Verse. 4789 (AR)

٥٣ - ٱلنَّجْم

53 - An-Najm (AR)

عَلَّمَہٗ شَدِيْدُ الْقُوٰى۝۵ۙ
AAallamahu shadeedu alquwa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«علمه» إياه ملك «شديد القوى».

5

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه وجهان أشهرهما عند المفسرين أن الضمير في {عِلْمِهِ } عائداً إلى الوحي أي الوحي علمه شديد القوى والوحي وإن كان هو الكتاب فظاهر وإن كان الإلهام فهو كقوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ } تفسير : [الشعراء: 193] والأولى أن يقال الضمير عائد إلى محمد صلى الله عليه وسلم تقديره علم محمد شديد القوى جبريل وحينئذ يكون عائداً إلى صاحبكم، تقديره علم صاحبكم وشديد القوى هو جبريل، أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة فيعلم ويعمل، وقوله {شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } فيه فوائد الأولى: أن مدح المعلم مدح المتعلم فلو قال علمه جبريل ولم يصفه ما كان يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة ظاهرة الثانية: هي أن فيه رداً عليهم حيث قالوا أساطير الأولين سمعها وقت سفره إلى الشام، فقال لم يعلمه أحد من الناس بل معلمه شديد القوى، والإنسان خلق ضعيفا وما أوتي من العلم إلا قليلاً الثالثة: فيه وثوق بقول جبريل عليه السلام فقوله تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } جمع ما يوجب الوثوق لأن قوة الإدراك شرط الوثوق بقول القائل لأنا إن ظننا بواحد فساد ذهن ثم نقل إلينا عن بعض الأكابر مسألة مشكلة لا نثق بقوله ونقول هو ما فهم ما قال، وكذلك قوة الحفظ حتى لا نقول أدركها لكن نسيها وكذلك قوة الأمانة حتى لا نقول حرفها وغيرها فقال: {شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } ليجمع هذه الشرائط فيصير كقوله تعالى: {أية : ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ } تفسير : [التكوير: 20] إلى أن قال: {أية : أَمِينٌ } تفسير : [التكوير: 21] الرابعة: في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وهي من حيث إن الله تعالى لم يكن مختصاً بمكان فنسبته إلى جبريل كنسبته إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإذا علم بواسطته يكون نقصاً عن درجته فقال ليس كذلك لأنه شديد القوى يثبت لمكالمتنا وأنت بعد ما استويت فتكون كموسى حيث خر فكأنه تعالى قد علمه بواسطة ثم علمه من غير واسطة كما قال تعالى: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } تفسير : [النساء: 113] وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أدبني ربي فأحسن تأديبي».

