Verse. 4847 (AR)

٥٤ - ٱلْقَمَر

54 - Al-Qamar (AR)

اِقْتَرَبَتِ السَّاعَۃُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ۝۱
Iqtarabati alssaAAatu wainshaqqa alqamaru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«اقتربت الساعة» قربت القيامة «وانشق القمر» انفلق فلقتين على أبي قبيس وقيقعان آية له صلى الله عليه وسلم وقد سئلها فقال (اشهدوا) رواه الشيخان.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : أول السورة مناسب لآخر ما قبلها، وهو قوله: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ } تفسير : [النجم: 57] فكأنه أعاد ذلك مع الدليل، وقال قلت: {أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ } وهو حق، إذ القمر انشق، والمفسرون بأسرهم على أن المراد أن القمر انشق، وحصل فيه الانشقاق، ودلت الأخبار على حديث الانشقاق، وفي الصحيح خبر مشهور رواه جمع من الصحابة، وقالوا: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الانشقاق بعينها معجزة، فسأل ربه فشقه ومضى، وقال بعض المفسرين المراد سينشق، وهو بعيد ولا معنى له، لأن من منع ذلك وهو الفلسفي يمنعه في الماضي والمستقبل، ومن يجوزه لا حاجة إلى التأويل، وإنما ذهب إليه ذلك الذاهب، لأن الانشقاق أمر هائل، فلو وقع لعم وجه الأرض فكان ينبغي أن يبلغ حد التواتر، نقول: النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يتحدى بالقرآن، وكانوا يقولون: إنا نأتي بأفصح ما يكون من الكلام، وعجزوا عنه، فكان القرآن معجزة باقية إلى قيام القيامة لا يتمسك بمعجزة أخرى فلم ينقله العلماء بحيث يبلغ حد التواتر. وأما المؤرخون فتركوه، لأن التواريخ في أكثر الأمر يستعملها المنجم، وهو لما وقع الأمر قالوا: بأنه مثل خسوف القمر، وظهور شيء في الجو على شكل نصف القمر في موضع آخر فتركوا حكايته في تواريخهم، والقرآن أدل دليل وأقوى مثبت له، وإمكانه لا يشك فيه، وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه، وحديث امتناع الخرق والالتئام حديث اللئام، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السموات، وذكرناه مراراً فلا نعيده.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} «ٱقْتَرَبَتِ» أي قربت مثل {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ} تفسير : [النجم: 57] على ما بيناه. فهي بالإضافة إلى ما مضى قريبة؛ لأنه قد مضى أكثر الدنيا كما روى قتادة عن أنس قال: حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كادت الشمس تغيب فقال: «ما بقي من دنياكم فيما مضى إلاّ مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى» تفسير : وما نرى من الشمس إلا يسيراً. وقال كعب ووهب: الدنيا ستة ٱلاف سنة. قال وهب: قد مضى منها خمسة آلاف سنة وستمائة سنة. ذكره النحاس. ثم قول تعالى: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} أي وقد ٱنشق القمر. وكذا قرأ حُذيفة «ٱقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَقَدِ ٱنْشَقَّ الْقَمَرُ» بزيادة «قد» وعلى هذا الجمهور من العلماء؛ ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره من حديث ٱبن مسعود وابن عمر وأنس وجبير بن مُطْعِم وابن عباس رضي الله عنهم. وعن أنس قال: سأل أهل مكة النبيّ صلى الله عليه وسلم آية، فٱنشقَّ القمر بمكة مرتين فنزلت: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} إلى قوله: {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} يقول ذاهب قال أبو عيسى الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. ولفظ البخاريّ عن أنس قال: ٱنشق القمر فرقتين. وقال قوم: لم يقع ٱنشقاق القمر بعدُ وهو منتظر؛ أي ٱقترب قيام الساعة وٱنشقاق القمر؛ وأن الساعة إذا قامت ٱنشقت السماء بما فيها من القمر وغيره. وكذا قال القشيري. وذكر الماورديّ: أن هذا قول الجمهور، وقال: لأنه إذا ٱنشق ما بقي أحد إلا رآه؛ لأنه آية والناس في الآيات سواء. وقال الحسن: ٱقتربت الساعة فإذا جاءت ٱنشق القمر بعد النفخة الثانية. وقيل: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} أي وضح الأمر وظهر؛ والعرب تضرب بالقمر مثلاً فيما وضَحَ؛ قال:شعر : أقيمُوا بَني أميِّ صُدُورَ مَطِيّكُمْ فإنِّي إلى حَيٍّ سواكم لأَمْيَلُ فقد حُمَّتِ الحاجاتُ والليلُ مُقْمِرٌ وشُدَّت لِطيَّاتٍ مَطايا وأَرْحُلُ تفسير : وقيل: ٱنشقاق القمر هو ٱنشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها، كما يسمى الصبح فلقاً؛ لآنفلاق الظلمة عنه. وقد يعبر عن ٱنفلاقه بٱنشقاقه كما قال النابغة:شعر : فلمَّا أدْبَرُوا ولَهُمْ دَوِيٌّ دعانا عِند شَقِّ الصُّبحِ داعِ تفسير : قلت: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر ٱنشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل، ولا يلزم أن يستوي الناس فيها؛ لأنها كانت آية ليلية؛ وأنها كانت باستدعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم من الله تعالى عند التحدّي. فروي أنّ حمزة بن عبد المطلب حين أسلم غضباً من سبّ أبي جهل الرسول صلى الله عليه وسلم طلب أن يريه آية يزداد بها يقيناً في إيمانه. وقد تقدّم في الصحيح أن أهل مكة هم الذين سألوا وطلبوا أن يريهم آية، فأراهم ٱنشقاق القمر فلقتين كما في حديث ٱبن مسعود وغيره. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد ٱقتربت، وأن القمر قد ٱنشق على عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: هو على التقديم والتأخير، وتقديره ٱنشق القمر وٱقتربت الساعة؛ قاله ٱبن كيسان. وقد مرّ عن الفرّاء أن الفعلين إذا كانا متقاربي المعنى فلك أن تقدّم وتؤخر عند قوله تعالى: {أية : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ}تفسير : . [النجم: 8] قوله تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ} هذا يدل على أنهم رأوا ٱنشقاق القمر. قال ٱبن عباس: حديث : ٱجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن كنت صادقاً فٱشقق لنا القمر فرقتين، نصف على أبي قُبَيس ونصف على قُعَيْقَعَان؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فعلت تؤمنون» قالوا: نعم؟ وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه أن يعطيه ما قالوا؛ فانشق القمر فرقتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي المشركين: «يا فلان يا فلان ٱشهدوا»تفسير : . وفي حديث ٱبن مسعود: ٱنشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا من سحر ٱبن أبي كبشة؛ سَحَرَكم فٱسألوا السُّفَّار؛ فسألوهم فقالوا: قد رأينا القمر ٱنشق فنزلت: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ. وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ} أي إن يروا آية تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعرضوا عن الإيمان {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} أي ذاهب؛ من قولهم: مَرَّ الشيءُ وٱستمر إذا ذهب؛ قاله أنس وقتادة ومجاهد والفراء والكسائي وأبو عبيدة، وٱختاره النحاس. وقال أبو العالية والضحاك: محكَم قويّ شديد، وهو من المِرَّة وهي القوّة؛ كما قال لقيط:شعر : حتى ٱستمرّتْ عَلَى شَزْرٍ مَرِيرَتهُ مُرُّ العَزِيمَةِ لاَ (قحما) ولا ضَرَعاً تفسير : وقال الأخفش: هو مأخوذ من إمرار الحبل وهو شدّة فتله. وقيل: معناه مُرٌّ من المرارة. يقال: أَمَرَّ الشيء صار مُرًّا، وكذلك مَرَّ الشيءُ يَمَرُّ بالفتح مرارة فهو مُرٌّ، وأمَرَّه غيره ومَرَّهُ. وقال الربيع: مستمر نافذ. يمان: ماضٍ. أبو عبيدة: باطل. وقيل: دائم. قال:شعر : وليس علـى شـيء قوِيـم بمَسْتمـرْ تفسير : أي بدائم. وقيل: يشبه بعضه بعضاً؛ أي قد ٱستمرت أفعال محمد على هذا الوجه فلا يأتي بشيء له حقيقة بل الجميع تخييلات. وقيل: معناه قد مر من الأرض إلى السماء. {وَكَذَّبُواْ} نبيّنا {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} أي ضلالاتهم وٱختياراتهم. {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} أي يستقر بكل عامل عمله، فالخير مستقرّ بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار. وقرأ شيبة «مُسْتَقَر» بفتح القاف؛ أي لكل شيء وقت يقع فيه من غير تقدّم وتأخر. وقد روي عن أبي جعفر بن القَعْقَاع «وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٍّ» بكسر القاف والراء جعله نعتاً لأمر و «كُلُّ» على هذا يجوز أن يرتفع بالابتداء والخبر محذوف، كأنه قال: وكل أمر مستقر في أمّ الكتاب كائن. ويجوز أن يرتفع بالعطف على الساعة؛ المعنى: ٱقتربت الساعة وكل أمرٍ مستقر؛ أي ٱقترب ٱستقرار الأمور يوم القيامة. ومن رفعه جعله خبراً عن «كلّ». قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} أي من بعض الأنباء؛ فذكر سبحانه من ذلك ما علم أنهم يحتاجون إليه، وأن لهم فيه شفاء. وقد كان هناك أمور أكثر من ذلك، وإنما ٱقتص علينا ما علم أن بنا إليه حاجة وسكت عما سوى ذلك؛ وذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} أي جاء هؤلاء الكفار من أنباء الأمم الخالية {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } أي ما يزجرهم عن الكفر لو قبلوه، وأصله مُزْتَجَر فقلبت التاء دالاً؛ لأن التاء حرف مهموس والزاي حرف مجهور، فأبدل من التاء دالاً توافقها في المخرج وتوافق الزاي في الجهر. و «مُزْدجَر» من الزجر وهو الانتهاء، يقال: زجره وٱزدجره فٱنزجر وٱزدجر، وزجرته أنا فانزجر أي كففته فكف، كما قال:شعر : فأصبحَ ما يطلبُ الغانيا تُ مُزْدَجَراً عن هواه ٱزدجاراً تفسير : وقرىء «مُزّجَرٌ» بقلب تاء الأفتعال زايا وإدغام الزاي فيها؛ حكاه الزمخشري. {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} يعني القرآن وهو بدل من «ما» من قوله: {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ}. ويجوز أن يكون خبر ٱبتداء محذوف؛ أي هو حكمة. {فَمَا تُغْنِـي ٱلنُّذُرُ} إذا كذّبوا وخالفوا كما قال الله تعالى: {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس:101] فـ «ـمَا» نفي أي ليست تغني عنهم النذر. ويجوز أن يكون ٱستفهاماً بمعنى التوبيخ؛ أي فأي شيء تغني النذر عنهم وهم معرضون عنها. و {وَٱلنُّذُرُ} يجوز أن تكون بمعنى الإنذار، ويجوز أن تكون جمع نذير. قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم. قيل: هذا منسوخ بآية السيف. وقيل: هو تمام الكلام. ثم قال: {يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ} العامل في «يَوْمَ» {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} أو {خُشَّعاً} أو فعل مضمر تقديره وٱذكر يوم. وقيل: على حذف حرف الفاء وما عملت فيه من جواب الأمر، تقديره: فتولّ عنهم فإن لهم يوم يدعو الداعي. وقيل: تَوَلَّ عنهم يا محمد فقد أقمت الحجة وأبصرهم يوم يدعو الداعي. وقيل: أي أعرض عنهم يوم القيامة ولا تسأل عنهم وعن أحوالهم، فإنهم يدعون {إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} وينالهم عذاب شديد. وهو كما تقول: لا تسأل عما جرى على فلان إذا أخبرته بأمر عظيم. وقيل: أي وكلّ أمر مستقرّ يوم يدعو الداعي. وقرأ ٱبن كثير «نُكْرٍ» بإسكان الكاف، وضمها الباقون وهما لغتان كعُسْر وعُسُر وشُغْل وشُغُل، ومعناه الأمر الفظيع العظيم وهو يوم القيامة. والداعي هو إسرافيل عليه السلام. وقد روي عن مجاهد وقتادة أنهما قرأا «إِلَى شَيْءٍ نُكِرَ» بكسر الكاف وفتح الراء على الفعل المجهول. {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ} الخشوع في البصر الخضوع والذلة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن أثر العزّ والذّل يتبين في ناظر الإنسان؛ قال الله تعالى: {أية : أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} تفسير : [النازعات:9] وقال تعالى: {أية : خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ}تفسير : .[الشورى:45] ويقال: خَشَع وٱختَشَع إذا ذلَّ. وخَشَع ببصره أي غضّه. وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو «خَاشِعاً» بالألف ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد، نحو: «خَاشِعاً أَبْصَارُهُمْ» والتأنيث نحو: {أية : خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ} تفسير : [القلم:43] ويجوز الجمع نحو: {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ} قال:شعر : وَشَبَابٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهمْ مِنْ إيادِ بنِ نِزارِ بنِ مَعَد تفسير : و «خُشَّعاً» جمع خاشع والنصب فيه على الحال من الهاء والميم في «عَنْهُمْ» فيقبح الوقف على هذا التقدير على «عَنْهُمْ». ويجوز أن يكون حالاً من المضمر في «يَخْرُجُونَ» فيوقف على «عَنْهُمْ». وقرىء «خُشَّعٌ أَبْصَارُهُمْ» على الابتداء والخبر، ومحل الجملة النصب على الحال، كقوله:شعر : وجدتـه حَاضِـرَاه الجـودُ والْكَـرَمُ تفسير : {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} أي القبور واحدها جدث. {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ. مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ}. وقال في موضع آخر: {أية : يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} تفسير : [القلرعة:4] فهما صفتان في وقتين مختلفين؛ أحدهما ـ عند الخروج من القبور، يخرجون فزِعين لا يهتدون أين يتوجهون، فيدخل بعضهم في بعض؛ فهم حينئذ كالفراش المبثوث بعضه في بعض لا جهة له يقصدها (الثاني) ـ فإذا سمعوا المنادي قصدوه فصاروا كالجراد المنتشر؛ لأن الجراد له جهة يقصدها. و «مُهْطِعِينَ» معناه مسرعين؛ قاله أبو عبيدة. ومنه قول الشاعر:شعر : بدِجْلَةَ دَارُهمْ ولقد أراهم بدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ تفسير : الضحاك: مقبلين. قتادة: عامدين. ٱبن عباس: ناظرين. عكرمة: فاتحين آذانهم إلى الصوت. والمعنى متقارب. يقال: هَطَع الرجلُ يَهْطَعُ هُطُوعاً إذا أقبل على الشيء ببصره لا يقلع عنه؛ وأهطع إذا مدّ عنقه وصوّب رأسه. قال الشاعر:شعر : تَعَبَّدَنِي نِمْرُ بنُ سَعْدٍ وقد أَرى ونِمْرُ بنُ سَعْدٍ لي مُطِيعٌ ومُهْطِعُ تفسير : وبعير مُهْطِع: في عنقه تصويبٌ خِلْقةً. وأهطع في عَدْوه أي أسرع. {يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} يعني يوم القيامة لما ينالهم فيه من الشدّة.

البيضاوي

تفسير : مكية وآيها خمس وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } روي أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر. وقيل معناه سينشق يوم القيامة ويؤيد الأول أنه قرىء «وقد انشق القمر» أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها انشقاق القمر، وقوله: {وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ } عن تأملها والإِيمان بها. {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } مطرد وهو يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخر مترادفة ومعجزات متتابعة حتى قالوا ذلك، أو محكم من المرة يقال أمررته فاستمر إذا أحكمته فاستحكم، أو مستبشع من استمر الشيء إذا اشتدت مرارته أو مار ذاهب لا يبقى. {وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءَهُمْ } وهو ما زين لهم الشيطان من رد الحق بعد ظهوره، وذكرهما بلفظ الماضي للإِشعار بأنهما من عادتهم القديمة. {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ } منته إلى غاية من خذلان أو نصر في الدنيا وشقاؤه، أو سعادة في الآخرة فإن الشيء إذا انتهى إلى غايته ثبت واستقر، وقرىء بالفتح أي ذو مستقر بمعنى استقرار وبالكسر والجر على أنه صفة أمر، وكل معطوف على الساعة. {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ } في القرآن {مّنَ ٱلأَنبَاء } أنباء القرون الخالية أو أنباء الآخرة. {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } ازدجار من تعذيب أو وعيد، وتاء الافتعال تقلب دالاً مع الذال والدال والزاي للتناسب، وقرىء «مزجر» بقلبها زايا وإدغامها. {حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ } غايتها لا خلل فيها وهي بدل من ما أو خبر لمحذوف، وقرىء بالنصب حالاً من ما فإنها موصولة أو مخصوصة بالصفة نصب الحال عنها. {فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ } نفي أو استفهام إنكار، أي فأي غناء تغني النذر وهو جمع نذير بمعنى المنذر، أو المنذر منه أو مصدر بمعنى الإِنذار. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } لعلمك بأن الإِنذار لا يغني فيهم. {يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ } إسرافيل، ويجوز أن يكون الدعاء فيه كالأمر في قوله: {أية : كُنْ فَيَكُونُ }تفسير : [البقرة: 117] وإسقاط الياء اكتفاء بالكسرة للتخفيف وانتصاب {يَوْمٍ } بـ {يُخْرِجُونَ } أو بإضمار اذكر. {إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ } فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد مثله وهو هول يوم القيامة، وقرأ ابن كثير بالتخفيف، وقرىء «نكراً » بمعنى أنكر. {خُشَّعاً أَبْصَـٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ } أي يخرجون من قبورهم خاشعاً ذليلاً أبصارهم من الهول، وإفراده وتذكيره لأن فاعله ظاهر غير حقيقي التأنيث، وقرىء «خاشعة» على الأصل، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم {خُشَّعاً }، وإنما حسن ذلك ولم يحسن مررت برجال قائمين غلمانهم لأنه ليس على صيغة تشبه الفعل، وقرىء «خشع أبصارهم» على الابتداء والخبر فتكون الجملة حالاً. {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } في الكثرة والتموج والانتشار في الأمكنة. {مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ } مسرعين مادي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه. {يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } صعب. {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } قبل قومك. {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } نوحاً عليه السلام وهو تفصيل بعد إجمال، وقيل معناه كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو كذبوه بعدما كذبوا الرسل. {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ } هو مجنون. {وَٱزْدُجِرَ } وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية، وقيل إنه من جملة قيلهم أي هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته. {فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى } بأني وقرىء بالكسر على إرادة القول. {مَغْلُوبٌ } غَلبني قومي. {فَٱنتَصِرْ } فانتقم لي منهم وذلك بعد يأسه منهم. فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق ويقول: «حديث : اللَّهُم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها؛ كما قال تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} تفسير : [النحل: 1] وقال: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنبياء: 1] وقد وردت الأحاديث بذلك. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي قالا: حدثنا خلف بن موسى، حدثني أبي عن قتادة عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أصحابه ذات يوم، وقد كادت الشمس أن تغرب، فلم يبق منها إلا شف يسير، فقال: «حديث : والذي نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها، إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه وما نرى من الشمس إلا يسيراً»تفسير : قلت: هذا حديث مداره على خلف بن موسى بن خلف العمي عن أبيه، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. (حديث آخر يعضد الذي قبله ويفسره) قال الإمام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا شريك، حدثنا سلمة بن كهيل عن مجاهد عن ابن عمر قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم والشمس على قعيقعان بعد العصر، فقال: «حديث : ما أعماركم في أعمار من مضى، إلا كما بقي من النهار فيما مضى» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا محمد بن مطرف عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : بعثت أنا والساعة هكذا» تفسير : وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى، وأخرجاه من حديث أبي حازم سلمة بن دينار. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، أخبرنا الأعمش عن أبي خالد عن وهب السوائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثت أنا والساعة كهذه من هذه، إن كادت لتسبقني» تفسير : وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد الله قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك، فسأله: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أنتم والساعة كهاتين» تفسير : تفرد به أحمد رحمه الله، وشاهد ذلك أيضاً في الصحيح في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه. وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال عن خالد بن عمير قال: خطب عتبة بن غزوان، قال بهز، وقال قبل هذه المرة: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «حديث : أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم، فيهوي فيها سبعين عاماً ما يدرك لها قعراً، والله لتملؤنه، أفعجبتم؟ والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام» تفسير : وذكر تمام الحديث، انفرد به مسلم. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا يعقوب، حدثني ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن، فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة، فحضر أبي، وحضرت معه، فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغداً السباق، فقلت لأبي: أيستبق الناس غداً؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنما هو السباق بالأعمال، ثم جاءت الجمعة الأخرى، فحضرنا، فخطب حذيفة فقال: ألا إن الله عز وجل يقول: { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغداً السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة. وقوله تعالى: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} قد كان هذا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: «خمس قد مضين: الروم، والدخان، واللزام، والبطشة، والقمر» وهذا أمر متفق عليه بين العلماء: أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك (رواية أنس بن مالك): قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فقال: { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}. ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، وقال البخاري: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما. وأخرجاه أيضاً من حديث يونس بن محمد المؤدب عن شيبان عن قتادة. ورواه مسلم أيضاً من حديث أبي داود الطيالسي ويحيى القطان وغيرهما عن شعبة عن قتادة به. (رواية جبير بن مطعم رضي الله عنه) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد. فقالوا: إن كان سحرنا، فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه، وأسنده البيهقي في "الدلائل" من طريق محمد بن كثير عن أخيه سليمان بن كثير عن حصين بن عبد الرحمن. وهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين به، ورواه البيهقي أيضاً من طريق إبراهيم بن طهمان وهشيم، كلاهما عن حصين عن جبير ابن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده، فذكره. (رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما) قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا بكر عن جعفر عن عراك بن مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ورواه البخاري أيضاً ومسلم من حديث بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن عراك به مثله. وقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود بن أبي هند عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة، انشق القمر حتى رأوا شقيه، وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا، وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا محمد بن يحيى القطعي، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سحر القمر، فنزلت: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} - إلى قوله - {مُّسْتَمِرٌّ}. (رواية عبد الله بن عمر) قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا وهب بن جرير عن شعبة عن الأعمش، عن مجاهد عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى: { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم اشهد» تفسير : وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد به، قال مسلم: كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود، وقال الترمذي: حسن صحيح. (رواية عبد الله بن مسعود) قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين، حتى نظروا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اشهدوا» تفسير : وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث سفيان بن عيينة به، وأخرجاه من حديث الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن ابن مسعود به. وقال ابن جرير: حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، حدثنا عمي يحيى بن عيسى، عن الأعمش عن إبراهيم عن رجل عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى، فانشق القمر، فأخذت فرقة خلف الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اشهدوا اشهدوا» تفسير : قال البخاري: وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله: بمكة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة. قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السفار، فقالوا ذلك. وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم، فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم، فهو سحر سحركم به. قال: فسئل السفار، قال: وقدموا من كل وجهة، فقالوا: رأيناه، ورواه ابن جرير من حديث المغيرة به، وزاد: فأنزل الله عز وجل: { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}. ثم قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب عن محمد، هو ابن سيرين، قال: نبئت أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقول: لقد انشق القمر. وقال ابن جرير أيضاً: حدثني محمد بن عمارة، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط عن سماك عن إبراهيم عن الأسود، عن عبد الله قال: لقد رأيت الجبل من فرج القمر حين انشق، ورواه الإمام أحمد عن مؤمل عن إسرائيل عن سماك عن إبراهيم، عن الأسود عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر. وقال ليث عن مجاهد: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «حديث : اشهد يا أبا بكر» تفسير : فقال المشركون: سحر القمر حتى انشق. وقوله تعالى، {وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً} أي: دليلاً وحجة وبرهاناً {يُعْرِضُواْ} أي: لا ينقادوا له، بل يعرضون عنه، ويتركونه وراء ظهورهم {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} أي: ويقولون: هذا الذي شاهدناه من الحجج سحر سحرنا به. ومعنى {مُّسْتَمِرٌّ} أي: ذاهب، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، أي: باطل مضمحل لا دوام له {وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} أي: كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم. وقوله: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} قال قتادة: معناه: أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر، وقال ابن جريج: مستقر بأهله، وقال مجاهد: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} أي: يوم القيامة، وقال السدي: مستقر، أي: واقع، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} أي: من الأخبار عن قصص الأمم المكذبين بالرسل، وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب؛ مما يتلى عليهم في القرآن {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي: ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب. وقوله تعالى: {حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ} أي: في هدايته تعالى لمن هداه، وإضلاله لمن أضله {فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ} يعني: أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة، وختم على قلبه، فمن الذي يهديه من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الأنعام: 149] وكذا قوله تعالى: {أية : وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 101].

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } قربت القيامة {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } انفلق فلقتين على أبي قبيس وَقعَيْقَعان آية له صلى الله عليه وسلم وقد سئلها فقال (اشهدوا) رواه الشيخان.

الشوكاني

تفسير : قوله: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } أي: قربت، ولا شك أنها قد صارت باعتبار نسبة ما بقي بعد قيام النبوّة المحمدية إلى ما مضى من الدنيا قريبة. ويمكن أن يقال: إنها لما كانت متحققة الوقوع لا محالة كانت قريبة، فكلّ آت قريب {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } أي: وقد انشقّ القمر، وكذا قرأ حذيفة بزيادة "قد"، والمراد الانشقاق الواقع في أيام النبوّة معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا ذهب الجمهور من السلف والخلف. قال الواحدي: وجماعة المفسرين على هذا إلاّ ما روى عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال: المعنى: سينشقّ القمر، والعلماء كلهم على خلافه. قال: وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر؛ لأن انشقاقه من علامات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوّته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة. قال ابن كيسان: في الكلام تقديم وتأخير، أي: انشقّ القمر، واقتربت الساعة. وحكى القرطبي عن الحسن مثل قول عطاء أنه الانشقاق الكائن يوم القيامة. وقيل: معنى {وانشقّ القمر}: وضح الأمر وظهر، والعرب تضرب بالقمر المثل فيما وضح، وقيل: انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه، وطلوعه في أثنائها، كما يسمى الصبح فلقاً لانفلاق الظلمة عنه. قال ابن كثير: قد كان الانشقاق في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. قال: وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. قال الزجاج: زعم قوم عندوا عن القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشقّ يوم القيامة، والأمر بين في اللفظ، وإجماع أهل العلم، لأن قوله: {وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } يدلّ على أن هذا كان في الدنيا لا في القيامة. انتهى، ولم يأت من خالف الجمهور، وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة إلاّ بمجرد استبعاد، فقال: لأنه لو انشق في زمن النبوّة لم يبق أحد إلاّ رآه؛ لأنه آية والناس في الآيات سواء. ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن يراه كل أحد لا عقلاً، ولا شرعاً، ولا عادة، ومع هذا، فقد نقل إلينا بطريق التواتر، وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد، ويضرب به في وجه قائله. والحاصل أنا إذا نظرنا إلى كتاب الله، فقد أخبرنا بأنه انشقّ، ولم يخبرنا بأنه سينشق، وإن نظرنا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيح، وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوّة، وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم، فقد اتفقوا على هذا، ولا يلتفت إلى شذوذ من شذّ، واستبعاد من استبعد، وسيأتي ذكر بعض ما ورد في ذلك إن شاء الله. {وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } قال الواحدي: قال المفسرون: لما انشقّ القمر قال المشركون: سحرنا محمد، فقال الله: {وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً } يعني: انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق والإيمان بها، ويقولوا: سحر قويّ شديد يعلو كل سحر، من قولهم استمرّ الشيء: إذا قوي واستحكم، وقد قال بأن معنى {مستمرّ}: قوي شديد جماعة من أهل العلم. قال الأخفش: هو مأخوذ من إمرار الحبل، وهو شدّة فتله، وبه قال أبو العالية، والضحاك، واختاره النحاس، ومنه قول لقيط:شعر : حتَّى استمرّت على شَر لا يزنه صِدْقُ العزيمة لا رثا ولا ضَرَعا تفسير : وقال الفراء، والكسائي، وأبو عبيدة: {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } أي: ذاهب، من قولهم مرّ الشيء، واستمرّ إذا ذهب، وبه قال قتادة، ومجاهد، وغيرهما، واختاره النحاس. وقيل: معنى مستمرّ: دائم مطرد، ومنه قول الشاعر:شعر : ألا إنما الدنيا ليال وأعصر وليس على شيء قديم بمستمر تفسير : أي: بدائم باق، وقيل: {مستمرّ}: باطل، روي هذا عن أبي عبيدة أيضاً. وقيل: يشبه بعضه بعضاً، وقيل: قد مرّ من الأرض إلى السماء، وقيل: هو من المرارة، يقال: مرّ الشيء صار مرًّا، أي: مستبشع عندهم. وفي هذه الآية أعظم دليل على أن الانشقاق قد كان، كما قررناه سابقاً. ثم ذكر سبحانه تكذيبهم، فقال: {وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ } أي: وكذبوا رسول الله، وما عاينوا من قدرة الله، واتبعوا أهواءهم، وما زيّنه لهم الشيطان الرجيم، وجملة: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ } مستأنفة لتقرير بطلان ما قالوه من التكذيب، واتباع الأهواء، أي: وكل أمر من الأمور منته إلى غاية، فالخير يستقرّ بأهل الخير، والشرّ يستقر بأهل الشرّ. قال الفراء: يقول يستقرّ قرار تكذيبهم، وقرار قول المصدّقين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب. قال الكلبي: المعنى لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف. قرأ الجمهور {مستقرّ} بكسر القاف، وهو مرتفع على أنه خبر المبتدأ وهو "كل". وقرأ أبو جعفر، وزيد بن علي بجر (مستقرّ) على أنه صفة لـ {أمر}، وقرأ شيبة بفتح القاف، ورويت هذه القراءة عن نافع. قال أبو حاتم: ولا وجه لها، وقيل: لها وجه بتقدير مضاف محذوف، أي: وكل أمر ذو استقرار، أو زمان استقرار، أو مكان استقرار، على أنه مصدر، أو ظرف زمان، أو ظرف مكان {وَلَقَدْ جَاءهُم مّنَ ٱلأنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } أي: ولقد جاء كفار مكة، أو الكفار على العموم من الأنباء، ومن أخبار الأمم المكذبة المقصوصة علينا في القرآن {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } أي: ازدجار على أنه مصدر ميميّ، يقال: زجرته: إذا نهيته عن السوء ووعظته، ويجوز أن يكون اسم مكان، والمعنى: جاءهم ما فيه موضع ازدجار، أي: أنه في نفسه موضع لذلك، وأصله: مزتجر، "وتاء" الافتعال تقلب دالاً مع الزاي والدال والذال، كما تقرّر في موضعه، وقرأ زيد بن عليّ: (مزجّر) بقلب تاء الافتعال زاياً وإدغام الزاي في الزاي، و"من" في قوله: {مّنَ ٱلأنبَاء } للتبعيض، وهي وما دخلت عليه في محل نصب على الحال، وارتفاع {حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ } على أنها خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من "ما" بدل كل من كل، أو بدل اشتمال، والمعنى: أن القرآن حكمة قد بلغت الغاية ليس فيها نقص ولا خلل، وقرىء بالنصب على أنها حال من ما أي: حال كون ما فيه مزدجر حكمة بالغة {فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ } "ما" يجوز أن تكون استفهامية، وأن تكون نافية، أي: أيّ شيء تغني النذر، أو لم تغن النذر شيئًا، والفاء لترتيب عدم الإغناء على مجيء الحكمة البالغة، والنذر جمع نذير بمعنى: المنذر، أو بمعنى الإنذار على أنه مصدر. ثم أمره الله سبحانه بالإعراض عنهم، فقال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } أي: أعرض عنهم حيث لم يؤثر فيهم الإنذار، وهي منسوخة بآية السيف {يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْء نُّكُرٍ } انتصاب الظرف إما بفعل مقدّر، أي: اذكر، وإما بـ {يخرجون} المذكور بعده، وإما بقوله: {فَمَا تُغْنِـى }، ويكون قوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } اعتراض، أو بقوله: {يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } أو بقوله: {خُشَّعاً } وسقطت الواو من {يدع} اتباعاً للفظ، وقد وقعت في الرسم هكذا، وحذفت الياء من الداع للتخفيف، واكتفاء بالكسرة، والداع: هو إسرافيل، والشيء النكر: الأمر الفظيع الذي ينكرونه استعظاماً له لعدم تقدّم العهد لهم بمثله. قرأ الجمهور بضم الكاف. وقرأ ابن كثير بسكونها تخفيفاً. وقرأ مجاهد، وقتادة بكسر الكاف، وفتح الراء على صيغة الفعل المجهول {خُشَّعاً أَبْصَـٰرُهُمْ } قرأ الجمهور: {خشعاً} جمع خاشع. وقرأ حمزة، والكسائي وأبو عمرو: {خاشعاً} على الإفراد، ومنه قول الشاعر:شعر : وَشَبَاب حَسَن أَوْجُهُهُم من إياد بن نِزارِ بن مَعد تفسير : وقرأ ابن مسعود (خاشعة) قال الفراء: الصفة إذا تقدّمت على الجماعة جاز فيها التذكير والتأنيث والجمع، يعني: جمع التكسير لا جمع السلامة؛ لأنه يكون من الجمع بين فاعلين، ومثل قراءة الجمهور قول امرىء القيس:شعر : وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجلد تفسير : وانتصاب {خشعاً} على الحال من فاعل يخرجون، أو من الضمير في {عنهم}، والخشوع في البصر: الخضوع والذلة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار؛ لأن العزّ والذلّ يتبين فيها {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } أي: يخرجون من القبور، وواحد الأجداث: جدث، وهو القبر، كأنهم لكثرتهم واختلاط بعضهم ببعض جراد منتشر، أي: منبث في الأقطار مختلط بعضه ببعض. {مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ } الإهطاع: الإسراع، أي: قال كونهم مسرعين إلى الداعي، وهو إسرافيل، ومنه قول الشاعر:شعر : بِدجْلةَ دَارهُم ولقد أرَاهُمْ بِدجْلَةََ مُهْطِْعين إلى السَّماعِ تفسير : أي: مسرعين إليه، وقال الضحاك: مقبلين، وقال قتادة: عامدين. وقال عكرمة: فاتحين آذانهم إلى الصوت، والأوّل أولى، وبه قال أبو عبيدة، وغيره، وجملة: {يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } في محل نصب على الحال من ضمير {مهطعين}، والرابط مقدر، أو مستأنفة جواب سؤال مقدّر؛ كأنه قيل: فماذا يكون حينئذ، والعسر: الصعب الشديد، وفي إسناد هذا القول إلى الكفار دليل على أن اليوم ليس بشديد على المؤمنين. ثم ذكر سبحانه تفصيل بعض ما تقدّم من الأنباء المجملة فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } أي: كذبوا نبيهم، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } تفسير لما قبله من التكذيب المبهم، وفيه مزيد تقرير وتأكيد، أي: فكذبوا عبدنا نوحاً، وقيل المعنى: كذبت قوم نوح الرسل، فكذبوا عبدنا نوحاً بتكذيبهم للرسل فإنه منهم. ثم بيّن سبحانه أنهم لم يقتصروا على مجرّد التكذيب، فقال: {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ } أي: نسبوا نوحاً إلى الجنون، وقوله: {وَٱزْدُجِرَ } معطوف على قالوا، أي: وزجر عن دعوى النبوّة، وعن تبليغ ما أرسل به بأنواع الزجر، والدال بدل من تاء الافتعال، كما تقدّم قريباً، وقيل: إنه معطوف على {مجنون} أي: وقالوا إنه ازدجر. أي: ازدجرته الجنّ، وذهبت بلبه، والأوّل أولى. قال مجاهد: هو من كلام الله سبحانه أخبر عنه بأنه انتهر وزجر بالسبّ وأنواع الأذى. قال الرازي: وهذا أصح؛ لأن المقصود تقوية قلب النبيّ صلى الله عليه وسلم بذكر من تقدّمه. {فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } أي: دعا نوح ربه على قومه بأني مغلوب من جهة قومي، لتمرّدهم عن الطاعة، وزجرهم لي عن تبليغ الرسالة، فانتصر لي، أي: انتقم لي منهم. طلب من ربه سبحانه النصرة عليهم لما أيس من إجابتهم، وعلم تمرّدهم وعتوّهم، وإصرارهم على ضلالتهم. قرأ الجمهور: {أني} بفتح الهمزة، أي: بأني. وقرأ ابن أبي إسحاق، والأعمش بكسر الهمزة، ورويت هذه القراءة عن عاصم على تقدير إضمار القول، أي: فقال. ثم ذكر سبحانه ما عاقبهم به فقال: {فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ } أي منصبّ انصباباً شديداً، والهمر: الصبّ بكثرة، يقال: همر الماء والدمع يهمر همراً، وهموراً: إذا كثر، ومنه قول الشاعر:شعر : أعينيّ جُودا بالدَّموعِ الهَوَامرِ على خيرِ بَادٍ من مَعَدٍّ وحَاضِرِ تفسير : ومنه قول امرىء القيس يصف عيناً:شعر : رَاحَ تمرّ به الصَّبَا ثم انْتَحَى فيه بشُؤْبوُب جَنُوبٍ مُنْهَمرِ تفسير : قرأ الجمهور {فتحنا} مخففاً. وقرأ ابن عامر، ويعقوب بالتشديد {وَفَجَّرْنَا ٱلأرْضَ عُيُوناً } أي: جعلنا الأرض كلها عيوناً متفجرة، والأصل: فجرنا عيون الأرض. قرأ الجمهور {فجرنا} بالتشديد. وقرأ ابن مسعود، وأبو حيوة، وعاصم في رواية عنه بالتخفيف. قال عبيد بن عمير: أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها، فتفجرت بالعيون. {فَالْتَقَى ٱلمَاء عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } أي: التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قضي عليهم، أي: كائناً على حال قدّرها الله وقضى بها. وحكى ابن قتيبة أن المعنى على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر، بل كان ماء السماء وماء الأرض على سواء. قال قتادة: قدّر لهم إذا كفروا أن يغرقوا. وقرأ الجحدري (فالتقى الماءان) وقرأ الحسن (فالتقى الماوان) ورويت هذه القراءة عن عليّ بن أبي طالب، ومحمد بن كعب: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوٰحٍ وَدُسُرٍ } أي: وحملنا نوحاً على سفينة ذات ألواح، وهي الأخشاب العريضة {وَدُسُرٍ } قال الزجاج: هي المسامير التي تشدّ بها الألواح واحدها: دسار، وكل شيء أدخل في شيء يشدّه فهو الدسر، وكذا قال قتادة، ومحمد بن كعب، وابن زيد، وسعيد بن جبير، وغيرهم. وقال الحسن، وشهر بن حوشب، وعكرمة: الدسر: ظهر السفينة التي يضربها الموج، سميت بذلك لأنها تدسر الماء، أي: تدفعه، والدسر: الدفع. وقال الليث: الدسار: خيط تشدّ به ألواح السفينة. قال في الصحاح: الدسار واحد الدسر: وهي خيوط تشدّ بها ألواح السفينة، ويقال: هي المسامير {تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا } أي: بمنظر ومرأى منا وحفظ لها، كما في قوله: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } تفسير : [هود: 37] وقيل: بأمرنا، وقيل: بوحينا، وقيل: بالأعين النابعة من الأرض، وقيل: بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها {جَزَاء لّمَن كَانَ كُفِرَ } قال الفراء: فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم ثواباً لمن كفر به وجحد أمره، وهو نوح عليه السلام، فإنه كان لهم نعمة كفروها، فانتصاب {جزاء} على العلة، وقيل: على المصدرية بفعل مقدّر، أي: جازيناهم جزاء. قرأ الجمهور (كفر) مبنياً للمفعول، والمراد به نوح. وقيل: هو الله سبحانه، فإنهم كفروا به، وجحدوا نعمته. وقرأ يزيد بن رومان، وقتادة، ومجاهد، وحميد، وعيسى كفر بفتح الكاف، والفاء مبنياً للفاعل، أي: جزاء وعقاباً لمن كفر بالله. {وَلَقَدْ تَّرَكْنَـٰهَا ءايَةً } أي: السفينة تركها الله عبرة للمعتبرين، وقيل المعنى: ولقد تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة، وموعظة. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } أصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالاً مهملة، ثم أبدلت المعجمة مهملة لتقاربهما، وأدغمت الدال في الذال، والمعنى: هل من متعظ ومعتبر يتعظ بهذه الآية، ويعتبر بها. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } أي: إنذاري. قال الفراء: الإنذار والنذر مصدران، والاستفهام للتهويل والتعجيب، أي: كانا على كيفية هائلة عجيبة لا يحيط بها الوصف، وقيل: نذر جمع نذير، ونذير بمعنى الإنذار كنكير: بمعنى الإنكار {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ } أي: سهلناه للحفظ، وأعنا عليه من أراد حفظه، وقيل: هيأناه للتذكر والاتعاظ {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } أي: متعظ بمواعظه ومعتبر بعبره. وفي الآية الحث على درس القرآن، والاستكثار من تلاوته، والمسارعة في تعلمه، ومدكر أصله: مذتكر، كما تقدّم قريباً. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس: أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما. وروي عنه من طريق أخرى عند مسلم، والترمذي، وغيرهم وقال: فنزلت: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : اشهدوا»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عنه قال: رأيت القمر منشقاً شقتين مرّتين: مرّة بمكة قبل أن يخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم: شقة على أبي قبيس، وشقة على السويداء. وذكر أن هذا سبب نزول الآية. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم عنه أيضاً قال: رأيت القمر وقد انشقّ، وأبصرت الجبل بين فرجتي القمر. وله طرق عنه. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس قال: انشقّ القمر في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وله طرق عنه. وأخرج مسلم، والترمذي، وغيرهما عن ابن عمر في قوله: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } قال: كان ذلك على عهد رسول الله انشقّ فرقتين: فرقة من دون الجبل، وفرقة خلفه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«حديث : اللَّهم اشهد»تفسير : . وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير بن مطعم عن أبيه في قوله: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } قال: انشقّ القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقال الناس: سحرنا محمد، فقال رجل: إن كان سحركم، فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن مردويه، وأبو نعيم عن عبد الرحمٰن السلمي قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ }، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشقّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، اليوم المضمار وغداً السباق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مُهْطِعِينَ } قال: ناظرين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ } قال كثير: لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم، ولا بعده إلاّ من السحاب، وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءان. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه أيضاً {عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوٰحٍ وَدُسُرٍ } قال: الألواح: ألواح السفينة، والدسر: معاريضها التي تشد بها السفينة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {وَدُسُرٍ } قال: المسامير. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال: الدسر كلكل السفينة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عنه أيضاً في قوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ } قال: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلموا بكلام الله. وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } قال: هل من متذكر.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} أي دنت وقربت، قال الشاعر: شعر : قد اقتربت لو كان في قرب دارها جداء ولكن قد تضر وتنفع تفسير : والمراد بالساعة القيامة، وفي تسميتها بالساعة وجهان: أحدهما: لسرعة الأمر فيها. الثاني: لمجيئها في ساعة من يومها. وروى طارق بن شهاب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَلاَ يَزْدَادُ النَّاسُ عَلَى الدُّنْيَا إلاَّ حِرْصاً وَلاَ تَزْدَادُ مِنْهُمْ إِلاَّ بُعْداً ". تفسير : {وَانشَقَّ الْقَمَرُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه وضح الأمر وظهر والعرب تضرب مثلاً فيما وضح أمره، قال الشاعر: شعر : أقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل فقد حمت الحاجات والليل مقمر وشدت لطيات مطايا وأرحل تفسير : والثاني: أن انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها كما يسمى الصبح فلقاً لانفلاق الظلمة عنه، وقد يعبر عن انفلاقه بانشقاقه، كما قال النابغة الجعدي: شعر : فلما أدبروا ولهم دوي دعانا عند شق الصبح داعي تفسير : الثالث: أنه انشقاق القمر على حقيقة انشقاقه. وفيه على هذا التأويل قولان: أحدهما: أنه ينشق بعد مجيء الساعة وهي النفخة الثانية، قاله الحسن، قال: لأنه لو انشق ما بقي أحد إلا رأه لأنها آية والناس في الآيات سواء. الثاني: وهو قول الجمهور وظاهر التنزيل أن القمر انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن سأله عمه حمزة بن عبد المطلب حين أسلم غضباً لسب أبي جهل لرسول الله، أن يريه آية يزداد بها يقيناً في إيمانه، وروى مجاهد عن أبي معمر عن أبي مسعود قال: رأيت القمر منشقاً شقتين بمكة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، شقة على أبي قبيس، وشقة على السويدا فقالوا: سحر القمر، فنزلت {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَ الْقَمَرُ}. {وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ} فيه وجهان: أحدهما: أنه أراد أي آية روأها أعرضوا عنها ولم يعتبروا بها، وكذلك ذكرها بلفظ التنكير دون التعريف، قاله ابن بحر. الثاني: أنه عنى بالآية انشقاق القمر حين رأوه. {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} فيه خمسة أوجه: أحدها: أن معنى مستمر ذاهب، قاله أنس وأبو عبيدة. الثاني: شديد، مأخوذ من إمرار الحبل، وهو شدة فتله، قاله الأخفش والفراء. الثالث: أنه يشبه بعضه بعضاً. الرابع: أن المستمر الدائم، قال امرؤ القيس: شعر : ألا إنما الدنيا ليال وأعصر وليس على شيء قويم بمستمر تفسير : أي بدائم. الخامس: أي قد استمر من الأرض إلى السماء، قاله مجاهد. {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يوم القيامة. الثاني: كل أمر مستقر في أن الخير لأهل الخير، والشر لأهل الشر، قاله قتادة. الثالث: أن كل أمر مستقر حقه من باطله. الرابع: أن لكل شيء غاية ونهاية في وقوعه وحلوله، قاله السدي. ويحتمل خامساً، أن يريد به دوام ثواب المؤمن وعقاب الكافر. {وَلَقْدْ جَآءَهُم مِّنَ الأَنْبَآءِ} فيه وجهان: أحدهما: أحاديث الأمم الخالية، قاله الضحاك. الثاني: القرآن. {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي مانع من المعاصي. ويحتمل وجهين: أحدهما: أنه النهي. الثاني: أنه الوعيد. {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} قاله السدي: هي الرسالة والكتاب. ويحتمل أن يكون الوعد والوعيد. ويحتمل قوله: {بَالِغَةٌ} وجهين: أحدهما: بالغة في زجركم. الثاني: بالغة من الله إليكم، فيكون على الوجه الأول من المُبَالَغَةِ، وعلى الوجه الثاني من الإبْلاَغ. {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} أي فما يمنعهم التحذير من التكذيب.

