Verse. 489 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا فِي الْبِلَادِ۝۱۹۶ۭ
La yaghurrannaka taqallubu allatheena kafaroo fee albiladi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما قال المسلمون: أعداء الله فيما نري من الخير ونحن في الجهد: «لا يغرنك تقلُّب الذين كفروا» تصرُّفهم «في البلاد» بالتجارة والكسب.

196

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما وعد المؤمنين بالثواب العظيم، وكانوا في الدنيا في نهاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في النعم، ذكر الله تعالى هذه الآية ما يسليهم ويصبرهم على تلك الشدة، فقال: {لاَ يَغُرَّنَّكَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا أن الغرور مصدر قولك: غررت الرجل بما يستحسنه في الظاهر ثم يجده عند التفتيش على خلاف ما يحبه، فيقول: غرني ظاهره أي قبلته على غفلة عن امتحانه، وتقول العرب في الثوب إذا نشر ثم أعيد إلى طيه: رددته على غرة. المسألة الثانية: المخاطب في قوله: {لاَ يَغُرَّنَّكَ } من هو؟ فيه قولان: الأول: أنه الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن المراد هو الأمة. قال قتادة: والله ما غروا نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله، والخطاب وإن كان له إلا أن المراد غيره، ويمكن أن يقال: السبب لعدم إغرار الرسول عليه السلام بذلك هو تواتر هذه الآيات عليه، كما قال: {أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً }تفسير : [الإسراء: 74] فسقط قول قتادة، ونظيره قوله: {أية : وَلاَ تكن مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [هود: 42] {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } تفسير : [الأنعام: 14] {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذّبِينَ } تفسير : [القلم: 8] والثاني: وهو أن هذا خطاب لكل من سمعه من المكلفين، كأنه قيل: لا يغرنك أيها السامع: المسألة الثالثة: تقلب الذين كفروا في البلاد، فيه وجهان: الأول: نزلت في مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية. والثاني: قال الفراء: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت هذه الآية، والمراد بتقلب الذين كفروا في البلاد، تصرفهم في التجارات والمكاسب، أي لا يغرنكم أمنهم على أنفسهم وتصرفهم في البلاد كيف شاؤا، وأنتم معاشر المؤمنين خائفون محضورون، فان ذلك لا يبقى إلا مدة قليلة ثم ينتقلون إلى أشد العذاب. ثم قال تعالى: {مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ } قيل: أي تقلبهم متاع قليل، وقال الفراء: ذلك متاع قليل، وقال الزجاج: ذلك الكسب والربح متاع قليل، وإنما وصفه الله تعالى بالقلة لأن نعيم الدنيا مشوب بالآفات والحسرات، ثم إنه بالعاقبة ينقطع وينقضي، وكيف لا يكون قليلا وقد كان معدوما من الأزل إلى الآن، وسيصير معدوما من الأزل إلى الأبد، فاذا قابلت زمان الوجود بما مضى وما يأتي وهو الأزل والأبد، كان أقل من أن يجوز وصفه بأنه قليل. ثم قال تعالى: {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } يعني أنه مع قلته يسبب الوقوع في نار جهنم أبد الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة، وهو كقوله: {أية : إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } تفسير : [آل عمران: 178] وقوله: {أية : وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } تفسير : [الأعراف: 183]. ثم قال: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } أي الفراش، والدليل على أنه بئس المهاد قوله تعالى: {أية : لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ }تفسير : [الزمر: 16] فهم بين أطباق النيران، ومن فوقهم غواش يأكلون النار ويشربون النار.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه من النعمة والغبطة والسرور، فعما قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجاً، وجميع ما هم فيه {مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} وهذه الآية كقوله تعالى: { أية : مَا يُجَـٰدِلُ فِىۤ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ }تفسير : [غافر: 4]، وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَـٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }تفسير : [يونس: 69 ـ 70]، وقال تعالى: {أية : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } تفسير : [لقمان: 24] وقال تعالى: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} تفسير : [الطارق: 17] أي: قليلاً، وقال تعالى: {أية : أَفَمَن وَعَدْنَـٰهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ}تفسير : [القصص: 61] وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا، وذكر أن مآلهم إلى النار، قال بعده: {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلاٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}. وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا أبو طاهر سهل بن عبدالله، أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سعيد بن يحيى، أنبأنا عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما سموا الأبرار؛ لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق»تفسير : كذا رواه ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن جناب، حدثنا عيسى بن يونس عن عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، قال: إنما سماهم الله أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقاً، كذلك لولدك عليك حق، وهذا أشبه، والله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، عن رجل، عن الحسن، قال: الأبرار الذين لا يؤذون الذر. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن خيثمة عن الأسود، قال: قال عبد الله، يعني: ابن مسعود: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا الموت خير لها، لئن كان براً لقد قال الله تعالى: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}. وكذا رواه عبد الرزاق عن الأعمش عن الثوري به، وقرأ: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}تفسير : [آل عمران: 178]. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا ابن أبي جعفر عن فرج بن فضالة، عن لقمان، عن أبي الدرداء: أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} ويقول: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}تفسير : [آل عمران: 178].

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما قال المسلمون: أعداء الله فيما نرى من الخير ونحن في الجهد {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تصرّفهم {فِى ٱلْبِلَٰدِ } بالتجارة والكسب.

