Verse. 4848 (AR)

٥٤ - ٱلْقَمَر

54 - Al-Qamar (AR)

وَاِنْ يَّرَوْا اٰيَۃً يُّعْرِضُوْا وَيَقُوْلُوْا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ۝۲
Wain yaraw ayatan yuAAridoo wayaqooloo sihrun mustamirrun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن يروْا» أي كفار قريش «آية» معجزة له صلى الله عليه وسلم «يعرضوا ويقولوا» هذا «سحر مستمر» قوي من المرة: القوة أو دائم.

2

Tafseer

الرازي

تفسير : تقديره: وبعد هذا إن يروا آية يقولوا سحر، فإنهم رأوا آيات أرضية، وآيات سماوية، ولم يؤمنوا، ولم يتركوا عنادهم، فإن يروا ما يرون بعد هذا لا يؤمنون، وفيه وجه آخر وهو أن يقال: المعنى أن عادتهم أنهم إن يروا آية يعرضوا، فلما رأوا انشقاق القمر أعرضوا لتلك العادة، وفيه مسائل: الأولى: قوله: {ءايَةً } ماذا؟ نقول آية اقتراب الساعة، فإن انشقاق القمر من آياته، وقد ردوا وكذبوا، فإن يروا غيرها أيضاً يعرضوا، أو آية الانشقاق فإنها معجزة، أما كونها معجزة ففي غاية الظهور، وأما كونها آية الساعة، فلأن منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء وانفطارها وكذلك قوله: في كل جسم سماوي من الكواكب، فإذا انشق بعضها ثبت خلاف ما يقول به، وبان جواز خراب العالم، وقال أكثر المفسرين: معناه أن من علامات قيام الساعة انشقاق القمر عن قريب، وهذا ضعيف حملهم على هذا القول ضيق المكان، وخفاء الأمر على الأذهان، وبيان ضعفه هو أن الله تعالى لو أخبر في كتابه أن القمر ينشق، وهو علامة قيام الساعة، لكان ذلك أمراً لا بد من وقوعه مثل خروج دابة الأرض، وطلوع الشمس من المغرب، فلا يكون معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن هذه الأشياء عجائب، وليست بمعجزة للنبي، لا يقال: الإخبار عنها قبل وقوعها معجزة، لأنا نقول: فحينئذ يكون هذا من قبيل الإخبار عن الغيوب، فلا يكون هو معجزة برأسه وذلك فاسد، ولا يقال: بأن ذلك كان معجزة وعلامة، فأخبر الله في الصحف والكتب السالفة أن ذلك يكون معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وتكون الساعة قريبة حينئذ، وذلك لأن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم علامة كائنة حيث قال: «حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين» تفسير : ولهذا يحكى عن سطيح أنه لما أخبر بوجود النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أمور تكون، فكان وجوده دليل أمور، وأيضاً القمر لما انشق كان انشقاقه عند استدلال النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين، وهم كانوا غافلين عما في الكتب، وأما أصحاب الكتب فلم يفتقروا إلى بيان علامة الساعة، لأنهم كانوا يقولون بها وبقربها، فهي إذن آية دالة على جواز تخريب السموات وهو العمدة الكبرى، لأن السموات إذا طويت وجوز ذلك، فالأرض ومن عليها لا يستبعد فناؤهما، إذا ثبت هذا فنقول: معنى {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } يحتمل أن يكون في العقول والأذهان، يقول: من يسمع أمراً لا يقع هذا بعيد مستبعد، وهذا وجه حسن، وإن كان بعض ضعفاء الأذهان ينكره، وذلك لأن حمله على قرب الوقوع زماناً لا إمكاناً يمكن الكافر من مجادلة فاسدة، فيقول: قال الله تعالى في زمان النبي صلى الله عليه وسلم: {ٱقْتَرَبَتِ } ويقولون بأن من قبل أيضاً في الكتب (السابقة) كان يقول: (اقترب الوعد) ثم مضى مائة سنة ولم يقع، ولا يبعد أن يمضي ألف آخر ولا يقع، ولو صح إطلاق لفظ القرب زماناً على مثل هذا لا يبقى وثوق بالإخبارات، وأيضاً قوله: {ٱقْتَرَبَتِ } لانتهاز الفرصة، والإيمان قبل أن لا يصح الإيمان، فللكافر أن يقول، إذا كان القرب بهذا المعنى فلا خوف منها، لأنها لا تدركني، ولا تدرك أولادي، ولا أولاد أولادي، وإذا كان إمكانها قريباً في العقول يكون ذلك رداً بالغاً على المشركين والفلاسفة، والله سبحانه وتعالى أول ما كلف الاعتراف بالوحدانية واليوم الآخر، وقال: اعلموا أن الحشر كائن فخالف المشرك