Verse. 4902 (AR)

٥٥ - ٱلرَّحْمَٰن

55 - Ar-Rahman (AR)

اَلرَّحْمٰنُ۝۱ۙ
Alrrahmanu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الرحمن» الله تعالى.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أولاً أن مناسبة هذه السورة لما قبلها بوجهين أحدهما: أن الله تعالى افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على العزة والجبروت والهيبة وهو انشقاق القمر، فإن من يقدر على شق القمر يقدر على هد الجبال وقد الرجال، وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والرحموت وهو القرآن الكريم، فإن شفاء القلوب بالصفاء عن الذنوب ثانيهما: أنه تعالى ذكر في السورة المتقدمة: {أية : فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } تفسير : [القمر: 16] غير مرة، وذكر في السورة: {أية : فَبِأَيّ ءَالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } تفسير : [الرحمن: 13] مرة بعد مرة لما بينا أن تلك السورة سورة إظهار الهيبة، وهذه السورة سورة إظهار الرحمة، ثم إن أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها حيث قال في آخر تلك السورة: {أية : عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } تفسير : [القمر: 55]، والاقتدار إشارة إلى الهيبة والعظمة وقال ههنا: {ٱلرَّحْمَـٰنُ } أي عزيز شديد منتقم مقتدر بالنسبة إلى الكفار والفجار، رحمن منعم غافر للأبرار. ثم في التفسير مسائل: المسألة الأولى: في لفظ {ٱلرَّحْمَـٰنُ } أبحاث، ولا يتبين بعضها إلا بعد البحث في كلمة الله فنقول: المبحث الأول: من الناس من يقول: إن الله مع الألف واللام اسم علم لموجد الممكنات وعلى هذا فمنهم من قال: {ٱلرَّحْمَـٰنُ } أيضاً اسم علم له وتمسك بقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الإسراء: 110] أي أياً ما منهما، وجوز بعضهم قول القائل: يا الرحمن كما يجوز يا الله وتمسك بالآية وكل هذا ضعيف وبعضها أضعف من بعض، أما قوله: الله مع الألف واللام اسم علم ففيه بعض الضعف وذلك لأنه لو كان كذلك لكانت الهمزة فيه أصلية، فلا يجوز أن تجعل وصلية، وكان يجب أن يقال: خلق الله كما يقال: علم أحمد وفهم إسماعيل، بل الحق فيه أحد القولين: إما أن نقول: إله أو لاه اسم لموجد الممكنات اسم علم، ثم استعمل مع الألف واللام كما في الفضل والعباس والحسن والخليل، وعلى هذا فمن سمى غيره إلهاً فهو كمن يستعمل في مولود له فيقول لابنه محمد وأحمد وإن كان علمين لغيره قبله في أنه جائز لأن من سمى ابنه أحمد لم يكن له من الأمر المطاع ما يمنع الغير عن التسمية به ولم يكن له الاحتجار وأخذ الاسم لنفسه أو لولده بخلاف الملك المطاع إذا استأثر لنفسه اسماً لا يستجرىء أحد ممن تحت ولايته ما دام له الملك أن يسمى ولده أو نفسه بذلك الاسم خصوصاً من يكون مملوكاً لا يمكنه أن يسمي نفسه باسم الملك ولا أن يسمي ولده به، والله تعالى ملك مطاع وكل من عداه تحت أمره فإذا استأثر لنفسه اسماً لا يجوز للعبيد أن يتسموا بذلك الاسم، فمن يسمى فقد تعدى فالمشركون في التسمية متعدون، وفي المعنى ضالون وإما أن نقول: إله أو لاه اسم لمن يعبد والألف واللام للتعريف، ولما امتنع المعنى عن غير الله امتنع الاسم، فإن قيل: فلو سمى أحد ابنه به كان ينبغي أن يجوز؟ قلنا: لا يجوز لأنه يوهم أنه اسم موضوع لذلك الابن لمعنى لا لكونه علماً، فإن قيل: تسمية الواحد بالكريم والودود جائزة قلنا: كل ما يكون حمله على العلم وعلى اسم لمعنى ملحوظ في اللفظ الذكرى لا يفضي إلى خلل يجوز ذلك فيه فيجوز تسمية الواحد بالكريم والودود ولا يجوز تسميته بالخالق، والقديم لأن على تقدير حمله على أنه علم غير ملحوظ فيه المعنى يجوز، وعلى تقدير حمله على أنه اسم لمعنى هو قائم به كالقدرة التي بها بقاء الخلق أو العدم، فلا يجوز لكن اسم المعبود من هذا القبيل فلا يجوز التسمية به، فأحد هذين القولين حق وقولهم مع الألف واللام علم ليس بحق، إذا عرفت البحث في الله فما يترتب عليه، وهو أن الرحمن اسم على أضعف منه، وتجويز يا الرحمن أضعف من الكل. البحث الثاني: الله والرحمن في حق الله تعالى كالاسم الأول والوصف الغالب الذي يصير كالاسم بعد الاسم الأول كما في قولنا: عمر الفاروق، وعلى المرتضى وموسى الرضا، وغير ذلك مما نجده في أسماء الخلفاء وأوصافهم المعرفة لهم التي كانت لهم وصفاً وخرجت بكثرة الاستعمال عن الوصفية، حتى إن الشخص وإن لم يتصف به أو فارقه الوصف يقال له ذلك كالعلم فإذن للرحمن اختصاص بالله تعالى، كما أن لتلك الأوصاف اختصاصاً بأولئك غير أن في تلك الأسماء والأوصاف جاز الوضع لما بينا حيث استوى الناس في الاقتدار والعظمة، ولا يجوز في حق الله تعالى، فإن قيل: إن من الناس من أطلق لفظ الرحمن على اليمامي، نقول: هو كما أن من الناس من أطلق لفظ الإله على غير الله تعدياً وكفراً، نظراً إلى جوازه لغة وهو اعتقاد باطل. البحث الثالث: لله تعالى رحمتان سابقة ولاحقة فالسابقة هي التي بها خلق الخلق واللاحقة هي التي أعطى بها الخلق بعد إيجاده إياهم من الرزق والفطنة وغير ذلك فهو تعالى بالنظر إلى الرحمة السابقة رحمن، وبالنظر إلى اللاحقة رحيم، ولهذا يقال: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، فهو رحمن، لأنه خلق الخلق أولاً برحمته، فلما لم يوجد في غيره هذه الرحمة ولم يخلق أحد حداً لم يجز أن يقال لغيره: رحمـٰن، ولما تخلق الصالحون من عباده ببعض أخلاقه على قدر الطاقة البشرية، وأطعم الجائع وكسا العاري، وجد شيء من الرحمة اللاحقة التي بها الرزق والإعانة فجاز أن يقال له رحيم، وقد ذكرنا هذا كله في تفسير سورة الفاتحة غير أنا أردنا أن يصير ما ذكرنا مضموماً إلى ما ذكرناه هناك، فأعدناه ههنا لأن هذا كله كالتفصيل لما ذكرناه في الفاتحة. المسألة الثانية: {ٱلرَّحْمَـٰنُ } مبتدأ خبره الجملة الفعلية التي هي قوله: {عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } وقيل {ٱلرَّحْمَـٰنُ } (خبر) مبتدأ تقديره هو الرحمن، ثم أتى بجملة بعد جملة فقال: {عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ } والأول أصح، وعلى القول الضعيف الرحمن آية. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ } لا بد له من مفعول ثان فما ذلك؟ نقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: قيل: علم بمعنى جعله علامة أي هو علامة النبوة ومعجزة وهذا يناسب قوله تعالى: {أية : وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } تفسير : [القمر: 1] على ما بينا أنه ذكر في أول تلك السورة معجزة من باب الهيئة وهو أنه شق مالا يشقه أحد غيره، وذكر في هذه السورة معجزة من باب الرحمة، وهو أنه نشر من العلوم مالا ينشره غيره، وهو ما في القرآن، وعلى هذا الوجه من الجواب ففيه احتمال آخر، وهو أنه جعله بحيث يعلم فهو كقوله: {أية : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذّكْرِ } تفسير : [القمر: 17] والتعليم على هذا الوجه مجاز. يقال: إن أنفق على متعلم وأعطى أجرة على تعليمة علمه وثانيهما: أن المفعول الثاني لا بد منه وهو جبريل وغيره من الملائكة علمهم القرآن ثم أنزله على عبده كما قال تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] ويحتمل أن يقال: المفعول الثاني هو محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه إشارة إلى أن القرآن كلام الله تعالى لا كلام محمد، وفيه وجه ثالث: وهو أنه تعالى علم القرآن الإنسان، وهذا أقرب ليكون الإنعام أتم والسورة مفتتحة لبيان الأعم من النعم الشاملة. المسألة الرابعة: لم ترك المفعول الثاني؟ نقول: إشارة إلى أن النعمة في تعميم التعليم لا في تعليم شخص دون شخص، يقال: فلان يطعم الطعام إشارة إلى كرمه، ولا يبين من يطعمه. المسألة الخامسة: ما معنى التعليم؟ نقوله على قولنا له مفعول ثان إفادة العلم به، فإن قيل: كيف يفهم قوله تعالى: {عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } مع قوله: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ }تفسير : ؟ [آل عمران: 7] نقول: من لا يقف عند قوله: {إِلاَّ ٱللَّهُ } ويعطف: {ٱلرَّاسِخُونَ } على الله عطف المفرد على المفرد لا يرد عليه هذا، ومن يقف ويعطف قوله تعالى: {وَٱلراسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } على قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ } عطف جملة على جملة يقول: إنه تعالى علم القرآن، لأن من علم كتاباً عظيماً ووقع على ما فيه، وفيه مواضع مشكلة فعلم ما في تلك المواضع بقدر الإمكان، يقال: فلان يعلم الكتاب الفلاني ويتقنه بقدر وسعه، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب بيقين، وكذلك القول في تعليم القرآن، أو تقول: لا يعلم تأويله إلا الله وأما غيره فلا يعلم من تلقاء نفسه مالم يعلم، فيكون إشارة إلى أن كتاب الله تعالى ليس كغيره من الكتب التي يستخرج ما فيها بقوة الذكاء والعلوم. ثم قال تعالى: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في وجه الترتيب وهو على وجهين أحدهما: ما ذكرنا أن المراد من علم علم الملائكة وتعليمه الملائكة قبل خلق الإنسان، فعلم تعالى ملائكته المقربين القرآن حقيقة يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } تفسير : [الواقعة: 77 ـ 79] ثم قال تعالى: {أية : تَنزِيلٌ مّن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الواقعة: 80] إشارة إلى تنزيله بعد تعليمه، وعلى هذا ففي النظم حسن زائد وذلك من حيث إنه تعالى ذكر أموراً علوية وأموراً سفلية، وكل علوي قابله بسفلي، وقدم العلويات على السفليات إلى آخر الآيات، فقال: {عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ } إشارة إلى تعليم العلويين، وقال: {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } إشارة إلى تعليم السفليين، وقال: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ } تفسير : [الرحمـٰن: 5] في العلويات وقال في مقابلتهما من السفليات: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 6]. ثم قال تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاء رَفَعَهَا } تفسير : [الرحمٰن: 7] وفي مقابلتها: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا } تفسير : [الرحمٰن: 10]، وثانيهما: أن تقديم تعليم القرآن إشارة إلى كونه أتم نعمة وأعظم إنعاماً، ثم بين كيفية تعليم القرآن، فقال: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } وهو كقول القائل: علمت فلاناً الأدب حملته عليه، وأنفقت عليه مالي، فقوله: حملته وأنفقت بيان لما تقدم، وإنما قدم ذلك لأنه الإنعام العظيم. المسألة الثانية: ما الفرق بين هذه السورة وسورة العلق، حيث قال هناك: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ } تفسير : [العلق: 1] ثم قال: {أية : وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } تفسير : [العلق: 3، 4] فقدم الخلق على التعليم؟ نقول: في تلك السورة لم يصرح بتعليم القرآن فهو كالتعليم الذي ذكره في هذه السورة بقوله: {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } بعد قوله: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ }. المسألة الثالثة: ما المراد من الإنسان؟ نقول: هو الجنس، وقيل: المراد محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: المراد آدم والأول أصح نظراً إلى اللفظ في {خُلِقَ } ويدخل فيه محمد وآدم وغيرهما من الأنبياء. المسألة الرابعة: ما البيان وكيف تعليمه؟ نقول: من المفسرين من قال: البيان المنطق فعلمه ما ينطق به ويفهم غيره ما عنده، فإن به يمتاز الإنسان عن غيره عن الحيوانات، وقوله: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ } إشارة إلى تقدير خلق جسمه الخاص، و {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } إشارة إلى تميزه بالعلم عن غيره. وقد خرج ما ذكرنا أولاً أن البيان هو القرآن وأعاده ليفصل ماذكره إجمالاً بقوله تعالى: {عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ } كما قلنا في المثال حيث يقول القائل: علمت فلاناً الأدب حملته عليه، وعلى هذا فالبيان مصدر أريد به ما فيه المصدر، وإطلاق البيان بمعنى القرآن على القرآن في القرآن كثير، قال تعالى: {أية : هَـٰذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 138] وقد سمى الله تعالى القرآن فرقاناً وبياناً والبيان فرقان بين الحق والباطل، فصح إطلاق البيان، وإرادة القرآن. المسألة الخامسة: كيف صرح بذكر المفعولين في علمه البيان ولم يصرح بهما في علم القرآن نقول: أما إن قلنا: إن المراد من قوله علم القرآن هو أنه علم الإنسان القرآن، فنقول حذفه لعظم نعمة التعليم وقدم ذكره على من علمه وعلى بيان خلقه، ثم فصل بيان كيفية تعليم القرآن، فقال: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ } وقد بين ذلك، وأما إن قلنا: المراد {عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } الملائكة فلأن المقصود تعديد النعم على الإنسان ومطالبته بالشكر ومنعه من التكذيب به، وتعليمه للملائكة لا يظهر للإنسان أنه فائدة راجعة إلى الإنسان وأما تعليم الإنسان فهي نعمة ظاهرة، فقال: {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } أي علم الإنسان تعديداً للنعم عليه ومثل هذا قال في: {ٱقْرَأْ } قال مرة: {عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } من غير بيان المعلم، ثم قال مرة أخرى: {عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ ما لَمْ يَعْلَمْ } وهو البيان، ويحتمل أن يتمسك بهذه الآية على أن اللغات توقيفية حصل العلم بها بتعليم الله.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنُ. عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} قال سعيد بن جبير وعامر الشَّعْبي: {ٱلرَّحْمَـٰنُ } فاتحة ثلاث سور إذا جُمعن كن ٱسماً من أسماء الله تعالى «الۤر» و «حۤم» و «نۤ» فيكون مجموع هذه {ٱلرَّحْمَـٰنُ. عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} أي علّمه نبيّه صلى الله عليه وسلم حتى أدّاه إلى جميع الناس. وأنزلت حين قالوا: وَمَا الرَّحْمٰنُ؟ وقيل: نزلت جواباً لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلّمه بشر وهو رحمٰن اليمامة؛ يعنون مسيلِمة الكذّاب، فأنزل الله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنُ} {عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} وقال الزجاج: معنى «عَلَّمَ الْقُرْآنَ» أي سهّله لأن يُذكر ويُقرأ كما قال: {أية : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ}تفسير : .[القمر:17] وقيل: جعله علامة لما تعبد الناس به. {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} قال ٱبن عباس وقتادة والحسن يعني آدم عليه السلام. {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} أسماء كل شيء. وقيل: علمه اللغات كلها. وعن ٱبن عباس أيضاً وٱبن كيسان: الإنسان هاهنا يراد به محمد صلى الله عليه وسلم والبيان بيان الحلال من الحرام، والهدى من الضلال. وقيل: ما كان وما يكون؛ لأنه بَيّن عن الأوّلين والآخرين ويوم الدِّين. وقال الضحاك: «البيان» الخير والشر. وقال الربيع بن أنس: هو ما ينفعه وما يضره؛ وقاله قتادة. وقيل: «الإنْسَانَ» يراد به جميع الناس فهو ٱسم للجنس و «الْبَيَانَ» على هذا الكلامُ والفهم، وهو مما فُضّل به الإنسان على سائر الحيوان. وقال السديّ: علّم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. وقال يمان: الكتابة والخط بالقلم. نظيره: {أية : عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ. عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}تفسير : .[العلق:4-5] {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أي يجريان بحساب معلوم فأضمر الخبر. قال ٱبن عباس وقتادة وأبو مالك: أي يجريان بحساب في منازل لا يعدوانها ولا يحيدان عنها. وقال ٱبن زيد وٱبن كيسان: يعني أن بهما تحسب الأوقات والآجال والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يَحسب شيئاً لو كان الدهر كلّه ليلاً أو نهاراً. وقال السديّ: «بِحُسْبَانٍ» تقدير آجالهما أي تجري بآجال كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا؛ نظيره: {أية : كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى}تفسير : .[الزمر:5] وقال الضحاك: بقدر. مجاهد: «بِحُسْبَانٍ» كحسبان الرَّحَى يعني قطبها يدوران في مثل القطب. والحُسْبان قد يكون مصدر حَسَبته أحْسُبُه بالضم حَسْباً وحُسْباناً، مثل الغُفْران والكُفْران والرُّجْحان، وِحسابة أيضاً أي عددته. وقال الأخفش: ويكون جماعة الحساب مثل شِهاب وشُهبان. والحُسْبان أيضاً بالضم العذاب والسهام القصار، وقد مضى في «الكهف» الواحدة حُسْبانة، والحُسْبانة أيضاً الوسادة الصغيرة؛ تقول منه: حَسَّبتُه إذا وسَّدْته؛ قال:شعر : ... لَثَوَيْـتَ غيـر مُحَسَّـب تفسير : أي غير موسَّد يعني غير مكَرَّم ولا مكَفَّن {وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} قال ٱبن عباس وغيره: النجم ما لا ساق له والشجر ما له ساق، وأنشد ٱبن عباس قول صفوان بن أسد التميمي:شعر : لَقَد أَنْجَمَ الْقَاعُ الكَبيرُ عِضَاهَه وتَمَّ به حيّاً تَميم ووَائلِ تفسير : وقال زهير بن أبي سُلْمى:شعر : مُكَلَّلٌ بأُصولِ النَّجْم تَنْسِجُه ريحُ الجَنوبِ لِضاحِي مائه حُبُكُ تفسير : واشتقاق النجم من نَجَم الشيءُ ينجُم بالضم نجوماً ظهر وطلع، وسجودهما بسجود ظلالهما؛ قاله الضحاك. وقال الفرّاء: سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء. وقال الزجاج: سجودهما دوران الظل معهما، كما قال تعالى: {أية : يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ}تفسير : [النحل:48]. وقال الحسن ومجاهد: النجم نجم السماء، وسجوده في قول مجاهد دوران ظله، وهو ٱختيار الطبري، حكاه المهدوي. وقيل: سجود النجم أفوله، وسجود الشجر إمكان الاجتناء لثمرها، حكاه الماوردي. وقيل: إن جميع ذلك مسخر لله، فلا تعبدوا النجم كما عبد قوم من الصابئين النجوم، وعبد كثير من العجم الشجر. والسجود الخضوع، والمعنىّ به آثار الحدوث، حكاه القشيري. النحاس: أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله عز وجل، فهو من الموات كلها ٱستسلامها لأمر الله عز وجل وٱنقيادها له، ومن الحيوان كذلك ويكون من سجود الصلاة، وأنشد محمد بن يزيد في النجم بمعنى النجوم قال:شعر : فباتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مَسْتَحيرة سَرِيعٍ بأَيْدي الآكِلينَ جُمُودُهَا تفسير : {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا} وقرأ أبو السمَّال «والسَّمَاءُ» بالرفع على الابتداء وٱختار ذلك لما عطف على الجملة التي هي: {وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} فجعل المعطوف مركباً من مبتدإ وخبر كالمعطوف عليه. الباقون بالنصب على إضمار فعل يدل عليه ما بعده. {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} أي العدل؛ عن مجاهد وقتادة والسدي، أي وضع في الأرض العدل الذي أمر به، يقال: وضع الله الشريعة. ووضع فلان كذا أي ألقاه؛ وقيل: على هذا الميزان القرآن، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه وهو قول الحسين بن الفضل. وقال الحسن وقتادة ـ أيضاً ـ والضحاك: هو الميزان ذو اللسان الذي يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض، وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل، يدل عليه قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ} والقسط العدل. وقيل: هو الحكم. وقيل: أراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال. وأصل مِيزان مِوزان وقد مضى في «الأعراف» القول فيه. {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} موضع «أَنْ» يجوز أن يكون نصباً على تقدير حذف حرف الجرّ كأنه قال: لئلا تطغوا؛ كقوله تعالى: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}تفسير : .[النساء:176] ويجوز ألا يكون لـ «أن» موضع من الإعراب فتكون بمعنى أي و «تَطْغَوْا» على هذا التقدير مجزوماً؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ} تفسير : (أي امشوا). والطغيان مجاوزة الحدّ. فمن قال: الميزان العدل قال طغيانه الجور. ومن قال: إنه الميزان الذي يوزن به قال طغيانه البخس. قال ٱبن عباس: أي لا تخونوا من وزنتم له. وعنه أنه قال: يا معشر الموالي! وليتم أمرين بهما هلك الناس: المكيال والميزان. ومن قال إنه الحُكْم قال: طغيانه التحريف. وقيل: فيه إضمار؛ أي وضع الميزان وأمركم ألا تَطْغَوْا فيه. {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ} أي ٱفعلوه مستقيماً بالعدل. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل. وقال ٱبن عيينة: الإقامة باليد والقسط بالقلب. وقال مجاهد: القسط العدل بالرومية. وقيل: هو كقولك أقام الصلاة أي أتى بها في وقتها، وأقام الناس أسواقهم أي أتوها لوقتها. أي لا تدعوا التعامل بالوزن بالعدل. {وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} ولا تنقصوا الميزان ولا تبخسوا الكيل والوزن، وهذا كقوله: {أية : وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ}تفسير : .[هود:84] وقال قتادة في هذه الآية: ٱعدل يا بن آدم كما تحبّ أن يُعدَل لك، وأوف كما تحبّ أن يُوفّى لك؛ فإن العدل صلاح الناس. وقيل: المعنى ولا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة فيكون ذلك حسرة عليكم. وكرر الميزان لحال رؤوس الآي. وقيل: التكرير للأمر بإيفاء الوزن ورعاية العدل فيه. وقراءة العامة «تُخْسِرُوا» بضم التاء وكسر السين. وقرأ بلال بن أبي بُرْدة وأبان عن عثمان «تَخْسَرُوا» بفتح التاء والسين وهما لغتان، يقال: أخسرت الميزان وخسرته كأجبرته وجبرته. وقيل: «تَخْسَرُوا» بفتح التاء والسين محمول على تقدير حذف حرف الجرّ؛ والمعنى ولا تخسروا في الميزان. {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} الأنام الناس؛ عن ٱبن عباس. الحسن: الجنّ والإنس. الضحاك: كل ما دبّ على وجه الأرض، وهذا عام. {فِيهَا فَاكِهَةٌ} أي كل ما يتفكه به الإِنسان من ألوان الثمار. {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} الأكمام جمع كِمٍّ بالكسر. قال الجوهري: والكِمَّة بالكسر والكِمَامة وعاء الطلع وغِطاء النَّوْر والجمع كِمَام وأَكِمَّة وأَكْمَام والأكاميم أيضاً. وكُمَّ الفصيلُ إذا أُشفق عليه فَسُتِر حتى يَقْوَى؛ قال العجاج:شعر : بَلْ لَوْ شَهِدْتَ الناسَ إذْ تُكُمُّوا بغُمَّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا تفسير : وتُكُمُّوا أي أغمي عليهم وغُطُّوا. وأَكَمَّت النَّخلةُ وكَمَّمت أي أخرجت أكمامها. والكِمَام بالكسر والكِمَامة أيضاً ما يُكَمّ به فم البعير لئلا يَعضّ؛ تقول منه: بعير مكموم أي مَحْجوم. وكَمَّمت الشيء غّطيته. والكَمُّ ما ستر شيئاً وغطّاه؛ ومنه كُمُّ القميص بالضم والجمع أَكْمَام وكممة، مثل حُبّ وحِبَبَة. والكُمَّة القَلَنْسوة المدوَّرة؛ لأنها تغطِّي الرأس. قال:شعر : فقلتُ لهمْ كِيلو بكُمَّةِ بعضِكُمْ دَرَاهمَكُمْ إنِّي كذلك أَكْيَلُ تفسير : قال الحسن: {ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} أي ذات الليف فإن النخلة قد تُكَمّم بالليف، وكِمَامها ليفها الذي في أعناقها. ٱبن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتق. وقال عكرمة: ذات الأحمال. {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} الحبّ الحِنطة والشعير ونحوهما؛ والعصف التِّبْن؛ عن الحسن وغيره. مجاهد: ورق الشجر والزرع. ٱبن عباس: تِبْن الزرع وورقه الذي تَعصِفه الرياح. سعيد بن جبير: بَقْل الزرع أي أوّل ما ينبت منه؛ وقاله الفرّاء. والعرب تقول: خرجنا نَعصِف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يُدرِك. وكذا في الصحاح: وعَصَفتُ الزَّرعَ أي جززته قبل أن يُدرِك. وعن ٱبن عباس أيضاً: العصف ورق الزرع الأخضر إذا قطع رؤوسه ويبس؛ نظيره: {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} تفسير : [الفيل: 6] الجوهري: وقد أَعصفَ الزرعُ، ومكان مُعْصِف أي كثير الزرع. قال أبو قيس بن الأَسْلت الأنصاريّ:شعر : إذا جُمَادَى مَنَعَتْ قَطْرَهَا زَانَ جَنَابِي عَطَنٌ مُعْصِفُ تفسير : والعَصْف أيضاً الكَسْب؛ ومنه قول الراجز:شعر : بغيـرِ مـا عَصْـفٍ ولا ٱصْطِـرَافِ تفسير : وكذلك الاعتصاف. والعَصِيفة الورق المجتمع الذي يكون فيه السُّنْبل. وقال الهرويّ: والعصف والعَصِيفة ورق السُّنْبل. وحكى الثعلبي: وقال ٱبن السِّكِّيت تقول العرب لورق الزرع العصف والعَصِيفة والجِلُّ بكسر الجيم. قال عَلْقَمة بن عَبَدة:شعر : تَسْقِي مَذَانِبَ قد مَالتْ عَصِيفَتُهَا حَدُورُها من أَتِيِّ الماءِ مَطْمُومُ تفسير : وفي الصحاح: والجِلُّ بالكسر قصب الزرع إذا حُصِد. والريحان الرزق؛ عن ٱبن عباس ومجاهد. الضحاك: هي لغة حِمْير. وعن ٱبن عباس أيضاً والضحاك وقتادة: أنه الريحان الذي يشمّ، وقاله ٱبن زيد. وعن ٱبن عباس أيضاً: أنه خضرة الزرع. وقال سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق. وقال الفراء: العصف المأكول من الزرع، والريحان ما لا يؤكل. وقال الكلبي: إن العصف الورق الذي لا يؤكل، والريحان هو الحبّ المأكول. وقيل: الريحان كل بقلة طيبة الريح سميت رَيْحاناً؛ لأن الإنسان يَراحُ لها رائحةً طيبة. أي يشمّ فهو فَعْلان رَوْحان من الرائحة؛ وأصل الياء في الكلمة واو قلب ياء للفرق بينه وبين الرُّوحانيّ وهو كل شيء له رُوح. قال ٱبن الأعرابي: يقال شيء رُوحاني ورُيحاني أي له روح. ويجوز أن يكون على وزن فَيْعَلان فأصله رَيْوَحان فأبدل من الواو ياء وأدغم كهَيِّن ولَيِّن، ثم ألزم التخفيف لطوله ولحاق الزائدتين الألفِ والنونِ، والأصل فيما يتركب من الراء والواو والحاء الاهتزاز والحركة. وفي الصحاح: والرَّيحان نبت معروف؛ والريحان الرزق؛ تقول: خرجت أبتغي رَيْحَان اللَّهِ؛ قال النَّمِرُ بن تَوْلَب:شعر : سلامُ الإلٰهِ ورَيْحَانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَمَاءٌ دِرَرْ تفسير : وفي الحديث: «حديث : الولد من ريحان الله»تفسير : . وقولهم: سبحانَ الله وريحانه، نصبوهما على المصدر يريدون تنزيهاً له وٱسترزاقاً. وأما قوله: {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} فالعصف ساق الزرع، والريحان ورقه؛ عن الفرّاء. وقراءة العامة {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} بالرفع فيها كلها على العطف على الفاكهة. ونصبها كلها ٱبن عامر وأبو حيوة والمغيرة عطفاً على الأرض. وقيل: بإضمار فعل، أي وخلق الحبّ ذا العصف والريحان؛ فمن هذا الوجه يحسن الوقف على «ذَاتُ الأَكْمَامِ». وجرّ حمزة والكسائي «الريحان» عطفاً على العصف؛ أي فيها الحب ذو العصفِ والريحانِ، ولا يمتنع ذلك على قول من جعل الريحان الرزق، فيكون كأنه قال: والحب ذو الرزق. والرزق من حيث كان العصف رزقاً؛ لأن العصف رزق للبهائم، والريحان رزق للناس، ولا شبهة فيه في قول من قال إنه الريحان المشموم. قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} خطاب للإنس والجنّ؛ لأن الأنام واقع عليهما. وهذا قول الجمهور، يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة، وخرجه الترمذي وفيه «لَلْجِنُّ أحسنُ منكم ردًّا». وقيل: لما قال: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} و {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ} دل ذلك على أن ما تقدّم وما تأخر لهما. وأيضاً قال: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ} وهو خطاب للإنس والجنّ وقد قال في هذه السورة: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ}. وقال الجرجاني: خاطب الجنّ مع الإنس وإن لم يتقدّم للجنّ ذكر؛ كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ}تفسير : .[ص:32] وقد سبق ذكر الجنّ فيما سبق نزوله من القرآن، والقرآن كالسورة الواحدة؛ فإذا ثبت أنهم مكلّفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات. وقيل: الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية؛ حسب ما تقدّم من القول في {أية : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ}تفسير : .[ق:24] وكذلك قوله:شعر : قِفَا نَبْكِ... تفسير : وشعر : خَلِيلَيَّ مُرَّابِي... تفسير : فأما ما بَعْدَ {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} و {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ} فإنه خطاب للإنس والجنّ، والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى: {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} والآلاء النعم، وهو قول جميع المفسرين، واحدها إِلىً وألىً مثل مِعًى وعصاً، وإِلْيٌ وأَلْيٌ أربع لغات حكاها النحاس قال: وفي واحد {آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ} ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام، وقد مضى في «الأعراف» و «النجم». وقال ٱبن زيد: إنها القدرة؛ وتقدير الكلام فبأيّ قدرة ربكما تكذّبان؛ وقاله الكلبي وٱختاره الترمذيّ محمد بن علي، وقال: هذه السورة من بين السور عَلَم القرآن، والعَلَم إمام الجند والجند تتبعه، وإنما صارت عَلَماً لأنها سورة صفة الملك والقدرة؛ فقال: {ٱلرَّحْمَـٰنُ} {عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} فٱفتتح السورة بٱسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال: {ٱلرَّحْمَـٰنُ} {عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} ثم ذكر الإنسان فقال: «خَلَقَ الإِنْسَانَ» ثم ذكر ما صنع به وما منّ عليه به، ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نَجَم وشَجَر، وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل، ووضع الأرض للأنام؛ فخاطب هذين الثقلين الجنّ والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك، فأشركوا به الأوثان وكل معبود ٱتخذوه من دونه، وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم، فقال سائلاً لهم: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي بأيّ قدرة ربكما تكذبان، فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكاً يملك معه ويقدر معه، فذلك تكذيبهم. ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال، وذكر خلق الجانّ من مارج من نار، ثم سألهم فقال: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي بأيّ قدرة ربّكما تكذبان؛ فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة؛ فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير، وٱتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلقٍ خلقٍ. وقال القُتَبيّ: إن الله تعالى عدّد في هذه السورة نعماءه، وذكّر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خَلَّة وصفها ونعمة وضعها بهذه، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها؛ كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره: ألم تكن فقيراً فأغنيتك أفتنكر هذا؟! ألم تكن خاملاً فعززتك أفتنكر هذا؟! ألم تكن صَرُورة فحججت بك أفتنكر هذا؟! ألم تكن راجلاً فحملتك أفتنكر هذا؟! والتكرير حَسن في مثل هذا. قال:شعر : كَمْ نِعْمَةٍ كانتْ لَكُمْ كَمْ كَمْ وَكَمْ تفسير : وقال:شعر : لا تَقْتُلِي مُسْلِماً إنْ كنتِ مُسْلِمَةً إيّاكِ مِنْ دَمِهِ إيَّاكِ إيَّاكِ تفسير : وقال آخر:شعر : لا تَقطعنَّ الصديقَ ما طَرَفتْ عيناكَ من قول كاشح أشِرِ ولا تمَلَّنَّ من زيارته زُرْهُ وزُرْهُ وزُرْ وزُرْ وزُرِ تفسير : وقال الحسين بن الفضل: التكرير طرداً للغفلة، وتأكيداً للحجة.

