Verse. 488 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

فَاسْتَجَابَ لَھُمْ رَبُّھُمْ اَنِّىْ لَاۗ اُضِيْعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ اَوْ اُنْثٰى۝۰ۚ بَعْضُكُمْ مِّنْۢ بَعْضٍ۝۰ۚ فَالَّذِيْنَ ھَاجَرُوْا وَاُخْرِجُوْا مِنْ دِيَارِھِمْ وَاُوْذُوْا فِيْ سَبِيْلِيْ وَقٰتَلُوْا وَقُتِلُوْا لَاُكَفِّرَنَّ عَنْھُمْ سَيِّاٰتِھِمْ وَلَاُدْخِلَنَّھُمْ جَنّٰتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِھَا الْاَنْھٰرُ۝۰ۚ ثَوَابًا مِّنْ عِنْدِ اؘ۝۰ۭ وَاللہُ عِنْدَہٗ حُسْنُ الثَّوَابِ۝۱۹۵
Faistajaba lahum rabbuhum annee la odeeAAu AAamala AAamilin minkum min thakarin aw ontha baAAdukum min baAAdin faallatheena hajaroo waokhrijoo min diyarihim waoothoo fee sabeelee waqataloo waqutiloo laokaffiranna AAanhum sayyiatihim walaodkhilannahum jannatin tajree min tahtiha alanharu thawaban min AAindi Allahi waAllahu AAindahu husnu alththawabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فاستجاب لهم ربهم» دعاءهم «أنِّي» أي بأني «لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم» كائن «من بعض» أي الذكور من الإناث وبالعكس والجملة مؤكدة لما قبلها أي هم سواء في المجازاة بالأعمال وترك تضييعها، نزلت لما قالت أم سلمة يا رسول الله إني لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء «فالذين هاجروا» من مكة إلى المدينة «وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي» ديني «وقاتلوا» الكفار «وَقُتِلُوا» بالتخفيف والتشديد وفي قراءة بتقديمه «لأكفِّرنَّ عنهم سيئاتهم» أسترها بالمغفرة «ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا» مصدر من معنى لأكفرن مؤكد له «من عند الله» فيه التفات عن التكلم «والله عنده حسن الثواب» الجزاء.

195

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عرفوا الله بالدليل وهو قوله: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }تفسير : [آل عمران: 190] إلى قوله: {أية : لأَيَـٰتٍ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ }تفسير : [آل عمران: 190] ثم حكى عنهم مواظبتهم على الذكر وهو قوله: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً } وعلى التفكر وهو قوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ثم حكى عنهم أنهم أثنوا على الله تعالى وهو قولهم: {أية : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً سُبْحَـٰنَكَ }تفسير : [آل عمران: 191] ثم حكى عنهم أنهم بعد الثناء اشتغلوا بالدعاء وهو من قولهم: {أية : فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }تفسير : [آل عمران: 191] إلى قوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ }تفسير : [آل عمران: 194] بين في هذه الآية أنه استجاب دعاءهم فقال: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية تنبيه على أن استجابة الدعاء مشروطة بهذه الأمور، فلما كان حصول هذه الشرائط عزيزا، لا جرم كان الشخص الذي يكون مجاب الدعاء عزيزا. المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: يقال استجابه واستجاب له، قال الشاعر:شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } تفسير : [الأنفال: 34]. المسألة الثالثة: أني لا أضيع: قرىء بالفتح، والتقدير: بأني لا أضيع، وبالكسر على إرادة القول، وقرىء {لاَ أُضِيعُ } بالتشديد. المسألة الرابعة: من: في قوله: {مّن ذِكْرِ } قيل للتبيين كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } تفسير : [الحج: 30] وقيل: إنها مؤكدة للنفي بمعنى: عمل عامل منكم ذكر أو أنثى. المسألة الخامسة: اعلم أنه ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل، لأن العمل كلما وجد تلاشى وفنى، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل، والاضاعة عبارة عن ترك الاثابة فقوله: {لاَ أُضِيعُ } نفي للنفي فيكون اثباتا، فيصير المعنى: اني أوصل ثواب جميع أعمالهم اليكم، اذا ثبت ما قلنا فالآية دالة على أن أحدا من المؤمنين لا يبقى في النار مخلدا، والدليل عليه أنه بايمانه استحق ثوابا، وبمعصيته استحق عقابا، فلا بد من وصولهما اليه بحكم هذه الآية والجمع بينهما محال، فاما أن يقدم الثواب ثم ينقله الى العقاب وهو باطل بالاجماع، أو يقدم العقاب ثم ينقله الى الثواب وهو المطلوب. المسألة السادسة: جمهور المفسرين فسروا الآية بأن معناها أنه تعالى قبل منهم أنه يجازيهم على أعمالهم وطاعاتهم ويوصل ثواب تلك الاعمال اليهم. فان قيل: القوم أولا طلبوا غفران الذنوب، وثانيا إعطاء الثواب فقوله: {أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } إجابة لهم في إعطاء الثواب، فأين الإجابة في طلب غفران الذنوب؟ قلنا: إنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب، لكن يلزم من حصول الثواب سقوط العقاب فصار قوله: {أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } اجابة لدعائهم في المطلوبين. وعندي في الآية وجه آخر: وهو أن المراد من قوله: {أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } أني لا أضيع دعاءكم، وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء، فكان المراد منه أنه حصلت اجابة دعائكم في كل ما طلبتموه وسألتموه. وأما قوله تعالى: {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ } فالمعنى: أنه لا تفاوت في الاجابة وفي الثواب بين الذكر والانثى اذا كانا جميعا في التمسك بالطاعة على السوية، وهذا يدل على أن الفضل في باب الدين بالاعمال، لا بسائر صفات العاملين، لان كون بعضهم ذكرا أو أنثى، أو من نسب خسيس أو شريف لا تأثير له في هذا الباب، ومثله قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } تفسير : [النساء: 123] وروي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني لأسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت هذه الآية. أما قوله تعالى: {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } ففيه وجوه: أحسنا أن يقال: {مِنْ } بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض، ومثل بعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. قال القفال: هذا من قولهم: فلان مني أي على خلقي وسيرتي، قال تعالى: {أية : فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } تفسير : [البقرة: 249] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من غشنا فليس منا»تفسير : وقال: «حديث : ليس منا من حمل علينا السلاح» تفسير : فقوله: {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } أي بعضكم شبه بعض في استحقاق الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، فكيف يمكن إدخال التفاوت فيه؟ ثم قال تعالى: {فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ثواباً من عندالله} والمراد من قوله: {فَـٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ } الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد من الذين أُخرجوا من ديارهم الذين ألجأهم الكفار الى الخروج، ولا شك أن رتبة الأولين أفضل لانهم اختاروا خدمة الرسول عليه السلام وملازمته على الاختيار، فكانوا أفضل وقوله: {وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } أي من أجله وسببه {وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ } لان المقاتلة تكون قبل القتال، قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو {وَقَاتِلُواْ } بالالف أولا {وَقُتّلُواْ } مخففة، والمعنى أنهم قاتلوا معه حتى قتلوا، وقرأ ابن كثير وابن عامر {وَقَاتِلُواْ } أولا {وَقُتّلُواْ } مشددة قيل: التشديد للمبالغة وتكرر القتل فيهم كقوله: {أية : مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ } تفسير : [صۤ: 50] وقيل: قطعوا عن الحسن، وقرأ حمزة والكسائي {وَقُتّلُواْ } بغير ألف أولا {وَقَاتِلُواْ } بالالف بعده وفيه وجوه: الأول: أن الواو لا توجب الترتيب كما في قوله: {أية : وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى }تفسير : [آل عمران: 43] والثاني: على قولهم: قتلنا ورب الكعبة، اذا ظهرت أمارات القتل، أو اذا قتل قومه وعشائره. والثالث: باضمار «قد» أي قتلوا وقد قاتلوا. ثم ان الله تعالى وعد من فعل هذا بأمور ثلاثة: أولها: محو السيئات وغفران الذنوب وهو قوله: {لأُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ } وذلك هو الذي طلبوه بقولهم: {أية : فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا } تفسير : [آل عمران: 193] وثانيها إعطاء الثواب العظيم وهو قوله: {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } وهو الذي طلبوه بقولهم: وآتنا ما وعدتنا على رسلك، وثالثها: أن يكون ذلك الثواب ثوابا عظيما مقرونا بالتعظيم والاجلال وهو قوله: {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } وهو الذي قالوه: {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } لانه سبحانه هو العظيم الذي لا نهاية لعظمته، واذا قال السلطان العظيم لعبده: اني أخلع عليك خلعة من عندي دل ذلك على كون تلك الخلعة في نهاية الشرف وقوله: {ثَوَاباً } مصدر مؤكد، والتقدير: لأثيبنهم ثوابا من عند الله، أي لأثيبنهم إثابة أو تثويبا من عند الله، لان قوله لأكفرن عنهم ولأدخلنهم في معنى لأثيبنهم. ثم قال: {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ } وهو تأكيد ليكون ذلك الثواب في غاية الشرف لأنه تعالى لما كان قادرا على كل المقدورات، عالما بكل المعلومات، غنياً عن الحاجات، كان لا محالة في غاية الكرم والجود والاحسان، فكان عنده حسن الثواب. روي عن جعفر الصادق أنه قال: من حزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية، قال: لأن الله حكى عنهم أنهم قالوا خمس مرات: ربنا، ثم أخبر أنه استجاب لهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} أي: فأجابهم ربهم، كما قال الشاعر:شعر : وداعٍ دَعا: يا مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عندَ ذاكَ مُجيبُ تفسير : قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن سلمة، رجل من آل أم سلمة، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء. فأنزل الله تعالى: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} إلى آخر الآية. وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا. وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة، ثم قال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت: آخر آية نزلت هذه الآية: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} إلى آخرها، رواه ابن مردويه، ومعنى الآية أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا ما سألوا مما تقدم ذكره، فاستجاب لهم ربهم عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} تفسير : [البقرة: 186] وقوله تعالى: {أَنِّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} هذا تفسير للإجابة، أي: قال لهم مجيباً لهم إنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يوفى كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى، وقوله: {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} أي: جميعكم في ثوابي سواء، {فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ} أي: تركوا دار الشرك، وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والإخوان والخلان والجيران، {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ} أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم، ولهذا قال: {وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى} أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: {أية : يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّـٰكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ}تفسير : [الممتحنة: 1] وقال تعالى: {أية : وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [البروج: 8]. وقوله تعالى: {وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ} وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيحين أن رجلاً قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : ثم قال: «حديث : كيف قلت؟»تفسير : فأعاد عليه ما قال، فقال: «حديث : نعم، إلا الذي، قاله لي جبريل آنفاً»تفسير : ولهذا قال تعالى: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَـٰتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقوله: {ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ} أضافه إليه ونسبه إليه؛ ليدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلاً كثيراً، كما قال الشاعر:شعر : إن يُعَذبْ يَكُنْ غَراماً وإِنْ يُعْـ ـطِ جَزيلاً فَإِنَّهُ لا يُبالي تفسير : وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} أي: عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحاً. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن دحيم بن إبراهيم قال: قال الوليد بن مسلم، أخبرني حَريز بن عثمان أن شداد بن أوس كان يقول: يا أيها الناس، لا تتهموا الله في قضائه؛ فإنه لا يبغي على مؤمن، فإذا أنزل بأحدكم شيء مما يحب، فليحمد الله، وإذا أنزل به شيء مما يكره، فليصبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ } دعاءهم {أنّى } أي بأني {لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم } كائن {مّن بَعْضٍ } أي الذكور من الإناث وبالعكس، والجملة مؤكدة لما قبلها: أي هم سواء في المجازاة بالأعمال وترك تضييعها، نزلت لما قالت أم سلمة: يا رسول الله إني لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء {فَٱلَّذِينَ هَٰجَرُواْ } من مكة إلى المدينة {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } ديني {وَقَاتِلُواْ } الكفار {وَقُتّلُواْ } بالتخفيف والتشديد. وفي قراءة بتقديمه {لأُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَٰتِهِمْ } أسترها بالمغفرة {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَٰرُ ثَوَاباً } مصدر مِن معنى لأكفرنّ مؤكد له {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } فيه التفات عن التكلم {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ } الجزاء.

الشوكاني

تفسير : قوله: {فَٱسْتَجَابَ } الاستجابة بمعنى: الإجابة؛ وقيل: الإجابة عامة، والاستجابة خاصة بإعطاء المسئول، وهذا الفعل يتعدى بنفسه، وباللام، يقال استجابه، واستجاب له، والفاء للعطف؛ وقيل: على مقدّر: أي: دعوا بهذه الأدعية، فاستجاب لهم، وقيل: على قوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ } وإنما ذكر سبحانه الاستجابة، وما بعدها في جملة ما لهم من الأوصاف الحسنة؛ لأنها منه، إذ من أجيبت دعوته، فقد رفعت درجته. قوله: {أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } أي بأني، وقرأ عيسى بن عمرو بكسر الهمزة على تقدير القول الأول، وقرأ أبيّ بثبوت الباء، وهي للسببية، أي: فاستجاب لهم ربهم بسبب أنه لا يضيع عمل عامل منهم. والمراد بالإضاعة: ترك الإثابة. قوله: {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} "من" بيانية ومؤكدة لما تقتضيه النكرة الواقعة في سياق النفي من العموم. قوله: {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } أي: رجالكم مثل نسائكم في الطاعة، ونساؤكم مثل رجالكم فيها، والجملة معترضة لبيان كون كل منهما من الآخر باعتبار تشعبهما من أصل واحد. قوله: {فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ } الآية، هذه الجملة تتضمن تفصيل ما أجمل في قوله: {أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ } أي فالذين هاجروا من أوطانهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ } في طاعة الله عزّ وجلّ {وَقَاتِلُواْ } أعداء الله {وَقُتّلُواْ } في سبيل الله، وقرأ ابن كثير، وابن عامر: «وقتّلوا» على التكثير وقرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي: «وقتلوا وقاتلوا» وهو مثل قول الشاعر:شعر : تصابى وأمسى علاه الكبر تفسير : أي: قد علاه الكبر، وأصل الواو لمطلق الجمع بلا ترتيب، كما قال به الجمهور. ولمراد هنا: أنهم قاتلوا، وقتل بعضهم، كما قال امرؤ القيس:شعر : فإن تقتلونا نقتلكمو تفسير : وقرأ عمر بن عبد العزيز: «وقتلوا وقتلوا». ومعنى قوله: {وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } أي: بسببه، والسبيل: الدين الحق. والمراد هنا: ما نالهم من الأذية من المشركين بسبب إيمانهم بالله، وعملهم بما شرعه الله لعباده. وقوله: {لأكَفّرَنَّ } جواب قسم محذوف. وقوله: {ثَوَاباً مّن عِندِ ٱللَّهِ } مصدر مؤكد عند البصريين، لأن معنى قوله: {لأدخلنهم جَنَّـٰتُ } لأثيبنهم ثواباً، أي: إثابة، أو تثويباً كائناً من عند الله. وقال الكسائي: إنه منتصب على الحال. وقال الفراء: على التفسير {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ } أي: حسن الجزاء، وهو ما يرجع على العامل من جزاء عمله من ثاب يثوب: إذا رجع. وقد أخرج سعيد بن منصور، وعبد الرزاق، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن أم سلمة قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ } إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء قال: «ما من عبد يقول يا ربّ يا ربّ يا ربّ ثلاث مرات إلا نظر الله إليه» فذكر للحسن، فقال: أما تقرأ القرآن؟ {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً} إلى قوله: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ }. وأخرج ابن مردويه، عن أم سلمة قالت: آخر آية نزلت هذه الآية: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ } إلى آخرها. وقد ورد في فضل الهجرة أحاديث كثيرة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} حكى مجاهد، وعمرو بن دينار أن سبب نزول هذه الآية أم سلمة قالت: يا رسول الله ما بال الرجال يذكرون في الهجرة دون النساء؟ فنزلت هذه الآية. {بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ} أي الإناث من الذكور، والذكور من الإناث.