والفلسفي، ولم يقنع بمجرد إنكار ما ورد الشرع ببيانه، ولم يقل لا يقع أو ليس بكائن، بل قال ذلك بعيد، ولم يقنع بهذا أيضاً، بل قال ذلك غير ممكن، ولم يقنع به أيضاً، بل قال فإن امتناعه ضروري، فإن مذهبهم أن إعادة المعدوم وإحياء الموتى محال بالضرورة، ولهذا قالوا: {أية : أَءذَا مِتْنَا } تفسير : [المؤمنون: 82] {أية : أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً } تفسير : [الأسراء: 49] {أية : أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [السجدة: 10] بلفظ الاستفهام بمعنى الإنكار مع ظهور الأمر، فلما استبعدوا لم يكتف الله ورسوله ببيان وقوعه، بل قال: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا } تفسير : [الحج: 7] ولم يقتصر عليه بل قال: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً } تفسير : [الأحزاب: 63] ولم يتركها حتى قال (اقتربت الساعة واقترب الوعد الحق اقترب للناس حسابهم) اقتراباً عقلياً لا يجوز أن ينكر ما يقع في زمان طرفة عين، لأنه على الله يسير، كما أن تقليب الحدقة علينا يسير، بل هو أقرب منه بكثير، والذي يقويه قول العامة: إن زمان وجود العالم زمان مديد، والباقي بالنسبة إلى الماضي شيء يسير، فلهذا قال: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ }. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين» تفسير : فمعناه لا نبي بعدي فإن زماني يمتد إلى قيام الساعة، فزماني والساعة متلاصقان كهاتين، ولا شك أن الزمان زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وما دامت أوامره نافذة فالزمان زمانه وإن كان ليس هو فيه، كما أن المكان الذي تنفذ فيه أوامر الملك مكان الملك يقال له بلاد فلان، فإن قيل: كيف يصح حمله على القرب بالمعقول مع أنه مقطوع به؟ قلت: كما صح قوله تعالى: {أية : لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً } تفسير : [الأحزاب: 63] فإن لعل للترجي والأمر عند الله معلوم، وفائدته أن قيام الساعة ممكن لا إمكاناً بعيداً عن العادات كحمل الآدمي في زماننا حملاً في غاية الثقل أو قطعة مسافة بعيدة في زمان يسير، فإن ذلك ممكن إمكاناً بعيداً، وأما تقليب الحدقة فممكن إمكاناً في غاية القرب. المسألة الثانية: الجمع الذين تكون الواو ضميرهم في قوله {يَرَوْاْ } و {يُعْرِضُواْ } غير مذكور فمن هم؟ نقول: هم معلومون وهم الكفار تقديره: وهؤلاء الكفار إن يروا آية يعرضوا. المسألة الثالثة: التنكير في الآية للتعظيم أي إن يروا آية قوية أو عظيمة يعرضوا. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } ما الفائدة فيه؟ نقول: فائدته بيان كون الآية خالية عن شوائب الشبه، وأن الاعتراف لزمهم لأنهم لم يقدروا أن يقولوا: نحن نأتي بمثلها وبيان كونهم معرضين لا إعراض معذور، فإن من يعرض إعراض مشغول بأمر مهم فلم ينظر في الآية لا يستقبح منه الإعراض مثل ما يستقبح لمن ينظر فيها إلى آخرها ويعجز عن نسبتها إلى أحد ودعوى الإتيان بمثلها، ثم يقول: هذا ليس بشيء هذا سحر لأن ما من آية إلا ويمكن المعاند أن يقول فيها هذا القول. المسألة الخامسة: ما المستمر؟ نقول: فيه وجوه أحدها: دائم فإن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يأتي كل زمان بمعجزة قولية أو فعلية أرضية أو سماوية، فقالوا: هذا سحر مستمر دائم لا يختلف بالنسبة إلى النبي عليه السلام بخلاف سحر السحرة، فإن بعضهم يقدر على أمر وأمرين وثلاثة ويعجز عن غيرها وهو قادر على الكل وثانيها: مستمر أي قوى من حبل مرير الفتل من المرة وهي الشدة وثالثها: من المرارة أي سحر مر مستبشع ورابعها: مستمر أي مار ذاهب، فإن السحر لا بقاء له.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن يَرَوْاْ } أي كفار قريش {ءايَةً } معجزة له صلى الله عليه وسلم {يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ } هذا {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } قوي من المرة :القوة أو دائم.