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه علمه الذي جاء به إلى الناس {شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} وهو جبريل عليه الصلاة والسلام؛ كما قال تعالى:{أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَـٰعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} تفسير : [التكوير: 19 ــــ 21] وقال ههنا: {ذُو مِرَّةٍ} أي ذو قوة، قاله مجاهد والحسن وابن زيد. وقال ابن عباس: ذو منظر حسن، وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. ولا منافاة بين القولين؛ فإنه عليه السلام ذو منظر حسن، وقوة شديدة. وقد ورد في الحديث الصحيح من رواية ابن عمر وأبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي» تفسير : وقوله تعالى: {فَٱسْتَوَىٰ} يعني: جبريل عليه السلام، قاله الحسن ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس { وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} يعني: جبريل استوى في الأفق الأعلى، قاله عكرمة وغير واحد. قال عكرمة: والأفق الأعلى: الذي يأتي منه الصبح. وقال مجاهد: هو مطلع الشمس. وقال قتادة: هو الذي يأتي منه النهار، وكذا قال ابن زيد وغيرهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا مصرف بن عمرو اليامي أبو القاسم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن طلحة بن مصرف، حدثني أبي عن الوليد هو ابن قيس، عن إسحاق بن أبي الكهتلة، أظنه ذكره عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين: أما واحدة، فإنه سأله أن يراه في صورته، فسد الأفق. وأما الثانية، فإنه كان معه حيث صعد، فذلك قوله: { وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ}. وقد قال ابن جرير ههنا قولاً لم أره لغيره، ولا حكاه هو عن أحد، وحاصله أنه ذهب إلى أن المعنى فاستوى أي: هذا الشديد القوي ذو المرة هو ومحمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى، أي استويا جميعاً بالأفق الأعلى، وذلك ليلة الإسراء، كذا قال، ولم يوافقه أحد على ذلك، ثم شرع يوجه ما قاله من حيث العربية، فقال: وهو كقوله: {أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً وَءَابَآؤُنَآ} فعطف بالآباء على المكنى في كنا، من غير إظهار نحن، فكذلك قوله: فاستوى وهو، قال: وذكر الفراء عن بعض العرب: أنه أنشده:شعر : أَلَمْ تَرَ أَنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عودُهُ ولا يَسْتَوي والخِرْوَعُ المُتَقَصِّفُ تفسير : وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك، فإن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء، بل قبلها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض، فهبط عليه جبريل عليه السلام، وتدلى إليه، فاقترب منه، وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، يعني: ليلة الإسراء، وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة، بعدما جاءه جبريل عليه السلام أول مرة، فأوحى الله إليه صدر سورة اقرأ، ثم فتر الوحي فترة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم فيها مراراً ليتردى من رؤوس الجبال، فكلما هم بذلك، ناداه جبريل من الهواء: يا محمد أنت رسول الله حقاً، وأنا جبريل، فيسكن لذلك جأشه، وتقر عينه، وكلما طال عليه الأمر، عاد لمثلها حتى تبدى له جبريل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح، في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، قد سد عظم خلقه الأفق، فاقترب منه، وأوحى إليه عن الله عز وجل ما أمره به، فعرف عند ذلك عظمة الملك الذي جاءه بالرسالة، وجلالة قدره، وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه. فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حيث قال: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا الحارث بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بينا أنا قاعد، إذ جاء جبريل عليه السلام، فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة فيها كوكري الطير، فقعد في أحدهما، وقعدت في الآخر، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب طرفي، ولو شئت أن أمس السماء لمسست، فالتفت إلي جبريل كأنه حَلس لاطٍ، فعرفت فضل علمه بالله علي. وفتح لي باب من أبواب السماء، ورأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرفة الدر والياقوت. وأوحى إلي ما شاء الله أن يوحي» تفسير : ثم قال البزار: لا يرويه إلا الحارث بن عبيد، وكان رجلاً مشهوراً من أهل البصرة. (قلت): الحارث ابن عبيد هذا هو أبو قدامة الأيادي، أخرج له مسلم في صحيحه، إلا أن ابن معين ضعفه، وقال: ليس هو بشيء، وقال الإمام أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال ابن حيان: كثر وهمه، فلا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، فهذا الحديث من غرائب رواياته، فإن فيه نكارة وغرابة ألفاظ، وسياقاً عجيباً، ولعله منام، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شريك عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله: أنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته، وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم. انفرد به أحمد. وقال أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش عن إدريس بن منبه عن وهب ابن منبه عن ابن عباس قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل أن يراه في صورته، فقال: ادع ربك، فدعا ربه عز وجل، فطلع عليه سواد من قبل المشرق، فجعل يرتفع وينتشر، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم صعق، فأتاه فنعشه، ومسح البزاق عن شدقه، تفرد به أحمد. وقد رواه ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب من طريق محمد بن إسحاق عن عثمان بن عروة بن الزبير عن أبيه عن هبار بن الأسود قال: كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام، فتجهزت معهما، فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقن إلى محمد، ولأُوذينَّه في ربه سبحانه وتعالى، فانطلق حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد هو يكفر بالذي دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك» تفسير : ثم انصرف عنه، فرجع إلى أبيه فقال: يا بني ما قلت له؟ فذكر له ما قاله، فقال: فما قال لك؟ قال: قال: «حديث : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك» تفسير : قال: يا بني والله ما آمن عليك دعاءه، فسرنا حتى نزلنا الشراة، وهي مأسدة، ونزلنا إلى صومعة راهب، فقال الراهب: يا معشر العرب ما أنزلكم هذه البلاد؟ فإنها يسرح الأسد فيها كما تسرح الغنم، فقال لنا أبو لهب: إنكم قدعرفتم كبر سني وحقي، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة، والله ما آمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة، وافرشوا لابني عليها، ثم افرشوا حولها، ففعلنا، فجاء الأسد فشم وجوهنا، فلما لم يجد ما يريد، تقبض فوثب وثبة فإذا هو فوق المتاع، فشم وجهه، ثم هزمه هزمةً ففسخ رأسه، فقال أبو لهب: قد عرفت أنه لا ينفلت عن دعوة محمد. وقوله تعالى: { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} أي: فاقترب جبريل إلى محمد لما هبط عليه إلى الأرض، حتى كان بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم قاب قوسين، أي: بقدرهما إذا مدا، قاله مجاهد وقتادة. وقد قيل: إن المراد بذلك بُعْد ما بين وتر القوس إلى كبدها. وقوله تعالى: {أَوْ أَدْنَىٰ} قد تقدم أن هذه الصيغة تستعمل في اللغة لإثبات المخبر عنه، ونفي ما زاد عليه؛ كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} تفسير : [البقرة: 74] أي: ما هي بألين من الحجارة، بل هي مثلها، أو تزيد عليها في الشدة والقسوة، وكذا قوله: {أية : يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} تفسير : [النساء: 77] وقوله: { أية : وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147] أي ليسوا أقل منها، بل هم مئة ألف حقيقة، أو يزيدون عليها. فهذا تحقيق للمخبر به، لا شك ولا تردد، فإن هذا ممتنع ههنا وهكذا هذه الآية: { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} وهذا الذي قلناه من أن هذا المقترب الداني الذي صار بينه وبين محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إنما هو جبريل عليه السلام، وهو قول أم المؤمنين عائشة وابن مسعود وأبي ذر وأبي هريرة، كما سنورد أحاديثهم قريباً إن شاء الله تعالى. وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس: أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين، فجعل هذه إحداهما، وجاء في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس في حديث الإسراء: ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، ولهذا قد تكلم كثير من الناس في متن هذه الرواية، وذكروا أشياء فيها من الغرابة، فإن صح، فهو محمول على وقت آخر، وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية؛ فإن هذه كانت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض لا ليلة الإسراء، ولهذا قال بعده: { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ } فهذه هي ليلة الإسراء، والأولى كانت في الأرض. وقد قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، حدثنا زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود في هذه الآية: { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت جبريل له ستمئة جناح»تفسير : وقال ابن وهب: حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أول شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى في منامه جبريل بأجياد، ثم إنه خرج ليقضي حاجته، فصرخ به جبريل: يا محمد يا محمد! فنظر رسول الله يميناً وشمالاً، فلم ير أحداً، ثلاثاً، ثم رفع بصره، فإذا هو ثاني إحدى رجليه مع الأخرى على أفق السماء، فقال: يا محمد جبريل يسكنه، فهرب النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل في الناس، فنظر فلم ير شيئاً، ثم خرج من الناس، ثم نظر فرآه، فدخل في الناس فلم ير شيئاً، ثم خرج فنظر فرآه، فذلك قول الله عز وجل {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} إلى قوله {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ} يعني: جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} ويقولون: القاب نصف أصبع، وقال بعضهم: ذراعين كان بينهما، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث ابن وهب به، وفي حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر شاهد لهذا. وروى البخاري عن طلق بن غنام عن زائدة عن الشيباني قال: سألت زراً عن قوله: { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } قال: حدثنا عبد الله: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح. وقال ابن جرير: حدثني ابن بزيع البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله: { مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلتا رفرف، قد ملأ ما بين السماء والأرض، فعلى ما ذكرناه يكون قوله: { فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} معناه: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى، أو فأوحى الله إلى عبده محمد ما أوحى بواسطة جبريل، وكلا المعنيين صحيح. وقد ذكر عن سعيد بن جبير في قوله: { فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} قال: أوحى الله إليه: {أية : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً} تفسير : [الضحى: 6] {أية : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} تفسير : [الشرح:4] وقال غيره: أوحى الله إليه: أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. وقوله تعالى: { مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَـٰرُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ } قال مسلم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية عن ابن عباس: { مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} قال: رآه بفؤاده مرتين، وكذا رواه سماك عن عكرمة عن ابن عباس مثله، وكذا قال أبو صالح والسدي وغيرهما: إنه رآه بفؤاده مرتين، وقد خالفه ابن مسعود وغيره. وفي رواية عنه: أنه أطلق الرؤية وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد، ومن روى عنه بالبصر، فقد أغرب؛ فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة رضي الله عنهم، وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة فيه نظر، والله أعلم. وقال الترمذي: حدثنا محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان، حدثنا يحيى بن كثير العنبري عن سلمة بن جعفر عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه، قلت: أليس الله يقول: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ}تفسير : [الأنعام: 103] قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين. ثم قال: حسن غريب. وقال أيضاً: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي قال: لقي ابن عباس كعباً بعرفة، فسأله عن شيء، فكبر حتى جاوبته الجبال، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم، فقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، وقال مسروق: دخلت على عائشة فقلت: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد تكلمت بشيء وقفّ له شعري، فقلت: رويداً، ثم قرأت: { لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} فقالت: أين يذهب بك؟ إنما هو جبريل، من أخبرك أن محمداً رأى ربه، أو كتم شيئاً مما أمر به، أو يعلم الخمس التي قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ} تفسير : [لقمان: 34] فقد أعظم على الله الفرية، ولكنه رأى جبريل، لم يره في صورته إلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد، وله ستمائة جناح قد سد الأفق. وقال النسائي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد عليهم الصلاة والسلام؟ وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل رأيت ربك؟ فقال: «حديث : نور أنى أراه»تفسير : ؟ وفي رواية: «حديث : رأيت نوراً» تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب قال: قالوا: يا رسول الله رأيت ربك؟ قال: «حديث : رأيته بفؤادي مرتين» تفسير : ثم قرأ: { مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} ورواه ابن جرير عن ابن حميد عن مهران عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قلنا: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: «حديث : لم أره بعيني، ورأيته بفؤادي مرتين» تفسير : ثم تلا: { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ}. ثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرني عباد بن منصور قال: سألت عكرمة عن قوله: { مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} فقال عكرمة: تريد أن أخبرك أنه قد رآه؟ قلت: نعم، قال: قد رآه، ثم قد رآه، قال: فسألت عنه الحسن، فقال: قد رأى جلاله وعظمته ورداءه. وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن مجاهد، حدثنا أبو عامر العقدي، أخبرنا أبو خلدة عن أبي العالية قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: «حديث : رأيت نهراً، ورأيت وراء النهر حجاباً، ورأيت وراء الحجاب نوراً لم أرَ غيره» تفسير : وذلك غريب جداً. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت ربي عز وجل» تفسير : فإنه حديث إسناده على شرط الصحيح، لكنه مختصر من حديث المنام؛ كما رواه الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أتاني ربي الليلة في أحسن صورة ــــ أحسبه يعني: في النوم ــــ فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي ــــ أو قال: نحري ــــ فعلمت ما في السموات وما في الأرض. ثم قال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: نعم، يختصمون في الكفارات والدرجات، قال: وما الكفارات؟ قال: قلت: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره، من فعل ذلك، عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: قل يا محمد إذا صليت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني إليك غير مفتون قال: والدرجات بذل الطعام وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام» تفسير : وقد تقدم في آخر سورة ص عن معاذ نحوه. وقد رواه ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس، وفيه سياق آخر، وزيادة غريبة، فقال: حدثني أحمد بن عيسى التميمي، حدثني سليمان بن عمر بن سيار، حدثني أبي عن سعيد بن زربي عن عمر بن سليمان، عن عطاء عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت ربي في أحسن صورة، فقال لي: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا يا رب فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السموات والأرض، فقلت: يا رب في الدرجات والكفارات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فقلت: يا رب إنك اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً، وفعلت وفعلت، فقال: ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ألم أفعل بك؟ ألم أفعل بك؟ قال: فأفضى إلي بأشياء لم يؤذن لي أن أحدثكموها، قال: فذاك قوله في كتابه: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ } فجعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي» تفسير : إسناده ضعيف. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر بسنده إلى هبار بن الأسود رضي الله عنه: أن عتبة بن أبي لهب لما خرج في تجارة إلى الشام، قال لأهل مكة: اعلموا أني كافر بالذي دنا فتدلى، فبلغ قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سلط الله عليه كلباً من كلابه. قال هبار: فكنت معهم، فنزلنا بأرض كثيرة الأسد، قال: فلقد رأيت الأسد جاء، فجعل يشم رؤوس القوم واحداً واحداً، حتى تخطى إلى عتبة، فاقتطع رأسه من بينهم. وذكر ابن إسحاق وغيره في السيرة: أن ذلك كان بأرض الزرقاء، وقيل: بالسراة، وأنه خالف ليلتئذ، وأنهم جعلوه بينهم، وناموا من حوله، فجاء الأسد فجعل يزأر، ثم تخطاهم إليه، فضغم رأسه لعنه الله. وقوله تعالى: { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ } هذه هي المرة الثانية التي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، وكانت ليلة الإسراء. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الإسراء بطرقها وألفاظها في أول سورة سبحان بما أغنى عن إعادته ههنا، وتقدم أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يثبت الرؤية ليلة الإسراء، ويستشهد بهذه الآية، وتابعه جماعة من السلف والخلف، وقد خالفه جماعات من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وغيرهم، وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه الآية: { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ } قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتثر من ريشه التهاويل من الدر والياقوت» تفسير : وهذا إسناد جيد قوي. وقال أحمد أيضاً: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عن عبد الله قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته، وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل من الدر والياقوت ما الله به عليم. إسناده حسن أيضاً. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين، حدثني عاصم بن بهدلة قال، سمعت شقيق بن سلمة يقول: سمعت ابن مسعود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت جبريل على سدرة المنتهى، وله ستمائة جناح» تفسير : سألت عاصماً عن الأجنحة، فأبى أن يخبرني، قال: فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق والمغرب، وهذا أيضاً إسناد جيد. وقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا حسين، حدثنا عاصم بن بهدلة حدثني شقيق بن سلمة قال: سمعت ابن مسعود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتاني جبريل عليه السلام في خضر معلق به الدر» تفسير : إسناده جيد أيضاً. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن إسماعيل، حدثنا عامر قال: أتى مسروق عائشة فقال: يا أم المؤمنين هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل؟ قالت: سبحان الله لقد قفّ شعري لما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمداً رأى ربه، فقد كذب، ثم قرأت: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ} تفسير : [الأنعام: 103] {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} تفسير : [الشورى: 51] ومن أخبرك أنه يعلم ما في غد، فقد كذب، ثم قرأت: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} تفسير : الآية [لقمان: 34]. ومن أخبرك أن محمداً قد كتم، فقد كذب، ثم قرأت: {أية : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} تفسير : [المائدة: 67] ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن الشعبي عن مسروق قال: كنت عند عائشة، فقلت: أليس الله يقول: {أية : وَلَقَدْ رَءَاهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} تفسير : [التكوير: 23] { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} فقالت: أنا أول هذه الأمة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: «حديث : إنما ذاك جبريل» تفسير : لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين، رآه منهبطاً من السماء إلى الأرض ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض، أخرجاه في الصحيحين من حديث الشعبي به. [رواية أبي ذر] قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام: حدثنا قتادة عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته، قال: وما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأى ربه عز وجل؟ فقال: إني قد سألته، فقال: «حديث : قد رأيته نوراً، أنى أراه»تفسير : هكذا وقع في رواية الإمام أحمد. وقد أخرجه مسلم من طريقين بلفظين فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: «حديث : نور أنى أراه»تفسير : . وقال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته، فقال: عن أي شيء تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألته فقال: «حديث : رأيت نوراً» تفسير : وقد حكى الخلال في علله: أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث فقال: مازلت منكراً له، وما أدري ما وجهه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عون الواسطي، أخبرنا هشيم عن منصور عن الحكم عن إبراهيم عن أبيه عن أبي ذر قال: رآه بقلبه، ولم يره بعينه، وحاول ابن خزيمة أن يدعي انقطاعه بين عبد الله بن شقيق وبين أبي ذر، وأما ابن الجوزي، فتأوله على أن أبا ذر لعله سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء، فأجابه بما أجابه به، ولو سأله بعد الإسراء، لأجابه بالإثبات، وهذا ضعيف جداً، فإن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قد سألت عن ذلك بعد الإسراء، ولم يثبت لها الرؤية، ومن قال: إنه خاطبها على قدر عقلها، أو حاول تخطئتها فيما ذهبت إليه؛ كابن خزيمة في كتاب التوحيد، فإنه هو المخطىء، والله أعلم. وقال النسائي: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشام عن منصور عن الحكم عن يزيد بن شريك عن أبي ذر قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه، ولم يره ببصره. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن علي بن مسهر، عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه قال في قوله تعالى: { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} قال: رأى جبريل عليه السلام. وقال مجاهد في قوله: { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته مرتين، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس وغيرهم. وقوله تعالى: { إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} قد تقدم في أحاديث الإسراء: أنه غشيتها الملائكة مثل الغربان، وغشيها نور الرب، وغشيها ألوان ما أدري ما هي؟ وقال الإمام أحمد: حدثنا مالك بن مغول، حدثنا الزبير بن عدي عن طلحة عن مرة عن عبد الله، هو ابن مسعود، قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها { إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} قال: فراش من ذهب، قال: وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات. انفرد به مسلم. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره ــــ شك أبو جعفر ــــ قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى السدرة، فقيل له: إن هذه السدرة، فغشيها نور الخلاق، وغشيتها الملائكة مثل الغربان حين يقعن على الشجر، وقال: فكلمه عند ذلك، فقال له: سل. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: { إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} قال: كان أغصان السدرة لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً، فرآها محمد صلى الله عليه وسلم ورأى ربه بقلبه، وقال ابن زيد قيل: يا رسول الله أي شيء رأيت يغشى تلك السدرة؟ قال: «حديث : رأيت يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله عز وجل»تفسير : وقوله تعالى: { مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما ذهب يميناً ولا شمالاً {وَمَا طَغَىٰ}: ما جاوز ما أمر به، وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة؛ فإنه ما فعل إلا ما أمر به، ولا سأل فوق ما أعطي، وما أحسن ما قال الناظم:شعر : رأى جَنَّةَ المَأْوَى وما فوقَها ولو رأى غَيْرُهُ ما قَدْ رآهُ لَتاها تفسير : وقوله تعالى: {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} كقوله: {أية : لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ}تفسير : [طه: 23] أي الدالة على قدرتنا وعظمتنا، وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة أن الرؤية تلك الليلة لم تقع؛ لأنه قال: {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك، ولقال ذلك للناس، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة سبحان. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن طلحة عن الوليد بن قيس عن إسحاق بن أبي الكهتلة قال محمد: أظنه عن ابن مسعود: أنه قال: إن محمداً لم يرَ جبريل في صورته إلا مرتين: أما مرة، فإنه سأله أن يريه نفسه في صورته، فأراه صورته، فسدَّ الأفق، وأما الأخرى، فإنه صعد معه حين صعد به، وقوله: {وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } فلما أحَسَّ جبريل ربه عز وجل، عاد في صورته وسجد، فقوله: { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ } قال: خلق جبريل عليه السلام، هكذا رواه الإمام أحمد، وهو غريب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {عَلَّمَهُ } إياه ملك {شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ }.