الشوكاني

تفسير : قوله: {لاَ يَغُرَّنَّكَ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمراد: تثبيته على ما هو عليه، كقوله تعالى: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ } تفسير : [النساء: 136] أو خطاب لكل أحد، وهذه الآية متضمنة لقبح حال الكفار بعد ذكر حسن حال المؤمنين؛ والمعنى: لا يغرنك ما هم فيه من تقلبهم في البلاد بالأسفار للتجارة التي يتوسعون بها في معاشهم، فهو متاع قليل يتمتعون به في هذه الدار، ثم مصيرهم إلى جهنم، فقوله: {مَتَـٰعٌ } خبر مبتدأ محذوف، أي: هو متاع قليل لا اعتداد به بالنسبة إلى ثواب الله سبحانه {وَمَأْوَاهُمُ } أي: ما يأوون إليه. والتقلب في البلاد: الاضطراب في الأسفار إلى الأمكنة، ومثله قوله تعالى: {أية : فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ }تفسير : [غافر: 4] والمتاع ما يعجل الانتفاع به، وسماه قليلاً؛ لأنه فانٍ وكل فانٍ، وإن كان كثيراً، فهو قليل. وقوله: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } ما مهدوا لأنفسهم في جهنم بكفرهم، أو ما مهد الله لهم من النار، فالمخصوص بالذم محذوف، وهو هذا المقدّر. قوله: {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ } هو استدراك مما تقدّمه؛ لأن معناه معنى النفي كأنه قال: ليس لهم في تقلبهم في البلاد كثير انتفاع {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } لهم الانتفاع الكثير، والخلد الدائم. وقرأ يزيد بن القعقاع "لكن" بتشديد النون. قوله: {نُزُلاً } مصدر مؤكد عند البصريين، كما تقدّم في {ثواباً} وعند الكسائي، والفراء مثل ما قالا في {ثواباً}، والنزل ما يهيأ للنزيل، والجمع أنزال، قال الهروي: {نُزُلاٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } أي: ثواباً من عند الله {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } مما أعدّه لمن أطاعه {خَيْرٌ لّلأبْرَارِ } مما يحصل للكفار من الربح في الأسفار فإنه متاع قليل عن قريب يزول. قوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } هذه الجملة سيقت لبيان أن بعض أهل الكتاب لهم حظّ من الدين، وليسوا كسائرهم في فضائحهم التي حكاها الله عنهم فيما سبق، وفيما سيأتي، فإن هذا البعض يجمعون بين الإيمان بالله، وبما أنزل الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزله على أنبيائهم حال كونهم {خَـٰشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ } أي: يستبدلون {بآيات الله ثمناً قليلاً} بالتحريف، والتبديل، كما يفعله سائرهم، بل يحكون كتب الله سبحانه، كما هي، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى هذه الطائفة الصالحة من أهل الكتاب من حيث اتصافهم بهذه الصفات الحميدة {لَهُمْ أَجْرُهُمْ } الذي وعد الله سبحانه به بقوله: {أية : أُوْلَـئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } تفسير : [القصص: 54] وتقديم الخبر يفيد اختصاص ذلك الأجر بهم. وقوله: {عِندَ رَبّهِمْ } في محل نصب على الحال. قوله: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ } الخ. هذه الآية العاشرة من قوله سبحانه: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ }تفسير : [البقرة: 164، آل عمران: 190] ختم بها هذه السورة لما اشتملت عليه من الوصايا التي جمعت خير الدنيا، والآخرة، فحض على الصبر على الطاعات، والشهوات، والصبر: الحبس، وقد تقدم تحقيق معناه. والمصابرة: مصابرة الأعداء، قاله الجمهور: أي: غالبوهم في الصبر على الشدائد الحرب، وخص المصابرة بالذكر بعد أن ذكر الصبر لكونها أشدّ منه، وأشقّ. وقيل: المعنى: صابروا على الصلوات، وقيل صابروا الأنفس عن شهواتها. وقيل: صابروا الوعد الذي وعدتم، ولا تيأسوا، والقول الأول هو المعنى العربي، ومنه قول عنترة:شعر : فَلَمْ أرَ حيّاً صَابَروا مِثْل صَبَرْنا وَلا كَافَحوا مِثْلَ الذين نُكَافِحُ تفسير : أي: صابروا العدّو في الحرب. قوله: {وَرَابِطُواْ } أي: أقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها، كما يربطها أعداؤكم وهذا قول جمهور المفسرين. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، وسيأتي ذكر من خرج عنه هذا، والرباط اللغوي هو الأوّل، ولا ينافيه تسميته صلى الله عليه وسلم، لغيره رباطاً، كما سيأتي. ويمكن إطلاق الرباط على المعنى الأول، وعلى انتظار الصلاة. قال الخليل: الرباط ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة، هكذا قال، وهو من أئمة اللغة. وحكى ابن فارس عن الشيباني أنه قال: يقال ماء مترابط دائم لا يبرح، وهو يقتضي تعدية الرباط إلى غير ارتباط الخيل في الثغور. قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فلا تخالفوا ما شرعه لكم {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي: تكونون من جملة الفائزين بكل مطلوب، وهم: المفلحون. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن عكرمة في قوله: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تقلب ليلهم، ونهارهم وما يجري عليهم من النعم، قال عكرمة: قال ابن عباس، وبئس المهاد، أي: بئس المنزل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {أية : تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ } تفسير : [غافر: 4] قال ضربهم في البلاد. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري في الأدب المفرد، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر في قوله: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لّلابْرَارِ } قال: إنما سماهم الله أبراراً؛ لأنهم بروا الآباء، والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حقاً. وأخرجه ابن مردويه، عنه مرفوعاً، والأول أصح قاله السيوطي. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد: {خَيْرٌ لّلأبْرَارِ } لمن يطيع الله. وأخرج النسائي، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أنس قال: لما مات النجاشي قال صلى الله عليه وسلم: حديث : صلوا عليه، تفسير : قالوا: يا رسول الله نصلي على عبد حبشي؟ فأنزل الله {وَإِن مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } الآية. وأخرج ابن جرير، عن جابر مرفوعاً أن المنافقين قالوا: انظروا إلى هذا - يعني النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على علج نصراني، فنزلت. وأخرج الحاكم وصححه، عن عبد الله بن الزبير أنها نزلت في النجاشي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: هم مسلمة أهل الكتاب من اليهود والنصارى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد، والذين اتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المبارك، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ما قدّمنا ذكره. وأخرج ابن مردويه عنه عن أبي هريرة قال: أما إنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلوات في مواقيتها ثم يذكرون الله فيها. وقد ثبت في الصحيح وغيره من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: اصبروا على دينكم، وصابروا، الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوي، وعدوكم. وقد روي من تفاسير السلف غير هذا في سر الصبر على نوع من أنواع الطاعات، والمصابرة على نوع آخر، ولا تقوم بذلك حجة، فالواجب الرجوع إلى المدلول اللغوي، وقد قدّمناه. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الرباط، وفيها التصريح بأنه الرباط في سبيل الله، وهو يردّ ما قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ندب إلى الرباط في سبيل الله، وهو الجهاد، فيحمل ما في الآية عليه، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه سمى حراسة جيش المسلمين رباطاً، فأخرج الطبراني في الأوسط بسند جيد عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر المرابط، فقال: "حديث : من رابط ليلة حارساً من وراء المسلمين كان له أجر من خلفه ممن صام وصلى"تفسير : . وقد ورد في فضل هذه العشر الآيات التي في آخر هذه السورة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أخرجه ابن السني، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي هريرة: «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة»تفسير : . وفي إسناده مظاهر بن أسلم، وهو ضعيف. وقد تقدم من حديث ابن عباس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه العشر الآيات لما استيقظ. وكذلك تقدم في غير الصحيحين من رواية صفوان بن المعطل عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج الدارمي عن عثمان بن عفان قال: «من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة».

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ} فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليه الاغترار فكيف خوطب بهذا، فعنه جوابان: أحدهما: أن الله عز وجل إنما قال له ذلك تأديباً وتحذيراً. والثاني: أنه خطاب لكل من سمعه، فكأنه قال: لا يغرنك أيها السامع تقلب الذين كفروا في البلاد. وفي تقلبهم قولان: أحدهما: يعني تقلبهم في نعيم البلاد. والثاني: تقلبهم غير مأخوذين بذنوبهم.

ابن عطية

تفسير : نزلت {لا يغرنك} في هذه الآية، منزلة: لا تظن أن حال الكفار حسنة فتهتم لذلك، وذلك أن المغتر فارح بالشىء الذي يغتر به، فالكفار مغترون بتقلبهم والمؤمنون مهتمون به، لكنه ربما يقع في نفس مؤمن أن هذا الإملاء للكفار إنما هو لخير لهم، فيجيء هذا جنوحاً إلى حالهم ونوعاً من الاغترار فلذلك حسنت {لا يغرنك} ونظيره قول عمر لحفصة: لا يغرنك إن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعنى: لا تغتري بما يتم لتلك من الإدلال فتقعي فيه فيطلقك النبي صلى الله عليه وسلم، والخطاب للنبي عليه السلام، والمراد أمته وللكفار في ذلك حظ، أي لا يغرنكم تقلبهم، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب: "لا يغرنْك" بسكون النون خفيفة، وكذلك "لا يصدنك ولا يصدنكم ولا يغرنكم" - وشبهه، و"التقلب": التصرف في التجارات والأرباح والحروب وسائر الأعمال، ثم أخبر تعالى عن قلة ذلك المتاع، لأنه منقض صائر إلى ذل وقل وعذاب. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع::"لكنّ الذين"، بشد النون، وعلى أن {الذين} في موضع نصب اسماً لـ"لكنّ"، و {نزلاً}: معناه تكرمة، ونصبه على المصدر المؤكد، وقرأ الحسن: "نزْلاً" ساكنة الزاي، وقوله تعالى: {وما عند الله خير للأبرار} يحتمل أن يريد: خير مما هؤلاء فيه من التقلب والتنعم، ويحتمل أن يريد: خير مما هم فيه في الدنيا، وإلى هذا ذهب ابن مسعود فإنه قال: ما من مؤمن ولا كافر إلا والموت خير له، أما الكافر فلئلا يزداد إثماً، وأما المؤمن فلأن ما عند الله خير للأبرار. قال أبو محمد: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر تفسير : ، فقال القاضي ابن الطيب: هذا هو بالإضافة إلى ما يصير إليه كل واحد منهما في الآخرة، فالدنيا على المؤمن المنعم سجن بالإضافة إلى الجنة، والدنيا للكافر الفقير المضيق عليه في حاله صحته جنة بالإضافة إلى جهنم، وقيل: المعنى أنها سجن المؤمن لأنها موضع تبعه في الطاعات وصومه وقيامه، فهو فيها كالمعنت المنكل، وينتظر الثواب في الأخرى التي هي جنته، والدنيا جنة الكافر، لأنها موضع ثوابه على ما عسى أن يعمل من خير، وليس ينتظر في الآخرة ثواباً، فهذه جنته، وهذا القول عندي كالتفسير والشرح للأول.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا يَغُرَّنَّكَ} تأديباً له وتحذيراً، أو هو خطاب لكل من سمعه أي لا يغرنك أيها السامع. {تَقَلُّبُ} تقلبهم في نعم البلاد، أو تقلبهم غير مأخوذين.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} نزلت في المشركين وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير ونحن في الجهد فأنزل الله تعالى هذه الآية لا يغرنك الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره من الأمة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يغتر قط والمعنى لا يغرنك أيها السامع تقلب الذين كفروا في البلاد يعني ضربهم في الأرض وتصرفهم في البلاد للتجارات وطلب الأرباح والمكاسب {متاع قليل} أي ذلك متاع قليل وبلغة فانية ونعمة زائلة {ثم مأواهم} يعني مصيرهم في الآخرة {جهنم وبئس المهاد} أي وبئس الفراش هي: قوله تعالى: {لكن الذين اتقوا ربهم} فيما أمرهم به من العمل بطاعته واتباع مرضاته واجتناب ما نهاهم عنه من معاصيه {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً} أي جزاء وثواباً والنزل ما يهيأ للضيف عند قدومه {من عند الله} يعني من فضل الله وكرمه وإحسانه {وما عند الله} يعني من الخير والكرامة والنعيم الدائم الذي لا ينقطع {خير للأبرار} يعني ذلك الفضل والنعمة التي أعدها الله للمطيعين الأبرار خير مما يتقلّب فيه هؤلاء الكفار من نعيم الدنيا ومتاعها فإنه قليل زائل (ق) عن عمر بن الخطاب قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو في مشربة وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وعند رجليه قرظ مصبور وعند رأسه أهب معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال: ما يبكيك؟ قلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هم وأنت رسول الله فقال أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة. لفظ البخاري المشربة الغرفة والعلية والمشارب العلالي.