البيضاوي

تفسير : مكية او مدنية او متبعضة وآيها ثمان وسبعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } لما كانت السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والآخروية صدرها بـ {ٱلرَّحْمَـٰنُ}، وقدم ما هو أصل النعم الدينية وأجلها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، فإنه أساس الدين ومنشأ الشرع وأعظم الوعي وأعز الكتب، إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها مصدق لنفسه ومصداق لها، ثم اتبعه قوله: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} إيماء بأن خلق البشر وما يميز به عن سائر الحيوان من البيان، وهو التعبير عما في الضمير وإفهام الغير لما أدركه لتلقي الوحي وتعرف الحق وتعلم الشرع، وإخلاء الجمل الثلاث التي هي أخبار مترادفة لـ {ٱلرَّحْمَـٰنُ} عن العاطف لمجيئها على نهج التعديد. {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما، وتتسق بذلك أمور الكائنات السفلية وتختلف الفصول والأوقات، ويعلم السنون والحساب. {وَٱلنَّجْمِ} والنبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له. {وَٱلشَّجَرُ} الذي له ساق. {يَسْجُدَانِ} ينقادان لله تعالى فيما يريد بهما طبعاً انقياد الساجد من المكلفين طوعاً، وكان حق النظم في الجملتين أن يقال: وجرى الشمس والقمر، وأسجد النجم والشجر. أو {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}، والنجم والشجر يسجدان له، ليطابقا ما قبلهما وما بعدهما في اتصالهما بـ {ٱلرَّحْمَـٰنُ}، لكنهما جردتا عما يدل على الاتصال إشعاراً بأن وضوحه يغنيه عن البيان، وإدخال العاطف بينهما لاشتراكهما في الدلالة على أن ما يحس به من تغيرات أحوال الأجرام العلوية والسفلية بتقديره وتدبيره. {وَٱلسَّمَاءَ رَفَعَهَا } خلقها مرفوعة محلاً ومرتبة، فإنها منشأ أقضيته ومتنزل أحكامه ومحل ملائكته، وقرىء بالرفع على الابتداء. {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ } العدل بأن وفر على كل مستعد مستحقه، ووفى كل ذي حق حقه حتى انتظم أمر العالم واستقام كما قال عليه السلام «حديث : بالعدل قامت السموات والأرض»تفسير : أو ما يعرف به مقادير الأشياء من ميزان ومكيال ونحوهما، كأنه لما وصف السماء بالرفعة من حيث إنها مصدر القضايا والإقرار أراد وصف الأرض بما فيها مما يظهر به التفاوت ويعرف به المقدار ويسوى به الحقوق والمواجب. {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى ٱلْمِيزَانِ} لئلا تطغوا فيه أي لا تعتدوا ولا تجاوزوا الانصاف، وقرىء «لا تطغوا» على إرادة القول. {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} ولا تنقصوه فإن من حقه أن يسوى لأنه المقصود من وضعه، وتكريره مبالغة في التوصية به وزيادة حث على استعماله، وقرىء «وَلاَ تُخْسِرُواْ» بفتح التاء وضم السين وكسرها، و« تُخْسِرُواْ» بفتحها على أن الأصل {وَلاَ تُخْسِرُواْ} في {ٱلْمِيزَانَ} فحذف الجار وأوصل الفعل. {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا } خفضها مدحوة. {لِلأَنَامِ} للخلق. وقيل الأنام كل ذي روح. {فِيهَا فَـٰكِهَةٌ} ضروب مما يتفكه به. {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلاْكْمَامِ } أوعية التمر جمع كم، أو كل ما يكم أي يغطى من ليف وسعف وكفري فإنه ينتفع به كالمكموم كالجذع والجمار والتمر. {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ } كالحنطة والشعير وسائر ما يتغذى به، و {ٱلْعَصْفِ} ورق النبات اليابس كالتين. {وَٱلرَّيْحَانُ} يعني المشموم، أو الرزق من قولهم: خرجت أطلب ريحان الله، وقرأ ابن عامر «والحب ذا العصف والريحان» أي وخلق الحب والريحان أو وأخص، ويجوز أن يراد وذا الريحان فحذف المضاف، وقرأ حمزة والكسائي «والريحان» بالخفض ما عدا ذلك بالرفع، وهو فيعلان من الروح فقلبت الواو ياء وأدغم ثم خفف، وقيل «روحان» فقلبت واوه ياء للتخفيف.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه: أنه أنزل على عباده القرآن، ويسر حفظه وفهمه على من رحمه، فقال تعالى: { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } قال الحسن: يعني: النطق، وقال الضحاك وقتادة وغيرهما: يعني: الخير والشر، وقول الحسن ههنا أحسن وأقوى؛ لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق، وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها. وقوله تعالى: { ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أي: يجريان متعاقبين بحساب مقنن، لا يختلف ولا يضطرب {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40] وقال تعالى: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} تفسير : [الأنعام: 96]. وعن عكرمة أنه قال: لو جعل الله نور جميع أبصار الإنس والجن والدواب والطير في عيني عبد، ثم كشف حجاباً واحداً من سبعين حجاباً دون الشمس، لما استطاع أن ينظر إليها. ونور الشمس جزء من سبعين جزءاً من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءاً من نور الستر. فانظر ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه وقت النظر إلى وجه ربه الكريم عياناً، رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: { وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} قال ابن جرير: اختلف المفسرون في معنى قوله: والنجم، بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق، فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: النجم: ما انبسط على وجه الأرض، يعني: من النبات، وكذا قال سعيد بن جبير والسدي وسفيان الثوري، وقد اختاره ابن جرير رحمه الله تعالى. وقال مجاهد: النجم: الذي في السماء. وكذا قال الحسن وقتادة، وهذا القول هو الأظهر، والله أعلم؛ لقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : الآية [الحج: 18]. وقوله تعالى: { وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} يعني: العدل؛ كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [الحديد: 25] وهكذا قال ههنا: { أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى ٱلْمِيزَانِ} أي: خلق السموات والأرض بالحق والعدل؛ لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل، ولهذا قال تعالى: { وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} أي: لا تبخسوا الوزن، بل زنوا بالحق والقسط؛ كما قال تعالى: {أية : وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} تفسير : [الشعراء: 182] وقوله تعالى: { وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} أي: كما رفع السماء، وضع الأرض ومهدها، وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات؛ لتستقر؛ لما على وجهها من الأنام، وهم الخلائق المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم في سائر أقطارها وأرجائها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الأنام: الخلق {فِيهَا فَـٰكِهَةٌ} أي: مختلفة الألوان والطعوم والروائح {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} أفرده بالذكر؛ لشرفه ونفعه رطباً ويابساً، والأكمام قال ابن جريج عن ابن عباس: هي أوعية الطلع، وهكذا قال غير واحد من المفسرين، وهو الذي يطلع فيه القنو، ثم ينشق عن العنقود، فيكون بسراً، ثم رطباً، ثم ينضج ويتناهى نفعه واستواؤه. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عمرو بن علي الصيرفي، حدثنا أبو قتيبة، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب: أخبرك أن رسلي أتتني من قبلك، فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليقة لشيء من الخير، تخرج مثل آذان الحمير، ثم تشقق مثل اللؤلؤ، ثم تخضر فتكون مثل الزمرد الأخضر، ثم تحمر فتكون كالياقوت الأحمر، ثم تينع فتنضج، فتكون كأطيب فالوذج أكل، ثم تيبس فتكون عصمة للمقيم، وزاداً للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني، فلا أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة، فكتب إليه عمر بن الخطاب: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم، إن رسلك قد صدقوك، هذه الشجرة عندنا، وهي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله، ولا تتخذ عيسى إلهاً من دون الله {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ}. وقيل: الأكمام: رفاتها، وهو الليف الذي على عنق النخلة، وهو قول الحسن وقتادة. {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ} يعني: التبن. وقال العوفي عن ابن عباس: العصف: ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه، فهو يسمى العصف إذا يبس، وكذا قال قتادة والضحاك وأبو مالك: عصفه: تبنه. وقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: والريحان، يعني: الورق. وقال الحسن: هو ريحانكم هذا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: والريحان: خضر الزرع، ومعنى هذا ــــ والله أعلم ــــ أن الحب كالقمح والشعير ونحوهما له في حال نباته عصف، وهو ما على السنبلة، وريحان، وهو الورق الملتف على ساقها. وقيل: العصف: الورق أول ما ينبت الزرع بقلاً، والريحان: الورق، يعني: إذا أدجن وانعقد فيه الحب، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته المشهورة:شعر : وقُولا لهُ من يُنبتُ الحَبَّ في الثَّرى فيصبحُ منهُ البَقْلُ يهتزُّ رابيا ويُخْرِجُ منه حَبَّهُ في رؤوسِهِ ففي ذاك آياتٌ لمن كانَ واعِيا تفسير : وقوله تعالى: { فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي: فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس والجن تكذبان؟ قاله مجاهد وغير واحد، ويدل عليه السياق بعده، أي: النعم ظاهرة عليكم، وأنتم مغمورون بها، لا تستطيعون إنكارها، ولا جحودها، فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به: اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد. وكان ابن عباس يقول: لابأيها يا رب أي: لا نكذب بشيء منها، قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ، وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر، والمشركون يستمعون: {فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلرَّحْمَٰنُ } الله تعالى.