ابن عطية

تفسير : {اقتربت} معناه: قربت إلا أنه أبلغ، كما أن اقتدر أبلغ من قدر. و: {الساعة} القيامة وأمرها مجهول التحديد لم يعلم، إلا أنها قربت دون تحديد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطىتفسير : . وقال أنس: حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كادت الشمس تغيب فقال: "ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقي من هذا اليوم" . تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لأرجو أن يؤخر الله أمتي نصف يوم"، تفسير : وهذا منه على جهة الرجاء والظن لم يجزم به خبراً، فأناب الله به على أمله وأخر أمته أكثر من رجائه، وكل ما يروى عن عمر الدنيا من التحديد فضعيف واهن. وقوله: {انشق القمر} إخبار عما وقع في ذلك، وذكر الثعلبي أنه قيل إن المعنى ينشق القمر يوم القيامة، وهذا ضعيف الأمة على خلافه، وذلك أن قريشاً سألت رسول الله آية فقيل مجملة، وهذا قول الجمهور، وقيل بل عاينوا شق القمر، ذكره الثعلبي عن ابن عباسحديث : فأراهم الله انشقاق القمر، فرآه رسول الله وجماعة من المسلمين والكفار، فقال رسول الله "اشهدوا""، تفسير : وممن قال من الصحابة رأيته: عبد الله بن مسعود وجبير بن مطعم وأخبر به عبد الله بن عمر وأنس وابن عباس وحذيفة بن اليمان، وقال المشركون عند ذلك: سحرنا محمد. وقال بعضهم: سحر القمر وقالت قريش استخبروا المسافرين القادمين عليكم، فما ورد أحد إلا أخبر بانشقاقه وقال ابن مسعود: رأيته انشق فذهبت فرقة وراء جبل حراء، وقال ابن زيد: كان يرى نصفه على قعيقعان والآخر على أبي قبيس. وقرأ حذيفة: "اقتربت الساعة وقد انشق القمر"، وذكر الثعلبي عنه أن قراءته: "اقتربت الساعة انشق القمر" دون واو. وقوله: {وإن يروا} جاء اللفظ مستقبلاً لينتظم ما مضى وما يأتي، فهو إخبار بأن حالهم هكذا، واختلفت الناس في معنى: {مستمر} فقال الزجاج قيل معناه: دائم متماد. وقال قتادة ومجاهد والكسائي والفراء معناه: مار ذاهب عن قريب يزول. وقال أبو العالية والضحاك معناه: مشدود من مرائير الحبل كأنه سحر قد أمر، أي أحكم. ومنه قول الشاعر [لقيط بن زرارة]: [البسيط] شعر : حتى استمرت على شزر مريرته صدق العزيمة لا رتّاً ولا ضرعا تفسير : ثم أخبر تعالى بأنهم كذبوا واتبعوا شهواتهم وما يهوون من الأمور لا بدليل ولا بتثبت، ثم قال على جهة الخبر الجزم، {وكل أمر مستقر} يقول: وكل شيء إلى غاية فالحق يستقر ظاهراً ثابتاً، والباطل يستقر زاهقاً ذاهباً. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "وكل مستقرٍ" بجر "مستقر"، يعني بذلك أشراطها. والجمهور على كسر القاف من "مستقِر" وقرأ نافع وابن نصاح بفتحها، قال أبو حاتم: لا وجه لفتح القاف. و: {الأنباء} جمع نبأ، ويدخل في هذا جميع ما جاء به القرآن من المواعظ والقصص ومثلات الأمم الكافرة، و: {مزدجر} معناه: موضع زجر وانتهاء، وأصله: مزتجر، قلبت التاء دالاً ليناسب مخرجها مخرج الزاي، وكذلك تبدل تاء افتعل من كل فعل أوله زاي كازدلف وازداد ونحوه. وقوله: {حكمة} مرتفع إما على البدل من {ما} في قوله: {ما فيه}، وإما على خبر ابتداء تقديره: هذه حكمة و: {بالغة} معناه: يبلغ المقصد بها من وعظ النفوس والبيان لمن له عقل. وقوله: {فما تغني النذر}، يحتمل أن تكون {ما} نافية، أي ليس تغني مع عتو هؤلاء الناس، ويحتمل أن تكون {ما} استفهاماً بمعنى التقرير، أي فما غناء النذر مع هؤلاء الكفرة، ثم سلى نبيه بقوله: {فتول عنهم} أي لا تذهب نفسك عليهم حسرات، وتم القول في قوله: {عنهم} ثم ابتدأ وعيدهم، والعامل في {يوم} قوله: {يخرجون}، و: {خشعاً} حال من الضمير في {يخرجون} وتصرف الفعل يقتضي تقدم الحال، قال المهدوي: ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في {عنهم}. قال الرماني المعنى: {فتول عنهم} واذكر {يوم}. وقال الحسن المعنى: {فتول عنهم} إلى {يوم}، وانحذفت الواو من {يدع} لأن كتبة المصحف اتبعوا اللفظ لا ما يقتضيه الهجاء، وأما حذف الياء من: {الداع} ونحوه، فقال سيبويه: حذفوه تخفيفاً. وقال أبو علي: حذفت مع الألف واللام إذ هي تحذف مع معاقبهما وهو التنوين. وقرأ جمهور الناس: "نكُر" بضم الكاف. وقرأ ابن كثير وشبل والحسن: "نكِر" بكسر الكاف، وقرأ مجاهد والجحدري وأبو قلابة: "نُكِرَ" بكسر الكاف وفتح الراء على أنه فعل مبني للمفعول، والمعنى في ذلك كله أنه منكور غير معروف ولا مرئي مثله. قال الخليل: النكر: نعت للأمر الشديد والرجل الداهية. وقال مالك بن عوف النصري: [الرجز] شعر : أقدم محاج إنه يوم نكر مثلي على مثلك يحمى ويكر تفسير : ونكر فعل وهو صفة، وذلك قليل في الصفات، ومنه مشية سجح وقال الشاعر [حسان بن ثابت الأنصاري]: [البسيط] شعر : دعوا التخاجؤ وامشوا مشية سجحاً إن الرجال ذوو عصب وتذكير تفسير : ومنه رجل شلل وناقة أجد. وقرأ جمهور القراء: "خشعاً" وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة والحسن وقتادة. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: "خاشعاً"، وهي قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري، وهو إفراد بمعنى الجمع، ونظيره قول الشاعر [الحارث بن أوس الإيادي]: [الرمل] شعر : وشباب حسن أوجههم من إياد بن نزار بن معد تفسير : ورجح أبو حاتم هذه القراءة وذكر أن رجلاً من المتطوعة قال قبل أن يستشهد: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فسألته عن "خشعاً وخاشعاً" فقال: "خاشعاً" بالألف، وفي مصحف أبيّ بن كعب وعبد الله: "خاشعة". وخص الأبصار بالخشوع لأنه فيها أظهر منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من حياء أو صلف أو خوف ونحوه إنما يظهر في البصر. و: {الأجداث} جمع جدث وهو القبر، وشبههم بالجراد المنتشر، وقد شبههم في أخرى بـ {أية : الفراش المبثوث} تفسير : [القارعة: 4]، وفيهم من كل هذا شبه، وذهب بعض المفسرين إلى أنهم أولاً كالفراش حين يموجون بعض في بعض ثم في رتبة أخرى كالجراد إذا توجهوا نحو المحشر والداعي، وفي الحديث: إن مريم بنت عمران دعت للجراد فقالت: اللهم اعشها بغير رضاع وتابع بينها بغير شباع. والمهطع: المسرع في مشيه نحو الشيء مع هز ورهق ومد بصر نحو المقصد، إما لخوف أو طمع أو نحوه، و {يقول الكافرون هذا يوم عسر} لما يرون من مخايل هوله وعلامات مشقته.

ابن عبد السلام

تفسير : {اقْتَرَبَتِ} دنت سميت ساعة لقرب الأمر فيها، أو لمجيئها في ساعة من يومها {وَانشَقَّ الْقَمَرُ} اتضح الأمر وظهر يضربون المثل بالقمر فيما وضع وظهر، أو انشقاقه انشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها كما سمي الصبح فلقاً لانفلاق الظلمة عنه، أو ينشق حقيقة بعد النفخة الثانية "ح"، أو انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه سلم عند الجمهور، قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ رأيت القمر منشقاً شقتين مرتين بمكة قبل مخرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء فقالوا سحر القمر.

النسفي

تفسير : {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } قربت القيامة {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } نصفين. وقرىء {وَقَدْ انشق} أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق كما تقول: أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: رأيت حراء بين فلقتي القمر. وقيل: معناه ينشق يوم القيامة. والجمهور على الأول وهو المروي في الصحيحين. ولا يقال لو انشق لما خفي على أهل الأقطار ولو ظهر عندهم لنقلوه متواتراً لأن الطباع جبلت على نشر العجائب لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم { وَإِن يَرَوْاْ } يعني أهل مكة {ءايَةً } تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم {يُعْرِضُواْ } عن الإيمان به {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } محكم قوي من المرة القوة أو دائم مطرد أو مار ذاهب يزول ولا يبقى {وَكَذَّبُواْ } النبي صلى الله عليه وسلم {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ } وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره {وَكُلُّ أَمْرٍ } وعدهم الله {مُّسْتَقِرٌّ } كائن في وقته. وقيل: كل ما قدر واقع. وقيل: كل أمر من أمرهم واقع مستقر أي سيثبت ويستقر عند ظهور العقاب والثواب {وَلَقَدْ جَاءهُمْ } أهل مكة {مّنَ ٱلأَنبَاء} من القرآن المودع أنباء القرون الخالية أو أنباء الآخرة وما وصف من عذاب الكفار {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } ازدجار عن الكفر. تقول: زجرته وازدجرته أي منعته وأصله ازتجر ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالاً لأن التاء حرف مهموس والزاي حرف مجهور، فأبدل من التاء حرف مجهور وهو الدال ليتناسبا وهذا في آخر كتاب سيبويه {حِكْمَةٌ } بدل من «ما» أو على «هو حكمة» {بَـٰلِغَةٌ } نهاية الصواب أو بالغة من الله إليهم {فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ } «ما» نفي و {ٱلنُّذُرُ } جمع نذير وهم الرسل أو المنذر به أو النذر مصدر بمعنى الإنذار. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } لعلمك أن الإنذار لا يغني فيهم. نصب {يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ } بـ {يُخْرِجُونَ } أو بإضمار اذكر. {ٱلدَّاعِىَ }، {إِلَىٰ ٱلدَّاعِىَ } سهل ويعقوب ومكي فيهما، وافق مدني وأبو عمرو في الوصل، ومن أسقط الياء اكتفى بالكسرة عنها. وحذف الواو من {يَدْعُو } في الكتابة لمتابعة اللفظ، والداعي إسرافيل عليه السلام {إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ} منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثلة وهو هول يوم القيامة {نُّكُرٍ} بالتخفيف: مكي {خُشَّعاً أَبْصَـٰرُهُمْ } {خَـٰشِعاً } عراقي غير عاصمٍ وهو حال من الخارجين وهو فعل للأبصار، وذكر كما تقول يخشع أبصارهم غيرهم خشعاً على يخشعن أبصارهم وهي لغة من يقول «أكلوني البراغيث». ويجوز أن يكون في {خُشَّعاً } ضميرهم وتقع {أَبْصَـٰرَهُمْ } بدلاً عنه، وخشوع الأبصار كناية عن الذلة لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تظهران في عيونهما {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ } من القبور {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } في كثرتهم وتفرقهم في كل جهة. والجراد مثل في الكثرة والتموج يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض جاءوا كالجراد {مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ } مسرعين مادي أعناقهم إليه {يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } صعب شديد. {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } قبل أهل مكة {قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } نوحاً عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب أنهم كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأساً كذبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ } أي هو مجنون {وَٱزْدُجِرَ } زجر عن أداء الرسالة بالشتم وهدد بالشتم وهدد بالقتل، أو هو من جملة قيلهم أي قالوا هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته وذهبت بلبه {فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى } أي بأني {مَغْلُوبٌ } غلبني قومي فلم يسمعوا مني واستحكم اليأس من إجابتهم لي {فَٱنتَصِرْ } فانتقم لي منهم بعذاب تبعثه عليهم {فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء } {فَفَتَحْنَا } شامي ويزيد وسهل ويعقوب {بِمَاء مُّنْهَمِرٍ } منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوماً {وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً } وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر وهو أبلغ من قولك «وفجرنا عيون الأرض» {فَالْتَقَى ٱلمَاء } أي مياه السماء والأرض وقرىء {الماءان} أي النوعان من الماء السماوي والأرضي {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} على حال قدرها الله كيف شاء أو على أمر قد قدر في اللوح المحفوظ أنه يكون وهو هلاك قوم نوح بالطوفان.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {اقتربت الساعة} أي دنت القيامة {وانشق القمر} قيل: فيه تقديم وتأخير تقديره انشق القمر واقتربت الساعة وانشقاق القمر من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم الظاهرة ومعجزاته يدل عليه ما روي عن أنس: "حديث : أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين ". تفسير : أخرجه البخاري ومسلم. وزاد الترمذي فنزلت {اقتربت الساعة وانشق القمر} إلى قوله {سحر مستمر} ولهما عن ابن مسعود. قال: "حديث : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا" تفسير : وفي رواية أخرى قال: "حديث : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فلقة فوق الجبل، وفلقة دونه. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا" تفسير : ولهما عن ابن عباس قال: "إن القمر انشق في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم" (م) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "حديث : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقتين فستر الجبل فلقة وكانت فلقة فوق الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا" تفسير : وعن جبير بن مطعم قال: "حديث : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين فقالت قريش سحر محمد أعيننا، فقال بعضهم لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلهم" تفسير : أخرجه الترمذي وزاد غيره فكانوا يتلقون الركبان فيخبرونهم بأنهم قد رأوه فيكذبونهم. قال مقاتل: انشق القمر ثم التأم بعد ذلك. وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة فسألوا السفارة فقالوا: نعم. قد رأيناه فأنزل الله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر}. فهذه الأحاديث الصحيحة قد وردت بهذه المعجزة العظيمة، مع شهادة القرآن المجيد بذلك فإنه أدل دليل وأقوى مثبت له وإمكانه لا يشك فيه مؤمن وقد أخبر عنه الصادق فيجب الإيمان به واعتقاد وقوعه. وقال الشيخ محيي الدين النووي في شرح صحيح مسلم، قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين المخالفي الملة وذلك لما أعمى الله قلبه ولا إنكار للعقل فيها لأن القمر مخلوق لله تعالى يفعل فيه ما يشاء كما يفنيه ويكوره في آخر أمره. فأما قول بعض الملاحدة لو وقع هذا النقل متواتراً واشترك أهل الأرض كلهم في رؤيتهم له ومعرفته ولم يختص بها أهل مكة فأجاب العلماء عن هذا بأن هذا الانشقاق حصل في الليل ومعظم الناس نيام غافلون والأبواب مغلقة وهم مغطون بثيابهم فقل من يتفكر في السماء أو ينظر إليها إلا الشاذ النادر. ومما هو مشاهد معتاد أن كسوف القمر وغيره مما يحدث في السماء في الليل من العجائب والأنوار والطوالع والشهب العظام ونحو ذلك يقع ولا يتحدث به إلا آحاد الناس ولا علم عند غيرهم بذلك لما ذكرناه من غفلة الناس. وكان هذا الانشقاق آية عظيمة حصلت في الليل لقوم سألوها واقترحوا رؤيتها، فلم يتأهب غيرهم لها. قال العلماء: وقد يكون القمر حينئذ في بعض المجاري والمنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض كما يكون ظاهراً لقوم غائباً عن قوم وكما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد والله أعلم وقيل في معنى الآية ينشق القمر يوم القيامة وهذا قول باطل لا يصح وشاذ لا يثبت لإجماع المفسرين على خلافه ولأن الله ذكره بلفظ الماضي وحمل الماضي على المستقبل بعيد يفتقر إلى قرينة تنقله أو دليل يدل عليه وفي قوله تعالى: {وإن يروا آية يعرضوا} دليل على وجود هذه الآية العظيمة وقد كان ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى: وإن يروا آية أي تدل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بالآية هنا انشقاق القمر يعرضوا أي عن التصديق بها {ويقولوا سحر مستمر} أي دائم مضطرد. وكل شيء دام حاله قيل فيه: مستمر. وذلك لما رأوا تتابع المعجزات وترادف الآيات فقالوا هذا سحر مستمر: وقيل مستمر أي قوي محكم شديد بعلوه يعلو كل سحر. قيل: مستمر أي ذاهب سوف يبطل ويذهب ولا يبقى وإنما قالوا ذلك تمنية لأنفسهم وتعليلاً {وكذبوا} يعني النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله {واتبعوا أهواءهم} أي ما زين لهم الشيطان من الباطل وقيل: هو قولهم إنه سحر القمر {وكل أمر مستقر} أي لكل أمر حقيقة فما كان منه في الدنيا فسيظهر وما كان منه في الآخرة فسيعرف. وقيل: كل أمر مستقر. فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار، وقيل: يستقر قول المصدقين والمكذبين حين يعرفون حقيقته بالثواب أو العقاب. وقيل: معناه لكل حديث منتهى. وقيل: ما قدر فهو كائن وواقع لا محالة. وقيل: هو جواب قولهم سحر مستمر يعني ليس أمره بذاهب كما زعمتم بل كل أمر من أموره مستقر وإن أمر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيظهر إلى غاية يتبين فيها أنه حق.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {مستقر} بالجر: يزيد {الداعي} {إلى الداعي} بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل فيهما بالياء {يدع الداع} بغير ياء في الحالين {إلى الداع} في الوصل: قالون. الباقون: بغير ياء في الحالين {شيء نكر} بسكون الكاف: ابن كثير {خاشعاً} بالألف: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف. الآخرون {خشعاً} كركع. {ففتحنا} بالتشديد: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب {وفجرنا} بالتخفيف: أبو زيد عن المفضل و{ونذري} وما بعده بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل. {أو لقي} مثل أو "نبئكم" {ستعلمون} على الخطاب: ابن عامر وحمزة {سنهزم} بالنون الجمع بالنصب: روح وزيد عن يعقوب. الوقوف {القمر} ه {مستمر} ه {مستقر} ه {مزدجر} ه لا بناء على أن قوله {حكمه} بدل من "ما" أو من {مزدجر} {النذر} ه لا للعطف مع اتصاله المعنى {عنهم} م لأنه لو وصل لأوهم أن الظرف متصل به وليس كذلك بل هو ظرف {يخرجون} {نكر} ه لا لاتصال الحال بالظرف من قبل اتحاد عاملها {منتشر} ه لا لأن {مهطعين} حال بعد حال {الداع} ط {عسر} ه {وازدجر} ه {فانتصر} ه {منهمر} ه ز للعطف مع اتحاد مقصود الكلام {قدر} ه ج للعارض من الجملتين المتفقتين وللآية مع احتمال الحال أي وقد حملناه {ودسر} ه لا لأن {تجري} صفة لها {بأعيننا} ج لأن جزاء مفعول له أو مصدر لفعل محذوف {كفر} ه {مدكر} ه {ونذر} ه {مدكر} ه {ونذر} ه {مستمر} ه لا لأن ما بعده صفة الناس لا لأن {كأنهم } حال {منقعر} ه {ونذر} ه {مدكر} ه {بالنذر} ه {نتبعه} لا لتعلق "إذا" بها {وسعر} ه {أشر} ه {الأشر} ه {واصطبر} ه لا للعطف {بينهم} ج لأن كل مبتدأ مع أن الجملة من بيان ما تقدم {محتضر} ه {فعقر} ه {ونذر} ه {المحتظر} ه {مدكر} ه {بالنذر} ه {لوط} ط لأن الجملة لا تصلح صفة للمعرفة {بسحر} ه لا {عندنا} ط {شكر} ه {بالنذر} ه {ونذر} ه {مستقر} ه ج للفاء أي فقيل لهم ذقوا {ونذر} ه {مدكر} ه {النذر} ه ج لاتصال المعنى بلا عطف {مقتدر} ه {في الزبر} ه ج لأن ما بعده يصلح استفهام إنكار مستأنف ويصلح بدلاً عن "أم" قبلة {منتصر} ه {الدبر} ه {وأمر} ه {وسعر} ط بناء على أن {يوم} ليس ظرفاً لضلال وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذقوا {وجوهم} ط {سقر} ه {بقدر} ه {بالبصر} ج {مدكر} ه {الزبر} ه {مستطر} ه {ونهر} ه لا لأن ما بعده بدل {مقتدر} ه. التفسير: أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة {أية : أزفت الآزفة} تفسير : [النجم: 57] إلا أنه ذكر ههنا دليلاً على الاقتراب وهو قوله {وانشق القمر} في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر مرتين. وعن ابن عباس: انفاق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت. وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم هذا قول أكثر الفسرين. وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله، وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك. وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر. وأيضاً إنه سبحانه جعل انشاق القمر آية من الآيات لرسوله ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب. وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي. هذا مع أن استدلالهم على امتناع الخرق في السماويات لا يتم كما بينا في الحكمة. وكيف يدل انشقاق القمر على اقتراب الساعة نقول: من جهة إن ذلك يدل على جواز انخراق السماويات وخرابها خلاف ما زعمه منكرو الحشر من الفلاسفة وغيرهم. ومن ههنا ظن بعضهم وإليه ميل الإمام فخر الدين الرازي أن المراد باقتراب الساعة ليس هو القرب الزماني وإنما المراد قربها في العقول في الأذهان كأنه لم يبق بعد ظهور هذه الآية للمكر مجال. واستعمال لفظ الاقتراب ههنا مع أنه مقطوع به كاستعمال "لعل" في قوله {أية : لعل الساعة تكون قريباً}تفسير : [الأحزاب: 63] والأمر عند الله معلوم. قال: وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل لئلا يبقى للكافر مجال الجدال فإنه قد مضى قرب سبعمائة سنة ولم تقم الساعة ولا يصح إطلاق لفظ القرب على مثل هذا الزمان. والجواب أن كل ما هو آتٍ قريب وزمان العالم زمان مديد والباقي بالنسبة على الماضي شيء يسير قال أهل اللغة: في "افتعل" مزيد تشجم ومبالغة فمعنى اقترب دنا دنواً قريباً، وكذلك اقتدر أبلغ من قدر. ثم بين أن ظهور آيات الله لا يؤثر فيهم بل يزيد في عنادهم وتمردهم حتى سموها سحراً مستمراً أي دائماً مطرداً كأنهم قابلوا ترادف الآيات وتتابع المعجزات باستمرار السحر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي كل أوان بمعجزة قولية أو فعلية سماوية أو أرضية. وقيل: هو من قولهم "حبل مرير الفتل" من المرة وهي الشدة أي سحر قوي محكم. وقيل: من المرارة يقال: استمر الشيء إذا اشتد مراراته أي سحر مستبشع مر في مذاقنا. وقيل: مستمر أي مار ذاهب زائل عما قريب. عللوا أنفسهم بالأماني الفارغة فخيب الله آمالهم بإعلاء الدين وتكامل قوته كل يوم. والظاهر أن قوله {وأن يروا} إلى آخر الآية. جملة معترضة بياناً لما اعتادوه عند رؤية الآيات. وقوله {وكذبوا} عطف على قوله {اقترب} كأنهم قابلوا الاقتراب والانشقاق بالتكذيب واتباع الأهواء. والمعنى وكذبوا بالأخبار عن اقتراب الساعة {واتبعوا أهواءهم} في أن محمد صلى الله عليه وسلم ساحر أو كاهن أو كذبوا بانشقاق القمر واتبعوا آراءهم الفاسدة في أنه خسوف عرض للقمر وكذلك كل آية {وكل أمر مستقر} صائر إلى غاية وأن أمر محمد صلى الله عليه وسلم سيصير إلى حد يعرف منه حقيقته وكذلك أمرهم مستقر على حالة البطلان والخذلان. ومن قرأ بالجر فلعطف {كل} على الساعة أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر وبين حاله. ثم أشار بقوله {ولقد جاءهم} إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد فأخبرهم الرسول باقتراب القيامة وأقام الدليل على صدقه ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة. وفي كل ذلك {مزدجر} لهم أي ازدجار أو موضع ازدجار ومظنة ادكار وهو افتعال من الزجر قلبت التاء دالاً. وقوله {حكمة} يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا الترتيب في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان {فما تغنى} نفي أو استفهام إنكار معناه أنك أتيت بما عليك من دعوى النبوة مقرونة بالآية الباهرة وأنذرتهم بأحوال الأقدمين فلم يفدهم فأي غناء تغنى النذر أي الإنذارات بعد هذا {فتول عنهم} لعلمك أن الإنذار لا يفيد فيهم ولا يظهر الحق لهم إلى يوم البعص والنشور. والداعي إسرافيل أو جبريل ينادي إلى شيء منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة. وتخصيص المدعوين بالكافرين من حيث إنهم هم الذين يكرهون ذلك اليوم من ضيق العطن قوله {خاشعاً} حال من الخارجين والفعل للأبصار. وليس قراءة من قرأ {خشعاً} على الجمع من باب " أكلوني البراغيث" كما ظن في الكشاف، ولكنه أحسن من ذلك ولهذا تواترت قراءته لعدم مشابهة الفعل صورة. تقول في السعة "قام رجل قعود غلمانه" وضعف "قاعدون" وضعف منه "يقعدون" لأن زيادة الحرف ليست في قوة زيادة الاسم. وجوز أن يكون في {خشعاً} ضميرهم ويقع أبصارهم بدلاً عنه. وخشوع الأبصار سكونها على هيئة لا تلتفت يمنة ويسرة كقوله {أية : لا يرتد إليهم طرفهم}تفسير : [إبراهيم: 43] والأجداث القبور شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان. وقيل: المنتشر مطاوع أنشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض وبدب فيكون إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم. ومعنى مهطعين مسرعين وقد مر في إبراهيم عليه السلام. ثم إنه سبحانه أعاد بعض الأنباء وقدم قصة نوح على عاد وفائدة، قوله {فكذبوا عبدنا} بعد قوله {كذبت قبلهم قوم نوح} هي فائدة التخصيص بعد التعميم أي كذبت الرسل أجمعين فلذلك كذبوا نوحاً. ويجوز أن يكون المراد التكرير أي تكذيباً عقيب تكذيب، كلما مضى منهم قرن تبعه قرن آخر مكذب. وقوله {عبدنا} تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ ولم يكن على وجه الأرض حينئذ عابد لله سواه فكذبوه {وقالوا} هو {مجنون} وازدجروه أي استقبلوه بالضرب والشتم وغير ذلك من الزواجر عن تبليغ ام أمر به. وجوز أن يكون من جملة قولهم أي قالوا ازدجرته الجن ومسته وذهبت بلبه {فدعى ربه أني مغلوب} غلبني قومي بالإيذاء والتكذيب. وقيل: غلبتني نفسي بالدعاء عليهم حين أيست من إجابتهم لي {فانتصر} منهم فانتقم منهم لي أو لدينك روي أن الواحد من قومه كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وأبواب السماء وفتحها حقيقة عند من يجوز لها أبواباً وفيها مياهاً. وعند أهل البحث والتدقيق هو مجاز عن كثرة انصباب الماء من ذلك الصوب كما يقال في المطر الوابل "جرت ميازيب السماء وفتحت أفواه القرب" والباء للآية نحو: فتحت الباب بالمفتاح. ونظيره قول القائل "يفتح الله لك بخير". وفيه لطيفة هي جعل المقصود مقدماً في الوجود والتقدير يفيض الله لك خيراً يأتي ويفتح لك الباب. ويجوز أن يراد فتحنا أبواب السماء مقرونة {بماء منهمر} منصب في كثرة وتتابع أربعين يوماً. قال علماء البيان: قوله {فجرنا الأرض عيوناً} أبلغ من أن لو قال "وفجرنا عيون الأرض" أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة نظيره {أية : واشتعل الرأس شيباً}تفسير : [مريم: 4] وقد مر {فالتقى الماء} أي جنسه يعني مياه السماء والأرض يؤيده قراءة من قرأ {فالتقى الماآن} {على أمر قد قدر} أي على حال قدرها الله عز وجل كيف شاء، أو على حال جاءت مقدرة متساوية أي قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، ولعله إشارة إلى أن ماء الأرض ينبع من العيون حتى إذا ارتفع وعلا لقيه ماء السماء. ويحتمل أن يقال: اجتمع الماء على أمر هلاكهم وهو مقدر في اللوح {وذات ألواح ودسر} هي السفينة وهي من الصفات التي تؤدي مؤدى الموصوف فتنوب منابه. وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه. والدسر المسامير جمع دسار من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه. فعلنا كل ما ذكرنا من فتح أبواب السماء وغيره {جزاء} أو جزيناهم جزاء{لمن كان كفر} وهو نوح عليه السلام لأن وجود النبي صلى الله عليه وسلم نعمة من الله وتكذيبه كفرانها. يحكى أن رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك. فسئل عن معناه قال: أنت نعمة حمدت الله عيلها. والضمير في {تركناها} للسفينة أو للفعلة كما مر في "العنكبوت" {أية : فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين}تفسير : [الآية: 15] والمدكر المعتبر وأصله "مذتكر" افتعال من الذكر والاستفهام فيه وفي قوله {كيف كان عذابي ونذر} أي إنذاراتي للتوبيخ والتخويف {ولقد يسرنا القرآن} سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية. وقيل: للحفظ والأول أنسب بالمقام. وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظاً على ظهر القلب سوى القرآن. سؤال: ما الحكمة في تكرير ما كرر في هذه السورة من الآي؟ والجواب أن فائدته تجديد التنبيه على الادكار والاتعاظ والتوقيف على تعذيب الأمم السالفة ليعتبروا بحالهم، وطالما قرعت العصا لذوي الحلوم وأصحاب النهي وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عد كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عد كل آية لتكون مصورة للأذهان محفوظة في كل أوان. ونفس هذه القصص كم كررت في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب لأن التكرير يوجب التقرير والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لمن يعرف من غيره، وإنما كرر قوله {فكيف كان عذابي ونذر} مرتين في قصة عاد لأن الاستفهام الأول أورده للبيان كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسؤول سائلاً فيقول: كيف هي؟ فيقول المعلم: إنها كذا وكذا. والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف. فأما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار وفي قصة نوح اقتصر على الثاني لذلك. ولعله ذكر الاستفهامين معاً في قصة عاد لفرط عتوهم وقولهم {أية : من أشد منا قوة} تفسير : [فصلت: 15] وقد مر في حم السجدة تفسير الصرصر والأيام النحسات. وإنما وحد ههنا لأنه أراد مبدأ الأيام ووصفه بالمستمر أغنى عن جمعه أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم. قيل: استمر عليهم جميعاً على كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة. وقيل: المستمر الشديد المرارة. {تنزع الناس} تقلعهم عن أماكنهم فتكبهم وتدق رقابهم {كأنهم أعجاز نخل منقعر} منقلع عن مغارسه. وفي هذا التشبيه إشارة إلى جثثهم الطوال العظام، ويجوز أن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤس كأعجاز النخل أصولاً بلا فروع. قال النحويون: اسم الجنس الذي تميز واحده بالتاء جاز في وصفه التذكير كما في الآية، والتأنيث كما في قوله {أية : أعجاز نخل خاوية}تفسير : [الحاقة: 7] هذا مع أن كلاً من السورتين وردت على مقتضى الفواصل. قوله {أبشراً} من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وإنما أولى حرف الاستفهام ليعلم أن الإنكار لم يقع على مجرد الاتباع ولكنه وقع على اتباع البشر الموصوف وأنه من جهات إحداها كونه بشراً وذلك لزعمهم أن الرسول لا يكون بشراً. الثاني كونه منهم وفيه بيان قوة المماثلة، وفيه بيان مزيد استكبار أن يكون الواحد منهم مختصاً بالنبوة مع أنهم أعرف بحاله. الثالثة كونه واحداً، أي كيف تتبع الأمة رجلاً أو أرادوا أنه واحد من الآحاد دون الأشراف. والسعر النيران جميع سعير للمبالغة، أو لأن جهنم دركات، أو لدوام العذاب كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وفي سعر فعكسوا عليه قائلين: إن اتبعانك كنا إذاً كما تقول. وقيل: الضلال البعد عن الصواب، والسعر الجنون ومنه "ناقة مسعورة" وفي قوله {أءلقي الذكر عليه من بيننا} تصريح بما ذكرنا من أن واحداً منهم كيف اختص بالنبوة. وفي الإلقاء أيضاً تعجب آخر منهم وذلك أن الإلقاء إنزال بسرعة كأنهم قالوا: الملك جسم والسماء بعيدة فكيف نزل في لحظة واحدة؟ أنكروا أصل الإلقاء ثم الإلقاء عليه من بينهم. والأشر البطر المتكبر أي حمله بطره وشطارته على ادعاء ما ليس له. ثم قال سبحانه تهديداً لهم ولأمثالهم {سيعلمون غداً} أي فيما يستقبل من الزمان هو وقت نزول العذاب أو يوم القيامة {من الكذاب الأشر} بالتشديد أي الأبلغ في الشرارة. وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وأشر. وذلك أصل مرفوض. ومن قرأ {ستعلمون} على الخطاب فإما حكاية جواب صالح أو هو على طريقة الالتفات. ثم إنه تعالى خاطب صالحاً بقوله {إنا مرسلو الناقة} أي مخرجوها من الصخرة كما سألوا فتنة وامتحاناً لهم. {فارتقبهم} وتبصر ما هم فاعلون بها {واصطبر} على إيذائهم {ونبئهم أن الماء قسمة} أي مقسوم {بينهم} خص العقلاء بالذكر تغليباً {كل شرب محتضر} فيه يوم لها ويوم لهم كما قال عز من قائل {أية : لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} تفسير : [الشعراء: 155] وقد مر في "الشعراء" وقال في الكشاف: محضور لهم وللناقة وفيه إبهام. وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في شربها {فنادوا صاحبهم} وهو قدار نداء المستغيث وكان أشجع وأهجم على الأمور أو كان رئيسهم. {فتعاطى} فاجترأ على الأمر العظيم فتناول العقر وأحدثه بها أو تعاطى الناقة أو السيف او الأجر. والهشيم الشجر اليابس المتهشم أي المتكسر والمحتظر الذي يعمل الحظيرة، ووجه التشبيه أن ما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتكسر وأنهم صاروا موتى جاثمين ملقى بعضهم فوق بعض كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع. ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم وقوداً للجحيم كقوله {فكانوا لجهنم حطباً} والحاصب الريح التي ترميهم بالحجارة وقد مرّ في "العنكبوت". ولعل التذكير بتأويل العذاب. والسحر القطعة من الليل وهو السدس الآخر كما مر في "هود" و "والحجر". وصرف لأنه نكرة وإذا أردت سحر يومك لم تصرفه. والظاهر أن الاستثناء من الضمير في {عليهم} لأنه أقرب ولأنه المقصود. وجوز أن يكون استثناء من فاعل كذبت وهو بعيد {نعمة} مفعول له أي إنعاماً. وقوله {كذلك نجزي من شكر} أكثر المفسرين على أنه إشارة إلى أنه تعالى يصون من عذاب الدنيا كل من شكر نعمة الله بالطاعة والإيمان. وقيل: إنه وعد بثواب الآخرة أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا ننعم عليهم يوم الحساب بالثواب. وحين أجمل قصتهم فصلها بعض التفصيل قائلاً {ولقد أنذرهم} أي لوط {بطشتنا} شدة أخذنا بالعذاب {فتماروا بالنذر} فتشاكوا بالإنذارات {ولقد راودوه عن ضيفه} معناها قريب من المطالبة كما مر في "يوسف". والضمير للقوم باعتبار البعض لأن بعضهم راودوه وكان غيرهم راضين بذلك فكانوا جميعاً على مذهب واحد. {فطمسنا أعينهم} مسخناها وجعلناها مع الوجه صفحة ملساء لا يرى لها شق. وإنما قال في "يس" {أية : ولو نشاء لطمسنا على أعينهم} تفسير : [الآية: 66] بزيادة حرف الجر لأنه أراد به إطباق الجفنين على العين وهو أمر كثير الوقوع قريب الإمكان بخلاف ما وقع للمراودين من قوم لوط فإنه أنذر وأبعد والكل بالإضافة إلى قدرة الله تعالى واحد، إلا أنه حين علق الطمس بالمشيئة ذكر ما هو أقرب إلى الوقوع كيلا يكون للمنكر مجال كثير. ونقل عن ابن عباس أن المراد بالطمس المنع عن الإدراك فما جعل على بصرهم شيئاً غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً. ولعل في هذا النقل خللاً لأنه لا يناسب قوله عقيب ذكر الطمس {فذوقوا عذابي ونذر} أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي. ثم حكى العذاب الذي عم الكل بقوله {ولقد صبحهم} ولقائل أن يسأل: مع الفائدة في قوله {بكرة} مع قوله {صبحهم} والجواب أن {صبحهم} يشمل من أول الصبح إلى آخر الإسفار وأنه تعالى وعدهم أول الصبح كما قال {أية : إن موعدهم الصبح}تفسير : [هود: 81] فأراد بقوله {بكرة} تحقيق ذلك الوعد. ويمكن أن يقال: قد يذكر الوقت المبهم لبيان أن تعيين الوقت غير مقصود كما تقول: خرجنا في بعض الأوقات ولا فائدة فيه إلا قطع المسافة. فإنه ربما يقول السامع متى خرجتم فيحتاج إلى أن تقول في وقت كذا أو في وقت من الأوقات. فإذا قال من أول الأمر في وقت من الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته وبمثله أجيب عن قوله {أية : سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً}تفسير : [الإسراء: 1] ويحتمل أن يقال: {صبحهم} معناه قال لهم بكرة عموا صباحاً وهو بطريق التهكم كقوله {أية : فبشرهم بعذاب}تفسير : [آل عمران: 21] ويجوز أن يكون التصبيح بمعنى الإغاثة من قولهم "يا صباحاه" والعذاب المستقر الثابت الذي لا مدفع له أو الذي استقر عليهم ودام إلى الاستئصال الكلي أو إلى القيامة وما بعدها. قوله {ولقد جاء آل فرعون النذر} يعني موسى وهارون وغيرهما وأنهما عرضا عليه ما أنذر به المرسلون وهو بمعنى الإنذارات {بآياتنا كلها} هي الآيات التسع أو جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن تكذيب البعض تكذيب الكل العزيز المقتدر الغالب الذي لا يعجزه شيء. ثم خاطب كفار أهل مكة بقوله {أكفاركم خير من أولئكم} المكذبين وهو استفهام إنكار لأن الأقدمين كانوا أكثر عدداً وقوة وبطشاً {أم لكم براءة في الزبر} الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمناً من سخط الله فأمنتم بتلك البراة كما أن البيداء وهو من في يده قانون أصل الخراج إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة {أم يقولون نحن جميع} جمع مجتمع أمرنا {منتصر} منتقم عن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف فقال: نحن ننصر اليوم من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فنزلت {سيهزم الجمع ويولون الدبر} أي الأدبار. عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم؟ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يثبت في الدرع ويقول {سيهزم الجمع} عرف تأويلها {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى} من أنواع عذاب الدنيا أو أدهى الدواهي. والداهية اسم فاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ويختص بأمر صعب كالحادثة والنازلة. {وأمر} من المرارة. وقيل: من المرور أي أدوم وأكثر مروراً. وقيل: من المرة الشدة. قوله {إن المجرمين} الآية. روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله {خلقناه بقدر} وعن عائشة أن النبي صلى الله عيله وسلم قال "حديث : مجوس هذه الأمة القدرية"تفسير : وهو المجرمون الذين سماهم الله في قوله {إن المجرمين في ضلال} عن الحق في الدنيا {وسعر} وهو نيران في الآخرة أو في ضلال وجنون في الدنيا لا يهتدون ولا يعقلون. أو في ضلال وسعر في الآخرة، لأنهم لا يجدون إلى مقصودهم وإلى الجنة سبيلاً. والنيران ظاهر أنها في الآخرة، وسقر علم لجهنم من سقرته النار وصقرته إذا لوحته،والمشهور بناء على الحديث المذكور أن قوله {إنا كل شيء} متعلق بما قبله كأنه قال: إن مس النار جزاء من أنكر هذا المعنى وهو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر. قال النحويون: النصب في مثل هذا الصور لازم لئلا يلتبس المفسر بالصفة، وذلك أن النصب نص في المعنى المقصود وأما الرفع فيحتمل معنيين: أحدهما كل شيء فإنه مخلوق بقدر هو يؤدي مؤدى النصب، والآخر كل شيء مخلوق لنا فإنه بقدر وهذا غير مقصود بل فاسد إذ يفهم منه أن شيئاً من الأشياء غير مخلوق لله ليس بقدر والقدر التقدير أي كل شيء خلقناه مرتباً على وفق الحكمة أو مقدراً مكتوباً في اللوح ثابتاً في سابق العلم الأزلي. واعلم أنه قد مر في هذا الكتاب أن الجبري يقول القدرية التي ذمها النبي صلى الله عليه وسلم هو المعتزلي الذي ينفي كون الطاعة والمعصية بتقدير الله. والمعتزلة تقول: الجبري الذي يدعي أن الزنا والسرقة وغيرهما من القبائح كلها بتقدير الله تعالى. وكذا حال السني لأنه وإن كان يثبت للعبد كسباً إلا أنه يسند الخير والشر إلى القضاء والقدر وقال بعض العلماء: إن كل واحد من الفريقين لا يدخل في اسم القدرية إلا إذا كان النافي نافياً لقدرة الله لا أن يقول: هو قادر على أن يلجىء العبد إلى الطاعة ولكن حكمته اقتضت بناء التكليف على الاختيار وإلا كان المثبت منكراً للتكليف وهم أهل الإباحة القائلين بأن الكل إذا كان بتقدير الله فلا فائدة في التكليف. ولعل وجه تشبيههم بالمجوس أنهم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم كالمجوس يام بين الكفار المتقدمين فكما أن المجوس نوع من الكفرة أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة وبهذا التأويل لا يلزم الجزم بأنهم من أهل النار، وأيضاً لعل اسم القدرية لأهل الإثبات أولى منه لأهل النفي كما تقول: دهري لأنه يقول بالدهر والثنوية لإثباتهم إليهن اثنين أو نوراً وظلمة. وقال بعضهم: هذا الاسم بأهل النفي أولى لأن الآية نزلت في منكري القدرة وهم المشركون القائلون بأن الحوادث كلها مستندة إلى اتصالات الكواكب وانصرافاتها فلا قدرة لله على شيء من ذلك. قوله {وما أمرنا إلا واحدة} أي إلا كلمة واحدة وهي "كن" تأكيد إثبات القدرة له وقد مر مثله في "النحل". وقوله {كلمح بالبصر} تأكيد على تأكيد وهذا تمثيل وإلا فتكوينه وإيجاده عين مشيئته وأرادته. ومعنى الخلق والأمر أيضاً تقدم مشتبعاً في "الأعراف" ثم هددهم مرة أخرى بقوله {ولقد أهلكنا أشياعكم} أي أشباهكم في الكفر من الأمم. ثم ذكر نوعاً آخر من التهديد مع بيان كمال القدرة والعلم فقال {وكل شيء فعلوه في الزبر} أي في صحف الحفظة. قال النحويون: هذا مما التزم فيه الرفع لأن النصب يكون نصاً في معنى غير مقصود بل فاسد إذ يلزم منه أن يكون {كل شيء} مفعولاً {في الزبر} وهذا معنى غير مستقيم كما ترى. وأما الرفع فيحتمل معنيين. أحدهما صحيح مقصود وهو أن يقدر قوله {فعلوهن} صفة لـ{شيء} والظرف خبر أي كل شيء مفعول للناس فإنه في الزبر. والآخر أن تقدر الجملة خبر أو يبقى الظرف لغواً فيؤدي الكلام حينئذ مؤدي النصب، ولا ريب أن الوجه الذي يصح المعنى فيه على أحد الاحتمالين أولى من الذي يكون نصاً في المعنى الفاسد. ثم أكدالمعنى المذكور بقوله {وكل صغير وكبير} من الأعمال بل مما وجد ويوجد {مستطر} أي مسطور في اللوح. ثم ختم السورة بوعد المتقين. والنهر جنس أريد به الأنهار اكتفى به للفاصلة. ولما سلف مثله مراراً كقوله {أية : إن المتقين في جنات وعيون}تفسير : [الذاريات: 15] وقيل: معناه السعة والضياء من النهار {في مقعد صدق} وفي مكان مرضيّ من الجنة مقربين {عند مليك مقتدر} لا يكتنه كنه عظمته واقتداره نظيره قول القائل "فلان في بلدة كذا في دار كذا مقرب عند الملك". ويحتمل أن يكون الظرف صفة {مقعد صدق} كما يقال "قليل عند أمين خير من كثير عند خائن". قال أهل اللغة: القعود يدل على المكث بخلاف الجلوس ولهذا يقال للمؤمن "مقعد دون مجلس" ومنه قواعد البيت، وكذا في سائر تقاليبه من نحو وقع أي لزق بالأرض وعقد. والإضافة في {مقعد صدق} كهي في قولك "رجل صدق" أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها. ويجوز أن يكون سبب الإضافة أن الصادق قد أخبرعنه وهو الله ورسوله، أو الصادق اعتقد فه وهو المكلف، أو يراد مقعد لا يوجد فيه كذب فإن من وصل إلى الله استحال عليه إلا الصدق وهو تبارك وتعالى أعلم وأجل وأكرم.