ابن عادل

تفسير : الغرور: مصدر قولك: غَرَرْت الرجل بما يستحسنه في الظاهر، ثم يجده - عند التفتيش - على خلاف ما يجب. نزلت في المشركينَ، وذلك أنهم كانوا في رخاءٍ ولينٍ من العيش وتنعم، فقال بعض المؤمنينَ: إنَّ أعداءَ اللَّهِ فيما نرى من الخير، ونحن في الجَهْد، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في ضَرْبهم "فِي الْبِلادِ" وتصرُّفهم في الأرض للتجارات وأنواع المكاسب. فالخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمرادُ منه غيره. قال قتادةُ: واللَّهِ ما غروا نبيَّ اللَّه قط، حتى قبضه اللَّهُ تَعَالَى، ويمكن أنْ يقالَ: سبب عدم إغراره هو تواتُر الآيات عليه، لقوله: {أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} تفسير : [الإسراء: 74] فسقط قولُ قتادةَ. قوله: "مَتَاعٌ" خبر مبتدأ محذوف، دَلَّ عليه الكلام، تقديره: تقلبهم، أو تصرفهم متاع قليل. والمخصوص بالذم محذوف، أي: بئس المهاد جهنم. ومعنى "مَتَاعٌ قَلِيلٌ" أي: بُلْغة فانية، ومُتْعة زائلة. وإنما وصفه بالقِلَّة؛ لأن نعيم الدنيا مشوب بالآفات ثم ينقطع، وكيف لا يكون قليلاً وقد كان معدوماً من الأزل إلى الآن، وسيصير معدوماً من الأزل وإلى الأبد فإذا قابلت زمان الوجود بما مضى وما يأتي - وهو الأزل والأبد - كان أقل من أن يجوز وصفه بأنه قليل ثُمّ قال بعده: {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} يعني أنه مع قلته يؤول إلى المَضَرَّة العظيمةِ، ومثل ها لا يُعَدُّ نِعْمَةً.

البقاعي

تفسير : ولما كانت هذه المواعدة آجلة، وكان نظرهم إلى ما فيه الكفار من عاجل السعة ربما أثر في بعض النفوس أثراً يقدح في الإيمان بالغيب الذي هو شرط قبول الإيمان؛ داواه سبحانه بأن تلا تبشير المجاهدين بإنذار الكفار المنافقين والمصارحين الذين أملى لهم بخذلانهم المؤمنين بالرجوع عن قتال أحد وغيره من أسباب الإملاء على وجه يصدق ما تقدم أول السورة من الوعد بأنهم سيغلبون، وأن أموالهم إنما هي صورة، لا حقائق لها، عطفاً لآخرها على أولها، وتأكيداً لاستجابة دعاء أوليائه آخر التي قبلها بقوله مخاطباً لأشرف عباده، والمراد من يمكن ذلك عادة فيه، لأن خطاب الرئيس أمكن في خطاب الأتباع - {لا يغرنك تقلب} أي لا تغترر بتصرف {الذين كفروا} تصرف من يقلب الأمور بالنظر في عواقبها لسلامتهم في تصرفهم وفوائدهم وجودة ما يقصدونه في الظاهر كجودة القلب في البدن {في البلاد *} فإن تقلبهم {متاع قليل} أي لا يعبأ به ذو همة علية، وعبر بأداة التراخي إشارة إلى أن تمتيعهم - وإن فرض أنه طال زمانه وعلا شأنه - تافه لزواله ثم عاقبته، وإلى هول تلك العاقبة وتناهي عظمتها، فقال: {ثم مأواهم} أي بعد التراخي إن قدر {جهنم} أي الكريهة المنظر الشديدة الأهوال، العظيمة الأوجال، لا مهاد لهم غيرها {وبئس المهاد *} أي الفراش الذي يوطأ ويسهل للراحة والهدوء. ولما بين بآية المهاجرين أن النافع من الإيمان هو الموجب للثبات عند الامتحان. وكانت تلك الشروط قد لا توجد، ذكر وصف التقوى العام للأفراد الموجب للإسعاد، فعقب تهديد الكافرين بما لأضدادهم المتقين الفائزين بما تقدم الدعاء إليه بقوله تعالى: {أية : قل أأنبئكم بخير من ذلكم} تفسير : [آل عمران: 15] فقال تعالى: {لكن الذين اتقوا ربهم} أي أوقعوا الاتصاف بالتقوى بالائتمار بما أمرهم به المحسن إليهم والانتهاء عما نهاهم شكراً لإحسانه وخوفاً من عظم شأنه {لهم جنات} وإلى جنات، ثم وصفها بقوله: {تجري من تحتها الأنهار} تعريفاً بدوام تنوعها وزهرتها وعظيم بهجتها. ولما وصفها بضد ما عليه النار وصف تقلبهم فيها بضد ما عليه الكفار من كونهم في ضيافة الكريم الغفار فقال: {خالدين فيها} ولما كان النزل ما يعد للضيف عند نزوله قال معظماً ما لمن يرضيه: {نزلا} ولما كان الشيء يشرف بشرف من هو من عنده نبه على عظمته بقوله: {من عند الله} مضيفاً إلى الاسم الأعظم، وأشار بجعل الجنات كلها نزلاً إلى التعريف بعظيم ما لهم بعد ذلك عنده سبحانه من النعيم الذي لا يمكن الآدميين وجه الاطلاع على حقيقة وصفه، ولهذا قال معظماً - لأنه لو أضمر لظن الاختصاص بالنزل - {وما عند الله} أي الملك الأعظم من النزل وغيره {خير للأبرار *} مما فيه الكفار ومن كل ما يمكن أن يخطر بالبال من النعيم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ‏ {‏لا يغرنك تقلب الذين كفروا‏}‏ تقلب ليلهم ونهارهم وما يجري عليهم من النعم ‏ {‏متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد‏} ‏ قال عكرمة‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ أي بئس المنزل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ‏ {‏لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد‏} ‏ يقول ضربهم في البلاد‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال‏:‏ والله ما غروا نبي الله، ولا وكل إليهم شيئاً من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وما عند الله خير للأبرار‏}‏‏.‏ أخرج البخاري في الأدب المفرد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال‏:‏ إنما سماهم الله أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق‏.‏ وأخرجه ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعاً‏.‏ والأول أصح‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال ‏ {‏الأبرار‏} ‏ الذين لا يؤذون الذر‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ‏ {‏وما عند الله خير للأبرار‏} ‏ قال‏:‏ لمن يطيع الله عز وجل‏.‏