ابن عبد السلام

تفسير : {ءَايَةً} انشقاق القمر أو أي آية رأوها أعرضوا عنها {مُّسْتَمِرٌّ} ذاهب، أو شديد من إمرار الحبل وهو شدة فتله، أو دائم، أو استمر من الأرض إلى السماء أو يشبه بعضه بعضاً.

البقاعي

تفسير : ولما كان التقدير: فأعرض الكفار عن آية انشقاقه وقالوا: سحر، مع علمهم بأنه دال قطعاً على صدق من انشق لتصديقه، عطف عليه الإعلام بحالهم في المستقبل فطماً لمن يطلبه من المؤمنين إجابة مقترحة من مقترحاتهم رجاء إيمانهم فقال: {وإن يروا} أي فيما يأتي {آية} أي أية آية كانت {يعرضوا} أي عن الانتفاع بها كما أن أعرضوا عن هذه لما رأوها، وقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: أمهلوا حتى يجيء السفار، فإن قالوا: إنهم رأوا كما رأيتم فليست بسحر، فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر أهل الأرض كلهم، فجاء السفار وشهدوا برؤيته منشقاً، ومع ذلك فلم يؤمنوا {ويقولوا} أي على سبيل التجديد منهم والاستمرار: هذا {سحر} أي هذا الذي يأتينا به هذا الرجل من وادي الخيال الذي لا حقيقة له وهو {مستمر *} أي لأنه فارق السحر بأنه لا ينكشف في الحال لأنه محكم ثابت دائم بشموله وإحاطته بجميع الأنواع، ولذلك يتأثر عنه غاية الخوارق المتباينة الأنواع الكثيرة. ولما فطم عن التشوف إلى إجابتهم في المقترحات على ما قدرته، تسبب منهم عن الانشقاق بقوله: {وكذبوا} أي بكون الانشقاق دالاً على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وجزموا بالتكذيب عناداً أو خبثاً منهم. ولما كان التكذيب في نفسه قد يكون حقاً، قال مبيناً أنه باطل، فبين عن حالهم بقوله: {واتبعوا} أي بمعالجة فطرهم الأولى المستقيمة في دعائها إلى التصديق {أهواءهم} أي حتى نابذوا ما دلتهم عليه بعد الفطرة الأولى عقولهم، قال القشيري: إذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب، لأن الله سبحانه وتعالى يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر الرشد، واتباع الرضى مقرون بالتصديق لأن الله تعالى ببركات الاتباع للحق يفتح عين البصيرة فيأتي بالتصديق - والله الهادي. ولما كان ذلك مفظعاً لقلوب المحقين، سلاهم بالوصول إلى محط تظهر فيه الحقائق وتضمحل فيه الشقاشق، فقال عاطفاً على ما تقديره: فسيستقر أمر كل من أمر المحق والمبطل في قراره، ويطلع على دقائقه وأسراره: {وكل أمر} من أموركم وغيرها {مستقر *} أي ثابت وموجود، انتهاؤه إلى غاية تظهر فيها حقيقته من غير حيلة تصاحبه إلى رد ذلك القرار ولا خفاء على أحد، فلا بد أن ينتهي الحق من كل شيء من الآجال والهدايات والضلالات والسعادات والشقاوات وغيرها إلى نهايته فيثبت ثبوتاً لا زوال له، وينتهي الباطل مما دعاه الخلق فيه إلى غايته فيتلاشى تلاشياً لا ثبات له بوجه من الوجوه، فإذا استقرت الأمور ظهر ما لهم عليه وعلموا الخاسر من الفائز، وفي مثل هذا قال ابن عمرو التيمي أخو القعقاع في وقعة السي (؟) من بلاد العراق: شعر : والموت خيلنا لما التقينا بقارن والأمور لها انتهاء تفسير : وقرأ أبو جعفر بالجر صفة لأمر، فيكون معطوفاً على الساعة أي واقترب كل أمر مستقر أي ثابت وهو الحق أي اقترب الظهور وثباته، وذلك لا يكون إلا وقد كان خفاء الباطل وفواته. ولما حذر وبشر قال معلماً أنه محيط العلم بأمرهم من قبل الإجابه إلى شق القمر وأنه ما شقه لطمع في إيمانهم بلا للأعلام بخذلانهم مؤكداً لمن يتعلق رجاؤه بأن تواتر الآيات ربما أوجب لهم التصديق المتضمن لأن ما جاءهم ليس فيه كفاية: {ولقد جاءهم} من قبيل الانشقاق {من الأنباء} أي الأمور العظيمة المرئية، المسموعة التي تستحق لعظمتها أن يخبر بها إخباراً عظيماً سيما ما جاء في القرآن من تفصيل أصول الدين وفروعه وأخبار الأولين والآخرين والأولى والأخرى {ما فيه} خاصة {مزدجر *} أي موضع للزجر من شأنه أن يكون لهم به انزجار عظيم عما فيه من الباطل، ولكن لم يزدجر منهم إلا من أراد الله، قال القشيري: لأن الله أسبل على أبصارهم سجوف الجهل فعموا عن مواضع الرشد. ولما كان ما فيه ذلك قد لا يكون محكماً، بينه بقوله: {حكمة} عظيمة {بالغة} أي لها معظم البلوغ إلى منتهى غايات الحكمة