحصول منافع الآخرةِ هُوَ الوَعْدُ لا الاستحقاقُ. فإن قيلَ: متى حصل الثوابُ لزم اندفاعُ العقابِ لا محالةَ، فلما طلبوا الثَّوابَ بقولهم: {وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا} كيف طلبوا ترك العقاب بقولهم: {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} بل لو طلب ترك العقاب - أولاً - ثم طلب الثَّوابَ بعده لاستقام الكلامُ؟ فالجوابُ من وجهينِ: الأول: أن الثَّوابَ شرطه أن يكون منفعة مرونة بالتعظيم والسرور، فقوله: {وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا} المراد منه المنافعُ وقوله: {وَلاَ تُخْزِنَا} المرادُ منه التعظيمُ. الثاني: ما تقدم من أنّ المقصودَ طلب التوفيق إلى الطاعة، والعصمة عن المعصية، كأنه قيل: وفقنا للطاعات، وإذا وفقتنا فاعصمنا عما يبطلها، ويوقعنا في الخزي. وعلى هذا يحسن النظم. و "الميعاد" مصدر بمعنى الوَعْد. قوله: {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} فيه وجهان: الأول: أنه منصوب بـ {وَلاَ تُخْزِنَا}. والثَّاني: أنه أجاز أبو حيَّان أن يكونَ من باب الإعمالِ؛ إذ يصلح أن يكون منصوباً بـ {وَلاَ تُخْزِنَا} وبـ {وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا} إذا كان الموعود به الجنة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} [الآية: 193]. قال القاسم: الإيمانُ أنوار الحق إذا اشتملت على السريرة، وهو أن يغيب العبد تحت أنواره ويبدو له بحر الاختراق، فيغيبه عن وساوس الافتراق فيكون مصحوب الحق فى أوقاته لا يشعر بتسخيره ولا يعلم بحجابه، وإنما تحجب الكل بالكل وحجب كُلاً بكليته وقمع كلا بحده، لئلا يستوى علم أحدٍ مع علمه، وهذا هو صريح الإيمان. قال أبو بكر الوراق: للمؤمن أربع علامات: كلامه ذكر، وصمته تفكر، ونظره عبره، وعمله بِرّ. قال ابن عطاء: المؤمن واقف مع نفسه، ألا تراه يقول: {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} كيف أثبت أفعال نفسه ورجوعه إلى الإيمان ولم يعلم أنه مقدور ومدبرها ما هو فيه. قوله عز وجل: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً}. قال فارس رحمه الله: الحكمة فى إظهار الكون إظهار حقائق حكمته بالفعل الحكيمى. وقال غيره: الحكمة فى إظهار الكون ارتفاع العلة فإذا ارتفعت العلة ظهرت الحكمة. وقال إبراهيم الخواص: أمرهم بالتفكر فى خلق السماوات والأرض ثم قطعهم عن ذلك بقوله: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} دلهم عليها ثم حثهم على الرجوع إليه؛ لئلا يقفوا معها فينقطعون عن مشاهدته والإقبال عليه. قوله عز وجل: {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ}. قال: مع من رضيت ظاهرهم للخلق وباطنهم للحق عز وجل. وقال أبو عثمان رحمه الله: الأبرار هم الذين أسقطوا عن أنفسهم أشغال الدنيا واشتغلوا بما يقربهم إلى مولاهم. وقال: الأبرار هم القائمون لله تعالى على حد التفريد والتوحيد والتجريد. وقال سهل: هم المتمسكون بالسنة. وقال: الأبرار: الناظرون إلى الخلق بعين الحق.

القشيري

تفسير : يعني أَجَبْنَا الداعي ولكن أنت الهادي، فلا تَكِلْنَا إلينا، ولا ترفع ظلَّ عنايتك عَنَّا. والإيمان الدخول في مُوجِبات الأَمَان، وإنما يؤمِن بالحق من أَمَّنَه الحق، فأَمَانُ الحق للعبد - الذي هو إجارته - يوجِب إيمانَ العبدِ بالحق الذي هو تصديقه ومعرفته. {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ}: وهم المختصون بحقائق التوحيد، القائمون لله بشرائط التفريد، والواقفون مع الله بخصائص التجريد.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} اخبر الله سبحانه بهذه الآية عن احكام توحيد القائمين فى معهد الازل بنعت المشاهدة والفناء فى القدم بعد رجوعهم من الارواح الى الاشباح حيث سمعوا مناداة الحق وخطابه من لسان منادى الحق بشرط الوسائط بعد سماعهم خطابه صرفا اى اننا سمعنا مناداتك بلسان الوسيلة فامنا بشرط المشاهدة قبل مناداة الرسل حيث قلت الست بربكم قالوا بلى فى المشاهدة والحضور بلا حجاب وايضا اننا سمعنا بارواحنا واسرارنا منك فامنا بلك بغير علة فاتبعنا ظاهر او باطنا مناديك وصدقناه بما وجدنا حلاوة اليقين فى قلوبنا ومعنى الايمان تصديق الكل رؤية الكل واسبقة نظر الاسارر الى الانوار وقبول الظاهر بيقين الباطن والشروع فى العبودية بعد كشف الربوبية ومعانيه الغيب بالغيب قال القسام الايمان انوار الحق اذا اشتملت على السريرة وهو ان يغب العبد تحت انواره ويبدو له نجمل الاحتراق فيعيبه عن وساوس الافتراق فيكون مصحوب الحق فى اوقاته لا يشعر بتسخيره ولا يعلم يحيا به وانما حجب الكل بالكل وحجب كلا بكليته وقمع كلا بحده لئلا يستوى علم احد مع علمه فهذا هو صريح الايمان قوله تعالى {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} اى اغفر قصور معرفتنا بك فانه اعظم الذنوب حيث نطلب معرفة القدم بالحدث وكيف يكون مقارنة القديم بالمحدث وكفر عنا سيأتنا اى تجوز بكرمك عن كل خاطر يشير اى غيرك بعدما وجدنا حلاوة وصلتك توفنا مع الابرار اى توفنا مع الذين انعمت عليهم بكشف مشاهدتك لهم وايقاع محتلك فى قلوبهم واستشواقك من صميم اسرارهم الى جمالك واكتسابهم بكسوة رضى القديم حتى وقفوا معك بشرط الرضا فى كل بلائك وامتحانك قال الشيخ ابو عبد الرحمن مع من رضيت ظاهرهم للخلق وباطنهم لك وقيل الابرار هم القائمون على حد التفريد والتوحيد وقال سهل الابرار هم المتمسكون السنة وقال بعضهم الناظرون الى الخلق بعين الحق.