الشوكاني

تفسير : قوله: {ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } ارتفاع الرحمٰن على أنه مبتدأ، وما بعده من الأفعال أخبار له، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: الله الرحمٰن. قال الزجاج: معنى: {عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } يسّره. قال الكلبي: علم القرآن محمداً، وعلمه محمد أمته، وقيل: جعله علامة لما يعبد الناس به، قيل: نزلت هذه الآية جواباً لأهل مكة حين قالوا: {أية : إنما يعلمه بشر}تفسير : [النحل: 103]، وقيل: جواباً لقولهم: وما الرحمٰن؟ ولما كانت هذه السورة لتعداد نعمه التي أنعم بها على عباده قدم النعمة التي هي أجلها قدراً، وأكثرها نفعاً، وأتمها فائدة، وأعظمها عائدة، وهي نعمة تعليم القرآن، فإنها مدار سعادة الدارين، وقطب رحى الخيرين، وعماد الأمرين. ثم امتنّ بعد هذه النعمة بنعمة الخلق التي هي مناط كل الأمور، ومرجع جميع الأشياء، فقال: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ } ثم امتنّ ثالثاً بتعليمه البيان الذي يكون به التفاهم، ويدور عليه التخاطب، وتتوقف عليه مصالح المعاش والمعاد؛ لأنه لا يمكن إبراز ما في الضمائر، ولا إظهار ما يدور في الخلد إلاّ به قال قتادة، والحسن: المراد بالإنسان آدم، والمراد بالبيان: أسماء كلّ شيء، وقيل: المراد به: اللغات. وقال ابن كيسان: المراد بالإنسان ها هنا: محمد صلى الله عليه وسلم، وبالبيان: بيان الحلال من الحرام، والهدى من الضلال، وهو بعيد. وقال الضحاك: البيان: الخير والشرّ. وقال الربيع بن أنس: هو ما ينفعه مما يضرّه، وقيل: البيان: الكتابة بالقلم. والأولى حمل الإنسان على الجنس، وحمل البيان على تعليم كلّ قوم لسانهم الذي يتكلمون به. {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } أي: يجريان بحساب، ومنازل لا يعدوانها، ويدلان بذلك على عدد الشهور والسنين. قال قتادة، وأبو مالك: يجريان بحسبان في منازل لا يعدوانها، ولا يحيدان عنها. وقال ابن زيد، وابن كيسان: يعني: أن بهما تحسب الأوقات، والآجال والأعمار، ولولا الليل والنهار، والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب؛ لأن الدهر يكون كله ليلاً أو نهاراً. وقال الضحاك: معنى {بحسبان}: بقدر. وقال مجاهد: بحسبان كحسبان الرحى، يعني قطبهما الذي يدوران عليه. قال الأخفش: الحسبان جماعة الحساب، مثل شهب وشهبان. وأما الحسبان بالضمّ فهو العذاب، كما مضى في سورة الكهف. {وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } النجم: ما لا ساق له من النبات، والشجر ما له ساق. قال الشاعر:شعر : لقد أنجم القاع الكثير عضاهه وتمّ به حيا تميم ووائل تفسير : وقال زهير: شعر : مكلل بأصول النجم تنسجه ريح الجنوب لضاحي ما به حبك تفسير : والمراد: بسجودهما: انقيادهما لله تعالى انقياد الساجدين من المكلفين. وقال الفراء: سجودهما: أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت، ثم يميلان معها حين ينكسر الفيء. وقال الزجاج: سجودهما دوران الظل معهما، كما في قوله: {أية : يَتَفَيَّأُ ظِلَـٰلُهُ } تفسير : [النحل: 48] وقال الحسن، ومجاهد: المراد بالنجم: نجم السماء، وسجوده: طلوعه، ورجّح هذا ابن جرير. وقيل: سجوده: أفوله، وسجود الشجر: تمكينها من الاجتناء لثمارها. قال النحاس: أصل السجود الاستسلام والانقياد لله، وهذه الجملة والتي قبلها خبران آخران للرحمٰن، وترك الرابط فيهما لظهوره كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له {وَٱلسَّمَاء رَفَعَهَا } قرأ الجمهور بنصب السماء على الاشتغال. وقرأ أبو السماك بالرفع على الابتداء، والمعنى: أنه جعل السماء مرفوعة فوق الأرض {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ } المراد بالميزان: العدل، أي: وضع في الأرض العدل الذي أمر به، كذا قال مجاهد، وقتادة، والسديّ، وغيرهم. قال الزجاج: المعنى: أنه أمرنا بالعدل، ويدل عليه قوله: {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى ٱلْمِيزَانِ } أي: لا تجاوزوا العدل. وقال الحسن، والضحاك: المراد به: آلة الوزن ليتوصل بها إلى الإنصاف والانتصاف. وقيل: الميزان: القرآن لأن فيه بيان ما يحتاج إليه، وبه قال الحسين بن الفضل، والأوّل أولى. ثم أمر سبحانه بإقامة العدل بعد إخباره للعباد بأنه وضعه لهم، فقال: {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ } أي: قوّموا وزنكم بالعدل. وقيل المعنى: أقيموا لسان الميزان بالعدل، وقيل المعنى: أنه وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال، و «أن» في قوله: {أَلاَّ تَطْغَوْاْ } مصدرية، أي: لئلا تطغوا، و"لا" نافية، أي: وضع الميزان لئلا تطغوا، وقيل: هي مفسرة؛ لأن في الوضع معنى القول، والطغيان مجاوزة الحد، فمن قال: الميزان: العدل، قال: طغيانه الجور، ومن قال: الميزان: الآلة التي يوزن بها، قال: طغيانه: البخس {وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ } أي: لا تنقصوه، أمر سبحانه أوّلاً بالتسوية، ثم نهى عن الطغيان الذي هو المجاوزة للحد بالزيادة، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس. قرأ الجمهور: {تخسروا} بضم التاء، وكسر السين من أخسر، وقرأ بلال بن أبي برزة، وأبان بن عثمان، وزيد بن علي بفتح التاء، والسين من خسر، وهما لغتان، يقال: أخسرت الميزان وخسرته. ثم لما ذكر سبحانه أنه رفع السماء ذكر أنه وضع الأرض، فقال: {وَٱلأرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ } أي: بسطها على الماء لجميع الخلق مما له روح وحياة، ولا وجه لتخصيص الأنام بالإنس والجنّ. قرأ الجمهور بنصب {الأرض} على الاشتغال، وقرأ أبو السماك بالرفع على الابتداء وجملة {فِيهَا فَـٰكِهَةٌ }: في محل نصب على أنها حال من الأرض مقدّرة، وقيل: مستأنفة لتقرير مضمون الجملة التي قبلها، والمراد بها: كل ما يتفكه به من أنواع الثمار. ثم أفرد سبحانه النخل بالذكر لشرفه، ومزيد فائدته على سائر الفواكه فقال: {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأكْمَامِ } الأكمام جمع كم بالكسر، وهو وعاء التمر. قال الجوهري: والكم بالكسر، والكمامة: وعاء الطلع، وغطاء التنور، والجمع كمام وأكمة وأكمام. قال الحسن: {ذات الأكمام} أي: ذات الليف، فإن النخلة تكم بالليف، وكمامها ليفها، وقال ابن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتق. وقال عكرمة: ذات الأحمال {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ } الحبّ: هو جميع ما يقتات من الحبوب والعصف. قال السديّ، والفراء: هو بقل الزرع، وهو أوّل ما ينبت به. قال ابن كيسان: يبدو أولاً ورقاً، وهو العصف، ثم يبدو له ساق، ثم يحدث الله فيه أكماماً، ثم يحدث في الأكمام الحبّ. قال الفراء: والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك، وكذا قال الصحاح. وقال الحسن: العَصْفُ: التبن، وقال مجاهد: هو ورق الشجر والزرع. وقيل: هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رأسه ويبس، ومنه قوله: {أية : كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } تفسير : [الفيل: 5]، وقيل: هو الزرع الكثير، يقال: قد أعصف الزرع، ومكان معصف، أي: كثير الزرع، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت:شعر : إذا جمادى منعت قطرها إن جناني عطن معصف تفسير : والريحان: الورق في قول الأكثر. وقال الحسن، وقتادة، والضحاك، وابن زيد: إنه الريحان الذي يشم. وقال سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق. وقال الكلبي: إن العصف: هو الورق الذي لا يؤكل، والريحان: هو الحب المأكول. وقال الفراء أيضاً: العصف: المأكول من الزرع، والريحان: ما لا يؤكل، وقيل: الريحان: كل بقلة طيبة الريح. قال ابن الأعرابي: يقال: شيء ريحاني وروحاني، أي: له روح. وقال في الصحاح: الريحان: نبت معروف، والريحان: الرزق، تقول: خرجت أبتغي ريحان الله. قال النمر بن تولب:شعر : سلام الإلٰه وريحانـه ورحمتـه وسمـاء درر تفسير : وقيل: العصف: رزق البهائم، والريحان: رزق الناس. قرأ الجمهور {والحبّ ذو العصف والريحان} برفع الثلاثة عطفاً على فاكهة. وقرأ ابن عامر، وأبو حيوة، والمغيرة بنصبهما عطفاً على الأرض، أو على فعل، أي: وخلق الحبّ ذا العصف والريحان. وقرأ حمزة، والكسائي، والريحان بالجرّ عطفاً على العصف: {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } الخطاب للجنّ والإنس؛ لأن لفظ الأنام يعمهما وغيرهما، ثم خصّص بهذا الخطاب من يعقل. وبهذا قال: الجمهور من المفسرين، ويدلّ عليه قوله فيما سيأتي:{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ} ويدلّ على هذا ما قدّمنا في فاتحة هذه السورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها على الجنّ والإنس، وقيل: الخطاب للإنس، وثناه على قاعدة العرب في خطاب الواحد بلفظ التثنية، كما قدّمنا في قوله: {أية : أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ }تفسير : [قۤ: 24] والآلاء: النعم. قال القرطبي: وهو قول جميع المفسرين، واحدها: "إلى" مثل معى وعصى. وقال ابن زيد: إنها القدرة، أي: فبأي قدرة ربكما تكذبان، وبه قال الكلبي. وكرّر سبحانه هذه الآية في هذه السورة تقريراً للنعمة، وتأكيداً للتذكير بها على عادة العرب في الاتساع. قال القتيبي: إن الله عدّد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خلة وضعها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين، لينبّههم على النعم ويقرّرهم بها، كما تقول لمن تتابع له إحسانك، وهو يكفره: ألم تكن فقيراً فأغنيتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملاً فعززتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن راجلاً فحملتك؟ أفتنكر هذا؟ والتكرير حسن في مثل هذا، ومنه قول الشاعر:شعر : لا تقتلي رجلاً إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك تفسير : قال الحسين بن الفضل: التكرير طرد للغفلة وتأكيد للحجة {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ } لما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير، وهو السماء والأرض وما فيهما، ذكر خلق العالم الصغير، والمراد بالإنسان هنا: آدم. قال القرطبي: باتفاق من أهل التأويل، ولا يبعد أن يراد الجنس؛ لأن بني آدم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم، والصلصال: الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، وقيل: هو طين خلط برمل، وقيل: هو الطين المنتن، يقال: صلّ اللحم وأصلّ: إذا أنتن، وقد تقدّم بيانه في سورة الحجر، والفخار: الخزف الذي طبخ بالنار، والمعنى: أنه خلق الإنسان من طين يشبه في يبسه الخزف. {وَخَلَقَ ٱلْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مّن نَّارٍ } يعني: خلق أبا الجنّ، أو جنس الجنّ من مارج من نار، والمارج: اللهب الصافي من النار، وقيل: الخالص منها، وقيل: لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت، وقال الليث: المارج الشعلة الصادعة ذات اللهب الشديد. قال المبرد: المارج: النار المرسلة التي لا تمنع، وقال أبو عبيدة: المارج: خلط النار، من مرج إذا اختلط واضطرب. قال الجوهري: مارج من نار: نار لا دخان لها خلق منها الجانّ {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإنه أنعم عليكما في تضاعيف خلقكما من ذلك بنعم لا تحصى {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ } قرأ الجمهور {ربّ} بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أيّ: هو ربّ المشرقين والمغربين، وقيل: مبتدأ، وخبره: {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ } وما بينهما اعتراض، والأوّل أولى، والمراد بالمشرقين: مشرقا الشتاء والصيف، وبالمغربين: مغرباهما {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن في ذلك من النعم ما لا يحصى، ولا يتيسر لمن أنصف من نفسه تكذيب فرد من أفراده. {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ } المرج: التخلية والإرسال، يقال: مرجت الدابة: إذا أرسلتها، وأصله الإهمال، كما تمرج الدابة في المرعى، والمعنى: أنه أرسل كل واحد منهما، يلتقيان أي: يتجاوران لا فصل بينهما في مرأى العين، ومع ذلك فلم يختلطا، ولهذا قال: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ } أي حاجز يحجز بينهما {لاَّ يَبْغِيَانِ } أي: لا يبغي أحدهما على الآخر بأن يدخل فيه ويختلط به. قال الحسن، وقتادة: هما بحر فارس والروم. وقال ابن جريج: هما البحر المالح والأنهار العذبة، وقيل: بحر المشرق والمغرب، وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان، وقيل: بحر السماء وبحر الأرض. قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام، وقيل: يلتقي طرفاهما. وقوله: {يَلْتَقِيَانِ } في محلّ نصب على الحال من البحرين، وجملة: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ } يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن هذه الآية وأمثالها لا يتيسر تكذيبها بحال {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ }. قرأ الجمهور {يخرج} بفتح الياء، وضم الراء مبنياً للفاعل، وقرأ نافع، وأبو عمرو بضم الياء، وفتح الراء مبنياً للمفعول، واللؤلؤ: الدرّ، والمرجان: الخرز الأحمر المعروف. وقال الفرّاء: اللؤلؤ: العظام، والمرجان: ما صغر. قال الواحدي وهو: قول جميع أهل اللغة. وقال مقاتل، والسديّ، ومجاهد: اللؤلؤ: صغاره، والمرجان: كباره، وقال: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا } وإنما يخرج ذلك من المالح لا من العذب؛ لأنه إذا خرج من أحدهما، فقد خرج منهما، كذا قال الزجاج، وغيره. وقال أبو علي الفارسي: هو من باب حذف المضاف، أي: من أحدهما كقوله: {أية : عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }تفسير : [الزخرف: 31] وقال الأخفش: زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ من العذب، وقيل: هما بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان، وقيل: هما بحر السماء وبحر الأرض، فإذا وقع ماء السماء في صدف البحر انعقد لؤلؤاً، فصار خارجاً منهما: {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن في ذلك من الآيات ما لا يستطيع أحد تكذيبه، ولا يقدر على إنكاره {وَلَهُ ٱلْجَوَارِ المنشآت فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلأعْلَـٰمِ } المراد بالجوار: السفن الجارية في البحر، والمنشآت: المرفوعات التي رفع بعض خشبها على بعض وركب حتى ارتفعت، وطالت حتى صارت في البحر كالأعلام وهي الجبال، والعلم: الجبل الطويل. وقال قتادة: المنشآت المخلوقات للجري. وقال الأخفش: المنشآت: المجريات، وقد مضى بيان الكلام في هذا في سورة الشورى. قرأ الجمهور {الجوار} بكسر الراء وحذف الياء لالتقاء الساكنين، وقرأ ابن مسعود، والحسن، وأبو عمرو في رواية عنه برفع الراء تناسياً للحذف، وقرأ يعقوب بإثبات الياء، وقرأ الجمهور {المنشآت} بفتح الشين، وقرأ حمزة، وأبو بكر في رواية عنه بكسر الشين {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن ذلك من الوضوح والظهور بحيث لا يمكن تكذيبه، ولا إنكاره. وقد أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } قال: بحساب ومنازل يرسلان. وأخرج الفريابي، وابن أبي حاتم عنه {وَٱلأرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ } قال: للناس. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: للخلق. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: كل شيء فيه روح. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأكْمَامِ } قال: أوعية الطلع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ } قال: التبن {وَٱلرَّيْحَان } قال: خضرة الزرع. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: {ٱلْعَصْفِ } ورق الزرع إذا يبس {وَٱلرَّيْحَان} ما أنبتت الأرض من الريحان الذي يشمّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: {ٱلْعَصْفِ } الزرع أوّل ما يخرج بقلاً {وَٱلرَّيْحَان} حين يستوي على سوقه، ولم يسنبل. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: كلّ ريحان في القرآن فهو رزق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } قال: يعني: بأيّ نعمة الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: يعني الجنّ والإنس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً {مِن مَّارِجٍ مّن نَّارٍ } قال: من لهب النار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: خالص النار. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ } قال: للشمس مطلع في الشتاء ومغرب في الشتاء، ومطلع في الصيف ومغرب في الصيف، غير مطلعها في الشتاء وغير مغربها في الشتاء. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال: مشرق الفجر ومشرق الشفق، ومغرب الشمس ومغرب الشفق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ } قال: أرسل البحرين {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ } قال: حاجز {لاَّ يَبْغِيَانِ } لا يختلطان. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: بحر السماء وبحر الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } قال: بينهما من البعد ما لا يبغي كل واحد منهما على صاحبه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } قال: إذا مطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها، فما وقع فيها من قطر السماء فهو اللؤلؤ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن عليّ بن أبي طالب قال: المرجان: عظام اللؤلؤ. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: اللؤلؤ: ما عظم منه، والمرجان: اللؤلؤ الصغار. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني عن ابن مسعود قال: المرجان: الخرز الأحمر.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {الرَّحْمَنُ} فيه قولان: أحدهما: أنه اسم ممنوع لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، قاله الحسن، وقطرب. الثاني: أنه فاتحة ثلاث سور إذا جمعن كن اسماً من أسماء الله تعالى: {الر} و {حم} و {ن} فيكون مجموع هذه {الرَّحْمَنُ}، قاله سعيد بن جبير، وابن عباس. {عَلَّمَ الْقُرْءانَ} فيه وجهان: أحدهما: علمه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أداه إلى جميع الناس. الثاني: سهل تعلمه على جميع الناس. {خَلَقَ الإِنسَانَ} فيه قولان: أحدهما: يعني آدم، قاله الحسن وقتادة. الثاني: أنه أراد جميع الناس وإن كان بلفظ واحد، وهو قول الأكثرين. {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} لأنه بالبيان فُضِّل على جميع الحيوان، وفيه ستة تأويلات: أحدها: أن البيان الحلال والحرام، قاله قتادة. الثاني: الخير والشر، قاله الضحاك، والربيع بن أنس. الثالث: المنطق والكلام، قاله الحسن. الرابع: الخط، وهو مأثور. الخامس: الهداية، قاله ابن جريج. السادس: العقل لأن بيان اللسان مترجم عنه. ويحتمل سابعاً: أن يكون البيان ما اشتمل على أمرين: إبانة ما في نفسه ومعرفة ما بين له. وقول ثامن لبعض أصحاب الخواطر: خلق الإنسان جاهلاً به، فعلمه السبيل إليه. {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} فيه خمسة أوجه: أحدها: يعني بحساب، قاله ابن عباس، والحسبان مصدر الحساب، وقيل: جمعه. الثاني: معنى الحسبان هذه آجالها، فإذا انقضى الأجل كانت القيامة، قاله السدي. الثالث: أنه يقدر بهما الزمان لامتياز النهار بالشمس والليل بالقمر ولو استمر أحدهما فكان الزمان ليلاً كله أو نهاراً كله لما عرف قدر الزمان، قاله ابن زيد. الرابع: يدوران، وقيل إنهما يدوران في مثل قطب الرحى، قاله مجاهد. الخامس: معناه يجريان بقدر. {وَالنَّجْمُ وَالْشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} في النجم قولان: أحدهما: نجم السماء، وهو موحد والمراد به جميع النجوم، قاله مجاهد. الثاني: أن النجم النبات الذي قد نجم في الأرض وانبسط فيها، ليس له ساق، والشجر ما كان على ساق، قاله ابن عباس. وفي سجودهما خمسة أقاويل: أحدها: هو سجود ظلهما، قاله الضحاك. الثاني: هو ما فيهما من الصنعة والقدرة التي توجب السجود والخضوع، قاله ابن بحر. الثالث: أن سجودهما دوران الظل معهما، كما قال تعالى: {يتفيأ ظلاله}، قاله الزجاج. الرابع: أن سجود النجم أفوله، وسجود الشجر إمكان الإجتناء لثمارها. الخامس: أن سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا أشرقت ثم يميلان معها إذا انكسر الفيء، قاله الفراء. {وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا} يعني على الأرض. {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الميزان ذو اللسان ليتناصف به الناس في الحقوق، قاله الضحاك. الثاني: أن الميزان الحكم. الثالث: قاله قتادة، ومجاهد، والسدي: أنه العدل، ومنه قول حسان: شعر : ويثرب تعلم أنا بها إذا التبس الأمر ميزانها تفسير : {أَلاَّ تَطْغُواْ فِي الْمِيزَانِ} وفي الميزان ما ذكرناه من الأقاويل: أحدها: أنه العدل وطغيانه الجور، قاله مجاهد. الثاني: أنه ميزان الأشياء الموزونات وطغيانه البخس، قاله مقاتل، وقال ابن عباس: يا معشر الموالي وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم: المكيال والميزان. الثالث: أنه الحكم، وطغيانه التحريف. {وَأقِيمُواْ الْوَزْنَ بَالْقِسْطِ} أي بالعدل، قال مجاهد: القسط: العدل. {وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ} أي لا تنقصوه بالبخس قيل: إنه المقدار: فالجور إن قيل: إنه العدل، والتحريف إن قيل: الحكم. وفي وجه رابع: أنه ميزان حسناتكم يوم القيامة. {وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} أي بسطها ووطأها للأنام ليستقروا عليها ويقتاتوا منها. وفي الأنام ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الناس، قاله ابن عباس، وفيه قول بعض الشعراء في رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : مبارك الوجه يستسقى الغمام به ما في الأنام له عدل ولا خطر تفسير : الثاني: أن الأنام الإنس والجن، قاله الحسن. الثالث: أن الأنام جميع الخلق من كل ذي روح، قاله مجاهد، وقتادة والسدي، سمي بذلك لأنه ينام، قال الشاعر: شعر : جاد الإله أبا الوليد ورهطه رب الأنام وخصه بسلام تفسير : {فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكمَامِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن ذات الأكمام النخل، وأكمامها ليفها الذي في أعناقها، قاله الحسن. الثاني: أنه رقبة النخل التي تكمم فيه طلعاً، ومنه قول الشاعر: شعر : وذات أثارة أكلت عليها نباتاً في أكمتة قفار تفسير : الثالث: أنه الطلع المكمم الذي هو كمام الثمرة، قاله ابن زيد. الرابع: أن معنى ذات الأكمام أي ذوات فضول على كل شيء، قاله ابن عباس. {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالْرَّيْحَانُ} أما الحب فهو كل حب خرج من أكمامها كالبر والشعير. وأما العصف ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: تبن الزرع وورقه الذي تعصفه الريح، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الزرع إذا اصفر ويبس. الثالث: أنه حب المأكول منه، قاله الضحاك، كما قال تعالى: {كَعَصْفٍ مَأكُولٍ}. وأما الريحان ففيه خمسة أوجه: أحدها: أنه الرزق، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، والعرب تقول: خرجنا نطلب ريحان الله أي رزقه، ويقال سبحانك وريحانك أي رزقك، وقال النمر بن تولب: شعر : سلام الإله وريحانه ورخيته وسماء درر تفسير : قاله الضحاك، ورخيته هي لغة حِمْيَر. الثاني: أن الريحان الزرع الأخضر الذي لم يسنبل، قاله ابن عباس. الثالث: أنه الريحان الذي يشم، قاله الحسن، والضحاك، وابن زيد. الرابع: أن العصف الورق الذي لا يؤكل والريحان هو الحب المأكول، قاله الكلبي. {فَبِأَيِّ ءَالآءِ رَبِّكُمْا تُكّذِّبَانِ} في الآلاء قولان: أحدهما: أنها النعم، وتقديره فبأي نعم ربكما تكذبان، قاله ابن عباس، ومنه قول طرفة: شعر : كامل يجمع الآلاء الفتى بيديه سيد السادات خصم تفسير : الثاني: أنها القدرة، وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان، قاله ابن زيد، والكلبي. وفي قوله ربكما إشارة إلى الثقلين الإنس والجن في قول الجميع. وقد روى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: "حديث : مِا لِي أَرَاكُم سُكُوتاً؟! الجِنُّ أَحْسَنُ مِنكُم رَداً، كُنتُ كُلَّمَا قَرأَتُ عَلَيهِم الأَيةَ {فَبَأَيِّ ءَالآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قَالُوا: وَلاَ بِشَيءٍ مِن نِّعَمِكَ رَبَّنَا نُكّذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ ". تفسير : وتكرارها في هذه االسورة لتقرير النعم التي عددها، فقررهم عند كل نعمة منها، كما تقول للرجل أما أحسنت إليك حين وهبت إليك مالاً؟ أما أحسنت إليك حين بنيت لك داراً، ومنه قول مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليباً: شعر : على أن ليس عدلاً من كليب إذا ما ضيم جيران المجير على أن ليس عدلاً من كليب إذا خرجت مخبأة الخدور

ابن عطية

تفسير : {الرحمن} بناء مبالغة من الرحمة، وهو اسم اختص الله تعالى بالاتصاف به، وحكى ابن فورك عن قوم أنهم يجعلون {الرحمن} آية تامة، كأن التقدير: {الرحمن} ربنا، قاله الرماني أو أن التقدير: الله {الرحمن}. وقال الجمهور إنما الآية: {الرحمن علم القرآن} فهو جزء آية. وقوله: {علم القرآن} تعديد نعمة أي هو من به وعلمه الناس، وخص حفاظه وفهمته بالفضل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خيركم من تعلم القرآن وعلمه". تفسير : ومن الدليل على أن القرآن غير مخلوق: أن الله تعالى ذكر {القرآن} في كتابه في أربعة وخمسين موضعاً ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق ولا أشار إليه، وذكر {الإنسان} على الثلث من ذلك في ثمانية عشر موضعاً، كلها نصت على خلقه، وقد اقترن ذكرهما في هذه السورة على هذا النحو، و: {الإنسان} اسم الجنس، حكاه الزهراوي وغيره. و: {البيان} النطق والفهم والإبانة عن ذلك بقول قاله ابن زيد والجمهور، وذلك هو الذي فضل الإنسان من سائر الحيوان، وقال قتادة: هو بيان الحلال والحرام والشرائع، وهذا جزء من {البيان} العام، وقال قتادة: {الإنسان} آدم. وقال ابن كيسان: {الإنسان}: محمد صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: وهذا التخصيص لا دليل عليه، وكل المعلومات داخلة في البيان الذي علمه الإنسان، فكأنه قال من ذلك البيان وفيه معتبر كون {الشمس والقمر بحسبان} فحذف هذا كله، ورفع {الشمسُ} بالابتداء، وهذا ابتداء تعديد نعم. واختلف الناس في قوله: {بحسبان} فقال مكي والزهراوي عن قتادة: هو مصدر كالحساب في المعنى وكالغفران والطغيان في الوزن. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى والضحاك: هو جمع حساب، كشهاب وشهبان، والمعنى أن هذين لهما في طلوعهما وغروبهما وقطعهما البروج وغير ذلك حسابات شتى، وهذا مذهب ابن عباس وأبي مالك وقتادة. وقال ابن زيد لولا الليل والنهار لم يدر أحد كيف يحسب شيئاً، يريد من مقادير الزمان. وقال مجاهد: "الحسبان" الفلك المستدير، شبه بحسبان الرحى، وهو العود المستدير الذي باستدارته تدور المطحنة. وقوله: {والنجم والشجر يسجدان} قال ابن عباس والسدي وسفيان: {النجم}. النبات الذي لا ساق له، وسمي نجماً لأنه نجم، أي ظهر وطلع، وهو مناسب للشجر نسبة بينة. وقال مجاهد وقتادة والحسن: {النجم} اسم الجنس من نجوم السماء، والنسبة التي لها من السماء هي التي للشجر من الأرض، لأنها في ظاهرهما. وسمي {الشجر} من اشتجار غصونه وهو تداخلها. واختلف الناس في هذا السجود، فقال مجاهد: ذلك في النجم بالغروب ونحوه، وفي الشجر بالظل واستدارته، وكذلك في النجم على القول الآخر. وقال مجاهد أيضاً ما معناه: أن السجود في هذا كله تجوز، وهو عبارة عن الخضوع والتذلل، ونحوه قول الشاعر [زيد الخيل]: [الطويل] شعر : ترى الأكم فيها سجداً للحوافر تفسير : وقال: {يسجدان} وهما جمعان، لأنه راعى اللفظ، إذ هو مفرد اسم للنوع وهذا كقول الشاعر [عمير بن شييم القطامي]: [الوافر] شعر : ألم يحزنك أن حبال قومي وقومك قد تباينتا انقطاعا تفسير : وقرأ الجمهور: "والسماءَ رفعها" بالنصب عطفاً على الجملة الصغيرة وهي {يسجدان} لأن هذه الجملة من فعل وفاعل وهذه كذلك. وقرأ أبو السمال: "والسماءُ" بالرفع عطفاً على الجملة الكبيرة وهي قوله: {والنجم والشجر يسجدان} لأن هذه الجملة من ابتداء وخبر، والأخرى كذلك. وفي مصحف ابن مسعود: "وخفض الميزان". ومعنى: {وضع} أقر وأثبت، و {الميزان}: العدل فيما قال الطبري ومجاهد وأكثر الناس. وقال ابن عباس والحسن وقتادة: إنه الميزان المعروف. قال القاضي أبو محمد: والميزان المعروف جزء من {الميزان} الذي يعبر به عن العدل. ويظهر عندي أن قوله: {وضع الميزان} يريد به العدل. وقوله: {ألا تطغوا في الميزان} وقوله: {وأقيموا الوزن} وقوله: {ولا تخسروا الميزان} يريد به الميزان المعروف، وكل ما قيل محتمل سائغ. وقوله: {ألا تطغوا} نهي عن التعمد الذي هو طغيان بالميزان. وأما ما لا يقدر البشر عليه من التحرير بالميزان فذلك موضوع عن الناس. "وأن لا" هو بتقدير لئلا، أو مفعول من أجله. و: {تطغوا} نصب، ويحتمل أن تكون "أن" مفسرة، فيكون {تطغوا} جزماً بالنهي، وفي مصحف ابن مسعود: "لا تطغوا في الميزان" بغير أن. وقرأ جمهور الناس: "ولا تُخسروا" من أخسر، أي نقص وأفسد، وقال بلال بن أبي بردة "تَخسِروا" بفتح التاء وكسر السين من خسر، ويقال خسر وأخسر بمعنى: نقص وأفسد، كجبر وأجبر. وقرأ بلال أيضاً فيما حكى ابن جني: "تَخسَروا"، بفتح التاء والسين من خسِر: بكسر السين. واختلف الناس في: "الأنام" فقال ابن عباس فيما روي عنه هم بنو آدم فقط. وقال الحسن بن أبي الحسن: هم الثقلان: الجن والإنس. وقال ابن عباس أيضاً وقتادة وابن زيد والشعبي: هم الحيوان كله. و {الأكمام} في {النخل} موجودة في الموضعين، فجملة فروع النخلة في أكمام من ليفها، وطلع النخل في كم من جفه. وقال قتادة: أكمام النخيل رقابها. والكم من النبات: كل ما التف شيء وستره, ومنه كمائم الزهر وبه شبه كم الثوب. {والحب ذو العصف} هو البر والشعير وما جرى مجراه من الحب الذي له سنبل وأوراق متشعبة على ساقه وهي العصيفة إذا يبست، ومنه قول علقمة بن عبدة: [البسيط] شعر : تسقى مذانب قد مالت عصيفتها حدورها من أتيّ الماء مطموم تفسير : قال ابن عباس {العصف} التبن، وتقول العرب: خرجنا نتعصف، أي يستعجلون عصيفة الزرع. وقرأ ابن عامر وأبو البرهسم: "والحبَّ" بالنصب عطفاً على {الأرض} "ذا العصف والريحانِ" إلا أن البرهسم خفض النون. واختلفوا في {الريحان}، فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك معناه: الرزق، ومنه قول الشاعر وهو النمر بن تولب: [المتقارب] شعر : سلام الإله وريحانه وجنته وسماء درر تفسير : وقال الحسن: هو ريحانكم هذا. وقال ابن جبير: هو كل ما قام على ساق، وقال ابن زيد وقتادة: {الريحان} هو كل مشموم طيب الريح من النبات. وفي هذا النوع نعمة عظيمة. ففيه الأزهار والمندل والعقاقير وغير ذلك. وقال الفراء: {العصف} فيما يؤكل، و {الريحان} كل ما لا يؤكل. وقرأ جمهور الناس: "والحبُّ" بالرفع "ذو العصف والريحان" وهذه قراءة في المعنى كالأولى في الإعراب حسنة الاتساق عطفاً على {فاكهة}. وقرأ حمزة والكسائي وابن محيصن: "والحبَّ" بالرفع "ذو العصف والريحانِ" بخفض "الريحانِ" عطفاً على {العصف}، كأن الحب هما له على أن {العصف} منه الورق. وكل ما يعصف باليد وبالريح فهو رزق البهائم، {والريحان} منه الحب فهو رزق الناس، "والريحان" على هذه القراءة: الرزق: لا يدخل فيه المشموم بتكلف. {والريحان} هو من ذوات الواو. قال أبو علي: إما أن يكون ريحان اسماً ووضع موضع المصدر، وإما أن يكون مصدراً على وزن فعلان، كالليان وما جرى مجراه أصله: روحان، أبدلت الواو ياء كما بدلوا الواو ياء في أشاوى وإما أن يكون مصدراً شاذاً في المعتل كما شذ كينونة وبينونة، فأصله ريوحان، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فجاء ريحان، فخفف كما قالوا ميت وميت وهين وهين. والآلاء: النعم، واحدها إلى مثل معى وألى مثل قفا، حكى هذين أبو عبيدة، وألي مثل أمر وإلي مثل حصن، حكى هذين الزهراوي. والضمير في قوله: {ربكما} للجن والإنس، وساغ ذلك ولم يصرح لهما بذكر على أحد وجهين إما أنهما قد ذكرا في قوله: {للأنام} على ما تقدم من أن المراد به الثقلان، وإما على أن أمرهما مفسر في قوله: {أية : خلق الإنسان} تفسير : [الرحمن: 14] {أية : وخلق الجان} تفسير : [الرحمن: 15] فساغ تقديمهما في الضمير اتساعاً. وقال الطبري: يحتمل أن يقال هذا من باب ألقيا في جهنم ويا غلام اضربا عنقه. وقال منذر بن سعيد خوطب من يعقل لأن المخاطبة بالقرآن كله هي للإنس والجن، ويروى أن هذه الآية لما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم سكت أصحابه فقال: "حديث : إن جواب الجن خير من سكوتكم، أي لما قرأتها على الجن قالوا: لا، بأيها نكذب يا ربنا ".