ابو السعود

تفسير : {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ} بـيانٌ لقبح ما أوتي الكفرةُ من حظوظ الدنيا وكشفٌ عن حقارة شأنِها وسوءِ مَغَبَّتِها إثرَ بـيانِ حُسنِ ما أوتيَ المؤمنون من الثواب، والخطابُ للنبـي صلى الله عليه وسلم على أن المرادَ تثبـيتهُ على ما هو عليه كقوله تعالى: {أية : فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذّبِينَ} تفسير : [القلم، الآية 8] أو على أن المرادَ نهيُ المؤمنين كما يُوجَّهُ الخطابُ إلى مَدارِهِ القومِ ورؤسائِهِم، والمرادُ أفناؤهم، ولكل أحد ممن يصلُح للخطاب من المؤمنين والنهيُ للمخاطب، وإنما جُعل للتقلب مبالغةً أي لا تنظُر إلى ما عليه الكفرةُ من السعة ووفورِ الحظِّ ولا تغترَّ بظاهر ما ترى منهم من التبسّط في المكاسب والمتاجرِ والمزارع. روي أن بعضَ المؤمنين كانوا يرَوْن المشركين في رخاء ولين عيشٍ فيقولون إن أعداءَ اللَّهِ تعالى فيما نرى من الخير وقد هلَكْنا من الجوع والجهد فنزلت. وقرىء لا يغُرَّنك بالنون الخفيفة {مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ} خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هو متاعٌ قليلٌ لا قدرَ له في جنب ما ذُكر من ثواب اللَّهِ تعالى قال عليه السلام: «حديث : ما الدنيا في الآخرة إلا مثلُ ما يجعل أحدُكم أصبَعَه في اليمّ فلينظُر بم يرجِعُ» تفسير : فإذن لا يُجدي وجودُه لواجديه ولا يضُرُّ فقدانُه لفاقديه {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ} أي مصيرُهم الذي يأوون إليه لا يبرَحونه {جَهَنَّمُ} التي لا يوصف عذابُها وقوله تعالى: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} ذمٌّ لها وإيذانٌ بأن مصيرَهم إليها مما جنته أنفسُهم وكسبتْه أيديهم، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي بئس ما مَهدوا لأنفسهم جهنَّمُ {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} بـيانٌ لكمال حسنِ حالِ المؤمنين غِبَّ بـيانٍ وتكريرٌ له إثرَ تقرير مع زيادة خلودِهم في الجنَّاتِ ليتم بذلك سرورُهم ويزدادَ تبجُّحُهم، ويتكاملَ به سوءُ حالِ الكفرةِ. وإيرادُ التقوى في حيز الصلةِ للإشعار بكون الخصالِ المذكورةِ من باب التقوى، والمرادُ به الاتقاءُ من الشرك والمعاصي، فالموصولُ مبتدأ والظرفُ خبرُه وجناتٌ مرتفعٌ به على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو الظرفُ خبرٌ لجناتٌ والجملةُ خبرٌ للموصول، وخالدين فيها أي في الجنات حالٌ مقدرةٌ من الضمير أو من جناتٌ لتخصّصها بالوصف، والعاملُ ما في الظرف من معنى الاستقرارِ {نُزُلاٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} وقرىء بسكون الزاي وهو ما يُعدّ للنازل من طعام وشرابٍ وغيرِهما قال أبو الشعر الضبـي: [الطويل] شعر : وكنا إذا الجبارُ بالجيش ضافنا جعلنا القَنا والمرهفاتِ له نُزْلا تفسير : وانتصابُه على الحالية من جناتٌ لتخصصها بالوصف، والعاملُ فيه ما في الظرف من معنى الاستقرارِ، وقيل هو مصدرٌ مؤكدٌ كأنه قيل رِزقاً أو عطاءً من عند الله {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ} مبتدأ وخبرٌ وقوله تعالى: {لّلأبْرَارِ} متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ لخيرٌ أي ما عنده تعالى من الأمور المذكورةِ الدائمةِ خيرٌ كائنٌ للأبرار، أي مما يتقلب فيه الفجارُ من المتاع القليلِ الزائلِ، والتعبـيرُ عنهم بالأبرار للإشعار بأن الصفاتِ المعدودَة من أعمال البرِّ كما أنها من قبـيل التقوى، والجملةُ تذيـيل لما قبلها.

السلمي

تفسير : قال يوسف رحمه الله: لا تفتننكم الدنيا بوقوع الجهَّال عليها والاغترار بما فيها والتكبر بنعيمها، فإنها زادهم إلى النار.

القشيري

تفسير : لا تتداخلنك تهمة بأنَّ لهم عندنا قدراً وقيمة إنما هي أيام قلائل وأنفاس معدودة، ثم بعدها حسرات مترادفة، وأحزان متضاعفة.

البقلي

تفسير : {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} اى لا يعجبنك طوف المنكرين فى البدان لطلب الفضاحة والبلاغة والتكلف فى الادب والتربية طلبا صرف وجوه الناس الربانية والحيل باولياء الله فان احوالهم مزخرفات فانية يريدون بها اسقاط جاه الصديقين عند الخلق وانا بجلالى فى كل نفس ارفع درجاتهم وازيد فى ملك ولايتهم رغما للمنكرين وارغما لا نوف المبطلين وايضا لا تعزنك ولا يفتتك صحة ابدانهم ولين عيشهم فى العالم ويشير اقبال الدنيا اليهم فى البلاد بجاههم عند العامة فانهم يحاربوننى بأهانتهم وليائى ومبارزتهم معى بعداوة حمائى فان ايامهم قليلة وحسراتهم كثيرة عند طلوع انوارى من شرق العناية على وجوه اوليائى حيث قلت واشرقت الارض بنور ربها افتحضهم عند وضوح الكتاب وحضور الانبياء والشهداء وهذا وعيد شديد لاهل زماننا من السالوسين الناموسين قال يوسف فى تفسير هذه الاية لا يفتتنك الدنيا بوقوع الجهال عليها والاعتزار بما فيها والتكثر بنعيمها فانها زادهم الى النار.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا يغرنك} الخطاب للنبى عليه السلام لان العصمة لا تزيل النهى فانه لو زال النهى عنه بذلك لبطلت العصمة فان العصمة هى الحفظ من الخلاف واذا زال النهى لم يكن خلاف فلا تكون عصمة فالمراد تثبيته على ما هو عليه من عدم التفاته على الدنيا او الخطاب له والمراد امته كما يخاطب سيد القوم ومقدمهم والمراد به كلهم كأنه قيل لا يغرنكم {تقلب الذين كفروا فى البلاد} والنهى فى المعنى للمخاطب وانما جعل للتقلب تنزيلا للسبب وهو التقلب منزلة المسبب وهو اغترار المخاطب للمبالغة والمعنى لا تمدن عينيك ولا تستشرف نفسك الى ما هم عليه من سعة الرزق واصابة حظوظ الدنيا ولا تغتر بظاهر حالهم من التبسط فى الارض والتصرف فى البلاد يتكسبون ويتجرون ويتدهقنون ـ روى ـ ان بعض المؤمنين كانوا يرون المشركين فى رخاء ولين عيش فيقولون ان اعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: النُزل - ويسكن -: ما يقدم للنازل من طعام وشراب وصلة، وانتصابه: على الحال من {جنات}، والعامل فيه: الظرف، أو على المصدر المؤكد، أي: أُنزلوها نزلاً. يقول الحقّ جلّ جلاله: {لا يغرنك} أيها السامع أو أيها الرسول، والمراد: تثبيته على ما كان عليه، كقوله: {فلا تطع المكذبين}، أي: دم على ما أنت عليه من عدم اغترارك بظاهر ما ترى عليه الكفار من البسط في الدنيا، والتقلب فيها بالتجارات والزراعات، وما هم عليه من الخصب ولين عيش، فإن ذلك {متاع قليل} بلغة فانية، ومتعة زائلة، وظلال آفلة، وسحابة حائلة. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلاَّ مِثْلُ ما يَجْعَلُ أَحَدُكُم إصْبَعَهِ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُر بِمَ يَرْجِعَ"تفسير : . فلا بد أن يرحلوا عنها قهراً، {ثم مأواهم} أي: مصيرهم {جهنم وبئس المهاد} ما مهدوا لأنفسهم. والمعتبر عند الأكياس هو ما أعد الله للمتقين من الناس، قال تعالى: {لكن الذين اتقوا ربهم} وخافوا عقابه، {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها}، هيأ ذلك لهم وأعده {نزلاً من عند الله} هذا النزول الذي يقدم للضيف، وأما ما أعد لهم بعد النزول فلا يُعتبر عن لسان، ولذلك قال: {وما عند الله} من النعيم الذي لا يفنى، جسماني وروحاني، {خير للأبرار} مما ينقلب إليه الفجار. قيل: حقيقة البر: هو الذي لا يؤذي الذر. الإشارة: لا يغرنك أيها الفقير ما ترى عليه أهل الدنيا من اتخاذ المنازل المشيدة، والفرش الممهدة، فإن الدنيا متاعها قليل، وعزيزها قليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، واعتبر بحال نبيك - عليه الصلاة والسلام. قال أنس رضي الله عنه: دَخلتُ علَى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهُو على سَرِير مرفل بالشريط - أي: مضفور به - وتحت رَأسِهِ وسَادَةٌ من أَدَم، حَشْوُهَا لِيفٌ، فدل عليه عمر، وانحرف النبيّ صلى الله عليه وسلم انحرافة، فرأى عمر الشريط في جَنْبِهِ، فَبكَى، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما يُبْكِيكَ يا عمر"تفسير : ؟ فقال: مَالِيَ لا أبْكِي وكِسْرى وقَيْصَرُ يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال الذي أرى، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : يا عمر أمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لهُم الدُّنيا وَلَنا الآخرَةُ"تفسير : . رواه البخاري. وانظر ما أعدّ الله للمتقين الأبرار، الذين صبروا قدر ساعة من نهار، فأفضوا إلى جوار الكريم الغفار في دار القرآن، {وما عند الله خير للأبرار}، ولا سيما العارفين الكبار. قال الورتجبي: بيِّن الحق - تعالى - رفعة منزل المتقين في الجنان، ثم أبْهم لطائف العناية بقوله: {وما عند الله خير للأبرار} أي: ما عنده من نعيم المشاهدة، ولطائف القربة، وحلاوة الوصلة، خير مما هم فيه من نعيم الجنة، وأيضاً: صرح في هذه الآية ببيان مراتب الولاية، لأنه ذكر المتقين، والتقوى: تقديس الباطن عن لوث الطبيعة، وتنزيه الأخلاق عن دنس المخالفة، وذلك درجة الأولى من الولاية، والأبرار أهل الاستقامة في المعرفة، وبين أن أهل التقوى في الجنة، والأبرار في الحضرة. هـ.