اسماعيل حقي

تفسير : {ربنا اننا سمعنا مناديا ينادى للايمان} اوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه والمراد به الرسول عليه السلام فانه ينادى ويدعو الى الايمان حقيقة قال تعالى {أية : ادع الى سبيل ربك} تفسير : [النحل: 125]. {ان آمنوا} اى آمنوا على انّ ان تفسيرية او بان آمنوا على انها مصدرية {بربكم} بمالككم ومتولى اموركم ومبلغكم الى الكمال {فآمنا} اى فامتثلنا بامره واجبنا نداءه {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} اى كبائرنا فان الايمان يجب ما قبله {وكفر عنا سيآتنا} اى صغائرنا فانها مكفرة عن مجتنب الكبائر {وتوفنا} اى اقبض ارواحنا {مع الابرار} اى مخصوصين بصحبتهم مغتنمين بجوارهم معدودين من زمرتهم فالمراد من المعية ليس المعية الزمانية لان ذلك محال ضرورة ان توفيهم انما هو على سبيل التعاقب بل المراد المعية فى الاتصاف بصفة الابرار حال التوفى. وفيه اشعار بانهم كانوا يحبون لقاء الله ومن احب لقاء الله احب الله لقاءه فمن جعل الله ممن آمن بداعى الايمان فقد اكرمه مع اوليائه فى الجنان فطوبى للذين يستمعون القول فيتبعون احسنه وطوبى لمن اتعظ بالموعظة الحسنة: قال الحافظ شعر : نصيحت كوش كن جانا كه ازجان دوست تردارند جوانان سعاد تمند بند بيردانارا تفسير : قال الشيخ السعدى شعر : بكوى آنجه دانى سخن سود مند وكر هيج كس را نيايد بسند كه فردا بشيمان بر آرد خروش كه اوخ جراحق نكردم بكوش تفسير : قال ابو عامر الواعظ بينما انا جالس بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ جاءنى غلام واعطانى رقعة فاذ فيها اسعدك الله يا اخى ابا عامر بلغنى قدومك واشتقت الى رؤيتك فذهبت مع الغلام فوصلنا الى بيت فى خربة له باب من جريد النخل واذا فيه شيخ مقعد مستقبل القبلة محزون من الخشية قد ذهبت عيناه من البكاء فسلمت عليه فرد على السلام فقال يا ابا عامر لم يزل قلبى الى استماع موعظتك مشتاقا وبى داء قد اعيى الواعظين علاجه فقلت ايها الشيخ ارم ببصر قلبك فى ملكوت السماء وتنقل بحقيقة ايمانك الى جنة المأوى تر ما اعد الله فيها للاولياء ثم انظر فى نار لظى تر ما اعد الله للاشقياء فشتان ما بين الدارين وليس الفريقان على السواء فلما سمع قولى انّ وصاح صيحة ثم قال والله لقد وقع دواؤك على الداء زدنى رحمك الله فقلت ان الله عالم بسريرتك فيطلع عليك عند استتارك ومبارزتك فلما سمع صاح صيحة اعظم من الاولى فخر ميتا فعند ذلك خرجت جارية عليها مدرعة وخمار من صوف قد ذهب السجود بجبهتها فقالت احسنت يا مداوى قلوب العارفين ان هذا الشيخ كان والدى وهو مبتلى بالسقم منذ عشرين سنة وكان يتمناك من الله ويقول حضرت مجلس ابى عامر فاحيى قلبى وطر عنى غفلتى وان سمعته ثانية قتلنى فجزاك الله خيرا ثم اكبت على والدها وجعلت تقبل بين عينيه وتبكى فقلت لها يا أيتها الباكية ان اباك نحبه قد مضى وورد دار الجزاء فان كان محسنا فله الزلفى فان كان مسيئا فوارد دار من اساء فصاحت ثم ماتت فبقيت حزينا عليهما فرأيتهما فى المنام فى احسن مقام عليهما حلتان خضراوتان فسألت عن حاليهما فقال الشيخ شعر : انت شريكى فى الذى نلته فقم وشاهد يا ابا عامر وكل من ايقظ ذا غفلة فنصف ما يعطاه للآمر تفسير : ثم قال قدمت على رب كريم غير غضبان فاسكننى الجنان وزوجنى من الحور الحسان فاحرص يا أبا عامر على كثرة الدعاء والاستغفار الى الله الملك الغفار وطلب المغفرة آناء الليل واطراف النهار من شيم الاخيار والابرار. واعلم ان من تنصح بكلمة فقد آمن بمنادى الحق على لسان عبده فنجا من نيرانه ووصل الى المغفرة والرحمة فى جنانه ـ روى ـ ان حدادا كان يمسك الحديد المحمى بيده فسئل عنه فقالت عشقت امرأة فراودتها وعرضت عليها مالا فقالت ان لى زوجا لا احتاج الى المال ثم مات زوجها فطلبت ان أتزوجها فامتنعت وقالت لا اريد اذلال اولادى ثم بعد زمان احتاجت فارسلت الى فقلت لا اعطيك شيأ حتى تعطينى مرادى فلما دخلت معها موضعا ارتعدت فقلت مالك فقالت اخاف الله السميع البصير فتركتها فقالت انجاك الله من النار فمن ذلك الوقت لا تحرقنى نار الدنيا وارجو من الله تعالى ان لا تحرقنى نار الآخرة فمن خشى الرحمن وذكر انه بمحضر من الله فهو لا يجترىء على الذنب والآثام فيسلم من عذاب النار ويتنعم فى دار السلام عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همّ فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب " .تفسير : واما الدعاء فهو مخ العبادة وينفع فى الدنيا فيدفع الآفات واما فى الآخرة فان الله يعطيه هدايا على ايدى الملائكة ويقول ان هذه فى مقابلة دعائك فى الدنيا شعر : از آستان حضرت حق سرجراكشم دولت درين سرا وكشايش درين درست تفسير : قال الحافظ شعر : هركه خواهد كوبيا وهرجه خواهد كوبكو كبروناز وحاجب ودربان درين دركاه نيست تفسير : حقق الله رجاءنا وقبل دعاءنا واعطانا ما هو خير لنا فى الدنيا والآخرة.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية أيضاً حكاية عمن تقدم وصفهم بأنهم أولوا الالباب وغير ذلك من الأوصاف التي مضت بأنهم يقولون: {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان} واختلفوا فيمن المنادي ها هنا، فقال محمد بن كعب القرظي وقتادة: هو القرآن. وقال ابن جريج وابن زيد: هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو الذي اختاره الجبائي، واختار الطبري الأول قال: لأنه ليس كل أحد سمع قول النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا رآه ولا عاينه وسمع دعاءه إلى الله تعالى. والقرآن سمعه من رآه ومن لم يره كما قال تعالى مخبراً عن الجن انهم قالوا: {سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد} وهذا الذي ذكره ليس بطعن، لأنه إذا بلغه دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) جاز أن يقول {سمعنا منادياً} وإن كان فيه ضرب من التجوز، وقال قتادة سمعوا دعوة من الله فأجابوها وأحسنوا فيها وصبروا عليها. وقوله: {سمعنا منادياً} يعني نداء مناد لأن المنادي لا يسمع وقوله: {للإيمان} معناه إلى الايمان، كما قال: {أية : الحمد لله الذي هدانا لهذا} تفسير : ومعناه إلى هذا قال الراجز: شعر : أوحى لها القرار فاستقرت وشدها بالراسيات الثبت تفسير : يعني أوحى