ابن عطية

تفسير : {استجاب} استفعل بمعنى أجاب، فليس استفعل على بابه من طلب الشيء بل هو كما قال الشاعر: [الطويل] شعر : وداعٍ دَعَا يا مَنْ يُجيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ تفسير : أي لم يجبه، وقوله: {أني} يجوز أن تكون "أن" مفسرة ويمكن أن تكون بمعنى "أني"، وقرأ عيسى ابن عمر: "إني" بكسر الهمزة، وهذه آية وعد من الله تعالى: أي هذا فعله مع الذين يتصفون بما ذكر، وروي أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، قد ذكر الله تعالى الرجال في الهجرة ولم يذكر النساء في شيء من ذلك، فنزلت الآية، ونزلت آيات في معناها فيها ذكر النساء، وقوله: {من ذكر} تبيين لجنس العامل، وقال قوم: {من } زائدة لتقدم النفي من الكلام وقوله تعالى: {بعضكم من بعض} يعني في الأجر وتقبل العمل، أي إن الرجال والنساء في ذلك على حد واحد، وبيّن تعالى حال المهاجرين، ثم الآية بعد تنسحب على كل من أوذي في الله تعالى وهاجر أيضاً إلى الله تعالى وإن كان اسم الهجرة وفصلها الخاص بها قد انقطع بعد الفتح، فالمعنى باق إلى يوم القيامة، {أية : والله يضاعف لمن يشاء} تفسير : [البقرة: 261] و"هاجر" مفاعلة من اثنين، وذلك أن الذي يهجر وطنه وقرابته في الله كان الوطن والقرابة يهجرونه أيضاً فهي مهاجرة، وقوله تعالى: {وأخرجوا من ديارهم} عبارة إلزام ذنب للكفار، وذلك أن المهاجرين إنما أخرجهم سوء العشرة وقبيح الأفعال فخرجوا باختيارهم فإذا جاء الكلام في مضمار إلزام الذنب، للكفار قيل أخرجوا من ديارهم، وإخراج أهله منه أكبر عند الله، إلى غير ذلك من الأمثلة، وإذا جاء الكلام في مضمار الفخر والقوة على الأعداء، تمسك بالوجه الآخر من أنهم خرجوا برأيهم، فمن ذلك إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان بن الحارث حين أنشده: [الطويل] شعر : (وردني... إلى الله من طردت كل مطردِ) تفسير : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت طردتني كل مطرد؟ إنكاراً عليه ومن ذلك قول كعب بن زهير: [البسيط] شعر : في عصبةٍ مِنْ قريشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ ببطنِ مَكَّةَ لَمَّا أسْلَمُوا زُولُوا زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلاَ كُشُفٌ عِنْدَ اللّقَاءِ وَلاَ مِيلٌ مَعَازِيلُ تفسير : وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو: "وقاتلوا وقتُلوا" بتخفيف التاء وضم القاف، ومعنى هذه القراءة بيّن، وقرأ ابن كثير: "وقاتلوا وقتّلوا" بتشديد التاء وهي في المعنى كالأولى في المبالغة في القتل، وقرأ حمزة والكسائي: "وقتلوا وقاتلوا" يبدآن بالفعل المبني للمفعول به، وكذلك اختلافهم في سورة التوبة، غير أن ابن كثير وابن عامر يشددان في التوبة، ومعنى قراءة حمزة هذه: إما أن لا تعطى الواو رتبة لأن المعطوف بالواو يجوز أن يكون أولاً في المعنى وليس كذلك العطف بالفاء، ويجوز أن يكون المعنى وقتلوا وقاتل باقيهم فتشبه الآية قوله تعالى: {أية : فما وهنوا لما أصابهم} تفسير : [آل عمران: 146] على تأويل من رأى أن القتل وقع بالربيين، وقرأ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: و"قَتَلوا" بفتح القاف والتاء من غير ألف، و"قُتِلوا" بضم القاف وكسر التاء خفيفة، وهي قراءة حسنة المعنى مستوفية للفضلين على الترتيب المتعارف، وقرأ محارب بن ثار: "وقَتلوا" بفتح القاف "وقاتلوا"، وقرأ طلحة بن مصرف: "وقُتّلوا" بضم القاف وشد التاء "وقاتلوا" وهذه يدخلها إما رفض رتبة الواو، وإما أنه قاتل من بقي، واللام في قوله: {لأكفرن} لام القسم و {ثواباً} مصدر مؤكد مثل قوله: {أية : صنع الله} تفسير : [النمل: 88] و {أية : كتاب الله عليكم} تفسير : [النساء: 24] وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} قالت أم سلمة: يا رسول الله, ما بال الرجال يذكرون في الهجرة دون النساء فنزلت {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} الإناث من الذكور والذكور من الإناث.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ...} الآية: ٱستَجَابَ بمعنَىٰ أَجَابَ، رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ (رضي اللَّه عنها) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيةُ. وهِيَ آية وعدٍ مِنَ اللَّه، أي: هذا فعلُهُ سبحانه مع الذي يَتَّصِفُونَ بما ذكر، قال الفَخْر: رُوِيَ عن جعفرٍ الصادِقِ؛ أنه قال: مَنْ حَزَبَهُ أمْرٌ فقال خَمْسَ مَرَّاتٍ: ربَّنا ـــ أنجاه اللَّه ممَّا يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية؛ قَالَ: لأنَّ اللَّه تعالَىٰ حكَىٰ عنهم؛ أنهم قالوا: رَبَّنَا؛ خَمْسَ مرَّاتٍ، ثم أخبر أنه ٱستجابَ لَهُم. انتهى. وقوله تعالى: {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ}، يعني: في الأجْرِ، وتقبُّلِ الأعمالِ، أي: أنَّ الرجَالَ والنساء في ذلك علَىٰ حدٍّ واحدٍ، قال الفَخْر: قوله سبحانه: {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ}، أي: شِبْهُ بَعْضٍ، أو مثلُ بعضٍ، والمعنَىٰ: أنه لا تفاوُتَ في الثواب بَيْن الذَّكَر والأنثَىٰ؛ إذا استَوَوْا في الطَاعة؛ وهذا يدُلُّ علَىٰ أن الفَضْل في باب الدِّين، إنما هو بالأعمال، لا بِسِرِّ صفاتِ العامِلِينَ؛ لأن كونهم ذكراً أو أنثَىٰ، أوْ مِنْ نَسَبٍ خسيسٍ أو شريفٍ ـــ لا تأثير له في هذا الباب. انتهى. وبَيَّن سبحانه حَالَ المهاجِرِينَ، ثم الآيةُ بَعْدُ تنسحبُ علَىٰ كلِّ مَنْ أُوذِيَ في اللَّه، وهاجر أيضًا إلى اللَّه إلَىٰ يوم القيامة. وقوله سبحانه: {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ}: عبارةٌ فيها إلزامُ الذَّنْب للكفَّار، واللامُ في قوله: {لأَكَفّرَنَّ}: لامُ القَسَمِ، و {ثَوَاباً}: مصدرٌ موكِّد، وباقي الآية بيِّن. وقوله سبحانه: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلَـٰدِ...} الآية: نُزِّلَتْ: {لاَ يَغُرَّنَّكَ} في هذه الآيةِ مَنْزِلَةَ: «لا تَظُنَّ»؛ أنَّ حال الكُفَّار حسنةٌ، والخطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمراد أمَّته، والتقلُّب: التصرُّف في التجاراتِ، والأرباحِ، والحُرُوب، وسائرِ الآمالِ؛ وقوله: {نُزُلاً}: معناه تَكْرِمَةً. وقوله تعالى: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ} يحتملُ أن يريد: خَيْرٌ مِمَّا هؤلاءِ فيه، من التقلُّب والتنعُّم، ويحتمل أنْ يريد: خَيْرٌ ممَّا هم فيه في الدُّنْيا، وفي الحديث عَنْه صلى الله عليه وسلم: «حديث : الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الكَافِرِ»تفسير : قال القاضِي ابْنُ الطَّيِّب: هذا بالإضافة إلى ما يصير إلَيْه كلُّ واحد منْهما في الآخرةِ، وقيل: المعنَىٰ أنها سِجْنُ المؤمن؛ لأنها موضعُ تَعَبِهِ في الطاعة.