الطوسي

تفسير : المعنى: هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم). وقيل في معناه قولان: أحدهما - ان ذلك على وجه التأديب والتحذير، لأن النبي لا تجوز عليه المعاصي لمكان التحذير من الله والتخويف، كما قال {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك} تفسير : الثاني - ان الخطاب وان توجه إليه، فالمراد به جميع المؤمنين، وتقديره لا يغرنكم أيها المؤمنون ما ترون ان قوماً من الكفار كانوا يتجرون ويربحون في الاسفار التي كانوا يسافرونها، ويسلمون فيها لكونهم في الحرم، فأعلم الله تعالى أن ذلك مما لا ينبغي أن يغبطوا به، لأن مأواهم ومصيرهم بكفرهم إلى النار، ولا خير بخير بعده النار. وقوله: {متاع قليل} معناه ذلك الكسب، والربح الذي يربحونه متاع قليل وسماه متاعاً، لأنهم متعوا به في الدنيا، والمتاع النفع الذي تتعجل به اللذة اما بوجود اللذة أو بما يكون به اللذة نحو المال الجليل، والملك، وغير ذلك من الاولاد والاخوان. ووصفه بالقلة لسرعة زواله وانقطاعه، وذلك قليل بالاضافة إلى نعيم الآخرة. والمهاد الموضع الذي يسكن فيه الانسان ويفترشه. ووصفه بأنه بئس المهاد على ضرب من المجاز، لما فيه من أنواع العذاب، لأن الذم انما هو على الاساءة كقولك: بئس الرجل - هذا قول أبي علي الجبائي - وقال البلخي: هو حقيقة لأنه على وجهين: أحدهما - من جهة النقص. والآخر - من جهة الاساءة، وهو معنى قول السدي، وقتادة، وأكثر المفسرين. والغرور ايهام حال السرور فيما الأمر بخلافه في المعلوم، وليس كل ايهام غروراً، لأنه قد يتوهمه مخوفاً فيحذر منه، فلا يقال غرّه. والفرق بين الغرر والخطر ان الغرر قبيح، لأنه ترك الحزم فيما يمكن أن يتوثق منه، والخطر قد يحسن على بعض الوجوه، لأنه من العظم من قولهم: رجل خطير أي عظيم، وبني المضارع مع النون الشديدة، لأنه بمنزلة ضم اسم إلى اسم للتأكيد.

الجنابذي

تفسير : {لاَ يَغُرَّنَّكَ} مقطوع عن سابقه ودفع لتوهّم نشأ من قوله {انّى لا اضيع عمل عاملٍ} منكم من انّه كيف لا يضاع عمل العاملين والحال انّ المؤمنين مع كمال طاعتهم فى ضيقٍ من العيش وبلاءٍ كثير والكافرون والمنافقون مع عدم طاعتهم فى سعةٍ من العيش وراحةٍ من البلاء والخطاب خاصّ بالنّبىّ (ص) على طريق ايّاك اعنى واسمعى يا جارة، او عامّ لكلّ من يتأتّى منه الخطاب، وروى انّ بعضهم تفوّهوا بهذا الوهم بعد ما كانوا يرون المشركين فى رخاءٍ ولين عيش فيقولون: اعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع فنزل {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} التقلّب كناية عن سعتهم وراحتهم وتجاراتهم الرّابحة وتمكّنهم ممّا ارادوا، ذلك التقلّب.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {لا يغرنَّك تقلب الذين كفروا في البلاد} قال جار الله: خطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لكل أحد أي لا ينظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق والآية نزلت في أهل مكة، وقيل: في اليهود وروي أن ناساً من المسلمين كانوا يرون ما كانوا عليه من الرخاء والخصب ولين العيش ويقولون: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجهد والجوع، قوله تعالى: {متاع قليل} وهو التقلب في البلاد أراد قلَّته في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما أعدّ الله من المؤمنين من الثواب، وأراد أنه قليل في نفسه لانقضائه وكل زائل فهو قليل {وبئس المهاد} ما مهدوا لأنفسهم، قوله تعالى: {لكن الذين اتَّقَوا ربهم} نزلت في من كان مؤمناً من أهل المدينة {نزلاً} النزل: ما يُقَدَّم للنازل، قال جار الله: {وما عند الله} من الكثير الدائم، {خيرٌ للأبرار} مما يتقلب فيه الفجَّار من القليل الزائل، قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه المؤمنين، وقيل: في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم، وكانوا على دين عيسى (عليه السلام) أسلموا، وقيل: في أصحمة النجاشي ملك الحبشة، قوله تعالى: {وما أنزل إليكم} من القرآن وما أنزل إليهم من الكتابين {لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً} أي لا يأخذون عوضاً على تحريف الكتاب، وكتمان الحق {أولئك لهم أجرهم عند ربهم} أي ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوا في قوله تعالى: {أية : أولئك يؤتون أجرهم مرتين}تفسير : [القصص: 54] {أية : ويؤتكم كفلين}تفسير : [الحديد: 28]، قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا} على الدين وتكاليفه {وصابروا} أعداء الله في الجهاد غالبوهم بالصبر على شدائد الحرب ولا تكونوا أقل منهم صبراً وثباتاً {ورابطوا} أقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو قال الله تعالى: {أية : ومن رباط الخيل ترهبون به عدّو الله وعدوكم} تفسير : [الأنفال: 60] وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من رابط يوماً وليلةً في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه ".

اطفيش

تفسير : {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلاَدِ}: الخطاب لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، أو الخطاب لكل من يصلح من أمته، قال قتادة: ما غرت زينة الدنيا وأمرها قط نبيا حتى يقبضه الله تعالى ولفظ الآية نهى تقلب الكفار أن يكون غاراً للمخاطب، والمراد النهى عن مسببه، وهو الاغترار، أى: لا تغترر بتقلب الذين كفروا فى البلاد، أو المراد بنهيه، صلى الله عليه وسلم، تثبيته على ما هو عليه، كقوله تعالى: {أية : ولا تطع المكذبين} {أية : ولا تكونن من المشركين} {أية : ولا تكونن من الكافرين}تفسير : ومعنى تقلبهم فى البلاد: تصرفهم فيها بالأسفار والمتاجر والمزارع والأرباح والآمال، روى أن بعض المسلمين كانوا يرون المشركين فى رخاء ولين عيش فيقولون إن أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت الآية. والمراد بالذين كفروا: أهل مكة فيما روى عن ابن عباس وقيل: المراد اليهود.