لصحتها وطهارتها ووضوحها، ففيها مع الزجر ترجية ومواعظ وأحكام ودقائق تجل عن الوصف. ولما تسبب عنها انزجارهم، سبب عن ذلك قوله: {فما} نفياً صريحاً أو باستفهام إنكاري موبخ {تغن النذر *} الإنذارات والمنذرون والأمور المنذر بها - إنما المعني بذلك هو الله تعالى، فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، ولعل الإشارة بإسقاط يا "تغني" بإجماع المصاحف من غير موجب في اللفظ إلى أنه كما سقطت غاية أحرف الكلمة سقطت نمرة الإنذار وهو القبول. ولما كان صلى الله عليه وسلم التعلق بطلب نجاتهم، فهو لذلك ربما اشتهى إجابتهم إلى مقترحاتهم، سبب عن ذلك قوله: {فتول عنهم} أي كلف نفسك الإعراض عن ذلك فما عليك إلا البلاغ، وأما الهداية فإلى الله وحده. ولما بين اقتراب الساعة بالإجابة إلى بعض مقترحاتهم القائمة مقامها كلها بدلالته على القدرة عليها، وأتبع ذلك الفطم عن طلب الإجابة إلى شيء فيها لأنها لا تغني شيئاً، تطلعت النفوس الكاملة إلى وصف الساعة فأجاب عن ذلك على سبيل الاستئناف بذكر ظرفها وذكر... ما يقع فيه من الأهوال، فقال معلقاً بما تقديره: الساعة كائنة على وجه الاقتراب الشديد: {يوم يدع} ويجوز - والله أعلم - أن يكون الناصب له {تول} لأنهم لما أعرضوا حين دعاهم كان جزاءهم أن يعرض عنهم يوم حاجتهم إليه لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه قيل بعد أن عد القيامة أمراً محققاً لا يأتي النزاع فيه: تول عنهم في ذلك اليوم العبوس الذي أنت فيه الشافع المقبول... واتركهم لأهواله ودواهيه، فقد بان الخاسر فتوليهم إنما يضرهم، لأن توليهم عنك لا يضرك شيئاً أصلاً، وتوليك عنهم يضرهم ضرراً ما بعدهم ضرر - والله أعلم، وحذف واو "يدعو" للرسم بإجماع المصاحف من غير موجب لأن المقام لبيان اقترابها، فكأنه إشارة إلى كونها بأدنى دعاء، وأيضاً ففي حذفه تشبيه للخبر بالأمر إشارة إلى أن هذا الدعاء لا بد على أن يكون على أعظم وجه وأتقنه وأهوله وأمكنه كما يكون كل مأمور من الأمر المطاع، والوقف على هذا وأمثاله بغير واو لجميع القراء موافقة للرسم لأن القاعدة أن ما كان فيها رواية أتبعت وإن خالفت الرسم أو الأصل، وما لم يرد فيه عن أحد منهم رواية اتبع فيه الرسم وإن خولف الأصل، لأن التخفيف معهود في كلام العرب كالوال والمتعال من أسمائه الحسنى، لكن قال علامة القراءات شمس الدين الجزري في كتابه المسمى بالنشر في هذه الأحرف الأربعة: هذا و {يدع الإنسان} في سبحان و {يمح الله الباطل} في شورى و {سندع الزبانية} في العلق: نص الحافظ أبو عمرو الداني عن يعقوب على الوقف عليها بالواو على الأصل، ثم قال: قلت: وهو من انفراده، وقد قرأت به من طريقه {الداع} أي النفخ في الصور {إلى شيء نكر *} عظيم الوصف في النكارة بما تكرهه النفوس فتوجل منه القلوب لأنه لا شيء منه إلا وهو خارج عما تقدمه من العادة. ولما بين دعاءه بما هال أمره، بين حال المدعوين زيادة في الهول فقال: {خشعاً أبصارهم} أي ينظرون نظرة الخاضع الذليل السافل المنزلة المستوحش الذي هو بشر حال، ونسب الخشوع إلى الأبصار لأن العز والذل يتبين من النظر فإن الذل أن يرمي به صاحبه إلى الأرض مثلاً مع هيئة يعرف منها ذلك كما قال تعالى: {خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي} وإفراده في قراءة أبي عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي على أن الخشوع بلغ في النهاية من الشدة ونسبته إلى كل بصر على حد سواء، وجمع على لغة "أكلوني البراغيث" تفي قراءة الباقين بضم الخاء وتشديد الشين مفتوحة أو مستنداً المدعوين، والإبصار يدل بعض الإشارة إلى أن كل ذلك موزع على الأبصار. ولما بين من حالهم هكذا ما يدل على نكارة ذلك اليوم، بين كيفية خروجهم بياناً لما يلزم من تصوره زيادة الذعر فقال: {يخرجون} أي على سبيل التجدد الأشرف فالأشرف {من الأجداث} أي القبور المهيأة لسماع النفخ في الصور {كأنهم} في كثرتهم وتراكم بعضهم على بعض من كبيرهم وصغيرهم وضعيفهم وقويهم {جراد منتشر *} أي منبث متفرق حيران مطاوع لمن نشره بعدما كان فيه من سكون مختلط بعضه ببعض، لا جهة له في الحقيقة يقصدها لو خلى ونفسه.