إليها. ومنه قوله: {أية : بأن ربك أوحى لها} تفسير : أي إليها، فمعنى الآية {ربنا إننا سمعنا} داعياً يدعو إلى الايمان والتصديق بك، والاقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك واتباع أمره ونهيه، فصدقنا بذلك يا {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} ومعناه استرها علينا، ولا تفضحنا بها في القيامة على رؤوس الاشهاد بعقوبتك، لكن كفرها عنا {وكفر عنا سيئآتنا} معناه امحها بفضلك ورحمتك ايانا {وتوفنا مع الأبرار} معناه واقبضنا إليك إذا قبضتنا في جملة الابرار، واحشرنا معهم. اللغة، والمعنى: والابرار جمع بر، وهم الذين بروا الله بطاعتهم إياه حتى أرضوه، فرضي عنهم. وقال الحسن: هم الذين لا يؤذون الذر وأصل البر الاتساع، فالبر الواسع من الارض خلاف البحر والبرصلة الرحم والبر: العمل الصالح. والبر: الحنطة والابرار على الخصم الزيادة عليه. وابترّ من أصحابه إذا انفرد منهم. فان قيل: إذا كان النداء إنما هو تنبيه المنادى ليقبل بوجهه على المكلم له، فما معنى ربنا؟ قلنا: الأصل في النداء تنبيه المنادى ثم استعمل في استفتاح الدعاء اقتضاء للاجابة واعترافاً بالتفضل، ولا يجوز فتح (أن) بعد ربنا بايقاع النداء عليه، لأن بعده لا يكون إلا جملة ولا يقع فيه مفرد، لأنه لا يجوز ربنا ادخالك النار من أخزيته، لأنه ابتداء لا خبر له. فان قيل: ما معنى قوله: {وكفر عنا} وقد أغني عنه قوله: {فاغفر لنا} قلنا: جوابان: أحدهما - اغفر لنا ذنوبنا ابتداء بلا توبة، وكفر عنا إن تبنا. والثاني - اغفر لنا بالتوبة ذنوبنا، وكفر عنا باجتناب الكبائر السيئآت، لأن الغفران قد يكون ابتداء ومن سبب والتكفير لا يكون إلا عند فعل من العبد وقوله: {أن آمنوا} تحتمل ان أمرين: أحدهما - أن تكون بمعنى أي على ما ذكره الرماني. والثاني - أن تكون الناصبة للفعل، لأنه لا يقع في مثله دخول الباء نحو بأن آمنوا.

الجنابذي

تفسير : {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً} من وجودنا هو العقل الّذى يدعونا الى التّسليم والانقياد ومنادياً من خارج وجودنا هو نبىّ عصرنا وخليفته {يُنَادِي} عبادك {لِلإِيمَانِ} لاجل الايمان او الى الايمان {أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ} {فَـ} أجبناه و {آمَنَّا} بك والتجأنا اليك وحصّلنا مادّة الغفران الّتى هى الايمان {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} واستر علينا وعلى غيرنا آثامنا الّتى لها تبعات ومشاهدتها وتذكرتها تستتبع عقوبةً والماً {وَكَفِّرْ} اى ازل {عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} جمع السيّئة من ساء بمعنى قبح والفرق بين الذّنب والسيّئة بالشدّة والضّعف فانّ الذّنب هو السيّئة الّتى هى بنفسها توذى الانسانيّة ولها تبعة وعقوبة هى ايضاً تؤذى والسيّئة هى الذّنب الّذى هو بنفسه يؤذى الانسانيّة من دون تبعة له ولذلك نسب الغفران الى الذّنوب والتّكفير الّذى هو بمعنى الازالة الى السيّئات، ويستعمل كلّ فى كلّ {وَ} بعد غفران ذنوبنا وتكفير سيّئاتنا {تَوَفَّنَا} اى خذ بجميع فعليّاتنا {مَعَ ٱلأَبْرَارِ} ظرف مستقرّ حال عن المفعول او ظرف لغو متعلّق بتوفّنا، و{الابرار} جمع البرّ بمعنى المحسن الى الخلق مقابل المسيء اليهم، او بمعنى المحسن فى حاله وهو المراد هاهنا كما سيأتى الاشارة اليه، ثمّ التجأوا اليه بعد ما سألوه التّوفّى والافناء التّام ونادوه متضرّعين اليه وسألوه البقاء التّامّ بعد الفناء وقالوا: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا}.

اطفيش

تفسير : {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَانِ}: يقدر مضاف، أى سمعنا نداء مناد وهو صوته، أو سمعنا صوت مناد، أو كلام مناد، وذلك أنه إنما تسمع الأصوات لا جسم المتكلم، ولكن حذف ذلك تأكيدا حتى كان جسم الإنسان المنادى دخل أسماعهم، كما يدخلها الصوت، وجملة ينادى نعت لمنادياً، على قول مجيز نعت الوصف أو نعت لموصوف محذوف أو حال منه، أى: إنساناً منادياً ينادى للإيمان، وهذا الجملة تكون نعتاً لنكرة أو حال من معرفة أو من نكرة مسوغة بعد لفظ "س م ع" عند الجمهور. ومفعولا ثانياً عند الفارسى، وعليه فينادى مفعول لسمع، وأكد أمر المنادى بتنكيره، كأنه قيل: منادياً عظيماً، وبوصفه بجملة ينادى وبتقيده بالإيمان بعد إطلاق، وذلك أنه يتبادر من المنادى أنه المنادى للحرب وأنه لإطفاء نار أو إغاثة لهفان مثلا فى الجملة، فإذا قيد بالإيمان، فقد رفع شأنه والمنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه الذى يدعو الخلق حقيقة، قال الله جل وعلا له: {أية : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} تفسير : وقال: {أية : وداعياً إلى الله بإذنه}تفسير : وذلك قول الجمهور وابن عباس وابن وابن جريج وغيره، وقال محمد بن كعب القرظى: المنادى كتاب الله وليسوا كلهم رأوا النبى صلى الله عليه وسلم وسمعوه وإسناد النداء إلى القرآن ولو كان مجازاً، لكنه من المجاز المشهور المتعارف، فشملت الآية من ذلك صفته، ممن مضى أو يأتى وعدى النداء باللام لأنها دلت على الانتهاء والاختصاص فذلك فى معنى {إلى} فلا حاجة إلى أن يقال إن اللام مستعملة بمعنى {إلى} فلذا يتعدى النداء، والدعاء والعود والإيحاء والهداية باللام، وبالى وذل أنلك إذا قلت مثلا: دعوت الناس للخير، فكأنك قلت: دعوتهم ليتناوله، وإنما يتناول الشىء من انتهى إليه، ووصل إليه. {أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ}: أن حرف تفسير لتقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه، وهى ينادى أو مصدرية، على إجازة دخولها على الطلب، وعليه فتقدر الباء أى بأن آمنوا. {فَآمَنَّا رَبَّنَا}: أى فامتثلنا يا ربنا، قال أبو الدرداء، رحم الله المؤمنين، ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب لهم، وكذا عن الحسن ولعله روى عنه: يجوز أن يكون قوله {ربنا} مسلطاً على قوله: {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ} لأن {ربنا} جملة إذ معناه: ادعوا ربنا، لإنشاء الدعاء، فيكون من تقديم جملة أصلها التأخير للابتهال باسم الله والتلذذ به، فقس على هذا، أو مسلطاً على محذوف، أى: افعل لنا ذلك فاغفر لنا وإذا سلط على {فاغفر} إلخ فقوله:{رَبَّنَا}.