ابن عبد السلام

تفسير : {الرَّحْمَنُ} اسم ممنوع لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، أو جمع من فواتح ثلاث سور ألر وحم ون وقاله سعيد بن جبير وعامر.

النسفي

تفسير : {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ } أي الجنس أو آدم أو محمداً عليهما السلام {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } عدّد الله عز وجل آلاءه فأراد أن يقدم أول شيء ما هو أسبق قدماً من ضروب آلائه وصنوف نعمائه وهي نعمة الدين، فقدّم من نعمة الدين ما هو سنام في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه لأنه أعظم وحي الله رتبة وأعلاه منزلة وأحسنه في أبواب الدين أثراً، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه ليعلم أنه إنما خلقه للدين وليحيط علماً بوحيه وكتبه، وقدم ما خلق الإنسان من أجله عليه، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير. و {ٱلرَّحْمَـٰنُ } مبتدأ وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد قلة فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد فما تنكر من إحسانه؟. {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } بحساب معلوم وتقدير سويٍ يجريان في بروجهما ومنازلهما وفي ذلك منافع للناس منها علم السنين والحساب {وَٱلنَّجْمِ } النبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول {وَٱلشَّجَرُ } الذي له ساق. وقيل: النجم نجوم السماء {يَسْجُدَانِ } ينقادان لله تعالى فيما خلقا له تشبيهاً بالساجد من المكلفين في انقياده، واتصلت هاتان الجملتان بـ {ٱلرَّحْمَـٰنُ } بالوصل المعنوي لما علم أن الحسبان حسبانه والسجود له لا لغيره كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له. ولم يذكر العاطف في الجمل الأولى ثم جيء به بعد، لأن الأولى وردت على سبيل التعديد تبكيتاً لمن أنكر آلاءه كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال المذكور، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعطف. وبيان التناسب أن الشمس والقمر سماويان والنجم والشجر أرضيان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل. وإن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين وإن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله فهو مناسب لسجود النجم والشجر. {وَٱلسَّمَاء رَفَعَهَا } خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ } أي كل ما توزن به الأشياء وتعرف مقاديرها من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس أي خلقه موضوعاً على الأرض حيث علق به أحكام عباده من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى ٱلْمِيزَانِ } لئلا تطغوا أو هي «أن» المفسرة {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ } وقوموا وزنكم بالعدل {وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ } ولا تنقصوه أمر بالتسوية ونهى عن الطيغان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان، وكرر لفظ الميزان تشديداً للتوصية به وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا } حفضها مدحوّة على الماء {لِلأَنَامِ } للخلق وهو كل ما على ظهر الأرض من دابة. وعن الحسن: الإنس والجن فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها {فِيهَا فَـٰكِهَةٌ } ضروب مما يتفكه به {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ } هي أوعية الثمر الواحد «كم» بكسر الكاف أو كل ما يكم أي يغطى من ليفه وسعفه وكفراه، وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ } هو ورق الزرع أو التبن {وَٱلرَّيْحَانُ } الرزق وهو اللب أراد فيها ما يتلذذ به من الفواكه، والجامع بين التلذذ والتغذي هو ثمر النخل وما يتغذى به وهو الحب. {وَٱلرَّيْحَانُ } بالجر: حمزة وعلي أي والحب ذو العصف الذي هو علف الأنعام والريحان الذي هو مطعم الأنام، والرفع على و «ذو الريحان» فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: معناه وفيها الريحان الذي يشم {وَٱلْحَبُّ ذَا ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَان} شامي أي وخلق الحب والريحان أو وأخص الحب والريحان {فَبِأَىّ الاء } أي النعم مما عدد من أول السورة جمع ألى وإلى {رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } الخطاب للثقلين بدلالة الأنام عليهما.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {الرحمن علم القرآن} قيل لما نزلت اسجدوا للرحمن قال كفار مكة وما الرحمن فأنكروه وقالوا لا نعرف الرحمن فأنزل الله الرحمن يعني الذي أنكرتموه هو الذي علم القرآن، وقيل هذا جواب لأهل مكة حين قالوا إنما يعلمه بشر فقال تعالى الرحمن علم القرآن يعني علَّم محمداً القرآن وقيل علَّم القرآن يسره للذكر ليحفظ ويتلى وذلك أن الله عز وجل عد نعمه على عباده فقدم أعظمها نعمة وأعلاها رتبة وهو القرآن العزيز لأنه أعظم وحي الله إلى أنبيائه وأشرفه منزلة عند أوليائه وأصفيائه وأكثره ذكراً وأحسنه في أبواب الدين أثراً وهو سنام الكتب السماوية المنزلة على أفضل البرية {خلق الإنسان} يعني آدم عليه الصلاة والسلام قاله ابن عباس {علمه البيان} يعني أسماء كل شيء وقيل علَّمه اللغات كلها فكان آدم يتكلم بسبعمائة لغة أفضلها العربية وقيل الإنسان اسم جنس وأراد به جميع الناس، فعلى هذا يكون معنى علمه البيان أي النطق الذي يتميز به عن سائر الحيوانات، وقيل علمه الكتابة والفهم والإفهام حتى عرف ما يقول وما يقال له وقيل علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به وقيل أراد بالإنسان محمداً صلى الله عليه وسلم علَّمه البيان يعني بيان ما يكون وما كان لأنه صلى الله عليه وسلم ينبىء عن خبر الأولين والآخرين وعن يوم الدين، وقيل علمه بيان الأحكام من الحلال والحرام والحدود والأحكام.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {والحب ذا العصف والريحان} بالنصب فيهما: ابن عامر {والحب ذو العصف} بالرفع فيهما {والريحان} بالجر: حمزة وعلي وخلف. الباقون: برفع الريحان {يخرج} مجهولاً من الإخراج: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب {اللؤلؤ} كنظائره {والجوار} ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو وخلف طريق ابن عبدوس. {المنشآت} بكسر الشين. حمزة ويحيى طريق الصريعيني {سيفرغ} بالياء: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بالنون على طريق الالتفات {أيه الثقلان} بضم الهاء مثل {أية : أيه المؤمنون} تفسير : [النور: 31] {أية : يا أيها الساحر}تفسير : [الزخرف: 49] {شواظ} بكسر الشين: ابن كثير ونحاس. بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل {لم يطمثهن} بضم الميم في إحداهما تخيراً: علي. وروى أبو الحرث عنه في الأولى بالضم {من استبرق} بنقل حركة الهمزة إلى النون: رويس وورش والشموني وحمزة في الوقف {ذو الجلال} بالرفع: ابن عامر. الوقوف: {الرحمن} ه لا {القرآن} ه ط {الإنسان} ه {البيان} ه {بحسبان} ه ص لعطف الجملتين المتفقتين {يسجدان} ه {الميزان} ه لا لتعلق أن {الميزان} ه {للأنام} ه لا لأن الجملة بعدها حال {فاكهة} ص {الأكمام} ه ص {والريحان} ه ج لابتداء الاستفهام مع دخول فاء التعقيب، والوقف أجوز لأن الابتداء بالاستفهام مبالغة في التنبيه وكذلك في جميع السورة {تكذبان} ه {كالفخار} ه لا {نار} ه ج {تكذبان} ه {المغربين} ه ج {تكذبان} ه {يلتقيان} ه لا لأن ما بعده حال من الضمير في {يلتقيان} {ولا يبغيان} ه حال بعد حال {تكذبان} ه {والمرجان} ه ج {تكذبان} ه {كالأعلام} ه ج {تكذبان} ه {فإن} ه ج لعطف الجملتين المختلفتين والأولى الوصل لأن الكلام الأول يتم بالثاني. {والإكرام} ه ج {تكذبان} ه {والأرض} ط {شأن} ه ج {تكذبان} ه {الثقلان} ه {تكذبان} ه {فانفذوا} ه ط {بسلطان} ه ج {تكذبان} ه {فلا تنتصران} ه ج {تكذبان} ه {كالدهان} ه ج {تكذبان} ه {ولاجان} ه ج {تكذبان} ه {والأقدام} ه ج {تكذبان} ه {المجرمون} ه م لأنه لو وصل صار ما بعده حالاً من المجرمين وليس كذلك {آن} ج {تكذبان} ه {جنتان} ه ج {تكذبان} ه لا لأن قوله {ذواتا} صفة {أفنان} ه ج {تكذبان} ه {تجريان} ه {تكذبان} ه {زوجان} ه {تكذبان} ه ج لأن {متكئين} حال إلا أن الكلام قد تطاول {من إستبرق} ط {دان} ه ج {تكذبان} ه {الطرف} لا لأن {لم يطمثهن} حال عنهن {جان} ه ج {تكذبان} ه {والمرجان} ه ج {تكذبان} ه {إلا الإحسان} ج {تكذبان} ه {جنتان} ه {تكذبان} ه {مدهامتان} ه {تكذبان} ه {نضاختان} ه {تكذبان} ه {ورمان} ه ج {تكذبان} ه ج {حسان} ه {تكذبان} ه {في الخيام} ه ج {تكذبان} ه {جان} ه ج {تكذبان} ه ج {حسان} ه ج {تكذبان} ه {والإكرام} ه. التفسير: افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على الهيبة والعظمة وهي انشقاق القمر. وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والعناية وهي القرآن الكريم الذي فيه شفاء القلوب والطهارة عن الذنوب، وهو أسبق الآلاء قدماً وأجل النعماء منصباً. وبين السورتين مناسبة أخرى من جهة أنه ذكر هناك ما يدل على الانتقام والغضب كقوله {أية : فذوقوا عذابي ونذر}تفسير : [القمر: 39] وقوله {أية : فكيف كان عذابي ونذر} تفسير : [القمر: 21] وذكر في هذه السورة بعد تعداد كل نعمة {فبأي آلاء ربكما تكذبان} مرة بعد مرة وتذكير النعمة على نعمة لأنها مما توقظ الوسنان وتنبه أهل الغفلة والنسيان. قال جار الله {الرحمن} مبتدأ والأفعال بعده مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها عن العاطف إما لأن العائد قام مقام الصدر وإما لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد بعد قلة فعل بك ما لم يفعله أحد بأحد فما تنكر من إحسانه. قلت: فعلى هذا لو لم يوقف على {القرآن} جاز. وقيل: الرحمن خبر مبتدأ أي هو الرحمن. ثم استأنف قائلاً {علم القرآن} وما مفعوله الأول؟ قيل: هو متعدٍ إلى واحد والمعنى جعل القرآن علامة وآية للنبوة. وقيل: هو جبرائيل أي علم جبرائيل القرآن حتى نزل به على محمد. وقيل: علم محمداً أو الإنسان القرآن كما يليق بفهمهم على حسب استعدادهم ولعله يلزم من الوجه الأخير شبه تكرار من قوله {خلق الإنسان علمه البيان} فالأول إشارة إلى قواه البدنية والثاني إشارة إلى قواه النطقية، ويلزم منه أيضاً أن يكون التعليم قبل الخلق ظاهراً إلا أن يكون تفصيلاً لما أجمله. وقد نقل عن ابن عباس أن الإنسان آدم علمه الأسماء كلها، أو محمد صلى الله عليه وسلم. والبيان القرآن فيه بيان ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة. قوله {الشمس والقمر بحسبان} أي بحسبانه استغنى عن الوصل اللفظي بالربط المغنوي لرعاية الفاصلة يعني أنهما يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب معلوم {والنجم} وهو النبات بغير ساق {والشجر يسجدان} بالانقياد له. وإنما وسط العاطف بين هاتين الجملتين لما بين العلوي والسفلي من تناسب التقابل، ولما بين الحسبان والسجود من تناسب التجانس، وذلك لأن سيرهما بحساب مقدّر مقرر وهو من جنس الانقياد لأمر الله {والسماء رفعها} قال في الكشاف: أي خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه. قلت: إنه حمل الرفع على ارتفاع المنزلة ولعل المراد به الرفع الحسي ليطابق قوله {والأرض وضعها} أي خفضها في مركز العالم مدحوة محاطة بالماء. نعم لو جعل وضع الأرض عبارة عن ذلها وتسخيرها كقوله {أية : هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً} تفسير : [الملك: 15] صح تفسيره وإنما وسط قوله {ووضع الميزان} بين رفع السماء ووضع الأرض لأنه لا ينتفع بالميزان إلا إذا كان معلقاً في الهواء بين الأرض والسماء وهذا أمر حسي، وأما العقلي فهو أنه بدأ أولاً من النعم بذكر القرآن الذي هو بيان الشرائع والتكاليف، ثم أتبعه ذكر كيفية خلق الإنسان وقواه النفسانية وما يتم به معاشه من السماويات والأرضيات، ثم ذكر أنه خلق لأجلهم آلة الوزن بهما يقيمون العدالة في ومعاملاتهم وأمور تمدنهم فصار كما مر في {أية : حم * عسق}تفسير : [الشورى: 1 ـ 2] {أية : الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان}تفسير : [الشورى: 17] وكما يجيء في الحديد {أية : وأنزلنا معهم الكتاب والميزان}تفسير : [الآية: 25] وأن في قوله {ألا تطغوا} مفسرة أو ناصبة أي لأن لا تتجاوز حد الاعتدال في شأن هذه الآية أي في شأن الوزن. ثم أكد بقوله إثباتاً ونفياً {وأقيموا الوزن بالقسط} قوِّموه أو قوموا لسان الميزان بالعدل {ولا تخسروا الميزان} أي لا تجعلوها سبباً للخسران والتطفيف. وفي تكرير لفظ الميزان بل في ورود هذه الجمل المتقاربة الدلالة مكررة إشارة إلى الاهتمام بأمر العدل وندب إليه وتحريض عليه. وقيل: الأول ميزان الدنيا والثاني ميزان الآخرة والثالث ميزان العقل. وقيل: نزلت متفرقة فاقتضى الإظهار. قوله {للأنام} أي لكل ما على ظهر الأرض من دابة. وقيل: للإنسان. وخص بالذكر لشرفه ولأن الباقي خلق لأجله {فيها فاكهة} التنوين للتعظيم وهي كل ما يتفكه به. وقد أفرد النخل بالذكر للتفضيل ولأنه فاكهة غذائية. والأكمام جمع كم وهو وعاء الثمر. ثم ذكر أقوات البهائم والإنسان قائلاً {والحب ذو العصف} وهو ورق الزرع أو التبن. وقال الفراء والسدي: وهو أول ما ينبت من الزرع {والريحان} الورق. ومن رفع فعلى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وذو الريحان. وقال الحسن وابن زيد. على هذه القراءة وهو ريحانكم الذي يشم. ثم خاطب الجن والإنس بقوله {فبأي آلاء ربكما تكذبان} عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتاً؟ للجن كانوا أحسن منكم رداً ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد. قال جار الله: الخطاب في {ربكم} للثقلين بدلالة الأنام عيلهما قلت: ربما يصرح به قوله {أيها الثقلان} سميا بذلك لأنهم ثقلا الأرض أو بما سيذكر عقيبه من قوله {خلق الإنسان} والجان خلقناه. وقيل: التكذيب إما باللسان والقلب معاً وإما بالقلب دون اللسان كالمنافقين فكأنه قال: فيا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان. وقيل: أراد فيا أيها المكذبان بالدلائل المعية والعقلية أو بدلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والاستفهام للتوبيخ والزجر. قوله {خلق الإنسان من صلصال} قد مر في سورة "الحجر" إلا أنه شبهه ههنا بالفخار وهو الخزف بياناً لغاية يبس طينته وكزازته، والتركيب يدل عليه ومنه الفخور ولولا يبس دماغه لم يفخر ومنه الفرخ لأنه تنشق البيضة عنه. وكل يابس عرضة للتشقق ومنه الخزف لغاية يبوسة مزاجه. والجان أبو الجن. وقيل: هو إبليس. والمارج اللهب الصافي الذي لا دخان فيه من مرج إذا اضطرب ولعلها المخلوطة بسواد النار من مرج الشيء اختلط. وقوله {من نار} بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار. ويجوز أن يكون ناراً مخصوصة فيكون صفة {رب المشرقين} يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول مطلع أول السرطان، والثاني مطلع أول الجدي. هذا في بلادنا الشمالية والحال في الجنوبية بالعكس. قوله {مرج البحرين} وقد مر في "الفرقان" معناه أرسلهما ملحاً وعذباً متلاقيين {بينهما برزخ لا يبغيان} أي لا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة {يخرج منهما} أي من كل منهما. وقال في الكشاف: أعاد الضمير إلى البحرين لاتحادهما فالخارج من العذب كأنه خارج من الملح تقول: خرجت من البلد ولم تخرج إلا من محلة بل من دار. وقال أبو علي الفارسي: أراد من أحدهما فحذف المضاف. قلت: ونحن قد سمعنا أن الأصداف تخرج من البحر المالح ومن الأمكنة التي فيها عيون عذبة في مواضع من البحر الملح ويؤيده قوله سبحانه في "فاطر" {أية : ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها}تفسير : [الآية: 12] فلا حاجة إلى هذه التكلفات. قال الفراء وغيره من أهل اللغة: اللؤلؤ الدر، والمرجان ما صغر منه. وعن مقاتل: بالضد. ويشبه أن يكون اللؤلؤ هذا الجنس المعروف والمرجان البسذ. يقال: إنه ينبت في بحر الروم والإفرنج كالشجر وهو الفصل المشترك بين المعدن والنبات، والجواري السفن الجارية حذف الموصول للعلم به. ومن قرأ {المنشآت} بفتح الشين فمعناها المرفوع الشرع والتي رفع خشبها بعضها على بعض وركب حتى ارتفعت. والقارىء بالكسر أراد الرافعات الشرع أو اللائي يبتدئن في السير أو ينشئن الأمواج بجريهن، الأعلام الجبال الطوال شبههن في البحر بالجبال في البر. والضمير في {عليها} للأرض بدلالة المقال أو الحال. والوجه عبارة عن الذات كما مر في تفسر البسملة وفي قوله {أية : كل شيء هالك إلا وجهه}تفسير : [القصص: 88] وقوله {ذو} صفة للوجه وهو على القياس. وفيه دلالة على أن الوجه والرب ذات واحد بخلاف قوله في آخر السورة {تبارك اسم ربك} فإن الاسم غير المسمى في الأصح فلهذا قال {ذي الجلال والإكرام} ومعناه ذو النعمة والتعظيم كما سبق في البسملة. والنعمة في فناء ما على الأرض وهو مجيء وقت الجزاء {يسأله من في السموات} من الملائكة {و} من في {الأرض} من الثقلين الملائكة لمصالح الدارين والثقلان لمصالح الدارين. وعن مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل الملائكة أيضاً الرزق والمغفرة للناس {كل يوم هو في شأن} حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين تفسير : . قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة. وما ذكرنا في الكتاب مراراً من أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل، والقدر هو صدور تلك الأحكام في أزمنتها المقدرة. فبالاعتبار الأول قال "حديث : جف القلم بما هو كائن" تفسير : وبالاعتبار الثاني قال: {كل يوم هو في شأن} وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وبالجملة إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله عز وجل لوحاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال {سنفرغ لكم} قال أهل البيان: هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده "سأفرغ لك". والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه. والمراد شؤونه ستنتهي إلى شأن الجزاء وقصد المحاسبة. ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطعيون الهرب من أحكامه وأقضيته فيهما. نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية. وأقطار السموات والأرض نواحيهما. واحدها قطر. وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة. والسلطان القوة والغلبة، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر. قال الواحدي: أراد أنه لاخلاص من الموت. ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء المشار إليه بقوله {سنفرغ لكم} ويؤيده ما روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به، ويعضده قوله عقيبه {يرسل عليكما} الآية. جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والإنس الآية. وذلك قوله {يرسل عليكما شواظ} وهو اللهب الذي لا دخان له معه. وقرأ ابن كثير بكسر الشين لغة أهل مكة يقولون صوار بالضم والكسر. والنحاس والدخان. ومن قرأ بالرفع فمعناه يرسل عليكما هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة. ويجوز أن يرسلا معاً من غير أن يمزج أحدهما بالآخر. ومن قرأ بالجر فبتقدير وشيء من نحاس. وعن أبي عمرو أن الشواظ يكون من الدخان أيضاً. وقيل: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم. وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر {فلا تنتصران} فلا تمتنعان {فإذا انشقت السماء} لنزول الملائكة {فكانت وردة} أي حمراء {كالدهان} وهو جمع الدهن أو اسم ما يتدهن به كالحزام والإدام شبهها بدهن الزيت كقوله {أية : كالمهل}تفسير : [المعارج: 8] وهو دردي الزيت. وقيل: الدهان الأديم الأحمر. عن ابن عباس: نصير كلون الفرس الورد. وقيل: تحمر احمرار الورد ثم تذوب ذوبان الدهن. وقال قتادة: هي اليوم خضراء ولها يوم القيامة لون آخر يضرب إلى الحمرة. والفاء في قوله {فإذا} للتعقيب وفي {فكانت} للعطف، والجواب محذوف كما سيجيء في قوله {أية : إذا السماء انشقت}تفسير : [الأنشقاق: 1] والمراد أنهما لا ينتصران حين إرسال الشواظ عليهما فحين تنشق السماء وصارت الأرض والجو والهواء كلها ناراً وتذوب السماء كما يذوب النحاس الأحمر كيف تنتصران؟ ويمكن أن يكون وجه تشبيه السماء يومئذ بالدهن هو الميعان والذوبان بسرعة وعدم رسوب الخبث كخبث الحديد ونحوه، والغرض بيان بساطة السماء وأنه لا اختلاف للأجزاء فيها. {فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان} وضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال هاشم ويراد ولده. والضمير في {ذنبه} عائد إلى الإنس لأن الفاعل رتبته التقديم وكأنه قيل: لا يسأل بعض الإنس عن ذنبه ولا بعض الجن. والجمع بين هذه الآية وبين قوله {أية : فوربك لنسألنهم}تفسير : [الحجر: 92] هو ما مرّ من أن المواطن مختلفة، أو لا يسأل سؤال استعلام وإنما يسأل سؤال توبيخ وتقريع. وعندي أن بيان عدم احتياج المذنب إلى السؤال عن حاله لأن كل ما هو اليوم فيه كامن فذلك في يوم القيامة يظهر ويبرز من ظلمة الطبيعة والعصيان، أو من نور الطاعة والإيمان وإليه الإشارة بقوله {يعرف المجرمون بسيماهم} من سواد الوجه وزرقة العين {فيؤخذ} كل منهم أو جنس المجرم {بالنواصي} أي بسببها. ولعل المراد أن تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلفها أو من قدام ويلقون في النار. روى الحسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " حديث : والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام " تفسير : ويجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى قوله {بالنواصي} نحو ذهب بزيد. ثم ذكر أنهم يوبخون بقول الملائكة لهم {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون} والأصل الخطاب والالتفات للتبعيد والتسجيل عليهم بالإجرام. والآني الذي بلغ منتهى حره. قال الزجاج: أني يأني أنا إذا انتهى في النضج والحرارة. والمعنى أنهم لا يزالون طائفين بين عذاب الجحيم وبين الحميم وذلك حين ما يستغيثون كقوله {أية : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل}تفسير : [الكهف: 29] قال جار الله: نعمته فيما ذكره من الأهوال وأنواع المخاوف هي نجاة الناجي منه وما في الإنذار به من اللطف، ويمكن أن يراد بأي الآلاء المعدودة في أول السورة تكذبان فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب. ثم شرع في ثواب أهل الخشية والطاعة قائلاً {ولمن خاف مقام ربه} وقد مر نظيره في "إبراهيم" قوله {أية : ذلك لمن خاف مقامي} تفسير : [الآية: 14] قال المفسرون: الجنتان إحداهما للخائف الإنسي والثانية للخائف الجني، أو إحداهما لفعل الطاعات والثانية لترك المنكرات، أو إحداهما للجزاء والأخرى للزائد عليه تفضلاً، أو هما جنة عدن وجنة النعيم. أو إحداهما جسمانية والأخرى روحانية. وقيل: التثنية للتأكيد كقوله {أية : ألقيا}تفسير : [ق: 24] وهو ضعيف. والأفنان جمع الفنن وهو الغصن المستقيم طولاً قاله مجاهد وعكرمة والكلبي وغيرهم، وإنما خصها بالكر لأنها هي التي تورق وتثمر وتظل والساق لأجل ضرورة القيام ولا ضرورة في الجنة ولا كلفة. وعن سعيد بن جبير: هي جمع فن والمعنى أنهما صاحبتا فنون النعم وعلى هذا يكون قوله {فيهما من كل فاكهة زوجان} أي صنفان كتفصيل بعد إجمال والصنفان رطب ويابس أو معروف وغريب {فيهما} أي في كل منهما {عينان تجريان} من جبل من مسك إحداهما في الأعالي والأخرى في الأسافل. وقال الحسن: تجريان بالماء الزلازل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل {متكئين} حال من الخائفين المذكورين في قوله {لمن خاف} وجوز أن يكون نصباً على المدح. قال المفسرون: إذا كان بطائن الفرش وهي التي تحت الظهارة مما يلي الأرض من استبرق فما ظنك بظهائرها؟ ويجوز أن يكون ظائرها السندس. والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله {أية : فلا تعلم نفس ما أخفى لهم}تفسير : [السجدة: 17] {وجنى الجنتين} أي ثمرها {دان} قريب يناله القائم والقاعد والنائم. قال جار الله: {فيهن} أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى. وقيل: في الفرش أي عليها. وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب. قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية و{قبلهم} أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ يدل عليه. قال مقاتل: هن من حور الجنة. وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء الدنيا أنشئن خلقاً آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا جني. قال في الكشاف: لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل. قال الزجاج: فيه دليل على أن الجن تطمث كما تطمث الإنس. ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار {هل جزاء الإحسان} في العمل {إلا الإحسان} في الجزاء. وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة. وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال {ومن دونهما} أي ومن أسفل منهما في المكان أو في الفضل أو فيهما وهو الأظهر. روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما " تفسير : {مدهامتان} هو من الأدهيمام إدهام يدهام فيهو مدهام نظير إسواد يسواد فهو مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السواد {نضاختان} فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضخ وهو الرش. قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وإنما خص النخيل والرمان بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباًَ لم يحنث. وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي. والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور. واعلم أنه سبحانه قال في الموضعين عند ذكر الحور {فيهن} وفي سائر المواضع {فيهما} والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك. وأما العيون والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط. والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن. امرأة مقصورة أي مخدرة. روى قتادة عن ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب. وعن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون"تفسير : وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله {أية : من قبل أن تمسوهن}تفسير : [البقرة: 237] وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما الحكمة من ذلك؟ والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات. قال جار الله: {متكئين} نصب على الاختصاص. قلت: ويجوز أن يكون حالاً والعامل ضمير يدل عليه قوله {لم يطمثهن إنس قبلهم} أي يطمثونهم في حال الإتكاء. قال أبو عبيدة والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط. وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف. ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف. وقال الزجاج: الرفرف ههنا رياض الجنة. وقيل: الوسائد. قال جار الله {العبقري} منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب. وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية. ومما يدل على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله {مدهامتان} فإنه دون قوله {ذواتا أفنان} وذلك أن كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ. قال أهل العلم: كرر قوله {فبأي آلاء ربكما تكذبان} إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منهما ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب وصف الجنات التي هي دونهما. فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة. ثم نزه نفسه عما لا يليق بجلاله وختم السورة عليه. والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط سلوك سبيل الكناية كما يقال "ساحة فلان بريئة عن المثالب" والله أعلم بحقائق كلامه.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ} الرحمٰن: بناء مبالغة من الرحمة، وقوله: {عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ} تعديد نعمةٍ، أي: هو مَنَّ به، وعَلَّمَهُ الناسَ، وخَصَّ حُفَّاظَهُ وَفَهَمَتَهُ بالفضل؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»تفسير : ، ومن الدليل على أَنَّ القرآنَ غيرُ مخلوقٍ، أَنَّ اللَّه تعالى ذكر القرآن في كتابه في أربعة وخمسين موضعاً ما فيها موضِعٌ صَرَّحَ فيه بلفظ الخلق، ولا أشار إليه، وذكر الإنسانَ على الثُّلُثِ من ذلك في ثمانيةَ عَشَرَ موضعاً كُلُّها نَصَّتْ على خلقه، وقد اقترن ذكرُهُمَا في هذه السورة على هذا النحو، والإنسان هنا اسم جنس؛ قاله الزَّهْرَاوِيُّ وغيره، قال الفخر: {ٱلرَّحْمَـٰنُ}: مبتدأ خبره الجملة الفعلية التي هي {عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ}، انتهى، و{ٱلبَيَانَ}: النُّطْقُ والفهم والإبانة عن ذلك بقولٍ؛ قاله الجمهور، وبذلك فُضِّلَ الإنسان من سائر الحيوان، وكل المعلومات داخلة في البيان الذي عَلّمه الإنسان، فمن ذلك البيان: كونُ {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}: وهذا ابتداء تعديد نِعَمٍ، قال قتادة: {بِحُسْبَانٍ}: مصدر كالحساب، وقال أبو عبيدةَ معمر بن المثنى والضَّحَّاك: هو جمع حساب، والمعنى: أَنَّ هذين لهما في طلوعهما وغروبهما وقطعهما البروجَ وغيرِ ذلك حساباتٌ شَتَّى، وهذا مذهب ابن عباس وغيرِهِ، وقال قتادة: الحسبان: الفلك المستدير، شَبَّهَهُ بحُسْبَان الرَّحَى، وهو العود المستدير الذي باستدارته تستدير المطحنة.

ابن عادل

تفسير : قال تعالى: "الرَّحْمن" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: "الله الرحمن". الثاني: أنه مبتدأ وخبره مضمر، أي: "الرحمن ربنا" وهذان الوجهان عند من يرى أن "الرحمن" آية مع هذا المضمر معه، فإنهم عدُّوا الرحمن "آية". ولا يتصور ذلك إلا بانضمام خبر أو مخبر عنه إليه؛ إذ الآية لا بد أن تكون مفيدة، وسيأتي ذلك في قوله: {أية : مُدْهَآمَّتَانِ} تفسير : [الآية: 64]. الثالث: أنه ليس بآية، وأنه مع ما بعده كلام واحد، وهو مبتدأ، خبره "عَلَّم القُرْآنَ". فصل في بيان مناسبة السورة افتتح السورة التي قبلها بذكر معجزة تدل على القهر [والغلبة] والجبروت، وهو انشقاق القمر، فمن قدر عليه قدر على قطع الجبال وإهلاك الأمم، وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدلّ على الرحمة، وهي القرآن، وأيضاً فأولها مناسب لآخر ما قبلها؛ لأن آخر تلك أنه {أية : مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 55] وأول هذه أنه رحمن. قال بعضهم: إن "الرحمن" اسم علم، واحتج بقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 110]. وأجاز أن يقال: "يالرحمن" باللام، كما يقال: "يا الله" وهذا ضعيف، وهو مختص بالله تعالى، فلا يقال لغيره. قال سعيد بن جبير، وعامر الشعبي: "الرحمن" فاتحة ثلاثة سور إذا جمعن كن اسماً من أسماء الله تعالى: "الر" و "حم" و "نون"، فيكون مجموع هذه "الرحمن". ولله - تعالى - رحمتان: رحمة سابقة بها خلق الخلق، ورحمة لاحقة بها أعطاهم الرزق والمنافع، فهو رحمن باعتبار السَّابقة، رحيم باعتبار اللاحقة، ولما اختص بالإيجاد لم يقل لغيره: رحمن، ولما تخلق بعض خلقه الصالحين ببعض أخلاقه بحسب الطَّاقة البشرية، فأطعم ونفع، جاز أن يقال له: رحيم. قوله: "عَلَّم القُرآن" فيه وجهان: أظهرهما: أنه "علم" المتعدية إلى اثنين أي عرف من التعليم، فعلى هذا المفعول الأول محذوف. قيل: تقديره: علم جبريل القرآن. وقيل: علم محمداً. وقيل: علم الانسان، وهذا أولى لعمومه، ولأن قوله: "خَلَقَ الإنْسان" دال عليه. والثاني: أنها من العلامة، والمعنى: جعله علامة، وآية يعتبر بها، أي: هو علامة النبوة ومعجزة، وهذا مناسب لقوله تعالى: {أية : وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} تفسير : [القمر: 1]. على ما تقدم أنه ذكر في أول تلك السورة معجزة من باب الهيبة، وذكر في هذه السورة معجزة من باب الرحمة، وهو أنه يسر من العلوم ما لا يسره غيره، وهو ما في القرآن، أو يكون بمعنى أنه جعله بحيث يعلم كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} تفسير : [القمر: 17]، فالتعليم على هذا الوجه مجاز كما يقال لمن أنفق على متعلم وأعطى أجرة معلمه: علمته. فإن قيل: لم ترك المفعول الثاني؟. فالجواب: أن ذلك إشارة إلى أن النعمة في التعليم لا تعليم شخص دون شخص؛ فإن قيل: كيف يجمع بين هذه الآية، وبين قوله: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 7]؟ فالجواب: إن قلنا بعطف الرَّاسخين على "الله" فظاهر. وإن قلنا بالوقف على الجلالة، ويبتدأ بقوله: "والرَّاسِخُون" فلأن من علم كتاباً عظيماً فيه مواضع مشكلة قليلة، وتأملها بقدر الإمكان، فإنه يقال: فلان يعلم الكتاب الفلاني، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب بيقين في تلك المواضع القليلة، وكذا القول في تعليم القرآن، أو يقال: المراد لا يعلمه من تلقاء نفسه، بخلاف الكتب التي تستخرج بقوّة الذكاء. فصل في نزول هذه الآية قال المفسرون: نزلت هذه الآية حين قالوا: وما الرحمن؟. وقيل: نزلت جواباً لأهل "مكة" حين قالوا: {أية : إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} تفسير : [النحل: 103]، وهو رحمن "اليمامة"، يعنون: مسيلمة الكتاب فأنزل الله - تعالى - {الرحمن، علَّم القُرآن} أي: سهله لأن يذكر ويُقرأ. كما قال: {أية : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} تفسير : [القمر: 22]. قوله تعالى: "خلق الإنسان". قال ابن عباس وقتادة، والحسن: يعني آدم - عليه الصلاة والسلام -. قوله: "علَّمهُ البَيانَ" علمه أسماء كل شيء. وقيل: علمه اللغات كلها، وكان آدم يتكلم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية. وعن ابن عباس أيضاً، وابن كيسان: المراد بالإنسان هنا محمد - عليه الصلاة والسلام - والمراد من البيان بيان الحلال من الحرام، والهدى من الضلالة. وقيل: ما كان وما يكون؛ لأنه ينبىء عن الأولين، والآخرين، ويوم الدين. وقال الضحاك: "البيان": الخير والشر وقال الربيع بن أنس: هو ما ينفعه مما يضره. وقيل: المراد بـ "الإنسان" جميع الناس، فهو اسم للجنس، والبيان على هذا الكلام: الفهم وهو مما فضل به الإنسان على سائر الحيوان. قال السدي: علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. وقال يمان: الكتابة والخط بالقلم نظيره {أية : عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} تفسير : [العلق: 4، 5]. فصل في كيفية النظم إنه علم الملائكة أولاً، ثم خلق الإنسان، وعلمه البيان، فيكون ابتدأ بالعلوي، وقابله بالسفلي، وقدم العلويات على السفليات، فقال: "علم القرآن" إشارة إلى تعليم العلويين. ثم قال: {خَلَقَ الإنسانَ، علَّمهُ البيانَ} إشارة إلى تعليم السفليين، وقال: {الشمس والقمر بحسبان} [في العلويات] {والنجم والشجر يسجدان} [في السفليات]. ثم قال: {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا} [الرحمن: 7]، وفي مقابلتها {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا} [الرحمن: 10]. فصل في وصل هذه الجمل هذه الجمل من قوله: {عَلَّمَ القُرآنَ، خلق الإنسَانَ، علَّمه البيان} جيء بها من غير عاطف؛ لأنها سيقت لتعديد نعمه، كقولك: "فلان أحسن إلى فلان، أشاد بذكره، رفع من قدره" فلشدة الوصل ترك العاطف، والظاهر أنها أخبار. وقال أبو البقاء: و "خَلَقَ الإنسَانَ" مستأنف، وكذلك "علَّمَهُ"، ويجوز أن يكون حالاً من الإنسان مقدرة، وقدَّر معها مرادة انتهى. وهذا ليس بظاهر، بل الظاهر ما تقدم، ولم يذكر الزمخشري غيره. فإن قيل: لم قدم تعليم القرآن للإنسان على خلقه، وهو متأخر عنه في الوجود؟. فالجواب: لأن التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه. فإن قيل: كيف صرح بذكر المفعولين في "علَّمهُ البَيانَ"، ولم يصرح بهما في "علَّم القُرآن"؟. فالجواب: أن المراد من قوله "علَّمه البَيَانَ" تعديد النِّعم على الإنسان، واستدعاء للشكر منه، ولم يذكر الملائكة؛ لأن المقصود ذكر ما يرجع إلى الإنسان. فإن قيل: بأنه علم الإنسان القرآن. فيقال: بأن ذكر نعمة التعليم وعظمها على سبيل الإجمال، ثم بين كيفية تعليمه القرآن، فقال: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ}. واستدلّ بعضهم بهذه الآية على أن الألفاظ توقيفية. قوله: {والشمس والقمر بحسبان} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الشمس مبتدأ، و "بِحُسْبَان" خبره على حذف مضاف، تقديره: جري الشمس والقمر بحسبان، أي كائن، أو مستقر، أو استقر بحُسْبَان. الثاني: أن الخبر محذوف يتعلق به هذا الجار، تقديره: يجريان بحُسْبَان. وعلى هذين القولين، فيجوز في الحسبان وجهان: أحدهما: أنه مصدر مفرد بمعنى "الحُسْبان"، فيكون كـ "الشُّكْران" و "الكُفْران". والثاني: أنه جمع حساب، كـ "شهاب" و "شُهْبَان". والثالث: أن "بحسبان" خبره، و "الباء" ظرفية بمعنى "في" أي: كائنان في حسبان. وحسبان على هذا اسم مفرد، اسم للفلك المستدير، مشبهة بحسبان الرَّحَى الذي باستدارته تدور الرّحى. فصل لما ذكر خلق الإنسان وإنعامه عليه لتعليمه البيان، ذكر نعمتين عظيمتين، وهما: الشمس والقمر، وأنهما على قانون واحد وحسابٍ لا يتغيران، وبذلك تتم منفعتهما للزراعات وغيرها، ولولا الشمس لما زالت الظلمة، ولولا القمر لفات كثير من المنافع الظاهرة، بخلاف غيرهما من الكواكب، فإن نعمها لا تظهر لكل أحد مثل ظهور نعمتهما، وأنهما بحساب لا يتغير أبداً، ولو كان مسيرهما غير معلوم للخلق لما انتفعوا بالزِّراعات في أوقاتها، ومعرفة فصول السَّنة. ثم لما ذكر النعم السماوية وذكر في مقابلتها أيضاً نعمتين ظاهرتين من الأرض، وهما: النبات الذي لا ساق له، وما له ساق؛ لأن النبات أصل الرزق من الحبوب والثمار، والحشيش للحيوان. وقيل: إنما ذكر هاتين النعمتين بعد تعليم القرآن إشارة إلى أن من الناس من لا تكون نفسه زكيّة، فيكتفي بأدلة القرآن، فذكر له آيات الآفاق، وخص الشمس والقمر؛ لأن حركتهما بحسبان تدل على الفاعل المختار. ولو اجتمع العالم ليبيّنوا سبب حركتهما على هذا التقدير المعين لعجزوا، وقالوا: إن الله حركهما بالإرادة كما أراد. وقيل: لما ذكر معجزة القرآن بإنزاله أنكروا نزول الجرم من السماء وصعوده إليها، فأشار تعالى بحركتهما إلى أنها ليست بالطبيعة. وهم يقولون بأن الحركة الدّورية من أنواع الحركات لا يكون إلا اختيارياً، فقال تعالى: من حرّكهما على الاستدارة أنزل الملائكة على الاستقامة، والثقيل على مذهبكم لا يصعد، وصعود النَّجم والشجر إنما هو بقدرة الله تعالى، فحركة الملك كحركة الفلك جائزة. فصل في جريان الشمس والقمر قال المفسرون: [المعنى] يجريان بحسبان معلوم فأضمر الخبر. قال ابن عباس وقتادة وأبو مالك: يجريان بحساب في منازل لا تعدوها ولا يحيدان عنها. وقال ابن زيد وابن كيسان: بهما تحسب الأوقات والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدرك أحد كيف يجد شيئاً إذا كان الدهر كله ليلاً أو نهاراً. وقال السدي: "بحسبان" تقدير آجالهما، أي: يجريان بآجال كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا، نظيره: {أية : كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} تفسير : [الرعد: 2]. وقال الضحاك: بقدر. وقال مجاهد: "بحسبان" كحُسْبَان الرَّحى يعني: قطعها، يدوران في مثل القُطْب. والحُسْبَان: قد يكون مصدر "حسبته أحسبُه بالضم حَسْباً وحِسَاباً وحُسْبَاناً" مثل الغُفْرَان والكُفْران والرُّجحان. وحسبته أيضاً: أي عددته. وقال الأخفش: ويكون جماعة الحساب، مثل "شِهَاب، وشُهْبَان". والحُسْبَان - بالضم - أيضاً: العذاب والسِّهام القصار، الواحدة: حُسْبَانة. والحُسْبانة أيضاً: الوِسادَة الصغيرة تقول منه: "حَسَّبْتُهُ" إذا وسدته. قال: [مجزوء الكامل] شعر : 4619-.................... لَثَوَيْتَ غَيْرَ مُحَسَّبِ تفسير : أي غير مُوسَّد، يعني: غير مكرم ولا مكفن. قوله تعالى: {وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6]. قال ابن عباس وغيره: النَّجْم: ما لا ساق له، والشَّجر: ما له ساق. وأنشد ابن عباس قول صفوان التيمي: [الطويل] شعر : 4620- لَقَدْ أنجمَ القَاعُ الكَبيرُ عِضَاههُ وتَمَّ بِهِ حيَّا تَميمٍ ووَائِلِ تفسير : وقال زهير بن أبي سُلْمَى: [البسيط] شعر : 4621- مُكَلَّلٌ بأصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ رِيحُ الجَنُوبِ لِضاحِي مَائِهِ حُبُكُ تفسير : واشتقاق النجم من "نَجَمَ الشيء يَنْجُمُ" - بالضم - نُجُوماً: ظهر وطلع. ومنه: نَجَمَ نابُ البعير، أي: طلع. وسجودهما: سجود ظلالهما؛ قاله الضحاك. وقال الفرّاء: سجودهما أنهما يستقبلان إذا طلعت، ثم يميلان معهما حتى ينكسر الفيء. وقال الزجاج: سجودهما: دوران الظِّل معهما، كما قال: {أية : يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ} تفسير : [النحل: 48]. وقال الحسن ومجاهد: النجم نجم السماء، وسجوده في قول مجاهد: "دوران ظله" وهو اختيار الطبري، حكاه المهدوي. وقيل: سجود النجم: أفوله، وسجود الشجر: إمكان الاجتناء لثمارها، حكاه الماوردي. والأول أظهر. وقيل: إن جميع ذلك مسخر لله تعالى، فلا تعبدوا النجم كما عبد قوم من الصَّابئين النجوم، وعبد كثير من العجم الشجر. والسجود: الخضوع، والمعني به آثار الحدوث، حكاه القشيري. وقال النحاس: أصل السجود في اللغة: الاستسلام والانقياد لله - عز وجل - فهو من السموات كلها استسلامها لأمر الله - عز وجل - وانقيادها له. ومن الحيوان كذا، ويكون من سجود الصلاة. وأنشد محمد بن يزيد في النجم بمعنى النجوم؛ قال: [الطويل] شعر : 4622- فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتجيرِهِ سَرِيعٍ بأيْدِي الآكلينَ جُمُودهَا تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا}. العامة: على النصب على الاشتغال مراعاة لعجز الجملة التي يسميها النحاة ذات وجهين، وفيها دليل لسيبويه الذي يجوز النصب، وإن لم يكن في جملة الاشتغال ضمير عائد على المبتدأ الذي تضمنته الجملة ذات الوجهين. والأخفش يقول: لا بد من ضمير، مثاله: "هند قامت وعمراً أكرمته لأجلها". قال: "لأنك راعيْتَ الخبر وعطفت عليه، والمعطوف على الخبر خبر، فيشترط فيه ما يشترط فيه". ولم يشترط الجمهور ذلك، وهذا دليلهم. فإن القراء كلهم نصبوا مع عدم الرابط إلا من شذ منهم وقد تقدم تحرير هذا في سورة "يس" عند قوله: {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} تفسير : [يس: 39]. وقرأ أبو السمال: برفع السماء على الابتداء، والعطف على الجملة الابتدائية التي هي قوله "والشمس والقمر". قال القرطبي: "فجعل المعطوف مركباً من ابتداء وخبر كالمعطوف عليه". قوله: "ووَضَع المِيزانَ". العامة على "وَضَع" فعلاً ماضياً، و "الميزان" نصب على المفعول به. وقرأ إبراهيم: "ووضْع الميزانِ" - بسكون الضاد - وخفص "الميزان" وتخريجها: على أنه معطوف على مفعول "رفعها" أي: "ورفع ووضْع الميزان" أي جعل له مكانة ورفعة لأخذ الحُقُوق به، وهو من بديع اللفظ حيث يصير التقدير: "ورفع ووضع الميزان". قال الزمخشري: "فإن قيل: كيف أخلّ بالعاطف في الجمل الأول وجيء به بعده؟. قلت: بَكَّتَ بالجمل: الأول، وأورده على سننِ التعديد للذين أنكروا الرحمن وآلاءه كما تبكت منكر أيادي المنعم من الناس بتعدّدها عليه في المثال الذي قدمته، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التَّبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف. فإن قلت: أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟. قلت: إن الشمس والقمر سماويَّان، والنجم والشجر أرضيَّان فبينهما تناسب من حيث التقابل، وإن السماء والأرض لا يزالان يذكران قرينتين، وإن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر". فصل في المراد بوضع الميزان قال مجاهد وقتادة: وضع الميزان عبارة عن العدل. قال السدي: "ووضع الميزان" وضع في الأرض العدل الذي أمر به، يقال: وضع الله الشريعة، ووضع فلان كذا أي ألقاه. وقيل: على هذا الميزان القرآن، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه. وهو من قول الحسين بن الفضل. وقال الحسن وقتادة - أيضاً - والضحاك: هو الميزان الذي يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض، وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ} [الرحمن: 9]. والقسْط هو العَدْل، وقيل: هو الحكم. وقيل: المراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال. وأصل "ميزان" "يوزان". وقد مضى القول فيه في "الأعراف". قال ابن الخطيب: قوله: "ووَضَعَ المِيزانَ" إشارة إلى العدل، كقوله: {أية : وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الحديد: 25] أي: ليعلموا بالكتاب، ويعملوا بالميزان، فكذا هنا "عَلَّمَ القُرآن" ووضع الميزانَ، فالمراد بـ "الميزان": العدل بوضعه شرعة، كأنه قيل: شرع العدل لئلا تطغوا في الميزان الذي هو آلة العَدْل، هذا هو المنقول، قال: والأولى العكس كالأول وهو الآلة، والثاني: بمعنى الوزن، أو بمعنى العدل. قوله: {أَلاَّ تَطْغَوْاْ}، في "أنْ" هذه وجهان: أحدهما: أنها الناصبة، و "لا" بعدها نافية، و "تطغوا" منصوب بـ "أن"، و "أن" قبلها لام العلة مقدّرة تتعلق بقوله: "ووضَعَ المِيزانَ"، التقدير: "لئلاَّ تَطغَوا"، كقوله تعالى: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء: 176]. وأجاز الزمخشري وابن عطية: أن تكون المفسرة، وعلى هذا تكون "لا" ناهية، والفعل مجزوم بها. قال القرطبي: فلا يكون لـ "أنْ" موضع من الإعراب، فتكون بمعنى "أي"، و "تطغوا" مجزوم بها كقوله: {أية : وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ} تفسير : [ص: 6]، أي: "امْشُوا". إلا أن أبا حيان رد هذا القول بأن شرط التفسيرية تقدم جملة متضمنة لمعنى القول، وليست موجودة. قال شهاب الدين: "وإلى كونها مفسرة ذهب مكي، وأبو البقاء، إلا أن أبا البقاء كأنه تنبه للاعتراض، فقال: "وأن - بمعنى أي - والقول مقدر". فجعل الشيء المفسر بـ "أن" مقدراً لا ملفوظاً به، إلا أنه قد يقال إن قوله "والقول مقدر" ليس بجيّد؛ لأنها لا تفسر القول الصريح، فكيف يقدر ما لا يصحّ تفسيره، فإصلاحه أن يقول: وما هو بمعنى القول مقدر". فصل في الطغيان في الميزان والطغيان مجاوزة الحد، فمن قال: الميزان العدل، قال: الطغيان الجور ومن قال: إنه الميزان الذي يوزن به، قال: طغيانه النّجس. قال ابن عباس: لا تخونوا من وزنتم له. وعنه أيضاً أنه قال: يا معشر الموالي وليتم أمرين بهما هلك الناس: المكيال والميزان. ومن قال: إنه طغيان الحكم، قال: طغيانه التحريف. وقيل: فيه إضمار، أي: وضع الميزان وأمركم ألا تطغوا فيه. فإن قيل: العلم لا شك في كونه نعمة، وأما الميزان فأي نعمة عظيمة فيه حتى يعد بسببها في الآلاء؟. فالجواب: أن النفوس تأبى الغَبْنَ، ولا يرضى أحد بأن يغلبه غيره، ولو في الشيء اليسير، ويرى أن ذلك استهانة به، فلا