القشيري

تفسير : يعني أن أهل مكة إذا رأوا آية من الآيات أعرضوا عن النظر فيها، ولو نظروا لحصل لهم العلمُ واجباً. {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}: أي دائمٌ قويٌّ شديد... ويقال إنهم قالوا: هذا ذاهب لا تبقى مدته فاستمر: أي ذهب. {وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ}: التكذيب واتباع الهوى قريبان؛ فإِذا حَصَل اتباعُ الهوى فمِنْ شُؤْمِه يحصل التكذيب؛ لأنَّ اللَّهَ يُلَبِّس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر الرشد. أما اتباع الرضا فمقرونٌ بالتصديق؛ لأنَّ اللَّهَ ببركاتِ اتباع الحقِّ يفتح عينَ البصيرة فيحصل التصديقِ. وكلُّ امرىءٍ جَرَتْ له القِسْمةُ والتقدير فلا محالةَ. يستقر له حصولُ ما قُسِمَ وقدِّر له. {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ}: يستقر عملُ المؤمنِ فتُوجَبُ له الجنة، ويستقر عملُ الكافرِ فَيُجَّازَى.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان يروا} يعنى قريشا {آية} من آيات الله دالة على قدرته وصدق نبوة حبيبه عليه السلام مثل انشقاق القمر ونظائره ومعنى تسمية ماجاءت به الانبياء معجزة هو ان الخلق عجزوا عن الاتيان بمثلها {يعرضوا} عن التأمل فيها ليقفوا على حقيقتها وعلو طبقتها فيؤمنوا {ويقولوا} هذا {سحر مستمر} مطرد دآئم يأتى به محمد عليه السلام على ممر الزمان لايكاد يختلف بحال كسائر انواع السحر فالاستمرار بمعنى الاطراد يقال اطرد الشىء تبع بعضه بعضا وجرى وهو يدل على انهم رأوا قبله آيات اخرى مترادفة حتى قالوا ذلك وفيه تأييد ان انشقاق القمر قد وقع لا انه سينشق يوم القيامة كما قاله بعضهم وذلك لانه لو لم يكن الانشقاق من جنس الآيات لم يكن ذكر هذا القول مناسبا للمقام او مطردا بالنسبة الى جميع الاشخاص والبلاد حيث رأوه منشقا وقال بعضهم آن جاد وبيست دائم ورونده از زمين تا بآسمان، ويجوز أن يكون مستمر من المرة بالكسر بمعنى القوة امررته فاستمر اذا حكمته فاستحكم فالاستمرار بمعنى الاستحكام اى قوى مستحكم لايمكن ازالته او قوى شديد يعلو كل سحر وقيل مستمر ذاهب يزول ولايبقى عن قريب تمنية لأنفسهم وتعليلا فهو من المرور

الجنابذي

تفسير : {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً} الجملة حاليّة والمعنى اقتربت السّاعة وظهر امارتها وينبغى ان يتذكّروا ويتوبوا وينيبوا ويتنبّهوا بكلّ شيءٍ والحال انّهم مع ذلك ان يروا آية من آيات السّاعة مثل بياض شعر الرّأس واللّحية وسقوط الاسنان وضعف نور البصر وقلّة شهوة الطّعام والسّفاد ورخاوة الاعصاب والامراض الواردة وفوت الجيران والاقران، او آية من آيات قدرة الله وعلمه وحكمته، او آية من آياته العظمى، او آية معجزة لهم عن الاتيان بمثلها {يُعْرِضُواْ} عنها {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} قوىّ يعلو كلّ سحرٍ، وقيل: سحر ذاهب باطلٌ، او سحر مستمرّ من الازمان السّابقة.

الهواري

تفسير : قال تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً} يعني المشركين {يُعْرِضُواْ} أي: عنها. {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} أي: ذاهب. وذلك قولهم: (أية : فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ)تفسير : [الأنبياء:5]. قال عزّ وجلّ: {وَكَذَّبُواْ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} أي: لأهله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. قال تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الأَنبَآءِ} أي: من الأخبار، أخبار الأمم السالفة حين كذبوا رسلهم فأهلكم الله {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي: عمَّا هم عليه من الشرك ومن التكذيب. قال تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} أي: القرآن {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} أي عمن لم يؤمن. كقوله: (أية : وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤمِنُونَ) تفسير : [يونس:101]. قال تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِ} أي: صاحب الصور {إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ} أي: إلى شيء عظيم. {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ} أي: فتولَّ عنهم في الدنيا فستراهم يوم القيامة خشعاً أبصارهم: أي ذليلة أبصارهم. وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم. {يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ} أي: من القبور {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} شبههم بالجراد إذا أدركه الليل لزم الأرض، فإذا أصبح وطلعت الشمس انتشر.