اطفيش

تفسير : {رَّبَّنَآ إنْنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً} عظيما كما يفيده التنكير، أى نداء مناد، وهو الرسول، كقوله {أية : ادع إلى سبيل ربك} تفسير : [النحل: 125]، وقوله: {أية : وداعياً إلى الله} تفسير : [الأحزاب: 46]، ودعاؤه حقيقة، ومن لم يسمع من النبى فى زمانه أو بعده يصح له أن يقول سمعناه على المجاز، بوسائط الرواة إليه وشهرت نسبة الدعاء إليه ما لم تشتهر إلى القرآن وقيل القرآن لأنه كالناطق للفهم منه، وقد سماه صلى الله عليه وسلم ناطقا إذ قال حديث : تركت فيكم ناطقاً وصامتاًتفسير : ، وهو مستمر فى الزمان، قال بعض: شعر : تُنَادِيكَ أَجْدَاثٌ وَهُنَّ صُمُوتُ وَسُكَّانُهَا تَحْتَ التُّرَابِ سُكُوتُ تفسير : وقيل مطلق الداعى، فيشمل الرسول والصحابة وزاده تفخيما بإبهامه ثم تخصيصه بقوله {يُنَادِى لِلإيَمانِ} وجملة المسموع بعد ذكر القائل مفعول ثان عند الفارسى وحال مما يصح الحال منه، أو نعت لما لا يصح الحال منه عند الجمهور، وهنا نعت منادياً، ذكر النداء مطلقاً، وذكره مقيداً بالإيمان تفخيماً للمنادى ولا منادى اسم من منادى الإيمان، وبهذا القيد خرج عن التكرير، فإن النداء يكون للإيمان ولهم ما، واللام للاستحقاق أو الاختصاص، وقيل للتعليل، وقيل بمعنى الباء، وقيل بمعنى إلى {أنْ ءَامِنُوا بِرَبّكُمْ} بأن آمنوا، أو تفسير لينادى لا مصدرية على تقدير الباء لأن آمنوا طلب وهو يفوت بالمصدر وتقديره فى المصدر تكلف {فَأَمَنَّا} بربنا {رَبَّنَا} توكيد لقوله ربنا، أو يقدر تقبل إيماننا ربنا، قال ابن عباس رب اسم الله الأكبر {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} كبائرنا بتوفيقك إيانا إلى التوبة منها والتخلص من تبعاتها برد التباعات وأداء الكفارات، وهو مأخوذ من الذُّنوب، وهو الدلو الملآن، فناسب الكبائر وكذا إن قلنا من الذنب بمعنى الذيل، فهو فيما له عاقبة وتبعته {وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِئَاتِنَا} صغائرنا باجتناب الكبائر والتوبة من الكبائر، وهى من السوء بمعنى القبح، وهو دون الكفر أو أعم، وقيل الذنب ما مضى والسيئة ما يأتى، وقيل الذنب ما عمل على علم بأنه لا يجوز، والسيئة ماعمل على جهل، والقول باطل،إلا إن أريد به خصوص الآية وفى كل من الغفران والتكفير ستر، والدرع مغفر، لأنه سائر للبدن {وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ} حال كوننا عابدين عبادتهم صافين صفوهم، فنعد منهم، أو اجعلنا مثلهم ولو لم نصل رتبتهم فى ذلك، وذلك مع الفاصلة لم يقولوا وتوفنا أبراراً، والمفرد بر، كأرباب جمع رب، وليس المراد طلب الموت فى حينهم حتى يستحضر هنا، من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، بل طلبوا أن يكونوا حال الموت من الأبرار، يروى أن الأبرار يروا الآباء، والأولاد زيادة على أداء الواجبات والسنن، وأن الأبرار لا يضمرون الشر ولا يؤذون الذر.