الماوردي

تفسير : {عَلَّمَهُ شَدِيدٌ الْقُوَى} يعني: جبريل في قول الجميع. {ذو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} فيه خمسة أوجه: أحدها: ذو منظر حسن، قاله ابن عباس. الثاني: ذو غناء، قاله الحسن. الثالث: ذو قوة، قاله مجاهد وقتادة، ومن قول خفاف بن ندبة: شعر : إني امرؤ ذو مرة فاستبقني فيما ينوب من الخطوب صليب تفسير : الرابع: ذو صحة في الجسم وسلامة من الآفات، ومن قول امرىء القيس: شعر : كنت فيهم أبداً ذا حيلة محكم المرة مأمون العقد تفسير : الخامس: ذو عقل، قاله ابن الأنباري، قال الشاعر: شعر : قد كنت عند لقاكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه تفسير : وفي قوله {فَاسْتَوَى} خمسة أوجه: أحدها: فاستوى جبريل في مكانه، قاله سعيد بن جبير. الثاني: قام جبريل على صورته التي خلق عليها لأنه كان يظهر له قبل ذلك في صورة لا رجل. حكى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل على صورته إلا مرتين: أما واحدة، فإنه سأله أن يراه في صورته فسد الأفق. وأما الثانية، فإنه كان معه حين صعد، وذلك قوله {وَهُوَ بِاْلأُفُقِ الأَعْلَى}. الثالث: فاستوى القرآن في صدره، وفيه على هذا وجهان: أحدهما: فاعتدل في قوته. الثاني: في رسالته. الرابع: يعني: فارتفع، وفيه على هذا وجهان: أحدهما: أنه جبريل ارتفع إلى مكانه. الثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، ارتفع بالمعراج. {وَهُوَ بِلأُفُقِ الأَعْلَى} فيه قولان: أحدهما: أنه جبريل حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى، قاله السدي. الثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل بالأفق الأعلى، قاله عكرمة. وفي الأفق الأعلى ثلاثة أقاويل: أحدها: هو مطلع الشمس، قاله مجاهد. الثاني: هو الأفق الذي يأتي منه النهار، قاله قتادة، يعني طلوع الفجر. الثالث: هو أفق السماء وهو جانب من جوانبها، قاله ابن زيد، ومنه قول الشاعر: شعر : أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم والطوالع تفسير : {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} فيه قولان: أحدهما: أنه جبريل، قاله قتادة. الثاني: أنه الرب، قاله ابن عباس. وقوله {فَتَدَلَّى} فيه وجهان: أحدهما: تعلق فيما بين والسفل لأنه رآه منتصباً مرتفعاً ثم رآه متدلياً، قاله ابن بحر. الثاني: معناه قرب، ومنه قوله تعالى: {وَتُدلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} أي تقربوها إليهم، وقال الشاعر: شعر : أتيتك لا أدلي بقربى قريبة إليك ولكني بجودك واثق تفسير : وقيل فيه تقديم وتأخير، وتقديره: ثم تدلى فدنا، قاله ابن الأنباري. {فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى} فيه أربعة أقاويل: أحدها: قيد قوسين، قاله قتادة والحسن. الثاني: أنه بحيث الوتر من القوس، قاله مجاهد. الثالث: من مقبضها إلى طرفها، قاله عبد الحارث. الرابع: قدر ذراعين، قاله السدي، فيكون القاب عبارة عن القدر، والقوس عبارة عن الذراع. ثم اختلفوا في المعنى بهذا الداني على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جبريل من ربه، قاله مجاهد وهو قول ابن عباس. الثاني: أنه محمد صلى الله عليه وسلم من ربه، قاله محمد بن كعب. الثالث: أنه جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم. {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} في عبده الموحى إليه قولان: أحدهما: أنه جبريل عليه السلام أوحى إليه ما يوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالته عائشة، والحسن، وقتادة. الثاني: أنه محمد صلى الله عليه وسلم أوحي إليه على لسان جبريل، قاله ابن عباس والسدي. {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} في الفؤاد قولان: أحدهما: أنه أراد صاحب الفؤاد فعبر عنه بالفؤاد لأنه قطب الجسد وقوام الحياة. الثاني: أنه أرد نفس الفؤاد لأنه محل الاعتقاد وفيه قولان: أحدهما: معناه ما أوهمه فؤداه ما هو بخلافه كتوهم السراب ماء، فيصير فؤاده بتوهم المحال كالكاذب له، وهو تأويل من قرأ {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ} بالتخفيف. الثاني: معناه ما أنكر قلبه ما رأته عينه، وهو تأويل من قرأ {كَذَّبَ} بالتشديد. وفي الذي رأى خمسة أقاويل: أحدها: رأى ربه بعينه، قاله ابن عباس. الثاني: في المنام، قاله السدي. الثالث: أنه بقلبه روى محمد بن كعب قال: قلنا يا رسول الله [هل رأيت ربك]؟ قال: "حديث : رَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي مَرَّتَيْنِ" تفسير : ثم قرأ: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}. الرابع: أنه رأى جلاله، قاله الحسن، وروى أبو العالية قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رَأَيتُ نَهْرَاً وَرَأَيتُ وَرَاءَ النَّهْرِ حَجَاباً ورَأَيتُ وَرَاءَ الحِجَابِ نُوراً لَمْ أَرَ غَيَرَ ذَلِكَ ". تفسير : الخامس: أنه رأى جبريل على صورته مرتين، قاله ابن مسعود. {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أفتجادلونه على ما يرى، قاله إبراهيم. الثاني: أفتجادلونه على ما يرى، وهو مأثور. الثالث: أفتشككونه على ما يرى، قاله مقاتل. {وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى} يعني أنه رأى ما رآه ثانية بعد أُولى، قال كعب: إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى عليهما السلام، فرآه محمد مرتين، وكلمه موسى مرتين. {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى} روي فيها خبران. أحدهما: ما روى طلحة بن مصرف عن مرة عن ابن مسعود قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها الخبر. الثاني: ما رواه معمر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رُفِعَتْ لِيَ سِدْرَةُ الْمُنتَهَى فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، ثَمَرُهَا مِثْلُ قِلاَلِ هَجْرٍ، وَوَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الفِيَلَةِ، يَخْرُجُ مِن سَاقِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهْرَانِ بِاطِنَانِ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ البَاطِنَانِ فَفِي الجَنَّةِ، وَأَمَّا النَّهْرانِ الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالفُرَاتُ ". تفسير : وفي سبب تسميتها سدرة المنتهى خمسة أوجه: أحدها: لانه ينتهي علم الأنبياء إليها، ويعزب علمهم عما وراءها، قاله ابن عباس. الثاني: لأن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها، قاله الضحاك. الثالث: لانتهاء الملائكة والنبيين إليها ووقوفهم عندها، قاله كعب. الرابع: لأنه ينتهي إليها كل من كان على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهاجه، قاله الربيع بن أنس. الخامس: لأنه ينتهي إليها كل ما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها، قاله ابن مسعود. {عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} فيه قولان: أحدهما: جنة المبيت والإقامة، قاله علي، وأبو هريرة. الثاني: أنها منزل الشهداء، قاله ابن عباس، وهي عن يمين العرش وفي ذكر جنة المأوى وجهان على ما قدمناه في سدرة المنتهى: أحدهما: أن المقصود بذكرها تعريف موضعها بأنه عند سدرة المنتهى، قاله الجمهور. {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الذي يغشاها فراش من ذهب، قاله ابن مسعود ورواه مرفوعاً. الثاني: أنهم الملائكة، قاله ابن عباس. الثالث: أنه نور رب العزة، قاله الضحاك. فإن قيل لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟ قيل: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولاً وعملاً ونية، فظلها بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لظهوره. {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} في زيغ البصر ثلاثة أوجه؛ أحدها: انحرافه. الثاني: ذهابه، قاله ابن عباس. الثالث: نقصانه، قاله ابن بحر. وفي طغيانه ثلاثة أوجه: أحدها: ارتفاعه عن الحق. الثاني: تجاوزه للحق، قاله ابن عباس. الثالث: زيادته، ويكون معنى الكلام أنه رأى ذلك على حقه وصدقه من غير نقصان عجز عن إدراكه، ولا زيادة توهمها في تخليه، قاله ابن بحر. {لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما غشي السدرة من فراش الذهب، قاله ابن مسعود. الثاني: أنه قد رأى جبريل وقد سد الأفق بأجنحته، قاله ابن مسعود أيضاً. الثالث: ما رأه حين نامت عيناه ونظر بفؤاده، قاله الضحاك.