الثعالبي

تفسير : قوله سبحانه: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} معناه: قربت الساعة، وهي القيامة، وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يُرْوَى في عمر الدنيا من التحديد فضعيف. وقوله: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} إخبار عمَّا وقع؛ وذلك أَنَّ قريشاً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آيةً فَأَرَاهُمُ اللَّهُ ٱنْشِقَاقَ الْقَمَرِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالكُفَّارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ٱشْهَدُوا. وقوله: {وَإِن يَرَوْاْ}: جاء اللفظ مستقبلاً، لينتظمَ ما مضى وما يأتي، فهو إخبار بأنَّ حالهم هكذا. وقوله: {مُّسْتَمِرٌّ}: قال الزَّجَّاجُ: قيل معناه: دائم متمادٍ، وقال قتادة وغيره: معناه: مارٌّ ذاهب عن قريب يزول، ثم قال سبحانه على جهة جزم الخبر: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} كأَنَّه يقول: وكل شيء إِلى غاية عنده سبحانه، و{مُزْدَجَرٌ} معناه: موضع زجر. وقوله: {فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ}: يحتمل أنْ تكون «ما» نافية، ويحتمل أنْ تكون استفهاميَّة. ثم سَلَّى سبحانه نِبِيَّه ـــ عليه السلام ـــ بقوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي: لا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ، وتَمَّ القولُ في قوله: {عَنْهُمْ} ثم ابتدأ وعيدَهم بقوله: {يَوْمَ} والعامل في [{يَوْمَ}] قوله {يَخْرُجُونَ} وقال الرُّمَّانِيُّ: المعنى: فتولّ عنهم، واذكر يوم، وقال الحسن: المعنى: فتَولَّ عنهم إلى يوم. وقرأ الجمهور: «نُكُرِ» ـــ بضم الكاف ـــ؛ قال الخليل: النُكُر: نعت للأمر الشديد والرجل الداهية، وخَصَّ الأبصارَ بالخشوع، لأَنَّهُ فيها أظهرُ منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من حياء أَو صَلَفٍ أو خوف ونحو، إِنَّما يظهرُ في الأبصار، و{ٱلأَجْدَاثِ}: جمع جَدَثٍ وهو القبر، وشَبَّهَهُمْ سبحانه بالجراد المنتشر، وقد شبههم سبحانه في آية أخرى بالفراش المبثوث، وفيهم من كل هذا شَبَهٌ، وذهب بعض المفسرين إلى أَنَّهم أَوَّلاً كالفراش حين يَمُوجُ بعضُهم في بعض؛ ثم في رتبة أُخرى كالجراد إذا توجَّهُوا نحو المَحْشَرِ والداعي، والمُهْطِعُ: المُسْرِعُ في مشيه نحو الشيء مع هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نحو المَقْصِدِ، إِمَّا لخوف، أو طمع ونحوه؛ قال أبو حيان: {مُهْطِعِينَ} أي: مسرعين، وقيل: فاتحين آذانهم للصوت، انتهى. وَ{يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} لما يرون من مخايل هَوْلِهِ وعلامات مشقته.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها، وهو قوله تعالى: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ} تفسير : [النجم: 57]، فكأنه أعاد ذلك مستدلاً عليه بقوله تعالى: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ} تفسير : [النجم: 57]، وهو حقٌّ؛ إذ القمر انشق بقوله: "وَانْشَقَّ الْقَمَرُ" ماض على حقيقته، وهو قول عامة المسلمين إلا من لا يلتفت إلى قوله. وقد صح في الأخبار أن القمر انشق على عهده - عليه الصلاة والسلام - مرتين. روى أنس بن مالك - (رضي الله عنه) - أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آيةً، فأراهُمُ القمر شَقَّتَيْنِ حتى رأوا حِرَاءَ بينهما، وقال سنان عن قتادة: فأراهم انشقاق القمر مرتين. وعن ابن مسعود - (رضي الله عنه) - قال: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فِرْقَتَيْن فرقةً فوق الجبل، وفرقةٌ دونه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اشْهَدُوا". وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله: لم ينشق بمكة. وقال مقاتل: انشق القمر، ثم الْتَأَمَ بعد ذلك. وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة فقَدِموا السُّفَّار فسألوهم قالوا: نعم قد رأينا، فأنزل الله عزّ وجلّ: {اقتربت الساعة وانشق القمر}. وقيل: انشق بمعنى سينشق يوم القيامة، فأوقع الماضي موقع المستقبل لتحققه وهو خلاف الإجماع. وقيل: انشق بمعنى انفلق عنه الظلام عند طلوعه كما يسمى الصبح فلقاً وأنشد للنابغة: شعر : 4580- فَلَمَّا أَدْبَرُوا وَلَهُمْ دوِيٌّ دَعَانَا عِنْدَ شَقِّ الصُّبْحِ دَاعِي تفسير : وإنما ذكرنا ذلك تنبيهاً على ضعفه. قوله: {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}، أي ذاهب سوف يذهب ويبطل من قولهم: مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ إذا ذهب مثل قولهم: قَرَّ واسْتَقَرَّ. قال مجاهد وقتادة: مَنّوا أنفسهم بذلك. وقيل: مستمر أي دائم؛ فإن محمداً - عليه الصلاة والسلام - كان يأتي كل زمان ومكان بمعجزة فقالوا هذا سحر مستمر دائم، لا يختلف بالنسبة إلى شيء بخلاف سِحْر السَّحَرَة، فإن بعضهم يقدر على أمر وأمرين، وثلاثة، ويعجز عن غيرها وهو قادر على الكل. قاله الزمخشري. ومنه قول الشاعر: شعر : 4581- أَلاَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لَيَالٍ وَأَعْصُرٌ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ قَوِيمٍ بِمُسْتَمِرْ تفسير : أي بدائم باقٍ. وقيل: معناه شديد المرارة. قال الزمخشري: أي مستبشع عندنا مرّ على لهواتنا لا نقدر أن نَسِيغَه كما لا نَسيغُ المُرَّ. انتهى. يقال: مَرَّ الشَّيْءُ بنفسه وَمرَّهُ غَيْرُهُ؛ فيكون متعدياً ولازماً، ويقال: أَمَرَّهُ أيضاً. وقال أبو العالية والضحاك: مستمر أي قويّ شديد، من قولهم: مَرَّ الحَبْل إذا صلب واشتد، وأَمْرَرْتُهُ إذا أحكمت فَتْلَهُ، واسْتَمرَّ إذا قَوِيَ واسْتَحكَمَ، قال لقيط - ( رحمةُ اللَّهِ عليه -): شعر : 4582- حَتَّى اسْتَمَرَّتْ عَلَى شَزْرٍ مَرِيرَتُهُ صِدْقُ الْعَزِيمَةِ لاَ رَتًّا وَلاَ ضَرَعا تفسير : والمراد بقوله: "آيةً" هي اقتراب الساعة، فإن انشقاق القمر من آياته، وقد رأوه وكذبوا فإن يروا غيرها أيضاً يعرضون، أو آية النبوة فإنه معجزة. أما كونه معجزةً ففي غاية الظهور، وأما كونه آية فلأن منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء، وانفطارها، وكل كوكب، فإذا انشق بعضها كان ذلك مخالفاً لقوله بجواز خراب العالم والمُرَاد بهؤلاء القائلين المعرضين هم الكفار. والتنكير في قوله (آية) للتعظيم أي آية قوية أو عظيمة يُعْرِضُوا. قال أبو حيان: ومعنى مستمر أي يشبه بعضه بعضاً أي اشتهرت أفعاله على هذا الحال. وهذا راجع إلى الدوام المتقدم. وأتى بهذه الجملة الشرطية تنبيهاً على أن حالهم في المستقبل كحالهم في الماضي. وقرىء: يُرَوْا مبنيًّا للمفعول من أَرَى. قوله: {وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} أي كذبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وما عاينوه من قدرة الله عزّ وجلّ، واتبعوا ما زين لهم الشيطان من الباطل وكذبوا بالآية وهي انشقاق القمر، "وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ" في أنه سحر القمر، وأنه خسوف في القمر، وظهور شيء في جانب آخر من الجو يشبه نصف القمر، وأنه سحر أعيننا والقمر لم يصبه شيء، فهذه أهواؤهم. قوله: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} العامة على كسر القاف، ورفع الراء اسم فاعل، ورفعه خبراً "لكل" الواقع مبتدأ. وقرأ شيبة بفتح القاف وتروى عن نافع. قال أبو حاتم: لا وجه لها، وقد وجهها غيره على حذف مضاف أي وكل أمر ذو استقرار، وزمان استقرار، أو مكان استقرار، فجاز أن يكون مصدراً، وأن يكون ظرفاً زمانياً أو مكانياً قال معناه الزمخشري. وقرأ أبو جعفر وزيد بن علي بكسر القاف وجر الراء. وفيها أوجه: أحدها - ولم يذكر الزمخشري غيره -: أن تكون صفة لأَمْر، ويرتفع "كُلّ" حينئذ بالعطف على "الساعة" فيكون فاعلاً أي اقتربت الساعة وكل أمر مستقر. قال أبو حيان: وهذا بعيد لوجود الفصل بجمل ثلاث، وبعيد أن يوجد مثل هذا التركيب في كلام العرب، نحو: "أَكَلْتُ خُبْزاً، وضَرَبْتُ خَالِداً" وأن يجيء: زيداً أكرمه ورحل إلى بني فلان ولحماً فيكون "ولحماً" معطوفاً على "خبزاً" بل لا يوجد مثله في كلام العرب. انتهى. قال شهاب الدين: وإذا دل دليل على المعنى فلا يبالى بالفواصل، وأين فصاحة القرآن من هذا التركيب الذي ركبه هو حتى يقيسه عليه في المنع؟ الثاني: أن تكون "مستقراً" خبراً "لِكُلّ أَمْر". وهو مرفوع، إلا أنه خُفِضَ على الجِوَارِ. قاله أبو الفضل الرازي. وهذا لا يجوز، لأن الجِوَارَ إنما جاء في النعت أو العطف على خلاف في إتيانه كما تقدم في سورة المائدة فكيف يقال به في خبر المبتدأ؟ هذا ما لا يجوز. الثالث: أن خبر المبتدأ قوله: "حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ" أخبر عن {كُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} بأنه حكمة بالغة ويكون قوله: {أية : وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} تفسير : [القمر: 4] جملة اعتراض بين المبتدأ أو خبره. الرابع: أن الخبر مقدر؛ فقدره أبو البقاء: معمول به أو أتى وقدره غيره: بالغوه؛ لأن قبله {وكذبوا واتبعوا أهواءهم} أي وكل أمر مستقر، أي لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر وما كان منه في الآخرة فسيعرف. وقال قتادة: وكل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير، والشر بأهل الشر. وقيل: كل أمر من خير أو شر مستقر قراره، فالخير مستقر بأهله في الجنة والشر مستقر بأهله في النار. وقيل: مستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعْرفوا حقيقته بالثواب والعذاب، وقال مقاتل: لكل حديث منتهى. وقيل: ما قدر كائن لا محالة وقيل كل أمر مستقر على سنن الحق يثبت، والباطل يَزْهَقُ فيكون ذلك تهديداً لهم وتسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الزمر: 7]. وقيل: كل أمر مستقر في علم الله تعالى لا يخفى عليه شيء، فهم كذبوا واتبعوا أهواءهم، والأنبياء صدقوا وبلغوا، كقوله تعالى: {أية : لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} تفسير : [غافر: 16] وكقوله: {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} تفسير : [القمر: 52 - 53]. وقيل: هو جواب لقوله: "سِحْرٌ مُسْتَمِرّ" أي بل كل أمره مستقر.

البقاعي

تفسير : لما ختمت النجم بالتهديد باقتراب القيامة التي ينكرونها بعد أن فتحها بالأقسام البلس (؟) في النجم الذي هو أعم من القمر وغيره بتسييره طلوعاً وأفولاً وصعوداً وهبوطاً، افتتح هذه بذلك مع الدلالة عليه عقلاً وسمعاً في التأثير في أعظم آيات الله وغير ذلك ليقطع العباد عن الفساد، ويستعدوا لها قبل مجيئها أحسن استعداد، فقال دالا على عظيم اقتداره عليها بتأنيث فعلها: {اقتربت الساعة} اشتدت قرباً الساعة: اللحظة التي لا ساعة في الحقيقة غيرها التي تقوم فيها القيامة لأنه قل ما بقي بيننا وبينها بالنسبة إلى ما مضى من زمن آدم عليه السلام لبعث خاتم الأنبياء الذي لم يبق بعد أمته أمة تنتظر، فيكون في الزمان مهلة لذلك. ولما كان الإخبار باقترابها يحتاج عند المعاند إلى آية دالة عليه، وكانت الآيات السماوية أعظم، فالتأثير فيها أدل على تمام الاقتدار، وكان القمر أدل على الأنواء التي بها منافع الخلق في معاشهم، وكانت العرب أعرف الناس بها، دلهم على التأثير فيه على اقترابها مع الإرهاب من شدائد العذاب بإعدام الأسباب فقال: {وانشق} بغاية السرعة والسهولة {القمر *} آية للرسول المنذر لكم بها، فكان انشقاقه - مع الدلالة على ذلك بإعجاز القرآن وغيره - دالاً على كونها وقربها أيضاً بالتأثير العظيم الخارق لعادة ما قبله من التأثير في أحد النيرين اللذين هما أعظم الأسباب المقامة للمعايش الدال على القدرة على التأثير في الآخرة الدال ذلك على القدرة على تمام التصرف فيهما من جمعهما وخسفهما واعتدامهما ولسببهما (؟) الذي هو من أسباب خراب الأرض، يقول الإنسان عنده: أين المفر؟ المؤذن بطيّ العالم المعلم بأن له رباً فاعلاً بالاختيار مدبراً بالحكم الدال على بعث عباده ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فيثيب من تابع رسله ويعاقب من خالفهم، وانشقاق القمر على حقيقته في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أمر شهير جداً، وإجماع أهل التفسير عليه كما قاله القشيري، وقال: رواه ابن مسعود رضي الله عنده ولا مخالف له فيه - انتهى. وذلك أن قريشاً سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية حديث : فأراهم انشاق القمر بحيث طلعت فرقة عن يمين حراء وأخرى عن يسارهتفسير : - رواه الشيخان عن ابن مسعود وأنس رضي الله عنهما، ومعلوم أن الأمة تلقت كتابيهما بالقبول فهو يكاد يلحق بالمتواتر وقد أيده القرآن فلم يبق فيه شك، قال القشيري: وروى أيضاً ابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم رضي الله عنهم، وقال أبو حيان: سبب نزولها أن مشركي العرب من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين، ووعدوه بالإيمان إن فعل ذلك، وكانت ليلة البدر فسأل ربه فانشق - انتهى، ومن قال: المراد به "سينشق" يحتاج في صرف الماضي عن حقيقته إلى المستقبل إلى صارف وأنى له ذلك ولا سيما وقد تأيدت الحقيقة بالنسبة الصحيحة الشهيرة. وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما أعلمهم سبحانه بأن إليه المنتهى، وأن عليه النشأة الأخرى، وإذا ذاك يقع جزاء كل نفس بما أسلفت، أعلمهم سبحانه بقرب ذلك وحسابه ليزدجر من وفقه للازدجار فقال تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر} ثم إن سورة ص تضمنت من عناد المشركين وسوء حالهم وتوبيخهم في عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع ما يكاد يوجد في غيرها مما تقدمها، وبعد التنبيه في السورة قبلها والتحريك بآيات لا يتوقف عنها إلا من أضله الله وخذله، وأثبتت السورة بعد على تمهيد ما تضمنته سورة ص فلم يخل سورة منها من توبيخهم وتقريعهم لقوله في الزمر{أية : والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}تفسير : [الزمر: 3] وقوله:{أية : لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء}تفسير : [الزمر: 4] وقوله:{أية : قل الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه}تفسير : [الزمر: 14] وقوله مثلاً لحالهم:{أية : ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون}تفسير : [الزمر: 29] الآية إلى ما بعد من التقريع والتوبيخ، وقوله في سورة غافر:{أية : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد} تفسير : [غافر: 4] وقوله:{أية : ذلكم بأنه إذ دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله}تفسير : [غافر: 12] وقوله:{أية : أفلم يسيروا في الأرض}تفسير : [غافر: 21 - 82] الآية، وقوله: {أية : إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه}تفسير : [غافر: 56] وقوله:{أية : ألم تر إلى الذين يجادلون في أيات الله أنى يصرفون} تفسير : [غافر: 69] {أية : الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون} تفسير : [غافر:70] إلى قوله: {أية : فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون}تفسير : [غافر: 77] وقوله: {أية : أو لم يسيروا في الأرض}تفسير : [غافر: 82] إلى ما تخلل هذه الآيات، وقوله في فصلت {أية : فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة}تفسير : [فصلت: 5]{أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه}تفسير : [فصلت: 26]{أية : إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا}تفسير : [فصلت: 40 - 44] إلى قوله:{أية : أولئك ينادون من مكان بعيد} تفسير : [فصلت: 40 - 44] وقوله:{أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}تفسير : [فصلت: 53] إلى آخر السورة، وقوله في الشورى:{أية : والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل}تفسير : [الشورى: 6]{أية : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم}تفسير : [الشورى: 13] الآية{أية : أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}تفسير : [الشورى: 21] الآية {أية : فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ}تفسير : [الشورى: 48] وقوله في الزخرف:{أية : أفنضرب عنكم الذكر صفحاً}تفسير : [الزخرف: 5] الآية،{أية : وجعلوا له من عباده جزءاً}تفسير : [الزخرف: 15] إلى ما تردد في هذه السورة مما قرعوا به أشد التقريع، وتكرر في آيات كثيرة فتأملها مثل قوله تعالى في الدخان {أية : بل هم في شك يلعبون} تفسير : [الدخان:9] إلى قوله: {أية : يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}تفسير : [الدخان:16] وقوله: {أية : إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} تفسير : [الدخان:40] إلى قوله هذا{أية : ما كنتم به تمترون}تفسير : [الدخان:50] وقوله في الأعراف: {أية : فبأيّ حديث بعده يؤمنون} تفسير : [الأعراف:185] إلى قوله:{أية : والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم}تفسير : [الجاثية:11] وقوله:{أية : أفرءيت من اتخذ إلهه هواه} تفسير : [الجاثية: 23] إلى آخر السورة، وقوله في الأحقاف:{أية : والذين كفروا عما أنذروا معرضون}تفسير : [الأحقاف: 3] ومعظم هذه الآية لم يخرج عن هذا إلى ختامها، وكذلك سورة القتال ولم يتضمن إلا الأمر بقتلهم وأسرهم وتعجيل حربهم{أية : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب}تفسير : [محمد: 4] وأما سورة الفتح فما تضمنته من البشارة والفتح أشد على الكفار من كل ما قرعوا به، ولم تخرج عن الغرض المتقدم، وكذا سورة الحجرات لتضمنها من الأمر بتقدير النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله ما يقر عين المؤمن ويقتل العدو الحاسد وما فيها أيضاً من إتلاف أمر المؤمنين وجمع كلمتهم وتآخيهم، وموقع هذا لا يخفى على أحد، وأما سورة الذاريات والطور والنجم فما تضمنته مما ذكرناه قبل أوضح شيء، وبذلك افتتحت كل سورة منها فتأمل مطالعها ففي ذلك كفاية في الغرض - والله تعالى هو أعمل بالصواب، فلما انتهى ما قصد من تقريع مكذبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغت الآي في هذه السورة من ذلك أقصى غاية، وتمحض باطلهم وانقطع دابرهم، ولم يحيروا جواباً فيما عرض عليهم سبحانه في سورة القمر من أحوال الأمم مع أنبيائهم، وكان القصد من ذلك - والله أعلم - مجرد التعريف بأنهم ذكروا فكذبوا فأخذوا ليتبين لهؤلاء أن لا فرق بينهم وبين غيرهم وأن لا يغرهم عظيم حلمه سبحانه عنهم، فهذه السورة إعذار عند تبكيتهم وانقطاع حجتهم بما تقدم وبعد أن انتهى الأمر في وعظهم وتنبيههم بكل آية إلى غاية يعجز عنها البشر، ولهذا افتتح سبحانه هذه السورة بقوله تعالى: {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر} وختمها سبحانه بقوله: {أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر} وهذا يبين ما قدمنا، وكان قد قيل لهم: أي فرق بينكم وبين من تقدم حتى ترتكبوا مرتكبهم وتظنوا أنكم ستفوزون بعظيم جزائكم، فذكر سبحانه لهم قصة كل أمة وهلاكها عند تكذيبها بأعظم إيجاز وأجزل إيراد وأفخم عبارة وألطف إشارة، فبدأ بقصة قوم نوح بقوله: {كذبت قوم نوح} إلى قوله: {ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابي ونذر} ثم استمر في ذكر الأمم مع أنبيائهم حسبنا ذكروا في السورة الوارد فيها إخبارهم من ذكر أمة بعد أمة إلا أن الواقع هنا من قصصهم أوقع في الزجر وأبلغ في الوعظ وأعرق في الإفصاح بسوء منقلبهم وعاقبة تكذيبهم، ثم ختمت كل قصة بقوله: {فكيف كان عذابي ونذر} وتخلل هذه القصص بقوله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} وهي إشارة إلى ارتفاع عذر من تعلق باستصعاب الأمور على زواجره وتنبيهاته ومواعظه ويدعي بعد ذلك واستعلاقه فقيل له إنه ميسر قريب المرام، وهذا فيما يحصل عند التنبيه والتذكير لما عنده بكون الاستجابة بإذن الله تعالى ووراء ذلك من المشكل والمتشابه ما لا يتوقف عليه ما ذكره وحسب عموم المؤمنين الإيمان بجميعه والعمل بمحكمه، ثم يفتح الله تعالى فهم ذلك على من شرفه به وأعلى درجته، فيتبين بحسب ما يشرح الله تعالى صدره {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} ومن تيسر المقصود المتقدم تكرار قصص الأنبياء مع أممهم في عدة سور أيّ حفظ مها اطلع على ما هو كاف في الاعتبار بهم، ثم إذا ضم بعضه إلى بعض اجتمع منه ما لم يكن ليحصل من بعض تلك السورة، فسبحان من جعله حجة باهرة وبرهاناً على صدق الآتي به محمد صلى الله عليه وسلم، وصراطاً مستقيماً ونوراً مبيناً، ولما ذكر سبحانه عواقب الأمم في تكذيبهم قال لمشركي العرب: {أكفاركم خير من أولائكم} ومن هذا النمط قول شعيب عليه السلام:{أية : ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد}تفسير : [هود: 89] ثم قال تعالى: {أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر} إي إنكم تعلقتم بتألفكم وجماعتكم فسأفرق ذلك بهزيمتكم يوم بدر بقتل صناديدكم فما حجتكم بعد هذا، إنما مساق القصص في هذه السورة واعتماد التعريف بحال من ذكر في أن كذبوا وعاندوا، فأعقب تكذيبهم أخذهم وهلاكهم، ثم تعقب هذا كله بصرف الكلام في مشركي العرب في قوله: {أكفاركم خير من أولائكم} وليس شيء من السور المذكورة فيها قصص على هذا الاستيفاء كالأعراف وهود، وبظاهرهما ليس في شيء من ذلك تعقيب بذكر مشركي العرب على الصفة الواردة هنا، فأنبأ ذلك بكمال المقصود من الوعظ والتحريك بذكره وانقضاء هذا الغرض، وذلك أنهم ذكروا أولاً بعرض أحوال الأمم والتعريف بما آل إليه أمرهم، وكان ذلك في صورة عرض من يريد تأديب طائفة من إليه نظرهم قبل أن يظهر منهم تمرد وعناد، فهو يستلطف في دعائهم ولا يكلمهم تكليم الواجد عليهم، بل يفهم الإشفاق والاستعطاف وإرادة الخير بهم ثم يذكرهم بذلك ويكرره عليهم المرة بعد المرة وإن تخلل ذلك ما يبين منهم فظاعة التهديد وشدة الوعيد، فلا يصحبه تعيين المخاطب وصرف الكلام بالكلية إليه، بل يكون ذلك على طريق التعريض والتوبيخ، ثم لو كان لا يحتقر بما قبله وما بعده من التلطف حتى إذا تكررت الموعظة فلم تقبل، فهنا محل الغضب وشدة الوعيد، وعلى هذا وردت السور المذكور فيها حال الأمم كسورة الأعراف وهود والمؤمنين والظلة والصافات، وما من سورة منها إلا والتي بعدها أشد في التعريف وأمل في الزجر بعد التعريف، فتأمل تعقيب القصص في سورة الأعراف بقوله تعالى:{أية : وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون}تفسير : [الأعراف: 174] وقوله بعد موعظة بالغة بذكر من حرمه بعد إشرافه عل الفوز وهو الذي أخلد إلى الأرض واتبع هواه فقال بعد ذلك{أية : فاقصص القصص لعلهم يتفكرون}تفسير : [الأعراف: 176] وتذكيره إياه لمحنة الغفلة إلى ما ختمت به السورة وذلك غير خاف في التلطف بالموعظة وقال تعالى بعد قصص سورة هود:{أية : وكذلك أخذ ربك}تفسير : [هود: 102] الآية، وقال تعالى: {أية : فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء}تفسير : [هود:109] - إلى قوله - {أية : وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص}تفسير : [هود: 109] وتكررت الآية إلى آخر السورة يجاري ما ذكر ولم تبق هذه وآي الأعراف في تلطف الاستدعاء، وقال تعالى في قصص آخر سورة المؤمنين:{أية : فذرهم في غمرتهم حتى حين} تفسير : [المؤمنون:54] - إلى قوله - {أية : لا يشعرون}تفسير : [المؤمنون: 56] ثم قال:{أية : ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون}تفسير : [المؤمنون: 64] استمرت الآي على شدة الوعيد يتلو بعضها بعضاً إلى قوله:{أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون}تفسير : [المؤمنون: 115] وقوله تعالى بعد: {أية : إنه لا يفلح الكافرون} تفسير : [المؤمنون: 17] ولم يبين هذه الآي، وبين الواقعة عقب قصص سورة هود، وقال في آخر قصص الظلمة:{أية : وإنه لتنزيل رب العالمين}تفسير : [الشعراء: 192] إلى قوله خاتمة السورة:{أية : وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}تفسير : [الشعراء: 227] فوبخهم وعنفهم ونزه نبيه صلى الله عليه وسلم عن توهمهم وعظيم إفكهم وافترائهم، وكل هذا تعنيف وإن لم يتقدم له مثله في السورة المذكورة، ثم هو صريح في مشركي العرب معين لهم في غير تلويح ولا تعريض، ثم إنه وقع عقب كل قصة في هذه السورة قوله تعالى: {إن في ذلك} وفيه تهديد ووعيد، وقال تعالى في آخر والصافات:{أية : فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون}تفسير : [الصافات: 149] وهذا أعظم التوبيخ وأشد التقريع، ثم نزه نبيه سبحانه عن بهتان مقالهم وسوء ارتكابهم وقبح فعالهم، بقوله:{أية : سبحان ربك رب العزة عما يصفون}تفسير : [الصافات: 180] فلما أخذوا بكل مأخذ فما أغنى ذلك عنهم قال تعالى في سورة القمر: {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر} {حكمة بالغة فما تغني النذر}، ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فتول عنهم} ولم يقع أمره صلى الله عليه وسلم بتركهم والإعراض عنهم والتولي إلى بعد حصول القصص في السورة المذكورة وأخذهم بكل طريق، وأول أمره بذلك صلى الله عليه وسلم في سورة السجدة {فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون} ثم في سورة والذريات {فتول عنهم فما أنت بملوم} بأشد وعيد وأعظم تهديد بعقب كل قصة بقوله: {ولقد تركناها آية فهل من مذكر} وقوله: {فكيف كان عذابي ونذر} ثم صرف إليهم بما تقدم قوله: {أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر} فبلغ ذلك أعظم مبلغ في البيان وإعذار، ثم قال تعالى: {وكل شيء فعلوه في الزبر} ففرق سبحانه بسابق حكمته فيهم {إنا كل شيء خلقناه بقدر} وانقضى ذكر القصص فلم يتعرض لها مستوفاة على المساق فيما بعد إلى آخر الكتاب - فسبحان من رحم به عباده المتقين وجعله آية وأي آية باهرة إلى يوم الدين، وقطع عناد الجاحدين وغائلة المعتدين وجعله بياناً كافياً ونوراً هادياً وواعظاً شافياً - جعلنا الله سبحانه وتعالى ممن اهتدى واعتلق بسببه إنه أهل الاستجابة والعفو والمغفرة - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج النحاس عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت سورة القمر بمكة‏. وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت بمكة سورة ‏ {‏اقتربت الساعة‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال‏:‏ قارىء اقتربت تدعى في التوراة المبيضة تبيض وجه صاحبها يوم تبيضّ الوجوه قال البيهقي‏:‏ منكر‏. وأخرج الديلمي عن عائشة مرفوعاً من قرأ بـ ‏(‏الم تنزيل‏)‏ و ‏(‏يس‏)‏ ‏و {‏اقتربت الساعة‏}‏ و ‏{‏تبارك الذي بيده الملك‏} ‏ كن له نوراً وحرزاً من الشيطان والشرك، ورفع له في الدرجات يوم القيامة‏. وأخرج ابن الضريس عن إسحق بن عبد الله بن أبي فروة رفعه من قرأ ‏{‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏} ‏ في كل ليلتين بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر‏. وأخرج ابن الضريس عن ليث عن معن عن شيخ من همدان رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏حديث : من قرأ ‏{‏اقتربت الساعة‏}‏ غبا ليلة وليلة حتى يموت لقي الله تعالى ووجهه كالقمر ليلة البدر "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن بريدة أن معاذاً بن جبل صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ فيها ‏{‏اقتربت الساعة‏} ‏ فقام رجل من قبل أن يفرغ فصلى وذهب، فقال له معاذ قولاً شديداً فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليه فقال‏:‏ إني كنت أعمل في نخل وخفت على الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏صلي بالشمس وضحاها ونحوها من السور‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير وابن المنذر والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال‏:‏ سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر بمكة فرقتين فنزلت ‏{‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏}‏ إلى قوله ‏ {‏سحر مستمر‏}‏ أي ذاهب‏. وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير عن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما‏. وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود قال‏:‏ رأيت القمر منشقّاً شقتين بمكة قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء، فقالوا‏:‏ سحر القمر، فنزلت ‏{‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏}‏ قال مجاهد‏:‏ يقول كما رأيتم القمر منشقاً فإن الذي أخبركم عن ‏{‏اقتربت الساعة‏} ‏ حق‏. وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طريق أبي معمر حديث : عن ابن مسعود قال‏:‏ انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: "‏اشهدوا" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق الأسود عن عبد الله قال‏:‏ رأيت القمر على الجبل وقد انشق فأبصرت الجبل من بين فرجتي القمر‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طريق مسروق عن ابن مسعود قال‏:‏ انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش‏:‏ هذا سحر ابن أبي كبشة، فقالوا‏:‏ انتظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فجاء السفار فسألوهم فقالوا‏:‏ نعم قد رأيناه فأنزل الله ‏ {‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏}‏ ‏. وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ انشق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق علقمة عن ابن مسعود قال‏:‏ ‏حديث : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فانشق القمر حتى صار فرقتين، فتوارت فرقة خلف الجبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏اشهدوا" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في الدلائل من طريق مجاهد ‏ ‏حديث : عن ابن عمر في قوله ‏ {‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏}‏ قال‏:‏ كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق فرقتين فرقة من دون الجبل وفرقة خلفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: ‏"اللهم اشهد"‏‏ ‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن جبير بن مطعم في قوله ‏ {‏وانشق القمر‏} ‏ قال‏:‏ انشق القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقال الناس‏:‏ سحرنا محمد، فقال رجل‏:‏ إن كان سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله ‏ {‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏} ‏ قال‏:‏ قد مضى ذلك قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه‏. وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏:‏ سحر القمر، فنزلت ‏{‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏} ‏ إلى قوله ‏{‏مستمر‏}‏‏ .‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس في قوله ‏ {‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏}‏ قال‏:‏ حديث : اجتمع المشركون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاصي بن وائل والعاصي بن هشام والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والنضر بن الحرث، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين نصفاً على أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم‏: "إن فعلت تؤمنوا‏؟ قالوا‏:‏ نعم، وكانت ليلة بدر فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما سألوا فأمسى القمر قد مثل نصفاً على أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي يا أبا سلمة، بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم اشهدوا" ‏‏‏. تفسير : وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء عن ابن عباس قال‏:‏ انتهى أهل مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ هل من آية نعرف بها أنك رسول الله‏؟‏ فهبط جبريل، فقال‏:‏ يا محمد قل‏:‏ يا أهل مكة إن تختلفوا هذه الليلة فسترون آية فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالة جبريل، فخرجوا ليلة أربع عشرة، فانشق القمر نصفين نصفاً على الصفا ونصفاً على المروة، فنظروا ثم مالوا بأبصارهم فمسحوها ثم أعادوا النظر فنظروا، ثم مسحوا أعينهم، ثم نظروا، فقالوا‏:‏ يا محمد ما هذا إلا سحر ذاهب، فأنزل الله ‏{‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏}‏ ‏. وأخرج أبو نعيم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ جاءت أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ أرنا آية حتى نؤمن فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يريه آية فأراهم القمر قد انشق فصار قمرين أحدهما على الصفا والآخر على المروة قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه، ثم غاب القمر، فقالوا‏:‏ هذا ‏{‏سحر مستمر‏}‏‏ . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال‏:‏ خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ‏{‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏}‏ ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم الضمار وغداً السباق‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن حذيفة أنه قرأ‏ [‏اقتربت الساعة وقد انشق القمر‏]‏‏. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال‏:‏ كان انشقاق القمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل أن يهاجر، فقالوا‏:‏ هذا سحر أسحر السحرة فاقلعوا كما فعل المشركون إذا كسف القمر ضربوا بطساسهم وعما اصفر أحبارهم، وقالوا‏:‏ هذا فعل السحر وذلك قوله ‏ {‏وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر‏}‏ ‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ ثلاث ذكرهن الله في القرآن قد مضين ‏{‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏} ‏ قد انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى رآه الناس ‏{‏أية : سيهزم الجمع ويولون الدبر‏} تفسير : ‏[القمر: 45‏]‏ وقد ‏{أية : ‏فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد‏}‏ تفسير : ‏[المؤمنون: 77‏]‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏}‏ قال‏:‏ رأوه منشقاً فقالوا‏:‏ هذا سحر ذاهب‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏وكل أمر مستقر‏}‏ قال‏:‏ يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ‏ {‏وكل أمر مستقر‏} ‏ قال‏:‏ بأهله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن قتادة ‏ {‏وكل أمر مستقر‏} ‏ قال‏:‏ مستقر بأهل الخير الخير وبأهل الشر الشر‏.‏

ابو السعود

تفسير : سورة القمر مكية وآيُها خمس وخمسون آية {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} رُويَ أنَّ الكُفَّارَ سألُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم آيةً، فانشقَّ القمرُ. قالَ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا: انفلقَ فلقتينِ فلقةٌ ذهبتْ وفلقةٌ بقيتْ. وقالَ ابنُ مسعودٍ رأيتُ حِراءَ بـينَ فلقتَيْ القمرِ. وعنْ عثمانَ بنِ عطاءٍ عنْ أبـيهِ أنَّ معناهُ سينشقُّ يومَ القيامةِ ويردُّه قولُه تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} فإنَّه ناطقٌ بأنَّه قدْ وقعَ وأنَّهم قدْ شاهدُوا بعدَ مُشاهدةِ نظائرِه. وقُرِىءَ وقَدِ انشقَّ القمرُ. أي اقتربتِ الساعةُ وقد حصلَ منْ آياتِ اقترابِها أنَّ القَمرَ قدِ انشقَّ ومَعْنى الاستمرارِ الاطرادُ أو الاستحكامُ أيْ وإِنْ يَرَوا آيةً من آياتِ الله يُعرضُوا عنِ التأملِ فيها ليقفُوا على حقِّيتها وعلوِّ طبقتِها ويقولُوا سحرٌ مطردٌ دائمٌ يأتِي به محمدٌ عَلى مرِّ الزمانِ لا يكادُ يختلفُ بحالٍ كسائرِ أنواعِ السحرِ، أو قويٌّ مستحكمٌ لا يمكنُ إزالتُه وقيلَ مستمرٌ: ذاهبٌ يزولُ ولا يَبْقى تمنيةً لأنفسِهم، وتعليلاً وهو الأنسبُ بغلوِّهِم في العِنادِ والمُكابرةِ ويؤيدُه ما سيأتِي لردِّه. وقُرِىءَ وإنْ يُرَوا على البناءِ للمفعولِ منَ الإراءةِ {وَكَذَّبُواْ} أي بالنبـيِّ صلى الله عليه وسلم وما عاينُوه مما أظهرَهُ الله تعالَى على يدِه من المعجزاتِ {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ} التي زيَّنها الشيطانُ لهم أو كذَّبُوا الآيةَ التي هيَ انشقاقُ القمرِ واتَّبعُوا أهواءَهُم وقالُوا سحرَ القمرَ أو سحرَ أَعْيُننا والقمرُ بحالِه. وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على التحققِ. وقولُه تعالى: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} استئنافٌ مسوقٌ لإقناطِهم عمَّا علَّقوا به أمانيَّهم الفارغةَ من عدمِ استقرارِ أمرِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حسبمَا قالُوا سحرٌ مستمرٌّ ببـيانِ ثباتِه ورسوخِه أي وكلُّ أمرٍ من الأمورِ مستقرٌّ أي مُنتهٍ إلى غايةٍ يستقرُّ عليَها لا محالةَ، ومن جُملتِها أمرُ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم فسيصيرُ إلى غايةٍ يتبـينُ عندَهَا حقِّيتُه وعلُّو شأنِه. وإبهامُ المستقَرِّ عليهِ للتنبـيهِ على كمالِ ظهورِ الحالِ وعدمِ الحاجةِ إلى التصريحِ بهِ، وقيلَ: المَعْنى كلُّ أمرٍ من أمرِهم وأمرِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مستقرٌّ أي سيثبتُ ويستقرُّ على حالةِ خذلانٍ أو نصرةٍ في الدُّنيا وشقاوةٍ أو سعادةٍ في الآخرةِ. وقُرِىءَ بالفتحِ على أنَّه مصدرٌ أو اسمُ مكانٍ أو اسمُ زمانٍ أي ذُو استقرارٍ أو ذُو موضعَ استقرارٍ أو ذُو زمانِ استقرارٍ، وبالكسرِ والجرِّ عَلى أنَّه صفة أمرَ، وكلُّ عطفٌ على الساعةُ أي اقتربتِ الساعةُ وكلُّ أمرٍ مستقرٌّ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}[1] على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقتين، حتى ذهبت فلقة وراء جبل حراء، وهي أول علامة الساعة. وحكي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كنت مع أبي بالمدائن، وكانت الجمعة، فذهب بي إلى الجمعة وهو آخذ بيدي، فقام حذيفة بن اليمان على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}[1]، ألا وإن الساعة قد اقتربت، وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد أدبرت، ألا وإن المضمار اليوم، والسباق غداً. فلما خرجنا قلت: يا أبت، غداً يستبق الناس. قال: يا بني السباق غداً. [فقلت لأبي: أيستبق الناس غداً؟ قال: يا بني] إنك لجاهل، إنَّما يقول من عمل اليوم سبق في الآخرة.