ابن عادل

تفسير : {فَٱسْتَجَابَ} بمعنى: أجَابَ ويتعدى بنفسه وباللام، وتقدم تحقيقه في قوله: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي}. ونقل تاج القراء أن "أجَابَ" عام، و "اسْتَجَابَ" خاص في حصول المطلوب. قال الحسن: ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم. وقال جعفر الصادق: من حزبه أمرٌ فقال خمس مرات "ربّنا" نجّاه مما يخاف، وأعطاه ما أراد، قيل: وكيف ذلك؟ قال اقرءوا: {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً} تفسير : [آل عمران: 191] إلى قوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} تفسير : [آل عمران: 194]. قوله تعالى: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ} الجمهور على فتح "أن" والأصل: بأني، فيجيء فيها المذهبان، وقل أن يأتي على هذا الأصل، وقرأ عيسى بن عمر بالكسر، وفيها وجهان: أحدهما: على إضمار القول أي: فقال: إني. والثاني: أنه على الحكاية بـ "استجاب"؛ لأن فيه معنى القول، وهو رأي الكوفيين. قوله: "لا أضيع" الجمهور على "أضيع" من أضاع، وقرئ بالتشديد والتضعيف، والهمزة فيه للنقل كقوله: [الطويل] شعر : 1717- كمُرْضِعَةٍ أوْلاَدَ أخْرَى وَضَيَّعَتْ بَنِي بَطْنِهَا هَذَا الضَّلالُ عَنِ الْقَصْدِ تفسير : قوله: "منكم" في موضع جر صفة لـ: "عامل"، أي: كائناً منكم. قوله: {من ذكر وأنثى} فيه خمسة أوجهٍ: أحدها: أن "مِنْ" لبيان الجنسِ، بيِّن جنس العامل، والتقدير: الذي هو ذكرٌ أو أنثى، وإن كان بعضهم قد اشترطَ في البيانيةِ أنْ تدخلَ على معرَّفٍ بلامِ الجنسِ. ثانيها: أنَّهَا زائدةٌ، لتقدم النفي في الكلام، وعلى هذا فيكون {مِّن ذَكَرٍ} بدلاً من نفس "عَامِلٍ"، كأنه قيل: عامل ذكر أو أنثى، ولكنْ فيه نظرٌ؛ من حيثُ إنَّ البدلَ لا يُزاد فيه "من". ثالثها: أنها متعلقة بمحذوف؛ لأنها حالٌ من الضمير المستكن في "مِنْكُمْ"؛ لأنه لما وقع صفة تحمَّل ضميراً، والعامل في الحال العامل في "مِنْكُمْ" أي: عامل كائن منكم كائناً من ذكر. رابعها: أن يكون "مِنْ ذكرٍ" بدلاً من "مِنْكُمْ" قال أبو البقاء: "وهو بدلُ الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة". يعني فيكون بدلاً تفصيليًّا بإعادة العامل، كقوله: {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} تفسير : [الأعراف: 75] وقوله: {أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ} تفسير : [الزخرف: 33] وفيه إشكالٌ من وجهينِ: الأول: أنه بدل ظاهر من حاضر في بدل كل من كل، وهو لا يجوز إلا عند الأخفش، وقيَّد بعضُهم جوازه بأن يفيد إحاطة، كقوله: [الطويل] شعر : 1718- فَمَا بَرِحَتْ أقْدامُنَا فِي مَكَانِنَا ثَلاَثَتُنَا حَتَّى أرينَا الْمَنَائِيَا تفسير : وقوله تعالى: {أية : تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} تفسير : [المائدة: 114] فلما أفاد الإحاطةَ والتأكيدَ جاز، واستدل الأخْفَش بقول الشّاعرِ: [البسيط] شعر : 1719- بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وَأمَّ نَهْجَ الْهُدَى مَنْ كَانَ ضِلِّيلا تفسير : وقول الآخرِ: [الطويل] شعر : 1720- وَشَوْهَاءَ تَعْدُو بِي إلَى صَارِخِ الْوَغَى بِمُسْتَلئِمٍ مِثْلِ الْفَنِيقِ المُدَجَّلِ تفسير : فـ "قريش" بدلٌ من "كم" و "بمستلئم" بدل من "بي" بإعادة حرف الجر، وليس ثَمَّ إحاطة ولا تأكيد، فمذهبه يتمشى على رأي الأخفشِ دون الجمهورِ. الثاني: أن البدلَ التفصيليّ لا يكون بـ "أو" إنما يكون بالواو؛ لأنها للجمع. كقولِ الشّاعرِ: [الطويل] شعر : 1721- وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيِنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ وَرِجْلٍ رَمَى فِيهَا الزَّمَانُ فَشَلَّتِ تفسير : ويُمكن أن يجابَ عنه بأن "أو" قد تأتي بمعنى الواو. كما في قول الشّاعرِ: [الكامل] شعر : 1722- قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّرِيخَ رَأَتَهُمْ مَا بَيْنَ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سَافِعِ تفسير : فـ "أو" بمعنى الواو، لأن "بين" لا تدخل إلا على متعدد، وكذلك هنا لما كان "عامل" عاماً أبْدِلَ منه على سبيل التوكيدِ، وعطف على أحد الجزأين ما لا بد له منه؛ لأنه لا يؤكَّد العموم إلا بعموم مثله. خامسها: أن يكون {مِّن ذَكَرٍ} صفة ثانية لـِ "عامل" قصد بها التوضيح، فيتعلق بمحذوف كالتي قبلها. قوله: {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} مبتدأٌ وخبرٌ، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ: الأولُ: أنَّ هذه الجملةَ استئنافيةٌ، جيء بها لتبيين شركة النساء مع الرجالِ في الثَّواب الذي وَعَدَ الله به عباده العاملين؛ لأنه روي في سبب النزولِ، أنَّ أمَّ سلمة رضي الله عنها قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إني لأسْمَع الله يذكر الرِّجَالَ في الهجرة، ولا يذكر النَِّسَاءَ، فنزلت الآية. والمعنى: كما أنكم من أصلٍ واحدٍ، وأن بعضكم مأخوذٌ من بعضٍ، كذلك أنتم في ثواب العملِ، لا يُثابُ عامل دون امرأةٍ عاملةٍ. وعبَّر الزمخشريُّ عن هذا بأنها جملة معترضة، قال: "وهذه جملةٌ معترضةٌ ثبت بها شركة النساءِ مع الرّجال فيما وعد اللَّهُ عباده العاملينَ". ويعني بالاعتراض أنها جيء بها بين قوله: {عَمَلَ عَامِلٍ} وبين ما فُصِّل به عملُ العاملِ من قوله: {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} ولذا قال الزمخشريُّ: {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} تفصيل لعمل العاملِ منهم على سبيل التعظيمِ لَهُ. الثاني: أنَّ هذه الجملَة صِفَةٌ. الثالث: أنَّها حالٌ، ذكرهما أبو البقاءِ، ولم يُعيِّن الموصوف ولا ذا الحال، وفيه نظرٌ. قال الكلبي: {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} في الدين والنصرة والموالاة. وقيل: كلكم من آدم وحوَّاء، وقال الضّحّاك: [رجالكم] شكب نسائكم، ونساؤكم شكل رجالِكم في الطاعات؛ لقوله: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71]. وقيل: "مِنْ" بمعنى اللامِ، أي: بعضكم لبعض ومثل بعض في الثّواب على الطاعة والعقاب على المعصية. قال القفَّالُ: هذا من قولكم: فلان مني، أي: عَلَى خلقي وسيرتي. قال تعالى: {أية : فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} تفسير : [البقرة: 249] وقال - عليه السَّلامُ: "حديث : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" تفسير : فقوله: {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} أي: بعضكم شبه بعض في استحقاق الثوابِ على الطَّاعة والعقاب على المعصية. فصل ليس المرادُ أنه لا يُضِيع نفس العمل؛ لأن العملَ - كما وجد - تلاشى وفني، بل المرادُ أنه لا يُضِيع ثوابَ العملِ، والإضاعة: عبارة عن تَرْكِ الإثابةِ، "لاَ أضِيعُ" نفي للنفي، فيكون إثباتاً، فيصير المعنى: إني أوَصِّل ثوابَ أعمالِكم إليكم، وإذا ثبت ذلك فالآية دالَّةٌ على أن أحَداً من المؤمنين لا يُخَلَّد في النار؛ لأنه بعمله الصالح استحق ثواباً، وبمعصيته استحق عقاباً، فلا بد من وصولهما إليه - بحكم هذه الآية - والجمع بينهما مُحَالٌ، فإما أن يقدم الثواب، ثم يعاقب، وهو باطلٌ بالإجماعِ، أو يقدم العقاب، ثم ينقل إلى الثّوابِ. وهو المطلوب. فإن قيلَ: القوم طلبوا - أولاً - غفران الذنوب، وثانياً: إعطاء الثواب، فقوله: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} إجابة لهم في إعطاء الثواب، فأين الجوابُ في طلب غُفْران الذنوب. فالجواب أنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب، لكن يلزم من حصول الثّوابِ إسقاط العذاب فصار قوله: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ} إجابةً لدعائهم في المطلوبَيْن. قال ابنُ الخطيبِ: "وعندي - في الآية - وَجْه آخر، وهو أن المراد من قوله: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ} أي لا أُضيع دُعاءكم. وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء، فكان المراد منه أنه حصلت إجابة دعائكم في كل ما طلبتموه وسألتموه". قوله: {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} مبتدأ، وقوله: {لأُكَفِّرَنَّ} جواب قسم محذوف، تقديره: والله لأكَفِّرَنَّ، وهذا القسم وجوابه خبر لهذا المبتدأ. وفي هذه الآية ونظائرها من قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} تفسير : [العنكبوت: 69] وقولِ الشاعر: [الكامل] شعر : 1723- جَشَأتْ فَقُلْتُ اللَّذْ جَشَأتِ لَيَأتِيَنْ وَإذَا أتَاكِ فَلاَتَ حِينَ مَنَاصِ تفسير : رَدٌّ على ثعلبٍ؛ حيث زعم أن الجملةَ القسميةَ لا تقع خبراً، وله أن يقول: هذه معمولة لقول مُضْمَر هو الخبرُ - وله نظائر. والظاهرُ أن هذه الجُمَل - التي بعد الموصولِ - كُلَّها صِلات له، فلا يكون الخبرُ إلا لمن جمع بين هذه الصفاتِ: المهاجرة، والقَتْل، والقتال. ويجوز أن يكون ذلك على التنويع، ويكون قد حَذف الموصولات لفَهْم المعنى وهو مذهب الكوفيين كما تقدم، والتقدير: فالذين هاجروا والذين أخْرِجوا، والذين قاتلوا، فيكون الخبر بقوله: {لأُكَفِّرَنَّ} عمن اتصف بواحدةٍ من هذه. وقرأ جمهورُ السبعة: "وَقَاتَلُوا وَقُتِلوا" ببناء للفاعلِ من المفاعَلةِ، والثاني للمفعول، وهي قراءة واضحة. وابنُ عامرٍ، وابن كثيرٍ كذلك، إلا أنهما شدَّدَا التاء من "قُتلوا" للتكثير، وحمزة والكسائي بعكس هذا، ببناء الأولِ للمفعول، والثاني للفاعلِ، وتوجيه هذه القراءة بأحدِ معنيينِ: الأول: أنّ الواو لا تقتضي الترتيب، كقوله: {أية : وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي} تفسير : [آل عمران: 43] فلذلك قدم معها ما هو متأخرٌ عنها في المعنى، هذا إن حَمَلْنا ذلك على اتحاد الأشخاصِ الذِينَ صدر منهم هذانِ الفعلانِ. الثاني: أن تحمل ذلك على التوزيع، أي: منهم مَنْ قُتِل، ومنهم مَنْ قاتل كقولهم: قُتِلْنا ورَبِّ الكعبة إذا ظهرت أماراتُ القتلِ فيهم وهذه الآيةُ في المعنى كقوله: {أية : قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 146] والخلافُ في هذه كالخلافِ في قوله: {أية : فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} تفسير : [التوبة: 111] والتوجيهُ هناك كالتوجيهِ هنا. وقرأ عمر بن عبد العزيز وقَتَلوا وقُتِلوا - ببناء الأولِ للفاعل، والثاني للمفعول - من "فعل" ثلاثياً، وهي كقراءة الجماعة، وقرأ محارب بن دثار: وقَتَلوا وقَاتَلُوا - ببنائهما للفاعل - وقرأ طلحة بن مُصرِّف: وقُتِّلوا وقاتلوا، كقراءة حمزة والكسائي، إلا أنه شدد التاء، والتخريج كتخريج قراءتهما. ونقل أبو حيّان - عن الحسنِ وأبي رجاء - قاتلوا وقتّلوا، بتشديد التاءِ من "قُتّلوا" وهذه هي قراءة ابن كثيرٍ وابن عامرٍ - كما تقدم - وكأنه لم يعرف أنها قراءتهما. فصل هذه في المهاجرينَ الذين أخرجهم المشركون من ديارهم، فقوله: {وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} أي: في طاعتي وديني. {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ثَوَاباً} قوله: "ثواباً" في نصبه ثمانية أوجهٍ: أحدها: أنه نصب على المصدر المؤكد؛ لأن معنى الجملةِ قبله تقتضيه، والتقدير: لأثيبَنَّهم إثابة أو تثويباً، فوضع "ثَوَاباً" موضع أحد هذينِ المصدرينِ؛ لأن الثوابَ - في الأصل - اسم لما يُثَابُ به، كالعطاء - اسم لما يُعْطَى - ثم قد يقعان موضع المصدر، وهو نظير قوله: {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ} تفسير : [النمل: 88] و {أية : وَعْدَ ٱللَّهِ} تفسير : [القصص: 13] في كونهما مؤكدينِ. ثانيهما: أن يكون حالاً من "جَنَّاتٍ" أي: مثاباً بها - وجاز ذلك وإن كانت نكرة؛ لتخصصها بالصفة. ثالثها: أنها حالٌ من ضمير المفعول، أي: مثابين. رابعها: أنه حالٌ من الضمير في "تَجْرِي" العائد على "جَنَّات" وخصَّص أبو البقاء كونه حالاً بجَعْله بمعنى الشيء المُثَاب بِهِ، قال: وقد يقع بمعنى الشيء المثاب به، كقولك: هذا الدرهم ثوابك، فعلى هذا يجوز أن يكونَ حالاً من [ضمير الجنّاتِ، أي: مثاباً بها، ويجوز أن يكون حالاً من] ضمير المفعول به في "لأدْخِلَنَّهُم". خامسها: نصبه بفعل محذوف، أي: نعطيهم ثواباً. سادسها: أنه بدل من "جَنَّاتٍ" وقالوا: على تضمين "لأدْخِلَنَّهُمْ" لأعْطِيَنَّهُمْ، لما رأوا أنَّ الثوابَ لا يصح أن ينسب إليه الدخولُ فيه، احتاجوا إلى ذلك. ولقائل أن يقول: جعل الثواب ظرفاً لهم، مبالغة، كما قيل في قوله: {أية : تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} تفسير : [الحشر: 9]. سابعها: أنه نصب على التمييز، وهو مذهب الفرّاء. ثامنها: أنه منصوبٌ على القطعِ، وهو مذهبُ الكسائيّ، إلا أن مَكِّياً لما نقل هذا عن الكسائي فَسَّر القطع بكونه على الحالِ، وعلى الجملة فهذانِ وجهانِ غريبانِ. وقوله: {مِّن عِندِ ٱللَّهِ} صفةٌ له، وهذا يدل على كون ذلك الثَّوابِ في غايةِ الشرف، كقول السلطانِ العظيم: أخلع عليك خلعة من عندِي. قوله: {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} الأحسن أن يرتفع {حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} على الفاعلية بالظرف قبله؛ لاعتماده على المبتدأ قَبْله، والتقدير: والله استقر عنده حُسْنُ الثَّوابِ. ويجوز أن يكون مبتدأ، والظرف قبله خبره، والجملة خبرُ الأولِ. وإنما كان الوجه الأول أحسنَ؛ لأنّ فيه الإخبار بمفرد - وهو الأصل - بخلاف الثّانِي، فإنَّ الإخبار فيه بجملة وهذا تأكيد لكونه ذلك الثوابِ في غايةِ الشرفِ.