اطفيش

تفسير : {وإنْ يَروا آيةً يُعْرضوا} عن الايمان بها، والنكرة فى سياق الشرط تعم كما بعد النفى، فهم يعرضون عن كل آية مَّا من الآيات بعد انشقاق القمر {ويقُولوا سِحْر} هذا الذى تدعى أنه آية سحر، وهو القرآن، لأنه لا يزال ينزل عليه حتى يتم، ولذلك قال: {مُسْتمرّ} دائم وكذلك إن جعلنا الاشارة الى جنس ما يقول صلى الله عليه وسلم انه آية، وان كانت الاشارة الى أمر مخصوص يأتى صلى الله عليه وسلم به، فمعنى استمراره اطراد مثله منه، أو يشبه بعضه بعضا فى التخيل، ويجوز أن يكون مطاوع مره يمره بمعنى أحكمه كما قال: مررت الحبل أى أحكمته، فكان اسم فاعل لازما بمعنى قوى، لأن ثلاثيه متعد لواحد، ومن فسره بمحكم فقد فسره بالمعنى. وقال الكسائى والقراء: معناه ذاهب، أى ذهابا عظيما عن قريب، فالاستفعال للمبالغة، منوا أنفسهم بذهابه "أية : ويأبى الله إلاَّ أنْ يتم نوره ولو كره الكافرون" تفسير : [التوبة: 32] وكذا قيل: مستمر، شديد المرارة ضد الحلاوة، أى تكرهه عقولهم من مر اللازم بمعنى ضد حلا، والوجهان الأولان أنسب بحالهم، ولا يصح أن يقال: مستمر ذاهب الى جهة السماء، حتى بلغ القمر، وأثر فيه لبعده عن ظاهر الآية، ويحتاج الى تكلف لأن آية عام لكونه بعد أداة الشرط، وشق القمر خاص، وشقه قد وقع لا يلائم الشرط.