السلمي

تفسير : قال عبد العزيز المكى: الاقتراب يدل على مضى الأكثر ويمضى الأقل عن قريب كما قضى الأكثر عن قريب.

القشيري

تفسير : أجمع أهلُ التفسير على أنَّ القمرَ قد انشقَّ على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. قال ابن مسعود: "رأيت حراء بين فلقتي القمر" ولم يوجد لابن مسعود مخالف في ذلك؛ فقد روي أيضاً عن أنس وابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم.. كلهم رووا هذا الخبر. وفيه إعجازٌ من وجهين: أحدهما رؤية مَنْ رأى ذلك، والثاني خفاء مثل ذلك على مَنْ لم يَرَه؛ لأنه لا ينكتم مثله في العادة فإذا خفي كان نقض العادة. وأهل مكة رأوا ذلك، وقالوا: إنَّ محمداً قد سحر القمر. ومعنى {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ}: أي ما بقي من الزمانِ إلى القيامةِ إلا قليلٌ بالإضافةِ إلى ما مضى.

البقلي

تفسير : علم الله سبحانه انظار ارواح الانبياء والمرسلين وملائكة المقربين والاولياء والعارفين من أدم عليه الصلاة والسلام وجميع اولاده الصالحين كشف رؤية الحق وقرب وصاله والدخول فى جواره فبشرهم الله انها مقرونة بقدوم محمد صلى الله عليه وسلم فلا خرج بالنبوة ورسالة الله شك فيها المشركون فاراهم الله صدق وعده وانه من اعظم أياته بانشقاق القمر حتى يعرفوا انه يريد الله الى العالمين يخبرهم باتيان الساعة التى فيها كشوف العجائب وظهور الغرائب من أيات الله وصفاته وذاته قال عبد العزيز المكى الاقتراب يدل على معنى الاكثر ويمضى الاكثر من قريب.

اسماعيل حقي

تفسير : {اقتربت الساعة} الاقتراب نزديك آمدن. والساعة جزء من اجزآء الزمان عبر بها عن القيامة تشبيها لها بذلك لسرعة حسابها او لانها تقوم فىآخر ساعة من ساعات الدنيا او لانها ساعة خفيفة يحدث فيها امر عظيم او لغير ذلك كما بين فيما سبق والمعنى دنت القيامة وقرب قيامها ووقوعها لانه مابقى من الدنيا الا قليل كما قال عليه السلام "حديث : ان الله جعل الدنيا كلها قليلا فما بقى منها قليل من قليل ومثل مابقى مثل الثعب (اى الغدير) شرب صفوه وبقى كدره"تفسير : فالاقتراب يدل على مضى الاكثر ويمضى الاقل عن قريب كما مضى الاكثر وبيانه انه مضى من يوم السنبلة وهو سبعة آلاف سنة وقد صح ان مدة هذه الامة تزيد عن الف بنحو اربعمائة سنة الى خمسمائة سنة ولايجوز الزيادة الى خمسمائة سنة بعد الالف لعدم ورود الاخبار فى ذلك ولاقتضاء البراهين والشواهد عند اهل الظواهر والبواطن من اهل السنة وقد قال عليه السلام الآيات بعد المائتين والمهدى بعد المائتين فتنتهى دورة السنبلة بظهور عيسى عليه السلام فيكون آدم فاتحها وعيسى خاتمها فعلى هذا فآدم ونبينا عليهما السلام اى وجودهما من اشراط الساعة فمعجزاته من انشقاق القمر ونحوه تكون كذلك. يقول الفقير فان قلت فكم عمر الدنيا بأسرها وما قول العلماء فيه قلت اتفقوا على حدوث الدنيا وما قطعوا اي شىء فى مدتها والذى يلوح لى والله اعلم بحقيقة المدة انها ثلاثمائة وستون الف سنة وذلك لانه قد مثل دور السنبلة بجمعة من جمع الآخرة اى سبعة ايام وكل يوم من ايام الآخرة الف سنة كما قال تعالى {أية : وان يوما عند ربك كألف سنة}تفسير : ولاشك ان بالجمعة اى الاسبوع يتقدر الشهر وبالشهر تتقدر السنة وعليه يحمل مارود عن ابن عباس رضى الله عنهما الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة فقد مضى ستة آلاف سنة ومائة سنة وليأتين عليها زمن من سنين ليس عليها من يوحد وقد خاطبت الدنيا آدم عليه السلام فقالت يا آدم جئت وقد انقضى شبابى يعنى انقضى من عمرها ستون الف سنة تقريبا وهى اجمال ماذكرنا من المدة ولاشك ان مابين الستين والسبعين دقاقة الرقاب فآدم انما جاء الى الدنيا وقد انقضى عمرها وبقى شىء قليل منها وعلى هذا المعنى يحمل قول من قال ان عمر الدنيا سبعون الف سنة فاعرف جدا فالساعة مقتربة عند الله وعند الناس لان كل آت قريب وان طالت مدته فكيف اذا قصرت واما قوله تعالى {أية : انهم يرونه بعيدا ونراه قريبا}تفسير : فبالنسبة الى الغافلين المنكرين ولاعبرة بهم والحكمة فى ذكر اقتراب الساعة تحذير المكلف وحثه على الطاعة تنبيها لعباده على ان الساعة من اعظم الامور الكونية على خلقه من اهل السموات والارض واما تعيين وقت الساعة فقد انفرد الحق تعالى بعلمه واخفاه عن عباده لانه اصلح لهم ولذا كان كل نبى قد انذر امته الدجال وفى الحديث "حديث : ان بين يدى الساعة كذابين فاحذروهم"تفسير : والمراد بالكذابين الدجاجلة وهم الائمة المظلون، يقول الفقير لاشك ان انذار الانبياء عليهم السلام حقيقة من امثال هؤلاء الدجاجلة من اممهم اذ لم يخل قرن منهم والافهم يعرفون ان الساعة انما تقوم بعد ظهور ختم النبيين وختم الامم وان الدجال الاعور الكذاب متأخر عن زمانه وانما يخرج من الالف الثانى بعد المائتين والله اعلم فكل كذاب بين يدى الساعة سوآء كان قبل مبعث النبى عليه السلام او بعده فانما هو من مقدمات الدجال المعروف كما ان كل اهل صدق من مقدمات المهدى رضى الله عنه {وانشق القمر} الانشقاق شكافته شدن، دلت صيغة الماضى على تحقق الانشقاق فى زمن النبى عليه السلام ويدل قرءآة حذيفة رضى الله عنه وقت انشق القمر اى اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها ان القمر قد انشق وقد خطب حذيفة بالمدائن ثم قال الا ان الساعة قد اقتربت وان القمر قد انشق على عهد نبيكم وحذيفة ابن اليمان رضى الله عنه صاحب سر رسول الله عليه اللام كابن مسعود رضى الله عنه وعلى هذا القول عامة الصحابة ومن بعدهم وبه اخذ اكثر المفسرين فلا عبرة بقول من قال انه سينشق يوم القيامة كما قال تعالى {أية : اذا السماء انشقت}تفسير : والتعبير بالماضى للدلالة على تحققه على انا نقول يجوز أن يكون انشقاقه مرتين مرة فى زمانه عليه السلام اشارة الى قرب الساعة ومرة يوم القيامة حين انشقاق السماء وفى فتح البارى لابن حجر حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلا مستفيضا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث انتهى وقال الطيبى اسند ابو اسحق الزجاج عشرين حديثا الا واحدا فى تفسيره الى رسول الله عليه السلام فى انشقاق القمر وفى شرح الشريف للمواقف هذا متواتر رواه جمع كثير من الصحابة كابن مسعود وغيره قال سعدى المفتى فيه انهم لم يجعلوا حديث من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وقد رواه ستون او اكثر من الصحابة وفيه العشرة من المتواتر فكيف يجعل هذا منه انتهى، يقول الفقير قد جعل ابن الصلاح ومن تبعه ذلك الحديث اى حديث من كذب الخ من المتواتر كما فى اصول الحديث على انه يجوز أن لايكون بعض مارواه جمع كثير من المتواتر لعدم استجماع شرآئطه (امام زاهد رحمه الله) آورده كه شبى ابو جهل وجهودى بحضرت بيغمبر عليه السلام رسيدند ابو جهل كفت اى محمد آيتى بمن نماى والاسر توبشمشير برميدارم آن حضرت فمودكه جه ميخواهى ابو جهل بجب وراست نكريست كه جه خواهد كه وقوع آن متعذر باشد يهودى كفت او ساحرست اورا بكرى كه ماه را بشكافد كه سحر درزمين متحقق ميشود وساحر را در آسمان تصرف نيست ابو جهل كفت اى محمد ماه را براى مابشكاف آن حضرت انكشت شهادت برآورد واشارت فرمود ماه رابشكافت فى الحال دونيم شد يك نيم برجاى خود قرار كرفت ويكى ديكر جايى ديكر رفت وباز كفت بكوى تاملتئم شود اشارت كرد هردونيمة بهم بيوستند شعر : شق كشت ماه جارده برلوح سيز جرخ جون خامه دبير ز تيغ بنان او تفسير : (قال العطار قدس سره) شعر : ماه را انكشت او بشكافته مهر ازفرمانش از بس تافته تفسير : (وفى المثنوى) شعر : بس قمر كه امربشنيد وشتافت بس دونيمه كشت برجوخ وشكافت تفسير : (وقال الجامى) شعر : جومه را برسرتير اشارت زد از سبابه معجز بشارت دونون شدميم دور حلقه ماه جهل راساخت او شصت از دو بنجاه بلى جون داشت ستش بر قلم بشت رقم زد خط شق برمه برانكشت تفسير : يهودى ايمان آورد وابو جهل لعين كفت جشم مابسحر رفته است وقمر را منشق بما نموده، وقال بعض المفسرين اجتمع بعض صناديد قريش فقالوا ان كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين ووعدوا الايمان وكانت ليلة البدر فرفع عليه السلام اصبعه وامر القمر بأن ينشق نصفين فانفلق فلقتين اى شقين فلقة ذهبت عن موضع القمر وفلقة بقيت فى موضعه وقال ابن مسعود رضى الله عنه رأيت حرآء بين فلقى القمر فعلى هذا فالنصفان ذهبا جميعا عن موضع القمر فقال بعضهم نصف ذهب الى المشرق ونصف الى المغرب واظلمت الدينا ساعة ثم طلعا والتقيا فى وسط السماء كما كان اول مرة فقال عليه السلام اشهدوا اشهدوا وعند ذلك قال كفار قريش سحركم ابن ابى كبشة فقال رجل منهم ان محمدا ان كان سحر القمر بالنسبة اليكم فانه لايبلغ من سحره أن يسحر جميع اهل الارض فاسألوا من يأتيكم من البلاد هل رأوا هذا، يعنى ازجماعت مسافران كه ازاطراف آفاق برسند سؤال كنيد تاايشان ديده اند يانه، فسألوا اهل الآفاق فأخبروا كلهم بذلك، يعنى جون از آينده ورونده برسيدند همه جواب دادنكه درفلان شب ماه را دونيمه ديديم، وهذا الكلام كما لايخفى يدل على انه لم يختص برؤية القمر منشقا اهل مكة بل راه كذلك جميع اهل الآفاق وبه يرد قول بعض الملاحدة لو وقع انشقاق القمر لاشترك اهل الارض كلهم فى رؤيته ومعرفته ولم يختص بها اهل مكة ولايحسن الجواب عند بأنه طلبه جماعة فاختصت رؤيته بمن ا قترح وقوعه ولا بانه قد يكون القمر حينئذ فى بعض المنازل التى تظهر لبعض اهل الآفاق دون بعض ولا بقول بعضهم ان انشاق القمر آية ليلية جرى مع طائفة فى جنح ليلة ومعظم الناس نيام كما فى انسان العيون وقال فى الاسئلة المقحمة لايستبعد اختفاؤه عن قوم دون قوم بسبب غيم او غيره يمنع من رؤيته اى فكان انشقاق القمر صحيحا لكنه لم ينقل بطريق التواتر ولم يشترك فيه العرب والعجم فى جميع الاقطار القاصية والدانية ولذا وقع فيه الاختلاف كما وقع فى المعراج والرؤية والى انشقاق القمر اشار الامام السبكى فى تائيته بقوله شعر : وبدر الدياجى انشق نصفين عندما أرادت قريش منك اظهار آية تفسير : وصاحب القصيدة البردية بقوله شعر : أقسمت بالقمر المنشق ان له من قلبه نسبة مبرورة القسم تفسير : يعنى لو أقسم احد ان للقمر المنشق نسبة وشبها بقلبه المنشق يكون بارا وصادقا وصاحب الهمزية بقوله شعر : شق عن صدره وشق له البدر ومن شرط كل شرط جزآء تفسير : اى شق عن صدره عليه السلام وشق لاجله القمر ليلة اربع عشرة وانما شق له لان من شرط كل شرط جزآء لانه لما شق صدره جوزى على ذلك بأعظم مشابه له فى الصورة وهو شق القمر الذى هو من أظهر المعجزات بل اعظمها بعد القرءآن (كما قال الصائب) شعر : هرمحنتى مقدمه راحتى بود شد همزبان حق جو زبان كليم سوخت تفسير : موسى كليم را انفلاق بحر بود ومصطفى حبيب را انشقاق قمر بود جه عجب كر بحر بر موسى بضرب عصا شكافته شد كه بحر مركوب وملموس است دست آدمى بدو رسد وقصد آدمى بوى أثر دارد اعجوبه مملكت انشقاق قمر است كه عالميان ازدر يافت آن عاجز ودست جن وانش از رسيدن بوى قاصر وبيان شق الصدر انه قالت حليمة امه عليه السلام من الرضاعة وهى من بنات بنى سعد بن بكر اسلمت مع اولادها وزوجها بعد البعثة لما كان يوم من الايام خرج محمد مع اخوته من الرضاعة وكان يومئذ ابن خمس سنين على ماقال ابن عباس رضى الله عنهما فلما انتصف النهار اذا أنا بابنى حمزة يعدو وقد علاه العرق باكيا ينادى يااماه ياأبتاه ادركا ادركا اخى القرشى فما أراكما تلحقانه الا ميتا قلت وما قصته قال بينا نحن نترامى بالجلة اذا أتاه رجل فاختطفه من بيننا وعلا به ذروة الجبل وشق صدره الى عانته فما أراه الا مقتولا قالت فأقبلت انا وزوجى نسعى سعيا فاذا أنا به قاعد على ذروة الجبل شاخص بعينه نحو السماء يتبسم فانكببت عليه وقبلت بين عينيه فقلت له فداك نفسى مالذى دهاك قال خير يا امه بينا انا الساعة قائم مع اخوتى نتقاذف بالجلة اذ اتانى رجلان عليهما ثياب بيض وفى رواية فأقبل الى طيران ابيضان كأنهما نسران وفى رواية كركيان والمراد ملكان وهما جبرآئيل وميكائيل وفى رواية أتانى ثلاثة رهط اى وهم جبرآئيل وميكائيل واسرافيل لان جبريل ملك الوحى الذى به حياة القلوب وميكائيل ملك الرزق الذى به حياة الاجساد واسرافيل مظهر الحياة مطلقا فى يد احدهم ابريق من فضة وفى يد الثانى طست من زمرد اخضر مملوء ثلجا وهو ثلج اليقين فأخذونى من بين اصحابى وانطلقوا بى الى ذروة الجبل وفى رواية الى شفير الوادى فأضجعنى بعضهم على الجبل اضجاعا لطيفا ثم شق صدرى وانا انظر اليه فلم اجد لذلك حسا ولا الما ثم ادخل يده فى جوفى فأخرج احشاء بطنى فغسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها اى بالغ فى غسلها ثم اعادها مكانها وقام الثانى وقال للاول تنح فقد انجزت ما أمرك الله فدنا منى فأدخل يده فى جوفى فانتزع قلبى وشقه باثنين فأخرج منه علقة سودآء فرمى بها وقال هذا حظ الشيطان اى محل غمزه ومحل مايلقيه من الامور التى لاتنبغى لان تلك العلقة خلقها الله فى قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها فأزيلت من قلبه وبعض ورثته الكمل يقيىء دما اسود محترقا من نور التوحيد فيحصل به شرح الصدر وشق القلب ايضا ولايلزم من وجود القابل لما يلقيه الشيطان حصول الالقاء بالفعل قبل هذا الشق فانه عليه السلام معصوم على كل حال فان قلت فلم خلق الله هذا القابل فى هذه الذات الشريفة وكان من الممكن أن لايخلق فيها قلت لانه من جملة الاجزاء الانسانية فخلقت تكملة للخلق الانسانى ثم نزعت تكرمة له اى لانه لو خلق خاليا عنها لم تظهر تلك الكرامة وفيه انه يرد على ذلك ولادته عليه السلام من غير قلفة وهى جلدة الذكر التى يقطعها الخاتن و اجيب بالفرق بينهما لان القلفة لما كانت تزال ولا بد من كل واحد مع مايلزم على ازالتها من كشف العورة كان نقص الخلقة الانسانية عنها عين الكمال قال عليه السلام ثم حشا قلبى بشىء كان معه وهو الحكمة والايمان ورده مكانه ثم ختمه بخاتم من نوريحا الناظرون دونه وفى رواية واقبل الملك وفى يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه ولا مانع من تعدد الختم فختم القلب لحفظ مافيه وبين الكتفين مبالغة فى حفظ ذلك لان الصدر وعاؤه القريب وجسده وعاؤه البعيد وخص بين الكتفين لانه اقرب اليه من القلب من بقية الجسد وهو موضع نفوذ خرطوم ابليس لان العدو يجيىء من ورآء ولذا سن الحجامة فيه ثم قال عليه السلام انا الساعة اجد برد الخاتم فى عروقى ومفاصلى وقام الثالث فقال تنحيا فقد انجز تماما امر الله فيه فدنا منى وامر يده على مفرق صدرى الى منتهى الشق فالتأم وانا انظر اليه وكانوا يرونه اثرا كأثر المخيط فى صدره وهو اثر مرور يد جبريل ثم انهضنى من الارض انهاضا لطيفا ثم قال الاول الذى شق صدرى زنه بعشرة من امته فوزننى فرجحتهم ثم قال زنه بعشرين فرجحتهم ثم قال زنه بمائة فرجحتهم ثم قال زنه بالف فرجحتهم ثم قال دعه فلو وزنتموه بامته كلهم لرجحهم. يقول الفقير هذا يدل على انه عليه السلام كما انه افضل من كل فرد فرد من افراد الموجودات فكذا افضل من المجموع ولا عبرة بقول من قال فى كونه افضل من المجموع توقف لانه جهل بشأنه العالى وانه احدية مجموع الاسماء الالهية وبرزخيتها فاعرف قال عليه السلام ثم انكبوا على وقبلوا رأسى ومابين عينى وقالوا ياحبيباه انك لو تدرى مايراد بك من الخير لقرت عيناك وتركونى قاعدا فى مكانى هذا وجعلوا يطيرون حتى دخلوا خلال السماء وانا انظر اليهم ولو شئت لارينك موضع دخولهم، واعلم ان صدره الشريف شق مرارا مرة لاخراج حظ الشيطان كما مر لانه لايليق به وعند مجيىء الوحى لتحمل ثقله وعند المعراج لتحمل اسراره ففى شرح الصدر مرارا مزيد تقوية لباطنه وهذا الشرح معنوى لأكامل امته ولا بد منه فى حصول الفيض الالهى يسره الله لى ولكم ثم انه بقى هنا معنى آخر كما قاله البعض وهو ان انشقاق القمر مجاز عن وضوح الامر ولايبعد ان يحمل بيت المثنوى على ذلك وهو شعر : سايه خواب آرد ترا همجون سمر بر آيد شمس انشق القمر تفسير : اى وضح الامر واستبان وذلك لانه عند اقتراب الساعة ينكشف كل خفى ويظهر كل مستور ويستبين الحق من الباطل من كل وجه ويدل على هذا المعنى قوله عليه السلام اذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب فان المراد وضوح الامر فى آخر الزمان وظهور حقيقته ولذا يصير الناس بحيث ينكشف لأدنى سالك منهم فى مدة قليلة مالم ينكشف للامم الماضية فى مدة طويلة وذلك لان الله تعالى قال فى حق يوم القيامة {أية : يوم تبلى السرآئر}تفسير : فاذا قرب الزمان من ذلك اليوم يأخذ حكمه فيكون كشف الامور اكثر والخفايا اظهر وقال البقلى رحمه الله علم الله انتظار ارواح الانبياء والمرسلين والملائكة المقربين والاولياء العارفين وجميع الصالحين كشف جماله وقرب وصاله والدخول فى جواره فبشرهم الله تعالى بأنه مقرون بقدوم محمد عليه السلام فلما خرج بالنبوة شك فيه المشركون فأراهم الله صدق وعده بانشقاق القمر حتى يعرفوا ان الله تعالى يريد بالعالمين اتيان الساعة التى فيها كشوف العجائب وظهور الغرآئب من آيات الله وصفاته وذاته. وفى التأويلات النجمية اعلم ان الساعة اى القيامة ساعتان الكبرى وهى عامة بالنسبة الى جميع الخلائق وهى التى اقتربت والصغرى وهى خاصة بالنسبة الى السالكين الى الله برفع الاوصاف البشرية وقطع العلائق الطبيعية السائرين فى الله بالتجلى بالاوصاف الالهية والاخلاق الربانية الراجعين من الحق الى الحق بالبقاء الحقانى بعد الفناء الخلقانى وبالجمع بعد الفرق وهى أعنى الساعة الصغرى واقعة اليوم فى كل آن ولله تجلى جلالى يفنى وجمالى يبقى واليه اشارة قوله عليه السلام من مات فقد قامت قيامته فقد انشق قمر قلب السالك عن ظلمة النفس المظلمة باستيلاء نور شمس فلك الروح عليها فلا جرم وقعت الساعة بالنسبة الى القلب الحى المنور بالنور الالهى ووقعت القيامة الخاصة الشاملة على الموت والحشر والنشور فافهم ولاتعجب لئلا تكن ممن قال تعالى فيهم أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون والله الموفق والمعين

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {اقتربت الساعةُ} قربت القيامة، قال القشيري: ومعنى قربها: أنّ ما بقي من الزمان إلى القيامة قليلٌ بالإضافة إلى ما مضى. هـ. قال ابن عطية: وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يُروى من التحديد في عمر الدنيا فضعيف. هـ. {وانشقَّ القمرُ} نصفين، وقرئ: و"قد انشقَّ القمر"، أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أنَّ القمر قد انشقًَّ، كما تقول: أقبل الأميرُ، وقد جاء البشير بقدومه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين، فكانت أحداهما فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبل، فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : اشهدوا"تفسير : . قال ابن عباس: إنَّ المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقاً فشُق لنا القمر فلقتين، فقال:"حديث : إن فعلتُ؛ أتؤمنون؟"تفسير : فقالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل صلى الله عليه وسلم ربه؛ فانشق فرقتين، نصف على أبي قُبيس، ونصف على قُعَيْقِعان، وقيل: سألوا آية مجملة، فأراهم انشقاق القمر. قال ابن عطية: وعليه الجمهور، يعني عدم التعيين. وفي صحيح مسلم: أنه انشق مرتين وصرح في شرح مرتين وصرح في شرح المواقف بأن انشقاقه متواتر. هـ. وقيل: معناه: انشق، أي: ينشق يوم القيامة، وهو ضعيف، ولا يُقال: لو انشقَّ لما خفي على أهل الأقطار، ولو ظهر عندهم لنقل متواتراً؛ لأن الطباع جبلت على نشر العجائب، لأنه يجوز أن يحجبه اللّهُ عنهم بغيم أو غيره، مع أنه كان ليلاً، وجُلّ الناس نائمون، وأيضاً: عادة الله تعالى في معجزاته أنه لا يراها إلاَّ مَن ظهرت لأجله في الغالب. تنبيه: قال القسطلاني في المواهب اللدنية: ما يذكره بعض القصَّاص أن القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، ليس له أصل، كما حكاه الزركشي عن شيخه العِماد ابن كثير. هـ. {وإِن يَرَوا} أي: أهل مكة {آيةً} تدل على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم {يُعرضوا} عن الإيمان {ويقولوا سِحْرٌ مستمر} محكم شديدٌ قويّ، من: المِرّة، وهي القوة، أو: دائم مطّرد. رُوي: أنه لما انشق؛ قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة؟ فسلوا السُّفار، فلما قَدِموا سألوهم، فقالوا: إنهم قد رأيته، فقالوا: قد استمر سحره في البلاد، فنزلت. قال البيضاوي: دلّ قوله: {مستمر} على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة، ومعجزات سابقة. هـ. أو: مستمر، ذاهب ومارٌّ، يزول ولا يبقى، من: مرّ الشيء واستمر: ذهب. {وكذّبوا واتَّبعوا أهواءَهم} الباطلة، وما زيَّن لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره، حتى قالوا: سحرَ القمر، أو: سَحَرَ أعيننا، {وكلُّ أمرٍ} وعدهم الله به {مستقِرٌ} كائن في وقته، أو: كل أمر قُدِّرَ واقع لا محالة يستقر في وقته، أو: كل أمر من الخير والشر يقع بأهله من الثواب والعقاب، وقُرئ "مستقرٍ" بالجر، فيعطف على "الساعة"، أي: اقتربت الساعة وكل أمرٍ مستقر، يعني: أشراطها. {ولقد جاءهم} أي: اهل مكة في القرآن؛ {من الأنباءِ} من أخبار القرون الماضية، وكيف أُهلكوا بالتكذيب {ما فيه مُزْدَجَرٌ} أي: ازدجار عن الكفر والعِناد، يقول: زجرته وازدجرته، أي: منعته، وأصله: ازتجر، افتعل، من الزجر، ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالاً؛ لأن التاء حرف مهموس، والزاي حرف مجهور. فأبدل من التاء حرف مجهور، وهو الدال؛ ليناسب الميم. {حكمة بالغةٌ} بدل من "ما"، أو: خبر، أي: هو حكمة بالغة؛ ناهية في الرشد والصواب، أو: بالغة من الله إليهم، قال القشيري: والحكمة البالغة: الصحيحة الظاهرة الواضحة لمَن فكّر فيها. هـ. قال المحلي: وصفت بالبلاغة؛ لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان ما لا يبلغ غيرها هـ. {فما تُغنِ النُّذُر} شيئاً، حيث سبق القدر بكفرهم، و"ما" نافية، أو استفهامية منصوبة بـ"تُغن"، أي: فأيّ إغناء تُغني النُذر مع سابق القدر؟ والنُذر: جمع نذير، وهم الرسل، أو: المنذَر به، أو: مصدر بمعنى الإنذار، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدُّد الإغناء، واستمراره حسب تجدُّد مجيء الزواجر واستمرارها. {فتولَّ عنهم} لعلمك بأنّ الإنذار لا يُغني فيهم شيئاً، واذكر {يومَ يدع الداع} وهو إسرافيل عليه السلام {إِلى شيءٍ نُّكُرٍ} أي: منكر فظيع، تُنكره النفوس، لعدم العهد بمثله، وهو هول القيامة. {خُشَّعاً أبصارُهم يخرجون} فـ"خُشَعاً": حال من فاعل "يخرجون"، أي: {يَخرجون من الأجداث} أذلة أبصارهم من شدة الهول؛ لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهرن في أعينهما، ومَن قرأ: "خاشعاً" فوجهه: أنه أسند إلى ظاهر، فيجب تجريده كالفعل، وأما مَن قرأ بالجمع، فهو على لغة: "أكلوني البراغيث"، {كأنهم جراد منتشِرٌ} في الكثرة والتموُّج والتفرُّق في الأقطار. قال ابن عطية: في الحديث: أن مريم دعت للجراد؛ فقال: اللهم أعِشْها بغير رضاع، وتتابع بينها بغير شباع. هـ. ثم وصف خروجهم من القبور، فقال: {مهطِعين إِلى الداعِ} مسرعين مَادِّي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه، {يقول الكافرون} استئناف بياني، وقع جواباً عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال، وأهله بسوء الحال، كأنّ قائلاً قال: فماذا يكون حينئذ؟ فقال: {يقول الكافرون هذا يوم عِسِرٌ} صعب شديد. وفي إسناد هذا القول إلى الكفار تلويح بأنّ المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتربت ساعة الفتح لمَن جَدّ في السير، ولازم صحبةَ أهل القرب، قال القشيري: الساعة ساعتان: كبرى، وهي عامة، وصغرى، وهي خاصة بالنسبة إلى السالك إلى الله، برفع الأوصاف البشرية، وقطع العلائق الطبيعية. قال: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَن مات فقد قامت قيامته"تفسير : راجعة إلى الساعة الصغرى. هـ. أي: مَن مات عن رؤية نفسه؛ قامت قيامته بلقاء ربه وشهوده. وقوله تعالى: {وانشق القمر} أي: قمر الإيمان؛ فإنه إذا أشرقت عليه شمس العيان، لم يبقَ لنوره أثر، ليس الخبر كالعيان، وإن يَرَوا - أي: أهل الغفلة والحجاب - آيةً تدل على طلوع شمس العيان على العبد المخصوص، يُعرضوا منكرين، ويقولوا: {هذا سحر مستمر...} الآية، وكل أمر قدّره الحق - تعالى في الأزل، من أوقات الفتح أو غيره، مستقر، يستقر ويقع في وقته، لا يتقدّم ولا يتأخّر، فلا ينبغي للمريد أن يستعجل الفتح قبل إبانه، فربما عُوقب بحرمانه، ولقد جاءهم من الأخبار عن منكري أهل الخصوصية، وما لحق أهلَ الانتقاد من الهلاك أو الطرد والبُعد ما فيه مزدجر، كما فعل بابن البراء وأمثاله، حكمة من الله بالغة، وسنة ماضية، يقول: "حديث : من آذى لي وليّاً فقد آذن بالحرب"تفسير : فما تُغن النُذر إذا سبق الخذلان، فتولّ أيها السالك عنهم، وعن خوضهم، واشتغل بالله عنهم؛ {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} واذكر الموت وما بعده، فإنه حينئذ يظهر عز الأولياء، وذل الأغبياء، يقولون: هذا يوم عسر على مَن طغى وتجبّر. ثم سَرَدَ قصص الأنبياء، تسليةً لرسوله صلى الله عليه وسلم وتفسيراً لقوله: {ولقد جاءهم من الأنباءِ} فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو جعفر {وكل أمر مستقر} بالجر صفة لـ {أمر}. الباقون بالرفع على انه خبر {كل}. هذا اخبار من الله تعالى بدنو الساعة وقرب أوانها، فقوله {اقتربت} أي دنت وقربت وفي {اقتربت} مبالغة، كما أن فى (اقتدر) مبالغة على القدرة، لأن اصل (افتعل) طلب اعداد المعنى بالمبالغة نحو (اشتوى) إذا أتخذ شوى فى المبالغة فى اتخاذه، وكذلك (اتخذ) من (اخذ). والساعة القيامة. وقال الطبري: تقديره اقتربت الساعة التي يكون فيها القيامة. وجعل الله تعالى من علامات دنوها انشقاق القمر المذكور معها، وفى الآية تقديم وتأخير، وتقديره انشق القمر واقتربت الساعة. ومن أنكر إنشقاق القمر وأنه كان، وحمل الآية على كونه في ما بعد - كالحسن البصري وغيره، واختارة البلخي - فقد ترك ظاهر القرآن، لأن قوله "انشق" يفيد الماضي، وحمله على الاستقبال مجاز. وقد روى إنشقاق القمر عبد الله بن مسعود وانس ابن مالك وابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم ومجاهد وإبراهيم، وقد أجمع المسلمون عليه ولا يعتد بخلاف من خالف فيه لشذوذه، لان القول به أشتهر بين الصحابه فلم ينكره أحد، فدل على صحته، وأنهم اجمعوا عليه فخلاف من خالف فى ما بعد لا يلتفف اليه. ومن طعن فى إنشقاق القمر بأنه لو كان لم يخف على أهل الافطار فقد أبعد لانه يجوز ان يحجبه الله عنهم بغيم، ولأنه كان ليلاً فيجوز ان يكون الناس كانوا نياماً فلم يعلموا به، لأنه لم يستمر لزمان طويل بل رجع فالتأم فى الحال، فالمعجزة تمت بذلك. وقوله {وإن يروا آية} احتمل ان يكون اخباراً من الله تعالى عن عناد كفار قريش بأنهم متى رأوا معجزة باهرة وحجة واضحة أعرضوا عن تأملها والانقياد لصحتها عناداً وحسداً، وقالوا هو {سحر مستمر} أي يشبه بعضه بعضاً. وقيل {سحر مستمر} من الأرض إلى السماء. وقال مجاهد وقتادة معناه ذاهب مضمحل وقال قوم: معناه شديد من أمرار الحبل، وهو شده فتله. وقوله {وكذبوا} يعني بالآية التي شاهدوها ولم يعترفوا بصحتها ولا تصديق من ظهرت على يده {واتبعوا} فى ذلك {أهواءهم} يعني ما تميل طبائعهم اليه، فالهوى رقة القلب بميل الطباع كرقة هواء الجو، تقول: هوى هوي هواً، فهو هاو إذا مال طبعه إلى الشيء، وهو هوى النفس مقصور، فأما هواء الجو فممدود ويجمع على أهوية. وهوى يهوي إذا انحدر في الهواء، والمصدر الهوى. والاسم الهاوي. وقوله {وكل أمر مستقر} معناه كل أمر من خير او شر مستقر ثابت حتى يجازى به إما الجنة او النار - ذكره قتادة - ثم قال {ولقد جاءهم} يعني هؤلاء الكفار {من الأنباء} يعني الاخبار العظيمة بكفر من تقدم من الامم وإهلاكنا إياهم التي يتعظ بها {ما فيه مزدجر} يعني متعظ، وهو مفتعل من الزجر إلا ان التاء ابدلت دالا لتوافق الراء بالجهر مع الدال لتعديل الحروف فيتلاءم ولا يتنافر. وقوله {حكمة بالغة} معناه نهاية فى الصواب، وغاية في الزجر بهؤلاء الكفار وقوله {فما تغنى النذر} يجوز فى (ما) وجهان: احدهما - الجحد، ويكون التقدير: لا يغني التخويف. والثاني - ان تكون بمعنى (أي) وتقديره أى شيء يغني الانذار. والنذر جمع نذير. وقال الجبائي: معناه إن الانبياء الذين بعثوا اليهم لا يغنون عنهم شيئاً من عذاب الآخرة الذى استحقوه بكفرهم، لانهم خالفوهم ولم يقبلوا منهم.

الجنابذي

تفسير : {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ} قد فسّرت السّاعة بساعة ظهور القائم (ع) وبساعة القيامة وبحالة الاحتضار والكلّ يرجع الى امرٍ واحدٍ هو وقت القيام عند الله، ولمّا كان رسول الله (ص) خاتم الرّسل فلا يكون بعده رسولٌ ورسالةٌ لانتهاء مراتب الرّسالة اليه فلا يكون مرتبة من الرّسالة الاّ وهى مجتمعة فى وجوده، كان امّته ايضاً آخر الامم فلا يكون بعد امّته امّة، وقد علمت انّ القيامة ليست فى عرض الزّمان وانّما هى فى طوله فاذا كان امّة محمّدٍ (ص) آخر الامم لم يكن مرتبة زمانيّة بعد مرتبتهم ويكون بعد مرتبتهم الخروج من الزّمان، والخروج من الزّمان هو القيام عند الله فيكون القيامة قريبةً من امّة محمّدٍ (ص) ولذلك ورد عن النّبىّ (ص): "حديث : بعثت انا والسّاعة كهاتين"تفسير : ، وكان (ص) آخر الزّمان وصار بوجوده قيامة ومحشراً كما قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : بس محمد صد قيامت بود نقد زانكه حلّ شد درفنايش حلّ وعقد زاده ثانيست احمد در جهان صد قيامت بود او اندر عيان زو قيامت را همى برسيده اند كاى قيامت تا قيامت راه جند با زبان حال ميكَفتى بسى كه زمحشر حشر را برسد كسى! بس قيامت شو قيامت را ببين ديدن هرجيز را شرط است اين تفسير : {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} القمر اسم للكوكب الّذى يأخذ النّور من غيره ولا يكون منيراً بنفسه، وهل فى السّماء اقمار عديدة؟ او القمر منحصر فى هذا الكوكب الّذى يدرك انّه مستنيرٌ من الشّمس؟ قيل: وجدوا غير هذا القمر اقماراً اُخر، وفى العالم الصّغير القلب مظهرٌ للقمر، او القمر مظهرٌ للقلب فانّ القلب ايضاً يأخذ النّور من الرّوح ويستنير بنوره، ولمّا كان النّاس قلوبهم ذوات وجهين، وجه الى الرّوح وعالم الوحدة، ووجه الى النّفس وعالم الكثرة، وكان المراعى منهم للطّرفين قليلاً والجامع لكمال الطّرفين اقلّ حتّى انّ الانبياء لم يكونوا كاملين فى الطّرفين بل كانوا ناقصين فى طرف الكثرة او طرف الوحدة، وكان نبيّنا (ص) كاملاً فى الطّرفين حافظاً للجانبين ولذلك نسب اليه انّه قال: كان اخى موسى (ع) عينه اليمنى عمياء، واخى عيسى (ع) عينه اليسرى عمياء، وانا ذو العينين، كان قلب نبيّنا (ص) من بينهم ذا شقّين كاملين، ولمّا كان القمر الصّورىّ مظهراً لقلبه كان لا غرو فى انشقاق القمر الصّورىّ كما نسب الى معجزاته، ولمّا كان انشقاق القمر المعنوىّ الّذى هو قلب النّبىّ (ص) بشقّين متساويين دليلاً على انتهاء مراتب التّجدّد فى وجوده وابتداء الدّهر فى وجوده كان دليلاً على شدّة قرب السّاعة الواقعة فى الدّهر، ولمّا كان انشقاق القمر الصّورىّ دليلاً على انشقاق قلب فاعله بشقّين متساويين كان ذلك ايضاً من اشراط السّاعة، "حديث : روى انّه اجتمع المشركون الى رسول الله (ص) فقالوا: ان كنت صادقاً فشقّ لنا القمر فرقتين، فقال لهم: "ان فعلت تؤمنوا؟ - قالوا: نعم، وكانت ليلة بدرٍ فسأل ربّه ان يعطيه ما قالوا، فانشقّ القمر فرقتين ورسول الله (ص) ينادى: يا فلان يا فلان اشهدوا" ".