ابن عبد السلام

تفسير : {شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ} جبريل عليه السلام اتفاقاً، مِرَّة: منظر حسن، أو غنى، أو قوة، أو صحة في الجسم، وسلامة من الآفات أو عمل {فَاسْتَوَى} جبريل عليه السلام في مكانه، أو على صورته التي خلق عليها، ولم يره عليها إلا مرتين، مرة ساداً للأفق ومرة حيث صعد معه وذلك قوله {أية : وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النجم: 7]، أو فاستوى القرآن في صدر محمد صلى الله عليه وسلم، أو صدر جبريل، أو فاعتدل محمد صلى الله عليه وسلم في قوته، أو برسالته، أو فارتفع محمد صلى الله عليه سلم بالمعراج، أو ارتفع جبريل عليه السلام إلى مكانه.

الخازن

تفسير : {علمه شديد القوى} يعني جبريل علم محمداً صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله إليه عز وجل وكونه شديد القوى أنه اقتلع قرى قوم لوط وحملها على جناحه حتى بلغ بها السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين وكان هبوطه بالوحي على الأنبياء أسرع من رجعة الطرف {ذو مرة} أي ذو قوة وشدة. وقال ابن عباس: ذو منظر حسن وقيل: ذو خلق طويل حسن. {فاستوى} يعني جبريل عليه الصلاة والسلام {وهو} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم والمعنى استوى جبريل ومحمد ليلة المعراج {بالأفق الأعلى} عند مطلع الشمس وقيل: فاستوى يعني جبريل وهو كناية عن جبريل أيضاً أي قام في صورته التي خلقه الله فيها وهو بالأفق الأعلى وذلك أن جبريل عليه الصلاة والسلام كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي الأنبياء قبله فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على صورته التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء فأما التي في الأرض فبالأفق الأعلى والمراد بالأفق الأعلى جانب المشرق وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بحراء، فطلع له جبريل عليه الصلاة والسلام من ناحية المشرق، فسد الأفق إلى المغرب فخرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشياً عليه فنزل جبريل عليه، الصلاة والسلام في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه وهو قوله تعالى: {ثم دنا فتدلى} وأما التي في السماء فعند سدرة المنتهى ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة التي خلق عليها إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى}. اختلف العلماء في معنى هذه لآية فروي عن مسروق بن الأجدع قال "قلت لعائشة فأين قوله ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى؟ قالت ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق" أخرجاه في الصحيحين. وعن زر بن حبيش في قوله تعالى: {فكان قاب قوسين أو أدنى} وفي قوله {ما كذب الفؤاد ما رأى} وفي قوله {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} قال: فيها كلها أن ابن مسعود قال "رأى جبريل عليه الصلاة والسلام له ستمائة جناح" زاد في رواية أخرى "رأى جبريل في صورته" أخرجه مسلم والبخاري في قوله تعالى: {فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى} فعلى هذا يكون معنى الآية ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فتدلى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكان منه قاب قوسين أو أدنى أي: بل أدنى وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره ثم تدلى فدنا لأن التدلي سبب الدنو. وقال آخرون: ثم دنا الرب عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى أي فقرب منه حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وقد ورد في الصحيحين في حديث المعراج من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى. وهذه رواية أبي سلمة عن ابن عباس والتدلي هو النزول إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ عبد الحق في كتابه. الجمع بين الصحيحين، بعد ذكر حديث أنس من رواية شريك، وقد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى فيه بألفاظ غير معروفة. وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين كابن شهاب وثابت البناني وقتادة يعني عن أنس فلم يأت أحد منهم بما أتى به وفي رواية شريك قدم وآخر وزاد ونقص فيحتمل أن هذا اللفظ من زيادة شريك في الحديث وقال الضحاك دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه عز وجل فتدلى أي فأهوى للسجود فكان منه قاب قوسين أو أدنى والقاب القدر والقوس الذي يرمي به وهو رواية عن ابن عباس. وقيل: معناه حيث الوتر من القوس فأخبر أنه كان بين جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين وهذا إشارة إلى تأكيد القرب وأصله أن الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد بينهما خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما يريد أن بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه. وقال عبد الله بن مسعود: قاب قوسين قدر ذراعين والقوس الذراع التي يقاس بها من قاس يقيس أو أدنى بل أقرب {فأوحى} أي فأوحى الله {إلى عبده} محمد صلى الله عليه وسلم {ما أوحى} وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال أوحى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه عز وجل وقال سعيد بن جبير: أوحى إليه {أية : ألم يجدك يتيماً فآوى} تفسير : [الضحى: 6] إلى قوله {أية : ورفعنا لك ذكرك} تفسير : [الشرح: 4] وقيل: أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك قوله عز وجل: {ما كذب الفؤاد} قرىء بالتشديد أي ما كذب محمد صلى الله عليه وسلم {ما رأى} أي بعينه تلك الليلة بل صدقه وحققه وقرىء بالتخفيف أي ما كذب فؤاد محمد الذي رآه بل صدقه والمعنى: ما كذب الفؤاد فيما رأى. واختلفوا في الذي رآه، فقيل: رأى جبريل وهو قول ابن عباس وابن مسعود وعائشة وقيل: هو الله عز وجل ثم اختلفوا في معنى الرؤية فقيل جعل بصره في فؤاده وهو قول ابن عباس (م). عن ابن عباس ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى قال: رآه بفؤاده مرتين وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه حقيقة وهو قول أنس بن مالك والحسن وعكرمة قالوا: رأى محمد ربه عز وجل. وروى عكرمة عن ابن عباس، قال: إن الله عز وجل اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمداً بالرؤية. وقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين أخرجه الترمذي بأطول من هذا. وكانت عائشة تقول: لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه. وتحمل الآية على رؤية جبريل. عن مسروق قال: قلت لعائشة: يا أماه هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب. من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب ثم قرأت: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وما كان لبشر أن يكلمه إلا الله وحياً أو من وراء حجاب. ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب. ثم قرأت: وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت ومن حدثك أن محمداً كتم أمراً فقد كذب ثم قرأت يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. أخرجاه في الصحيحين (م) "حديث : عن أبي ذر قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: نور أني أراه" ".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع رضي الله عنه في قوله ‏{‏علمه شديد القوى‏} ‏ قال‏:‏ جبريل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {‏علمه شديد القوى‏}‏ يعني جبريل ‏{‏ذو مرة‏} ‏ قال‏:‏ ذو خلق طويل حسن‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏علمه شديد القوى ذو مرة‏}‏ قال‏:‏ ذو قوّة جبريل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله ‏ {‏ذو مرة‏} ‏ ذو خلق حسن‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن ‏ {‏ذو مرة‏} ‏ قال‏:‏ ذو شدة في أمر الله، قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول نابغة بني ذبيان‏: شعر : فدى أقر به إذ ضافني وهنا قرى ذي مرة حازم تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فأراه صورته فسد الأفق، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد، فذلك قوله ‏ {‏وهو بالأفق الأعلى لقد رأى من آيات ربه الكبرى‏}‏ قال‏:‏ خلق جبريل‏.‏ وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم‏.‏ وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏رأيت جبريل عند سدرة المنتهى له ستمائة جناح ينفض من ريشه التهاويل والدر والياقوت ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏وهو بالأفق الأعلى‏} ‏ قال‏:‏ مطلع الشمس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وهو بالأفق الأعلى‏} ‏ قال‏:‏ قال الحسن‏:‏ الأفق الأعلى على أفق المشرق ‏{‏ثم دنا فتدلى‏}‏ يعني جبريل ‏{‏فكان قاب قوسين‏} ‏ قال‏:‏ قيد قوسين ‏{‏أو أدنى‏} ‏ قال‏:‏ حيث الوتر من القوس، الله من جبريل‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله ‏{‏فكان قاب قوسين أو أدنى‏}‏ قال‏:‏ رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل له ستمائة جناح‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ما كذب الفؤاد ما رأى‏}‏ قال‏:‏ رأى صلى الله عليه وسلم‏.‏ جبريل عليه حلتا رفرف أخضر قد ملأ ما بين السماء والأرض‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ كان أول شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى في منامه جبريل بأجياد ثم خرج لبعض حاجته فصرخ به جبريل يا محمد يا محمد، فنظر يميناً وشمالاً فلم ير شيئاً ثلاثاً، ثم رفع بصره فإذا هو ثانٍ إحدى رجليه على الأخرى على أفق السماء، فقال‏:‏ يا محمد جبريل جبريل يسكنه فهرب النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل في الناس فنظر فلم ير شيئاً، ثم خرج من الناس فنظر فرآه فذلك قول الله ‏ {‏والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى‏}‏ إلى قوله ‏ {‏ثم دنا فتدلى‏}‏ يعني جبريل إلى محمد ‏{‏فكان قاب قوسين أو أدنى‏}‏ جبريل إلى عبد ربه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏ثم دنا فتدلى‏}‏ قال‏:‏ هو محمد صلى الله عليه وسلم دنا فتدلى إلى ربه عز وجل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ثم دنا‏} ‏ قال دنا ربه ‏ {‏فتدلى‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏فكان قاب قوسين‏}‏ قال‏:‏ كان دنوه قدر قوسين، ولفظ عبد بن حميد قال‏:‏ كان بينه وبينه مقدار قوسين‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله ‏{‏فكان قاب قوسين‏} ‏ قال‏:‏ دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين‏.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله ‏{‏فكان قاب قوسين أو أدنى‏} ‏ قال‏:‏ القاب القيد والقوسين الذراعين‏.‏ وأخرج الطبراني في السنة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏قاب قوسين‏} ‏ قال‏:‏ ذراعين، القاب المقدار، القوس الذراع‏.‏ وأخرج عن شقيق بن سلمة في قوله ‏{‏فكان قاب قوسين‏}‏ قال ذراعين، والقوس الذراع يقاس به كل شيء‏.‏ وأخرج سعيد بن جبير في الآية قال‏:‏ الذراع يقاس به‏.‏ وأخرج آدم بن أبي اياس والفريابي والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله ‏ {‏قاب قوسين‏} ‏ قال‏:‏ حيث الوتر من القوس يعني ربه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد وعكرمة قالا‏:‏ دنا منه حتى كان بينه وبينه مثل ما بين كبدها إلى الوتر‏. وأخرج الطبراني في السنة عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏قاب قوسين‏} ‏ قال‏:‏ قدر قوسين‏.‏ وأخرج عن الحسن في قوله ‏ {‏قاب قوسين‏}‏ قال‏:‏ من قسيكم هذه‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم اقترب من ربه ‏ {‏فكان قاب قوسين أو أدنى‏} ‏ قال‏:‏ ألم تر إلى القوس ما أقربها من الوتر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ذكر لنا أن القاب فضل طرف القوس على الوتر‏.