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أم سلمة قالت ‏"‏يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء‏!‏ فأنزل الله ‏ {‏فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى‏}‏ إلى آخر الآية قالت الأنصار‏:‏ هي أول ظعينة قدمت علينا‏"‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت‏:‏ آخر آية نزلت هذه الآية ‏{‏فاستجاب لهم ربهم‏} ‏ إلى آخرها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال‏:‏ ما من عبد يقول‏:‏ يا رب يا رب يا رب ثلاث مرات إلا نظر الله إليه‏.‏ فذكر للحسن فقال‏:‏ أما تقرأ القرآن {أية : ‏ربنا إننا سمعنا منادياً‏}‏ ‏تفسير : [‏آل عمران: 193‏]‏ إلى قوله ‏ {‏فاستجاب لهم ربهم‏} ‏‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏فالذين هاجروا‏} ‏ الآية‏.‏ أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال‏:‏ هم المهاجرون أخرجوا من كل وجه‏.‏ وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن أول ثلة الجنة الفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره‏.‏ إذا أُمِروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وأن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول‏:‏ أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وقُتِلوا وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي‏؟‏‏!‏ أدخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، ويأتي الملائكة فيسجدون ويقولون‏:‏ ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا‏؟‏ فيقول‏:‏ هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي‏.‏ فتدخل الملائكة عليهم من كل باب ‏{سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار‏}‏ ‏[‏الرعد: 24‏]‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه ‏"حديث : عن عبد الله بن عمرو قال ‏قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي‏؟ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏!‏ قال‏: المهاجرون، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون فتقول لهم الخزنة‏:‏ أوقد حوسبتم‏؟‏ قالوا‏:‏ بأي شيء نحاسب وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك‏!‏ قال‏:‏ فيفتح لهم فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخل الناس‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏دخلت الجنة فسمعت فيها حشفة بين يدي فقلت‏:‏ ما هذا‏؟‏ قال‏:‏ بلال، فمضيت فإذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المسلمين، ولم أر أحداً أقل من الأغنياء والنساء‏.‏ قيل لي‏:‏ أما الأغنياء فهم بالباب يحاسبون ويمحصون، وأما النساء فألهاهن الأحمران‏:‏ الذهب والحرير‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن أبي الصديق عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بأربعمائة عام، حتى يقول المؤمن الغني‏:‏ يا ليتني كنت نحيلا‏ً.‏ قيل‏:‏ يا رسول الله صفهم لنا قال‏:‏ هم الذين إذا كان مكروه بعثوا له، وإذا كان مغنم بعث إليه سواهم، وهم الذين يحجبون عن الأبواب ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن سعيد بن عامر بن حزم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : يدخل فقراء المسلمين قبل الأغنياء الجنة بخمسين سنة، حتى إن الرجل من الأغنياء ليدخل في غمارهم فيؤخذ بيده فيستخرج ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ يجمعون فيقول أين فقراء هذه الأمة ومساكينها‏؟‏ فيبرزون‏.‏ فيقال‏:‏ ما عندكم‏؟‏ فيقولون‏:‏ يا رب ابتلينا فصبرنا وأنت أعلم، وَوَلَّيْتَ الأموال والسلطان غيرنا‏.‏ فيقال‏:‏ صدقتم‏.‏ فيدخلون الجنة قبل سائر الناس بزمن، وتبقى شدة الحساب على ذوي الأموال والسلطان‏.‏ قيل‏:‏ فأين المؤمنون يومئذ‏؟‏ قال‏:‏ يوضع لهم كراسي من نور، ويظلل عليهم الغمام، ويكون ذلك اليوم أقصر عليهم من ساعة من نهار‏.‏ والله أعلم‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏والله عنده حسن الثواب‏}‏‏ .‏ أخرج ابن أبي حاتم عن شداد بن أوس قال‏:‏ يا أيها الناس لا تتهموا الله في قضائه فإن الله لا يبغي على مؤمن، فإذا نزل بأحدكم شيء مما يحب فليحمد الله، وإذا نزل به شيء يكره فليصبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} الاستجابةُ بمعنى الإجابة، وقال تاجُ القراء: الإجابة عامةٌ والاستجابة خاصةٌ بإعطاء المسؤولِ، وتتعدى باللام وبنفسها كما في قوله: [الطويل] شعر : [وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندي] فلم يستجبْهُ عند ذاك مُجيبُ تفسير : وهو عطفٌ على الاستئنافِ المقدَّرِ فيما سلف، مترتبٌ على ما في حيزه من الأدعية كما أن قوله عز وجل: {أية : ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } تفسير : [يونس، الآية 52] الخ عطفٌ على قيل المقدَّرِ قبل الآنَ، أي قيل لهم آلآْنَ آمنتم به؟ ثم قيل الآية وكما أن قوله تعالى في سورة الأعراف:{أية : وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [الأعراف، الآية 100] معطوفٌ على ما دل عليه معنى {أية : أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ } تفسير : [السجدة، الآية 26] الخ كأنه قيل يغفُلون عن الهداية ونطبَع الخ ولا ضيرَ في اختلافهما صيغةً لما أن صيغةَ المستقبلِ هناك للدِلالة على الاستمرار المناسبِ لمقام الدعاءِ، وصيغةَ الماضي هٰهنا للإيذان بتحقيق الاستجابةِ وتقرّرِها كما لا ضير في الاختلاف بـين قوله تعالى: {أية : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } تفسير : [الأنفال، الآية 9] وبـين ما عُطف عليه من قوله تعالى: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ } تفسير : [الأنفال، الآية 9] كما سيأتي، ويجوز أن يكون معطوفاً على مضمَرٍ ينساق إليه الذهنُ، أي دَعَوا بهذه الأدعيةِ فاستجاب الخ وأما على تقدير كونِ المقدرِ حالاً فهو عطفٌ على يتفكرون باعتبار مقارنتِه لما وقع حالاً من فاعله، أعني قوله تعالى ربنا ربنا الخ فإن الاستجابةَ مترتبةٌ على دَعَواتهم لا على مجرد تفكّرِهم، وحيث كانت هي من أوصافهم الجميلةِ المترتبةِ على أعمالهم بالآخرة استحقت الانتظامَ في سلك محاسِنهم المعدودةِ في أثناء مدحِهم، وأما على تقدير كونِ الموصولِ نعتاً لأولي الألبابِ فلا مَساغَ لهذا العطفِ أصلاً لما عرفتَ من أن حقَّ ما في حيِّز الصلةِ أن يكون من مبادي جَرَيانِ الحُكمِ على الموصول، وقد عرفت أن دَعَواتِهم السابقةَ ليست كذلك، فأين الاستجابةُ المتأخرةُ عنها؟ وفي التعرض لعنوان الربوبـيةِ المنبئةِ عن التبليغ إلى الكمال ــ مع الإضافةِ إلى ضميرهم من تشريفهم وإظهارِ اللطفِ بهم ــ ما لا يخفى. {أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ} أي بأني، وهكذا قرأ أُبـيٌّ رضي الله عنه، والباءُ للسببـية كأنه قيل فاستجاب لهم ربُّهم بسبب أنه لا يُضيع عملَ عامل منهم أي سُنّتُه السنيةُ مستمرَّةٌ على ذلك، والالتفاتُ إلى التكلم، والخطابُ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بشأن الاستجابةِ وتشريفِ الداعين بشرف الخطاب، والمرادُ تأكيدُها ببـيان سببها والإشعارُ بأن مدارَها أعمالهم التي قدموها على الدعاء لا مجردُ الدعاءِ. وتعميمُ الوعدِ لسائر العاملين وإن لم يبلُغوا درجةَ أولي الألبابِ لتأكيد استجابةِ الدعواتِ المذكورةِ، والتعبـيرُ عن ترْك الإثابةِ بالإضاعة مع أنه ليس بإضاعة حقيقةٍ إذ الأعمالُ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزَمَ من تخلّفه عنها ضياعُها لبـيان كمالِ نزاهتِه تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدورُه عنه من القبائح، وإبرازِ الإثابةِ في معرض الأمورِ الواجبةِ عليه. وقرىء بكسر الهمزةِ على إرادة القولِ أي قائلاً إني الخ فلا التفاتَ حينئذٍ وقرىء لا أُضيِّع بالتشديد، ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لعامل، أي عاملٍ كائنٍ منكم، وقولُه تعالى: {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} بـيانٌ لعامل وتأكيدٌ لعمومه، وقوله تعالى: {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ} جملةٌ معترضةٌ مبـينةٌ لسبب انتظامِ النساءِ في سلك الرجالِ في الوعد، فإن كونَ كلَ منهما من الآخَر لتشعُّبهما من أصل واحدٍ أو لفرط الاتصالِ بـينهما أو لاتفاقهما في الدين والعملِ بما يستدعي الشركةَ والاتحادَ في ذلك. روي أن أمَّ سلمةَ رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أسمعُ اللَّهَ تعالى يذكرُ الرجالَ في الهجرة ولا يذكرُ النساءَ فنزلت. وقوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ} ضربُ تفصيلٍ لما أُجمل في العمل وتعدادٌ لبعض أحاسنِ أفرادِه على وجه المدحِ والتعظيمِ، أي فالذين هجَروا الشركَ أو الأوطانَ والعشائرَ للدين، وقوله تعالى: {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ} على الأول عبارةٌ عن نفس الهجرةِ وعلى الثاني عن كيفيتها وكونِها بالقسر والاضطرار {وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى} أي بسبب اللَّهِ ومن أجله، وهو متناولٌ لكل أذيةٍ نالتهم من قِبَل المشركين {وَقَاتِلُواْ} أي الكفارَ في سبـيل اللَّهِ تعالى {وَقُتّلُواْ} استُشهدوا في القتال، وقرىء بالعكس لما أن الواوَ لا تستدعي الترتيبَ أو لأن المرادَ قتلُ بعضِهم وقتالُ آخَرين، إذ ليس المعنى على اتصاف كلِّ فردٍ من أفراد الموصولِ المذكورِ بكل واحدٍ مما ذكر في حيز الصلةِ بل على اتصاف الكلِّ بالكل في الجملة، سواءً كان ذلك باتصاف كلِّ فردٍ من الموصول بواحد من الأوصاف المذكورةِ أو بإثنين منها أو بأكثرَ، إما بطريق التوزيعِ أو بطريق حذفِ بعضِ الموصولاتِ من البعض كما هو رأيُ الكوفيـين كيف لا ولو أُدير الحُكمُ على اتصاف كلِّ فردٍ بالكل لكان قد أُضيع عملُ من اتصف بالبعض، وقرىء وقتِّلوا بالتشديد. {لأكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ} جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي واللَّهِ لأكفِّرن، والجملةُ القسميةُ خبرٌ للمبتدأ الذي هو الموصولُ، وهذا تصريحٌ بوعد ما سأله الداعون بخصوصه بعد ما وَعَد ذلك عموماً وقوله تعالى: {وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} إشارة إلى ما عبَّر عنه الداعون فيما قبلُ بقولهم وآتنا ما وعدتنا على رسلك وتفسيرٌ له {ثَوَاباً} مصدرٌ مؤكِّدٌ لما قبله، فإن تكفيرَ السيئاتِ وإدخالَ الجنَّةِ في معنى الإثابة، وقوله تعالى: {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} متعلق بمحذوف هو صفةٌ له مبـينةٌ لشرفه أي لأُثيبنَّهم إثابةً كائنةً أو تثويباً كائناً من عنده تعالى بالغاً إلى المرتبة العاليةِ من الشرف، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، والاسمُ الجليلُ مبتدأٌ خبرُه عنده، وحسنُ الثوابِ مرتفعٌ بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو هو مبتدأٌ ثانٍ والظرفُ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأولِ، والعنديةُ عبارةٌ عن الاختصاص به تعالى مثلُ كونِه بقدرته تعالى وفضلِه بحيث لا يقدِرُ عليه غيرُه بحال شيءٍ يكون بحضرة أحدٍ لا يدَ عليه لغيره، فالاختصاصُ مستفادٌ من التمثيل سواءٌ جُعل عنده خبراً مقدماً لحسن الثوابِ أو لا، وفي تصدير الوعدِ الكريمِ بعدم إضاعةِ العملِ ثم تعقيبه بمثل هذا الإحسانِ الذي لا يُقدَّر قدرُه ــ من لُطف المسلكِ المُنبىءِ عن عظم شأنِ المحسِنِ ــ ما لا يخفى.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} [الآية: 195]. تركوا الشرور وفارقوا قرناء السوء. قوله تعالى: {وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي}. قيل: إن الله تعالى خيّر القوم بصحبة الفقراء ومجالستهم والتزَّين لربهم لأن الفقراء هم طريق الحق، ألا ترى المصطفى صلى الله عليه وسلم لما جلس معهم كيف قال: " حديث : المحيا محياكم والممات مماتكم ".