يترك خَصْمه يغلبه، ثم إن عند عدم المعيار الذي به تُؤخذ الحقوق، كل أحد يذهب إلى أن خصمه يغلبه، فوضع الله - تعالى - معياراً بين به التَّساوي، ولا يقع به البغضاء بين الناس، وهو الميزان، فهو نعمة كاملة، ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته وكثرته، وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء الذي لا يبين فضلهما إلاَّ عند فقدهما. قوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ}. أي: افعلوه مستقيماً بالعدل. وقال أبو الدرداء: أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل. وقال ابن عيينة: الإقامة باليد، والقسط بالقلب. وقال مجاهد: القسط: العدل بالرومية. وقيل: هو كقولك: أقام الصلاة، أي: أتى بها في وقتها، وأقام الناس أسواقهم، أي: أتوا بها لوقتها، أي: لا تدعوا التعامل بالوزن والعدل. قوله: "ولا تُخْسِرُوا". العامة على ضم التاء وكسر السين، من "أخْسَرَ" أي: نقص، كقوله: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} تفسير : [المطففين: 3]. وقرأ زيد بن علي، وبلال بن أبي بردة: بفتح التاء وكسر السين، فيكون "فَعِل، وأفْعَل" بمعنى، يقال: خَسِر الميزان، وأخْسَره "بمعنى واحد، نحو: جَبِر وأجْبر". ونقل أبو الفتح وأبو الفضل عن بلال: فتح التاء والسين، ونقلها أيضاً القرطبي عن أبان بن عثمان، قال: وهما لغتان، يقال: أخسرت الميزان، وخسرته، كـ "أجبرته" و "جبرته". قال شهاب الدين: وفيها وجهان: أحدهما: أنه على حذف حرف الجر، تقديره: "ولا تخسروا في الميزان"، ذكره الزمخشري وأبو البقاء، إلا أن أبا حيان قال: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن "خَسِر" جاء متعدياً، قال تعالى: {أية : خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [الأنعام: 12] و{أية : خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآُخِرَةَ} تفسير : [الحج: 11]. قال شهاب الدين: "وهذا أليق من ذاك، ألا ترى أن "خسروا أنفسهم" و "خسر الدنيا والآخرة" معناه: أن الخسران واقع بهما، وأنهما معدومان، وهذا المعنى ليس مراداً في الآية قطعاً، وإنما المراد: لا تخسروا الموزُون في الميزان". وقرىء: "تَخْسُروا" بفتح التاء وضم السين. قال الزمخشري: "وقرىء: "ولا تَخْسروا" بفتح التاء وضم السين وكسرها وفتحها، يقال: خَسِر الميزان يَخْسُره ويَخْسِره، وأما الفتح فعلى أن الأصل: "في الميزان" فحذف الجار، وأوصل الفعل إليه". وكرر لفظ "الميزان" ولم يضمره في الجملتين بعده تقوية لشأنه. وهذا كقول الآخر: [الخفيف] شعر : 4623- لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا تفسير : فصل في معنى الآية المعنى: ولا تنقصوا ولا تبخسوا الوزن والكيل، كقوله: {أية : وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} تفسير : [هود: 84]. وقيل: لا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة، فيكون ذلك حسرة عليكم، وكرَّر الميزان لحال رُءُوس الآي. وقيل: التكرير للأمر بإيفاء الوزن، ورعاية العدل فيه. وقال ابن الخطيب: {ولا تخسروا الميزان} أي: لا تنقصوا الموزون. وذكر "الميزان" ثلاث مرات، فالأول: بمعنى الآلة، وهو قوله "وَضَعَ المِيزانَ". والثاني: بمعنى المصدر أي: لا تطغوا في الوزن. والثالث: للمفعول، أي: لا تخسروا الموزون. وبين القرآن و "الميزان" مناسبة، فإن القرآن فيه العلم الذي لا يوجدُ في غيره من الكتب، والميزان به يقام العدل الذي لا يقام بغيره من الآلات. قوله: {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ}، كقوله: {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا}. قرأ أبو السمال: بالرفع مبتدأ، و "الأنام" علّة للوضع. "الأنام". قيل: كل الحيوان. وقيل: بنو آدم خاصة، وهو مروي عن ابن عبَّاس نقل النووي في "التهذيب" عن الزبيدي: "الأنام": الخَلْق، قال: ويجوز الأنيم. وقال الواحدي: قال الليث: "الأنامُ" ما على ظهر الأرض من جميع الخلق. وقيل: هم الإنس والجن. قاله الحسن، والأول قاله الضَّحاك. ووزنه: "فَعَال" كـ "قَذَال" فيجمع في القلة على "أنِمّة" بزنة: "امرأة أنمّة"، وفي الكثرة على "أنْم" كـ "قَذَال وأقذلة وقُذْل". قوله: "فيها فاكهة" يجوز أن تكون هذه الجملة حالاً من "الأرض" إلا أنها حال مقدرة، والأحسن أن يكون الجار والمجرور هو الحال. و "فاكهةٌ" رفع بالفاعلية، ونكرت لأن الانتفاع بها دون الانتفاع بما ذكر بعدها، وهو من باب الترقّي من الأدنى إلى الأعلى. قال ابن الخطيب: الأرض موضوعة لكل ما عليها، وإنما خصّ الإنسان بالذِّكْر؛ لأن الانتفاع بها أكثر، فإنه ينتفع بها، وبما فيها، وبما عليها، فقال: "للأنام" لكثرة انتفاع الأنام بها. وقوله: "فِيهَا فَاكِهَةٌ". أي: ما يتفكّه به الإنسان من ألوان الثمار. قوله: {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} إشارة إلى الأشجار. و "الأكمام" جمع "كِمّ" - بالكسر - وهو وعاء الثمر. قال الجوهري: و "الكِمُّ" - بالكسر - و "الكِمَامة": وعاء الطلع، وغطاء النَّوْر، والجمع: "كِمَام" و "أكِمَّة"، و "الأكاميم" أيضاً، و "كم" الغسيل إذا أشفق عليه، فسُتر حتى يقوى، قال العجاج: [الرجز] شعر : 4624- بَلْ لَوْ شَهِدتَ النَّاسَ إذْ تُكُمُّوا غُمَّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا تفسير : و "تكمّوا": أي أعمى عليهم وغطّوا. وأكممتُ وكَمَمْت أي: أخرجت كمامها، والكِمَامُ - بالكسر - والكمامة أيضاً: ما يكمّ به فَمُ البعير لئلا يعضّ، تقول منه بعير مكموم أي محجوم، وكممت الشيء: غطّيته، ومنه كُمُّ القميص - بالضم - والجمع: "أكْمَام وكِمَمَة" مثل: جُبّ وجببة. و "الكُمَّةُ": القَلَنْسُوَة [المدورة]؛ لأنها تغطي الرأس. قال رحمه الله: [الطويل] شعر : 4625- فَقُلْتُ لَهُمْ: كِيلُوا بِكُمَّةِ بَعْضِكُمْ دَرَاهِمَكُمْ، إنِّي كذلِك أكْيَل تفسير : قال الحسن: "ذات الأكمام" أي: ذات اللّيف، فإن النخلة قد تكمم بالليف وأكمامها: ليفها الذي في أعناقها. وقال ابن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتّق. وقال عكرمة: ذات الأحْمَال. وقال الضَّحاك: "ذات الأكمام": ذات الغلف. والأكمام: الأوعية التي يكون فيها الثمر؛ لأن ثمر النخل يكون في غلاف ما لم يتشقق، والمراد بالفاكهة: الفواكهة. قال ابن كيسان: ما يتفكّهون به من النعم التي لا تُحْصَى، ونكّر الفاكهة للتكثير والتعظيم. قوله: {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ}. قرأ ابن عامر: بنصب الثلاثة. وفيه ثلاثة أوجه: النصب على الاختصاص، أي "وأخص الحبَّ" قاله الزمخشري. وفيه نظر، لأنه لم يدخل في مسمى الفاكهة والنخل حتى يخصّه من بينها، وإنما أراد إضمار فعل، وهو "أخص" فليس هو الاختصاص الصّناعي. الثاني: أنه معطوف على "الأرض". قال مكي: "لأن قوله "والأرض وضعها" أي: خلقها، فعطف "الحب" على ذلك". الثالث: أنه منصوب بـ "خلق" مضمراً، أي "وخلق الحب". وقال مكي: "أو وخلق الحب"، وقراءته موافقة لرسم مصاحف بلدهِ، فإن مصاحف "الشام" "ذا" بالألف. وجوزوا في "الرَّيْحَان" أن يكون على حذف مضاف، أي "وذا الريحان" فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كـ {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]. وقرأ الأخوان برفع الأولين وجرّ "الرَّيْحَان" عطفاً على "العَصْف" وهي تؤيد قول من حذف المضاف في قراءة ابن عامر. والباقون: برفع الثلاثة عطفاً على "فاكهة" أي: وفيها أيضاً هذه الأشياء. ذكر أولاً ما يتلذّذون به من الفواكهة. وثانياً: الشيء الجامع بين التلذّذ والتغذِّي، وهو ثمر النخل. وثالثاً: ما يتغذى به فقط، وهو أعظمها؛ لأنه قوت غالب الناس. ويجوز في "الرَّيْحَان" على هذه القراءة أن يكون معطوفاً على ما قبله، أي: "وفيها الريحان" أيضاً، وأن يكون مجروراً بالإضافة في الأصل، أي: "وذو الريحان" ففعل به ما تقدم. و "العَصْفُ" قال مجاهد رضي الله عنه: ورق الشَّجر والزرع. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: تِبْن الزرع وورقه الذي تَعْصِفُه الرياح. قال الراغب: "أصله: من "العَصْفِ والعَصِيفَة"، وهو ما يُعصف، أي: يقطع من الزرع". وقال سعيد بن جبير: بقل الزرع أي ما ينبت منه، وهو قول الفراء. والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك، وكذا في "الصِّحاح" وكذا نقله القرطبي. وعصفت الزرع، أي: جَزَرته قبل أن يدرك. وعن ابن عباس أيضاً: العصف: ورق الزرع الأخضر إذا وقع رءوسه ويبس نظيره: {أية : كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} تفسير : [الفيل: 8]. قال الجوهري: "وقَدْ أعْصَفَ الزَّرْعُ، ومكانٌ مُعْصفٌ، أي: كثير الزرع". قال أبو قيس بنُ الأسلت الأنصاريُّ: [السريع] شعر : 4626- إذا جُمَادَى مَنَعَتْ قَطْرَهَا زَانَ جَنَابِي عَطَنٌ مُعْصِفُ تفسير : وقيل: "العَصْفُ": حُطام النبات، والعَصْفُ أيضاً: الكسب. قال الراجز: [الرجز] شعر : 4627- بِغَيْرِ مَا عَصْفٍ ولا اكْتسَابِ تفسير : وكذلك "الاعتصاف والعصيفة": الورق المجتمع الذي يكون فيه السّنبل. وحكى الثعلبي: وقال ابن السكيت: "تقول العرب لورق الزرع: العَصْف والعَصِيفة، والجِلُّ بكسر الجيم". قال علقمة بن عبدة: [البسيط] شعر : 4628- تَسْقِي مَذانِبَ قَدْ مَالتْ عَصيفتُهَا حُدُورُهَا مِنْ أتِيِّ المَاءِ مَطْمُوم تفسير : في "الصحاح": "والجِلّ - بالكسر - قصب الزرع إذا حصد". والرَّيحان في الأصل مصدر، ثم أطلق على الرزق. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: هو الرزق بلغة "حِمْير"، كقولهم: "سبحان الله وريحانه" أي: استرزاقه. وعن ابن عباس أيضاً والضحاك وقتادة: أنه الريحان الذي يشمّ وهو قول ابن زيد أيضاً. وعن ابن عباس أيضاً: أنه خُضْرة الزرع. وقال سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق. وقال الفراء: "العصفُ" المأكول من الزرع. و "الريحان" ما لا يؤكل. وقال الكلبي العَصْف: الورق الذي لا يؤكل. و "الريحان": هو الحب المأكول. وقيل: كل فلّة طيبة الريح سميت ريحاناً؛ لأن الإنسان يراح لها رائحة طيبة أي: يشم. وفي "الريحان" قولان: أحدهما: أنه على "فَعْلان" وهو من ذوات "الواو"، والأصل "رَوْحَان" من الرائحة. قال أبو علي: فأبدلت "الواو" ياء كما أبدلت الياء واواً في "أشاوى" وإنما قلبت الواو ياء للفرق بينه وبين "الرَّوْحَان" وهو كل شيء له روح. قال القرطبي: والثاني: أن يكون أصله "رَيْوَحَان" على وزن "فَيْعَلان" فأبدلت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، ثم خفف بحذف عين الكلمة، كما قالوا: كَيْنُونة وبَيْنُونَة والأصل تشديد الياء، فخفف كما خفف "هَيْن ولَيْن". قال مكي: ولزم تخفيفه لطوله بلُحُوق الزيادتين، وهما الألف والنون. ثم ردّ قول الفارسي بأنه: لا موجب لقلبها ياء. ثم قال: "وقال بعض الناس" وذكر ما تقدم عن أبي علي. قال القرطبي: "والأصل فيما يتركب من الراء والواو والحاء: الاهتزاز والحركة". وفي الصحاح: "والريحان نبات معروف، والرَّيْحَان: الرزق، تقول: خرجت أبتغي ريحان الله". وفي الحديث: "حديث : الولدُ مِنْ رَيْحانِ اللَّهِ ". تفسير : وقولهم: سُبْحَانَ اللَّهِ ورَيْحَانه" نصبوهما على المصدر، يريدون: تنزيهاً له واسترزاقاً. قوله: {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} فالعَصْفُ: ساق الزرع، والرَّيْحَان: ورقه قاله الفراء. قوله: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13]، "فبأي" متعلق بـ "تكذبان". والعامة على إضافة "أي" إلى "الآلاء". وقرىء في جميع السورة بتنوين "أيّ". وتخريجها: على أنه قطع "أيًّا" عن الإضافة إلى شيء مقدر، ثم أبدل منه "آلاء ربكما" بدل معرفة من نكرة، وتقدم الكلام في "الآلاء" ومفردها في الأعراف". والخطاب في "ربكما" قيل: للثقلين من الإنس والجن؛ لأن الأنام تضمنهما، وهو قول الجمهور، ويدل عليه حديث جابر. وفيه: "حديث : للْجِنُّ أحْسَنُ مِنْكُم رَدًّا ". تفسير : وقيل: لما قال: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ، وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ} تفسير : [الرحمن: 14، 15]. دل ذلك على ما تقدم وما تأخر لهما. وكذا قوله: {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ} تفسير : [الرحمن: 31] خطاب للإنس والجن. وقال أيضاً: {أية : يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} تفسير : [الرحمن: 33]. وقال الجرجاني: خاطب الجن مع الإنس، وإن لم يتقدم للجن ذكر. كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} تفسير : [ص: 32]. فقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن، والقرآن كالسورة الواحدة، فإذا ثبت أنهم مكلَّفُون كالإنس، خوطب الجنسان بهذه الآيات. وقيل: الخطاب للذكر والأنثى. وقيل: هو مثنّى مراد به الواحد، كقوله تعالى: {أية : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} تفسير : [ق: 24]. وكقول الحجاج بن يوسف: "يا حرسي اضربا عنقه"، وكقول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 4629- قِفَا نَبكِ.... .................... تفسير : و [الطويل] شعر : 4630- خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي.... ................... تفسير : وقيل: التثنية للتأكيد. وقيل: التكذيب يكون بالقلب، أو باللسان، أو بهما، فالمراد هما. فصل في آلاء الله تعالى قال ابن زيد: المراد بالآلاء: القدرة، والمعنى: فبأي قدرة ربكما تكذبان، وهو قول الكلبي. واختار محمد بن علي الترمذي، وقال: هذه السورة من بين السور علم القرآن، والعلم: إمام الجند، والجند تتبعه، وإنما صارت علماً؛ لأنها سورة صفة الملك والقدرة، فقال: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة، فقال: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}. ثم ذكر الإنسان فقال: "خَلَقَ الإنسان" ثم ذكر ما صنع به، وما من عليه به، ثم ذكر حُسْبَان الشمس والقمر، وسجود الأشياء من نجم وشجر، وذكر رفع السماء، ووضع الميزان وهو العدل، ووضع الأرض للأنام، فخاطب هذين الثقلين: الإنس والجن، حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة، ولا حاجة إلى ذلك، فأشركوا به الأوثان، وكل معبود اتخذوه من دونه، وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم. فقال سائلاً لهم: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} أي: بأي قدرة ربكما تكذبان، وإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من قدرته وملكه شريكاً يملك معه، ويقدر معه، فذلك تكذيبهم، ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال، وذكر خلق الجانّ من مارجٍ من نارٍ، ثم سألهم فقال: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي: بأي قدرة ربكما تكذبان، فإن له في كل خلق قدرة بعد قدرة، فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد، والمبالغة في التقرير، واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلقٍ بعد خلق. وقال القتبي: إن الله - تعالى - عدد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خلّة وصفها ونعمة وضعها في هذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ليبينهم على النعم، ويقررهم بها، كما يقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره: ألم تكن فقيراً فأغنيتك، أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملاً فعززتك، أفتنكر هذا؟ ألم تكن راجلاً فحملتك، أفتنكر هذا؟ والتكرير حسن في مثل هذا. قال الشاعر: [مشطور الرجز] شعر : 4631- كَمْ نِعْمَةٍ كَانَتْ لَكُمْ كَمْ كَمْ وكَمْ تفسير : وقال الشاعر رحمه الله: [البسيط] شعر : 4632- لا تَقْتُلِي مُسْلِماً إن كُنْتِ مُسْلمَةً إيَّاكِ من دمِهِ إيَّاكِ إيَّاكِ تفسير : وقال آخر: [المنسرح] شعر : 4633- لا تَقْطَعَنَّ الصَّديقَ ما طَرَفَتْ عَيْنَاكَ من قَوْلِ كَاشحٍ أشِرِ ولا تَمَلَّنَّ مِنْ زيَارتِهِ زُرْهُ وَزُرْهُ وَزُرْ وَزُرْ وَزُرِ تفسير : وقال الحسين بن الفضل: التكرير طرد للغفلة، وتأكيد للحجَّة. قال شهاب الدين: والتكرير - هاهنا - كما تقدم في قوله: {أية : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} تفسير : [القمر: 17]، وكقوله فيما سيأتي: أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [المرسلات: 45]. وذهب جماعة منهم ابن قتيبة: إلى أن التكرير لاختلاف النِّعم، فلذلك كرر للتوقيف مع كل واحدة. قال ابن الخطيب: وذكره بلفظ الخطاب على سبيل الالتفات، والمراد به التقريع والزَّجْر، وذكر لفظ الرب؛ لأنه يشعر بالرحمة. قال: "وكررت هذه اللفظة في هذه السورة نيفاً وثلاثين مرة إما للتأكيد، ولا يعقل بخصوص العدد معنى. وقيل: الخطاب مع الإنس والجن، والنعمة منحصرة في دفع المكروه، وتحصيل المقصود، وأعظم المكروهات عذاب جهنم، و{أية : لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} تفسير : [الحجر: 44]، وأعظم المقاصد: نعيم الجنة، ولها ثمانية أبواب، فالمجموع خمسة عشر، وذلك بالنسبة للجن والإنس ثلاثون، والزائد لبيان التأكيد". روى جابر بن عبد الله، قال: حديث : قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "الرحمن" حتى ختمها، ثم قال: "مَا لِي أراكُمْ سُكُوتاً؟ للجِنُّ كانُوا أحسنَ مِنكُم رَدًّا؛ ما قرأتُ عليهمِ هذهِ الآية مرَّة: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إلا قالوا: ولا بِشيءٍ من رحْمَتِكَ ربَّنا نكذِّبُ، فلكَ الحمد ".