الالوسي

تفسير : {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } على معنى القول أيضاً، وهو كما قال شيخ الإسلام: حكاية لدعاء آخر مبني على تأملهم في الدليل السمعي بعد حكاية دعائهم السابق المبني على تفكرهم في الأدلة القطعية، ولا يخفى أن ذلك التفكر مستدع في الجملة لهذا القول، وفي تصدير مقدمة الدعاء بالنداء إشارة إلى كمال توجههم إلى مولاهم وعدم غفلتهم عنه مع إظهار كمال الضراعة والابتهال إلى معوّد الإحسان والإفضال، وفي التأكيد إيذان بصدور ذلك عنهم بوفور الرغبة ومزيد العناية وكمال النشاط، والمراد بالمنادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس وابن جريج ـ واختاره الجبائي وغيره. وقيل: المراد به القرآن، وهو المحكي عن محمد بن كعب القرظي وقتادة، واختاره الطبري معللاً ذلك بأنه ليس يسمع كل واحد النبـي صلى الله عليه وسلم ولا يراه، والقرآن ظاهر باق على ممر الأيام والدهور يسمعه من أدرك عصر نزوله ومن لم يدرك، ولأهل القول الأول أن يقولوا: من بلغه بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته جاز له أن يقول: {سَمِعْنَا مُنَادِياً } وإن كان فيه ضرب من التجوز، وأيضاً المراد بالنداء الدعاء ونسبته إليه صلى الله عليه وسلم أشهر وأظهر، فقد قال تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ } تفسير : [النحل: 125] {أية : أَدْعُوْٰ إِلَىٰ ٱللَّهِ }تفسير : [يوسف: 108] {أية : وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [الأحزاب: 46] وهي إليه عليه الصلاة والسلام حقيقة، وإلى القرآن على حد قوله:شعر : (تناديك أجداث وهنَّ صموت) وسكانها تحت التراب سكوت تفسير : والتنوين في المنادى للتفخيم وإيثاره على الداعي للإشارة إلى كمال اعتنائه بشأن الدعوة وتبليغها إلى القريب والبعيد لما فيه من الإيذان برفع الصوت، وقد كان شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم في الخطب ذلك الرفع حقيقة، ففي الخبر حديث : كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكمتفسير : . ولما كان النداء مخصوصاً بما يؤدي له ومنتهياً إليه تعدى باللام وإلى تارة، وتارة فاللام في {لِلإِيمَانِ} على ظاهرها ولا حاجة إلى جعلها بمعنى إلى أو الباء، ولا إلى جعلها بمعنى العلة ـ كما ذهب إليه البعض ـ وجملة {يُنَادِى } في موضع المفعول الثاني ـ لسمع ـ على ما ذهب إليه الأخفش وكثير من النحاة من تعدى ـ سمع ـ هذه إلى مفعولين ولا حذف في الكلام؛ وذهب الجمهور إلى أنها لا تتعدى إلا إلى واحد، واختاره ابن الحاجب قال / في «أماليه»: وقد يتوهم أن السماع متعد إلى مفعولين من جهة المعنى والاستعمال، أما المعنى فلتوقفه على مسموع، وأما الاستعمال فلقولهم سمعت زيداً يقول ذلك وسمعته قائلاً، وقوله تعالى: {أية : هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ } تفسير : [الشعراء: 72] ولا وجه له لأنه يكفي في تعلقه المسموع دون المسموع منه، وإنما المسموع منه كالمشموم منه فكما أن الشم لا يتعدى إلا إلى واحد فكذلك السماع فهو مما حذف فيه المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه للعلم به ويذكر بعده حال تبينه ويقدر في {يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ } يسمعون أصواتكم انتهى، والزمخشري جعل المسموع صفة بعد النكرة وحالاً بعد المعرفة وهو الظاهر، وادعى بعض المحققين أن الأوفق بالمعنى فيما جعله حالاً أو وصفاً أن يجعل بدلاً بتأويل الفعل بالمصدر على ما يراه بعض النحاة لكنه قليل في الاستعمال فلذا أوثرت الوصفية أو الحالية. وزعم بعضهم أن السماع إذا وقع على غير الصوت فلا بدّ أن يذكر بعده فعل مضارع يدل على الصوت ولا يجوز غيره ـ وهو غير صحيح ـ لوقوع الظرف واسم الفاعل كما سمعته، وفي تعليق السماع بالذات مبالغة في تحقيقه، والإيذان بوقوعه بلا واسطة عند صدور المسموع عن المتكلم، وفي إطلاق المنادى أولاً حيث قال سبحانه: {مُنَادِياً } ولم يذكر ما دعى له، ثم قوله عز شأنه بعد: {يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } ما لا يخفى من التعظيم لشأن المنادى والمنادى له، ولو قيل من أول الأمر {مُنَادِياً لِلإِيمَـٰنِ } لم يكن بهذه المثابة، وحذف المفعول الصريح ـ لينادي ـ إيذاناً بالعموم أي ينادي كل واحد. {أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبّكُمْ } أي أن آمنوا به على أنّ {أَنَّ} تفسيرية، أو بأن آمنوا ـ على أنها مصدرية، وعلى الأول فآمنوا تفسير لينادي لأن نداءه عين قوله: {ءامَنُواْ } والتقدير ينادي للإيمان أي يقول: آمنوا وليس تفسيراً للإيمان كما توهم، وعلى الثاني يكون ـ بأن آمنوا ـ متعلقاً بـ {يُنَادِى } لأنه المنادى به وليس بدلاً من الإيمان ـ كما زعمه البعض ـ ومن المحققين من اقتصر على احتمال المصدرية لما أن كثيراً من النحاة يأبـى التفسيرية لما فيها من التكلف، ومن اختارها قال: إن المصدرية تستدعي التأويل بالمصدر وهو مفوّت لمعنى الطلب المقصود من الكلام. وأجيب بأنه يقدر الطلب في التأويل إذا كانت داخلة على الأمر وكذا يقدر ما يناسب الماضي والمستقبل إذا كانت داخلة عليهما، ولا ينبغي أن يجعل الحاصل من الكل بمجرد معنى المصدر لئلا يفوت المقصود من الأمر وأخويه، وفي التعرض لعنوان الربوبية إشارة إلى بعض الأدلة عليه سبحانه وتعالى ورمز إلى نعمته جل وعلا على المخاطبين ليذكروها فيسارعوا إلى امتثال الأمر، وفي إطلاق الإيمان ثم تقييده تفخيم لشأنه. {فَـئَامَنَّا } عطف على {سَمِعْنَا } والعطف بالفاء مؤذن بتعجيل القبول وتسبب الإيمان عن السماع من غير مهلة، والمعنى فآمنا بربنا لما دعينا إلى ذلك، قال أبو منصور: فيه دليل على بطلان الاستثناء في الأيمان ولا يخفى بعده {رَبَّنَا } تكرير ـ كما قيل ـ للتضرع وإظهار لكمال الخضوع وعرض للاعتراف بربوبيته تعالى مع الإيمان به {فَٱغْفِرْ لَنَا } مرتب على الإيمان به تعالى والإقرار بربوبيته كما تدل عليه الفاء أي فاسترلنا {ذُنُوبَنَا } أي كبائرنا {وَكَفّرْ عَنَّا سَيِّئَـاتِنَا } أي صغائرنا، وقيل: المراد من الذنوب ما تقدم من المعاصي، ومن السيئآت ما تأخر منها، وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية، والثاني ما أتى به من الجهل بذلك، والأول هو التفسير المؤثور عن ابن عباس. وأيد بأنه المناسب للغة لأن الذنب مأخوذ من الذنب بمعنى الذيل، فاستعمل فيما تستوخم عاقبته وهو الكبيرة لما يعقبها من الإثم العظيم، ولذلك تسمى تبعة اعتباراً بما يتبعها من العقاب كما صرح به الراغب، وأما السيئة فمن السوء وهو المستقبح ولذلك تقابل بالحسنة فتكون أخف، وتأييده بأن الغفران مختص بفعل الله تعالى / والتكفير قد يستعمل في فعل العبد ـ كما يقال: كفّـر عن يمينه ـ وهو يقتضي أن يكون الثاني أخف من الأول على تحمل ما فيه إنما يقتضي مجرد الأخفية. وأما كون الأول الكبائر والثاني الصغائر بالمعنى المراد فلا يجوز يراد بالأول والثاني ما ذكر في القول الثالث، فإن الأخفية وعدمها فيه مما لا سترة عليه كما لا يخفى، ثم المفهوم من كثير من عبارات اللغويين عدم الفرق بين الغفران والتكفير بل صرح بعضهم بأن معناهما واحد. وقيل: في التكفير معنى زائد وهو التغطية للأمن من الفضيحة، وقيل: إنه كثيراً ما يعتبر فيه معنى الإذهاب والإزالة ولهذا يعدى بعن والغفران ليس كذلك، وفي ذكر {لَنَا } و {عَنَّا } في الأية مع أنه لو قيل: فاغفر ذنوبنا وكفر سيئاتنا لأفاد المقصود إيماء إلى وفور الرغبة في هذين الأمرين، وادعى بعضهم أن الدعاء الأول متضمن للدعاء بتوفيق الله تعالى للتوبة لأنه السبب لمغفرة الكبائر وأن الدعاء الثاني متضمن لطلب التوفيق منه سبحانه للاجتناب عن الكبائر لأنه السبب لتكفير الصغائر، وأنت تعلم المغفرة غير مشروطة بالتوبة عند الأشاعرة. وأن بعضهم احتج بهذه الآية على ذلك حيث إنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب كذا قيل، وسيأتي تحقيق ما فيه فتدبر. {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ } أي مخصوصين بالانخراط في سلكهم والعدّ من زمرتهم ولا مجال لكون المعية زمانية إذ منهم من مات قبل، ومن يموت بَعْدُ، وفي طلبهم التوفي وإسنادهم له إلى الله تعالى إشعار بأنهم يحبون لقاء الله تعالى ومن أحب لقاء الله تعالى أحب الله تعالى لقاءه. والأبرار جمع برّ كأرباب جمع رب، وقيل: جمع بارّ كأصحاب جمع صاحب، وضعف بأن فاعلاً لا يجمع على أفعال، وأصحاب جمع صحب بالسكون، أو صحب بالكسر مخفف صاحب بحذف الألف. وبعض أهل العربية أثبته وجعله نادراً، ونكتة قولهم {مَعَ ٱلأَْبْرَارِ } دون أبراراً التذلل، وأن المراد لسنا بأبرار فاسلكنا معهم واجعلنا من أتباعهم، وفي «الكشف» إن في ذلك هضماً للنفس وحسن أدب مع إدماج مبالغة لأنه من باب ـ هو من العلماء ـ بدل عالم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 193- يا خالقنا والقائم على أمورنا، والحافظ لنا إننا سمعنا رسولك يدعو إلى الإيمان بك فأطعناه وآمنا به، ربنا اغفر لنا كبائر ذنوبنا وامح عنا صغائر سيئاتنا، واجعلنا بعد وفاتنا مع عبادك الأخيار. 194- يا خالقنا، والقائم على أمورنا، والحافظ لنا، أعطنا الذى وعدتنا على ألسنة رسلك من نصر وتأييد فى الدنيا، ولا تدخلنا النار فتخزنا - يوم القيامة - فشأنك ألا تخلف الميعاد. 195- فأجاب ربهم دعاءهم، مبيناً لهم أنه لا يضيع على عامل منهم ثواب عمله، سواء كان ذكراً أم أنثى، فالأنثى من الذكر، والذكر من الأنثى. فالذين هاجروا يريدون وجه الله وأخرجوا من ديارهم ونالهم الأذى فى سبيل الله وقاتلوا وتعرضوا للقتل، وقتل منهم من قتل، كتب الله على نفسه أنه سيمحو عنهم سيئاتهم، ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار جزاءً كريماً عالياً من عند الله، والله - وحده - عنده الثواب الحسن الجميل. 196- لا تتأثر - أيها النبى - بما ترى فيه الذين كفروا من تقلب فى النعيم والتصرف فى التجارة والمكاسب. 197- فإن ذلك متاع زائل، وكل زائل قليل، ثم يكون المأوى الذى ينتهون إليه جهنم، وبئس منزلا جهنم.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلإِيمَانِ} {آمِنُواْ} {فَآمَنَّا} (193) - وَبَعْدَ أنْ عَرَفُوا اللهَ حَقَّ المَعْرِفَةِ بِالذِّكْرِ وَالفِكْرِ، عَبَّرُوا عَنْ وُصُولِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ، وَاسْتِجَابَتِهِمْ لِدَعْوَتِهِ سِرَاعاً، فَقَالُوا: رَبَّنَا إنَّنَا سَمِعْنَا دَاعِياً يَدْعُو النَّاسَ إلى الإِيمَانِ بِكَ (وَهُوَ الرَّسُولُ)، وَيَقُولُ: آمِنُوا بِرَبِّكُمْ، فآمَنَّا مُسْتَجِيبِينَ لَهُ، رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَتَجاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِنَا، فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارَ الصَّالِحِينَ وَألْحِقْنَا بِهِمْ. الأبْرَارِ - المُحْسِنِينَ فِي عَمَلِهِمْ. مُنَادِياً - الرُّسُولَ أوِ القُرْآنَ. كَفِّرْ عَنَّا - أزِلْ عَنّا صَغَائِرَ ذُنُوبِنَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فكأن الإنسان بقلبه وفكره قبل أن يجيء له الرسول يجب أن يتنبه إلى ما في الكون من آيات، وعليه أن يستشرف أن وراء الكون قوة، ولكن هذه القوة مبهمة في ذهنه. ما هي؟ إنه يرى الكون العجيب فيقول لنفسه: من المستحيل أن يكون هذا الكون بلا خالق. إن وراءه قوة لها حكمة ولها قدرة. هذا قصارى ما يصل إليه العقل ولكن أيستطيع العقل أن يدرك أن القوة اسمها الله؟ أيستطيع العقل أن يدرك ماذا تطلب القوة منه؟ لا، إذن لابد من رسول يبلغ عن تلك القوة. ولذلك قلنا: إن تلك هي الزلة التي وقع فيها الفلاسفة؛ لأن الفلاسفة هم الذين بحثوا وراء المادة. ونحن نعلم أن العلم ينقسم إلى قسمين، قسم مادي قائم على التجربة، وقسم ميتافيزيقى يبحث فيما وراء المادة. وهذا العلم متاهة الفلاسفة، وهو المضلة التي لم تلتق فيها مدرسة بمدرسة، ولا تلميذ في مدرسة مع تلميذ آخر في مدرسة. لماذا لم يلتقوا؟ لأنهم يبحثون وراء المادة. وما وراء المادة غيب. والغيب لا يدخل المعمل. لكن المادة تدخل المعمل. والمعمل عندما يعطي نتائج تحليلات لا يجامل في هذه النتائج. فالذي يدخل التجربة العلمية في المعمل بنزاهة فالمعمل يعطيه. والذي يدخل بغير نزاهة لا تعطيه المعامل شيئاً. ولذلك نقول دائماً: إننا لا نجد في العلوم المادية فارقاً بين علم شيوعي روسي، وعلم أمريكي رأسمالي، فلا توجد كيمياء رأسمالية أو كيمياء شيوعية ولا توجد كهرباء روسية وأخرى أمريكية. إنها كيمياء واحدة، وكهرباء واحدة لأنها ابنة المعمل وبنت التجربة المادية. ومن العجيب الذي لا يفطن له الخلق المغرورون من هؤلاء أننا نجد العلم المادي ابن التجربة والمعمل والمادة الصماء التي لا تجامل يحاول كل معسكر أن يسرقه من غيره، ونجد الجواسيس يسافرون من معسكر إلى معسكر ليسرقوا تصميمات الطائرات والصواريخ. وأن بعضهم يتلصص على بعض حتى يعرفوا العلم المادي. لكن ماذا عن علم الأهواء والنظريات؟ إننا نجد أن كل طرف يقيم جداراً حتى لا يخترق علم الأهواء المجتمع. هم يقيمون الحواجز في الأهواء ولكن في العلم المادي يتحولون إلى لصوص. فلماذا لا يأخذون الأهواء مع العلم المادي؟ إن كل معسكر حريص على العداء مع مذاهب الغير في الحكم والاجتماع والاقتصاد. لكنهم في العلم المادي يسرق بعضهم بعضاً؛ لأن المذاهب النظرية تتبع الأهواء، لكن العلم المادي - كما قلنا - يتبع الحقيقة المعملية التي لا تجامل. إذن فساعة يفكر الإنسان بعقله لابد أن يقول: إن وراء خلق الكون قوة خارقة. وقد عرفها العربي بفطرته فقال: البعرة تدل على البعير والقدم تدل على المسير، أفلا يدل كل ذلك على اللطيف الخبير؟!! إنه دليل فطري، يدلك على وجود القوة، لكن ما اسم هذه القوة؟ لا نعرف. إذن فالأذن تستشرف إلى مَنْ يدلها على اسم هذه القوة. فإذا جاء واحد وقال: أنا مُرْسَلٌ من ناحية هذه القوة، وأنَّ اسمها الله، كان من المفروض أن تتهافت الناس عليه؛ لأنه سيحل لها اللغز الذي يشغلهم، لذلك فالمؤمنون يقولون: {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ..} [آل عمران: 193]. كأن ذهن كل واحد فيهم كان مشغولاً بضرورة التعرف على الخالق. وبعد ذلك يقولون: {أية : رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} تفسير : [آل عمران: 192]. فأول حاجة فكروا فيها هي درء المفسدة؛ لأن أفاضل الناس يتهمون أنفسهم بالتقصير دائماً؛ لذلك قالوا: {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ..} [آل عمران: 193]. وعندما ننظر إلى معطيات القرآن نجد أن "الذنب" شيء، و "السيئة" شيء آخر. فالذنب يحتاج إلى غفران، والسيئة تحتاج إلى تكفير، على سبيل المثال "كفارة اليمين" تكون واجبة إذا ما أقسم المؤمن يميناً وحنث فيه، وهذا التكفير هو المقابل للحنث في اليمين، أما الأشياء التي تتعلق بالمعصية بين العبد وربه فهي الذنب، والسيئة هي الأمر الذي يخالف منهج الله مع عباد الله. فحين تفعل المعصية في أمر بينك وبين الله فأنت لم تسيء إلى الله، فمَنْ أنت أيها الإنسان من منزلة الله؟ لكنك بالمعصية تذنب، والذنب تأتي بعده العقوبة. أما مخالفة منهج الله مع عباد الله فهي سيئة؛ لأنك بها تكون قد أسأت. لذلك فالمؤمنون قالوا: {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ..} [آل عمران: 193]. ومن الذي هداهم إلى معرفة أن هناك فرقاً بين الذنب والسيئة؟ وأن الذنب يحتاج إلى غفران، وأن السيئة تحتاج إلى تكفير؟ إنه الرسول صلى الله عليه وسلم حامل الرسالة من الله. هو الذي علمنا الفرق بين الذنب والسيئة. فقد كان جالساً بين أصحابه فأخذته سِنَةٌ من النوم، ثم استيقظ فضحك. فعن أنس رضي الله عنه قال: "حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذْ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر رضي الله عنه: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: رجلان جثيا من أمتي بين يدي رب العزة فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي. قال الله: أعط أخاك مظلمته. قال يا رب: لم يبق من حسناتي شيء، قال: يا رب يحمل عني من أوزاري. وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم قال: إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى أن يُتَحَمَّل عنهم من أوزارهم. فقال الله للطالب: ارفع بصرك فانظر في الجنان فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصوراً من ذهب مكللةً باللؤلؤ لأي نبي هذا؟ لأي صِدّيقٍ هذا؟ لأي شهيدٍ هذا؟ قال: هذا لمَنْ أعطى الثمن. قال: يا رب ومَنْ يملك ثمنه؟ قال: أنت. قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب قد عفوت عنه، قال: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يُصلح بين المؤمنين يوم القيامة ". تفسير : هذا هو معنى التكفير أي أن نتحمل؛ لذلك نقول في الدعاء كما عُلِّمْنَا: "اللهم ما كان لك منها فاغفره لي، وما كان لعبادك فتحمله عني". أي أن العبد يطلب أن يراضي الحق عباده من عنده، وما عنده لا ينفد أبداً. والعباد المؤمنون يقولون: {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} [آل عمران: 193]. أي اختم لنا سبحانك هذا الختام مع الأبرار. ومن بعد ذلك يأتي قوله تعالى حكاية عنهم: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا ...}.