‏ وأخرج النسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏{‏فأوحى إلى عبده ما أوحى‏}‏ قال‏:‏ عبده محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج الطبراني في السنة والحكيم عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏رأيت النور الأعظم ولط دوني بحجاب رفرفه الدر والياقوت فأوحى الله إليّ ما شاء أن يوحي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الدلائل عن سريج بن عبيد قال‏:‏ لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء فأوحى الله إلى عبده ما أوحى قال‏:‏ فلما أحس جبريل بدنو الرب خر ساجداً فلم يزل يسبحه تسبيحات ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة حتى قضى الله إلى عبده ما قضى، ثم رفع رأسه فرأيته في خلقه الذي خلق عليه منظوم أجنحته بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت، فخيل إليّ أن ما بين عينيه قد سد الأفقين وكنت لا أراه قبل ذلك إلا على صور مختلفة وأكثر ما كنت أراه على صورة دحية الكلبي، وكنت أحياناً لا أراه قبل ذلك إلا كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال‏".‏‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر أن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي‏.‏ وأخرج مسلم وأحمد والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ‏{‏ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى‏} ‏ قال‏:‏ رأى محمد ربه بقلبه مرتين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ما كذب الفؤاد ما رأى‏} ‏ قال‏:‏ رآه بقلبه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم النخعي أنه كان يقرأ ‏[‏أفتمرونه‏]‏ وفسرها أفتجحدونه‏. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ‏ {‏افتمرونه‏} ‏ قال‏:‏ من قرأ ‏{‏أفتمارونه‏}‏ قال‏:‏ أفتجادلونه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏[‏افتمرونه‏]‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي أن شريحاً كان يقرأ ‏{‏افتمارونه‏} ‏ بالألف وكان مسروق يقرأ ‏[‏أفتمرونه‏]‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ رأى محمد ربه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه‏.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ إن محمداً رأى ربه مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده‏.‏ وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قول الله ‏ {‏ولقد رآه نزلة أخرى‏} ‏ قال ابن عباس‏:‏ قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن الشعبي قال‏:‏ لقي ابن عباس كعباً بعرفة فسأله عن شيء فكبر حتى جاوبته الجبال، فقال ابن عباس‏:‏ إنا بنو هاشم نزعم أن نقول‏:‏ إن محمداً قد رأى ربه مرتين، فقال كعب‏:‏ إن الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد عليهما السلام، فرأى محمد ربه مرتين وكلم موسى مرتين‏.‏ قال مسروق‏:‏ فدخلت عليَّ عائشة فقلت‏:‏ هل رأى محمد ربه‏؟‏ فقالت‏:‏ لقد تكلمت بشيء وقف له شعري قلت‏:‏ رويداً ثم قرأت ‏ {‏لقد رأى من آيات ربه الكبرى‏} ‏ قالت‏:‏ أين يذهب بك إنما هو جبريل من أخبرك أن محمداً رأى ربه أو كتم شيئاً مما أمر به أو يعلم الخمس التي قال الله إن الله عنده علم الساعة الآية؛ فقد أعظم الفرية ولكنه رأى جبريل لم يره في صورته إلا مرتين مرة عند سدرة المنتهى، ومرة عند أجياد له ستمائة جناح قد سد الأفق‏. وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ أتعجبون أن تكون الخلة لإِبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم‏؟‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال‏:‏ رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏رأيت ربي في أحسن صورة فقال لي‏:‏ يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى‏؟‏ فقلت‏:‏ لا يا رب، فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض، فقلت‏:‏ يا رب في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فقلت‏:‏ يا رب إنك اتخذت إبراهيم خليلاً وكلمت موسى تكليماً وفعلت وفعلت، فقال‏:‏ ألم أشرح لك صدرك‏؟‏ ألم أضع عنك وزرك‏؟‏ ألم أفعل بك‏؟‏ ألم أفعل‏؟‏ فأفضى إليّ بأشياء لم يؤذن لي أن أحدثكموها، فذلك قوله ‏{‏ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى‏}‏ فجعل نور بصري في فؤادي فنظرت إليه بفؤادي ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن إسحق والبيهقي في الأسماء والصفات وضعفه عن عبدالله بن أبي سلمة أن عبدالله بن عمر بن الخطاب بعث إلى عبدالله بن عباس يسأله هل رأى محمد ربه‏؟‏ فأرسل إليه عبدالله بن عباس أن نعم، فرد عليه عبدالله بن عمر رسوله أن كيف رآه‏؟‏ فأرسل‏:‏ إنه رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب يحمله أربعة من الملائكة‏:‏ ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، وملك في صورة أسد‏. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات وضعفه من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه سئل‏‏ هل رأى محمد ربه‏؟‏ قال‏:‏ نعم رآه كأنّ قدميه على خضرة دونه ستر من لؤلؤ، فقلت‏:‏ يا أبا عباس أليس يقول الله‏:‏ لا تدركه الأبصار‏؟‏ قال‏:‏ لا أم لك ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي ‏"‏حديث : عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: ‏قالوا يا رسول الله هل رأيت ربك‏؟‏ قال‏:‏ لم أره بعيني ورأيته بفؤادي مرتين ثم تلا ‏ {‏ثم دنا فتدلى‏}‏ ‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال‏:‏ ‏"حديث : ‏سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك‏؟‏ قال‏: رأيت نهراً، ورأيت وراء النهر حجاباً، ورأيت الحجاب نوراً لم أره غير ذلك ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية في قوله ‏{‏ما كذب الفؤاد ما رأى‏} ‏ قال‏:‏ محمد رآه بفؤاده ولم يره بعينيه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح في قوله ‏{‏ما كذب الفؤاد ما رأى‏}‏ قال‏:‏ رآه مرتين بفؤاده‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال‏:‏ ما أزعم أنه رآه وما أزعم أنه لم يره‏.‏ وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي ذر قال‏:‏ ‏ حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏هل رأيت ربك‏؟‏ فقال‏: نوراني أراه‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم وابن مردويه عن أبي ذر ‏"حديث : ‏أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك‏؟‏ فقال‏: رأيت نوراً ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذر قال‏:‏ رآه بقلبه ولم يره بعينيه‏.‏ وأخرج النسائي عن أبي ذر قال‏:‏ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه ولم يره ببصره‏.‏ وأخرج مسلم والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة في قوله ‏{‏ولقد رآه نزلة أخرى‏}‏ قال‏:‏ رأى جبريل عليه السلام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال‏:‏ رأى جبريل في صورته‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مرة الهمداني قال‏:‏ لم يأته جبريل في صورته إلا مرتين فرآه في خضر يتعلق به الدر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏ولقد رآه نزلة أخرى‏}‏ قال‏:‏ رأى نوراً عظيماً عند سدرة المنتهى‏.‏ وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود ‏{‏ولقد رآه نزلة أخرى‏}‏ قال‏:‏ رأى جبريل معلقاً رجله بسدرة عليه الدر كأنه قطر المطر على البقل‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود ‏ {‏ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى‏} ‏ قال‏:‏ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته عند السدرة له ستمائة جناح؛ جناح منها سد الأفق يتناثر من أجنحته التهاويل والدر والياقوت ما لا يعلمه إلا الله‏.‏ وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال‏:‏ لما أسريَ برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها ‏ {‏إذ يغشى السدرة ما يغشى‏} ‏ قال‏:‏ فراش من ذهب قال‏:‏ وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا‏ً:‏ أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن سدرة المنتهى قال‏:‏ إليها ينتهي علم كل عالم وما وراءها لا يعلمه إلا الله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الضحاك أنه قيل له‏:‏ لم تسمى سدرة المنتهى‏؟ قال‏:‏ لأنه ينتهي إليها كل شيء من أمر الله لا يعدوها‏.‏ ‏وأخرج ابن جرير عن شمر قال‏:‏ جاء ابن عباس إلى كعب فقال‏:‏ حدثني عن سدرة المنتهى قال‏:‏ إنها سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله تعالى‏.‏ وأخرج ابن جرير عن كعب قال‏:‏ إنها سدرة على رؤوس حملة العرش إليها ينتهي علم الخلائق، ثم ليس لأحد وراءها علم، فلذلك سميت سدرة المنتهى لانتهاء العلم إليها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال‏:‏ سألت كعباً ما سدرة المنتهى‏؟‏ قال‏:‏ سدرة ينتهي إليها علم الملائكة، وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها علم، وسألته عن جنة المأوى، فقال‏:‏ جنة فيها طير خضر ترتقي فيها أرواح الشهداء‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير والطبراني عن ابن مسعود في قوله ‏ {‏عند سدرة المنتهى‏}‏ قال‏:‏ صبو الجنة يعني وسطها جعل عليها فضول السندس والاستبرق‏.‏ وأخرج أحمد وابن جرير عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏انتهيت إلى السدرة فإذا نبقها مثل الجراد وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت ياقوتاً وزمرداً ونحو ذلك ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد في قوله ‏ {‏سدرة المنتهى‏} ‏ قال‏:‏ أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا فهو حيث ينتهي‏.‏ وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه عن أسماء بنت أبي بكر‏:‏ ‏ ‏حديث : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يصف سدرة المنتهى، قال‏: "‏يسير الراكب في الفتن منها مائة سنة يستظل بالفتن منها مائة راكب فيها فراش من ذهب كأن ثمرها القلال‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى عن ابن عباس ‏{‏إذ يغشى السدرة ما يغشى‏}‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏رأيتها حين استبنتها ثم حال دونها فراش الذهب ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ ‏ {‏عندها جنة المأوى‏} ‏ وعاب على من قرأ جنة المأوى‏. وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن الزبير قال‏:‏ من قرأ ‏{‏جنة المأوى‏}‏ فأجنه الله إنما هي جنة المأوى‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏عندها جنة المأوى‏} ‏ قال‏:‏ هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود قال‏:‏ الجنة في السماء السابعة العليا والنار في الأرض السابعة السفلى‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أنه قرأ‏:‏ جنة المأوى قال‏:‏ جنة المبيت‏.‏ وأخرج آدم ابن أبي أياس والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد ‏{‏إذ يغشى السدرة ما يغشى‏}‏ قال‏:‏ كان أغصان السدرة من لؤلؤ وياقوت وقد رآها محمد بقلبه ورأى ربه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ‏ {‏إذ يغشى السدرة ما يغشى‏} ‏ قال‏:‏ الملائكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سلمة بن وهرام ‏ {‏إذ يغشى السدرة ما يغشى‏} ‏ قال‏:‏ استأذنت الملائكة الرب تبارك وتعالى أن ينظروا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأذن لهم، فغشيت الملائكة السدرة لينظروا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن يعقوب بن زيد قال‏:‏ ‏حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما رأيت بفناء السدرة‏؟‏ قال‏:‏ "‏فراشاً من ذهب"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏ {‏إذ يغشى السدرة ما يغشى‏} ‏ قال‏:‏ رآها ليلة أسري به يلوذ بها جراد من ذهب‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏{‏ما زاغ البصر‏} ‏ قال‏:‏ ما ذهب يميناً ولا شمالاً ‏ {‏وما طغى‏}‏ قال‏:‏ ما جاوز ما أمر به‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن مسعود في قوله ‏{‏لقد رأى من آيات ربه الكبرى‏}‏ قال‏:‏ رأى رفرفاً أخضر من الجنة قد سد الأفق‏. وأخرج ابن جرير عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة، فدخلت فأعطيت الكوثر، ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى، فدنا ربك فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لما انتهيت إلى السدرة إذا ورقها مثل آذان الفيلة وإذا نبقها أمثال القلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشي تحوّلت فذكر الياقوت‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال‏:‏ سدرة المنتهى منتهى إليها أمر كل نبي وملك‏.‏