القشيري

تفسير : كيف لا يستجيب لهم وهو الذي لَقَّنَهُم الدعاء، وهو الذي ضمن لهم الإجابة، ووَعْدُه جميل الثواب على الدعاء زائدٌ على ما يدعون لأَجْل الحوائج. {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ}: يعني الديار والمزار، وجميع المخالفين والموافقين من الأغيار. {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ}: إلى مفارقة معاهدهم من مألوفاتهم. {وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي}: عُيِّروا بالفقر والملام، وفتنوا بفنون المحن والآلام. {وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ}: ذاقوا من اختلاف الأطوار الحلو والمر. {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ}: يعني لنعطينَّهم فوق آمالهم وأكثر، مما استوجبوه بأعمالهم وأحوالهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} فى هذه الاية اشارة الى تنزيه الارواح من الخطرات وتقديس الاشباح من الشهوات هاجروا من غير الله الى الله ثم ان الله تعالى حث الاعداء باخراجهم عن ديارهم لحب عزته العاشقين الصادقين كيلا يركنوا بالطبع والحب الى الاخوان ولاوطان قيل فى تفسيرها تركوا الشرور وفارقوا اقرباء السوء قوله تعالى {وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} ان القوم اذا لم يذوقوا مرارة ايذاء المنكرين لم يبلغوا حقائق الالتجاء الى الله والقرار اليه فايذاء الاضاد يهيج للأولياء الى مقام القبض وضيق الصدرو ذلك محل الامتحان من الله سبحانه لكظمهم غصص غيظ المنكرين لتفتح بعد ذلك أبواب الخطاب وصفاء البسط وسرور المنة قال الجنيد جزى الله اخواننا عنا خير اردونا بحقائقهم الى الله وهذا سنة الله التى قد جرت على اهل سلوك المعارف والكواشف قال تعالى {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} تفسير : قيل غير المقوم بصحبة الفقراء ومجالستهم والتزئى بزيهم لان الفقر هو طريق الحق الا ترى المصطفى صلوات الله عليه لما جلس معهم كيف قال المحيا محياكم الممات مماتكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاستجاب لهم ربهم} الى طلبتهم وهو اخص من اجاب فان اجاب معناه اعطاه الجواب وهو قد يكون بتحصيل المطلوب وبدونه واستجاب انما يقال لتحصيل المطلوب ويعدى بنفسه وباللام {انى} اى بانى {لا اضيع عمل عامل منكم} وهو ما حكى عنهم من المواظبة على ذكر الله تعالى فى جميع حالاتهم والتفكر فى مصنوعاته استدلالا واعتبارا والثناء على الله بالاعتراف بربوبيته وتنزيهه عن العبث وخلق الباطل والاشتغال بالدعاء وجعل هذه الاعمال سببا للاستجابة يدل على ان استجابة الدعاء مشروطة بهذه الشروط وبهذه الامور فلما كان حصول هذه الشرائط عزيزا لا جرم كان الشخص الذى يكون مجاب الدعاء عزيزا {من ذكر او انثى} بيان لعامل وتأكيد لعمومه وهذا يدل على انه لا تفاوت فى الاجابة وفى الثواب بين الذكر والانثى اذا كانا جميعا فى التمسك بالطاعة على التوبة والفضل فى باب الدين بالاعمال لا بسائر صفات العالمين لان كون بعضهم ذكرا او انثى او من نسب خسيس او شريف لا تأثير له فى هذا الباب {بعضكم من بعض} لان الذكر من الانثى والانثى من الذكر. قال الامام فيه وجوه احسنها ان يقال من بمعنى الكفا اى بعضكم كبعض فى الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. قال القفال هذا من قولهم فلان منى اى على خلقى وسيرتى وهى معترضة بين بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد للعمال ـ روت ـ ام سلمة قالت يا رسول الله انى اسمع الله يذكر الرجال فى الهجرة ولا يذكر النساء فنزل قوله تعالى {إنى لا اضيع} الى آخره اى كما ان بعضكم من بعض كذلك انتم فى ثواب العمل تثاب المرأة المعاملة كما يثاب الرجل العامل وبالعكس فلا اثيب بعضا واحرم آخر {فالذين هاجروا} تفصيل لاعمال العمال منهم وما اعد لهم من الثواب على المدح والتعظيم كأنه قال فالذين عملوا هذه الاعمال السنية الفائقة وهى المهاجرة من مبتدأ او طانهم فارّين الى الله بدينهم من دار الفتنة {واخرجوا من ديارهم} اى اضطروا الى الخروج من ديارهم التى ولدوا فيها ونشأوا بايذاء المشركين. قال الامام المراد من قوله {الذين هاجروا} الذين اختاروا المهاجرة من اوطانهم فى خدمة الرسول والمراد من الذين اخرجوا من ديارهم الذين الجأهم الكفار ولا شك ان رتبة الاولين افضل لانهم اختاروا خدمة الرسول وملازمته على الاختيار فكانوا افضل {وأُوذوا فى سبيلى} فى سبيل الحق ودين التوحيد بسبب ايمانهم بالله ومن اجله وهو متناول لكل اذية نالتهم من قبل المشركين {وقاتلوا} اى الكفار فى سبيل الله {وقتلوا} استشهدوا فى القتال {لأكفرن عنهم سيآتهم} اى والله لأمحوّن عنهم سيآتهم {ولأدخلنهم جنات جرى من تحتها الانهار ثوابا} الثواب فى الاصل اسم لما يثاب به كالعطاء اسم لما يعطى الا انه قد يوضع موضع المصدر فهو مصدر مؤكد بمعنى اثابة لان تكفير السيآت وادخال الجنة فى معنى الاثابة اى لأثيبنهم بذلك اثابة {من عند الله} صفة له اى كائنة من عند الله قصد بتوصيفة به تعظيم شأنه فان السلطان العظيم الشان اذا قال لعبده ألبسك خلعة من عندى دل ذلك على كون تلك الخلعة فى غاية الشرف واكد كون ذلك الثواب فى غاية الشرف بقوله {والله عنده حسن الثواب} اى حسن الجزاء على الطاعات قادر عليه وهو نعيم الجنة الباقى لا كنعيم الدنيا الفانى شعر : نعيم آخرت باقيست اى دل خنك آنكس كه باشد عبد مقبل تفسير : ولا يخفى ان هذا الجزاء العظيم والاجر الجسيم للذين جمعوا بين المهاجرة والاخراج من الاوطان والتأذى فى سبيل الله والقتال والمقتولية. فعلى السالك ان يهاجر من وطن النفس والعمل السيىء والخلق الذميم ويخرج من ديار الطبيعة الى عالم الحقيقة حتى يدخل مقام العندية الخاصة فان ثمرات المجاهدات المشاهدات والعمل الصالح يستدل به على حسن العاقبة ـ روى ـ ان صفوان بن سليم كان يجتهد فى العبادة والقيام وكان يبيت على السطح فى ايام الشتاء لئلا يستريح من البرد وفى الصيف ينزل الى بيته ليعذب نفسه بحر الهوآء وكان عادته ذلك الى ان مات فى سجدته ووصل الى رحمة الله وجنته فهذا هو الاجتهاد فعليك به فان احتالت نفسك عليك فى ذلك فحدثها باخبار السلف واحوالهم وحكاياتهم كى ترغب فى الطاعة والاجتهاد فان فى ذلك نفعا كليا وتأثيرا عظيما: قال الفاضل الجامى قدس سره شعر : هجوم نفس وهوا كزسباه شيطانند جو زور بردل مرد خدا برست آرد بجز جنود حكايات رهنمايا خود جه تاب آنكه بران رهزنان شكست آرد تفسير : فان قالت النفس انهم كانوا رجالا اقويا كيف يدانى بهم فى الطاعة من خلفهم فحدثها باخبار النساء كيف كن اناثا ومع ذلك لم يتخلفن عن مجاهدات الرجال حتى وصلن الى ما وصلوا اليه كرابعة العدوية وغيرها: قال بعضهم شعر : ولو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال فلا التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال تفسير : : قال الشيخ السعدى قدس سره شعر : زنانى كى طاعت برغبت برند زمردان نا بارسا بكذرند تراشرم نايد زمردىء خويش كه باشد زنانرا قبول ازتوبيش تفسير : قال الحسن البصرى رحمه الله يا عجبا لأقوام بلا زاد وقد نودوا بالرحيل وحبس اولهم لآخرهم وهم قعود يلعبون ـ حكى ـ ان ملك الموت دخل على بعض الصالحين ليقبض روحه فقال مرحبا انا والله منذ خمسين سنة أتأهب لك. ولما بلغ عبد الله بن المبارك النزع فتح عينه ثم ضحك فقال لمثل هذا فليعمل العاملون. قال بعض العلماء من اراد ان ينال الجنة فعليه ان يداوم على خمسة اشياء. الاول ان يمنع نفسه من المعاصى قال الله تعالى {أية : ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هى المأوى} تفسير : [النازعات: 40-41]. والثانى ان يرضى باليسير من الدنيا لانه روى فى الخبر "حديث : ان ثمن الجنة الطاعة وترك الدنيا ".تفسير : والثالث ان يكون حريصا على الطاعات ويتعلق بكل طاعة فلعل تلك الطاعة تكون سبب المغفرة ووجوب الجنة قال الله تعالى {أية : وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون}تفسير : . [الزخرف: 72]. والرابع ان يحب الصالحين واهل الخير ويخالطهم ويجالسهم فان الصالح اذا غفر له يشفع لاخوانه واصحابه. والخامس ان يكثر الدعاء ويسأل الله تعالى ان يرزقه ويختم له بخير والحاصل انه لا بد للعاقل من التأهب لمعاده بتزكية النفس واصلاح القلب. قال القاشانى فى تأويلاته {انى لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر} القلب من الاعمال القلبية كالاخلاص واليقين والمكاشفة {او انثى} النفس من الاعمال القالبية كالطاعات والمجاهدات والرياضيات {بعضكم من بعض} يجمعكم اصل واحد وحقيقة واحدة هى الروح اى بعضكم منشأ من بعض فلا اثيب بعضا واحرم آخر {فالذين هاجروا} من اوطان مألوفات النفس {واخرجوا من ديارهم} من ديار صفاتها او هاجروا من احوالهم التى التذوا بها واخرجوا من مقاماتهم التى يسكنون اليها {وأوذوا فى سبيلى} اى ابتلوا فى سلوك سبيل افعالى بالبلاء والمحن والشدائد والفتن ليتمرنوا بالصبر ويفوزوا بالتوكل او فى سلوك سبيل صفاتى بسطوات تجليات الجلال والعظمة والكبرياء ليصلوا الى مقام الرضى {وقاتلوا} البقية بالجهاد فى {وقتلوا} فى الحب فى بالكلية {لأكفرن عنهم سيآتهم} كلها من صغائر ظهور افعالهم وصفاتهم وكبائر بقايا ذواتهم فى تلويثاتهم {ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار} الجنات الثلاث المذكورة {ثوابا من عند الله} اى عوضا عما اخذت منهم من الوجودات الثلاثة {والله عنده حسن الثواب} ولا يكون عند غيره الثواب المطلق الذى لا ثواب وراءه ولهذا قال والله لانه اسم الذات الجامع لجميع الصفات فلم يحسن ان يقع غيره من الرحمن او الرحيم او سائر الاسماء موقعه.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {استجاب}: أخص من أجاب، لأن استجاب مُستلزم لفعل ما طلب منه، وأجاب يصدق بالوعد، ويتعدى بنفسه وباللام، و {بعضكم من بعض}: جملة معترضة. قاله البيضاوي فانظره. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فاستجاب لهم ربهم} فيما طلبوه؛ لأنه لا يرد السؤال، ولا تخيب لديه الآمال، ولذلك قال: {أني} أي: بسبب {أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى}؛ لأنكم {بعضكم من بعض}؛ لأن الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر، ولأنهما من أصل واحد، ولفط الاتصال والاتحاد والاتفاق في الدين. رُوِيَ "أَنَّ أمَّ سَلَمَة قالتْ: يا رَسُولَ اللّهِ، أني أَسْمَعُ الله يَذكُر الرجَالَ في الهِجْرَةِ ولم يَذكُر النساء، فنزلت: {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى}[آل عِمرَان: 195]" الخ. ثم فصل أعمال العمال، وما أعد لهم من الثواب فقال: {فالذين هاجروا} دار الشرك، وفارقوا الأوطان والأصحاب والعشائر، {وأخرجوا من ديارهم وأُوذوا في سبيلي} بسبب إيمانهم بالله، {وقاتلوا} الكفار، و {قُتلوا} أي: ماتوا في الجهاد. وقرئ بالعكس؛ لأن الواو لا ترتب، أو قتل بعضهم، وقاتل الباقون ولم يضعفوا، {لأكفرنّ عنهم سيئاتهم} أي: لأمحونها، {ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله} أي: أثيبهم من عند الله تفضلاً وإحساناً، {والله عنده حسن الثواب} لا يعجزه شيء. الإشارة: لما توجهوا إليه بهممهم العلية، وعزائمهم القوية، فقرعوا بابه بدوام ذكره، والتفكر في عظمة ذاته، وجميل إحسانه وبره، وتضرعوا إليه بلسان الذل والانكسار، وحال الخضوع والاضطرار، أجابهم ففتح في وجوههم الباب، وأدخلهم في حضرته مع الأحباب، لأنه يجيب السؤال، ولا يخيب الآمال، بعد أن هاجروا الأوطان، وفارقوا العشائر والإخوان، إلا من يزيد بهم إلى الرحمن، فقاتلوا نفوسهم حتى ماتت فحييت بالوصال، إلى جوار الكبير المتعال، قال الشاعر: شعر : إنْ تُردْ وَصْلنَا فَمَوتكَ شَرْطٌ لا يَنَالُ الوِصَالَ مَنْ فِيهِ فَضْلَه تفسير : فمحا عن عين بصائرهم سيئات الأغيار، وطهَّر قلوبهم من درن الأكدار، حتى دخلوا جنة المعارف، التي لا يحيط بوصفها وصف واصف، تجري من تحتها أنهار العلوم، وتنفتح منها مخازن الفهوم، ثواباً من عند الحيّ القيوم والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي وخلف "وقتلوا وقاتلوا" بتقديم المفعولين على الفاعلين الباقون {قاتلوا وقتلو} بتقديم الفاعلين على المفعولين، وشدد التاء من {قتلوا} ابن كثير وابن عامر. وقرأ عمر بن عبد العزيز {وقتلوا} بلا الف {وقتلوا} وقال الطبري القراءة بتقديم المفعولين لا تجوز، وهذا خطأ ظاهر، لأن من اختار اسم الفاعلين على المفعولين، وجه قراءته أن القتال قبل القتل. ومن قدم المفعولين على الفاعلين وجه قراءته يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون المعطوف بالواو ويجوز أن يكون أولا في المعنى. وان كان مؤخراً في اللفظ، لأن الواو، لا يوجب الترتيب وهي تخالف الفاء في هذا المعنى، وهكذا خلافهم في سورة التوبة. والثاني - أن يكون لما قتل منهم قاتلوا ولم يهنوا ولم يضعفوا لمكان من قتل منهم كما قال تعالى {أية : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} تفسير : وقوله: {فاستجاب لهم ربهم أني} أي بأني وحذف الباء، ولو قرئ بكسر الهمزة كان جائزاً على تقدير: قال لهم {إني لا أضيع عمل عامل منكم} ومعنى قوله: {فاستجاب} أجابهم ربهم يعني الداعين بما تقدم وصف الله إياهم وأجاب واستجاب بمعنى قال الشاعر: شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : أي لم يجبه. {بأني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} من زائدة كما يقال كان من الحديث ومن الأمر ومن القصة. ومن ها هنا أحسن، لأن حرف النفي قد دخل في قوله: "لا أضيعُ" من ها هنا ليست زائدة، لأنها دخلت لمعنى ولا يصلح الكلام إلا بها، لأنها للترجمة والتفسير عن قوله: "منكم" بمعنى لا أضيع عمل عامل منكم من الذكور والاناث، قالوا ولا تكون من زائدة إلا في موضع جحد. وقوله: {لا أضيع عمل عامل منكم} لم يدركه الجحد لانك لا تقول لا أضرب غلام رجل في الدار، ولا في البيت، فيدخل ولا، لأنه لم ينله الجحد ولكن (من) مفسرة. وقوله: {لأكفرن عنهم سيئآتهم} معناه لأذهبنها واسقط عقابها، وهذه الآية، والتي قبلها - في قول البلخي - نزلت في المتبعين للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمهاجرين معه ثم هي في جميع من سلك سبيلهم واتبع آثارهم من المسلمين. وقوله: {لأكفرن عنهم سيئآتهم} أي لأغطينها وأمحونها وأحطنها عنهم بما ينالهم من ألم الهجرة والجهاد واحتمال تلك الشدائد في جنب الله. وحمل السيئآت على الصغائر. وقوله: {ثواباً من عند الله} نصب على المصدر ذكر على وجه التأكيد، لأن معنى { أية : ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار } تفسير : لأثيبنهم، ومثله "كتاب الله عليكم" لأن قوله: {أية : حرمت عليكم أمهاتكم وبنانكم } تفسير : معناه كتب الله عليكم "وكتاب الله عليكم" مؤكد ومثل ذلك {أية : صنع الله الذي } تفسير : لأن قوله: {أية : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب } تفسير : قد علم منه أن ذلك صنع الله. وقوله: {من ذكر أو أنثى} روي انه قيل لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): ما بال الرجال يذكرون، ولا تذكر النساء في الهجرة، فأنزل الله هذه الآية روي ذلك عن مجاهد، وعمرو بن دينار، ويقال ان القائل لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) كانت أم سلمة (رض). وقوله: {بعضكم من بعض} قال أبو علي: يحتمل أمرين: أحدهما - أن يريد بقوله: {بعضكم} العاملين {من بعض} يعني بعض العمل الذي أمرتم به. والثاني - أن يكون عنى بقوله: {بعضكم من بعض} أن ذكور المؤمنين وأناثهم مستوون في أن لا يضيع الله لأحد منهم عملا، وان يجازيهم على طاعاتهم، فأناث المؤمنين بعض المؤمنين، وكذلك ذكورهم، فبعضهم كبعض في هذا الباب. وقال الطبري {بعضكم} يعني الذين يذكرونني {قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} من بعض في النصرة، والملة، والدين، وحكم جميعكم فيما أفعل بكم حكم أحدكم في {أني لا أضيع عمل عامل} ذكر منكم ولا أنثى. والاضاعة: الاهلاك. ضاع الشيء يضيع: إذا هلك. وأضاعه اضاعة وضيعه تضييعاً، ومنه الضيعة: القرية. وقوله: {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم} يعني الذين هاجروا عن قومهم من أهل الكفر في الله إلى اخوانهم المؤمنين {وأخرجوا من ديارهم} هم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة {وأوذوا في سبيلي} بمعنى أوذوا في طاعتي وعبادتي، وديني. وذلك هو سبيل الله {وقاتلوا} يعني في سبيل الله {وقتلوا} فيها {لأكفرن عنهم سيئآتهم} يعني لأمحونها عنهم، ولأتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي، ولأغفرنها لهم. وذلك يدل على أن إسقاط العقاب تفضل على كل حال. {ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً} يعني جزاء لهم على أعمالهم {والله عنده حسن الثواب} معناه أن عنده من حسن الجزاء على الاعمال ما لا يبلغه وصف واصف مما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر.