الأعقم

تفسير : {اقتربت الساعة} أي قربت القيامة بخروج خاتم الأنبياء وآخر الأمم، وقيل: اقتربت ساعتهم يوم بدر فإنهم يهلكون بالسيف {وانشقّ القمر} بمكة، قال ابن عباس: انفلق فلقتين وانشقاقه من آيات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعجزاته النيرة، عن أنس: أن الكفار سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) آية فانشق القمر مرتين، وكذا عن ابن عباس، قال ابن عباس انفلق فلقتين: فلقة ذهبت وفلقة بقيت، وقيل: انشق القمر بمكة فلقتين: فلقة فوق الجبل والأخرى أسفل من الجبل {وإن يروا آية} أي معجزة وحجة على صدقه {يعرضوا ويقولوا سحرٌ مستمر} قيل: ذاهب مضمحل ولا يبقى، وقيل: سحر مستمر من الأرض إلى السماء {وكذّبوا بآيات الله} التي أنزلها، وقيل: بالقرآن، وقيل: بمحمد {واتبعوا أهواءهم} بالتكذيب {وكل أمر مستقر} أي كل أمر لا بد أن يصير إلى غاية يستقر عليها حاله خذلان أو نصرة في الدنيا وشقاوة في الآخرة وإن أمر محمد سيصير إلى غاية يتبين عندها أنه حق، وقيل: مستقر حتى يجازى به في الجنة أو النار، معناه يستقر بأهل الخير الخير وبأهل الشر الشر والعذاب {ولقد جاءهم} يعني أهل مكة ومن حولهم {من الأنباء} قيل: من أخبار الأمم الذين هلكوا بأنواع العذاب ما فيه كفاية في الزجر عن الكفر والمعاصي، وقيل: هو القرآن الذي جاءكم فيه من الحكمة البالغة والعظة الباهرة ما فيه كفاية {ما فيه مزدجر} متناهي {حكمة بالغة} يعني القرآن فإنه لا تناقض فيه {فما تغن النذر} مع تكذيبهم وأعراضهم، والنذر الزواجر والوعد والوعيد، وقيل: الرسل {فتولَّ عنهم} أي أعرض عنهم إذا تعرضوا لشفاعتك {يوم يدع الداع} وهو يوم القيامة فلا تشفع لهم لأنهم لم يقبلوا منك، وقيل: {فتولّ عنهم} فإنهم يوم يدع الداعي صفتهم هاتين، ولا خلاف أن اليوم القيامة والداعي اسرافيل وجبريل {إلى شيء نكر} غير معتاد وهو القيامة وأهوالها.

الهواري

تفسير : تفسير سورة اقتربت الساعة، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} أي: دنت الساعة. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنما مثلي ومثل الساعة كهاتين، فما فضل إحداهما على الأخرىتفسير : . فجمع بين اصبعيه الوسطى والتي يقول لها الناس السبابة. ذكروا عن عمران الحولي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : حين بعثت بعث إلى صاحب الصور، فأهوى به إلى فيه، فقدم رجلاً وأخر أخرى ينظر متى يؤمر فينفخ، ألا فاتقوا النفخة . تفسير : ذكروا عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على أصحابه فقال: حديث : كيف أنعم وصاحب الصور قد حنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر الإذن متى يؤمر فينفخ . تفسير : قوله عز وجل: {وَانشَقَّ الْقَمَرُ} [ذكروا عن عطاء بن السايب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن، فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة. فحضر أبي. وحضرت معه. فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر، ألا وإن الساعة قد اقتربت] ألا إن القمر قد انشق. ذكروا عن العطار أن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر شقين، حتى رأيت أبا قبيس بينهما. وبعضهم يقول: حراء.

اطفيش

تفسير : {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} يوم القيامة وامرها مجهول التحديد وكل ما يروى في عمر الدنيا من التحديد ضعيف وفي الحديث "حديث : إنما مثلي ومثل الساعة كهاتين (لاصبعه الوسطى والسبابة}"تفسير : وقال "حديث : بعثت حين بعث الى صاحب الصور فاهواه الى فيه فقدم رجلا واخر اخرى ينتظر متى يؤمر فينفخ إلا فاتقوا النفخة ". تفسير : وقال "حديث : كيف أنعم أي أتلذذ وصاحب الصور قد أحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر الاذن"تفسير : ، قال السيوطي: دلت الاحاديث والاثار على ان مدة هذه الامة تزيد على الف سنة ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة أصلا وإنما تزيد نحو أربعمائه سنة تقريبا. {وَانشَقَّ الْقَمَرُ} عطف لاحق على سابق وقيل سابق على لاحق وعن ابن مسعود: انشق القمر شقين حتى رأيت ابا قبيس بينهما يعني جزأين. وعنه رأيت حراء بين فلقي القمر وعنه فلقه فوق الجبل وفلقه دونه ونحن معه صلى الله عليه وسلم بمنى وقال "اشهدوا". وعن ابن عمر: فلقه سترها الجبل وفلقه فوقه وعن ابن عباس: انفلق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت وانظر هل ذهابها زوالها انتقالها ثم التأمت مع الاخرى هذا هو المشهور وعن انس أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم انه فانشق القمر مرتين ظاهر الكشاف أنه اراد بمرتين فلقتين. ورواية البخاري فأراهم أنشقاق القمر مرتين وكذا مسلم تدل على تعدد الانشقاق وهو ظاهر الاول فقال سائلوه وهم قريش من اهل مكة سحر محمد أعيننا فقال بعضهم ما يقدر أن يسحر الناس كلهم فكانوا يتلقون الركبان فيجزنهم بالانشقاق فيكذبونهم وهذا الانشقاق حق الاحاديث السابقة ولظاهر القرآن وأنكره ناس وزعموا انه سينشق يوم القيامة وأن الماضي بمعنى المضارع ويرده الاحاديث وأن الاصل كون الماضي للمضى لا للاستقبال إلا بقرينة ولا قرينة بل قوله {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعرِضُواْ} عن تاملها والايمان بها وهي الانشقاق دليل على الانشقاق في عصره كانه قال من عادتها الاعراض عن المعجزات وكل اية رأوها يعرضون عنها وقد اعرضوا عن الانشقاق ويعرض للاستمرار لا للاستقبال وحده والانشقاق معجزة دالة على صدقة ويدل له قراءة حذيفة وقد انشق القمر اي اقتربت وقد حصل من ايات اقترابها انشقاق القمر. يقال أقبل الامير وقد جاء البشير بقدومه وقوله خاطبا بمدين إلا ان الساعة قد اقتربت وان القمر قد انشق على عهد نبيكم ومع هذا الانكار للعقل فيه كما يفنيه الله ويكوره في اخر امره. وقول المانعين انه لو صح لاشترك اهل الارض برؤيته مردود لان من نظر الى السماء حينئذ رأه ومن غفل أو نام أو استتر لم يره وكم من اية في الليل لا يراها إلا الناظر إلى السماء وانما يراه من تأهب لرؤيته من السائلين ومن وافق أو كم من مواضع لم يظهر فيها القمر وقتئذ لستر الجبل اياه كما يرى الكسوف قوم دون قوم وانشق وهو باق في علوه وان صح نزوله وطوافه بالبيت ودخوله وخروجه ومن كمه صلى الله عليه وسلم فالله قادر على تصغير الجثة العظيمة وتبير الصغيرة ولما لم يؤمنوا. وقد ترادفت المعجزات انزل الله {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعرِضُوا وَيَقُولُواْ} هي {سِحرٌ مُّستَمِرٌّ} مطرد دائم وقيل قوي محكم يقل امررته فاستمر أي احكمته فاستحكم فهو يعلو كل سحر وقيل مستبشع أي اشتدت مرارته علينا لا نقدر على قبوله وقيل مار ذاهب لا يبقى ويبطل وذلك تمنيه وتعلل والاخرى قول قتادة وقرىء وان يروا بضم الياء بناء للمفعول من أرى الرباعي.

اطفيش

تفسير : {اقتَربتِ السَّاعَة} أى جدا كما يدل له صيغة افتعل إذ قال: "اقتربت" ولم يقل قربت، والباقى بالنسبة للماضى قليل، وقيل: المراد بقربها قبول الأذهان لها، وهى على الجزم كصيغة الترجى فى مقام الجزم {وانْشقَّ القَمَر} ليلة كَمالِهِ ليلة أربعة عشر نصفين، نصف على الجبل، ونصف دونه، ويروى نصف على جبل أبى قبيس، ونصف على قينقاع، وقال: اشهدوا اشهدوا، ويروى نصف على الصفا ونصف على المروة، ويروى أنه شق نصفين حتا رأوا حراء بينهما. ويروى أنه سأله الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام والعاصى ابن وائل، والعاصى بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود ابن المطلب، وربيعة بن الأسود، والنضر بن الحارث: إن كنت صادقا فشق القمر نصفين، نصف على قينقاع، ونصف على أبى قبيس، ووعده الله تعالى أن يعطيه ما سألوا، فقال: "أتؤمنون ان فعلت؟" قالوا: نعم، فكان ما طلبوا كله، ورأوه، مسحوا أعينهم، وجددوا النظر فرأوه كذلك، ثم مسحوا وجددوا النظر فرأوه كذلك، وهذه آية عظيمة اقترحوها، فوقعت ولم يؤمنوا، ومع ذلك لم يعجل لهم العقاب، كما يعجل لمن قبلهم اذا وقع ما اقترحوا، فهذه خصوصية. أو يعجل لمن قبلهم اذا كان مقترحهم مما يسمونه كالمائدة، وناقة صالح، وهذا أنسب بقوله تعالى: "أية : فَلَمَسُوهُ بأيديهم" تفسير : [الأنعام: 7]. وروى أنه لما انشق قال المشركون: هذا سحر ابن أبى كبشة، فقال رجل: انظروا السفار فلن يقدر أن يسحر أهل الدنيا كلهم، فجاء السفار فقالوا: رأيناه انشق. وروى أنه لم انشق قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اشهدوا اشهدوا"تفسير : ويروى أنه قال: "حديث : يا أبا سلمة بن عبد الأسود، والأرقم بن الأرقم اشهدوا اشهدوا" تفسير : وذلك قبل الهجرة بنحو خمس سنين. وعن ابن مسعود رضى الله عنه: كنا فى منى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانشق القمر، ومراد من قال انه انشق وهو فى مكة أن الانشقاق قبل الهجرة، والحديث متواتر فلا يقدح فى رواية ابن عباس له، وهو مولود قبل الانشقاق، ولا فى رواية أنس، وهو بالمدينة ليلة انشقاقه، ابن أربع سنين، وكان الانشقاق ليلا، والناس داخل بيوتهم، وفى غفلة، اليهود والنصارى من شأنهم انكار معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريفها، وأيضا قد لا يظهر الانشقاق لبعض أهل البلاد، كما لا يظهر الخسوف أو الكسوف فى بعض البلاد، ويظهر فى بعض، وأيضا لم تطل مدة بقائه منشقا. ويروى أنه شق مرتين: مرة بمكة، ومرة بمنى، ويروى مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة، وليس بشىء، ويروى عن ابن مسعود: أنه رأى القمر شق شقتين مرتين، وأجيب بأن مرتين تأكيدا لشقتين أو مرتين متعلق برأى، أى نظر اليه منشقا، ثم أعاد النظر فى حينه أو بعد حينه، لكن فى انشقاق واحد، كما مر أن المشركين رأوه منشقا وكرروا النظر مع مسح العيون، وهل بقى منشقا حتى غاب؟ قيل كذلك، وقيل: انشق وبقى قدر ما يحققونه، ثم اجتمع. وزعم بعض أنه بقى قدر لحظة، ولحظوه وهو مخالف لما مر أنهم جددوا النظر، وعن ابن عباس بقى نصف على الصفا، ونصف على المروة، قدر ما بين الظهر والعصر، ولا تصح هذه الرواية، واليهود والنصارى وسائر المشركين لما سمعو ورأوا أنكروا، لأنه معجزة له صلى الله عليه سولم على عادتهم، ولم يذكروه فى التواريخ، كأنه لم يكن.