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ}. أي جبريل عليه السلام. و{ذُو مِرَّةٍ}: أي ذو قوة وهو جبريل. {وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} أي جبريل. {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}. دنا جبريلُ من محمدٍ عليه السلام. فتدلَّى جبريلُ: أي نَزَلَ من العُلُوِّ إلى محمد. وقيل: "تدلَّى" تفيد الزيادةَ في القُرْب، وأَنَّ محمداً عليه السلام هو الذي دنا من ربِّه دُنُوَّ كرامة، وأَنَّ التدلِّى هنا معناها السجود. ويقال: دنا محمدٌ من ربِّه بما أُودِعَ من لطائفِ المعرفة وزوائِدها، فتدلَّى بسكون قلبه إلى ما أدناه. {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}: فكان جبريل - وهو في صورته التي هو عليها - من محمد صلى الله عليه وسلم بحيث كان بينهما قَدْرُ قوسين أو أدنى. ويقال: كان بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين الله قَدْر قوسين: أراد به دُنُوَّ كرامة لا دُنُوَّ مسافة. ويقال: كان من عادتهم إذا أرادوا تحقيقَ الأُلْفَةِ بينهم إِلصاقُ أحدِهم قوسَه بقوس صاحبه عبارةً عن عقد الموالاة بينهما، وأنزل اللَّهُ - سبحانه - هذا الخطابَ على مقتضى معهودهم. ثم رفع اللَّهُ هذا فقال: {أَوْ أَدْنَىٰ} أي بل أدنى.