الجنابذي

تفسير : {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي} اى بانّى {لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} فاعطيكم من الوقاية والمغفرة والتّكفير والتّوفية والايتاء بقدر استعدادكم بأعمالكم {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} جواب لسؤالٍ مقدّر كأنّه قيل: ان كان لا يضيع الله عمل عامل فما بال الرّجال يذكرون فى الدّنيا بالمدائح مثل الهجرة وغيرها دون النّساء؟ - فقال: {بعضكم من بعضٍ} فمديحة الرّجال مديحة للنّساء ايضاً او جواب لسؤال مذكور على ما روى انّ امّ سلمة قالت: يا رسول الله (ص) ما بال الرّجال يذكرون فى الهجر دون النّساء؟ - ومعنى كون {بعضهم من بعض} انّ بعضهم ناشئ من بعض بالتّوالد، الرّجال ناشؤون من النّساء، والنّساء من الرّجال، او بعضهم من سنخ بعضٍ، او من مادّة بعض، فلفظة (من) ابتدائيّة او تبعيضيّة، ولم يكتف تعالى شأنه بالجواب الاجمالىّ واتى بالتّفصيل فى الاجابة بطريق عطف التّفصيل على الاجمال فقال: {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} من الاوطان الصّوريّة المانعة من اقامة العبادة واظهار الدّين الى مدينة الرّسول (ص) طلباً للدّين او للتمكّن من اظهار الدّين والعبادة، او الى بلد اىّ بلد كان يطلب فيه الدّين، او يتمكّن فيه من اظهار الدّين، او اقامة مراسمه، او هاجروا من دار الشّرك الباطنىّ الّتى هى النّفس الامّارة ثمّ اللوّامة لانّ المهاجر الحقيقىّ من هجر السيّئات الّتى اصلها النّفس الامّارة {وَأُخْرِجُواْ} الواو بمعنى او، او هو عطف فى معنى التّعليل {مِن دِيَارِهِمْ} الصّوريّة والمعنويّة وهو متنازع فيه لهاجروا واخرجوا {وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} اى سبيل المدينة او سبيل الرّسول (ص)، او سبيل تحصيل الدّين، واضافه الى نفسه تشريفاً له، او المراد من السّبيل نفس الدّين او الرّسول (ص) او طريق القلب والولاية فانّها سبيل الله حقيقة {وَقَاتَلُواْ} بالجهاد الصّورىّ او بالجهاد المعنوىّ {وَقُتِلُواْ} من حياتهم الحيوانيّة باسياف الاعداء الظّاهرة او من انانيّاتهم {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} لازيلنّ عنهم انانيّاتهم ولوازم انانيّاتهم من السّيّئات القالبيّة {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} اى من تحت اشجارها او عماراتها او قطعها. اعلم انّ اضافات الحقّ الاوّل تعالى ليست اعتباريّة بل اضافات حقيقيّة اشراقيّة يعبّر عنها بالانهار وكلّ مرتبة من العاليات محلّ لظهور اضافاته فيها وبروزها منها الى غيرها، وجهتها الّتى تلى الحقّ الواجب تعالى عالية ومحيطة بالجهة الّتى تلى الخلق، وبروز اضافاته تعالى الى الخلق من الجهة الّتى تلى الخلق فصحّ ان يقال: انّ الانهار الجارية الى الخلق جارية من تحت تلك المراتب الّتى هى الجنان بوجهٍ {ثَوَاباً} اى جزاء مفعول مطلق من غير لفظ الفعل او مفعول له او التّقدير ادخال ثواب او هو حال من الفاعل او المفعول اى حال كونهم مجزيّين {مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} عطف او حال فيه تحسين للثّواب الّذى من عند الله تشريفاً لهم؛ روى انّ الآية نزلت فى علىّ (ع) حين هاجر من مكّة ومعه الفواطم، فاطمة بنت اسدٍ وفاطمة بنت رسول الله (ص) وفاطمة بنت الزّبير وقد قارع الفرسان من قريش حين جاؤا من عقبه ليمنعوه فسار ظاهراً قاهراً حتّى نزل ضجنان فلزم بها يوماً وليلة ولحق به نفر من ضعفاء المؤمنين وفيهم امّ ايمن مولاة رسول الله (ص) وكان يصلّى ليلته تلك هو والفواطم ويذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم فلم يزالوا كذلك حتّى طلع الفجر فصلّى بهم صلاة الفجر ثمّ سار لوجهه فجعل هو وهنّ يصنعون ذلك منزلاً بعد منزل يعبدون الله عزّ وجلّ ويرغبون اليه كذلك حتّى قدم المدينة وقد نزل الوحى بما كان من شأنهم قبل قدومهم الّذين يذكرون الله الى قوله {من ذكر او انثى}؛ الذّكر علىّ (ع) والانثى الفواطم، وتلك الآيات بل جميع الآيات القرآنيّة ان كان نزولها خاصّاً فهى جارية فى كل من اتّصف بالصّفات المذكورة فيها.

اطفيش

تفسير : {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى}: وروى عنه أنه قيل له: كيف ذلك؟ فقال: اقرءوا: {أية : الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً} تفسير : إلى قوله {أية : إنك لا تخلف الميعاد}تفسير : أى أعطاهم مسئولهم بسبب دعائهم، كما دلت عليه الفاء، ومعنى استجاب حصل المطلوب، ومعنى أجاب: أعطى الجواب بلا أو بنعم، فهو أعم من استجاب، و{أنى} على تقدير الباء، أى فاستجاب لهم ربهم بأنى لا أضيع وقرئ بكسر الهمزة على تقدير القول، أى فاستجاب لهم ربهم قائلا: إنى لا أضيع، أو على تضمين استجاب معنى قال، فتحكى الجملة باستجاب وقرئ: لا أضيع بفتح الضاد وكسر الياء المشددة، والمعنى: لا أحبط عمل عامل منكم، أى عامل كان إذ عمل لى ذكراً كان أو أنثى، وقالت أم سلمة رضى الله عنها قالت: يا رسول الله إنى أسمع الله يذكر الرجال فى الهجرة ولا يذكر النساء". فنزل قوله تعالى: {بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ} مقتضى الظاهر من عندى فعدل عنه إلى الغيبة. {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}: وقرئ أى لا أضيع - بكسر همزه إن - كما مر - أما على الاستئناف فيكون أول ما نزل فى شأن مقال أم سلمة المذكور، وآخره حسن المآدب وأما على تقدير القول، أى قائلا: إنى لا أضيع، فيكون أول ما نزل فى شأن مقالها، بعضكم من بعض، ومعنى {بَعْضُكُم مِّن بَعْض} أن الذكر مأخوذاً وثابت من الأنثى، والأنثى مأخوذة أو ثابتة من الذكر، وهذه الجملة معترضة بين {أَنِّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ} بكسر {إن} على الاستئناف، وبين {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا} إذ كانا كلاهما فى شأن مقالها، أو بين عمل عامل وما فصل به عمل العامل من قوله: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا} ولو فتحت همزة إن، وقيل معنى {بعضكم من بعض} أنكم من أصل واحد وهو آدم، أو هو بمعنى الكاف، أى بعضكم كبعض، يقال فلان منى، أى مثلى فى سيرية، يبالغ فى التشبيه لشدة الاتصال، أو للاجتماع حتى كأنه بعضه وما صدق هذه الأقوال المساواة بين الذكر والأنثى فى الإثابة على العمل والتناصر فى الدين. حديث : قالت عائشة للنبى صلى الله عليه وسلم: هل على النساء جهاد؟ قال: "نعم. جهاد لا قتل فيه الحج والعمرة" . تفسير : و{الذين}: مبتدأ خبره القسم المحذوف، وجوابه المذكور بقوله تعالى {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُم} مانع الإخبار بالإنشاء يقدر القول، أى مقول فيهم، أو أقول فيهم: والله لأكفرن، والقول خبر، والظاهر أن التشائية القسم لا تمنع الخبر لأن محط القسم جوابه وهو إخبار والقسم قبله، كفضلة مؤكدة والمعنى: هاجروا الشرك أو الأوطان والعشائر بالخروج إلى المدينة أو إلى الحبشة ثم إلى المدينة، لما استقر صلى الله عليه وسلم فيها حرصاً على دين الله لئلا يفوتهم بالشرك، أو بلزوم الوطن والعشيرة، وأخرجوا معى من ديارهم أخرجهم المشركون، والإخراج قسمان: الأول أن يضيق على الإنسان بمنع من يكلمه أو يجالسه أو ينفعه أو يقصد بالضرب والقتل، أو أكل المال ونحو ذلك فيخرج، والثانى أن يقهر على الخروج، ومعنى {وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى} ضرهم المشركون فى دينى، أو لأجل دينى، أى لإسلامهم. ومعنى: {وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُوا} قاتلوا المشركين من أجلى، وقتلهم المشركون شهداء فى الجهاد وقرأ الكسائى: وقتلوا أو قاتلوا ببناء الأول للمفعول، وإسقاط الألف، وبناء الثانى للفاعل، وإثبات الألف أو الواو لمطلق الجمع، فعطفت سابقاً على لاحقاً، وحكمة هذه القراءة أن يقدم المفضول، ويؤخر الفاضل على سبيل الترقى، فالمفضول كون الإنسان مقتولا، والفاضل كونه مقاتلا فيقتل غيره، ويدل للفضل كونه، صلى الله عليه وسلم، قتل رجلا وحيى، وقرأ ابن كثير وابن عامر كقراء الجمهور: وقاتلوا وقتلوا لكن بتشديد الثانى للمبالغة، وقرئ "وقتلوا وقتلوا" كقراء الجمهور لكن بإسقاط الألف من الأول، أى قتلوا المشركين وقتلهم المشركون، وقرئ: وقتلوا وقاتلوا كقراءة الكسائى، إلا أنه بناء الأول للفاعل، وتكفير السيئات محوها، وهن الصغائر، أو هن كبائر، لم يقصدوا الإصرار عليها، وثواباً بدل من جنات بدلا مطابقاً، بمعنى: ما أثيب به أو حال من جنات لوصفها بتجرى أو من ضميرها فى تجرى، أو مفعول مطلق مؤكد هو وعامله المحذوف لقوله {لأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ..} إلخ وهو اسم مصدر أثاب أى أثيبهم بها ثواباً أى إثابة، فضلا من الله، و{مِّن عِندِ اللَّه} نعت لثواباً، ومعنى كونه عنده حسن الثواب، أن الله جل وعلا هو المالك للثواب، الحسن القادر على الإثابة به للمطيع، وقدم {عند} للحصر. قال عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن أول ثلاثة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين الذين يتقى بهم المكاره إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت إلى رجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض له حتى يموت وهى فى صدره، فإن الله عز وجل يدعو يوم القيامة الجنة، فتأتى بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادى الذين قاتلوا فى سبيلى وقتلوا وأوذوا فى سبيلى وجاهدوا فى سبيلى أدخلوا الجنة، فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، وتأتى الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ونقدس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا. فيقول الرب عز وجل: هؤلاء الذين قاتلوا فى سبيلى وأوذوا فى سبيلى، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ".