الالوسي

تفسير : وكذا قوله تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ } فإنه يقتضي أن الانشقاق آية رأوها وأعرضوا عنها، وزعم بعضهم أن انشقاق القمر عبارة عن انشقاق الظلمة عند طلوعه وهذا كما يسمى الصبح فلقاً عند انفلاق الظلمة عنه وقد يعبر عن الانفلاق بالانشقاق كما في قول النابغة: شعر : فلما أدبروا ولهم دوي دعانا عند شق الصبح داعي تفسير : وزعم آخر أن معنى انشق القمر وضح الأمر وظهر وكلا الزعمين مما لا يعول عليه ولا يلتفت إليه ولا أظن الداعي إليهما عند من يقرّ بالساعة التي هي أعظم من الانشقاق ويعترف بالعقائد الإسلامية التي وقع عليها الاتفاق سوى عدم ثبوت الأخبار في وقوع ذلك على عهده عليه الصلاة والسلام عنده؛ ومنشأ ذلك القصور التام والتمسك بشبه هي على طرف الثمام، ومع هذا لا يكفر المنكر بناءاً على عدم الاتفاق على تواتر ذلك وعدم كون الآية نصاً فيه، والإخراج من الدين أمر عظيم فيحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره والله تعالى الموفق. والظاهر أن المراد باقتراب الساعة القرب الشديد الزماني، وكل آت قريب، وزمان العالم مديد، والباقي بالنسبة إلى الماضي شيء يسير. ومال الإمام إلى أن المراد به قربها في العقول والأذهان، وحاصله أنها ممكنة إمكاناً قريباً لا ينبغي لأحد إنكارها، واستعمال الاقتراب مع أنه أمر مقطوع به كاستعمال لعل في قوله تعالى: { أية : لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً } تفسير : [الأحزاب: 63] مع أن الأمر معلوم عند الله تعالى وانشقاق القمر آية ظاهرة على هذا القرب، وعلى الأول قيل: هو آية لأصل الإمكان الذي يقتضيه قرب الوقوع، وقيل: هو آية لقرب الوقوع ومعجزة للنبـي صلى الله عليه وسلم باعتبار أن الله تعالى مخبر في كتبه السالفة بأنه إذا قربت الساعة انشق القمر معجزة وكلاهما كما ترى، واختار بعضهم أنه آية لصدق النبـي عليه الصلاة والسلام في جميع ما يقول ويبلغ ربه سبحانه لأنه معجزة له صلى الله عليه وسلم ومنه دعوى الرسالة والإخبار باقتراب الساعة وغير ذلك، و {ءايَةً } نكرة في سياق الشرط فتعم، فالمعنى: وإن يروا كل آية يعرضوا عن التأمل فيها ليقفوا على وجه دلالتها وعلو طبقتها. {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ } أي هذا أو هو أي ما نراه سحر {مُّسْتَمِرٌّ } أي مطرد دائم يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم على مر الزمان وهو ظاهر في ترادف الآيات وتتابع المعجزات. وقال أبو العالية والضحاك: {مُّسْتَمِرٌّ } محكم موثق من المرة - بالفتح أو الكسر - بمعنى القوة وهو في الأصل مصدر مررت الحبل مرة إذا فتلته فتلاً محكماً فأريد به