الالوسي

تفسير : الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم، والمراد منه أمته، وكثيراً ما يخاطب سيد القوم بشيء ويراد أتباعه فيقوم خطابه مقام خطابهم، ويحتمل أن يكون عاماً للنبـي صلى الله عليه وسلم وغيره بطريق التغليب تطييباً لقلوب المخاطبين، وقيل: إنه خطاب له عليه الصلاة والسلام على أن المراد تثبيته صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه كقوله تعالى: {أية : فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذّبِينَ } تفسير : [القلم: 8] وضعف بأنه عليه الصلاة والسلام لا يكون منه تزلزل حتى يؤمر بالثبات ـ وفيه نظر لا يخفى ـ والنهي في المعنى للمخاطب أي لا تغتر بما عليه الكفرة من التبسط في المكاسب والمتاجر والمزارع ووفور الحظ، وإنما جعل النهي ظاهراً للتقلب تنزيلاً للسبب منزلة المسبب فإن تغرير التقلب للمخاطب سبب واغتراره به مسبب فمنع السبب بورود النهي عليه ليمتنع المسبب الذي هو اغترار المخاطب بذلك السبب على طريق برهاني وهو أبلغ من ورود النهي على المسبب من أول الأمر، قالوا: وهذا على عكس قول القائل: لا أرينك هنا فإن فيه النهي عن المسبب وهو الرؤية ليمتنع السبب وهو حضور المخاطب. وأورد عليه أن الغارية والمغرورية متضايفان، وقد صرحوا بأن القطع والانقطاع ونحو ذلك مثلاً متضايفان، وحقق أن المتضايفين لا يصح أن يكون أحدهما سبباً للآخر بل هما معاً في درجة واحدة، فالأولى أن يقال: علق النهي بكون التقلب غاراً ليفيد نهي المخاطب عن الاغترار لأن نفي أحد المتضايفين يستلزم نفي الآخر، ولا يخفى أن هذا مبني على ما لم يقع الإجماع عليه، ولعل النظر الصائب يقضي بخلافه، وفسر الموصول بالمشركين / من أهل مكة، فقد ذكر الواحدي أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش وكانوا يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله تعالى فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية، وبعض فسره باليهود، وحكي أنهم كانوا يضربون في الأرض ويصيبون الأموال والمؤمنون في عناء فنزلت، وإلى ذلك ذهب الفراء، والقول الأول أظهر، وأياً مّا كان فالجملة مسوقة لتسلية المؤمنين وتصبيرهم ببيان قبح ما أوتي الكفرة من حظوظ الدنيا إثر بيان حسن ما سينالونه من الثواب الجزيل والنعيم المقيم، وقرأ يعقوب برواية رويس وزيد {وَلاَ يَغُرَّنْك } بالنون الخفيفة.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض في أثناء هذه الخاتمة، نشأ عن قوله: {أية : فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم}تفسير : [آل عمران: 195] باعتبار ما يتضمّنه عدَمُ إضاعة العمل من الجزاء عليه جزاء كاملاً في الدنيا والآخرة، وما يستلزمه ذلك من حرمان الذين لم يستجيبوا لداعي الإيمان وهم المشركون، وهم المراد بالذين كَفَروا كَمَا هو مصطلح القرّاء. والخطاب لغير معيّن ممّن يُتوهّم أن يغرّه حسن حال المشركين في الدنيا. والغَرّ والغرور: الإطماع في أمر محبوب على نيّة عدم وقوعه، أو إظهار الأمر المضرّ في صورة النافع، وهو مشتقّ من الغرّة ـــ بكسر الغين ـــ وهي الغفلة، ورجل غِرّ ـــ بكسر الغين ـــ إذا كان ينخدع لمن خادعه. وفي الحديث: «حديث : المؤمن غرّ كريم»تفسير : أي يظنّ الخير بأهل الشرّ إذا أظهروا له الخير. وهو هنا مستعار لظهور الشيء في مظهر محبوب، وهو في العاقبة مكروه. وأسند فعل الغرور إلى التقلّب لأنّ التقلّب سببه، فهو مجاز عقليّ، والمعنى لا ينبغي أن يغرّك. ونظيره: «لا يفتننّكم الشيطان». و(لا) ناهية لأنّ نون التوكيد لا تجيء مع النفي. وقرأ الجمهور: لا يَغُرّنَّك ـــ بتشديد الراء وتشديد النون ـــ وهي نون التوكيد الثقيلة؛ وقرأها رويس عن يعقوب ـــ بنون ساكنة ـــ، وهي نون التوكيد الخفيفة. والتقلّب: تصرّف على حسب المشيئة في الحروب والتجارات والغرس ونحو ذلك، قال تعالى: {أية : ما يجادل في آيات الله إلاّ الذين كفروا فلا يَغْرُرْك تَقَلُّبُهم في البلاد}تفسير : [غافر: 4]. والبلاد: الأرض. والمتاعُ: الشيء الذي يشتري للتمتّع به. وجملة {متاع قليل} إلى آخرها بيان لجملة {لا يغرنك}. والمتاع: المنفعة العاجلة، قال تعالى: {أية : وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع}تفسير : [آل عمران: 185]. وجملة {لكن الذين اتقوا ربهم} إلى آخرها افتتحت بحرف الاستدراك لأنّ مضمونها ضدّ الكلام الذي قبلها لأنّ معنى {لا يغرنّك} إلخ وصف ما هم فيه بأنّه متاع قليل، أي غير دائم، وأنّ المؤمنين المتّقين لهم منافع دائمة. وقرأ الجمهور: لكنْ ـــ بتخفيف النون ساكنة مخفَّفة من الثقيلة ـــ وهي مهملة، وقرأه أبو جعفر ـــ بتشديد النون مفتوحة ـــ وهي عاملة عمل إنَّ. والنُزُل ـــ بضم النون والزاي وبضمّها مع سكون الزاي ـــ ما يعدّ للنزيل والضيف من الكرامة والقِرى، قال تعالى: {أية : ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدّعون نزلاً من غفور رحيم}تفسير : [فصلت: 31، 32]. و (الأبرار) جمع البَرّ وهو الموصوف بالمبرّة والبِرّ، وهو حسن العَمل ضدّ الفجور.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا يغرنك: لا يكن منك اغترار، المخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد أصحابه وأتباعه. تقلب الذين كفروا في البلاد: تصرفهم فيها بالتجارة والزراعة والأموال والمآكل والمشارب. متاع قليل: تصرفهم ذلك هو متاع قليل يتمتعون به أعواماً وينتهي. مأواهم جهنم: مآلهم بعد التمتع القليل إلى جهنم يأوون إليها فيخلدون فيها أبداً. نزلاً من عند الله: النُّزُل: ما يعد للضيف من قرى: طعام وشراب وفراش. الأبرار: جمع بار وهو المطيع لله ولرسوله الصادق في طاعته. وما أنزل إليكم: القرآن والسنة، وما أنزل إليهم التوراة والإِنجيل. خاشعين لله: مطيعين مخبتين له عز وجل. لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا: لا يجحدون أحكام الله وما أمر ببيانه للناس مقابل منافع تحصل لهم. اصبروا وصابروا: الصبر حبس النفس على طاعة الله ورسوله، والمصابرة: الثبات والصمود أمام العدو. ورابطوا: المرابطة: لزوم الثغور منعاً للعدو من التسرب إلى ديار المسلمين. تفلحون: تفوزون بالظفر المرغوب، والسلامة من المرهوب في الدنيا والآخرة. معنى الآيات: ينهى الله تبارك وتعالى دعاة الحق من هذه الأمة في شخصية نبيهم صلى الله عليه وسلم أن يَغُرَّهُمْ أي يخدعهم ما يتصرف فيه أهل الكفر والشرك والفساد من مكاسب وأرَباح وما يتمعون به من مطاعم ومشارب ومراكب، فيظنون أنهم على هدىً أو أن الله تعالى راضٍ عنهم وغير ساخط عليهم، لا، لا، إنما هو متاع في الدنيا قليل، ثم يردون إلى أسوأ مأوى وشر قرار إنه جهنم التي طالما مهدوا لدخولها بالشرك والمعاصي، وبئس المهاد مهدوه لأنفسهم الخلود في جهنم. هذا معنى الآيتين الأولى والثانية وهما قوله تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}، أما الآية الثالثة [198]، وهي قوله تعالى: {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} فإنها قد تضمنت استدراكاً حسناً وهو لما ذكر في الآية قبلها مآل الكافرين وهو شر مآل جهنم وبئس المهاد، ذكر في هذه الآية مآلُ المؤمنين وهو خير مآل: {جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ}، وما عند الله تعالى من النعيم المقيم في دار السلام خير لأهل الإِيمان والتقوى من الدنيا وما فيها فلا يضرهم أن يكونوا فقراء، معسرين، وأهل الكفر أغنياء موسرين أما الآية الرابعة [199] وهي قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} الآية فإنها تضمنت الرد الإِلهي على بعض المنافقين الذين أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين صلاتهم على النجاشي بعد موته، إذ قال بعضهم انظروا الى محمد وأصحابه يصلون على علج مات في غير ديارهم وعلى غير ملتهم، وهم يريدون بهذا الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فرد الله تعالى عليهم بقوله: وإن من أهل الكتاب أي اليهود والنصارى لمن يؤمن بالله، وما أنزل إليكم أيها المؤمنون، وما أنزل إليهم في التوراة والإنجيل خاشعين لله، أي خاضعين له عابدين، لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً كسائر اليهود والنصارى حيث يحرفون كلام الله ويبدلونه ويخفون منه ما يجب أن يظهروه ويبينوه حفاظا على منصب أو سمعة أو منفعة مادية، أما هؤلاء وهم عبد الله بن سلام من اليهود وأصحمة النجاشي من النصارى، وكل من أسلم من أهل الكتاب فإنهم المؤمنون حقاً المستحقون للتكريم والإنعام قال تعالى فيهم أولئك لهم أجرهم عند ربهم يوفيهم إياه يوم القيامة إن الله سريع الحساب، إذ يتم حساب الخلائق كلهم في مثل نصف يوم من أيام الدنيا. هذا ما تضمنته الآية الرابعة [199] أما الآية الخامسة والأخيرة [200] وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فإنها تضمنت دعوة كريمة ونصيحة غالية ثمينة للأمة الرحيمة بأن تصبر على الطاعات وعلى الشدائد والملمات فتصابر اعداءها حتى يُستلِموا أو يُسَلموا القياد لها. وترابط بخيولها وآلات حربها في حدودها وثغورها مرهبة عدوها حتى لا يطمع في غزوها ودخول ديارها. ولتتق الله تقوى تكون سبباً في فوزها وفلاحها بهذه الرحمة الربانية ختمت سورة آل عمران المباركة ذات الحكم والأحكام وتليها سورة النساء. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تنبيه المؤمنين وتحذيرهم من الاغترار بما يكون عليه الكافرون من سعة الرزق وهناءة العيش فإن ذلك لم يكن عن رضى الله تعالى عنهم، وإنما هو متاع في الدنيا حصل لهم بحسب سنة الله تعالى في الكسب والعمل ينتج لصاحبه بحسب كده وحسن تصرفه. 2- ما أعد لأهل الإِيمان والتقوى وهم الأبرار من نعيم مقيم في جوار ربهم خير من الدنيا وما فيها. 3- شرف مؤمني أهل الكتاب وبشارة القرآن لهم بالجنة وعلى رأسهم عبد الله بن سلام وأصحمة النجاشي. 4- وجوب الصبر والمصابرة والتقوى والمرابطة للحصول على الفلاح الذي هو الفوز المرغوب والسلامة من المرهوب في الدنيا والآخرة.