اسماعيل حقي

تفسير : {علمه} اى القرءآن الرسول اى نزل به عليه وقرأه عليه وبينه له هذا على أن يكون الوحى بمعنى الكتاب وان كان بمعنى الالهام فتعليمه بتبليغه الى قلبه فيكون كقوله {أية : نزل به الروح الامين على قلبك}تفسير : {شديد القوى} من اضافة الصفة الى فاعلها مثل حسن الوجه والموصوف محذوف اى ملك شديد قواه وهو جبريل فانه الواسطة فى ابدآء الخوارق ويكفيك دليلا على شدة قوته انه قلع قرى قوم لوط من الماء الاسود الذى تحت الثرى وحملها على جناحه ورفعها الى السماء حتى سمع اهل السماء نباح الكلام وصياح الديكة ثم قلبها وصاح بثمود صيحة فاصبحوا جاثمين ورأى ابليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقبات الارض المقدسة فنفخه نفخة بجناحه يعنى بادزد ويرا بجناح خود بادى وألقاه فى اقصى جبل فى الهند وكان هبوطه على الانبياء عليهم السلام وصعوده فى اسرع من رجعة الطرف

الجنابذي

تفسير : {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} جمع القوّة مقابلة الضّعف، ولمّا كان قوّة جبرئيل فى جميع ماله من انواع الادراكات والتّصرّفات جمع القوى.

اطفيش

تفسير : {عَلَّمَهُ} أي النبي، {شَدِيدُ الْقُوَى} هو جبريل علمه القرآن وغيره ومن قوته انه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود وحملها على جناحه إلى السماء حتى سمعوا صياح الديك وبكاء الصبي ثم قلبها وصاح بثمود فاصبحوا جاثمين وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في أسرع من رجعة الطرف ورأى ابليس يكلم عيسى على بعض عقاب الارض المقدسة فضربه بجناحه فالقاه في اقصى جبل بالهند. واضافة شديد القوى اضافة الصفة المشبهة لقائلها وهي لفظية قرا حمزة والكسائي اواخر أى هذه السورة من قوله اذا هوى الى قوله من النذر الاولى بالامالة وأمال أبو عمر ومن ذلك ما فيه رأي وما عد ذلك بَيّن والباقون باخلاص الفتح.

اطفيش

تفسير : الهاء عائد الى الوحى أو القرآن، والمفعول محذوف، أى علمه اياه أى الرسول، والجملة نعت لِوَحياً أو الهاء للرسول، والمفعول الثانى مألوف أى علمه الوحى أو القرآن، أو إياه أحدهما، والوحى أعم من القرآن، والجملة مستأنفة، أو خبر ثان، وشديد القوى جبريل عليه السلام، ومن قوته زاده الله تعالى عبادة أنه اقتلع قرى قوم لوط السبع من الأرض السابعة، ورفعها الى السماء على جناحه، حتى سمع أهل السماوات صوت الديك وقلبها، ويقال: أيضا ذلك بريشة واحدة. وكيف يسمع أهل السماء صوت الديك وغلظها خمسمائة عام؟ ويجاب: بأن الله عز وجل قادر على اسماعهم، أو كان أهل السماء أو بعضهم حينئذ تحت السماء، وصاح على ثمود فماتوا، وينزل من تحت العرش الى الأرض على الأنبياء أو يصعد فى أسرع من طرفة عين، ويقال أسرع من حركة ضياء الشمس، ومثل ذلك ما قيل: ان الشمس تطلع فى مغربها فى لحظة الى العرش، وتسجد وتستأذن فى الطلوع فيؤذن لها، فترجع فى لحظة، والقوى جمع قوة كغرفة وغرف، أصله قوة وبفتح الواو الأولى، قلبت الثانية ألفاً لتحركها بعد فتحة وكتبت بصورة لمجانسة الفواصل، والأصل أن تكتب بصور الألف لأنها آخر ثلاثى عن واو.

الالوسي

تفسير : {عَلَّمَهُ} الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم والمفعول الثاني محذوف أي القرآن أو الوحي، وجوز أبو حيان كون الضمير للقرآن، وأن المفعول الأول محذوف أي علمه الرسول عليه الصلاة والسلام {شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } هو جبريل عليه السلام كما قال ابن عباس وقتادة والربيع، فإنه الواسطة في إبداء الخوارق وناهيك دليلاً على شدة قوته أنه قلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء ثم قلبها، وصاح بثمود صيحة فأصبحوا جاثمين وكان هبوطه على الأنبياء عليهم السلام وصعوده في أسرع من رجعة الطرف، فهو لعمري أسرع من حركة ضياء الشمس على ما قرروه في الحكمة الجديدة.

الشنقيطي

تفسير : المراد بشديد القوى في هذه الآية: هو جبريل عليه السلام، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم علمه هذا الوحي. ملك شديد القوى هو جبريل. وهذه الآية الكريمة قد تضمنت أمرين: أحدهما: أن هذا الوحي الذي من أعظمه هذا القرآن العظيم، علمه جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بأمر من الله. والثاني: أن جبريل شديد القوة. الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع. أما الأول منهما وهو كون جبريل نزل عليه بهذا الوحي وعلمه إياه، فقد جاء موضحاً في آيات من كتاب الله كقوله تعالى:{أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 97] الآية. وقوله تعالى:{أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ}تفسير : [الشعراء: 192-194]. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}تفسير : [طه: 114]. وقوله تعالى:{أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ}تفسير : [القيامة: 16-18] أي إذا قرأه عليك الملك المرسل به إليك منا مبلغاً له عنا فاتبع قرآنه، أي اقرأ كما سمعته يقرأ. وأما الأمر الثاني، وهو شدة قوة جبريل النازل بهذا الوحي، فقد ذكره في قوله {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ}تفسير : [التكوير: 19-20]. وقوله في آية التكوير هذه: {لَقَوْلُ رَسُولٍ} أي لقوله المبلغ له عن الله، فقرينته ذكر الرسول تدل على أنه إنما بلغ شيئاً أرسل به، فالكلام كلام الله بألفاظه ومعانيه، وجبريل مبلغ عن الله، وبهذا الاعتبار نسب القول له. لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما سمعه إلا منه، فهو القول الذي أرسله الله به. وأمره بتبليغه، كما تدل عليه قرينة ذكر الرسول، وسيأتي إيضاح هذه المسألة إن شاء الله في سورة التكوير. والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 5- علَّمه هذا الوحى ملك شديد القوى. 6، 7- ذو حصافة فى عقله ورأيه، فاستقام على صورته، وهو بالجهة العليا من السماء المقابلة للناظر. 8، 9- ثم قرب جبريل منه، فزاد فى القرب، فكان دُنُوُّه قدر قوسين، بل أدنى من ذلك. 10- فأوحى جبريل إلى عبد الله ورسوله ما أوحاه، وأنه أمر عظيم الشأن بعيد الأثر. 11- ما أنكر فؤاد محمد ما رآه بصره. 12- أتكذِّبون رسول الله، فتجادلونه على ما يراه معاينة؟. 13، 14، 15، 16، 17- ولقد رأى محمد جبريل على صورته مرة أخرى، فى مكان لا يعلم علمه إلا الله، سماه "سدرة المنتهى"، وأنبأ أن عنده جنة المأوى، إذ يغشاها ويغطيها من فضل الله ما لا يحيط به وصف، ما مال بصر محمد عما رآه، وما تجاوز ما أُمر برؤيته. 18- لقد رأى كثيراً من آيات الله وعجائبه العظمى. 19، 20- أعلمتم ذلك ففكرتم فى شأن اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، التى اتخذتموها آلهة تعبدونها؟. 21- أقسَّمتم الأمر فجعلتم لأنفسكم الذكور، وجعلتم لله الإناث؟. 22- تلك - إذن - قسمة جائرة، إذ تجعلون لله ما تكرهون.

د. أسعد حومد

تفسير : (5) - وَإِنَّ الذِي عَلَّمَهُ القُرْآنَ هُوَ جِبْرِيلُ، عَلَيهِ السَّلامُ، وَهُوَ قَوِيٌّ، شَدِيدُ القُوَّةِ، مَوْثُوقٌ بِقَولِهِ. شَدِيدُ القُوَى - أَمِينُ الوَحْي جِبْرِيلُ، عَلَيهِ السَّلاَم.