مطلق المحكم مجازاً مرسلاً، وقال أنس ويمان ومجاهد والكسائي والفراء واختاره النحاس مستمر أي مارّ ذاهب زائل عن قريب عللوا بذلك أنفسهم ومنوها بالأماني الفارغة كأنهم قالوا: إن حاله عليه الصلاة والسلام وما ظهر من معجزاته سبحانه: شعر : سحابة صيف عن قريب تقشع { أية : وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [التوبة: 32] وقيل: {مُّسْتَمِرٌّ } مشتدّ المرارة أي مستبشع عندنا منفور عنه لشدة مرارته يقال: مرّ الشيء وأمرّ إذا صار مرّاً وأمرّ غيره ومرّه يكون لازماً ومتعدياً، وقيل: {مُّسْتَمِرٌّ } يشبه بعضه بعضاً أي استمرت أفعاله على هذا الوجه من التخييلات، وقيل: {مُّسْتَمِرٌّ } مار من الأرض إلى السماء أي بلغ من سحره أنه سحر القمر وهذا ليس بشيء، ولعل الأنسب / بغلوهم في العناد والمكابرة ما روي عن أنس ومن معه. وقرىء ـ وإن يُروا ـ بالبناء للمفعول من الإراءة.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون تذييلاً للإِخبار بانشقاق القمر فيكون المراد بــــ {آية} في قوله: {وإن يروا آية} القمرَ. فقد جاء في بعض الآثار: أن المشركين لما رأوا انشقاق القمر قالوا: «هذا سحر محمد بن أبي كبشة» وفي رواية قالوا: «قد سَحَر محمد القمر»، ويجوز أن يكون كلاماً مستأنفاً من ذكر أحوال تكذيبهم ومكابرتهم وعلى كلا الوجهين فإن وقوع {آية}، وهو نكرة في سياق الشرط يفيد العموم. وجيء بهذا الخبر في صورة الشرط للدلالة على أن هذا ديدنهم ودأبهم. وضمير {يروا} عائد إلى غير مذكور في الكلام دال عليه المقام وهم المشركون، كما جاء في مواضع كثيرة من القرآن، مع أن قصة انشقاق القمر وطعنهم فيها مشهور يومئذٍ معروفة أصحابه، فهم مستمرون عليه كلما رأوا آية على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم. ووصف {مستمر} يجوز أن يكون مشتقاً من فعل مَرّ الذي هو مجاز في الزوال والسين والتاء للتقوية في الفعل، أي لا يبقى القمر منشقاً. ويجوز أن يكون مشتقاً من المِرة بكسر الميم، أي القوة، والسين والتاء للطلب، أي طلب لفعله مِرّة، أي قوة، أي تمكناً. والمعنى: هذا سحر معروف متكرر، أي معهود منه مثله.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ}تفسير : [الأنعام: 7] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَةً} (2) - وَإِذَا رَأَى هؤُلاءِ المُكَذِّبونُ حُجَّةً وَدَلِيلاً عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِكَ، أَعْرَضُوا عَنْها مُكَذِّبينَ بِها، وَقَالُوا: هذا الذِي رَأَيْنَاهُ هُوَ سِحرٌ سَحَرنَا بِهِ مُحَمَّدٌ، وَهُوَ يَفْعَلُ ذلِكَ السِّحرَ عَلَى مَرِّ الأَيَّامِ. مُسْتَمِرٌّ - دَائِمٌ أَوْ مُحْكَمٌ.