الالوسي

تفسير : {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ } الاستجابة الإجابة، ونقل عن الفراء أن الإجابة تطلق على الجواب ولو بالرد، والاستجابة الجواب بحصول المراد لأن زيادة السين تدل عليه إذ هو لطلب الجواب، والمطلوب ما يوافق المراد لا ما يخالفه وتتعدى باللام وهو الشائع، وقد تتعدى بنفسها كما في قوله:شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : وهذا كما قال الشهاب وغيره: في التعدية إلى الداعي وأما إلى الدعاء فشائع بدون اللام مثل استجاب الله تعالى دعاءه، ولهذا قيل: إن هذا البيت على حذف مضاف أي لم يستجب دعاءه، والفاء للعطف وما بعده معطوف إما على الاستئناف المقدر في قوله سبحانه: {أية : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } تفسير : [آل عمران: 191] ولا ضير في اختلافهما صيغة لما أن صيغة المستقبل هناك للدلالة على الاستمرار المناسب لمقام الدعاء، وصيغة الماضي هنا للإيذان بتحقيق الاستجابة وتقررها، ويجوز أن يكون معطوفاً على مقدر ينساق إليه الذهن أي دعوا بهذه الأدعية فاستجاب لهم الخ، وإن قدر ذلك القول المقدر حالا فهو عطف على {أية : يَتَفَكَّرُونَ } تفسير : [آل عمران: 191] باعتبار مقارنته لما وقع حالاً من فاعله أعني قوله سبحانه: {أية : رَبَّنَا } تفسير : [آل عمران: 194] الخ، فإن الاستجابة مترتبة على دعواتهم لا على مجرد تفكرهم، وحيث كانت من أوصافهم الجميلة المترتبة على أعمالهم بالآخرة استحقت الانتظام في سلك محاسنهم المعدودة في أثناء مدحهم / وأما على كون الموصول نعتاً لأولي الألباب فلا مساغ لهذا العطف لما عرفت سابقاً. وقد أوضح ذلك مولانا شيخ الإسلام. والمشهور العطف على المنساق إلى الذهن وهو المنساق إليه الذهن، وذكر الرب هنا مضافاً ما لا يخفى من اللطف. وأخرج الترمذي والحاكم وخلق كثير عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله لا أسمع الله تعالى ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله تعالى: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ } إلى آخر الآية، فقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا. ولعل المراد أنها نزلت تتمة لما قبلها. وأخرج ابن مردويه عنها أنها قالت: آخر آية نزلت هذه الآية: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ }. {أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } أي بأني، وهكذا قرأ أبـيّ، واختلف في تخريجه فخرجه العلامة شيخ الإسلام على أن الباء للسببية كأنه قيل: فاستجاب لهم بسبب أنه لا يضيع عمل عامل منهم أي سنته السنية مستمرة على ذلك وجعل التكلم في {أَنّى } والخطاب في {مّنكُمْ } من باب الالتفات، والنكتة الخاصة فيه إظهار كمال الاعتناء بشأن الاستجابة وتشريف الداعين بشرف الخطاب والتعرض لبيان السبب لتأكيد الاستجابة، والإشعار بأن مدارها أعمالهم التي قدموها على الدعاء لا مجرد الدعاء. وقال بعض المحققين: إنها صلة لمحذوف وقع حالاً إما من فاعل استجاب أو من الضمير المجرور في {لَهُمْ } والتقدير مخاطباً لهم بأني، أو مخاطبين بأني الخ، وقيل: إنها متعلقة باستجاب لأن فيها معنى القول ـ وهو مذهب الكوفيين ـ ويؤيد القولين أنه قرىء {إِنّى } بكسر الهمزة وفيها يتعين إرادة القول وموقعه الحال أي قائلاً إني أو مقولاً لهم إني الخ، وتوافق القراءتين خير من تخالفهما، وهذا التوافق ظاهر على ما ذهب إليه البعض وصاحب القيل وإن اختلف فيهما شدة وضعفاً، وأما على ما ذكره العلامة فالظهور لا يكاد يظهر على أنه في نفسه غير ظاهر كما لا يخفى، وقرىء {لاَ أُضِيعُ } بالتشديد، وفي التعرض لوعد العاملين على العموم مع الرمز إلى وعيد المعرضين غاية اللطف بحال هؤلاء الداعين لا سيما وقد عبر هناك عن ترك الإثابة بالإضاعة مع أنه ليس بإضاعة حقيقة إذ الأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها إضاعتها ولكن عبر بذلك تأكيداً لأمر الإثابة حتى كأنها واجبة عليه تعالى ـ كذا قيل ـ والمشهور أن الإضاعة في الأصل الإهلاك ومثلها التضييع ويقال: ضاع يضيع ضيعة وضياعاً بالفتح إذا هلك، واستعملت هنا بمعنى الإبطال أي لا أبطل عمل عامل كائن منكم. {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ } بيان لعامل، وتأكيد لعمومه إما على معنى شخص عامل أو على التغليب. وجوّز أن يكون بدلاً من {مّنكُمْ } بدل الشيء من الشيء إذ هما لعين واحدة، وأن يكون حالا من الضمير المستكن فيه وقوله تعالى: {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } مبتدأ وخبر، و {مِنْ } إما ابتدائية بتقدير مضاف أي من أصل بعض، أو بدونه لأن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، وإما اتصالية والاتصال إما بحسب اتحاد الأصل، أو المراد به الاتصال في الاختلاط، أو التعاون، أو الاتحاد في الدين حتى كأن كل واحد من الآخر لما بينهما من أخوة الإسلام، والجملة مستأنفة معترضة مبينة لسبب انتظام النساء في سلك الدخول مع الرجال في الوعد. وجوز أن تكون حالاً، أو صفة. وقوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ } ضرب تفصيل لما أجمل في العمل وتعداد لبعض أحاسن أفراده مع المدح والتعظيم. / وأصل المهاجرة من الهجرة وهو الترك وأكثر ما تستعمل في المهاجرة من أرض إلى أرض أي ترك الأولى للثانية مطلقاً أو للدين على ما هو الشائع في استعمال الشرع، والمتبادر في الآية هو هذا المعنى وعليه يكون قوله تعالى: {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ } عطف تفسير مع الإشارة إلى أن تلك المهاجرة كانت عن قسر واضطرار لأن المشركين آذوهم وظلموهم حتى اضطروا إلى الخروج، ويحتمل أن يكون المراد هاجروا الشرك وتركوه وحينئذٍ يكون {وَأُخْرِجُواْ } الخ تأسيساً {وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } أي بسبب طاعتي وعبادتي وديني وذلك سبيل الله تعالى، والمراد من الإيذاء ما هو أعم من أن يكون بالإخراج من الديار، أو غير ذلك مما كان يصيب المؤمنين من قبل المشركين {وَقَٰتَلُواْ } أي الكفار في سبيل الله تعالى {وَقُتِلُواْ } استشهدوا في القتال. وقرأ حمزة والكسائي بالعكس، ولا إشكال فيها لأن الواو لا توجب ترتيباً، وقدم القتل لفضله بالشهادة هذا إذا كان القتل والمقاتلة من شخص واحد، أما إذا كان المراد قتل بعض وقاتل بعض آخر ولم يضعفوا بقتل إخوانهم فاعتبار الترتيب فيها أيضاً لا يضر، وصحح هذه الإرادة أن المعنى ليس على اتصاف كل فرد من أفراد الموصول المذكور بكل واحد مما ذكر في حيز الصلة بل على اتصاف الكل بالكل في الجملة سواء كان ذلك باتصاف كل فرد من الموصول بواحد من الأوصاف المذكورة أو باثنين منها، أو بأكثر فحينئذٍ يتأتى ما ذكر إما بطريق التوزيع أي منهم الذين قتلوا ومنهم الذين قاتلوا، أو بطريق حذف بعض الموصولات من البين ـ كما هو رأي الكوفيين ـ أي والذين قتلوا والذين قاتلوا، ويؤيد كون المعنى على اتصاف الكل بالكل في الجملة أنه لو كان المعنى على اتصاف كل فرد بالكل لكان قد أضيع عمل من اتصف بالبعض مع أن الأمر ليس كذلك، والقول ـ بأن المراد قتلوا وقد قاتلوا فقد مضمرة، والجملة حالية ـ مما لا ينبغي أن يخرّج عليه الكلام الجليل. وقرأ ابن كثير وابن عامر {قُـتِلُواْ } بالتشديد للتكثير. {لأُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَـٰتِهِمْ } جواب قسم محذوف أي والله لأكفرن، والجملة القسمية خبر للمبتدأ الذي هو الموصول. وزعم ثعلب أن الجملة لا تقع خبراً ووجهه أن الخبر له محل وجواب القسم لا محل له ـ وهو الثاني ـ فإما أن يقال: إن له محلاً من جهة الخبرية ولا محل له من جهة الجوابية. أو الذي لا محل له الجواب والخبر مجموع القسم وجوابه. ولا يضر كون الجملة إنشائية لتأويلها بالخبر، أو بتقدير قول كما هو معروف في أمثاله والتكفير في الأصل الستر كما أشرنا إليه فيما مر ولاقتضائه بقاء الشيء المستور ـ وهو ليس بمراد ـ فسره هنا بعض المحققين بالمحو، والمراد من محو السيئات محو آثارها من القلب، أو من ديوان الحفظة وإثبات الطاعة مكانها كما قال سبحانه: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } تفسير : [الفرقان: 70] والمراد من السيئات فيما نحن فيه الصغائر لأنها التي تكفر بالقربات ـ كما نقله ابن عبد البر عن العلماء ـ لكن بشرط اجتناب الكبائر كما حكاه ابن عطية عن جمهور أهل السنة، واستدلوا على ذلك بما في «الصحيحين» من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها ما اجتنبت الكبائر»تفسير : . وقالت المعتزلة: إن الصغائر تقع مكفرة بمجرد اجتناب الكبائر ولا دخل للقربات في تكفيرها، واستدلوا عليه بقوله تعالى: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـاتِكُمْ }تفسير : [النساء: 31]، وحمله الجمهور على معنى نكفر عنكم سيئاتكم بحسناتكم وأوردوا على المعتزلة أنه قد ورد صوم يوم عرفة كفارة سنتين وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة ونحو ذلك من الأخبار كثير، فإذا كان / مجرد اجتناب الكبائر مكفراً فما الحاجة لمقاسات هذا الصوم مثلاً؟ وإنما لم تحمل السيئات على ما يعم الكبائر لأنها لا بد لها من التوبة ولا تكفرها القربات أصلاً في المشهور لإجماعهم على أن التوبة فرض على الخاصة والعامة لقوله تعالى: {أية : وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [النور: 31] ويلزم من تكفير الكبائر بغيرها بطلان فرضيتها وهو خلاف النص. وقال ابن الصلاح في «فتاويه». قد يكفر بعض القربات ـ كالصلاة ـ مثلاً بعض الكبائر إذا لم يكن صغيرة، وصرح النووي بأن الطاعات لا تكفر الكبائر لكن قد تخففها، وقال بعضهم: إن القربة تمحو الخطيئة سواء كانت كبيرة أو صغيرة، واستدل عليه بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـاتِ } تفسير : [هود: 114] وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتبع السَّيِّئَةَ الحسنة تمحها» تفسير : وفيه بحث إذ الحسنة في الآية والحديث بمعنى التوبة إن أخذت السيئة عامة. ولا يمكن على ذلك التقدير حملها على الظاهر لما أن السيئة حينئذٍ تشمل حقوق العباد، والإجماع على أن الحسنات لا تذهبها وإنما تذهبها التوبة بشروطها المعتبرة المعلومة، وأيضاً لو أخذ بعموم الحكم لترتب عليه الفساد من عدم خوف في المعاد على أن في سبب النزول ما يرشد إلى تخصيص كل من الحسنة والسيئة فقد روى الشيخان عن ابن مسعود «حديث : أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة ثم أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فسكت النبـي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت الآية فدعاه فقرأها عليه فقال رجل: هذه له خاصة يا رسول الله؟ فقال: بل للناس عامة» تفسير : ووجه الإرشاد إما إلى تخصيص الحسنة بالتوبة فهو أنه جاءه تائباً وليس في الحديث ما يدل على أنه صدر منه حسنة أخرى، وإما على تخصيص السيئة بالصغيرة فلأن ما وقع منه كان كذلك لأن تقبيل الأجنبية من الصغائر كما صرحوا به، وقال بعض أهل السنة: إن الحسنة تكفر الصغيرة ما لم يصر عليها سواء فعل الكبيرة أم لا مع القول الأصح بأن التوبة من الصغيرة واجبة أيضاً ولو لم يأت بكبيرة لجواز تعذيب الله سبحانه بها خلافاً للمعتزلة، وقيل: الواجب الإتيان بالتوبة أو بمكفرها من الحسنة ـ وفي المسألة كلام طويل ـ ولعل التوبة إن شاء الله تعالى تفضي إلى إتمامه، هذا وربما يقال: إن حمل السيئات هنا على ما يعم الكبائر سائغ بناءاً على أن المهاجرة ترك الشرك وهو إنما يكون بالإسلام والإسلام يجبّ ما قبله، وحينئذٍ يعتبر في السيئات شبه التوزيع بأن يؤخذ من أنواع مدلولها مع كل وصف ما يناسبه ويكون هذا تصريحاً بوعد ما سأله الداعون من غفران الذنوب وتكفير السيئات بالخصوص بعدما وعد ذلك بالعموم، واعترض بأن هذا على ما فيه مبني على أن الإسلام يجبّ ما قبله مطلقاً وفيه خلاف، فقد قال الزركشي: إن الإسلام المقارن للندم إنما يكفر وزر الكفر لا غير، وأما غيره من المعاصي فلا يكفر إلا بتوبة عنه بخصوصه كما ذكره البيهقي، واستدل عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بالأول ولا بالآخر وإن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر»تفسير : ولو كان الإسلام يكفر سائر المعاصي لم يؤاخذ بها إذا أسلم، وأجيب بأنه مع اعتبار ما ذكر من شبه التوزيع يهون أمر الخلاف كما لا يخفى على أرباب الإنصاف فتدبر. {وَلأُْدْخِلْنَّـٰهُمْ جَنَّـٰتِ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } إشارة إلى ما عبر عنه الداعون فيما قبل بقولهم {أية : وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰرسلك }تفسير : [آل عمران: 194] على أحد القولين، أو رمز إلى ما سألوه بقولهم {أية : وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }تفسير : [آل عمران: 194] على القول الآخر {ثَوَاباً } مصدر مؤكد لما قبله لأن معنى الجملة لأثيبنهم بذلك فوضع ثواباً موضع الإثابة وإن كان في الأصل اسماً لما يثاب به كالعطاء لما يعطى، وقيل: إنه تمييز أو حال من جنات لوصفها، أو من ضمير المفعول أي مثاباً بها أو مثابين، وقيل: إنه بدل من جنات، وقال الكسائي: إنه منصوب / على القطع، وقوله تعالى: {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } صفة لثواباً وهو وصف مؤكد لأن الثواب لا يكون إلا من عنده تعالى لكنه صرح به تعظيماً للثواب وتفخيماً لشأنه، ولا يرد أن المصدر إذا وصف كيف يكون مؤكداً، لما تقرر في موضعه أن الوصف المؤكد لا ينافي كون المصدر مؤكداً. وقيل: إنه متعلق ـ بثواباً ـ باعتبار تأويله باسم المفعول. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ } تذييل مقرر لمضمون ما قبله، والاسم الجليل مبتدأ خبره {عِندَهُ } و {حُسْنُ ٱلثَّوَابِ } مرتفع بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو هو مبتدأ ثان والظرف خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، والكلام مخرّج مخرج قول الرجل: عندي ما تريد يريد اختصاصه به وتملكه له، وإن لم يكن عنده فليس معنى عنده حسن الثواب أن الثواب بحضرته وبالقرب منه على ما هو حقيقة لفظ عنده، بل مثل هناك كونه بقدرته وفضله بحيث لا يقدر عليه غيره بحال الشيء يكون بحضرة أحد لا يدعيه لغيره، والاختصاص مستفاد من هذا التمثيل حتى لو لم يجعل {حُسْنُ ٱلثَّوَابِ } مبتدأ مؤخراً كان الاختصاص بحاله، وقد أفادت الآية مزيد فضل المهاجرين ورفعة شأنهم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي وغيرهم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن أول ثلاثة يدخلون الجنة الفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره إذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره وإن الله تعالى يدعو يوم القيامة الجنة فتأتى بزخرفتها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي أدخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ونقدس لك ما هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل الملائكة عليهم من كل باب» {أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } تفسير : [الرعد: 42].