الالوسي

تفسير : {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } أي قربت جداً {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } انفصل بعضه عن بعض وصار فرقتين وذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بنحو خمس سنين فقد صح من رواية الشيخين وابن جرير عن أنس أن أهل مكة سألوه عليه الصلاة والسلام أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما، وخبر أبـي نعيم من طريق الضحاك عن ابن عباس ـ أن أحبار اليهود سألوا آية فأراهم الله تعالى القمر قد انشق ـ لا يعوّل عليه، وفي «الصحيحين» وغيرهما من حديث ابن مسعود « حديث : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة على الجبل وفرقة دونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا » تفسير : ومن حديثه أيضاً « حديث : انشق القمر على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت قريش: هذا سحر ابن أبـي كبشة فقال رجل: انتظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم فجاء السفار فأخبروهم بذلك » تفسير : رواه أبو داود والطيالسي، وفي رواية البيهقي «فسألوا السفار وقد قدموا من كل وجه فقالوا: رأيناه» فأنزل الله تعالى: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ }. وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» عن ابن عباس من وجه ضعيف قال: «اجتمع المشركون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والعاص بن هشام والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب وربيعة بن الأسود والنضر بن الحرث فقالوا للنبـي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين نصفاً على أبـي قبيس ونصفاً على قعيقعان فقال لهم النبـي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن فعلت تؤمنوا؟ قالوا: نعم وكانت ليلة بدر فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل أن يعطيه ما سألوا فأمسى القمر قد مثل نصفاً على أبـي قبيس ونصفاً على قعيقعان ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي يا أبا سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن الأرقم اشهدوا » تفسير : . والأحاديث الصحيحة في الانشقاق كثيرة. واختلف في تواتره فقيل: هو غير متواتر، وفي «شرح المواقف الشريفي» أنه متواتر وهو الذي اختاره العلامة ابن السبكي، قال في «شرحه لمختصر ابن الحاجب»: الصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر منصوص عليه في القرآن مروي في «الصحيحين» وغيرهما من طرق شتى بحيث لا يمترى في تواتره انتهى باختصار، وقد جاءت أحاديثه في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة منهم علي كرم الله تعالى وجهه وأنس وابن مسعود وابن عباس وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم، نعم إن منهم من لم يحضر ذلك كابن عباس فإنه لم يكن مولوداً إذ ذاك وكأنس فإنه كان ابن أربع أو خمس بالمدينة، وهذا لا يطعن في صحة الخبر كما لا يخفى، ووقع في رواية البخاري وغيره « حديث : عن ابن مسعود كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى فانشق القمر » تفسير : ولا يعارض ما صح عن أنس أن ذلك كان بمكة لأنه لم يصرح بأنه عليه الصلاة والسلام كان ليلتئذٍ بمكة، فالمراد أن الانشقاق كان والنبـي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك مقيم بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة. ووقع في «نظم السيرة» للحافظ أبـي الفضل العراقي ما هو نص في وقوع الانشقاق مرتين، وظاهر في أنه مجمع على وقوعه كذلك حيث قال: وانشق مرتين بالإجماع، وكأن مستند الأول ما أخرجه / عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» من طريق مجاهد عن أبـي معمر عن ابن مسعود قال: رأيت القمر منشقاً شقتين مرتين بمكة قبل مخرج النبـي صلى الله عليه وسلم الحديث، وأما الإجماع فغير مسلم، وفي «المواهب» قال الحافظ ابن حجر: أظن أن قوله: بالإجماع يتعلق بانشق لا بمرتين فإني لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولعل قائل مرتين أراد فرقتين، وهذا الذي لا يتجه غيره جمعاً بين الروايات انتهى، ولا يخفى أن هذا التأويل مع بعده لا يتسنى في خبر ابن مسعود المذكور آنفاً لمكان شقتين وهي بمعنى فرقتين ومرتين معاً، والذي عندي في تأويل ذلك أن مرتين في كلام ابن مسعود قيد للرؤية، وتعددها لا يقتضي تعدد الانشقاق بأن يكون رآه منشقاً فصرف نظره عنه ثم أعاده فرآه كذلك لم يتغير ففيه إشارة إلى أنها رؤية لا شبهة فيها وقد فعل نحو ذلك الكفرة، أخرج أبو نعيم من طريق عطاء عن ابن عباس قال: حديث : انتهى أهل مكة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله؟ فهبط جبريل عليه السلام فقال: يا محمد قل لأهل مكة أن يجتمعوا هذه الليلة يروا آية فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالة جبريل عليه السلام فخرجوا ليلة أربع عشرة فانشق القمر نصفين نصفاً على الصفا ونصفاً على المروة فنظروا ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها ثم أعادوا النظر فنظروا ثم مسحوا أعينهم ثم نظروا فقالوا ما هذا إلا سحر فأنزل الله تعالى: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } تفسير : فلو قال أحد [من] هؤلاء رأيت القمر منشقاً ثلاث مرات على معنى تعدد الرؤية صح بلا غبار ولم يقتض تعدد الانشقاق فليخرج كلام ابن مسعود على هذا الطرز ليجمع بين الروايات. ثم هذا الحديث إن صح كان دليلاً لما أشار إليه البوصيري في قوله: شعر : شق عن صدره وشق له البد ر ومن شرط كل شرط جزاء تفسير : من أن الشق كان ليلة أربع عشرة لأن البدر هو القمر ليلة أربع عشرة ويعلم من ذلك ما في قول العلامة ابن حجر الهيتمي في «شرحه»: ظاهر التعبير بالبدر دون القمر أن الشق كان ليلة أربع عشرة ولم أر له في ذلك سلفاً، ولعله أراد بالبدر مطلق القمر، ويؤيد كونه ليلة البدر ما أخرجه الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سحر القمر فنزلت {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } إلى { أية : مُّسْتَمِرٌّ } تفسير : [القمر: 2] فإن الكسوف وإن جاز عادة أن يكون ليلة الثالث عشر وليلة الخامس عشر إلا أن الأغلب كونه ليلة الرابع عشر ولا ضرورة إلى حمل الكسوف في هذا الخبر على الانشقاق إذ لا مانع كما في «البداية والنهاية» أن يكون قد حصل للقمر مع انشقاقه كسوف، نعم ذكر فيها أن سياق الخبر غريب. ثم إن القمر بعد انشقاقه لم تفارق قطعتاه السماء بل بقيتا فيها متباعدتين تباعداً مّا لحظة ثم اتصلتا، وما يذكره بعض القصاص من أنه دخل في جيب النبـي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه فباطل لا أصل له كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشي عن شيخه العماد بن كثير ولعنة الله تعالى على من وضعه. وما في خبر أبـي نعيم ـ الذي أخرجه من طريق الضحاك عن ابن عباس من أنه انشق فصار قمرين أحدهما على الصفا والآخر على المروة قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه ثم غاب ـ لا يعوّل عليه، كيف وقد تضمن ذلك الخبر أن الانشقاق وقع لطلب أحبار اليهود وأن القائل: { أية : سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } تفسير : [القمر: 2] هم، وهو مخالف لما نطقت به الأخبار الصحيحة الكثيرة كما لا يخفى على المتتبع، وقد شاع « حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم أشار إلى القمر بسبابته الشريفة فانشق » تفسير : ولم أره في خبر صحيح والله تعالى أعلم. / وأنكر الفلاسفة أصل الانشقاق بناءاً على زعمهم استحالة الخرق والالتئام على الأجرام العلوية، ودليلهم على ذلك أوهن من بيت العنكبوت وقد خرق بأدنى نسمة من نسمات أفكار أهل الحق العلويين خرقاً لا يقبل الالتئام كما بين في موضعه، وقال بعض الملاحدة: لو وقع لنقل متواتراً واشترك أهل الأرض كلهم في معرفته ولم يختص بها أهل مكة لأنه أمر محسوس مشاهد والناس فيه شركاء والطباع حريصة على رواية الغريب ونقل ما لم يعهد، ولا أغرب من انشقاق هذا الجرم العظيم ولم يعهد أصلاً في الزمن القديم ولو كان له أصل لخلد أيضاً في كتب التسيير والتنجيم ولذكره أهل الأرصاد فقد كانت موجودة قبل البعثة بكثير وإطباقهم على تركه وإغفاله مع جلالة شأنه ووضوح أمره مما لا تجوزه العادة، وأيضاً لا يعقل سبب لخرق هذا الجرم العظيم وأيضاً خرقه يوجب صوتاً هائلاً أشد من أصوات الصواعق المهلكة بأضعاف مضاعفة لا يبعد هلاك أكثر أهل الأرض منه، وأيضاً متى خرق وصار قطعتين ذهبت منه قوة التجاذب كالجبل إذا انشق فيلزم بقاؤه منشقاً ولا أقل من أن يبقى كذلك سنين كثيرة. والجواب عن ذلك أنه وقع في الليل وزمان الغفلة وكان في زمان قليل ورؤية القمر في بلد لا تستلزم رؤيته في جميع البلاد ضرورة اختلاف المطالع فقد يكون القمر طالعاً على قوم غائباً عن آخرين ومكسوفاً عند قوم غير مكسوف عند آخرين والاعتناء بأمر الأرصاد لم يكن بمثابته اليوم وغفلة أهلها لحظة غير مستبعد والانشقاق لا تختلف به منازله ولا يتغير به سيره غاية ما في الباب أن يحدث في القطعة الشرقية قوة سير لتلحق أختها الغربية، وأي مانع من أن يخلق الله تعالى فيها من السرعة نحو ما خلق الله سبحانه في ضوء الشمس فقد قال أهل الحكمة الجديدة: إن بين الأرض والشمس ثلثمائة ألف فرسخ وأربعون ألف فرسخ وإن ضوءها ليصل إلى الأرض في مدة ثمان دقائق وثلاث عشرة ثانية فيقطع الضوء في كل ثانية سبعين ألف فرسخ ولا يلزم أن يعلم سبب كل حادث بل كثير من الحوادث المتكررة المشاهدة لم يوقف على أسبابها كرؤية الكواكب قريبة مع بعدها المفرط فقد ذكروا أنهم لم يقفوا على سببه ويكفي في ذلك عدم وقوفهم على سبب الإبصار بالعين على الحقيقة ولو أخبرهم مخبر بفرض إن لم يكن لهم إبصار بخواص البصر مع كونه قطعة شحم صغيرة معروفة أحوالها عند أهل التشريح لأنكروا عليه غاية الإنكار وكذبوه غاية التكذيب ونسبوه إلى الجنون. ومن سلم تأثير النفوس إلى حدّ أن يصرع الشخص آخر بمجرد النظر إليه وتوجيه نفسه نحوه لم يستبعد أن يكون هناك سبب نحو ذلك، وقد صح في إصابة العين أن بعض الأعراب ممن له عين صائبة يفلق سنام الناقة فلقتين، وربما تصور له من رمل فينظر إليه ويفلقه فينفلق سنامها مع عدم رؤيته لها نفسها، وهذا كله من باب المماشاة وإلا فإرادة الله تعالى كافية في الانشقاق وكذا في كل المعجزات وخوارق العادات ولو كان لكل حادث سبب لزم التسلسل وقد قامت الأدلة على بطلانه، وكون الخرق يوجب صوتاً هائلاً ممنوع فيما نحن فيه ومثله ذهاب التجاذب والأجسام مختلفة من حيث الخواص فلا يلزم اتحاد جرم القمر والأرض فيها ويمكن أن يكون إحدى القطعتين كالجبل العظيم بالنسبة إلى الأرض إذا ارتفع عنها بقاسر مثلاً جذبته إليه إذا لم يخرج عن حدّ جذبها على ما زعموه ويلتزم في تلك القطعة عدم الخروج عن حدّ الجذب على أنا في غنى عن كل ذلك أيضاً بعد إثبات الإمكان وشمول قدرته عز وجل وأنه سبحانه فعال لما يريد. والحاصل أنه ليس عند المنكر سوى الاستبعاد ولا يستطيع أن يأتي بدليل على الاستحالة الذاتية ولو انشق، والاستبعاد في مثل هذه المقامات قريب من الجنون عند من له عقل سليم، وروي عن الحسن أنه قال: هذا / الانشقاق بعد النفخة الثانية، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، وروي ذلك عن عطاء أيضاً، ويؤيد ما تقدم الذي عليه الأكثرون قراءة حذيفة (وقد انشق القمر) فإن الجملة عليها حالية فتقتضي المقارنة لاقتراب الساعة ووقوع الانشقاق قبل يوم القيامة.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة من مطلعها إلى ختامها حملة رعيبة مفزعة عنيفة على قلوب المكذبين بالنذر، بقدر ما هي طمأنينة عميقة وثيقة للقلوب المؤمنة المصدقة. وهي مقسمة إلى حلقات متتابعة، كل حلقة منها مشهد من مشاهد التعذيب للمكذبين، يأخذ السياق في ختامها بالحس البشري فيضغطه ويهزه ويقول له: {فكيف كان عذابي ونذر؟}.. ثم يرسله بعد الضغط والهز ويقول له: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟}. ومحتويات السورة الموضوعية واردة في سور مكية شتى. فهي مشهد من مشاهد القيامة في المطلع، ومشهد من هذه المشاهد في الختام. وبينهما عرض سريع لمصارع قوم نوح. وعاد وثمود. وقوم لوط. وفرعون وملئه. وكلها موضوعات تزخر بها السور المكية في صور شتى.. ولكن هذه الموضوعات ذاتها تعرض في هذه السورة عرضاً خاصاً، يحيلها جديدة كل الجدة. فهي تعرض عنيفة عاصفة، وحاسمة قاصمة، يفيض منها الهول، ويتناثر حولها الرعب، ويظللها الدمار والفزع والانبهار! وأخص ما يميزها في سياق السورة أن كلا منها يمثل حلقة عذاب رهيبة سريعة لاهثة مكروبة. يشهدها المكذبون، وكأنما يشهدون أنفسهم فيها، ويحسون إيقاعات سياطها. فإذا انتهت الحلقة وبدأوا يستردون أنفاسهم اللاهثة المكروبة عاجلتهم حلقة جديدة أشد هولاً ورعباً.. وهكذا تنتهي الحلقات السبعة في هذا الجو المفزع الخانق. فيطل المشهد الأخير في السورة. وإذا هو جو آخر، ذو ظلال أخرى. وإذا هو الأمن والطمأنينة والسكينة. إنه مشهد المتقين: {إن المتقين في جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر}.. في وسط ذلك الهول الراجف، والفزع المزلزل، والعذاب المهين للمكذبين: {يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر}.. فأين وأين؟ مشهد من مشهد؟ ومقام من مقام؟ وقوم من قوم؟ ومصير من مصير؟ {اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا: سحر مستمر. وكذبوا واتبعوا أهوآءهم وكل أمر مستقر. ولقد جآءهم من الأنبآء ما فيه مزدجر. حكمة بالغة فما تغنـي النذر. فتول عنهم يوم يدعو الداع إلى شيء نكر. خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر. مهطعين إلى الداع يقول الكافرون: هـذا يوم عسر}.. مطلع باهر مثير، على حادث كوني كبير، وإرهاص بحادث أكبر. لا يقاس إليه ذلك الحدث الكوني الكبير: {اقتربت الساعة وانشق القمر}.. فيا له من إرهاص! ويا له من خبر. ولقد رأوا الحدث الأول فلم يبق إلا أن ينتظروا الحدث الأكبر. والروايات عن انشقاق القمر ورؤية العرب له في حالة انشقاقه أخبار متواترة. تتفق كلها في إثبات وقوع الحادث، وتختلف في رواية هيئته تفصيلاً وإجمالاً: من رواية أنس بن مالك - رضي الله عنه -.. قال الإمام أحمد: حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - آية. فانشق القمر بمكة مرتين فقال: {اقتربت الساعة وانشق القمر}.. وقال البخاري: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب. حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عروة، عن قتادة، عن أنس بن مالك. أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آية. فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما. وأخرجه الشيخان من طرق أخرى عن قتادة عن أنس.. ومن رواية جبير بن مطعم - رضي الله عنه -..قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان ابن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصار فلقتين. فلقة على هذا الجبل وفلقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.. تفرد به أحمد من هذا الوجه.. وأسنده البيهقي في الدلائل من طريق محمد بن كثير عن أخيه سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن.. ورواه ابن جرير والبيهقي من طرق أخرى عن جبير بن مطعم كذلك.. ومن رواية عبد الله بن عباس - رضي الله عنه -. قال البخاري: حدثنا يحيى بن كثير، حدثنا بكر، عن جعفر، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: انشق القمر في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -.. ورواه البخاري أيضاً ومسلم من طريق آخر عن عراك بسنده السابق إلى ابن عباس.. وروى ابن جرير من طريق أخرى إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة، انشق القمر حتى رأوا شقيه.. وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا.. وقال الطبراني بسند آخر عن عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: سحر القمر، فنزلت: {اقتربت الساعة وانشق القمر} - إلى قوله: {مستمر}. ومن رواية عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر} قال: وقد كان ذلك في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انشق فلقتين فلقة من دون الجبل وفلقة خلف الجبل. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : اللهم اشهد"تفسير : .. وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد.. ومن رواية عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شقتين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : اشهدوا" تفسير : . وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث سفيان بن عيينة. وأخرجاه كذلك من حديث الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود. وقال البخاري: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة. قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم من السفار، فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم قال: فجاء السفار فقالوا ذلك.. وروى البيهقي من طريق أخرى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود، بما يقرب من هذا. فهذه روايات متواترة من طرق شتى عن وقوع هذا الحادث، وتحديد مكانه في مكة - باستثناء رواية لم نذكرها عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه كان في منى - وتحديد زمانه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة. وتحديد هيئته - في معظم الروايات أنه انشق فلقتين، وفي رواية واحدة أنه كسف (أي خسف).. فالحادث ثابت من هذه الروايات المتواترة المحددة للمكان والزمان والهيئة. وهو حادث واجه به القرآن المشركين في حينه؛ ولم يرو عنهم تكذيب لوقوعه؛ فلا بد أن يكون قد وقع فعلاً بصورة يتعذر معها التكذيب، ولو على سبيل المراء الذي كانوا يمارونه في الآيات، لو وجدوا منفذاً للتكذيب. وكل ما روي عنهم أنهم قالوا: سحرنا! ولكنهم هم أنفسهم اختبروا الأمر، فعرفوا أنه ليس بسحر؛ فلئن كان قد سحرهم فإنه لا يسحر المسافرين خارج مكة الذين رأوا الحادث وشهدوا به حين سئلوا عنه. بقيت لنا كلمة في الرواية التي تقول: إن المشركين سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - آية. فانشق القمر. فإن هذه الرواية تصطدم مع مفهوم نص قرآني مدلوله أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يرسل بخوارق من نوع الخوارق التي جاءت مع الرسل قبله، لسبب معين: {أية : وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون}تفسير : . فمفهوم هذه الآية أن حكمة الله اقتضت منع الآيات - أي الخوارق - لما كان من تكذيب الأولين بها. وفي كل مناسبة طلب المشركون آية من الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان الرد يفيد أن هذا الأمر خارج عن حدود وظيفته، وأنه ليس إلا بشراً رسولاً. وكان يردهم إلى القرآن يتحداهم به بوصفه معجزة هذا الدين الوحيدة: {أية : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هـذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. ولقد صرفنا للناس في هـذا القرآن من كل مثل، فأبى أكثر الناس إلا كفوراً. وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً. أو تسقط السمآء - كما زعمت - علينا كسفاً، أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً. أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه. قل: سبحان ربي! هل كنت إلا بشراً رسولاً؟ }. تفسير : فالقول بأن انشقاق القمر كان استجابة لطلب المشركين آية - أي خارقة - يبدو بعيداً عن مفهوم النصوص القرآنية؛ وعن اتجاه هذه الرسالة الأخيرة إلى مخاطبة القلب البشري بالقرآن وحده، وما فيه من إعجاز ظاهر؛ ثم توجيه هذا القلب - عن طريق القرآن - إلى آيات الله القائمة في الأنفس والآفاق، وفي أحداث التاريخ سواء.. فأما ما وقع فعلاً للرسول - صلى الله عليه وسلم - من خوارق شهدت بها روايات صحيحة فكان إكراماً من الله لعبده، لا دليلاً لإثبات رسالته.. ومن ثم نثبت الحادث - حادث انشقاق القمر - بالنص القرآني وبالروايات المتواترة التي تحدد مكان الحادث وزمانه وهيئته. ونتوقف في تعليله الذي ذكرته بعض الروايات. ونكتفي بإشارة القرآن إليه مع الإشارة إلى اقتراب الساعة. باعتبار هذه الإشارة لمسة للقلب البشري ليستيقظ ويستجيب.. وانشقاق القمر إذن كان آية كونية يوجه القرآن القلوب والأنظار إليها، كما يوجهها دائماً إلى الآيات الكونية الأخرى؛ ويعجب من أمرهم وموقفهم إزاءها، كما يعجب من مواقفهم تجاه آيات الله الكونية الأخرى. إن الخوارق الحسية قد تدهش القلب البشري في طفولته، قبل أن يتهيأ لإدراك الآيات الكونية القائمة الدائمة، والتأثر بإيقاعها الثابت الهادئ. وكل الخوارق التي ظهرت على أيدي الرسل - صلوات الله عليهم - قبل أن تبلغ البشرية الرشد والنضوج يوجد في الكون ما هو أكبر منها وأضخم، وإن كان لا يستثير الحس البدائي كما تستثيره تلك الخوارق! ولنفرض أن انشقاق القمر جاء آية خارقة.. فإن القمر في ذاته آية أكبر! هذا الكوكب بحجمه، ووضعه، وشكله، وطبيعته، ومنازله، ودورته، وآثاره في حياة الأرض، وقيامه هكذا في الفضاء بغير عمد. هذه هي الآية الكبرى القائمة الدائمة حيال الأبصار وحيال القلوب، توقع إيقاعها وتلقي ظلالها، وتقوم أمام الحس شاهداً على القدرة المبدعة التي يصعب إنكارها إلا عناداً أو مراء! وقد جاء القرآن ليقف بالقلب البشري في مواجهة الكون كله؛ وما فيه من آيات الله القائمة الثابتة؛ ويصله بهذا الكون وآيات الله فيه في كل لحظة؛ لا مرة عارضة في زمان محدود، يشهدها جيل من الناس في مكان محدود. إن الكون كله هو مجال النظر والتأمل في آيات الله التي لا تنفد، ولا تذهب، ولا تغيب. وهو بجملته آية. وكل صغيرة فيه وكبيرة آية. والقلب البشري مدعو في كل لحظة لمشاهدة الخوارق القائمة الدائمة، والاستماع إلى شهادتها الفاصلة الحاسمة؛ والاستمتاع كذلك بعجائب الإبداع الممتعة، التي يلتقي فيها الجمال بالكمال، والتي تستجيش انفعال الدهش والحيرة مع وجدان الإيمان والاقتناع الهادئ العميق. وفي مطلع هذه السورة تجيء تلك الإشارة إلى اقتراب الساعة وانشقاق القمر إيقاعاً يهز القلب البشري هزاً. وهو يتوقع الساعة التي اقتربت، ويتأمل الآية التي وقعت، ويتصور أحداث الساعة في ظل هذا الحدث الكوني الذي رآه المخاطبون بهذا الإيقاع المثير. وفي موضوع اقتراب الساعة روى الإمام أحمد. قال: حدثنا حسين، حدثنا محمد بن مطوف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يقول: "حديث : بعثت أنا والساعة هكذا" تفسير : وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى. ومع اقتراب الموعد المرهوب، ووقع الحادث الكوني المثير، وقيام الآيات التي يرونها في صور شتى.. فإن تلك القلوب كانت تلج في العناد، وتصر على الضلال، ولا تتأثر بالوعيد كما لا تتأثر بإيقاع الآيات الكثيرة الكافية للعظة والكف عن التكذيب: {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا: سحر مستمر. وكذبوا واتبعوا أهوآءهم وكل أمر مستقر. ولقد جآءهم من الأنبآء ما فيه مزدجر. حكمة بالغة فما تغنـي النذر}. ولقد أعرضوا وقالوا: سحرنا، وهم يرون آية الله في انشقاق القمر. وكان هذا رأيهم مع آية القرآن. فقالوا: سحر يؤثر. فهذا قولهم كلما رأوا آية. ولما كانت الآيات متوالية متواصلة، فقد قالوا: إنه سحر مستمر لا ينقطع، معرضين عن تدبر طبيعة الآيات وحقيقتها، معرضين كذلك عن دلالتها وشهادتها. وكذبوا بالآيات وبشهادتها. كذبوا اتباعاً لأهوائهم لا استناداً إلى حجة، ولا ارتكاناً إلى دليل، ولا تدبراً للحق الثابت المستقر في كل ما حولهم في هذا الوجود.. {وكل أمر مستقر}.. فكل شيء في موضعه في هذا الوجود الكبير. وكل أمر في مكانه الثابت الذي لا يتزعزع ولا يضطرب. فأمر هذا الكون يقوم على الثبات والاستقرار، لا على الهوى المتقلب، والمزاج المتغير؛ أو المصادفة العابرة والارتجال العارض.. كل شيء في موضعه وفي زمانه، وكل أمر في مكانه وفي إبانه. والاستقرار يحكم كل شيء من حولهم، ويتجلى في كل شيء: في دورة الأفلاك، وفي سنن الحياة. وفي أطوار النبات والحيوان. وفي الظواهر الثابتة للأشياء والمواد. لا بل في انتظام وظائف أجسامهم وأعضائهم التي لا سلطان لهم عليها. والتي لا تخضع للأهواء! وبينما هذا الاستقرار يحيط بهم ويسيطر على كل شيء من حولهم، ويتجلى في كل أمر من بين أيديهم ومن خلفهم.. إذ هم وحدهم مضطربون تتجاذبهم الأهواء! {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر}.. أنباء الآيات الكونية التي صرّفها الله لهم في هذا القرآن؛ وأنباء المكذبين قبلهم ومصارعهم، وأنباء الآخرة التي صورها القرآن لهم.. وكان في هذا كله زاجر ورادع لمن يزدجر ويرتدع. وكان فيه من حكمة الله ما يبلغ القلوب ويوجهها إلى تدبيره الحكيم. ولكن القلوب المطموسة لا تتفتح لرؤية الآيات، والانتفاع بالأنباء، واليقظة على صوت النذير بعد النذير: {حكمة بالغة فما تغني النذر}. إنما هو الإيمان هبة الله للقلب المتهيئ للإيمان، المستحق لهذا الإنعام! وعند هذا الحد من تصوير إعراضهم وإصرارهم، وعدم انتفاعهم بالأنباء، وقلة جدوى النذر مع هؤلاء. يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - للإعراض عنهم وتركهم يلاقون اليوم الذي لا يحفلون النذير باقترابه، وهم يرون انشقاق القمر بين يدي مجيئه: {فتول عنهم يوم يدعو الداع إلى شيء نكر. خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر. مهطعين إلى الداع يقول الكافرون: هـذا يوم عسر}.. وهو مشهد من مشاهد ذلك اليوم، يناسب هوله وشدته ظلال السورة كلها، ويتناسق مع الإرهاص باقتراب الساعة، ومع الإنباء بانشقاق القمر، ومع الإيقاع الموسيقي في السورة كذلك! " وهو متقارب سريع. وهو مع سرعته شاخص متحرك، مكتمل السمات والحركات: هذه جموع خارجة من الأجداث في لحظة واحدة كأنهم جراد منتشر (ومشهد الجراد المعهود يساعد على تصور المنظر المعروض) وهذه الجموع خاشعة أبصارها من الذل والهول، وهي تسرع في سيرها نحو الداعي، الذي يدعوها لأمر غريب نكير شديد لا تعرفه ولا تطمئن إليه.. وفي أثناء هذا التجمع والخشوع والإسراع يقول الكافرون: {هذا يوم عسر}.. وهي قولة المكروب المجهود، الذي يخرج ليواجه الأمر الصعيب الرعيب!" فهذا هو اليوم الذي اقترب، وهم عنه معرضون، وبه يكذبون. فتول عنهم يوم يجيء، ودعهم لمصيرهم فيه وهو هذا المصير الرعيب المخيف! وبعد هذا الإيقاع العنيف في مطلع السورة؛ والمشهد المكروب الذي يشمل المكذبين في يوم القيامة.. يأخذ في عرض مشاهد التنكيل والتعذيب الذي أصاب بالفعل أجيال المكذبين قبلهم، وعرض مصارع الأمم التي سلكت من قبل مسلكهم، بادئاً بقوم نوح: {كذبت قبلهم قوم نوح، فكذبوا عبدنا وقالوا: مجنون وازدجر.. فدعا ربه أَني مغلوب فانتصر. ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيوناً، فالتقى الماء على أمر قد قدر. وحملناه على ذات ألواح ودسر. تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر. ولقد تركناها آية فهل من مدكر؟ فكيف كان عذابي ونذر؟ ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر؟}.. {كذبت قبلهم قوم نوح}.. بالرسالة وبالآيات {فكذبوا عبدنا}.. نوحاً {وقالوا: مجنون}.. كما قالت: قريش ظالمة عن محمد - صلى الله عليه وسلم - وهددوه بالرجم، وآذوه بالسخرية، وطالبوه أن يكف عنهم ونهروه بعنف: {وازدجر}.. بدلاً من أن ينزجروا هم ويرعووا! عندئذ عاد نوح إلى ربه الذي أرسله وكلفه مهمة التبليغ. عاد لينهي إليه ما انتهى إليه أمره مع قومه، وما انتهى إليه جهده وعمله، وما انتهت إليه طاقته ووسعه. ويدع له الأمر بعد أن لم تعد لديه طاقة لم يبذلها، وبعد أن لم تبق له حيلة ولا حول: {فدعا ربه: أني مغلوب. فانتصر}.. انتهت طاقتي. انتهى جهدي. انتهت قوتي. وغلبت على أمري. {أني مغلوب فانتصر}.. انتصر أنت يا ربي. انتصر لدعوتك. انتصر لحقك. انتصر لمنهجك. انتصر أنت فالأمر أمرك، والدعوة دعوتك. وقد انتهى دوري! وما تكاد هذه الكلمة تقال؛ وما يكاد الرسول يسلم الأمر لصاحبه الجليل القهار، حتى تشير اليد القادرة القاهرة إلى عجلة الكون الهائلة الساحقة.. فتدور دورتها المدوية المجلجلة: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر}.. وهي حركة كونية ضخمة غامرة تصورها ألفاظ وعبارات مختارة. تبدأ بإسناد الفعل إلى الله مباشرة: {ففتحنا} فيحس القارئ يد الجبار تفتح {أبواب السماء}.. بهذا اللفظ وهذا الجمع. {بماء منهمر}.. غزير متوال. وبالقوة ذاتها وبالحركة نفسها: {وفجرنا الأرض عيوناً}.. وهو تعبير يرسم مشهد التفجر وكأنه ينبثق من الأرض كلها، وكأنما الأرض كلها قد استحالت عيوناً. والتقى الماء المنهمر من السماء بالماء المتفجر من الأرض.. {على أمر قد قدر}.. التقيا على أمر مقدر، فهما على اتفاق لتنفيذ هذا الأمر المقدر. طائعان للأمر، محققان للقدر. حتى إذا صار طوفاناً يطم ويعم، ويغمر وجه الأرض، ويطوي الدنس الذي يغشى هذا الوجه. وقد يئس الرسول من تطهيره، وغلب على أمره في علاجه. امتدت اليد القوية الرحيمة إلى الرسول الذي دعا دعوته، فتحرك لها الكون كله. امتدت له هذه اليد بالنجاة وبالتكريم: {وحملناه على ذات ألواح ودسر. تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر}.. وظاهر من العبارة تفخيم السفينة وتعظيم أمرها. فهي ذات ألواح ودسر. توصف ولا تذكر لفخامتها وقيمتها. وهي تجري في رعاية الله بملاحظة أعينه. {جزاء لمن كان كفر}. وجحد وازدجر. وهو جزاء يمسح بالرعاية على الجفاء، وبالتكريم على الاستهزاء. ويصور مدى القوة التي يملك رصيدها من يُغلب في سبيل الله. ومن يبذل طاقته، ثم يعود إليه يسلم له أمره وأمر الدعوة ويدع له أن ينتصر!.. إن قوى الكون الهائلة كلها في خدمته وفي نصرته. والله من ورائها بجبروته وقدرته. وعلى مشهد الانتصار الهائل الكامل؛ والمحق الحاسم الشامل، يتوجه إلى القلوب التي شهدت المشهد كأنها تراه. يتوجه إليها بلمسة التعقيب، لعلها تتأثر وتستجيب: {ولقد تركناها آية فهل من مدكر؟}.. هذه الواقعة بملابساتها المعروفة. تركناها آية للأجيال {فهل من مدكر؟} يتذكر ويعتبر؟ ثم سؤال لإيقاظ القلوب إلى هول العذاب وصدق النذير: {فكيف كان عذابي ونذر؟}.. ولقد كان كما صوره القرآن. كان عذاباً مدمراً جباراً. وكان نذيراً صادقاً بهذا العذاب. وهذا هو القرآن حاضراً، سهل التناول، ميسر الإدراك، فيه جاذبية ليقرأ ويتدبر. فيه جاذبية الصدق والبساطة، وموافقة الفطرة، واستجاشة الطبع، لا تنفد عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد. وكلما تدبره القلب عاد منه بزاد جديد. وكلما صحبته النفس زادت له ألفة وبه أنساً: {ولقد يسرنا القرآن للذكر، فها من مدكر؟}.. وهذا هو التعقيب الذي يتكرر، بعد كل مشهد يصور.. ويقف السياق عنده بالقلب البشري يدعوه دعوة هادئة إلى التذكر والتدبر، بعد أن يعرض عليه حلقة من العذاب الأليم الذي حل بالمكذبين. {كذبت عاد، فكيف كان عذابي ونذر؟ إنآ أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر. فكيف كان عذابي ونذر؟ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟}.. وهذه هي الحلقة الثانية، أو المشهد الثاني من مشاهد التعذيب العنيف؛ والمصرع الذي يقف عليه بعد وقفته على مصرع قوم نوح. أول المهلكين. يبدؤه بالإخبار عن تكذيب عاد. وقبل أن يكمل الآية يسأل سؤال التعجيب والتهويل: {فكيف كان عذابي ونذر؟}.. كيف كان بعد تكذيب عاد؟ ثم يجيب.. كان كما يصفه ذلك الوصف الخاطف الرعيب: {إنآ أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر}.. والريح الصرصر: الباردة العنيفة. وجرس اللفظ يصور نوع الريح. والنحس: الشؤم. وأي نحس يصيب قوماً أشد مما أصاب عاد. والريح تنزعهم وتجذبهم وتحطمهم. فتدعهم كأنهم أعجاز نخل مهشمة مقلوعة من قعورها؟! والمشهد مفزع مخيف، وعاصف عنيف. والريح التي أرسلت على عاد "هي من جند الله" وهي قوة من قوى هذا الكون، من خلق الله، تسير وفق الناموس الكوني الذي اختاره؛ وهو يسلطها على من يشاء، بينما هي ماضية في طريقها مع ذلك الناموس، بلا تعارض بين خط سيرها الكوني، وأدائها لما تؤمر به وفق مشيئة الله. صاحب الأمر وصاحب الناموس: {فكيف كان عذابي ونذر؟}.. يكررها بعد عرض المشهد. والمشهد هو الجواب! ثم يختم الحلقة بالتعقيب المكرر في السورة وفق نسقها الخاص: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟}.. ثم يمضي إلى المشهد التالي في السياق وفي التاريخ: {كذبت ثمود بالنذر. فقالوا: أبشرا منا واحداً نتبعه؟ إنآ إذاً لفي ضلال وسعر. أألقي الذكر عليه من بيننا؟ بل هو كذاب أشر. سيعلمون غدا من الكذاب الأشر. إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر. ونبئهم أن المآء قسمة بينهم، كل شرب محتضر. فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر. فكيف كان عذابي ونذر؟ إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر.. ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر؟}.. وثمود كانت القبيلة التي خلفت عاداً في القوة والتمكين في جزيرة العرب.. كانت عاد في الجنوب كانت ثمود في الشمال. وكذبت ثمود بالنذر كما كذبت عاد، غير معتبرة بمصرعها المشهور المعلوم في أنحاء الجزيرة. {فقالوا: أبشراً منا واحداً نتبعه؟ إنآ إذاً لفي ضلال وسعر. أألقي الذكر عليه من بيننا؟ بل هو كذاب أشر}.. وهي الشبهة المكرورة التي تحيك في صدور المكذبين جيلاً بعد جيل: {أألقي الذكر عليه من بيننا}؟ كما أنها هي الكبرياء الجوفاء التي لا تنظر إلى حقيقة الدعوة، إنما تنظر إلى شخص الداعية: {أبشراً منا واحداً نتبعه؟}! وماذا في أن يختار الله واحداً من عباده.. والله أعلم حيث يجعل رسالته.. فيلقي عليه الذكر - أي الوحي وما يحمله من توجيهات للتذكر والتدبر - ماذا في هذا الاختيار لعبد من عباده يعلم منه تهيؤه واستعداده. وهو خالق الخلق. وهو منزل الذكر؟ إنها شبهة واهية لا تقوم إلا في النفوس المنحرفة. النفوس التي لا تريد أن تنظر في الدعوى لترى مقدار ما فيها من الحق والصدق؛ ولكن إلى الداعية فتستكبر عن اتباع فرد من البشر، مخافة أن يكون في اتباعها له إيثار وله تعظيم. وهي تستكبر عن الإذعان والتسليم. ومن ثم يقولون لأنفسهم: {أبشراً منا واحداً نتبعه؟ إنا إذاً لفي ضلال وسعر}.. أي لو وقع منا هذا الأمر المستنكر! وأعجب شيء أن يصفوا أنفسهم بالضلال لو اتبعوا الهدى! وأن يحسبوا أنفسهم في سعر - لا في سعير واحد - إذا هم فاءوا إلى ظلال الإيمان! ومن ثم يتهمون رسولهم الذي اختاره الله ليقودهم في طريق الحق والقصد. يتهمونه بالكذب الطمع: {بل هو كذاب أشر}.. كذاب لم يلق عليه الذكر. أشر: شديد الطمع في اختصاص نفسه بالمكانة! وهو الاتهام الذي يواجه بكل داعية. اتهامه بأنه يتخذ الدعوة ستاراً لتحقيق مآرب ومصالح. وهي دعوى المطموسين الذين لا يدركون دوافع النفوس ومحركات القلوب. وبينما يجري السياق على أسلوب الحكاية لقصة غبرت في التاريخ.. يلتفت فجأة وكأنما الأمر حاضر. والأحداث جارية. فيتحدث عما سيكون. ويهدد بهذا الذي سيكون: {سيعلمون غداً من الكذاب الأشر}! وهذه إحدى طرق العرض القرآنية للقصص. وهي طريقة تنفخ روح الحياة الواقعية في القصة، وتحيلها من حكاية تحكى، إلى واقعة تعرض على الأنظار، يترقب النظارة أحداثها الآن، ويرتقبونها في مقبل الزمان! {سيعلمون غداً من الكذاب الأشر}.. وسيكشف لهم الغد عن الحقيقة. ولن يكونوا بمنجاة من وقع هذه الحقيقة. فستكشف عن البلاء المدمر للكذاب الأشر! {إنا مرسلو الناقة فتنة لهم. فارتقبهم واصطبر. ونبئهم أن الماء قسمة بينهم. كل شرب محتضر}.. ويقف القارئ يترقب ما سيقع، عندما يرسل الله الناقة فتنة لهم، وامتحاناً مميزاً لحقيقتهم. ويقف الرسول - رسولهم عليه السلام - مرتقباً ما سيقع، مؤتمراً بأمر ربه في الاصطبار عليهم حتى تقع الفتنة ويتم الامتحان. ومعه التعليمات.. أنا الماء في القبيلة قسمة بينهم وبين الناقة - ولا بد أنها كانت ناقة خاصة ذات خصائص معينة تجعلها آية وعلامة - فيوم لها ويوم لهم - تحضر يومها ويحضرون يومهم. وتنال شربها وينالون شربهم. ثم يعود السياق إلى أسلوب الحكاية. فيقص ما كان بعد ذلك منهم: {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر}.. وصاحبهم هو أحد الرهط المفسدين في المدينة، الذين قال عنهم في سورة النمل: {أية : وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون}تفسير : وهو الذي قال عنه في سورة الشمس:{أية : إذا انبعث أشقاها }.. تفسير : وقيل: إنه تعاطى الخمر فسكر ليصير جريئاً على الفعلة التي هو مقدم عليها. وهي عقر الناقة التي أرسلها الله آية لهم؛ وحذرهم رسولهم أن يمسوها بسوء فيأخذهم عذاب أليم.. {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر} وتمت الفتنة ووقع البلاء. {فكيف كان عذابي ونذر؟}.. وهو سؤال التعجيب والتهويل. قبل ذكر ما حل من العذاب بعد النذير: {إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر}... ولا يفصل القرآن هذه الصيحة. وإن كانت في موضع آخر في سورة "فصلت" توصف بأنها صاعقة: {أية : فإن أعرضوا فقل: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود}تفسير : وقد تكون كلمة صاعقة وصفاً للصيحة. فهي صيحة صاعقة. وقد تكون تعبيراً عن حقيقتها. فتكون الصيحة والصاعقة شيئاً واحداً. وقد تكون الصيحة هي صوت الصاعقة. أو تكون الصاعقة أثراً من آثار الصيحة التي لا ندري من صاحبها. وعلى أية حال فقد أرسلت على القوم صيحة واحدة، ففعلت بهم ما فعلت، مما جعلهم {كهشيم المحتظر}.. والمحتظر صانع الحظيرة. وهو يصنعها من أعواد جافة. فهم صاروا كالأعواد الجافة حين تيبس وتتحطم وتصبح هشيماً. أو أن المحتظر يجمع لماشيته هشيماً تأكله من الأعواد الجافة والعشب الناشف. وقد صار القوم كهذا الهشيم بعد الصيحة الواحدة! وهو مشهد مفجع مفزع. يعرض رداً على التعالي والتكبر. فإذا المتعالون المتكبرون هشيم. وهشيم مهين كهشيم المحتظر! وأمام هذا المشهد العنيف المخيف، يرد قلوبهم إلى القرآن ليتذكروا ويتدبروا. وهو ميسر للتذكر والتدبر: {ولقد يسرنا القرآن للذكر. فهل من مدكر؟}.. ويسدل الستار على الهشيم المهين. وفي العين منه مشهد. وفي القلب منه أثر. والقرآن يدعو من يذكر ويتفكر.. ثم يرفع الستار عن حلقة جديدة تالية - بعد ذلك - في التاريخ، في محيط الجزيرة العربية كذلك: {كذبت قوم لوط بالنذر. إنآ أرسلنا عليهم حاصباً إلا آل لوط نجيناهم بسحر. نعمة من عندنا. كذلك نجزي من شكر. ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر. ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم فذوقوا عذابي ونذر. ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر. فذوقوا عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟}.. وقصة قوم لوط وردت مفصلة في مواضع أخرى. والمقصود بعرضها هنا ليس هو تفصيلاتها، إنما هي العبرة من عاقبة التكذيب، والأخذ الأليم الشديد. من ثم تبدأ بذكر ما وقع منهم من تكذيب بالنذر: {كذبت قوم لوط بالنذر}.. وعلى إثر هذه الإشارة يصف ما نزل بهم من النكال: {إنا أرسلنا عليهم حاصباً إلا آل لوط نجيناهم بسحر. نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر..} والحاصب: الريح تحمل الحجارة. وفي مواضع أخرى ورد أنه أرسل إليهم حجارة من طين ولفظة الحاصب ذات جرس كأنه وقع الحجارة، وفيه شدة وعنف تناسب جو المشهد. ولم ينج إلا آل لوط - إلا امرأته - نعمة من عند الله جزاء إيمانهم وشكرهم.. {كذلك نجزي من شكر}. فننجيه وننعم عليه في وسط المهالك والمخاوف. والآن وقد عرض القصة من طرفيها: طرف التكذيب وطرف الأخذ الشديد. فإنه يعود لشيء من التفصيل فيما وقع بين الطرفين.. وهذه إحدى طرق العرض القرآنية للقصة حين يراد إبراز إيحاءات معينة من إيرادها في هذا النسق. هذه التفصيلات هي: {ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر. ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم، فذوقوا عذابي ونذر. ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر}.. وطالما أنذر لوط قومه عاقبة المنكر الشاذ الذي كانوا يأتونه، فتماروا بالنذر، وشكوا فيها وارتابوا، وتبادلوا الشك والارتياب فيما بينهم وتداولوه، وجادلوا نبيهم فيه. وبلغ منهم الفجور والاستهتار أن يراودوه هو نفسه عن ضيفه - من الملائكة - وقد حسبوهم غلماناً صباحاً فهاج سعارهم الشاذ الملوث القذر! وساوروا لوطاً يريدون الاعتداء المنكر على ضيوفه، غير محتشمين ولا مستحيين، ولا متحرجين من انتهاك حرمة نبيهم الذي حذرهم عاقبة هذا الشذوذ القذر المريض. عندئذ تدخلت يد القدرة، وتحرك الملائكة لأداء ما كلفوه وجاءوا من أجله: {فطمسنا أعينهم} فلم يعودوا يرون شيئاً ولا أحداً؛ ولم يعودوا يقدرون على مساورة لوط ولا الإمساك بضيفه! والإشارة إلى طمس أعينهم لا ترد إلا في هذا الموضع بهذا الوضوح. ففي موضع آخر ورد: {أية : قالوا: يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك}تفسير : فزاد هنا ذكر الحالة التي صارت تمنعهم من أن يصلوا إليه. وهي انطماس العيون! وبينما السياق يجري مجرى الحكاية، إذا به حاضر مشهود، وإذا الخطاب يوجه إلى المعذبين: {فذوقوا عذابي ونذر}.. فهذا هو العذاب الذي حذرتم منه، وهذه هي النذر التي تماريتم فيها! وكان طمس العيون في المساء.. في انتظار الصباح الذي قدره الله لأخذهم جميعاً: {ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر}.. وهو ذلك العذاب الذي عجل بذكره في السياق. وهو الحاصب الذي طهر الأرض من تلك اللوثة ومن ذلك الفساد. ومرة أخرى تتغير طريقة العرض، ويستحضر المشهد كأنه اللحظة واقع. وينادى المعذبون وهم يعانون العذاب: {فذوقوا عذابي ونذر}!!! ثم يجيء التعقيب المألوف، عقب المشهد العنيف: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}؟ وتختم هذه الحلقات بحلقة خارج الجزيرة، ومصرع من المصارع المشهورة المذكورة. في إشارة سريعة خاطفة: {ولقد جاء آل فرعون النذر. كذبوا بآياتنا كلها، فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر}.. وهكذا تختصر قصة فرعون وملئه في طرفيها: مجيء النذر لآل فرعون وتكذيبهم بالآيات التي جاءهم بها رسولهم. وأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر. والإشارة إلى العزة والاقتدار تلقي ظلال الشدة في الأخذ؛ وفيها تعريض بعزة فرعون واقتداره على البغي والظلم. فقد ضاعت العزة الباطلة، وسقط الاقتدار الموهوم. وأخذه الله - هو وآله - أخذ عزيز حقاً مقتدر صدقاً. أخذهم أخذاً شديداً يناسب ما كانوا عليه من ظلم وغشم وبطش وجبروت. وعلى هذه الحلقة الأخيرة على مصرع فرعون الجبار. يسدل الستار.. والآن. وقد أسدل الستار على آخر مشهد من مشاهد العذاب والنكال. والمكذبون يشهدون؛ ويتلقى حسهم إيقاع هذه المشاهد.. الآن والمصارع المتتالية حاضرة في خيالهم، ضاغطة على حسهم.. والآن يتوجه إليهم بالخطاب؛ يحذرهم مصرعاً كهذه المصارع. وينذرهم ما هو أدهى وأفظع: {أكفاركم خير من أولئكم؟ أم لكم برآءة في الزبر؟ أم يقولون: نحن جميع منتصر؟ سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر. إن المجرمين في ضلال وسعر. يوم يسحبون في النار على وجوههم: ذوقوا مس سقر. إنا كل شيء خلقناه بقدر. ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر. ولقد أهلكنآ أشياعكم فهل من مدكر. وكل شيء فعلوه في الزبر. وكل صغير وكبير مستطر} إنه الإنذار بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة؛ وإسقاط كل شبهة وكل شك في صدق هذا الإنذار وسد كل ثغرة وكل طمع في الهرب والفكاك؛ أو المغالطة في الحساب والفرار من الجزاء! تلك كانت مصارع المكذبين. فما يمنعكم أنتم من مثل ذلك المصير؟ {أكفاركم خير من أولئكم؟}.. وما ميزة كفاركم على أولئكم؟ {أم لكم براءة في الزبر}.. تشهد بها الصحائف المنزلة، فتعفوا إذن من جرائر الكفر والتكذيب؟ لا هذه ولا تلك. فلستم خيراً من أولئكم، وليست لكم براءة في الصحائف المنزلة، وليس هنالك إلا لقاء المصير الذي لقيه الكفار من قبلكم في الصورة التي يقدرها الله لكم. ثم يلتفت عن خطابهم إلى خطاب عام، يعجب فيه من أمرهم: {أم يقولون: نحن جميع منتصر}. وذلك حين يرون جمعهم فتعجبهم قوتهم، ويغترون بتجمعهم، فيقولون: إنا منتصرون لا هازم لنا ولا غالب؟ هنا يعلنها عليهم مدوية قاضية حاسمة: {سيهزم الجمع ويولون الدبر}.. فلا يعصمهم تجمعهم، ولا تنصرهم قوتهم. والذي يعلنها عليهم هو القهار الجبار.. ولقد كان ذلك. كما لا بد أن يكون! قال البخاري بإسناده إلى ابن عباس -: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال وهو في قبة له يوم بدر: "حديث : أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبداً. فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده، وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك! فخرج وهو يثب في الدرع، وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر...} ". تفسير : وفي رواية لابن أبي حاتم بإسناده إلى عكرمة، قال: "حديث : لما نزلت {سيهزم الجمع ويولون الدبر} قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في الدرع، وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر}. فعرفت تأويلها يومئذ! " تفسير : وكانت هذه هزيمة الدنيا. ولكنها ليست هي الأخيرة. وليست هي الأشد والأدهى؛ فهو يضرب عن ذكرها ليذكر الأخرى: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمرُّ}.. أدهى وأمر من كل عذاب رأوه أو يرونه في هذه الأرض. وأدهى وأمر من كل مشهد رأوه مرسوماً فيما مر. من الطوفان، إلى الصرصر. إلى الصاعقة. إلى الحاصب. إلى أخذ فرعون وآله أخذ عزيز مقتدر! ثم يفصّل كيف هي أدهى وأمر. يفصل هذا في مشهد عنيف من مشاهد القيامة: {إن المجرمين في ضلال وسعر. يوم يسحبون في النار على وجوههم: ذوقوا مسَّ سقر}.. في ضلال يعذب العقول والنفوس، وفي سعر تكوي الجلود والأبدان.. في مقابل ما كانوا يقولون هم وأمثالهم من قبل: {أبشراً منا واحداً نتبعه؟ إنا إذن لفي ضلال وسعر}. ليعرفوا أين يكون الضلال وأين تكون السعر! وهم يسحبون في النار على وجوههم في عنف وتحقير، في مقابل الاعتزاز بالقوة والاستكبار. وهم يزادون عذاباً بالإيلام النفسي، الذي كأنما يشهد اللحظة حاضراً معروضاً على الأسماع والأنظار: {ذوقوا مس سقر}! وفي ظل هذا المشهد المروع المزلزل يتجه بالبيان إلى الناس كافة، وإلى القوم خاصة. ليقر في قلوبهم حقيقة قدر الله وحكمته وتدبيره.. إن ذلك الأخذ في الدنيا، وهذا العذاب في الآخرة. وما كان قبلهما من رسالات ونذر، ومن قرآن وزبر. وما حول ذلك كله من خلق ووجود وتصريف لهذا الوجود.. إن ذلك كله، وكل صغيرة وكبيرة مخلوقة بقدر، مصرفة بقصد، مدبرة بحكمة. لا شيء جزاف. لا شيء عبث. لا شيء مصادفة. لا شيء ارتجال: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}. كل شيء.. كل صغير وكل كبير. كل ناطق وكل صامت. كل متحرك وكل ساكن. كل ماض وكل حاضر. كل معلوم وكل مجهول. كل شيء.. خلقناه بقدر.. قدر يحدد حقيقته. ويحدد صفته. ويحدد مقداره. ويحدد زمانه. ويحدد مكانه. ويحدد ارتباطه بسائر ما حوله من أشياء. وتأثيره في كيان هذا الوجود. وإن هذا النص القرآني القصير اليسير ليشير إلى حقيقة ضخمة هائلة شاملة، مصداقها هذا الوجود كله. حقيقة يدركها القلب جملة وهو يواجه هذا الوجود، ويتجاوب معه، ويتلقى عنه، ويحس أنه خليقة متناسقة تناسقاً دقيقاً. كل شيء فيه بقدر يحقق هذا التناسق المطلق، الذي ينطبع ظله في القلب جملة وهو يواجه هذا الوجود. ثم يبلغ البحث والرؤية والتجربة من إدراك هذه الحقيقة القدر الذي تهيئه هذه الوسائل، ويطيقه العقل البشري، ويملك معرفته عن هذا الطريق. ووراء هذا القدر يبقى دائماً ما هو أعظم وأكمل، تدركه الفطرة وينطبع فيها بتأثير الإيقاع الكوني المتناسق فيها، وهي ذاتها بعض هذا الكون المتناسق كل شيء فيه بقدر. ولقد وصل العلم الحديث إلى أطراف من هذه الحقيقة، فيما يملك أن يدركه منها بوسائله المهيأة له.. وصل في إدراك التناسق بين أبعاد النجوم والكواكب وأحجامها وكتلها وجاذبيتها بعضها لبعض إلى حد أن يحدد العلماء مواقع كواكب لم يروها بعد؛ لأن التناسق يقتضي وجودها في المواضع التي حددوها. فوجودها في هذه المواقع هو الذي يفسر ظواهر معينة في حركة الكواكب التي رصدوها.. ثم يتحقق هذا الذي فرضوه. ويدل تحقيقه على الدقة المتناهية في توزيع هذه الأجرام، في هذا الفضاء الهائل، بهذه النسب المقدرة، التي لا يتناولها خلل أو اضطراب! ووصل في إدراك التناسق في وضع هذه الأرض التي نعيش عليها، لتكون صالحة لنوع الحياة التي قدر الله أن تكون فيها إلى حد أن افتراض أي اختلال في أية نسبة من نسبها يؤدي بهذه الحياة كلها، أو لا يسمح أصلاً بقيامها. فحجم هذه الأرض، وكتلتها، وبعدها عن الشمس. وكتلة هذه الشمس، ودرجة حرارتها. وميل الأرض على محورها بهذا القدر، وسرعتها في دورتها حول نفسها وحول الشمس. وبعد القمر عن الأرض. وحجمه وكتلته. وتوزيع الماء واليابس في هذه الأرض.. إلى آلاف من هذه النسب المقدرة تقديراً، لو وقع الاختلال في أي منها لتبدل كل شيء، ولكانت هي النهاية المقدرة لعمر هذه الحياة على هذه الأرض! ووصل في إدراك التناسق بين عدد كبير من الضوابط التي تضبط الحياة؛ وتنسق بين الأحياء والظروف المحيطة بها؛ وبين بعضها وبعض.. إلى حد يعطي فكرة عن تلك الحقيقة العميقة الكبيرة التي تشير إليها الآية. فالنسبة بين عوامل الحياة والبقاء وعوامل الموت والفناء في البيئة وفي طبيعة الأحياء محفوظة دائماً بالقدر الذي يسمح بنشأة الحياة وبقائها وامتدادها. وفي الوقت ذاته يحد من انتشارها إلى الحد الذي لا تكفي الظروف المهيأة للأحياء، في وقت ما، لإعالتهم وإعاشتهم! ولعله من المفيد أن نشير إشارة سريعة إلى أي شيء من هذا التوازن في علاقات بعض الأحياء ببعض. إذ كنا قد أشرنا بشيء من التفصيل في سور أخرى إلى التناسق في بناء الكون، وفي ظروف الأرض.. "إن الجوارح التي تتغذى بصغار الطيور قليلة العدد، لأنها قليلة البيض، قليلة التفريخ، فضلاً على أنها لا تعيش إلا في مواطن خاصة محدودة. وهي في مقابل هذا طويلة الأعمار. ولو كانت مع عمرها الطويل، كثيرة الفراخ مستطيعة الحياة في كل موطن، لقضت على صغار الطيور وأفنتها على كثرتها وكثرة تفريخها. أو قللت من أعدادها الكبيرة اللازمة بدورها لطعام هذه الجوارح وسواها من بني الإنسان، وللقيام بأدوارها الأخرى، ووظائفها الكثيرة في هذه الأرض! شعر : بغاث الطير أكثرها فراخا وأم الصقر مِقلاتٌ نَزور تفسير : وذلك للحكمة التي قدرها الله كما رأينا، كي تتعادل عوامل البقاء وعوامل الفناء بين الجوارح والبغاث! والذبابة تبيض ملايين البويضات. ولكنها لا تعيش إلا أسبوعين. ولو كانت تعيش بضعة أعوام، تبيض فيها بهذه النسبة لغطى الذباب وجه الأرض بنتاجه؛ ولغدت حياة كثير من الأجناس - وأولها الإنسان - مستحيلة على وجه هذه الأرض. ولكن عجلة التوازن التي لا تختل، في يد القدرة التي تدبر هذا الكون، وازنت بين كثرة النسل وقصر العمر فكان هذا الذي نراه! والميكروبات - وهي أكثر الأحياء عدداً، وأسرعها تكاثراً، وأشدها فتكاً - هي كذلك أضعف الأحياء مقاومة وأقصرها عمراً. تموت بملايين الملايين من البرد، ومن الحر، ومن الضوء، ومن أحماض المعدات، ومن أمصال الدم، ومن عوامل أخرى كثيرة. ولا تتغلب إلا على عدد محدود من الحيوان والإنسان. ولو كانت قوية المقاومة أو طويلة العمر لدمرت الحياة والأحياء! وكل حي من الأحياء مزود بسلاح يتقي به هجمات أعدائه ويغالب به خطر الفناء. وتختلف هذه الأسلحة وتتنوع. فكثرة العدد سلاح. وقوة البطش سلاح. وبينهما ألوان وأنواع.. الحيات الصغيرة مزودة بالسم أو بالسرعة للهرب من أعدائها. والثعابين الكبيرة مزودة بقوة العضل، ومن ثم ينذر فيها السام! والخنفساء - وهي قليلة الحيلة - مزودة بمادة كاوية ذات رائحة كريهة، تصبها على كل من يلمسها، وقاية من الأعداء! والظباء مزودة بسرعة الجري والقفز، والأسود مزودة بقوة ألباس والافتراس! وهكذا كل حي من الأحياء الصغار والكبار على السواء. وكل حي مزود كذلك بالخصائص والوسائل التي يحصل بها على طعامه، والتي ينتفع معها بهذا اللون من الطعام.. الإنسان والحيوان والطير وأدنأ أنواع الأحياء سواء.. البويضة بعد تلقيحها بالحيوان المنوي تلصق بالرحم. وهي مزودة بخاصية أكالة، تمزق جدار الرحم حولها وتحوله إلى بركة من الدم المناسب لامتصاصها ونموها! والحبل السري الذي يربط الجنين بأمه ليتغذى منها حتى يتم وضعه، روعي في تكوينه ما يحقق الغرض الذي تكون من أجله، دون إطالة قد تسبب تخمر الغذاء فيه، أو قصر قد يؤدي إلى اندفاع الغذاء اليه بما قد يؤذيه. والثدي يفرز في نهاية الحمل وبدء الوضع السائل الأبيض مائلاً إلى الإصفرار. ومن عجيب صنع الله أن هذا السائل عبارة عن مواد كيماوية ذائبة تقي الطفل من عدوى الأمراض. وفي اليوم التالي للميلاد يبدأ اللبن في التكوين. ومن تدبير المدبر الأعظم أن يزداد مقداراللبن الذي يفرزه الثدي يوماً بعد يوم، حتى يصل إلى حوالي ليتر ونصف في اليوم بعد سنة، بينما لا تزيد كميته في الأيام الأولى على بضع أوقيات. ولا يقف الإعجاز عند كمية اللبن التي تزيد على حسب زيادة الطفل؛ بل إن تركيب اللبن كذلك تتغير مكوّناته، وتتركز مواده، فهو يكاد يكون ماء به القليل من النشويات والسكريات في أول الأمر، ثم تتركز مكوناته فتزيد نسبته النشوية والسكرية والدهنية فترة بعد أخرى، بل يوماً بعد يوم بما يوافق أنسجة وأجهزة الطفل المستمر النمو". وتتبع الأجهزة المختلفة في تكوين الإنسان، ووظائفها، وطريقة عملها، ودور كل منها في المحافظة على حياته وصحته.. يكشف عن العجب العجاب في دقة التقدير وكمال التدبير. ويرينا يد الله وهي تدبر أمر كل فرد. بل كل عضو. بل كل خلية من خلاياه. وعين الله عليه تكلؤه وترعاه. ولن نستطيع هنا أن نفصل هذه العجائب فنكتفي بإشارة سريعة إلى التقدير الدقيق في جهاز واحد من هذه الأجهزة. جهاز الغدد الصم "تلك المعامل الكيماوية الصغيرة التي تمد الجسم بالتركيبات الكيماوية الضرورية، والتي يبلغ من قوتها أن جزءاً من ألف بليون جزء منها تحدث آثاراً خطيرة في جسم الإنسان. وهي مرتبة بحيث أن إفراز كل غدة يكمل إفراز الغدة الأخرى. وكل ما كان يعرف عن هذه الإفرازات أنها معقدة التركيب تعقيداً مدهشاً، وأن أي اختلال في إفرازها يسبب تلفاً عاماً في الجسم، يبلغ حد الخطورة. إذا دام هذا الاختلال وقتاً قصيراً". أما الحيوان فتختلف أجهزته باختلاف أنواعه وبيئاته وملابسات حياته.. "زودت أفواه الآساد والنمور والذئاب والضباع، وكل الحيوانات الكاسرة التي تعيش في الفلاة، ولا غذاء لها إلا ما تفترسه من كائنات لا بد من مهاجمتها، والتغلب عليها، بأنياب قاطعة، وأسنان حادة، وأضراس صلبة. ولما كانت في هجومها لا بد أن تستعمل عضلاتها، فلأرجلها عضلات قوية، سلحت بأظافر ومخالب حادة، وحوت معدتها الأحماض والأنزيمات الهاضمة للحوم والعظام". فأما الحيوانات المجترة المستأنسة التي تعيش على المراعي، فهي تختلف فيما زودت به.. "وقد صممت أجهزتها الهاضمة بما يتناسب مع البيئة، فأفواهها واسعة نسبياً؛ وقد تجردت من الأنياب القوية والأضراس الصلبة. وبدلاً منها توجد الأسنان التي تتميز بأنها قاصمة قاطعة؛ فهي تأكل الحشائش والنباتات بسرعة، وتبتلعها كذلك دفعة واحدة، حتى يمكنها أن تؤدي للإنسان ما خلقت لأجله من خدمات. وقد أوجدت العناية الخالقة لهذا الصنف أعجب أجهزة الهضم، فالطعام الذي تأكله ينزل إلى الكرش، وهو مخزن له، فإذا ما انتهى عمل الحيوان اليومي وجلس للراحة، يذهب الطعام إلى تجويف يسمى"القلنسوة". ثم يرجع إلى الفم، فيمضغ ثانية مضغاً جيداً، حيث يذهب إلى تجويف ثالث يسمى "أم التلافيف"، ثم إلى رابع يسمى "الإنفحة" وكل هذه العملية الطويلة أعدت لحماية الحيوان، إذ كثيراً ما يكون هدفاً لهجوم حيوانات كاسرة في المراعي، فوجب عليه أن يحصل على غذائه بسرعة ويختفي. ويقول العلم إن عملية الاجترار ضرورية بل وحيوية، إذ أن العشب من النباتات العسرة الهضم، لما يحتويه من السليلوز الذي يغلف جميع الخلايا النباتية، ولهضمه يحتاج الحيوان إلى وقت طويل جداً، فلو لم يكن مجتراً، وبمعدته مخزن خاص، لضاع وقت طويل في الرعي، يكاد يكون يوماً بأكمله، دون أن يحصل الحيوان على كفايته من العذاء، ولأجهد العضلات في عمليات التناول والمضغ. إنما سرعة الأكل، ثم تخزينه وإعادته بعد أن يصيب شيئاً من التخمر، ليبدأ المضغ والطحن والبلع، تحقق كافة أغراض الحيوان من عمل وعذاء وحسن هضم. فسبحان المدبر". "والطيور الجارحة كالبوم والحدأة ذات منقار مقوس حاد على شكل خطاف لتمزيق اللحوم. بينما للإوز والبط مناقير عريضة منبسطة مفلطحة كالمغرفة، توائم البحث عن الغذاء في الطين والماء. وعلى جانب المنقار زوائد صغيرة كالأسنان لتساعد على قطع الحشائش. "أما الدجاج والحمام وباقي الطيور التي تلتقط الحب من الأرض فمناقيرها قصيرة مدببة لتؤدي هذا الغرض. بينما منقار البجعة مثلاً طويل طولاً ملحوظاً، ويمتد من أسفله كيس يشبه الجراب ليكون كشبكة الصياد. إذ أن السمك هو غذاء البجعة الأساسي. "ومنقار الهدهد وأبو قردان طويل مدبب، أعد بإتقان للبحث عن الحشرات والديدان، التي غالباً ما تكون تحت سطح الأرض. ويقول العلم: إنه يمكن للإنسان أن يعرف غذاء أي طير من النظرة العابرة إلى منقاره. "أما باقي الجهاز الهضمي للطير فهو غريب عجيب. فلما لم يعط أسناناً فقد خلقت له حوصلة وقانصة تهضم الطعام. ويلتقط الطير مواد صلبة وحصى لتساعد القانصة على هضم الطعام". ويطول بنا الاستعراض، ونخرج على منهج هذه الظلال، لو رحنا نتتبع الأنواع والأجناس الحية على هذا النحو، فنسرع الخطى إلى "الإميبا" وهي ذات الخلية الواحدة، لنرى يد الله معها، وعينه عليها، وهو يقدر لها أمرها تقديراً. "والإميبا كائن حي دقيق الحجم. يعيش في البرك والمستنقعات، أو على الأحجار الراسبة في القاع. ولا يرى بالعين إطلاقاً. وهو يرى بالمجاهر، كتلة هلامية، يتغير شكلها بتغير الظروف والحاجات. فعندما تتحرك تدفع بأجزاء من جسمها تكون به زوائد، تستعملها كالأقدام، للسير بها إلى المكان المرغوب. ولذا تسمى هذه الزوائد بالأقدام الكاذبة. وإذا وجدت غذاء لها أمسكت به بزائدة أو زائدتين، وتفرز عليه عصارة هاضمة، فتتغذى بالمفيد منها، أما الباقي فتطرده من جسمها! وهي تتنفس من كل جسمها بأخذ الأكسوجين من الماء.. فتصور هذا الكائن الذي لا يرى إطلاقاً بالعين، يعيش ويتحرك، ويتغذى ويتنفس، ويخرج فضلاته! فإذا ما تم نموه انقسم إلى قسمين، ليكون كل قسم حيواناً جديداً".. "وعجائب الحياة في النبات لا تقل في إثارة العجب والدهشة عن عجائبها في الإنسان والحيوان والطير والتقدير فيها لا يقل ظهوراً وبروزاً عنه في تلك الأحياء. {أية : وخلق كل شيء فقدره تقديراً }.. تفسير : على أن الأمر أعظم من هذا كله وأشمل في التقدير والتدبير. إن حركة هذا الكون كله بأحدثها ووقائعها وتياراتها مقدرة مدبرة صغيرها وكبيرها. كل حركة في التاريخ ككل انفعال في نفس فرد، ككل نفس يخرج من صدر! إن هذا النفس مقدر في وقته، مقدر في مكانه، مقدر في ظروفه كلها، مرتبط بنظام الوجود وحركة الكون، محسوب حسابه في التناسق الكوني، كالأحداث العظام الضخام! وهذا العود البري النابت وحده هناك في الصحراء.. إنه هو الآخر قائم هناك بقدر. وهو يؤدي وظيفة ترتبط بالوجود كله منذ كان! وهذه النملة الساربة وهذه الهباءة الطائرة. وهذه الخلية السابحة في الماء. كالأفلاك والأجرام الهائلة سواء! تقدير في الزمان، تقدير في المكان، تقدير في المقدار، وتقدير في الصورة. وتناسق مطلق بين جميع الملابسات والأحوال. من ذا الذي يذكر مثلاً أن زواج يعقوب من امرأة أخرى هي أم يوسف وبنيامين أخيه، لم يكن حادثاً شخصياً فردياً.. إنما كان قدراً مقدوراً ليحقد إخوة يوسف من غير أمه عليه، فيأخذوه فيلقوه في الجب - ولا يقتلوه - لتلتقطه السيارة. لتبيعه. في مصر. لينشأ في قصر العزيز. لتراوده امرأة العزيز عن نفسه. ليستعلي على الإغراء. ليلقى في السجن.. لماذا؟ ليتلاقى في السجن مع خادمي الملك. ليفسر لهما الرؤيا.. لماذا؟ إلى تلك اللحظة لا يوجد جواب! ويقف ناس من الناس يسألون: لماذا؟ لماذا يا رب يتعذب يوسف؟ لماذا يا رب يتعذب يعقوب؟ لماذا يفقد هذا النبي بصره من الحزن؟ ولماذا يسام يوسف الطيب الزكي كل هذا الألم، المنوع الأشكال؟ لماذا؟ ولأول مرة تجيء أول إجابة بعد أكثر من ربع قرن في العذاب، لأن القدر يعده ليتولى أمر مصر وشعبها والشعوب المجاورة في سني القحط السبعة! ثم ماذا؟ ثم ليستقدم أبويه وإخوته. ليكون من نسلهم شعب بني إسرائيل. ليضطهدهم فرعون. لينشأ من بينهم موسى - وما صاحب حياته من تقدير وتدبير - لتنشأ من وراء ذلك كله قضايا وأحداث وتيارات يعيش العالم فيها اليوم بكليته! وتؤثر في مجرى حياة العالم جميعه! ومن ذا الذي يذكر مثلاً أن زواج إبراهيم جد يعقوب من هاجر المصرية لم يكن حادثاً شخصياً فردياً. إنما كان وما سبقه في حياة إبراهيم من أحداث أدت إلى مغادرته موطنه في العراق ومروره بمصر، ليأخذ منها هاجر، لتلد له إسماعيل. ليسكن إسماعيل وأمه عند البيت المحرم. لينشأ محمد - صلى الله عليه وسلم - من نسل إبراهيم - عليه السلام - في هذه الجزيرة. أصلح مكان على وجه الأرض لرسالة الإسلام.. ليكون من ذلك كله ذلك الحدث الأكبر في تاريخ البشرية العام! إنه قدر الله وراء طرف الخيط البعيد. لكل حادث. ولكل نشأة. ولكل مصير. ووراء كل نقطة، وكل خطوة، وكل تبديل أو تغيير. إنه قدر الله النافذ، الشامل، الدقيق، العميق. وأحياناً يرى البشر طرف الخيط القريب ولا يرون طرفه البعيد. وأحياناً يتطاول الزمن بين المبدأ والمصير في عمرهم القصير، فتخفى عليهم حكمة التدبير. فيستعجلون ويقترحون. وقد يسخطون. أو يتطاولون! والله يعلمهم في هذا القرآن أن كل شيء بقدر ليسلموا الأمر لصاحب الأمر، وتطمئن قلوبهم وتستريح ويسيروا مع قدر الله في توافق وفي تناسق، وفي أنس بصحبة القدر في خطوه المطمئن الثابت الوثيق.. ومع التقدير والتدبير، القدرة على تفعل أعظم الأحداث بأيسر الإشارات: {وما أمرنا إلاّ واحدة كلمح بالبصر}.. فهي إشارة واحدة. أو كلمة واحدة يتم بها كل أمر: الجليل والصغير سواء. وليس هنالك جليل ولا صغير. إنما ذلك تقدير البشر اللأشياء. وليس هنالك زمن ولا ما يعادل لمح البصر. إنما هو تشبيه لتقريب الأمر إلى حس البشر. فالزمن إن هو إلا تصور بشري ناشئ من دورة أرضهم الصغيرة، ولا وجود له في حساب الله المطلق من هذه التصورات المحدودة! واحدة تنشئ هذا الوجود الهائل. وواحدة تبدل فيه وتغير. وواحدة تذهب به كما يشاء الله. وواحدة تحيي كل حي. وواحدة تذهب به هنا وهناك. وواحدة ترده إلى الموت. وواحدة تبعثه في صورة من الصور. وواحدة تبعث الخلائق جميعاً. وواحدة تجمعهم ليوم الحشر والحساب. واحدة لا تحتاج إلى جهد، ولا تحتاج إلى زمن. واحدة فيها القدرة ومعها التقدير. وكل أمر معها مقدر ميسور. وبواحدة كان هلاك المكذبين على مدار القرون. وفي هذه يذكرهم بمصير أمثالهم من المكذبين: {ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر؟ وكل شيء فعلوه في الزبر، وكل صغير وكبير مستطر}. فهذه مصارع المكذبين، معروضة في الحلقات التي تضمنتها السورة من قبل. {فهل من مدكر؟}.. يتذكر ويعتبر؟ ولم ينته حسابهم بمصارعهم الأليمة، فوراءهم حساب لا يفلت منه شيء: {وكل شيء فعلوه في الزبر}.. مسطر في الصحائف ليوم الحساب: {وكل صغير وكبير مستطر}.. لا ينسى منه شيء وهو مسطور في كتاب! وعند هذا الحد من العرض والتعقيب، يلتفت السياق إلى صفحة أخرى غير صفحة المكذبين. ويعرض صورة أخرى في ظل وادع أمين. صورة المتقين: {إن المتقين في جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر}.. ذلك بينما المجرمون في ضلال وسعر. يسحبون في النار على وجوههم في مهانة. ويلذعون بالتأنيب كما يلذعون بالسعير {ذوقوا مس سقر}.. وهي صورة للنعيم بطرفيه: {في جنات ونهر}. { في مقعد صدق عند مليك مقتدر}. نعيم الحس والجوارح في تعبير جامع شامل: {في جنات ونهر} يلقي ظلال النعماء واليسر حتى في لفظه الناعم المنساب.. وليس لمجرد إيقاع القافية تجيء كلمة "نهر" بفتح الهاء. بل كذلك لإلقاء ظل اليسر والنعومة في جرس اللفظ وإيقاع التعبير! ونعيم القلب والروح. نعيم القرب والتكريم: { في مقعد صدق عند مليك مقتدر}.. فهو مقعد ثابت مطمئن، قريب كريم، مأنوس بالقرب، مطمئن بالتمكين. ذلك أنهم المتقون. الخائفون. المترقبون. والله لا يجمع على نفس خوفين: خوفها منه في الدنيا، وخوفها يوم القيامة. فمن اتقاه في العاجلة أمنة في الآجلة. ومع الأمان في أفزع موطن، يغمره بالأنس والتكريم. وعند هذا الإيقاع الهادئ، في هذا الظل الآمن، تنتهي السورة التي حفلت حلقاتها بالفزع والكرب والأخذ والتدمير. فإذا للظل الآمن والإيقاع الهادئ طعم وروْح أعمق وأروح.. وهذه هي التربية الكاملة. تربية العليم الحكيم بمسارب النفوس ومداخل القلوب. وهذا هو التقدير الدقيق لخالق كل شيء بقدر، وهو اللطيف الخبير..