الأندلسي

تفسير : {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا} سمع تعدت هنا إلى واحد: وينادى: صفة له. وإن آمنوا: تفسيره التقدير أي آمنوا، وقيل: مصدرية على تقدير إسقاط حرف الجر تقديره بأن آمنوا وعطف فآمنا بالفاء مؤذن بتعجيل القبول وتسبيب الإِيمان عن السماع من غير تراخ والمعنى فامنا بك أو بربنا. و{ٱلأَبْرَارِ} جمع بار أو جمع بر. {عَلَىٰ رُسُلِكَ} أي على ألسنة رسلك. وانظر إلى حسن مجاورة هؤلاء الذاكرين المتفكرين فإِنهم خاطبوا الله بلفظة ربنا وهي إشارة إلى أنه ربهم، وأصلحهم وهيأهم للعبادة، فأخبروا أولاً بنتيجة الفكر وهو قولهم: ربنا ما خلقت هذا باطلاً، ثم سألوه أن يقيهم النار بعد تنزيهه عن النقائص وأخبروا عن حال من يدخل النار وهم الظالمون الذين لا يذكرون الله ولا يتفكرون في مصنوعاته، ثم ذكروا أيضاً ما أنتج لهم التفكر من إجابة الداعي إلى الإِيمان إذ ذاك مترتب على أنه تعالى ما خلق هذا الخلق العجيب باطلاً، ثم سألوه غفران ذنوبهم ووفاتهم على الإِيمان الذي أخبروا به في قولهم: فآمنا، ثم سألوا الله الجنة وأن لا يفضحهم يوم القيامة وذلك هو غاية ما سألوه. وتكرر لفظ ربنا خمس مرات كل ذلك على سبيل الاستعطاف وتطلب رحمة الله بندائه بهذا الاسم الشريف الدال على التربية والملك والاصلاح ولذلك تكرر هذا الاسم في قصة آدم ونوح وغيرهما وفي تكرار ربنا ربنا دلالة على جواز الإِلحاح في المسألة واعتماد كثرة الطلب من الله سبحانه وتعالى. وفي الحديث ألظوا بيا ذا الجلال والإِكرام. وقال الحسن: ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم. {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} استجاب بمعنى أجاب تقدم الكلام عليه في البقرة عند قوله: {أية : فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} تفسير : [الآية: 186] ولما كان تقدم قولهم: ربنا ربنا، جاء هنا ربهم ولم يأت اسم غيره ليكون المدعو هو المستجيب لهم. {أَنِّي لاَ أُضِيعُ} أي باني لا أضيع. وقرىء بأني بالباء. وقرىء اني بكسر الهمزة على إضمار القول كأنه قائلاً: اني على مذهب البصريين أو على تضمين استجاب معنى قال على مذهب الكوفيين. وقرىء أضيع مضارع أضاع. وقرىء أضيّع مضارع ضيّع. ومنكم في موضع الصفة لعامل ومن ذكر بدل من الضمير بدل بعضٍ من كل. وقوله: أو أنثى معطوف عليه ولا يجوز أن يكون بدلاً تفصيلياً لوجود أوْ لأنه لا يعطف فيه إلاّ بالواو. وكقول الشاعر: شعر : وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت تفسير : فإِن جعلت أو بمعنى الواو جاز. {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} معناه تبيين شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله به عباده العاملين. {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} روى أن أم سلمة قالت: يا رسول الله قد ذكر الله الرجال في الهجرة ولم يذكر النساء في شيء من ذلك. فنزلت هذه الآية. والذين: مبتدأ خبره جملة القسم المحذوفة التي جوابها لأكفرن وفي هذا حجة على إبطال مذهب ثعلب في زعمه إن جملة القسم لا تكون خبراً للمبتدأ وبدأ أولاً بالخاص وهي الهجرة وهي أشق شيء على النفس إذ فيها مفارقة الوطن الذي نشأ فيه حيث لم يمكنه إقامة دين الله فهاجر إلى المكان الذي يمكن فيه ذلك وهي المدينة وثنى بما ينشأ عنه ما هو أعلم من الهجرة وهو الإِخراج من الديار وقد يخرج إلى الهجرة إلى المدينة أو إلى غيرها، كخروج من خرج إلى الحبشة، وكخروج أبي جندل إذ لم يترك يقيم بالمدينة. وأتى ثالثاً بذكر الاذاية وهي أعم من أن يكون بإِخراج من الديار أو غير ذلك من أنواع الأذى، وارتقى بعد هذه الأوصاف السنية الى رتبة جهاد من أخرجه ومقاومته واستشهاده في سبيل الله، فجمع بين رتب هذه الأعمال من تنغيص أحواله في الحياة لأجل دين الله بالمهاجرة وإخراجه من داره وإذايته في الله ومآله أخيراً إلى افنائه بالقتل في سبيل الله والظاهر الاخبار عمن جمع هذه الأوصاف كلها بالخبر الذي بعد ويجوز أن يكون ذلك من باب عطف الصلات والمعنى اختلاف الموصول لاتحاده فكأنه قيل: فالذين هاجروا، والذين أخرجوا، والذين أوذوا، والذين قاتلوا، والذين قوتلوا، ويكون الخبر عن كل من هؤلاء. وقرىء وقاتلوا مبنياً للفاعل وقتلوا مبنياً للمفعول. وقرىء بالعكس. {ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ} انتصب ثواباً على المصدر المؤكد وإن كان الثواب هو المثاب به كما كان العطاء هو المعطي واستعمل في بعض المواضع بمعنى المصدر الذي هو الإِعطاء فوضع ثواباً موضع إثابة أو موضع تثويباً لأن ما قبله في معنى لأثيبنهم ونظيره صنع الله ووعد الله. وفي قوله: من عند الله التفات وهو خروج من ضمير المتكلم إلى الاسم الغائب. {لاَ يَغُرَّنَّكَ} الخطاب للسامع والذين كفروا عام وتقلبهم في البلاد سعيهم فيها لكسب الأموال والجاه والرتب. وقرىء بتشديد النون وتخفيفها. {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} خبر مبتدأ محذوف أي ذلك متاع قليل أو مبتدأ محذوف الخبر تقديره متاع قليل تقلبهم وتصرفهم والمأوى مفعل يراد به المكان الذي يأوي إليه ويرجع يعني في الآخرة. والمخصوص بالذم محذوف تقديره وبئس المهاد جهنم. قيل: ونزلت هذه الآية في اليهود كانوا يضربون في الأرض فيصيبون الأموال: قاله ابن عباس. {لَهُمْ جَنَّاتٌ} قابل جهنم بالجنات وقابل قلة متاعهم بالخلود الذي هو الديمومة في النعيم، فوقعت لكن أحسن مواقعها لأنه آل معنى الجملتين إلى تعذيب الكفار وإلى تنعيم المتقين، فهي واقعة بين الضدين، النزل ما يعد للنازل من الضيافة والقرى. ويجوز تسكين زايه. وقرىء به وانتصب نزلاً على أنه حال من جنات وهي موصوفة بقوله: تجري وخيراً فعل تفضيل أي خير لهم مما كانوا فيه في الدنيا. وفي قوله: وما عند الله حوالة على ما أعد لهم في الآخرة. {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ} لما مات أصحمة النجاشي ملك الحبشة صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قائل يصلي على هذا العِلج النصرانيّ وهو في أرضه، فنزلت: قاله جابر وابن عباس. ومن أهل الكتاب عام فيمن آمن منهم كعبد الله بن سلام ومن آمن من نصارى بحران ونصارى الحبشة. {لَمَن} موصولة وهي اسم إنْ دخلت عليها اللام كما دخلت في قوله: إن لك لأجر أو حمل على لفظ في فأفرد الضمير في قوله: يؤمن، ثم حمل على المعنى فجمع في قوله: وما أنزل إليهم وفي خاشعين وما بعده. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} أمر أولاً بمطلق الصبر، ثم بخاصّ من الصبر وهو المصابرة على الجهاد في سبيل الله تعالى وقتال أعدائه ثم بالرباط وهو الإِقامة في الثغور رابطين الخيل مستعدين للغزو. وفي البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيهاتفسير : . وفي مسلم: حديث : رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه. وإن مات جرى عليه رزقه وأمن الفتانتفسير : . وفي سنن أبي داود قال: حديث : كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإِنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتاني القبرتفسير : . والله الموفق.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 173 : 37 : 23 - سفين عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي في قول الله {إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ} قال، المنادي الكتاب، يعني القرآن. [الآية 193].