القطان

تفسير : يغُرنَّك: يخدعنَّك. تقلب الذين كفروا: تصرُّفهم في التجارة والمكاسب. مأواهم: مصيرهم ونُزُلهم.. المهاد: المكان الممهد. النزل: المنزل، أو ما يقدَّم للضيف من طعام وشراب. الابرار: جمع بارّ وبَرٍّ: كل متصف بالخير ومتوسع فيه. بعد تلك المناجاة الروحية وما فيها من ابتهالات ودعوات، وما تلاها من تبشير من الله تعالى للمؤمنين بالثواب العظيم، جاء التبصير للمؤمنين. وكانوا في غاية الفقر، لا سيما المهاجرون، فيما كان مشركو قريش في رخاء وعيش لين. لذا ذكر الله تعالى هنا ما يسلّي المسلمين ويصبّرهم على تلك الشدة، فبيَّن هنا أن رخاء المشركين متاع زائل، فلا ينبغي للعاقل ان يوازنه بالنعيم الخالد المقيم. فقال تعالى: لا يغرَّنك يا محمد، انت والمؤمنين، ما ترى الذين كفروا يتقلّبون فيه من النعيم، ذلك كلّه متاع قليل زائل ثم ينتهون الى جنهم. وبعد أن بين حال الكافرين ومآل أمرهم، شرح عاقبة المؤمنين فقال: أما الذين آمنوا بالله ورسوله واتقوا ربهم بفعل الطاعات وترك المنهّيات ـ فإن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، مخلَّدين فيها، في نعيم من كرم الله وضيافته. ولا شك ان ما عند الله من الكرامة أفضل على التحقيق مما يتقلب فيه الذين كفروا من المتاع القليل.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبِلاَدِ} (196) - لاَ تَنْظُرْ إلَى مَا أتْرِفَ فِيهِ هَؤُلاءِ الكُفَّارُ مِنَ النِّعْمَةِ وَالغِبْطَةِ وَالسُّرُورِ. وَلاَ تَعْجَبْ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ فِي الأَسْفَارِ لِلِتِّجَارَةِ وَالتَّكَسُّبِ ثُمَّ عَوْدَتِهُمْ سَالِمِينَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَدِيَارِهِمْ.