ابن عاشور

تفسير : من عادة القرآن أن ينتهز الفرصة لإِعادة الموعظة والتذكير حين يتضاءل تعلق النفوس بالدنيا، وتُفكّر فيما بعد الموت وتُعير آذانها لداعي الهدى. فتتهيأ لقبول الحق في مظانّ ذلك على تفاوت في استعدادها وكم كان مثل هذا الانتهاز سبباً في إيمان قلوب قاسية، فإذا أظهر الله الآيات على يد رسوله صلى الله عليه وسلم لتأييد صدقه شفع ذلك بإعادة التذكير كما قال تعالى: {أية : وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً}تفسير : [الإسراء: 59]. وجمهورُ المفسرين على أن هذه الآية نزلت شاهدة على المشركين بظهور آية كبرى ومعجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وهي معجزة انشقاق القمر. ففي «صحيح البخاري» و «جامع الترمذي» عن أنس بن مالك قال: «حديث : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر»تفسير : . زاد الترمذي عنه «فانشق القمر بمكة فِرقتين، فنزلت: {اقتربت الساعة وانشقّ القمر} إلى قوله: {أية : سِحرٌ مستمر}تفسير : [القمر: 2]. وفي رواية الترمذي عن ابن مسعود قال: «بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنَى فانشق القمر. وظاهره أن ذلك في موسم الحج. وفي «سيرة الحلبي» كان ذلك ليلة أربع عشرة (أي في آخر ليالي منى ليلة النفْر). وفيها «اجتمع المشركون بمنى وفيهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، والعاصي بن وائل، والعاصي بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب، وزمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم إن كنتَ صادقاً فشُقّ لنا القمر فرقتين فانشق القمر». والعمدة في هذا التأويل على حديث عبد الله بن مسعود في «الصحيح» قال: «حديث : انشق القمر ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم بِمنى فانشق فرقتين فرقةً فوق الجَبل وفرقة دونه فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا اشهَدوا»تفسير : . زاد في رواية الترمذي عنه «يعني {اقتربت الساعة وانشق القمر}. قلت: وعن ابن عباس نصفٌ على أبي قُبيس ونصفٌ على قُعَيْقِعَان. وروي مثله عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وحذيفةَ بن اليمان وأنس بن مالك وجبير بن مطعم، وهؤلاء لم يشهدوا انشقاق القمر لأن من عدا علياً وابن عباس وابنَ عمر لم يكونوا بمكة ولم يسلموا إلا بعد الهجرة ولكنهم ما تكلموا إلا عن يقين. وكثرة رواة هذا الخبر تدل على أنه كان خبراً مستفيضاً. وقال في «شرح المواقف»: هو متواتر. وفي عبارته تسامح لعدم توفر شرط التواتر. ومراده: أنه مستفيض. وظاهر بعض الروايات لحديث ابن مسعود عند الترمذي أن الآية نزلت قبل حصول انشقاق القمر الواقع بمكة لمّا سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أو سألوه انشقاق القمر فأراهم انشقاق القمر وإنما هو انشقاق يحصل عند حلول الساعة. وروي هذا عن الحسن وعطاء وهو المعبر عنه بالخسوف في سورة القيامة (7، 8) {أية : فإذا برق البصر وخسف القمر }تفسير : الآية. وهذا لا ينافي وقوع انشقاق القمر الذي سأله المشركون ولكنه غير المراد في هذه الآية لكنه مؤوّل بما في روايته عند غير الترمذي. ولحديث أنس بن مالك أن الآية نزلت بعد انشقاق القمر. وعلى جميع تلك الروايات فانشقاق القمر الذي هو معجزة حصل في الدنيا. وفي البخاري عن ابن مسعود أنه قال: «خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة والقَمر والدخان. وعن الحسن وعطاء أن انشقاق القمر يكون عند القيامة واختاره القشيري، وروي عن البلخي. وقال الماوردي: هو قول الجمهور، ولا يعرف ذلك للجمهور. وخبر انشقاق القمر معدود في مباحث المعجزات من كتب «السيرة» و«دلائل النبوة». وليس لفظ هذه الآية صريحاً في وقوعه ولكن ظاهر الآية يقتضيه كما في «الشفاء». فإن كان نزول هذه الآية واقعاً بعد حصول الانشقاق كما اقتضاه حديث ابن مسعود في «جامع الترمذي» فتصدير السورة بــــ {اقتربت الساعة} للاهتمام بالموعظة كما قدمناه آنفاً إذ قد تقرر المقصود من تصديق المعجزة. فجعلت تلك المعجزة وسيلة للتذكير باقتراب الساعة على طريقة الإِدماج بمناسبة أن القمر كائن من الكائنات السماوية ذات النظام المساير لنظام الجو الأرضي فلما حدث تغير في نظامه لم يكن مألوفاً ناسب تنبيه الناس للاعتبار بإمكان اضمحلال هذا العالم، وكان فعل الماضي مستعملاً في حقيقته. وروي أن حذيفة بن اليمان قرأ {وقد انشق القمر}. وإن كان نزولها قبل حصول الانشقاق كما اقتضاه حديث أنس بن مالك فهو إنذار باقتراب الساعة وانشقاق القمر الذي هو من أشراط الساعة ومع الإِيماء إلى أن الانشقاق سيكون معجزة لما يسأله المشركون. ويرجح هذا المحمل قوله تعالى عقبه: {أية : وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}تفسير : [القمر: 2] كما سيأتي هنالك. وإذ قد حمل معظم السلف من المفسرين ومن خلفهم هذه الآية على أن انشقاق القمر حصل قبل نزولها أو بقرب نزولها فبنا أن نبين إمكان حصول هذا الانشقاق مسايرين للاحتمالات الناشئة عن روايات الخبر عن الانشقاق إبطالاً لجحد الملحدين، وتقريباً لفهم المصدقين. فيجوز أن يكون قد حدث خسف عظيم في كرة القمر أحدث في وجهه هوة لاحت للناظرين في صورة شقه إلى نصفين بينهما سواد حتى يخيل أنه منشق إلى قمرين، فالتعبير عنه بالانشقاق مطابق للواقع لأن الهوة انشقاق وموافق لمرأى الناس لأنهم رأوه كأنه مشقوق. ويجوز أن يكون قد حصل في الأفق بين سمت القمر وسمت الشمس مرور جسم سماوي من نحو بعض المذنبات حجب ضوء الشمس عن وجه القمر بمقدار ظل ذلك الجسم على نحو ما يسمى بالخسوف الجُزئيّ، وليس في لفظ أحاديث أنس ابن مالك عند مسلم والترمذي، وابن مسعود وابن عباس عند البخاري ما يناكد هذا. ومن الممكن أن يكون هذا الانشقاق حدثاً مركباً من خسوف نصفي في القمر على عادة الخسوف فحجب نصف القمر، والقمر على سمت أحد الجبلين وقد حصل في الجو ساعتئذٍ سحاب مائي انعكس في بريق مائه صورة القمر مخسُوفاً بحيث يخاله الناظر نصفاً آخر من القمر دون كسوف طالعاً على جهة ذلك الجبل، وهذا من غرائب حوادث الجوّ. وقد عُرفت حوادث من هذا القبيل بالنسبة لأشعة الشمس، ويجوز أن يحدث مثلها بالنسبة لضوء القمر على أنه نادر جداً وقد ذكرنا ذلك عند قوله تعالى: {أية : وإذ نتقنا الجبل فوقهم} تفسير : في سورة الأعراف (171). ويؤيد هذا ما أخرجه الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله فقالوا: سحر القمر فنزلت {اقتربت الساعة} الآية فسماه ابن عباس كسوفاً تقريباً لنوعه. وهذا الوجه لا ينافي كون الانشقاق معجزة لأن حصوله في وقت سؤالهم من النبي صلى الله عليه وسلم آيةً وإلهام الله إياهم أن يسألوا ذلك في حين تقدير الله كاف في كونه آيةً صدق. أو لأن الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتحدّاهم به قبلَ حصوله دليل على أنه مرسل من الله إذ لا قبل للرسول صلى الله عليه وسلم بمعرفة أوقات ظواهر التغيرات للكواكب. وبهذا الوجه يظهر اختصاص ظهور ذلك بمكة دون غيرها من العالم، وإما على الوجه الأول فإنما لم يَشعُر به غيرُ أهل مكة من أهل الأرض لأنهم لم يكونوا متأهبين إليه إذ كان ذلك ليلاً وهو وقت غفلة أو نوم ولأن القمر ليس ظهوره في حد واحد لأهل الأرض فإن مواقيت طلوعه تختلف باختلاف البلدان في ساعات الليل والنهار وفي مسامتة السماء. قال ابن كيسان: هو على التقديم والتأخير. وتقديره: انشق القمر واقتربت الساعة، أي لأن الأصل في ترتيب الأخبار أن يجري على ترتيبها في الوقوع وإن كان العطف بالواو لا يقتضي ترتيباً في الوقوع. {وانشق} مطاوع شقه، والشق: فرج وتفرّق بين أديم جسم مَّا بحيث لا تنفصل قطعة مجموع ذلك الجسم عن البقية، ويُسمى أيضاً تصدعاً كما يقع في عُود أو جدار. فإطلاق الانشقاق على حدوث هوة في سطح القمر إطلاق حقيقي وإطلاقه على انطماس بعض ضوئه استعارة، وإطلاقه على تفرقة نصفين مجاز مرسل. والاقتراب أصله صيغة مطاوعة، أي قبول فعل الفاعل، وهو هنا للمبالغة في القرب فإن حمل على حقيقة القرب فهو قرب اعتباري، أي قرب حلول الساعة فيما يأتي من الزمان قرباً نسبياً بالنسبة لما مضى من الزمان ابتداء من خلق السماء والأرض على نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : بعثت أنا والساعةَ كهاتين» تفسير : وأشار بسبابته والوسطى فإن تحديد المدة من وقت خلق العالم أو من وقت خلق الإِنسان أمر لا قبل للناس به وما يوجد في كتب اليهود مبنى على الحدس والتوهمات، قال ابن عطية: «وكل ما يروى من التحديد في عُمر الدنيا فضعيف واهن» اهــــ. وفائدة هذا الاعتبار أن يقبل الناس على نبذ الشرك وعلى الاستكثار من الأعمال الصالحات واجتناب الآثام لقرب يوم الجزاء. والساعة: علم بالغلبة على وقت فناء هذا العالم. ويجوز أن يراد بالساعة ساعة معهودة أنذروا بها في آيات كثيرة وهي ساعة استئصال المشركين بسيوف المسلمين. وإن حمل القرب على المجاز، أي الدلالة على الإمكان، فالمعنى: اتضح للناس ما كانوا يجدونه محالاً من فناء العالم فإن لحصول المُثُل والنظائر إقناعاً بإمكان أمثالها التي هي أقوى منها. وعطفُ {وانشق القمر} عطفُ جملة على جملة. والخبر مستعمل في لازم معناه وهو الموعظة إن كانت الآية نزلت بعد انشقاق القمر كما تقدم لأن علمهم بذلك حاصل فليسوا بحاجة إلى إفادتهم حكم هذا الخبر وإنما هم بحاجة إلى التذكير بأن من أمارات حلول الساعة أن يقع خسف في القمر بما تكررت موعظتهم به كقوله تعالى: {أية : فإذا برق البصر وخسف القمر}تفسير : [القيامة: 7، 8] الآية إذ ما يأمنهم أن يكون ما وقع من انشقاق القمر أمارة على اقتراب الساعة فما الانشقاق إلا نوع من الخسف فإن أشراط الساعة وعلاماتها غير محدودة الأزمنة في القرب والبعد من مشروطها.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى{أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 1] وفي غير ذلك من المواضع.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- دنت القيامة وسينشق القمر لا محالة. 2- وإن ير الكفار معجزة عظيمة يُعرضوا عن الإيمان بها، ويقولون: هى سحر دائم متتابع. 3- وكذَّبوا الرسل واتبعوا ما تزيِّنُهُ لهم أهواؤهم، وكل أمر منته إلى غاية يستقر عليها. 4- وأقسم لقد جاء الكفار من أخبار الأمم السابقة والحقائق الكونية ما فيه كفاية لزجرهم. 5- هذا الذى جاءهم حكمة عظيمة بالغة غايتها. فأى نفع تُفيد النُّذر من انصرف عنها؟.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: اقتربت الساعة وانشق القمر: أي قربت القيامة، وانفلق القمر فلقتين على جبل أبي قبيس. وإن يروا آية يُعرضوا: أي وإن ير كفار قريش آية أي معجزة يعرضوا عنها ولا يلتفتوا إليها. ويقولوا سحر مستمر: أي هذا سحر مستمر أي قوى من المرّة أو دائم غير منقطع. وكل أمر مستقر: أي وكل من الخير أو الشر مستقر بأهله في الجنة أو في النار. ولقد جاءهم من الأنباء: أي من أنباء الأمم السالفة مما قصه القرآن. ما فيه مزدجر: أي جاءهم من الأخبار ما فيه ما يزجرهم عن التكذيب والكفر. حكمة بالغة: أي الذي جاءهم من الأنباء هو حكمة بالغة أي تامة. فما تغن النذر: أي عن قوم كذبوا واتبعوا أهواءهم لا تغن شيئاً. فتولَّ عنهم: أي لذلك فأعرض عنهم. يوم يدعو الداع إلى شيء نكر: أي يدع الداع إلى موقف القيامة. يخرجون من الأجداث: أي من القبور. مهطعين إلى الداع: أي مسرعين إلى نداء الداع. هذا يوم عسر: أي صعب شديد. معنى الآيات: قوله تعالى {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} يخبر تعالى أن ساعة نهاية الدنيا وفنائها وقيام القيامة قد اقتربت، وأن القمر قد انشق معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم علامة من علامات الساعة، وانشقاق القمر كان بمكة حيث طالبت قريش النبي صلى الله عليه وسلم بمعجزة تدل على نبوته فسأل الله تعالى انشقاق القمر فانشق فلقتين على جبل أبي قبيس فلقة فوق الجبل وفلقة وراء فشاهدته قريش ولم تؤمن وهو معنى قوله تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} أي هذا سحر قوي شديد. قال تعالى {وَكَذَّبُواْ} أي رسولنا وما جاءهم به من التوحيد والوحي واتبعوا في هذا التكذيب أهواءهم لا عقولهم ولا ما جاء به رسولهم. وقوله تعالى {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} أي وكل أمر من خير أو شر مستقر بصاحبه إما في الجنة أو النار. وقوله تعالى {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} أي من أخبار الأمم السابقة وكيف أهلكها الله بتكذيبها رسلها وإصرارها على الشرك والكفر، وذلك في القرآن الكريم ما فيه مزدجر أي جاء من الأخبار الواعظة المذكرة من قصص الأنبياء مع أممهم ما فيه زاجر عن التكذيب والمعاصي هو حكمة بالغة تامة، والحكمة القول الذي يمنع صاحبه من التردي والهلاك بصرفه عن أسباب ذلك. وقوله تعالى {فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ} أي عن قوم كذبوا بالحق لما جاءهم واتبعوا أهواءهم ولم يتبعوا هدى ربهم ولا عقولهم. إذاً فتول عنهم يا رسولنا واتركهم إلى حكم الله فيهم. وقوله: {يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} أي اذكر يا رسولنا يوم يدعو الداع إلى شيء نكر وهو موقف القيامة خشعاً أبصارهم وكل أجسامهم وإنما ذكرت الأبصار لأنها أدل على الخشوع من سائر الأعضاء {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} أي القبور جمع جدث وهو القبر كأنهم جراد منتشر في كثرتهم وتفرقهم وانتشارهم مهطعين إلى الداع أي مسرعين إلى داع الله إلى ساحة الموقف وفصل القضاء. يومئذ يقول الكافرون هذا يوم عَسِر وهو كذلك عسير شديد العسر ولكن على المؤمنين يسير غير عسير. كما قال تعالى فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير مفهومه أنه على المؤمنين يسير. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- ذكر بعض علامات الساعة. كبعثة النبي صلى الله عليه وسلم وانشقاق القمر معجزة له صلى الله عليه وسلم. 3- التنديد باتباع الهوى، والتحذير منه فإنه مهلك. 4- عدم جدوى النذر لمن يتنكر لعقلة ويتبع هواه.

القطان

تفسير : وإن يروا آية: وان يروا دليلاً على نبوة محمد. مستمر: دائم. أهواءهم: ما زينه لهم الشيطانُ من الوساوس والأوهام. مستقر: منتهٍ الى غاية ينتهي اليها. مزدجَر: ما فيه الكفاية لزجرهم. حكمة بالغة: واصلةٌ غايةَ الإحكام والابداع. فما تُغني النذر: فما يفيد المنذِرون لمن انصرف عنهم. نُكُر: بضم النون والكاف، كل ما تنكره النفوس وتعافه. خشّعا: جمع خاشع وهو الذليل. الأجداث: القبور. مهطِعين الى الداع: مسرعين منقادين لمن يدعوهم الى الحشر. عُسُر: صعب شديد الهول. يخبرنا الله تعالى باقترابِ يوم القيامة، ونهايةِ الدنيا وانقضائها، وأنّ الكونَ يختلُّ كثيرٌ من نظامه عند ذاك، كما جاء في قوله تعالى: {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} تفسير : [التكوير: 1-2]، والتكدُّر هو الانتثار، فعبّر بالماضي، وهنا التعبير جاء بالماضي، وكما قال في آخر سورة النجم {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ} تفسير : [النجم: 57]. وقد روى الامام أحمد عن سهلِ بن سعد، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : بُعثتُ أنا والساعةُ هكذا، وأشار باصبعَيه السبّابةِ والوسطَى ". تفسير : وهنا يقول: اقتربت القيامة، وسينشقُّ القمرُ لا محالة. وتشير الابحاثُ الفلكية الى ان القمر يدنو من الأرض ويستمرُّ بالدنوّ منها حتى يبلغَ درجةً يتمزقُ عندها ويصير قِطعاً كلّ واحدةٍ تدور في فلكها الخاص. وهذا طبعاً سيحدُث عند انتهاء هذه الحياةِ الدنيا، ولا يعلم وقتَ ذلك الا الله. ويقول المفسّرون الأقدمون: ان انشقاق القمر قد حدَث فعلا، ويرون عدة أحاديث أسندوها الى أنس بن مالك وعبد الله بن عباس، وجبير بن مطعم، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم. ويقول ابن كثير: قد كان هذا في زمان رسول الله كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. والروايةُ عن خمسة من الصحابة فقط فكيف تكون متواترة؟ واللهُ اعلم. لقد كذّب هؤلاء الكفار النبيَّ الكريم، وأعرضوا عن الإيمان به، وقالوا: إنه كاهن وساحر يُرهِب الناسَ بسحره. بذلك كذّبوا بالحق إذ جاءهم {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} فهو منتهٍ الى غاية يستقر عليها. ان هذا الكون يا محمد يسير وفق قوانينَ منتظِمة محدّدة مستقرة. وان امرك ايها الرسول سينتهي الى الاستقرار بالنصر في الدنيا والفوزِ بالجنّة في الآخرة. ولقد جاء لهؤلاء المكذِّبين من الأخبار عن الماضِين الذين كذّبوا الرسلَ، فهلكوا، ما يردعُهم ويزجُرهم عما هم فيه من الغيِّ والشرك والفساد. وهو {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِـي ٱلنُّذُرُ}. إنه حكمةٌ عظيمة بالغةٌ غايتها في الهداية والارشاد الى طريق الحقّ لو انهم فكّروا واستعملوا عقولهم، ولكن أيّ نفعٍ تفيد النذُر لمن اتَّبع هواه وانصرف عنها!؟. أعرِضْ أيها الرسول عن هؤلاء الكفار، وانتظِر يومَ يدعو الداعي الى أمرٍ شديدٍ تنكره النفوس، ولم يروا مثلَه لما فيه من هول وعذاب. انه يوم الفزَع الاكبر، يوم تراهم: {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ}. يخرجون من قبورهم في حالةِ هلع عظيم، خاشعة أبصارهم من شدة الهول، كأنهم من كثرتهم وسرعة انتشارهم جرادٌ منتشر. كما قال تعالى ايضا: {أية : يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} تفسير : [القارعة: 4]، فهم في أول أمرِهم يكونون كالفَراش حين يموجون فزِعين لا يهتدون أين يتوجهون، ثم يكونون كالجراد المنتشِر عندما يتوجهون للحشْر. في ذلك اليوم يخرجون مسرعين الى الداعي، ينظرون إليه في ذلٍّ وخضوع، لما يرون من الهول حتى {يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} هذا يوم صعب شديد. قراءات: قرأ ابن كثير: نُكْر بضم النون واسكان الكاف، والباقون: نُكُر بضم النون والكاف. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم: خُشّعاً بضم الخاء وتشديد الشين جمع خاشع. والباقون: خاشعاً ابصارهم على الافراد.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى عَنِ اقْتِرابِ السَّاعَةِ التِي تَقُومُ فيها القِيَامَةُ، وَيَنْتَهِي أَمْرُ الدُّنيا فِيها، وأَنَّ مِنْ عَلاَمَاتِ اقتِرابِ السَّاعةِ انْشِقَاقَ القَمَرِ، واضْطِرابَ أَمْرِ الكَوْنِ. وَقَالَ بَعْضُ المُفَسِّرينَ مُسْتَنِدينَ إِلى أَحاديثَ صَحِيحةٍ: إِنَّ حَادِثَ انْشِقَاقِ القَمَرِ قَدْ وَقَعَ فِعلاً قبلَ هِجرَةِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم بحوالي خَمْسِ سنينَ، فَقدْ رَوَى أَنَسٌ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فأَراهُمُ القَمَرَ شِقَّينِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءَ (جَبَلَ مَكَّةَ) بَيْنَهما. وفي رِوايةٍ لابنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: انشَقَّ القَمرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِرْقَتينِ فرقةً على الجبلِ وفرقةً دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اشْهَدُوا. وَلكنَّ مُفَسِّرينَ آخرينَ يَرَوْنَ أَنَّ القمرَ لم يَنْشَقَّ فِعْلاً. وأَنَّ الإِنشقاقَ سَيحدثُ حينَما يَقْتَرِبُ قِيَامُ السَّاعَةِ. وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ تعالى اسْتَعْمَلَ صِيغَة المَاضِي فِي التَّعبيرِ عَنِ اقْتِرَابِ السَّاعةِ وَانْشِقَاقِ القَمَرِ تَأْكِيداً إِلَى أَنَّ الحَدَثَينِ وَشِيكا الوُقُوعِ.