البقاعي

تفسير : ولما ختم سبحانه القمر بعظيم الملك وبليغ القدرة، وكان الملك القادر لا يكمل ملكه إلا بالرحمة، وكانت رحمته لا تتم إلا بعمومها، قصر هذه السورة على تعداد نعمه على خلقه في الدارين، وذلك من آثار الملك، وفصل فيها ما أجمل في آخر القمر من مقر الأولياء والأعداء في الآخرة، وصدرها بالاسم الدال على عموم الرحمة براعة للاستهلال، وموازنة لما حصل بالملك والاقتدار من غاية التبرك والظهور والهيبة والرعب باسم هو مع أنه في غاية الغيب دال على أعظم الرجاء مفتتحاً لها بأعظم النعم وهو تعليم الذكر الذي هز ذوي الهمم العالية في القمر إلى الإقبال عليه بقوله {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} لأنه لما كان للعظمة الدالة عليها نون {يسرنا} التي هي عماد الملك نظران: نظر الكبرياء والجبروت يقتضي أن يتكلم بما يعجز خلقه من كل جهة في الفهم والحفظ والإتيان بمثله وكل معنى من معانيه، ونظر الإكرام والرحمة، وكانت رحمته سابقة لغضبه نظر بها لخلقه لا سيما هذه الأمة المرحومة فيسر لها الذكر تحقيقاً للرحمة بعد أن أبقى من آثار الجبروت الإعجاز عن النظر، ومن الإعجاز من الفهم الحروف المقطعة أوائل السور، ومنع المتعنت من أن يقول: إنه لا معاني لها بأن فهم بعض الأصفياء بعض أسرارها، فقال جواباً لمن كأنه قال: من هذا المليك المقتدر، فقيل: {الرحمان *} أي العام الرحمة، قال ابن برجان: وهو ظاهر اسمه الله، وباطن اسمه الرب، جعل هذه الأسماء الثلاثة في ظهورها مقام الذات يخبر بها عنه وحجاباً بينه وبين خلقه، يوصل بها الخطاب منه إليهم، ثم أسماؤه الظاهرة مبينة لهذه الأسماء الثلاثة - انتهى. ومن مقتضى اسمه {الرحمن} انبثت جميع النعم، ولذا ذكر في هذه السورة أمهات النعم في الدارين. ولما كان لا شيء من الرحمة أبلغ ولا أدل على القدرة من إيصال بعض صفات الخالق إلى المخلوق نوع إيصال ليتخلقوا به بحسب ما يمكنهم منه فيحصلوا على الحياة الأبدية والسعادة السرمدية قال: {علم القرآن *} أي المرئي المشهود بالكتابة والمتلو المسموع الجامع لكل خير، الفارق بين كل لبس، وكان القياس يقتضي أن لا يعلم المسموع أحد لأنه صفة من صفاته، وصفاته في العظم كذاته، وذاته غيب محض، لأن الخلق أحقر من أن يحيطوا به علماً، "وأين الثريا من يد المتناول" فدل تعليمه القرآن على أنه يقدر أن يعلم ما أراد من أراد{أية : وعلم آدم الاسماء كلها}تفسير : [البقرة: 31] ولا يخفى ما في تقديمه على جميع النعم من المناسبة لأن أجل النعم نعمة الدين التي تتبعها نعمة الدنيا والآخرة، وهو أعلى مراتب، فهو سنام الكتب السماوية وعمادها ومصداقها والعبار عليها، وفائدتها الإيصال إلى مقعد الصدق المتقدم لأنه بين ما يرضي الله ليعمل به وما يسخطه ليجتنب. وقال الإمام جعفر بن الزبير: من المعلوم أن الكتاب العزيز وإن كانت آية كلها معجزة باهرة وسورة في جليل النظم وبديع التأليف قاطعة بالخصوم قاهرة، فبعضها أوضح من بعض في تبين إعجازها، وتظاهر بلاغتها وإيجازها: ألا ترى إلى تسارع الأفهام إلى الحصول على بلاغة آيات وسور من أول وهلة دون كبير تأمل كقوله تعالى {أية : وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي} تفسير : [هود: 44] وقوله{أية : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}تفسير : [الحجر: 94]، الآيات، لا يتوقف في باهر إعجازها إلا من طبع الله على قلبه أو سد دونه باب الفهم بأنى له بر لوجه وقوعه، وسورة القمر من هذا النمط، ألا ترى اختصار القصص فيه مع حصول أطرافها وتوفية أغراضها، وما جرى مع كل قصة من الزجر والوعظ والتنبيه والإعذار، ولولا أني لم أقصد التعليق ما بنيته عليه من ترتيب السور لأوضحت ما أشرت إليه مما لم أسبق إليه، ولعل الله سبحانه ييسر ذلك فيما باليد من التفسير نفع الله به ويسر فيه، فلما انطوت هذه السورة على ما ذكرنا وبان فيها عظيم الرحمة في تكرر القصص وشفع العظات، وظهرت حجة الله على الخلق، وكان ذلك من أعظم ألطافه تعالى لمن يسره لتدبر القرآن ووفقه لفهمه واعتباره، أردف ذلك سبحانه بالتنبيه على هذه النعمة فقال تبارك وتعالى {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان} وخص من أسمائه الحسنى هذا الاسم إشعاراً برحمته بالكتاب وعظيم إحسانه به {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تفسير : [إبراهيم: 34] ثم قد تمهد أن سورة القمر إعذار ومن أين للعباد بجميل هذا اللطف وعظيم هذا الحلم حتى يرادوا إلى بسط الدلالات وإيضاح البينات إن تعذر إليهم زيادة في البلاغ، فأنبأ تعالى أن هذا رحمة فقال {الرحمن علم القرآن} ثم إذا تأملت سورة القمر وجدت خطابها وإعذارها خاصاً ببني آدم بل بمشركي العرب منهم فقط، فاتبعت سورة القمر بسورة الرحمن تنبيهاً للثقلين وإعذاراً إليهم وتقريراً للجنسين على ما أودع سبحانه في العالم من العجائب والبراهين الساطعة فتكرر فيها التقرير والتنبيه بقوله تعالى: {فبأيّ آلاء ربكما تكذبان} خطاباً للجنسين وإعذاراً للثقلين فبان اتصالها بسورة القمر أشد البيان - انتهى. ولما كان كأنه قيل: كيف علمه وهو صفة من صفاته ولمن علمه، قال مستأنفاً أو معللاً: {خلق الإنسان *} أي قدره وأوجده على هذا الشكل المعروف والتركيب الموصوف منفصلاً عن جميع الجمادات وأصله منها ثم عن سائر الناميات ثم عن غيره من الحيوانات، وجعله أصنافاً، وفصل بين كل قوم بلسانهم عمن عداهم وخلقه لهم دليل على خلقه لكل شيء موجود{أية : إنا كل شيء خلقناه بقدر}تفسير : [القمر: 49] والإنسان وإن كان اسم جنس لكن أحقهم بالإرادة بهذا أولهم وهو آدم عليه السلام، وإرادته - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما - لا تمنع إرادة الجنس من حيث هو. ولما كان كأنه قيل: فكان ماذا بخلقه، قال: {علمه البيان *} وهو القوة الناطقة، وهي الإدراك للأمور الكلية والجزئية والحكم الحاضر والغائب بقياسه على الحاضرة تارة بالتوسم وأخرى بالحساب ومرة بالعيافة والزجر وطوراً بالنظر في الآفاق وغير ذلك من الأمور مع التمييز بين الحسن والقبيح وغير ذلك ما أدعه سبحانه وتعالى له مع تعبيره عما أدركه بما هو غائب في ضميره وإفهامه للغير تارة بالقول وتارة بالفعل نطقاً وكتابة وإشارة وغيرها، فصار بذلك ذا قدرة على الكمال في نفسه والتكميل لغيره، فهذا تعليم البيان الذي مكن من تعليم القرآن، وهذا وإن كان سبحانه جبلنا عليه وخلقناه به قد صار عندنا مألوفاً ومشهوراً معروفاً، فهو عند غيرنا على غير ذلك مما أوضحه لنا سبحانه نعمة علينا بمحاجته لملائكته الكرام عن نبينا آدم عليه الصلاة والسلام وما أبدى لهم من علمه وبهرهم من رسم كل شيء بمعناه واسمه. ولما بين سبحانه النعمة في تعليم القرآن الذي هو حياة الأرواح، وبين الطريق فيها، دل على البيان بذكر البينات التي يجمعها أمر ويفرقها آخر، ولها مدخل في حياة الأشباح، وعددها على سبيل الامتنان بياناً لأنها من أكبر النعم فقال في جواب من قال: ما بيانه؟ بادئاً بالكوكب الأعظم الذي هو أعظم نوراً وأكبر جرماً وأعم نفعاً ليكون خضوعه لقبول الآثار أدل على خضوع غيره بياناً لحكمته في تدبيره وقوته في تقديره: {الشمس} وهي آية النهار {والقمر} وهو آية الليل اللذان كان بهما البيان الإبراهيمي، ولعله بدأ لهذه الأمة بغاية بيانه عليه الصلاة والسلام تشريفاً لها بالإشارة إلى علو أفهامها {بحسبان *} أي جريهما، يجري كل منهما - مع اشتراكهما في أنهما كوكبان سماويان - بحساب عظيم جداً لا تكاد توصف جلالته في دقته وكثرة سعته وعظم ما يتفرع عليه من المنافع الدينية ولدنيوية، ومن عظم هذا الحساب الذي أفادته صيغة الفعلان أنه على نهج واحد لا يتعداه، تعلم به الأعوام والشهور والأيام والساعات والدقائق والفصول في منازل معلومة، ويعرف موضع كل منهما في الآفاق العلوية وما يحدث له وما يتأثر عنه في الكوائن السفلية بحيث أن به انتظام غالب الأمور السفلية إلى غير ذلك من الأمور التي خلقهما الله عليها ولها، وبين الإنسان وبين كل منهما من المسافات ما لا يعلمه على التحرير إلا العليم الخبير، وهذا على تطاول الأيام والدهور لا يختل ذرة دلالة على أن صانعه قيوم لا يغفل، ثم بعد هذا الحساب المستجد والحساب الأعظم الذي قدر لتكوير الشمس وانكدار القمر دلالة على أنه فاعل بالاختيار مع ما أفاد ذلك من تعاقب الملوين تارة بالاعتدال وتارة بالزيادة وأخرى بالنقص، وغير ذلك من الأمور في لطائف المقدور. ولما كان سيرهما على هذا المنهاج مع ما لهما فيه من الدؤب فيه بالتغير والتنقل طاعة منهما لمدبرهما ومبدعهما ومسيرهما، وكان خضوعهما - وهما النيران الأعظمان - دالاً على خضوع ما دونهما من الكواكب بطريق الأولى، كان ذكرهما مغنياً عن ذكر ما عداهما بخصوصه، فأتبعهما حضور ما هو للأرض كالكواكب للسماء في الزينة والنفع والضر والصغر والكبر والكثرة والقلة من النبات مقدماً صغاره لعموم نفعه وعظيم وقعه بأن من أكثر الأقوات لجميع الحيوان والملابس من القطن والكتان وغير ذلك من عجيب الشأن، معبراً بما يصلح لبقية الكواكب فقال: {والنجم} أي وجميع الكواكب السماوية وكل نبت ارتفع من الأرض ولا ساق له من النبات الأرضية التي هي أصل قوام الإنسان وسائر الحيوان {والشجر} وكل ما له ساق ويتفكه به أو يقتات {يسجدان *} أي يخضعان وينقادان لما يراد منهما ويذلان للانتفاع بهما انقياد الساجد من العقلاء لما أمر به بجريهما لما سخرا له وطاعتهما لما قدرا فيه غير إباء على تجدد الأوقات من نمو في النبات ووقوف واخضرار ويبس وإثمار وعطل، لا يقدر النجم أن يعلو إلى رتبة الشجرة ولا الشجرة أن يسفل إلى وهدة النجم إلى غير ذلك مما صرفنا فيه من سجود الظلال ودوران الجبال والمثال مما يدل على وحدانية الصانع وفعله بالاختيار، ونفي الطبائع، ومن تسيير في الكواكب وتدبير في المنافع في الحر والبرد اللذين جعل سبحانه بهما الاعتدال في النبات من الفواكهة والأقوات، وغير ذلك من وجود الانتفاعات. ولما كان تغير ما تقدم من الشمس والقمر والنجم والشجر يدل دلالة واضحة على أنه سبحانه هو المؤثر فيه، وكانت السماء والأرض ثابتتين على حالة واحدة، فكان ربما أشكل أمرهما كما ضل فيهما خلق من أهل الوحدة أهل الجمود والاغترار والوقوف مع الشاهد وغيرهم، وكان إذا ثبت أنه تعالى المؤثر فيهما، فلذلك قال مسنداً التأثير فيهما إليه بعد أن أعرى ما قبلهما من مثله لما أغنى عنه من الدلالة بالتغير والسير والتنقل عطفاً على ما تقديره: وهو الذي دبر ذلك: {والسماء رفعها} أي حساً بعد أن كانت ملتصقة بالأرض ففتقها منها وأعلاها عنها بما يشهد لذلك من العقل عند كل من له تأمل في أن كل جسم ثقيل ما رفعه عما تحته إلا رافع، ولا رافع لهذه إلا الله فإنه لا يقدر على التأثير غيره، ولعظمها قدمها على الفعل تنبيهاً على التفكر فيما فيها من جلالة الصنائع وأنواع البدائع، ومعنى بأنه جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه. ولما كانت السماء مع علوها الدال على عزة موجدها ومدبرها دالة على عدله باعتدال جميع أحوالها من الحر والبرد والمطر والثلج والندى والطل وغير ذلك في أن كل فصل منها معادل لضده وأنها لا ينزلها سبحانه إلا بقدر معلوم، وإلا لفسدت الأرض كلها، ودلنا على أنه شرع لنا مثل ذلك العدل لتقوم أحوالنا وتصلح أقوالنا وأفعالنا بما قامت به السماوات والأرض فقال: {ووضع الميزان *} أي العدل الذي بدر به الخافقين من الموازنة وهي المعادلة لتنتظم أمورنا. ولما ذكر أولاً القرآن الذي هو ميزان المعلومات، ودل على رحمانيته بأنواع من البيان، الذي رقي به الإنسان فصار أهلاً للفهم، وذكره نعمة الميزان للمحسوسات، أقبل بالخطاب عليه لافتاً له عن أسلوب الغيبة تنشيطاً له إلى ارتقاء مراتب الكمال بحسن الامتثال معللاً فقال: {أن} أي لأن {لا تطغوا} أي لا تتجاوزا الحدود {في الميزان *} أي الأشياء الموزونة من الموزونات المعروفة والعلم والعمل المقدر أحدهما بالآخر، وفي مساواة الظاهر والباطن والقول والفعل، فالميزان الثاني عام لميزان المعلومات وميزان المحسوسات. ولما كان التقدير: فاقتدوا بأفعالي وتخلقوا بكل ما آمر به من أقوالي، عطف عليه قوله: {وأقيموا الوزن*} أي جميع الأفعال التي يقاس لها الأشياء {بالقسط}. ولما كان المراد العدل العظيم، بينه بالتأكيد بعد الأمر بالنهي عن الضد فقال: {ولا تخسروا الميزان *} أي توقعوا في شيء من آلة العدل التي يقدر بها الأشياء من الذرع والوزن والعدل والكيل ونحو - نوعاً من أنواع الخسر - بما دل عليه تجريد الفعل فتخسروا ميزان أعمالكم وجزائكم يوم القيامة، وقد علم بتكرير الميزان ما أريد من التأكيد في الأمر به لما له من الضخامة سواء كان بمعنى واحد أو بمعان مختلفة. ولما ذكر إنعامه الدال على اقتداره برفع السماء، ذكر على ذلك الوجه مقابلها بعد أن وسط بينهما ما قامتا به من العدل تنبيهاً على شدة العناية والاهتمام به فقال: {والأرض} أي ووضع الأرض: ثم فسر ناصبها ليكون كالمذكور مرتين إشارة إلى عظيم تدبيره لشدة ما فيه من الحكم فقال: {وضعها} أي دحاها وبسطها على الماء {للأنام *} أي كل من فيه قابلية النوم أو قابلية الونيم وهو الصوت بعد أن وضع لهم الميزان الذي لا تقوم الأرض إلا به.

السيوطي

تفسير : أخرج النحاس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ نزلت سورة الرحمن بمكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال‏:‏ أنزل بمكة سورة الرحمن‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ نزلت سورة الرحمن بمكة‏.‏ وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ نزلت سورة الرحمن بالمدينة‏.‏ وأخرج أحمد وابن مردويه بسند حسن عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يسمعون ‏ {‏فبأي آلاء ربكما تكذبان‏}‏‏ . وأخرج الترمذي وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال‏:‏ ما لي أراكم سكوتاً لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله ‏{‏فبأيّ آلاء ربكما تكذبان‏}‏ قالوا‏:‏ ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والدارقطني في الأفراد وابن مردويه والخطيب في تاريخه بسند صحيح عن ابن عمر ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن على أصحابه، فسكتوا فقال‏: ما لي أسمع الجن أحسن جواباً لربها منكم‏؟‏ ما أتيت على قول الله ‏{‏فبأيّ آلاء ربكما تكذبان‏}‏ الا قالوا‏:‏ "لا شيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن علي‏ّ:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏لكل شيء عروس وعروس القرآن الرحمن ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن فاطمة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : قارىء الحديد ‏و{‏إذا وقعت الواقعة‏}‏ والرحمن يدعى في ملكوت السموات والأرض ساكن الفردوس‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن ابن زيد رضي الله عنه قال‏:‏ كان أول مفصل ابن مسعود الرحمن‏.‏ وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً قال له‏:‏ إني قد قرأت المفصل في ركعة، فقال‏:‏ أهذا كهذا الشعر، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ النظائر سورتين في ركعة، الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت وإن في ركعة، وعم والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة‏. وأخرج الحاكم في التاريخ والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بتسع ركعات، فلما أسنّ وثقل أوتر بسبع فصلى ركعتين وهو جالس فقرأ فيهما الرحمن والواقعة‏. وأخرج ابن حبان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن فخرجت إلى المسجد عشية، فجلس إليّ رهط، فقلت لرجل‏:‏ اقرأ عليّ، فإذا هو يقرأ حروفاً لا أقرؤها، فقلت‏:‏ من أقرأك‏؟‏ قال‏:‏ اقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقنا حتى وقفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت‏:‏ اختلفنا في قراءتنا فإذا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تغيير ووجد في نفسه حين ذكر الاختلاف، فقال‏:‏ ‏‏إنما هلك من قبلكم بالاختلاف". فأمر علياً فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم، فإنما هلك من قبلكم بالاختلاف، قال‏:‏ فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حرفاً لا يقرؤه صاحبه‏. قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏الرحمن علم القرآن‏} ‏ الآيات‏.‏ أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏خلق الإِنسان علمه البيان‏} ‏ قال‏:‏ آدم ‏{‏علمه البيان‏}‏ قال‏:‏ بين له سبيل الهدى وسبيل الضلالة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏الرحمن علم القرآن‏}‏ قال‏:‏ نعمة الله عظيمة ‏{‏خلق الإِنسان‏} ‏ قال‏:‏ آدم ‏ {‏علمه البيان‏}‏ قال‏:‏ علمه الله بيان الدنيا والآخرة، بين حلاله وحرامه ليحتج بذلك عليه، ولله الحجة على عباده وفي قوله ‏{‏الشمس والقمر بحسبان‏}‏ إلى أجل بحساب‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏الشمس والقمر بحسبان‏} ‏ قال‏:‏ بحساب ومنازل يرسلان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه ‏ {‏الشمس والقمر بحسبان‏} ‏ قال‏:‏ عليهما حساب وأجل كأجل الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا‏. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس رضي الله عنه ‏ {‏الشمس والقمر بحسبان‏} ‏ قال‏:‏ يجريان بحساب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏الشمس والقمر بحسبان‏} ‏ قال‏:‏ بقدر يجريان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏الشمس والقمر} ‏ قال‏:‏ يدوران في مثل قطب الرحى‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبي رزين والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ‏{‏والنجم والشجر يسجدان‏}‏ قال‏:‏ النجم ما انبسط على الأرض والشجر ما كان على ساق‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي رزين في قوله ‏ {‏والنجم والشجر يسجدان‏}‏ قال‏:‏ النجم ما ذهب فرشاً على الأرض ليس له ساق، والشجر ما كان له ساق ‏{‏يسجدان‏}‏ قال‏:‏ ظلهما سجودهما‏.‏ وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏{‏والنجم والشجر يسجدان‏} ‏ ما النجم‏؟‏ قال‏:‏ ما أنجمت الأرض مما لا يقوم على ساق فإذا قام على ساق، فهي شجرة‏.‏ قال صفوان بن أسد التميمي‏: شعر : لقد أنجم القاع الكبير عضاته وتم به حيّا تميم ووائل تفسير : وقال زهير بن أبي سلمى‏:‏ شعر : مكلل بأصول النجم تنسجه ريح الجنوب كضاحي ما به حبك تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏والنجم والشجر يسجدان‏} ‏ قال‏:‏ النجم نجم السماء، والشجر الشجرة يسجد بكرة وعشية‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏ووضع الميزان‏}‏ قال‏:‏ العدل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ألا تطغوا في الميزان‏} ‏ قال‏:‏ اعدل يا ابن آدم كما تحب أن يعدل عليك وَأَوْفِ كما تحب أن يُوفَى لك، فإن العدل يصلح الناس‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى رجلاً يزن قد أرجح، فقال‏:‏ أقم اللسان كما قال الله ‏ {‏وأقيموا الوزن بالقسط‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏وأقيموا الوزن بالقسط‏}‏ قال‏:‏ اللسان‏. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏والأرض وضعها للأنام‏} ‏ قال‏:‏ للناس‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏والأرض وضعها للأنام‏} ‏ قال‏:‏ للخلق‏.‏ وأخرج الطستي والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏ {‏وضعها للأنام‏}‏ قال‏:‏ الأنام الخلق، وهم ألف أمة ستمائة في البحر وأربعمائة في البر‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت لبيداً وهو يقول‏: شعر : فإن تسألينا ممّ نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسخر تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏وضعها للأنام‏} ‏ قال‏:‏ كل شيء فيه روح‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ‏{‏والأرض وضعها للأنام‏}‏ قال‏:‏ كل شيء يدب على الأرض‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏والأرض وضعها للأنام‏} ‏ قال‏:‏ للخلق الجن والإِنس‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏والنخل ذات الأكمام‏} ‏ قال‏:‏ أوعية الطلع‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏والحب ذو العصف‏}‏ قال‏:‏ ورق الحنطة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال‏:‏ الحب الحنطة والشعير، والعصف القشر الذي يكون على الحب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏والحب ذو العصف‏}‏ قال‏:‏ التبن ‏ {‏والريحان‏}‏ قال‏:‏ خضرة الزرع‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ العصف ورق الزرع إذا يبس، والريحان ما أنبتت الأرض من الريحان الذي يشم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ العصف الزرع أول ما يخرج بقلاً، والريحان حين يستوي على سوقه ولم يسنبل‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ كل ريحان في القرآن فهو الرزق‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي صالح في قوله ‏{‏والحب ذو العصف‏}‏ قال‏:‏ العصف أول ما ينبت‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد ‏ {‏والريحان‏} ‏ قال‏:‏ الرزق‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ‏ {‏والريحان‏} ‏ قال‏:‏ الرزق والطعام‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ‏{‏والريحان‏} ‏ قال‏:‏ الرياحين التي يوجد ريحها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الحسن ‏ {‏والريحان‏} ‏ قال‏:‏ ريحانكم هذا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فبأيّ آلاء ربكما تكذبان‏} ‏ قال‏:‏ بأيّ نعمة الله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏فبأيّ آلاء ربكما تكذبان‏}‏ يعني الجن والإِنس، والله أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية، أو مدنية أو متبعضة وآيُها ثمان وسبعون لَمَّا عدَّدَ في السورةِ السابقةِ ما نزلَ بالأممِ السالفةِ من ضروبِ نقمِ الله عزَّ وجلَّ وبـيّن عَقيبَ كلِّ ضربٍ منَها أنَّ القرآنَ قدْ يُسِّرِ لحملِ النَّاسِ عَلى التذكرِ والاتعاظِ ونَعَى عليهم إعراضَهُم عن ذلكَ عدَّدَ في هذه السورةِ الكريمةِ ما أفاضَ على كافَّةِ الأنامِ من فنونِ نِعَمِه الدينيةِ والدنيويةِ الأنفسيةِ والآفاقيةِ، وأنكرَ عليهم إِثْرَ كلِّ فنٍ منها إخلالَهُم بمواجبِ شُكرِها، وبُدىءَ بتعليمِ القُرآنِ فقيلَ: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ} لأنَّ أعظمُ النعمِ شأناً وأرفعُها مكاناً كيفَ لا وهُو مدارٌ للسعادةِ الدينيةِ والدنيويةِ عيارٌ على سائرِ الكتبِ السماويةِ، ما منْ مرصدٍ يرنُو إليه أحداقُ الأممِ إلا وهُو منشؤُه ومناطُه، ولا مقصدٍ يمتدُّ إليه أعناقُ الهممِ إلا وهُو منهجُه وصراطُه، وإسنادُ تعليمِه إلى اسمِ الرَّحمنِ للإيذانِ بأنَّه من آثارِ الرحمةِ الواسعةِ وأحكامِها، وقد اقتُصرَ على ذكرِه تنبـيهاً على أصالتِه وجلالةِ قدرِه، ثمَّ قيلَ: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} تعيـيناً للمعلَّم وتبـيـيناً لكيفيةِ التعليمِ، والمرادُ بخلقِ الإنسانِ إنشاؤُه على ما هُو عليه منَ القُوى الظاهرةِ والباطنةِ، والبـيانُ هو التعبـيرُ عمَّا في الضميرِ وليسَ المرادُ بتعليمِه مجردَ تمكينِ الإنسانِ من بـيانِ نفسِه بل منْهُ ومنْ فهمِ بـيانِ غيرِه أيضاً إذْ هُو الذي يدورُ عليه تعليمُ القُرآنِ. والجملُ الثلاثُ أخبارٌ مترادفةٌ للرَّحمنُ، وإخلاءُ الأخيرتينِ عن العاطفِ لورودِها على منهاجِ التعديدِ. {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أي يجريانِ بحسابٍ مقدرٍ في بروجِهما ومنازلِهما بحيثُ ينتظمُ بذلكَ أمورُ الكائناتِ السفلية وتختلفُ الفصولُ والأوقاتُ وتُعلمُ السنونَ والحسابُ.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: علم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة وعلم محمداً القرآن وعرضه على نفسه فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى يعنى الملائكة. وقال بعضهم: علم الروح القرآن قبل الجسد، فالأجساد أخذت القرآن وتعلمته تبعاً للأرواح. قال الواسطى رحمة الله عليه: أورثهم تعليم الحق إياهم الاصطفائية وهو أنه لما كان الحق معهم أجيز عنهم فقال: {أية : أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [فاطر: 32] أى أورثنا القرآن من خصصناهم بتعليمنا ومن ذلك قوله: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ} تفسير : [الإسراء: 30] بأن تولى الحق تعليمهم. وقال أيضاً: {ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} ذكر بلفظ الماضى عناية ودعاية. وقال ابن عطاء: لما قال الله تعالى: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة: 31] أراد أن يخص أمة محمد صلى الله عليه وسلم بخاصية مثله فقال: {ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} أى الذى علم آدم الأسماء وفضّله لها على الملائكة هو الذى علمهم القرآن وفضلكم به على سائر الأمم فقيل له: متى علمهم؟ قال: علمهم حقيقة فى الأزل وأظهر عليهم تعليمه وقت الإيجاد والتعليم حيث كان فى جملة العلم فلما كشف العلم عن الإيجاد أظهر عليهم آثار التعليم. قال الحسين: الرحمن علّم الأرواح القرآن شفاهاً ومخاطبة فأخذته الأنفس وتعلمته بتلقين الوسائط. وقال بعضهم فى قوله: {ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} هو تفسير قوله: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}تفسير : [النساء: 113].