ابن عاشور

تفسير : دلّت الفاء على سرعة الإجابة بحصول المطلوب، ودلّت على أنّ مناجاة العبد ربّه بقلبه ضرب من ضروب الدعاء قابل للإجابة. و(استجاب) بمعنى أجاب عند جمهور أيمّة اللغة، فالسين والتاء للتأكيد، مثل: استوقد واستخلص. وعن الفرّاء، وعليّ بن عيسى الربعي: أنّ استجاب أخصّ من أجاب لأنّ استجاب يقال لمن قَبِل ما دُعِي إليه، وأجاب أعمّ، فيقال لمن أجاب بالقبول وبالردّ. وقال الراغب: الاستجابة هي التحرّي للجواب والتهيُّؤ له، لكن عبّر به عن الإجابة لقلّة انفكاكها منها. ويقال: استجاب له واستجابه، فعدّي في الآية باللام، كما قالوا: حَمِدَ له وشكر له، ويعدّي بنفسه أيضاً مثلهما. قال كعب ابن سعد الغنوي، يرثي قريباً له: شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : وتعبيرهم في دعائهم بوصف {ربنا} دون اسم الجلالة لما في وصف الربوبية من الدلالة على الشفقة بالمربوب، ومحبّة الخير له، ومن الاعتراف بأنّهم عبيده ولتتأتّى الإضافة المفيدة التشريف والقرب، ولردّ حسن دعائهم بمثله بقولهم: «ربَّنا، ربَّنا». ومعنى نفي إضاعة عملهم نفي إلغاء الجزاء عنه: جَعله كالضائع غير الحاصل في يد صاحبه. فنفي إضاعة العمل وعد بالاعتداد بعملهم وحسبانه لهم، فقد تضمّنت الاستجابة تحقيق عدم إضاعة العمل تطميناً لقلوبهم من وَجل عدم القبول، وفي هذا دليل على أنّهم أرادوا من قولهم: {أية : وآتنا ما وعدتنا على رسلك}تفسير : [آل عمران: 194] تحقيق قبول أعمالهم والاستعاذة من الحَبَط. وقوله: {من ذكر أو أنثى} بيان لعَامِلٍ ووجه الحاجة إلى هذا البيان هنا أنّ الأعمال التي أتوا بها أكبرها الإيمان، ثم الهجرة، ثم الجهاد، ولمّا كان الجهاد أكثر تكرّراً خيف أن يتوهّم أنّ النساء لا حظّ لهنّ في تحقيق الوعد الذي وعد الله على ألسنة رسله، فدفع هذا بأنّ للنساء حظّهنّ في ذلك فهنّ في الإيمان والهجرة يساوين الرجال، وهنّ لهنّ حظّهنّ في ثواب الجهاد لأنّهن يقمن على المرضى ويُداوين الكلْمى، ويسقين الجَيش، وذلك عمل عظيم به استبقاء نفوس المسلمين، فهو لا يقصر عن القتال الذي به إتلاف نفوس عدوّ المؤمنين. وقوله: {بعضكم من بعض} (من) فيه اتّصالية أي بعضُ المستجاب لهم مُتّصل ببعض، وهي كلمة تقولها العرب بمعنى أنّ شأنهم واحد وأمرهم سواء. قال تعالى: {أية : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر}تفسير : [التوبة: 67] إلخ... وقولهم: هو منّي وأنا منه، وفي عكسه يقولون كما قال النابغة: شعر : فإنّي لستُ مِنْكَ ولستَ مِنِّي تفسير : وقد حملها جمهور المفسّرين على معنى أنّ نساءكم ورجالكم يجمعهم أصل واحد، وعلى هذا فمَوقع هذه الجملة موقع التعليل للتعميم في قوله: {من ذكر أو أنثى} أي لأنّ شأنكم واحد، وكلّ قائم بما لو لم يقم به لضاعت مصلحة الآخر، فلا جرم أن كانوا سواء في تحقيق وعد الله إيّاهم، وإن اختلفت أعمالهم وهذا كقوله تعالى: {أية : للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن}تفسير : [النساء: 32]. والأظهر عندي أن ليس هذا تعليلاً لمضمون قوله: {من ذكر أو أنثى} بل هو بيان للتساوي في الأخبار المتعلّقة بضمائر المخاطبين أي أنتم في عنايتي بأعمالكم سواء، وهو قضاء لحقّ ما لهم من الأعمال الصالحة المتساوين فيها، ليكون تمهيداً لبساط تمييز المهاجرين بفضل الهجرة الآتي في قوله: {فالذين هاجروا}، الآيات. وقوله: {فالذين هاجروا} تفريع عن قوله: {لا أضيع عمل عامل} وهو من ذكر الخاصّ بعد العامّ للاهتمام بذلك الخاصّ، واشتمل على بيان ما تفاضلوا فيه من العمل، وهو الهجرة التي فاز بها المهاجرون. والمهاجَرة: هي ترك الموطن بقصد استيطان غيره، والمفاعلة فيها للتقوية كأنّه هَجر قومه وهَجَروه لأنّهم لم يحرصوا على بقائه، وهذا أصل المهاجرة أن تكون لمنافرة ونحوها، وهي تصدق بهجرة الذين هاجروا إلى بلاد الحبشة وبهجرة الذين هاجروا إلى المدينة. وعطف قوله: {وأخرجوا من ديارهم} على {هاجروا} لتحقيق معنى المفاعلة في هاجر أي هاجروا مهاجرة لزّهم إليها قومهم، سواء كان الإخراج بصريح القول أم بالإلجاء، من جهة سوء المعاملة، ولقد هاجر المسلمون الهجرة الأولى إلى الحبشة لما لاقوه من سوء معاملة المشركين، ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرته إلى المدينة والتحق به المسلمون كلّهم، لما لاقوه من أذى المشركين. ولا يوجد ما يدلّ على أنّ المشركين أخرجوا المسلمين، وكيف واختفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى المدينة يدلّ على حرص المشركين على صدّه عن الخروج، ويدلّ لذلك أيضاً قول كعب: شعر : في فتيةٍ من قريشٍ قال قائلهم ببطْن مكّةَ لمَّا أَسلموا زُولوا تفسير : أي قال قائل من المسلمين اخرُجوا من مكّة، وعليه فكلّ ما ورد ممّا فيه أنّهم أخرجوا من ديارهم بغير حقّ فتأويله أنه الإلجاء إلى الخروج، ومنه حديث : قول ورقة ابن نوفل: «يا ليْتني أكون معكَ إذ يُخْرِجُك قومُك»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم له: "أوَ مُخْرِجيّ هُم؟ فقال: مَا جاء نَبي بمثلِ ما جئْتَ به إلاّ عُودي"تفسير : . وقوله: {وأَوذوا في سبيلي} أي أصابهم الأذى وهو مكروه قليل من قول أو فعل. وفهم منه أنّ من أصابهم الضرّ أولى بالثواب وأوفى. وهذه حالة تصدق بالذين أوذوا قبل الهجرة وبعدها. وقوله: {وقاتلوا وقتلوا} جُمع بينهما للإشارة إلى أنّ للقسمين ثواباً. وقرأ الجمهور: وقاتلوا وقُتلوا. وقَرَأ حَمزَة، والكسائي، وخلف: وقُتلوا وقاتلوا ـــ عكس قراءة الجمهور ـــ ومآل القراءتين واحد، وهذه حالة تصدق على المهاجرين والأنصار من الذين جاهدوا فاستشهدوا أو بقوا. وقوله: {لأكفرن عنهم سيئاتهم} إلخ مؤكّد بلام القسم. وتكفير السيّئات تقدّم آنفاً.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَامِلٍ} {دِيَارِهِمْ} {وَقَاتَلُواْ} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} (195) - لَمَّا سَأَلَ المُؤْمِنُونَ ذَوُو الألْبَابِ رَبَّهُمْ مَا سَأَلُوا فِي الآياتِ السَّابِقَاتِ، اسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ لِصِدْقِهِمْ فِي إيمَانِهِمْ، وَذِكْرِهِمْ وَتَفَكُّرِهِمْ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَتَنْزِيهِهِمْ رَبَّهُمْ عَنِ العَبَثِ، وَتَصْدِيقِهِمْ رُسُلَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: إنَّهُ لاَ يُضَيِّعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْهُمْ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أنْثَى، وَإنَّهُ سَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ أجْرَهُ، وَجَمِيعُهُمْ لَدَيهِ سَوَاءٌ فِي الثَّوَابِ (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)، فَالذِينَ هَاجَرُوا مِنْ دَارِ الشِّرْكِ وَأتَوا إلى دَارِ الإِيمَانِ، وَضَايَقَهُمُ المُشْرِكُونَ حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إلَى الخُرُوجِ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَمُفَارَقَةِ أهْلِهِمْ وَأمْوَالِهِمْ، لاَ لِشَيءٍ إلاَّ أنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ، وَالذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيُقْتَلُونَ صَابِرِينَ مُحْتَسَبِينَ ... فَهؤُلاءِ جَمِيعاً سَيُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ، وَسَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَيُنِيلُهُمْ ذَلِكَ جَزَاءً لَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَثَواباً جَزِيلاً مِنْهُ، لأَنَّ الله عَظِيمٌ، وَالعَظِيمُ لاَ يُعْطِي إلاَّ جَزِيلاً. وَلِلْعِبَادِ الصَّالِحِينَ عِنْدَ اللهِ خَيْرُ الجَزَاءِ وَالثَّوابِ. بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ - جَمِيعُهُمْ سَواءٌ لَدَيهِ فِي الثَّوابِ. لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ - لاَ أتْرُكُ ثَوَابَ عَمَلٍ عَمِلَهُ عَامِلٌ إلاَّ جَزَيْتُهُ بِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولْنر اللفتة الجميلة في الاستجابة: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ..} [آل عمران: 195]. لقد كانوا يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض. ويخشون خزي الدخول إلى النار. ودعوا الله بغفران الذنوب وتكفير السيئات. ودعوا الله أن يأتيهم ويعطيهم ما وعدهم به على ألسنة الرسل. لم يقل الحق سبحانه: استجبت لكم، لكنه جعل الاستجابة هي قبول العمل فقال: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ..} [آل عمران: 195]. فليست الحكاية كلاماً يقال، إنما يريد الله أن تدخل هذه المسائل في حيز التطبيق والنزوع العملي؛ فالمسألة ليست بالتمني فقط، فقد وضع سبحانه الشرط الواضح وهو العمل، فمَنْ يريد استجابة الحق فلابد له من العمل. إن التفكر في بديع صنع الله لا يغني عن العمل؛ لأن الحق سبحانه يريد التفكر فيه وأنت تعمل في أسبابه. فأسباب الحق لا تشغلك عنه. {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} [آل عمران: 195]. فالذين هاجروا من بلادهم ومن أهلهم ومن أوطانهم ومن أحبابهم، دون إكراه فهجرتهم هذه هي نزع وجودي، وانتقال من مكان إلى مكان جديد وكان ذلك في سبيل الله أي، فالذين هاجروا وخرجوا بجزء من إرادتهم، وكذلك الذين أخرجوا من ديارهم، وقاتلوا في سبيل الله وتحملوا الإيذاء وقُتلوا - هؤلاء - ينالون التكفير عن السيئات ويدخلون الجنة. لقد جاء الحق هنا بالعملية التي تتضح فيها الأسوة الإيمانية؛ لأن الإنسان ينشغل بماله وأهله ووطنه وباستبقاء الحياة، فإذا ما ضحى الإنسان بهذا كله في سبيل الثبات على كلمة الله أولاً، وإعلاء كلمة الله ونشرها ثانياً. فالمؤمن من هؤلاء لم يكتف بنفسه بل جاهد في سبيل الله لتنتقل الحياة بحلاوتها إلى غيره، وبذلك يكون قد أحب لغيره ما أحبه لنفسه. نخرج من كل هذا برؤية واضحة هي أن الفكر وحده لا يكفي وإذا قال واحد: إن إيماني حسن فلا تأخذني بالمسائل الشكلية، نرد عليه قائلين: إن الله ليس في حاجة إلى ذلك، ولكنه يطلب منك أن تعمر الكون بحركتك، وأبرك الحركات وأفضلها أن ترسخ منهج الله في الأرض؛ لأنك إن رسخت منهج الله في الأرض، أدمت للوجود جماله. ومن بعد ذلك يقول الحق: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ...}.

الجيلاني

تفسير : ولما تضرعوا إلى الله، والتجأوا إليه، وندموا عمَّا هم عليه {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} فاستقبل عليهم بالإجابة قائلاً: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ} مخلص {مِّنْكُمْ} سواء كان {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} إذ {بَعْضُكُم} ناشئ {مِّن بَعْضٍ} ذكركم من أنثاكم، وأنثاكم من ذكركم في الإنسانية والمظهرية الجامعة اللائقة للخلافة، {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} منكم من دار الغرور، طالباً الوصول إلى دار السرور {وَأُخْرِجُواْ} بسبب هذا الميل {مِن دِيَـٰرِهِمْ} المألوفة التي هي بقعة الإمكان {وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} بسبب قطع التعلقات وترك المألوفات {وَقَـٰتَلُواْ} مع القوى الحيوانية {وَقُتِلُواْ} في الجهاد الأكبر. {لأُكَفِّرَنَّ} لأمحونَّ وأطهرنَّ {عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} التي هي ذواتهم الباطلة، الهالكة {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ} ملاحظات ومكاشفات ومشاهدات {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أي: أنهار المعارف والحقائق دائماً، متجدداً {ثَوَاباً} نازلاً {مِّن عِندِ ٱللَّهِ} تفضلاً وامتناناً {وَٱللَّهُ} المستجمع شتات العباد {عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} [آل عمران: 195] وخير المنقلب والمآب. {لاَ يَغُرَّنَّكَ} يا أكمل الرسل {تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: انتقالهم وإرتحالهم {فِي ٱلْبِلاَدِ} [آل عمران: 196] لاستجلاب المنافع والمتاجر. إذ هو {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} لذة يسيرة في مدة قسيرة {ثُمَّ} بعد انقضاء النشأة الأولى {مَأْوَاهُمْ} ومنقلبهم {جَهَنَّمُ} البعد والخذلان، خالدين فيها أبداً {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [آل عمران: 197] مهد نيران الحرمان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة، ودعاء الطلب، وقال: إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى، فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملا موفرا، { بعضكم من بعض } أي: كلكم على حد سواء في الثواب والعقاب، { فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا } فجمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال، طلبا لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله. { لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله } الذي يعطي عبده الثواب الجزيل على العمل القليل. { والله عنده حسن الثواب } مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فمن أراد ذلك، فليطلبه من الله بطاعته والتقرب إليه، بما يقدر عليه العبد.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 174 : 38 : 5 - سفين عن بن ابي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة أنها قالت، آخر آية نزلت {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} إلى آخر الآية. [الآية 195].

همام الصنعاني

تفسير : 498- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عْيَيْنة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت رجلاً من ولد أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تعالى: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ}: [الآية: 195].