الثعلبي

تفسير : {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} نزلت في مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش وكانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما يرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت هذه الآية. وقال الفراء: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال، فأنزل الله {لاَ يَغُرَّنَّكَ}. وقرأ يعقوب: (يغرنك) وأخواتها ساكنة النون. وأنشد: شعر : لا يغرنك عشاء ساكن قد يوافي بالمنيات السحر تفسير : {تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: ضربهم وتصرفهم في البلاد للتجارات والبياعات وأنواع المكاسب والمطالب، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، لأنه لم يغيّر لذلك. قال قتادة في هذه الآية: والله ما غرّوا نبي الله ولا وكّل إليهم شيئاً من أمر الله تعالى حتى قبضه الله على ذلك، نظيره قوله تعالى: {شعر : فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [غافر: 4]، ثم قال: { مَتَاعٌ قَلِيلٌ} أي هو متاع قليل بُلغة فانية ومتعة زائلة، لأن كل ما هو فان فهو قليل. الأعمش عن عمارة عن يزيد بن معاوية النخعي قال: إن الدنيا جعلت قليلا فما بقى منه إلاّ القليل من قليل. روى سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن المستورد الفهري قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما الدنيا في الآخرة إلاّ مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما الدنيا فيما مضى إلاّ كمثل ثوب شق باثنين وبقي خيط إلاّ وكان ذلك الخيط قد انقطع ". تفسير : {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ} مصيرهم {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ * لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ}. قرأ أبو جعفر: بتشديد النون، الباقون: بتخفيفه. {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً}. قرأ الحسن والنخعي: (نزلاً) بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين، وثقّله الآخرون، والنزل الوظيفة المقدرة لوقت. قال الكلبي: جزاءً وثواباً من عند الله، وهو نصب على التفسير، كما يقال: هو لك صدقه وهو لك هبة، قاله الفراء. وقيل: هو نصب على المصدر، أي انزلوا نزلا، وقيل: جعل ذلك نزلا. {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} من متاع الكفار. الحسن عن أنس بن مالك قال: حديث : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حصير مزمول بالشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، ودخل عليه عمر وناس من أصحابه فانحرف النبي صلى الله عليه وسلم انحرافة فرأى عمر (رضي الله عنه) أثر الشريط في جنبه فبكى، فقال له: "ما يبكيك يا عمر؟ " فقال عمر: ومالي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيها من الدنيا وأنت على الحال الذي أرى. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "يا عمر ألم ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة" قال: بلى. قال: "هو كذلك" . تفسير : {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} الآية، اختلفوا في نزولها: فقال جابر بن عبد الله وابن عباس وأنس وقتادة: حديث : نزلت في النجاشي ملك الحبشة واسمه أضحمة وهو بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه جبرئيل لرسول الله في اليوم الذي مات فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أُخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم". قالوا: ومن هو؟ قال: "النجاشي"، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي، وصلى عليه ركعتين وكبّر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه: "استغفروا له". فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله تعالى هذه الآية . تفسير : عطاء: نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب، وأثني وثلاثين من أرض الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم. {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} يعني القرآن {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} يعني التوراة والإنجيل {خَاشِعِينَ للَّهِ} خاضعين متواضعين، وهو نصب على الحال والقطع {لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} يعني لا يحرّفون كتبهم ولا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم لأجل المأكلة والرئاسة، كما فعلت رؤساء اليهود {أُوْلۤـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ * يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ}. قال الحسن: (اصبروا) على دينكم فلا تدعوه لشدة ولا رخاء ولا سرّاء ولا ضرّاء، قتادة: (اصبروا) على طاعة الله، الضحاك ومقاتل بن سليمان: (اصبروا) على أمر الله عزّ وجلّ، مقاتل ابن حيان: (اصبروا) على فرائض الله، زيد بن أسلم: على الجهاد، الكلبي: على البلاء. قالت الحكماء: الصبر ثلاثة أشياء: ترك الشكوى، وصدق الرضا، وقبول القضاء. وقيل: الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنّة. {وَصَابِرُواْ} يعني الكفار، قاله أكثر المفسرين. قال عطاء والقرظي: (وصابروا) الوعد الذي وعدكم، {وَرَابِطُواْ } يعني المشركين، وأصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم، ثم قيل ذلك لكل مقيم في ثغر يدفع عمّن وراءه وإن لم يكن له مركب، قال الله تعالى: {أية : وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} تفسير : [الأنفال: 60]. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا حامد (الخازرنجي) يقول: المرابطة اعتقال المبارزين في الحرب، وأصل الربط الشد، ومنه قيل للخيل: الرباط، ويقال: فلان رابط الجأش، أي قوي القلب. قال لبيد: شعر : رابط الجأش على كل وجل تفسير : قال عبيد: داوموا واثبتوا. عن سمط بن عبد الله البجلي عن سلمان الفارسي: أنهم كانوا في جند المسلمين، فأصابهم ضرّ وحصر فقال سلمان لصاحب الخيل: ألا أحدّثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون لك عوناً على الجند، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من رابط يوماً أو ليلة في سبيل الله كان عدل صيام شهر وصلاته الذي لا يفطر ولا ينصرف من صلاة إلاّ لحاجة، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أجرى الله له أجرة حتى يقضي بين أهل الجنة وأهل النار ". تفسير : الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من رابط يوماً في سبيل الله جعل الله عزّ وجلّ بينه وبين النار سبعة خنادق، كل خندق منها كسبع سماوات وسبع أرضين ". تفسير : وفيه قول آخر وهو ما روى مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن صالح قال: قال لي سلمة بن عبد الرحمن: يابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية {ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} ؟ قال: قلت: لا. قال: إنه يابن أخي لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، ولكنّه انتظار الصلاة خلف الصلاة. ودليل هذا التأويل ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "اسباغ الوضوء عند المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط ". تفسير : وقال أصحاب اللسان في هذه الآية {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ} عند صيام النفس على احتمال الكرب {وَصَابِرُواْ} على مقابلة العناء والتعب {وَرَابِطُواْ} في دار أعدائي بلا هرب. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} بهمومكم من الألتفات إلى السبب {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} غداً بلقائي على بساط الطرب. السري السقطي: اصبروا على الدنيا، رجاء السلامة (وصابروا) عند القتال بالبينات والاستقامة (ورابطوا) هوى النفس اللوامة (واتقوا) ما يعقب لكم الندامة (لعلكم تفلحون) غداً على بساط الكرامة. وقيل: (اصبروا) على بلائي (وصابروا) على نعمائي (ورابطوا) في دار أعدائي (واتقوا) محبة من سواي (لعلكم تفلحون) غداً بلقائي. وقيل: (اصبروا) على الدنيا (وصابروا) على البأساء والضراء (ورابطوا) في دار الأعداء (واتقوا) اله الأرض والسماء (لعلكم تفلحون) في دار البقاء.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وإذا ما سمعنا كلمة {تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} [آل عمران: 196] فاعلم أن التقلب يحتاج إلى قدرة على الحركة. والقدرة على الحركة تكون في مكان الإنسان وبلاده، فإذا اتسعت قدرتك على الحركة وانتقلت إلى بلد آخر، فعندئذ يقال عن هذا الإنسان: "فلان نشاطه واسع" أي أن البيئة التي تحيا فيها ليست على قدر قدرته، بل إن قدرته أكبر من بيئته، لذلك فإنه يخرج من بلده. وكان ذلك يحدث، فكفار قريش كانوا يرحلون من بلدهم في رحلات خارجها. لذلك قال الحق: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} [آل عمران: 196]. والتقلب كما عرفنا ينشأ عن: قدرة وحركة واتساع طموح. وسبحانه يريد أن يبين لنا أن زخارف الحياة قد تأتي لغير المؤمنين. إن كل زخرف هو متاع الحياة الدنيا وهو مرتبط بعمر الإنسان في الوجود. ومهما أخذوا فقد أخذوا زينة الحياة وغرورها؛ فسبحانه هو القائل: {أية : وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} تفسير : [آل عمران: 185]. إنها حياة لها نهاية. أما الذي يريد أن يُصَعِّدَ النعمة ويصعد النفع فهو يفعل العمل من أجل حياة لا تنتهي. والكافرون قد يأخذون العاجلة المنتهية، ولكن المؤمنين يأخذون الآجلة التي لا تنتهي. وحين نقارن بين طالب الدنيا وطالب الآخرة، نرى أن الصفقة تستحق أن نناقشها من نواحيها وهي كما يلي: لا تقس عمر الدنيا بالنسبة لذاتها، ولكن قس عمرها بالنسبة لعمر الفرد في الحياة؛ لأن عمر الدنيا عند كل فرد هو مدة بقائه فيها، فهب أن الدنيا دامت لغيري، فما لي ولها، إن عمر الدنيا قصير بالنسبة لبقاء الإنسان فيها، وإياك أن تقارنها بقولك: إن الدنيا سوف تبقى لملايين السنين؛ لأنها ستظل ملايين السنين لملايين الخلق غيرك، وعمر الدنيا بالنسبة لك هو عمرك فيها، وعمرك فيها محدود، وهذا على فرض أن الإنسان سيعيش متوسط الأعمار. فما بالك وعمرك فيها مظنون؛ لأن الموت يأتي بلا سن ولا يرتبط بسبب أو بزمان. ولذلك فالإنسان لا يضمن متوسط الأعمار. وعمر الآخرة متيقن وهو إلى خلود. إذن فعمر الإنسان في الدنيا مظنون وعمره في الآخرة متيقن، والدنيا محدودة، وفي الآخرة خلود، ونعيمك في الدنيا منوط بقدرتك على تصور النعمة وإمكاناتها. ولكن نعيمك في الآخرة على قدر عظمة رَبّك وعطائه العميم؛ لذلك قال الحق عنها: إنها متاع الغرور. ولم يأت الله لها باسم أقل من اسم الدنيا، فهل هناك اسم أقل وأحقر من هذا؟ إن الذين يغترون بما يناله الخارجون عن منهج الله من تقلبهم في البلاد عليهم أن يتذكروا أن كل ذلك إلى زوال وضياع. وعلينا أن نقارن التقلب في البلاد بما أعده الله لنا في الآخرة. وساعة تقارن هذه المقارنة تكون المقارنة سليمة.. ولذلك يتابع الحق قوله عن تقلب الذين كفروا في البلاد: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن ذلة أهل الدنيا وعزة أهل التقى في العقبى بقوله تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} [آل عمران: 196]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب {لاَ يَغُرَّنَّكَ} [آل عمران: 196] لمعنيين: أحدهما: خطاب التكوين، إذ قال له: {لاَ يَغُرَّنَّكَ} [آل عمران: 196]، فكان كما قال: لا تغره أبداً، تنعم الذين كفروا وتمتعاتهم بنعيم الدنيا، يدل عليه قوله: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [النحل: 40]. والثاني: خاطبهم بهذا الخطاب؛ ليعلم أمته أنه صلى الله عليه وسلم مع كمال مرتبته وقوته خوطب بهذا؛ لاحتمال وقوعه في ورطة الغرور بالدنيا وتمتعاتها، فلا يأمن أحد على نفسه وتوقانها عن ورطة الغرور بها، ولا يغتر بغرور الشيطان، كما قال تعالى: {أية : فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} تفسير : [فاطر: 5]، فإنها {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} [آل عمران: 197]؛ وهي مشرب النفوس الأمارة بالسوء، وصواحبها ذلك أيام قلائل، {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [آل عمران: 197]، البعد عن الحضرة ودركاتها، {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [آل عمران: 197]. {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} [آل عمران: 198]، احترزوا عن الدنيا وما فيها تقرباً إلى {رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ} [آل عمران: 198]، القربة {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [آل عمران: 198]، والكرامات والسعادات {خَالِدِينَ فِيهَا} [آل عمران: 198]، مخلدين فيها، لا انقطاع لتلك القربات والكرامات، {نُزُلاً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 198]؛ أي: سبيل النزول من عند الله، هذه كلها {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 198] من كمالات القرب ومشاهدات الجمال والجلال، {خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} [آل عمران: 198] من نعيم الجنان والوقوف مع ما هو نزل لعباد الرحمن، وإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. ثم أخبر بفصل الخطاب عن مؤمني أهل الكتاب بقوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ} [آل عمران: 199]، إشارة في الآية: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ} [آل عمران: 199]؛ هم العلماء المتقون، {لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} [آل عمران: 199]؛ يعني: يكون إيمانه من نتيجة نور الله الذي دخل قلبه، {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} [آل عمران: 199] من الواردات والإلهامات والكشوف بأرباب القلوب، {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} [آل عمران: 199]، من الخواطر الرحمانية، {خَٰشِعِينَ للَّهِ} [آل عمران: 199]؛ أي: خاضعين له، تجلى الله لأسرارهم بصفات الجمال فعاشوا متواضعين له، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا تجلى الله بشيء خضع له"تفسير : ، {لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 199]؛ أي: بما أوتوا من العلم والحكمة {ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 199]، عرضاً من العروض الدنيوية، {أُوْلـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ} [آل عمران: 199]؛ أي: ثوابهم وجزاؤهم {عِندَ رَبِّهِمْ} [آل عمران: 199]؛ يعني مقام العندية {أية : عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]، {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [آل عمران: 199]؛ أي: يعجل في جزاء أعمالهم يجيب نياتهم؛ ليبلغهم إلى مقاماتهم في القرب قبل وفاتهم، ولا تؤجل إلى بعد وفاتهم، {أية : وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 72]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون ". تفسير : ثم أخبر عن أسباب النجاة وأرباب الفلاح بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ} [آل عمران: 200]، إشارة في الآية: إن الفلاح الحقيقي لأهل الإيمان موقوف على هذه الخصال الأربعة، وهي قوله تعالى: {ٱصْبِرُواْ} على مجاهدة النفوس بنهيها عن حولها وأمرها بطاعة سيدها ومولاها، {وَصَابِرُواْ} [آل عمران: 200]، على مراقبة القلوب مع التسليم والرضاء بالأحكام الأزلية عند البلاء والابتلاء، {وَرَابِطُواْ} [آل عمران: 200] مرابطة الأرواح إلى الوصول بالله وبالانقطاع عما سواه، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [آل عمران: 200] بمحافظة الأسرار عن الالتفات إلى الأغيار والفناء في الله، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، عن حجب الوجود بالفناء في الله، وتفوزون بالبقاء بالله بتوفيق الله تعالى وجذبات عنايته، فإن العناية الأزلية كفاية الأبدية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، وتنعمهم فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات، وأنواع العز، والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله { متاع قليل } ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون به قليلا ويعذبون عليه طويلا هذه أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه. وأما المتقون لربهم، المؤمنون به- فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } . فلو قدر أنهم في دار الدنيا، قد حصل لهم كل بؤس وشدة، وعناء ومشقة، لكان هذا بالنسبة إلى النعيم المقيم، والعيش السليم، والسرور والحبور، والبهجة نزرا يسيرا، ومنحة في صورة محنة، ولهذا قال تعالى: { وما عند الله خير للأبرار } وهم الذين برت قلوبهم، فبرت أقوالهم وأفعالهم، فأثابهم البر الرحيم من بره أجرا عظيما، وعطاء جسيما، وفوزا دائما.