الثعلبي

تفسير : {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ} دنت القيامة { وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} قال ابن كيسان: في الآية تقديم وتأخير، مجازها: انشقّ القمر واقتربت الساعة، يدل عليه قراءة حذيفة (اقتربت الساعة وقد انشق القمر)، وروى عثمان بن عطاء عن أبيه أن معناه: (وسينشقّ القمر)، والعلماء على خلافه والأخبار الصحاح ناطقة بأن هذه الآية قد مضت. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي، قال: حدّثنا أبو الازهر قال: حدّثنا روح عن شعبة قال: سمعت سليمان قال: سمعت إبراهيم يحدث عن أبي معمر عن عبد الله حديث : أن القمر انشقّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فكانت إحداهما فوق الجبل والأُخرى أسفل من الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم اشهد"، وقال أيضاً: "اشهدوا" . تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا عمر بن الحسن بن علي بن مالك القاضي قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن سعيد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حصين عن الأعمش وعبدة الضبي عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت فِلقَتَيه. وأخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا مكي، قال: حدّثنا أبو الأزهر قال: حدّثنا روح عن شعبة عن سليمان عن مجاهد عن ابن عمر نحو حديث ابن مسعود. وأخبرنا عبد الله قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن زيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب، قال: حدّثنا ابن فضيل، قال: حدّثنا حصين عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، قال: انشقّ القمر ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة. وأخبرنا عبد الله قال: أخبر عمر بن الحسن الشيباني قال: حدّثنا أحمد بن الحسن قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حصين عن سعد عن عكرمة عن ابن عباس والحكم عن مجاهد عن ابن عباس ومقسم عن ابن عباس قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باثنين: شطره على السويداء، وشطره على الجندمة. وأخبرني عقيل بن محمد أن أبا الفرج القاضي حدّثهم عن محمد بن جرير قال: حدّثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدّثنا بشر بن المفضل. قال: حدّثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا الجبل بينهما. وبه عن محمد بن جرير قال: حدّثنا علي بن سهل قال: حدّثنا حجاج بن محمد عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّتين. وبه عن محمد بن جرير قال: حدّثني يعقوب قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: حدّثنا عطاء بن السايب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنّا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة فحضر أبي فحضرنا معه فخطبنا حذيفة، فقال: ألا إنّ الله سبحانه يقول: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}، ألا فإنّ الساعة قد اقتربت، ألا وإنّ القمر قد انشقّ، ألا وإنّ الدنيا قد أذنت بفراق، . ألا وإنّ اليوم المضمار وغداً السباق، فقلت لأبي أيستبق الناس غداً؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنّما هو السباق بالأعمال، ثم جاءت الجمعة الأُخرى فحضرنا فخطب حذيفة فقال: ألا إنّ الله يقول: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} ألا وإنّ الساعة قد اقتربت، ألا وإنّ القمر قد انشقّ، ألا وإنّ الدنيا قد أذنت بفراق، ألا وإنّ المضمار اليوم وغداً السباق، ألا وإنّ الغاية النار والسابق من سبق إلى الجنة. وبه عن ابن جرير قال: حدّثنا الحسن بن أبي يحيى المقدسي قال: حدّثنا يحيى بن حماد، قال: حدّثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبدالله قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة سحركم، فسألوا السفار فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأينا. فأنزل الله سبحانه {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}. {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} ذاهب سوف يذهب ويبطل من قولهم: مرّ الشيء واستمر إذا ذهب، ونظيره: قرّ واستقر، هذا قول مجاهد وقتادة والفرّاء والكسائي. وقال أبو العالية والضحاك: محكم شديد قوي. سيان عن قتادة: غالب، وهو من قولهم: مرّ الحبل إذا صلب واشتد وقوي، وامررته أنا إذا أحكمتُ فتله. ربيع: نافذ. يمان: ماض. أبو عبيدة: باطل، وقيل: يشبه بعضه بعضاً. {وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} يقول: وكل أمر من خير أو شر مستقر قراره، ومتناه نهايته، فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار. قال قتادة: وكل أمر مستقر: أي بأهل الخير الخير، وبأهل الشر الشر، وقال مقاتل: لكل امرئ منتهى، وقيل: لكل أمر حقيقته، وقال الحسن بن الفضل: يعني يستقر قرار تكذيبهم وقرار تصديق المؤمنين حتى يعرفوا حقيقته في الثواب والعقاب، وقيل: مجازه: كلّ ما قدّر كائن واقع لا محالة، وقيل: لكل أمر من أُموري التي أمضيتها في خلقي مستقر قراره لا يزول، وحكى أبو حاتم عن شيبة ونافع مستقرّ بفتح القاف، وذكر الفضل بن شاذان عن أبي جعفر بكسر الراء، ولا وجه لهما. قال مقاتل: انشقّ القمر ثم التأم بعد ذلك. {وَلَقَدْ جَآءَهُم} يعني أهل مكة {مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} متناهى. قاله مجاهد. سفيان: منتهى، وهو مفتعل من الزجر، وأصله مزتجر. فقلبت التاء دالا. {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} تامة ليس فيها نقصان وهي القرآن {فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ} إذا كذّبوهم وخالفوهم. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} نسختها آية القتال {يَوْمَ} الى يوم {يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} منكر فظيع عظيم وهو النار، وقيل: القيامة، وخفّف الحسن وابن كثير كافه. غيرهما مثقّل، وقرأ مجاهد (نُكِر) على الفعل المجهول أي أُنكر. {خُشَّعاً} ذليلة {أَبْصَارُهُمْ} وهو نصب على الحال مجازه {خُشَّعاً}، وقرأ ابن عباس ويعقوب وحمزة والكسائي وخلف (خاشعاً) بالألف على الواحد، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتباراً بقراءة عبد الله وأبي رجاء خاشعة أبصارهم، وقرأ الباقون (خشّعاً) بلا ألف على الجمع. قال الفرّاء وأبو عبيدة: إذا تأخرت الأسماء عن فعلها فلك فيه التوحيد والجمع والتأنيث والتذكير تقول من ذلك: مررت برجال حسن وجوههم، وحسنة وجوههم وحسان وجوههم. قال الشاعر: شعر : وشباب حسن أوجههم من إياد بن نزار بن معد تفسير : فمن وحّد فلأنّه في معنى الجمع، ومن جمع فلأنّه صفات، والصفات اسماء، ومن أنّث فلتأنيث الجماعة، وقال الآخر: شعر : يرمي الفجاج بها الركبان معترضاً أعناق بزلها مزجىً لها الجدل تفسير : قال الفرّاء: لو قال: معترضة أو معترضات أو مزجاة أو مزجيات كان كل ذلك جائزاً. {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} القبور {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} حيارى، وذكر المنتشر على لفظ الجراد، نظيره {أية : كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} تفسير : [القارعة: 4] . {مُّهْطِعِينَ} مسرعين منقلبين عامدين {إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الساعة من أسماء يوم القيامة، فهي: الساعة، والحاقة، والصَّاخة، والواقعة، والطامة، وغيرها، وكلُّ وصف من هذه الأوصاف فيه جانب من الفزع والإخافة. ونلاحظ المناسبة بين أواخر النجم وبداية القمر، فهناك قال: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ}تفسير : [النجم: 57] وهنا قال: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ..} [القمر: 1] وقلنا: إن مجرد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة، نعرف أن الساعة لن تقوم إلا على شرار الخلق حين لا يقال في الأرض: الله، الله. أما أهل القبور، من لدن سيدنا آدم عليه السلام إلى مَنْ مات قبل قيام الساعة، فكما قلنا إن الزمن في حقِّهم متوقف، لأن الزمن فرع الأحداث، فإذا لم توجد الأحداث لا يوجد الزمن. لذلك قال تعالى عنهم: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا}تفسير : [النازعات: 46] أي: القيامة {أية : لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَٰهَا}تفسير : [النازعات: 46] والرجل الذي حاجّ إبراهيم في ربه أماته الله مائة سنة، وقال بعد أنْ أحياه الله {أية : لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ..}تفسير : [البقرة: 259]. وقالها أهل الكهف بعد ثلاثمائة سنة وتسع، لأن هذه هي الفترة التي يمكن أنْ يستغرقها النائم في نومه، كذلك ستمر فترة البرزخ على أهل القبور هكذا، وكأنهم ناموا نوْمة وقاموا منها. والله سبحانه وتعالى هو مالك الزمن، وهو القابض والباسط، يقبضه لمَنْ يشاء ويبسطه لمَنْ يشاء. ومعنى {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ..} [القمر: 1] يعني: هي قريبة منك على المستوى الشخصي، فلا تنظر أنت إلى العلامات الصغرى، ثم إلى العلامات الكبرى وتقول: ما زال الوقت طويلاً بيننا وبين القيامة، لا ليس كذلك يكون تصور القيامة. فالقيامة للإنسان هي أنْ يموت، ليستْ بعد آلاف أو ملايين السنين لقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ مات فقد قامت قيامته ". تفسير : نعم لأنه انتقل من مرحلة الدنيا إلى مرحلة الآخرة، وانقطع عمله في الدنيا، والحق سبحانه أبهم وقت الموت ومكانه ليظل الإنسان على ذِكْر له في كل لحظة. وقوله تعالى: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} [القمر: 1] انشقاق القمر آية كونية ثابتة بالكتاب والسنة، فقد ورد أن القمر انشقّ لرسول الله حتى ظهر حراء بين الشقين، وقد رأى هذه الآية أهل هذا الزمان ممَّنْ تيسر لهم الرؤية فشاهدوه على هذه الصورة. لا نقول رآه العالم كله، لأن الآيات الكونية معجزات يُراد منها تثبيت الرسل، وبيان صدقهم في البلاغ عن الله، فليس بالضرورة أنْ يرى هذه الآية كلُّ أهل هذا الزمان، كيف ونحن الآن مع التقدم العلمي الهائل وتوفر وسائل الاتصال نسمع عن حدوث خسوف أو كسوف في وقت كذا وكذا، وفعلاً تنقله القنوات المختلفة، ومع ذلك ومع الإعلان عن الظاهرة مُقدِّماً إلا أن القليل هم الذين يتمكنون من رؤيتها، والقمر آية ليلية في وقت معظم الناس فيه نائمون. ثم إن المعجزات والآيات الكونية للرسل لا يُقصد منها المعجزة الدائمة، بل معجزة لمَنْ شاهدها ليثبت على إيمانه إنْ كان مؤمناً، أو يؤمن بالله إنْ كان كافراً. لذلك قالوا: هي كعود الكبريت لا يشتغل إلا مرة واحدة، وهكذا كل معجزات الرسل، فلولا أن القرآن أخبرنا بعصا موسى ما كنا عرفنا عنها شيئاً. والآيات الكونية هذه خَرْق للنواميس في لحظتها، ثم تعود الأمور إلى طبيعتها، فالقمر انشقّ فعلاً وخرق العادة، ثم عاد إلى ما كان عليه بعد أنْ رآه كفار مكة المكذبون لرسول الله، ليس كل الكفار بل بعضهم، فهذا البعض الذي شاهد المعجزة كافٍ لإثباتها. وقالوا: معنى {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ..} [القمر: 1] أي: ساعة كل إنسان وأجله الذي ينتظره {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} [القمر: 1] أي: ينشقّ عنه ويغيب ويعتزل حياته. وما دام أن الله تعالى قال {ٱقْتَرَبَتِ ..} [القمر: 1] فقد اقتربتْ بالفعل، ولا تبحث في هذه المسألة. والحق سبحانه قال أيضاً: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [النحل: 1] فقال (أتى) بلفظ الماضي كأنه حدث بالفعل فكيف يقول {أية : فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..}تفسير : [النحل: 1] قالوا: لأن الله هو الذي قال (أتى) ولا أحدَ يستطيع أن يعترض عليه أو يمنعه أنْ يحقق ما أخبر به. كذلك في قوله {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ..} [القمر: 1] فقد اقتربتْ بالفعل، إما ساعة كلّ إنسان حينما يأتي أجله وهذا قريب، أو الساعة العامة فهي أيضاً قريبة، لأن انشقاق القمر من علاماتها وبعثته صلى الله عليه وسلم من علاماتها. ويُروى أن المكذبين لرسول الله قالوا له: إنْ كنتَ صادقاً فيما تخبر به فأتِ بآية الآن تدل على صِدْقك، قالوا: الوليد بن المغيرة وأبو جهل بنَ هشام والعاص بن وائل، والعاص بن ربيعة، والأسود ابن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب، وربيعة بن الأسود، والنضر بن الحارث. وكل هؤلاء وغيرهم حضروا هذه الواقعة، حيث دعا رسول الله وسأل ربه فانفلق القمر نصفين، نصف على جبل أبي قبيس، ونصف على قينقاع حتى ظهر غار حراء بينهما، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا سحر، أما أهل التعقل فقالوا: نسأل المسافرين في الصحراء بعيداً عن هذا المكان، فلما سألوهم قالوا: نعم رأيناه وقال آخرون: لم نره. وقد أرجع الإمام علي رضي الله عنه هذا الاختلاف إلى أن آية انشقاق القمر آية ليلية، البعض رآها بالفعل، والبعض بل الأكثر لم يرها. وباستقراء الآيات التي وردت في قيام الساعة وما يسبقها من علامات، نقرأ {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ}تفسير : [التكوير: 1-2] وغيرها كثير مما يُصوّر لنا انهدام هذه الكيانات. أما القمر فلم يأت فيه إلا قوله تعالى: {أية : فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ}تفسير : [القيامة: 7-8] والخسف أهون، وأقل من تكوير الشمس. ونفهم من هذا أن حادثة انشقاق القمر في الدنيا ستُدخر له في الآخرة، فلا يحدث له ما يحدث لغيره من النجوم. لذلك يقول سبحانه: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الزمر: 68] إذن: هناك مَنْ يُصعق وهناك مَنْ ينجو. وفي تصوير سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لموقف القيامة يقول: فلما أفقتُ وجدت أخي موسى آخذاً بعضد العرش. وهذا يعني أنه عليه السلام لم يُصعق فيمَنْ صُعق - لذلك تعجب رسول الله. ثم بيَّن أنه صُعق مرة في الدنيا وهو على جبل الطور: {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً ..}تفسير : [الأعراف: 143] وما كان الله سبحانه وتعالى ليجمع على نبيه موسى الصعقتين، فلما صُعِق في الدنيا نجّاه من صعقة الآخرة. وهذا هو الاستثناء {أية : إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الزمر: 68]. وهكذا الحال في مسألة انشقاق القمر، وهذا يعني أن الانشقاق كان حقيقياً وآية كونية أخرجتْ القمر عن طبيعته وكيفيته، لذلك لا يصيبه ما يصيب النجوم الأخرى في الآخرة.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا أَبو القاس، عبد الرحمن بن الحسن بن أَحمد بن محمد الهمذاني، قراءَة عليه قال: حدثنا إِبراهيم بن الحسين بن علي الكسائي الرازي قال: ثنا آدم بن أَبي إِياس قال: ثنا ورقاءُ عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أَبيه عن جده في قوله: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} [الآية: 1] قال: انشق القمر ونحن بمكة. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} [الآية: 2]. أَي: سحر ذاهب.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلأَجْدَاثِ} جمع جدث وهو القبر {مُّهْطِعِينَ} مسرعين يقال: أهطع في سيره أي أسرع {مُّنْهَمِرٍ} انهمر الماء نزل بقوة غزيراً {وَدُسُرٍ} الدُّسر: المسامير التي تُشدُّ بها السفينة جمع دِسار ككتاب وكُتب قال في الصحاح: الدِّسار واحد الدُسرُ وهي خيوط تشد بها ألواح السفينة ويقال هي المسامير {مُّدَّكِرٍ} متعظ خائف وأصله مذتكر قلبت التاء دالاً ثم أدغمت الذال فيها فصارت مدّكر {صَرْصَراً} الصرصر: الشديدة الصوت مع البرد مأخوذ من صرير الباب وهو تصويته {أَعْجَازُ} جمع عجز وهو مؤخر الشيء {مُّنقَعِرٍ} المنقعر: المنقلع من أصله يقال: قعرت الشجرة قعراً قلعتها من أصلها فانقعرت {وَسُعُرٍ} جنون من قولهم ناقة مسعورة كأنها من شدة نشاطها مجنونة قال الشاعر: شعر : تخالُ بها سُعراً إِذا السَّفر هزَّها تفسير : {أَشِرٌ} الأشر: البطر ورجلٌ أشر أي بطر أبطرته النعمة. التفسِير: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} أي دنت القيامة وقد انشق القمر {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ} أي وإِن ير كفار قريش علامة، واضحة ومعجزة ساطعة، تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم يعرضوا عن الإِيمان {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} أي ويقولوا هذا سحرٌ دائم، سحر به محمدٌ أعيننا قال المفسرون: إِن كفار مكة قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: إن كانت صادقاً فشقَّ لنا القمر فرقتين، ووعدوه بالإِيمان إِن فعل، وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربَّه أن يعطيه ما طلبوا، فانشقَّ القمر نصف على جبل الصفا، ونصفٌ على جبل قيقعان المقابل له، حتى رأوا حراء بينهما، فقالوا: سحرنا محمد، ثم قالوا: إن كان سحرنا فإِنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم!! فقال أبو جهل: اصبروا حتى تأتينا أهل البوادي فإِن أخبروا بانشقاقه فهو صحيح، وإِلا فقد سحر محمد أعيننا، فجاءوا فأخبروا بانشقاق القمر فقال أبو جهل والمشركون: هذا سحرٌ مستمر أي دائم فأنزل الله {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} قال الخازن: وانشقاقُ القمر من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم الظاهرة، ومعجزاته الباهرة، يدل عليه ما أخرجه الشيخان عن أنس "حديث : أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يُريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين"تفسير : وما روي عن ابن مسعود قال "حديث : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا"تفسير : وما روي عن جبير بن مطعم قال "حديث : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين، فقالت قريش: سحر محمد أعيننا فقال بعضهم: لئن كان سحرنا فما يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فكانوا يتلقون الركبان فيخبرونهم بأنهم قد رأوه فيكذبونهم"تفسير : فهذه الأحاديث الصحيحة، قد وردت بهذه المعجزة العظيمة، مع شهادة القرآن العظيم بذلك، فإِنه أدل دليل وأقوى مثبتٍ له وإِمكانه لا يشك فيه مؤمن، وقيل في معنى الآية، ينشق القمر يوم القيامة، وهذا قول باطل لا يصح، وشاذ لا يثبت، لإِجماع المفسرين على خلافه، ولأن الله ذكره بلفظ الماضي {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} وحمل الماضي على المستقبل بعيد {وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} أي وكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوه من قدرة الله تعالى في انشقاق القمر، واتبعوا ما زين لهم الشيطان من الباطل {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} أي وكل أمرٍ من الأمور منتهٍ إِلى غاية يستقر عليها لا محالة إِن خيراً فخير، وإِن شراً فشر قال مقاتل: لكل حديثٍ منتهى وحقيقة ينتهي إِليها وقال قتادة: إِن الخير يستقر بأهل الخير، والشر يستقر بأهل الشر، وكل أمرٍ مستقر بأهله {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي ولقد جاء هؤلاء الكفار من أخبار الأمم الماضية المكذبين للرسل، ما فيه واعظ لهم عن التمادي في الكفر والضلال {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} أي هذا القرآن حكمة بالغة، بلغت النهاية في الهداية والبيان {فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ} أي أيَّ شيءٍ تُغنى النُذُر عمن كتب الله عليه الشقاوة، وختم على سمعه وقلبه؟! قال المفسرون: المعنى لقد جاءهم القرآن وهو حكمة تامة قد بلغت الغاية، فماذا تنفع الإِنذارات والمواعيد لقومٍ أصموا آذانهم عن سماع كلام الله؟ كقوله تعالى {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يونس: 101] {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي فأعرض يا محمد عن هؤلاء المجرمين وانتظرهم {يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} أي يوم يدعو إِسرافيل إِلى شيءٍ منكر فظيع، تنكره النفوس لشدته وهوله، وهو يوم القيامة وما فيه من البلاء والأهوال {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ} أي ذليلةً أبصارهم لا يستطيعون رفعها من شدة الهول {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} أي يخرجون من القبور {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} أي كأنهم في انتشارهم وسرعة إِجابتهم للداعي جرادٌ منتشر في الآفاق، لا يدرون أين يذهبون من الخوف والحيرة قال ابن الجوزي: وإِنما شبههم بالجراد المنتشر، لأن الجراد لا جهة له يقصدها، فهم يخرجون من القبور فزعين ليس لأحدٍ منهم جهة يقصدها، والداعي هو إِسرافيل {مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ} أي مسرعين مادّي أعناقهم إِلى الداعي لا يتلكئون ولا يتأخرون {يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} أي يقول الكافرون هذا يوم صعبٌ شديد قال الخازن: وفيه إِشارة إِلى أنَّ ذلك اليوم يومٌ شديد على الكافرين لا على المؤمنين كقوله تعالى {أية : عَلَى ٱلْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}تفسير : [المدثر: 10] .. ثم ذكر تعالى وقائع الأمم المكذبين وما حلَّ بهم من العذاب والنكال تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحذيراً لكفار مكة فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} أي كذب قبل قومك يا محمد قومُ نوح {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ} أي فكذبوا عبدنا نوحاً وقالوا إِنه مجنون، وانتهروه وزجروه عن دعوى النبوة بالسب والتخويف والوعيد بقولهم {أية : لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ}تفسير : [الشعراء: 116] قال في البحر: لم يقنعوا بتكذيبه حتى نسبوه إِلى الجنون أي أنه يقول ما لا يقبله عاقل وذلك مبالغة في تكذيبهم، وإِنما قال {عَبْدَنَا} تشريفاً له وخصوصية بالعبودية {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ} أي فدعا نوح ربه وقال يا ربّ إِني ضعيف عن مقاومة هؤلاء المجرمين، فانتقم لي منهم وانتصر لدينك قال أبو حيان: وإِنما دعا عليهم بعدما يئس منهم وتفاقم أمرهم، وكان الواحد من قومه يخنقه إِلى أن يخر مغشياً عليه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإِنهم لا يعلمون {فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} أي فأرسلنا المطر من السماء منصباً بقوة وغزارة قال أبو السعود: وهو تمثيلٌ لكثرة الامطار وشدة انصبابها {وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} أي جعلنا الأرض كلها عيوناً متفجرة بالماء {فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي فالتقى ماء السماء وماء الأرض على حالٍ قد قدَّرها الله في الأزل وقضاها بإِهلاك المكذبين غرقاً قال قتادة: قضى عليهم في أم الكتاب إِذا كفروا أن يُغرقوا {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} أي وحملنا نوحاً على السفينة ذات الألواح الخشبية العريضة المشدودة بالمسامير قال في البحر: وذات الألواح والدُّسر هي السفينة التي أنشأها نوح عليه السلام، ويفهم من هذين الوصفين أنها "السفينة" فهي صفة تقوم مقام الموصوف وتنوب عنه ونحوه: قميصي مسرودة من حديد أي درع، وهذا من فصيح الكلام وبديعه، ولو جمعت بين الصفة والموصوف لم يكن بالفصيح، والدُّسُر: المسامير {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} أي تسير على وجه الماء بحفظنا وكلاءتنا وتحت رعايتنا {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} أي أغرقنا قوم نوح انتصاراً لعبدنا نوح لأنه كان قد كُذِّب وجُحد فضلُه قال الألوسي: أي فعلنا ذلك جزاءً لنوح لأنه كان نعمةً أنعمها الله على قومه فكفروها، وكذلك كلُ نبيٍ نعمةٌ من الله تعالى على أمته {وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً} أي تركنا تلك الحادثة "الطوفان" عبرة {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي فهل من معتبر ومتعظ؟ {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} استفهام تهويل وتعجيب أي فكيف كان عذابي وإِنذاري لمن كذب رسلي، ولم يتعظ بآياتي؟ {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} أي والله لقد سهلنا القرآن للحفظ والتدبر والاتعاظ، لما اشتمل عليه من أنواع المواعظ والعبر {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي فهل من متعظٍ بمواعظه، معتبرٍ بقصصه وزواجره؟ قال الخازن: وفيه الحث على تعليم القرآن والاشتغال به، لأنه قد يسره الله وسهله على من يشاء من عباده، بحيث يسهل حفظه للصغير والكبير، والعربي والعجمي قال سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ والقراءة، وليس شيء من كُتب الله تعالى يُقرأ كلُّه ظاهراً إِلا القرآن، وبالجملة فقد جعل الله القرآن مهيئاً ومسهلاً لمن أراد حفظه وفهمه أو الاتعاظ به، فهو رأس سعادة الدنيا والآخرة {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} أي كذبت عادٌ رسولهم هوداً فكيف كان إِنذاري لهم بالعذاب؟ ثم شرع في بيان ما حلَّ بهم من العذاب الفظيع المدمر فقال {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} أي أرسلنا عليهم ريحاً عاصفة باردة شديدة الهبوب والصوت قال ابن عباس: الصرصر: الشديدة البرد وقال السدي: الشديدة الصوت {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} أي في يومٍ مشئوم دائم الشؤم، استمر عليهم بشؤمه فلم يبق منهم أحدٌ إِلا هلك فيه قال ابن كثير: استمر عليهم نحسه ودماره، لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي {تَنزِعُ ٱلنَّاسَ} أي تقلع الريح القوم ثم ترمي بهم على رءوسهم فتدقُّ رقابهم وتتركهم {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} أي كأنهم أُصول نخلٍ قد انقلعت من مغارسها وسقطت على الأرض، شبهوا بالنخل لطولهم وضخامة أجسامهم قال الخازن: كانت الريح تقلعهم ثم ترمي بهم على رءوسهم فتدق رقابهم، وتفصل رءوسهم من أجسامهم فتبقى أجسامهم بلا رءوس كعجز النخلة الملقاة على الأرض {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} تهويلٌ لما حلَّ بهم من العذاب وتعجيبٌ من أمرهم أي كيف كان عذابي وإِنذاري لهم؟ ألم يكن هائلاً فظيعاً؟ {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}؟ كرره للتنبيه على فضل الله على المؤمنين بتيسير حفظ القرآن أي ولقد سهلنا القرآن للحفظ والفهم، فهل من متعظٍ ومعتبر بزواجر القرآن!؟ ثم أخبر تعالى عن قوم ثمود المكذبين لرسولهم صالح عليه السلام فقال {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ} أي كذبت ثمود بالإِنذارات والمواعظ التي أنذرهم بها نبيهم صالح {فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} أي أنتَّبع إِنساناً مثلنا من آحاد الناس، ليس من الأشراف ولا العظماء، ونحن جماعة كثيرون؟ قال في البحر: قالوا ذلك حسداً منهم واستبعاداً أن يكون نوع البشر يفضل بعضُه بعضاً هذا الفضل، فقالوا: أنكون جمعاً ونتبع واحداً منا؟ ولم يعلموا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ويفيض نور الهدى على من رضيه {إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} أي إنا إِذا اتبعناه لفي خطأٍ وذهابٍ عن الحقِّ واضح، وجنون دائم قال ابن عباس: سُعُر أي جنون من قولهم ناقة مسعورة كأنها من شدة نشاطها مجنونة {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا} استفهام إِنكاري أي هل خصَّ بالوحي والرسالة وحده دوننا، وفينا من هو أكثر منه مالاً وأحسن حالاً؟ قال الإِمام الفخر: وفي الآية إِشارة إِلى ما كانوا ينكرونه بطريق المبالغة، وذلك لأن الإِلقاء إِنزالٌ بسرعة، فكأنهم قالوا: الملك جسيم والسماء بعيدة فكيف ينزل عليه الوحي في لحظة؟ وقولهم "عليه" إِنكارٌ آخر كأنهم قالوا: ما أُلقي عليه ذكرٌ أصلاً، وعلى فرض نزوله فلا يكون عليه من بيننا وفينا من هو فوقه في الشرف والذكاء؟ وقولهم {أَأُلْقِيَ} بدلاً من قولهم "أألقى الله" إِشارة إِلى أن الإِلقاء من السماء غير ممكن فضلاً عن أن يكون من الله تعالى {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} أي بل هو كاذب في دعوى النبوة، متجاوز في حد الكذب، متكبرٌ بطِرٌ يريد العلو علينا، وإِنما وصفوه بأنه {أَشِرٌ} مبالغة منهم في رفض دعواه كأنهم قالوا إنه كذب لا لضرورةٍ وحاجةٍ إِلى الخلاص كما يكذب الضعيف، وإِنما تكبَّر وبطر وطلب الرياسة عليكم وأراد أن تتبعوه فكذب على الله، فلا يلتفت إِلى كلامه لأنه جمع بين رذيلتين: الكذب والتكبر، وكلٌ منهما مانع من اتباعه، قال تعالى تهديداً لهم وردّاً لبهتانهم {سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ} أي سيعلمون في الآخرة من هو الكذَّاب الأشر، هل هو صالح عليه السلام أم قومه المكذبون المجرمون؟ قال الألوسي: المراد سيعلمون أنهم هم الكذابون الأشرون، لكنْ أورد ذلك مورد الإِبهام إِيماءً إِلى أنه مما لا يكاد يخفى {إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ} أي مخرجوا الناقة من الصخرة الصماء محنة لهم واختباراً كما شاءوا وطلبوا قال ابن كثير: أخرج الله لهم ناقة عظيمة عشراء، من صخرة صماء طبق ما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح عليه السلام فيما جاءهم به {فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ} أي فانتظرهم وتبصَّرْ ما يصنعون وما يُصنع بهم، واصبر على أذاهم فإِن الله ناصرك عليهم {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} أي وأعلِمْهم أنَّ الماء الذي يمرُّ بواديهم مقسومٌ بين ثمود وبين الناقة كقوله تعالى {أية : لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الشعراء: 155] قال ابن عباس: إِذا كان يوم شربهم لا تشرب الناقةُ شيئاً من الماء وتسقيهم لبناً وكانوا في نعيم، وإِذا كان يوم الناقة شربت الماء كله فلم تُبق لهم شيئاً، وإِنما قال تعالى {بَيْنَهُمْ} تغليباً للعقلاء {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} أي كل نصيب وحصة من الماء يحضرها من كانت نوبته، فإِذا كان يوم الناقة حضرت شربها، وإِذا كان يومهم حضروا شربهم {فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ} أي فنادت قبيلة ثمود أشقى القوم واسمه "قدار بن سالف" لقتل الناقة فتناول الناقة بسيفه فقتلها غير مكترث بالأمر العظيم {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} أي فكيف كان عقابي وإِنذاري لهم؟ ألم يكن فظيعاً شديداً؟! {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} أي أهلكناهم بصيحة واحدة صاح بها جبريل عليه السلام فلم تبق منهم عين تطْرف {فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ} أي فصاروا هشيماً متفتتاً كيابس الشجر إِذا بلي وتحطَّم وداسته الأقدام قال الإِمام الجلال: المحتظر هو الذي يجعل لغنمه حظيرةً من يابس الشجر والشوك يحفظهن فيها من الذئاب والسباع، وما سقط من ذلك فداسته فهو الهشيم {وَلَقَد يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي يسرناه للحفظ والاتعاظ فهل من معتبر؟.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد الواسطي، عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} قال: فانشقَّ القَمرُ على عَهدِ النَّبي صلى الله عليه وآلهِ وسلمَ حتّى صارَ فِرقتينَ والنَّاسُ ينظرونَ. فقالتْ اليَهودُ سُحرَ القَمرُ. فأنزلَ الله تعالى: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} والمُستمرُ: الشَّديدُ. ويقال: يَشبهُ بعضُهُ بعضاً. ويقال: الذَّاهبُ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} هذه السورة مكية وقيل غير ذلك ومناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها ظاهرة قال: آزفة وقال: اقتربت الساعة. وسبب نزولها حديث : أن مشركي قريش قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين ووعدوه بالإِيمان إن فعل وكانت ليلة بدر فسأل ربه فانشق القمر نصفين نصف على الصفا ونصف على قيقعان فقال أهل مكة آية سماوية لا يعمل فيها السحر فقال أبو جهل: اصبروا حتى يأتينا أهل البوادي فإِن أخبروا فشقاقه فهو صحيح وإلا فقد سحر محمد أعيننا فجاء أهل البوادي وأخبروا بانشقاق القمر فأعرض أبو جهل وقال سحر مستمر . تفسير : {وَكَذَّبُواْ} أي بالآيات وبمن جاء بها أي قالوا هذا سحر مستمر سحرنا محمد. {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} أي شهوات أنفسهم وما يهوون. {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} أي له غاية ينتهي إليها. {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} أي من الأخبار الواردة في القرآن في إهلاك من كذب الأنبياء عليهم السلام وما يؤولون إليه في الآخرة. {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي ازدجار رادع لهم عن ما هم فيه. و{حِكْمَةٌ} بدل من مزدجر ووصفت الحكمة ببالغة لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان لمن له عقل ما لا يبلغ غيرها. {فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ} يجوز أن تكون ما نافية وأن تكون استفهاماً يراد به التقرير أي فأي شىء تغني النذر مع هؤلاء الكفرة ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم فإِن الإِنذار لا يجدي فيهم ثم ذكر شيئاً من أحوال الآخرة وما يؤولون إليه إذ ذاك متعلق باقتراب الساعة فقال: {يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ} والناصب ليوم اذكر مضمرة وانتصب خشعاً وخاشعة وخاشعاً على الحال من ضمير يخرجون والعامل فيه يخرجون لأنه فعل متصرف وفي هذا دليل على بطلان مذهب الجرمي أنه لا يجوز تقدم الحال على الفعل وإن كان متصرفاً وقد قالت العرب شتى تؤوب الحبلة فشتى حال وقد تقدمت على عاملها وهو تؤوب لأنه فعل متصرف. {مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} أي من القبور. {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} جملة حالية شبههم بالجراد في الكثرة والتموج. {مُّهْطِعِينَ} قال أبو عبيدة: مسرعين. {يَوْمٌ عَسِرٌ} لما يشاهدون من مخايل هوله وما يرتقبون من سوء منقلبهم فيه. {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} أي قبل قريش. {قَوْمُ نُوحٍ} وفيه وعيد لقريش وضرب مثل لهم ومفعول كذبت محذوف أي كذبت الرسل فكذبوا نوحاً لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأساً كذبوا نوحاً لأنه عليه السلام من جملة الرسل وفي لفظ عبدنا تشريف وخصوصية بالعبودية كقوله: {أية : وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} تفسير : [الأنفال: 41]. {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ} أي هو مجنون لما رأوا الآيات الدالة على صدقه قالوا: هو مصاب الجن لم يقنعوا بتكذيبه حتى نسبوه إلى الجنون والظاهر أن قوله وازدجر إخبار من الله تعالى أي انتهروه وازدجروه بالسبب والتخويف. {أَنِّي مَغْلُوبٌ} أي غلبتي قومي فلم يسمعوا مني ويئست من إجابتهم لي. {فَٱنتَصِرْ} أي فانتقم بعذاب تبعثه عليهم وإنما دعا عليهم بعدما يئس منهم وتفاقم أمرهم. {فَفَتَحْنَآ} بيان أن الله تعالى انتصر فيهم وانتقم ومن العجب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين فأهلكهم الله تعالى بمطلوبهم. {أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ} جعل الماء كأنه آلة يفتح بها. {بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} أي غزير شديد وانتصب عيوناً على التمييز جعلت الأرض كلها كأنها عيون تنفجر وهو أبلغ من وفجرنا عيون الأرض. {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} في اللوح المحفوظ أنه يكون وهو هلاك قوم نوح بالطوفان ولذلك ذكر نجاة نوح عليه السلام بعدها في قوله: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} والدسر المسامير التي تشد بها السفينة وذات الألواح هي السفينة. {بِأَعْيُنِنَا} أي بمرأى منا. {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} أي لنوح عليه السلام إذ كان نعمة أهداها الله تعالى إلى قومه لأن يؤمنوا فكفروها المعنى أن حمله في السفينة ومن آمن معه كان جزاء له على صبره على قومه المسيئين من السنين ومن كناية عن نوح عليه السلام ومعنى لمن كفر لمن جحدت نبوته والضمير في تركناها عائد على الفعلة والقصة. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} تهويل لما حل بقوم نوح من العذاب وإعظام له إذ قد استأصل جميعهم وقطع دابرهم فلم ينسل منهم أحد أي فكيف كان عاقبة إنذاري والنذر جمع نذير وهو الإِنذار وفيه توقيف لقريش على ما حل بالمكذبين أمثالهم. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا} أي سهلنا. {ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} أي للاذكار والاتعاظ لما تضمنه من المواعظ والوعد والوعيد. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي من متعظ. {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} الآية الصرصر الريح الشديدة الصوت البارة. {تَنزِعُ ٱلنَّاسَ} يجوز أن تكون صفة للريح وأن تكون حالاً منها لأنها وصفت فقربت من المعرفة وأن تكون مستأنفة وجاء الظاهر مكان المضمر ليشمل ذكورهم وإناثهم والجملة التشبيهية حال من الناس وهي حال مقدرة شبههم بإِعجاز النخل المنقعر إذ تساقطوا على الأرض أمواتاً وهم جثة عظام طوال والأعجاز الأصول بلا فروع قد انقلعت من مغارسها وقيل كانت الريح تقطع رؤوسهم فتبقي أجساماً بلا رؤوس فأشبهت أعجاز النخل التي انقلعت من مغرسها وقرىء أبشرا بنصب بشراً على الاشتغال ونصب واحداً صفة له تقديره انتبع بشراً. {إِنَّآ إِذاً} أي أن اتبعناه فنحن في ضلال أي بعد عن الصواب وحيرة. {وَسُعُرٍ} أي عذاب ثم زادوا عليه في الإِنكار والاستبعاد. فقالوا {أَءُلْقِيَ} أي أأنزل قيل وكأنه يتضمن العجلة في الفعل والعرب تستعمل هذا الفعل في العجلة والذكر هنا الوحي والرسالة وما جاء بهم من الحكمة والموعظة ثم قالوا ليس الأمر كما يزعم. {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} أي بطر يريد العلو علينا وفي قوله: {سَيَعْلَمُونَ غَداً} تهديد ووعيد ببيان انكشاف الأمر والمعنى أنهم هم الكاذبون الأشرون وأورد ذلك مورد الابهام والاحتمال وإن كانوا هم المعنيون. {إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ} أي ابتلاءً واختباراً وآنس بذلك صالحاً ولما هددهم بقوله: سيعلمون غداً وكانوا قد ادعوا أنه كاذب قالوا ما الدليل على صدقك. قال الله تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ}، أي مخرجوها من الهضبة التي سألوها. {فَٱرْتَقِبْهُمْ} أي فانتظرهم وتبصر ما هم فاعلون. {وَٱصْطَبِرْ} على أذاهم ولا تعجل حتى يأتي أمر الله تعالى. {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ} أي ماء البئر التي لهم. {قِسْمَةٌ} لهم أي بين ثمود والناقة. {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} أي محضر لهم وللناقة.

الجيلاني

تفسير : {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ} ودنت القيامة الموعودة قيامها، ومن علاماتها: انشقاق القمر {وَ} قد {ٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} [القمر: 1] بإشارة الحضرة الختمية المحمدية صلى الله عليه وسلم، هذا وتواتر وقوعه. {وَ} المنكرون المصرون على الإنكار والتكذيب، المقيدون بعقال العقل الفضولي، المغلولون بأغلال الأحلام المشوبة بالخيالات والأوهام {إِن يَرَوْاْ آيَةً} معاينة دالة على كمال قدرة الصانع الحكيم، والقادر العليم، يُعْرِضُوا عنها؛ لعدم مطابقتها بعاداتهم، ومقتضيات أوهامهم وخيالاتهم {وَيَقُولُواْ} من شدة إنكارهم وعنادهم: هذا الذي صدر منه على خلاف العادة {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} [القمر: 2] في الزمان، وقوعه لا مختلق منه فقط. {وَ} بالجملة: {كَذَّبُواْ} الآية الخارقة للعادة {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} المعتادة الفاسدة، وآراءهم الباطلة الكاسدة {وَ} هكذا {كُلُّ أَمْرٍ} رسخ، تمكن في نفوسهم، سواء كان خيراً أو شراً، طاعة أو معصية، ولاية أو عداوة {مُّسْتَقِرٌّ} [القمر: 3] ثابت في مكانه بعدما تقرر وتمرن، لا يتعداه أصلاً. {وَ} من نهاية تمكنهم ورسوخهم في الكفر والعناد، وتمرنهم على الغيّ والفساد، لَقَدْ جَاءَهُم في القرآن المرشد لهم إلى الهداية والعرفان {مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} والأخبار الجارية على القرون الماضية، المصرة على العتو والعناد أمثالهم {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} [القمر: 4] أي: وعيدات هائلة موجبة للانزجار الكامل، والارتداع المبالغ لأصحاب الغيرة والاستبصار. أذ هي كلها {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} نهايتها في الإحكام والإتقان، ومع ذلك {فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ} [القمر: 5] وما تفيدهم إنذاراتهم أصلاً؛ إذ هم مجبولون على الغواية المتناهية، أمثال هؤلاء الغاوين المصرين على العتو والعناد معك، وبالجملة: {فَتَوَلَّ} يا أكمل الرسل، وأعرض {عَنْهُمْ} وعن دعوتهم وإرشادهم، وانتظر {يَوْمَ يَدْعُ} وينادي {ٱلدَّاعِ} المنادي هو إسرافيل - ودعاؤه كناية عن نفخة في الصور للبعث أو الحشر {إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} [القمر: 6] فظيع فجيع، تنكره النفوس؛ إذ لم يعهد مثله، وهو هول يوم القيامة المعدَّة للحساب والجزاء. وبعدما سمعوا النداء والهائل، والصداء المهول {خُشَّعاً أَبْصَٰرُهُمْ} أي: شاخصة ذليلة، كالتائه الهائب الهائل {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} أي: قبورهم التي هم مدفونون فيها في عالم البرزخ، ويتحركون على الأرض {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} [القمر: 7] في الكثرة والانتشار إلى الأمكان. فيتوجهون {مُّهْطِعِينَ} مسرعين {إِلَى ٱلدَّاعِ} المنادي، مادين أعناقهم نحوه، ومن شدة خوفهم وهولهم، ليعلموا لما يدعوهم، ومن شدة تلك الساعة، ونهاية أهوالها وفظاعتها {يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ} في نجواهم، وهواجس نفوسهم: {هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} [القمر: 8] صعب في غاية الصعوبة والفظاعة. ثمَّ قال سبحانه تسليةً لحبيبه صلى الله عليه وسلم حين كذبه قومه، حاكياً إياه صلى الله عليه وسلم عن أحوال الماضين تسليةً وإزالةً لحزنه: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} أي: قبل قومك {قَوْمُ نُوحٍ} أي: لا تحزن يا أكمل الرسل من تكذيب هؤلاء المكذبين بك، ولا تغتم من أذياتهم؛ إذ ما هي ببدع منهم بالنسبة إليك، بل تذكر تكذيب قوم نوح {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} أي: كيف كذبوا أخاك نوحاً {وَقَالُواْ} له حين دعوتهم إلى الإيمان: هو {مَجْنُونٌ} مخبط، مختل العقل والرأي {وَٱزْدُجِرَ} [القمر: 9] وزجر؟ لأجل دعوته وتبليغه إياهم إلى حيث لطمه كلُّ من يصل إليه، ورماه بالحجارة كل من يمر عليه، فصبر على أذاهم، وبالغ في دعوته إياهم. وبعدما بلغت الأذية غايتها {فَدَعَا رَبَّهُ} دعاء مؤمل ضريع فجيع: {أَنِّي} أي: بأني - على قراءة الفتح - أو قال: إني بالكسر {مَغْلُوبٌ} غلبني قومي، ولم يقبلوا مني دعوتي وهدايتي {فَٱنتَصِرْ} [القمر: 10] عليَّ يا ربي، وانتمم لي منهم، وما دعا عليهم إلاَّ بعد يأسه عن إيمانهم. رُوي أنه يدعو كل واحد منهم جمعاً وفرادى، فيضربونه ويخنقونه حتى خر مغشياً عليه، ثمَّ لما أفاق قال: "حديث : اللهم اهد هومي، فإنهم لا يعلمون ".

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيتها القوى العلوية الساجدة، وأيتها القوة السفلية العابدة اعلما أن الساعة قد قربت، وافهما ما يقول الله تعالى في كلامه حيث يقول: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} [القمر: 1] يعني: قيامة القلب دنت، وعلامة دونها انشقاق قمر القلب، كما يقول بعده: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} [القمر: 1] الهيبة الوارد القهري. {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً} [القمر: 2]؛ يعني: القوى الكافرة القالبية والمشركة والمنافقة النفسية، آية انشقاق قمر القلب أو غيرهما من الآيات البينات الأنفسية {يُعْرِضُواْ} [القمر: 2] عن الآيات لبينة، {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} [القمر: 2]؛ يعني: سحر بأعيننا واستمر فينا، وليست لهذه الآيات حقيقة، واستدلوا بعلمهم الحاصل من قبيل العقل أن الخرق والالتئام محال في الفلكيات، وما فطنوا أنه إن لم يكن هذا الأمر محالاً عند العقل، فكيف يكون إظهاره على يد البشر؟ ومعنى المعجزة أن الأناسي يعجزون عن إتيان مثل ما يأتي به صاحب المعجزة الذي هو إنس من الأناسي، فحملتهم شقاوتهم على إنكار المعجزة، وقدرهم إنكارهم سلاسل الاستكبار حتى لا يقبلوا الحق فأوردتهم شقاوتهم النار. {وَكَذَّبُواْ} [القمر: 3] اللطيفة الخفية المرسلة إلى جميع قوى اللطائف؛ ليدعوهم إلى الحق بالمعجزات القاطعة والآيات الساطعة، {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} [القمر: 3] المردية {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} [القمر: 3] بأهله من الخير والشر، فالخير مستقر بأهله في الجنة، كما يقول تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [يونس: 26]، والشر مستقر بأهله في النار، كما يقول تعالى للذين أساءوا السوء؛ لأن كل أحد من الناس يعمل على شاكلته، ويختم له في نهايته على ما قدره الله له في بدايته من سعادته وشقاوته. {وَلَقَدْ جَآءَهُم} [القمر: 4]؛ يعني: أهل مكة، وجودهم الكافرة بالواد الخفي والبيان الجلي {مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} [القمر: 4]؛ يعني: من أخبار القوى المكذبة للطائف السالفة، ومما حان معهم من العذاب {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} [القمر: 4] من الزجر والوعظ؛ ليزدجروا عن التكذيب والإنكار. {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} [القمر: 5]، تامة بلغت منتهاها في الوعظ والزجر، {فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ} [القمر: 5]؛ يعني: ليست موعظة النذر بالحكمة البالغة الواردة للقوى الكافرة المشركة المستكبرة الناطقة، {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} [القمر: 6] أيتها اللطيفة الخفية؛ لأنهم جبلوا على الشقاوة {يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} [القمر: 6]؛ يعني: يوم يدعو داعي الأماني لقطع الأمنية وهو أنكر الأشياء؛ لأن قطع الرجاء عن المستغيث والبلاء اشد من البلاء، وأنكر العناء نريهم، {خُشَّعاً أَبْصَٰرُهُمْ} [القمر: 7]، في تلك الأشياء؛ لأن قطع الحالة المنكرة؛ أي: دليله خاضعة ناظرة إلى كل من يمر عليهم بالذل والمسكنة ليرحم عليهم المار، {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} [القمر: 7]؛ يعني: حين يدعوهم الداعي خرجوا من قبور قوالبهم شاءوا أو أبوا، {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} [القمر: 7] فتفرق، ويكون صور قواهم المكتسبة في البدن المجعول مثل الجراد المتفرق حيارى متفرقين، {مُّهْطِعِينَ}[القمر: 8] مسرعين مقلبين {إِلَى ٱلدَّاعِ} [القمر: 8]؛ وهو قواه أسرا قبليتهم المسلطة عليهم، {يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ} [القمر: 8] بالحق المنكرون آياته، المكذبون لطائفه المرسلة إليهم بالمعجزات الواضحة الآيات البينة، {هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} [القمر: 8] صعب شديد، لا قدرة لنا على دفع الداعي المسلط علينا، ولا يسمع منا عذر ولا تنفعنا شفاعة، والله ما ذلك اليوم إلا يوم عسر عبوس، فالسعيد من أيقظ بهذه المواعظ وأقبل على الحق وأدبر عن الباطل، وترك الهوى واشتغل بعبادة المولى، وعلم أن الخروج من الدنيا والدخول في العقبى حتى كتبه الله على اللطيفة الإنسانية وتنعمها وتأملها أبد الآباد، سبب كسب البدن المكسب الباقي في هذا البدن المجعول الفاني من جواهر المفردات السفلية، ولطائف المفردات العلوية الحقيقة فيها وقت الإيجاد صدق لا شك فيه، كما أن الفرخ المستكن في البيضة إذا تمت مودته الفرخية كيف يُقَشِّر قشر البيضة، والمجعول بتربية دجاجة الروح الإنسية ويطير في هوى الهوية، ويسرح في رياض الجنة القلبية، ويأكل من ثمار معرفة الربوبية، ويشرب من شراب الألوهية، وكل هذا يحصل للسالك في الدنيا بالموت الاختياري، كما يقول الحكيم السني للسيد المسمى بالسمناني - رحمه الله - بالفارسية بيت شريف: بمير؛ أي: روست بيش أزمرك أكرمي نزندكي خواهي كه ادريس ازجنين مردن بهشتي كشت بيش أزماه. وإشارة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "أية : موتوا قبل أن تموتوا"،تفسير : كانت إلى هذه الحقيقة {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} [القمر: 9]؛ يعني: القوى القالبية والنفسية كذبت اللطيفة النفسية المستخلصة عن الكدورات المطهرة عن القاذورات، المرسلة بالآيات البينات، {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} [القمر: 9]؛ يعني: تلك القوى كذبو اللطيفة المأمورة المطهرة النفسية بما بلغت إليهم من الآيات البينات الأنفسية في بداية السلوك، {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ} [القمر: 9]؛ يعني: ازدجر بين عشيرته القربية؛ وهي القوى النفسية، فصار مجنوناً، وشاهدت هذا الحال في بداية أمري؛ إذ نسبني إلى الجنون والدي وعمي وجميع أقربائي وأحبائي، فلما اشتغلت بالذكر الخفي القوي ظهرت لي في الليلة الأولى شرارات نيران منورة من صدري حتى لحقت بالسماء، فلما فتحت العين وأبصرتها معاينة قلت في نفسي: إن الذين يقولون في حقي صدق، ما هذه المعاينة للشرارات في ظلمة الليل في جوف البيت المظلم إلا من فساد جذب في الدماغ؟ والقوى المكذبة النفسية يخوفوني ويمنعونني عن الذكر، والقوى الشيطانية يشككوني في مشاهدة الآية البينة وقلبي كان غير ملتفت إلى أقوالهم، مشتغلاً بالذكر حتى طلع الصبح، فلما خرجت من البيت ودخلت المسجد لصلاة الجماعة ظهر فوق سجادتي وعن يميني، وعن قبلتي كواكب درّية لا تحصى، فخفت عنها في الظاهر وأنست بها في الباطن، والقوى المشكلة الشيطانية والقوى المكذبة النفسية أيضاً يشوشونني ويأمرونني بترك الذكر، وأنا روعان من ألسن الناس أن أقفوه بما أشهده وأعاينه، وهذه المشاهدة حصلت لي أول ليلة اشتغالي بالذكر الخفي القوي، على وفق مذهب مشايخنا - قدس ألله أرواحهم - وكنت قبل هذه الليلة مشتغلاً بكثرة الأوراد المأثورة، والأذكار اللسانية من أنواع التسبيحات والتهليلات، والتكبيرات والتحميدات، والصلاة والسلام، وكثرة الركعات والسجدات في الصلاة، وبالمجاهدات والرياضيات، على وفق ما يعجبني مما حكي من المشايخ المتقدمة، ففي هذه الآية أخذت هذا الذكر القوي الخفي بشرط النفي والإثبات من أخ لي في الدين - رحمه الله - وكان من مريدي شيخنا - أطال الله بقاءه - فلما اشتغلت بالذكر ظهرت لي هذه الحالات، وما قلت له معه لخوفي عما يقولون، فلما ظننت الإشراق وظهرت لي الكواكب الدرّية، بحيث لا يحصى عددها ولا يوصف ضياؤها، قلت مع أخي شرف الدين: هذه الأقوال، فاستبشر وتبسّم وقال: الحمد الله الذي هداك إلى هذه المشاهدة الغيبية والآيات الأنفسية، وإنا قد سلكنا سنة واحدة في حرم بيت الله الحرام، فبعد ذلك حصلت لنا هذه الشرارات على جبل عرفات، فأحسن الله إليك ووفقك لمشاهدة هذه الآيات في مدة قريبة، فالواجب عليك القيام بشكر الحق، والقيام بشكره هو أن تعتزل الناس وتشتغل بهذا الذكر على هذه الشريطة، فيفتح عليك باب القلب إن شاء الله تعالى، فاسترحت من القوى المكذبة والمتفككة. واشتغلت بعد ذلك بالذكر، واخترت العزلة والخلوة سنتين متتابعتين حتى جلت بعد هذه المدة في خلق الأربعين الموسوية، وفتح الله بلفظ على قلبي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وسلكت الطريق على الترتيب من العبور على قوى القالبية على وفق دعوة اللطيفة الآدمية، ثم على القوى النفسية على وفق دعوة اللطيفة النوحية، ثم على القوى القلبية على وفق اللطيفة الإبراهيمية، ثم على القوى السرية على وفق دعوة اللطيفة الموسوية، ثم على القوى الروحية على وفق دعوة اللطيفة الداودية، ثم على القوى الخفية على وفق دعوة القوة العيسوية، ثم على القوة الخفية المودعة في جميع القوة على وفق دعوة القوة اللطيفة الخفية، وهي الدعوة المحمدية، دعا الناس بها صلى الله عليه وسلم وسمعت من جميع القوى من التكذيب والتشكيك في أمر اللطائف وإنكارهم دعوتهم وكفرهم بربهم ما لا يمكن كتبة عشر عشره في المجلدات. ومقصودي من كتابة هذه الحالة الواحدة التي تظهر في البداية للسالك؛ هو أن يعلم الرجل المطالع هذا الكتاب المسمى "نجم القرآن"؛ وهو المزيل للتفسير النجمي الذي كتبه الموفق نجم الدين داية الأسدي الرازي - شكر الله سعيه - من أول القرآن إلى سورة النجم، فلما وصل إلى سورة النجم قال: يكون عجب أن يأذن الله لي في الشروع في النجم وإتمامه، فإذا وصل إلى النجم وشرع ومرض وعرج بنجمه المنير في أرض البشرية إلى سماء الربوبية وألهمنا الله تعالى إتمام تفسيره، والتفسير المكتوب بخطه الشريف تسع مجلدات، وهذا المزيل مجلد واحد؛ ليكون معشرة كاملة خفية، ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : إن للقرآن ظهراً وبطناً..."،تفسير : ويؤمن ببطنه كما آمن بظهره، ولا يشك فيما أشرنا إلى تكذيب القوى للآيات الأنفسية وإنكارهم اللطائف المرسلة وآياتهم الخفية؛ لئلا يشقى عند مطالعة هذا الكتاب بإنكاره الآيات البينات التي شهادها كاتبها مراراً، غير معدودة من بداية اشتغاله بالسلوك إلى هذا الوقت الذي ألهم كتابة هذه الآيات ومقدار زمان اشتغاله بالذكر، هذا الذي وصفته لك، فقس بواقي الآيات عليها؛ لأن الخبير يقنعه القليل من الكثير، ولا يزيد للبليد إظهار الآيات إلا الإنكار بالتقليد.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أن الساعة وهي القيامة اقتربت وآن أوانها، وحان وقت مجيئها، ومع ذلك، فهؤلاء المكذبون لم يزالوا مكذبين بها، غير مستعدين لنزولها، ويريهم الله من الآيات العظيمة الدالة على وقوعها ما يؤمن على مثله البشر، فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على [صحة ما جاء به و] صدقه، أشار صلى الله عليه وسلم إلى القمر بإذن الله تعالى، فانشق فلقتين، فلقة على جبل أبي قبيس، وفلقة على جبل قعيقعان، والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية الكبرى الكائنة في العالم العلوي، التي لا يقدر الخلق على التمويه بها والتخييل. فشاهدوا أمرا ما رأوا مثله، بل ولم يسمعوا أنه جرى لأحد من المرسلين قبله نظيره، فانبهروا لذلك، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولم يرد الله بهم خيرا، ففزعوا إلى بهتهم وطغيانهم، وقالوا: سحرنا محمد، ولكن علامة ذلك أنكم تسألون من قدم إليكم من السفر، فإنه وإن قدر على سحركم، لا يقدر أن يسحر من ليس مشاهدا مثلكم، فسألوا كل من قدم، فأخبرهم بوقوع ذلك، فقالوا: { سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } سحرنا محمد وسحر غيرنا، وهذا من البهت، الذي لا يروج إلا على أسفه الخلق وأضلهم عن الهدى والعقل، وهذا ليس إنكارا منهم لهذه الآية وحدها، بل كل آية تأتيهم، فإنهم مستعدون لمقابلتها بالباطل والرد لها، ولهذا قال: { وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا } ولم يعد الضمير على انشقاق القمر فلم يقل: وإن يروها بل قال: { وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا } وليس قصدهم اتباع الحق والهدى، وإنما قصدهم اتباع الهوى، ولهذا قال: { وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } كقوله تعالى: {أية : فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } تفسير : فإنه لو كان قصدهم اتباع الهدى، لآمنوا قطعا، واتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنه أراهم الله على يديه من البينات والبراهين والحجج القواطع، ما دل على جميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، { وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ } أي: إلى الآن، لم يبلغ الأمر غايته ومنتهاه، وسيصير الأمر إلى آخره، فالمصدق يتقلب في جنات النعيم، ومغفرة الله ورضوانه، والمكذب يتقلب في سخط الله وعذابه، خالدا مخلدا أبدا. وقال تعالى -مبينا أنهم ليس لهم قصد صحيح، ولا اتباع للهدى-: { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأنْبَاءِ } أي: الأخبار السابقة واللاحقة والمعجزات الظاهرة { مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } أي: زاجر يزجرهم عن غيهم وضلالهم، وذلك { حِكْمَةٌ } منه تعالى { بَالِغَةٌ } أي: لتقوم حجته على المخالفين ولا يبقى لأحد على الله حجة بعد الرسل، { فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ } كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ لا يؤمنوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ }.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ} [1] 570 - أخبرنا قُتيبة بن سعيدٍ، عن مالكٍ، عن ضمرة بن سعيدٍ، عن عبيد الله بن عبد اللهِ أن عمر سأل أبا واقدٍ اللِّيثيَّ: حديث : ما كان يقرأُ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى والفطر؟ قال: كان بقرأ بـ {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} [ق: 1]، و{ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} . تفسير : 571 - أخبرنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدثنا يونسُ، قال: حدثنا فُليحٌ، عن ضمرة بن سعيدٍ، عن عُبيدِ الله (بن عبد اللهِ)، عن أبي واقدٍ اللَّيثيِّ، قال: حديث : سألني عمر عما قرأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في صلاة العيدين فقلتُ: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} وَ{قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} [ق: 1] . تفسير : قوله تعالى: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} [1] 572 - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، عن خالدٍ - وهو ابنُ الحارثِ - قال: حدثنا شعبةُ، عن سليمان، عن إبراهيم، عن أبي معمرٍ، عن عبد الله، قال: حديث : انشقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم شِقَّتَيْنِ (شِقَّةٌ) فوق الجبل وشِقَةٌ سترها الجبلُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ/ اشْهَدْ ". تفسير : 573 - أخبرنا عُبيد الله بن سعيدٍ، قال حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن عبد الله، قال:حديث : انشقَّ القمرُ على عهد رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم [شِقَّتينِ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشْهَدُوا ". تفسير : 574 - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، عن محمدٍ - وهو ابنُ ثورٍ، / عن معمرٍ [ح] وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاقِ، قال: حدثنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آيةً، فانشق القمرُ بمكة مرَّتينِ... {أية : وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} تفسير : [القمر: 2] يقول: ذاهبٌ.

همام الصنعاني

تفسير : 3056- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}: [الآية: 1]، قال: كان ابن مسعود يقول: انشقَّ القمر حتى رأيت حراء بين شقّتيه. 3057- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة عن أنس قال: سَأَلَ أهْلُ مكة النبي صلى الله عليه وسلم آيةٌ، فَانْشَقَّ الْقَمَرُ بمكة مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}: [الآيات: 1-2]، يقول: أيْ ذاهِبٌ. 3058- حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك بن حَرْبٍ، عن إبراهيم، عن الأسْوَدِ، عن عبد الله بن مَسْعُودٍ، في قوله: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}: [الآية: 1]،، قال: انشقَّ القَمَرُ حتى رأيت الجبل بين فُرْجَتَي القمر. 3059- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، ومحمد بن مسلم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن معسود قال: رأيت القمر مُنْشَقّاً شِقَّتَيْنِ مرتين بمكة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم: شقّة على أبي قبيس، وشقّة عَلَى السويداء. فقالوا: سُحِرَ القمر فنزلت: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}: [الآية: 1] يقول: كما رأيتم القمر منشقاً، فإن الذي أخبرتكم عن اقتراب الساعة حَقٌّ.