القشيري

تفسير : أي الرحمن الذي عَرَفَه الموحِّدون وجَحَدَه الكافرون هو الذي علَّم القرآن. ويقال: الرحمن الذي رحمهم، وعن الشِّرك عَصَمَهم، وبالإيمان أكرمهم، وكلمةَ التقوى ألزمهم - هو الذي عرَّفهم بالقرآن وعلَّمهم. ويقال: انفرد الحقُّ بتعليم القرآن لعِباده. ويقال: أجرى اللَّهُ سُنَّتَه أنه إذا أعطى نبينا صلى الله عليه وسلم شيئاً أَشْرَكَ أُمتَّه فيه على ما يليق بصفاتهم؛ فلمَّا قال له (صلى الله عليه وسلم): {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}تفسير : [النساء: 113]. قال لأمته: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}. ويقال: علَّم الله آدمَ الأسماءَ كلَّها ثم أمره بِعَرْضها على الملائكة وذكر آدمُ ذلك لهم - قال تعالى: {أية : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ}تفسير : [البقرة: 31] يا آدم، وعلَّمَ (نبيُّنا صلى الله عليه وسلم) المسلمين القرآنَ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، والمُصَلِّي مُناجٍ ربه" تفسير : قال لآدم: أُذْكُرْ ما علَّمْتُكَ للملائكة. وقال لنا: ناجِنِي يا عبدي بما عَلَّمْتُك. وقد يُلاطَفُ مع أولاد الخَدم بما لا يُلاطَفُ به آباؤهم. ويقال: لمَّا علَّم آدمَ أسماء المخلوقاتِ قال له: أَخْبِرْ الملائكة بذلك، وعلَّمَنَا كلامَه وأسماءَه فقال: اقْرَأوا عليَّ وخاطِبوا به معي. ويقال: علَّم الأرواحَ القرآن - قَبْلَ تركيبها في الأجساد بلا واسطة، والصبيانُ إنما يُعَلَّمُونَ القرآن - في حالِ صِغَرِهم - قبل أَنْ عَرَفَتْ أرواحُنا أحداً، أو سَمِعْنا من أحدٍ شيئاً..علَّمَنَا أسماءَه: شعر : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادَفَ قلبي فارغاً فَتَمَكَّنا تفسير : ويقال: سقياً لأيامٍ مضت - وهو يُعلِّمنا القرآن. ويقال: برحمته علّمَهم القرآن؛ فبرحمته وصلوا إلى القرآن - لا بقراءة القرآن يَصِلُون إلى رحمته.

البقلي

تفسير : {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} بين ههنا فضل محمد صلى الله عليه وسلم على أدم عليه الصلاة والسلام حيث علم ادم سماه وعلم محمد صلى الله عليه وسلم صفاته اذا الصفات لا تخلوا من الاسماء والاسماء تنبئ عن الصفات والذات وفيه بيان انه بذاته سبحانه خاطبه بالقرأن شفاها عند كشف لقائه له كفاحا وليس من يعلم منه بلا واسطة كن تعلم بواسطة فاذا اراد تعليم ارواح الانبياء والاولياء حين اوجدها البسها نور امن نوره وبصر امن ابصاره وشمعا من اسماعه وعقلا من علمه ثم علمها صفاته بما خاطبها من كلامه الازلى حيث لا وسائل ولا وسائط وليس من علمه الحق برسم الارواح كن علمه المعلمون برسم الاشباح لا هناك علمهم بلا ألة الحدثية ولا علة المخلوقية بل كان خطابا بنعت ظهور الصفة وسماعا بلا واسطة فهموا من كلامه ما استر من حقايقه على فهوم اهل الرسوم من العلماء قال بعضهم علم أدم الاسماء ثم عرضهم على الملائكة وعلم محمد صلى الله عليه وسلم القرأن وعرضه على نفسه فقال فيهم يختصم الملأ الا على وقال بعضهم علم الروح القرأن قبل الجسد فالاجساد اخذت القرأن وتعلمته تبعا للارواح قال الواسطى اورثهم تعليم الحق اياهم الاصطفائية وهو انه لما كان الحق تعلمهم اخبر عنهم فقال اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا اى وارثنا القرأن من خصصنا هم بتعليمنا ومن ذلك قوله ولقد كرمنا بنى ادم بان تولى الحق تعليمهم وقال ايضا ذكر بلفظ الماضى عناية ورعاية قال ابن عطا لما قال الله تعالى وعلم أدم الاسماء كلها اراد ان يخص امته محمد صلى الله عليه وسلم بخاصيته مثل فقال الرحمن علم القرأن اى الذى عم أدم الاسماء وفضله بها على الملائكة هو الذى علمكم القرأن وفضلكم به على سائر الامم فقيل له متى علمهم حقيقة فى الازل واظهر لهم تعليمه وقت لايجاده فالتعليم حيث كان فى تجملة العلم فلما كشف العلم عن الايجاد اظهر عليهم اثار التعليم قال الحسين الرحمن علم الارواح القرأن شفاها ومخاطبة فاخذتها الانفس وتعلمها بتقلين الوسايط.

اسماعيل حقي

تفسير : {الرحمن} مبتدأ خبره مابعده اى الذى له الرحمة الكاملة كما جاء فى بعض الدعاء رحمان الدنيا ورحيم الآخرة لانه عم الرزق فى الدنيا كما قيل شعر : اديم زمين سفره عام اوست برين خوان يغما جه دشمن جه دوست تفسير : وخص المؤمنين بالعفو فى الآخرة وبالفارسية خداوند بخشايش بسياركه رحمت او همه جيز را رسيده، والرحمة فى الحقيقة العف والحنوا عنى الميل الروحانى ومنه الرحم لانعطافها الحسى على مافيها وأريد بها بالنسبة الى الله تعالى ارادة الخير والانعام لان عطف على احد اصابه بأحدهما قال الامام الغزالى رحمه الله الرحمن هو العطوف على العباد بالايجاد اولا وبالهداية الى الايمان واسباب السعادة ثانياً والاسعاد بالآخرة ثالثا والانعام بالنظر الى وجه الكريم رابعا انتهى ولما كانت هذه السورة الكاملة شاملة لتعداد النعم الدنيوية والاخروية والجسمانية والروحانية طرزها بطراز اسم الرحمن الذى هو اسم الذات المشتمل على جميع الاسماء والصفات ليسند اليه النعم المختلفة بعده ولما كان القرءآن اعظم النعم شأنا لانه مدار جميع السعادات ولذا قال عليه السلام "حديث : اشراف امتى حملة القرءآن"تفسير : اى ملازموا قرآءته واصحاب الليل وقال "حديث : خيركم من تعلم القرءآن وعلمه"تفسير : وفيه جميع حقائق الكتب السماوية وكان تعليمه من آثار الرحمة الواسعة واحكامها بدأبه فقال {علم} محمد صلى الله عليه وسلم {القرءآن} بواسطة جبريل عليه السلام وبواسطة محمد عليه السلام غيره من الامة (قال الكاشفى) يعنى آسان كردانيده مر اوارا آموختن وديكرا انرا آموزانيدن، قال ابن عطاء رحمه الله لما قال الله تعالى {أية : وعلم آدم الآسماء كلها}تفسير : أراد ان يخص امة محمد بخاصة مثله فقال {الرحمن علم القرءآن} اى الذى علم آدم الاسماء وفضله بها على الملائكة هو الذى علمكم القرءآن وفضلكم به على سائر الامم فقيل له متى علمهم قال علمهم حقيقة فى الازل واظهر لهم تعليمه وقت الايجاد وفيه اشارة الى أن تعليم القرءآن وان كان فى الصورة بواسطة جبريل من الوجه العام لكنه كان بلا واسطة فى المعنى من الوجه الخاص على ماسنريد وضوحا فى محله ان شاء الله تعالى وقال بعضهم {علم القرءآن} اى أعطى الاستعداد الكامل فى الازل لجميع المستعدين ولذلك قال {علم القرءآن} ولم يقل علم الفرقان كما فى قوله تعالى {أية : تبارك الذى نزل الفرقان}تفسير : فان الكلام الالهى قرءآن باعتبار الجمع والبداية وفرقان باعتبار الفرق والنهاية فهو بهذا المعنى لايتوقف على خلق الانسان وظهوره فى هذا العالم وانما الموقوف عليه تعليم البيان ولذا قدم تعليم القرءآن على خلق الانسان وخلقه على تعليم البيان انتهى وفى الآية اشارة الى أن التعليم والتسهيل انما هو من الله تعالىلا من المعلمين الحافظين وقد علم آدم الاسماء ووفقه لتعلمها وسهله باذنه وعلم داود صنعة الدرع كما قال وعلمناه صنعة لبوس لكم وعلم عيسى علم الطب كما قال {أية : ويعلمه الكتاب والحكمة} تفسير : وعلم الخضر العلم اللدنى ما قال {أية : وعلمناه من لدنا علما}تفسير : وعلم نبينا عليه السلام القرءآن واسرار الألوهية كما قال {أية : وعلمك مالم تكن تعلم}تفسير : وعلم الانسان البيان قال فى فتح الرحمن ومن الدليل على ان القرءآن غير مخلوق ان الله تعالى ذكره فى كتابه العزيز فى اربعة وخمسين موضعا مافيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق ولا أشار اليه وذكر الانسان فى ثمانية عشر موضعا كلها يدل على خلقه وقد اقترنا فى هذه السورة على هذا النحو قاله المولى ابو السعود رحمه الله ثم قيل {خلق الانسان علمه البيان} تبيينا للمعلم وكيفية التعليم والمراد بخلق الانسان انشاؤه على ماهو عليه من القوى الظاهرة والباطنة والبيان هو التعبير عما فى الضمير قال الراغب البيان الكشف عن الشىء وهو أعم من النطق لان النطق مختص بالانسان وسمى الكلام بيانا لكشفه عن المعنى المقصود واظهاره انتهى وليس المراد بتعليمه مجرد تمكين الانسان من بيان نفسه بل منه ومن فهم بيان غيره ايضا اذ هو الذى يدور عليه تعليم القرءآن والمراد به جنس الانسان الشامل لجميع اصنافه وافراده وفى بحر العلوم خلق الانسان اى آدم وعلمه الاسماء واللغات كلها وكان آدم يتكلم بسبعمائة الف لغة افضلها العربية انتهى. يقول الفقير فيه اشارة الى ان الله تعالى قد تكلم بجميع اللغات سوآء كان التعليم بواسطة ام لا فان قلت كيف يتكلم الله باللغات المختلفة والكلام النفسى عار عن جميع الاكسية قلت نعم ولكنه فى مراتب التنزيلات والاسترسالات لابد له من الكسوة فالعربية مثلا كسوة عارضة بالنسبة الى الكلام فى نفسه وقد ذقنا فى انفسنا انه يجيىء الالهام والخطاب تارة باللفظ العربى واخرى بالفارسى وبالتركى مع كونه بلا واسطة ملك لان الاخذ عن الله لاينقطع الا يوم القيامة وذلك بلا واسطة وان كان الغالب واسطة الملك من حيث لايرى فاعرف ذلك

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {الرحمنُ علَّمَ القرآنَ} عدّد في هذه الصورة الكريمة ما أفاض على كافة الأنام من فنون نِعمه الدينية والدنيوية، الأنفسية والآفاقية، وأنكر عليهم إثر كل منها إخلالهم بموجب شكرها، وبدأ بتعليم القرآن؛ لأنه أعظمها شأناً، وأرفعها مكاناً، كيف لا وهو مدار السعادة الدينية والدنيوية؟ وإسناد تعليم القرآن إلى اسم "ٱلرَّحْمَـٰن" للإيذان بأنه من آثار الرحمة الواسعة وأحكامها. ثم ثنَّى بنعمة الإيمان، فقال: {خَلَقَ الإِنسانَ} أي: جنس الإنسان، أو آدم، أو محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بخلقه: إنشاؤه على ما هو عليه من القُوى الظاهرة والباطنة. {علَّمه البيانَ} وهو المنطق الفصيح، المُعْرِب عما في الضمير، وليس المراد بتعليمه: تمكينه من بيان ما في نفسه، بل منه ومِن فهم بيان غيره، إذ هو الذي يدور عليه التعليم. وأَخَّر ذِكر خلق الإنسان عن تعليم القرآن؛ ليعلم إنما خلقه للدين، وليُحيط علماً بوحي الله وكُتبه، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان، وهو البيان والإفصاح عما في الضمير. والجمل الثلاث أخبار مترادفة للرحمن، وإخلاء الأخيرتين عن العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزّك بعد ذلك، كثَّرك بعد قِلَّة، فعل بك ما لم يفعل أحدٌ بأحدٍ، فما تُنكر من إحسانه؟. ثم ذكر النِعَم الآفاقية، فقال: {الشمسُ والقمرُ بحُسْبَانٍ} أي: يجريان بحساب معلوم، وتقدير سويِّ، في بُروجهما ومنازلهما، بحيث ينتظم بذلك أمور الكائنات السفلية، وتختلف الفصول والأوقات، ويُعلم منها عدد السنين والحساب، ولو كان الدهر كله نهاراً أو ليلاً لبطلت هذه الحكمة، ولم يَدْر أحدٌ كيف يحسب شيئاً، ولاختلّ نظام العالم بالكلية، وقال مجاهد: (بحُسْبان) كحسبان الرحا، يدوران في مثل قطب الرحا، وهو مُؤيِّدٌ لأهل التنجيم. قال بعضهم: إنَّ الشمس قدر الدنيا مائة وعشرون مرة، لأجل ذلك أن الإنسان يجدها قبالته حيث صار. وقال في شرح الوغليسية: إنَّ الشمس قدر الدنيا بمائة ونيف وستين مرة، والقمر قدر الدنيا ثمان مرات، ويُحيط بهما بصر أقل من حبة السمسم، الله أكبر وأعز وأعلا. هـ. ويقال: مكتوب في وجه الشمس: "لا إله إلا الله محمد رسول الله، خلق الشمس بقدرته، وأجراها بأمره" وفي وجه القمر مكتوب: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله، خالق الخير والشر بقدرته، يبتلي بهما مَن يشاء مِن خلقه، فطُوبى لمَن أجرى اللّهُ الخير على يديه، والويل لمَن أجرى اللّهُ الشر على يديه". {والنجمُ والشجرُ يسجدان} النجم: النبات الذي ينجم،أي: يطلع من الأرض ولا ساق له، كالبقول، والشجر: الذي له ساق. وقيل: {النجم}: نجوم السماء وسجودهما: انقيادهما لما يُراد منهما، شُبّها بالساجدين من المكلّفين في انقيادهما، واتصلت هاتان الجملتان بالرحمن بالوصل المعنويّ، لِما علم أنَّ الحُسبان حسبانه، والسجود له لا لغيره، كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له، ولم يذكر العاطف في الجُمل الأُولِ وجِيء به بعدُ؛ لأنّ الأُولَ وردت على سبيل التعديد كما تقدّم، ثم ردَّ الكلام إلى منهاجه في وصل ما يجب وصله؛ للتناسب والتقارب بالعطف وبيان التناسب: أنَّ الشمس والقمر سماويان، والنجم والشجر أرضيان، فعطف أحد المتقابلين على الآخر، وأيضاً: حُسبان الشمس والقمر نوع من الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر. ثم قال تعالى: {والسماءَ رفَعها} أي: خَلَقها مسموكةً مرفوعةً، حيث جعلها منشأ أحكامه، ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبّه بذلك على كبرياء شأنه، ومُلكه وسلطانه، {وَوَضَعَ الميزانَ} أي: كل ما يُوزن به الأشياء ويعرف مقاديرها، من ميزان، وقَرَسْطون، ومكيال، ومعيار، والقرسطون - بفتحتين: العدلة التي توزن بها الفضة، أي: خَلَقه موضعاً على الأرض من حيث علّق به أحكام العباد على التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم. وقيل: معنى الميزان، العدل، أي: شرع العدل وأمر به حتى يوفّى كل ذي حق حقه، حتى انتظم أمر العالم واستقام، كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : بالعدل قامت السماوات والأرض"تفسير : ، والعدل: ما حكمت به الشريعةُ المحمدية، من كتاب، وسُنة، وإجماع، وقياس. وأمر بذلك {ألاَّ تَطْغَوْا في الميزانِ} أي: لئلا تجوروا في الميزان بعد الإنصاف في حقوق العباد، فـ"أن" ناصبة، أو مُفَسِّرة، أو ناهية، {وأَقيموا الوزنَ بالقِسْطِ} وأقيموا أوزانكم بالعدل {ولا تُخْسِرُوا الميزانَ} ولا تنقصوه بالتطفيف، نهى عن الطغيان، الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران، الذي هو تطفيف ونقصان، وكرّر لفظ "الميزان" تشديداً للوصية، وتقويةً للأمر باستعماله الحثّ عليه. ولمّا ذكر نعمة الإمداد المعنوي، وهو مدد الأرواح، ذكر مددَ الأشباح، فقال: {والأرضَ وضعها} خفضها مدحوّة على الماء {للأنام} للخلق، وهو ما على وجه الأرض من دابة. وعن الحسن: الجن والإنس، فهي كالمهاد، يتصرفون فوقها. {فيها فاكهةٌ} ضروب مما يُتفكّه به، {والنخلُ ذاتُ الأكمام} وهي أوعية الثمر، واحدها: كِمٌّ، بكسر الكاف، أو: كلّ ما يَكُم، أي: يُغطّى، من ليفه وسعفه وكُفُرَّاه، والكُفرّ: وعاء الطَّلْعِ، وكله مُنتفع به، كما يُنتفع بالمكموم من ثمره وجُمّاره وجّذوعه. {والحبُّ ذو العَصْفِ} هو ورق الزرع، أو التبن، {والريحانُ} أي: الرزق وهو اللبّ، أي: فيها ما يتلذذ به، والجامع بين التلذُّذ والتغذّي، وهو تمر النخل، وما يتغذّى به فقط، وهو الحب المشتمل على علق الدواب ورزق العباد. وقرأ الأخَوان: (والريحانِ) بالجر، عطفاً على "العصف" والباقون بالرفع عطفاً على "الحب" على حذف مضاف، أي: وذو الريحان، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: معناه: وفيه الريحان الذي يُشم. وقرأ الشامي بنصب الجميع، أي: خلق الحب والريحان. {فَبأيّ آلاءِ رِّبكما} أي: نِعَمَه التي عَدَّدها من أول السورة، {تُكَذِّبان} والخطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله تعالى: {للأنام} وينطق به قوله: {أيه الثقلان} والفاء لترتيب الإنكار والتوبيخ على ما فصّل من فنون النعماء، وصنوف الآلاء، الموجبة للإيمان والشكر، والتعرُّض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية والتربية، مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد النكير وتشديد التوبيخ. ومعنى تكذيبهم آلائه تعالى: كفرهم بها، وإمّا بإنكار كونه نعمة في نفسه، كتعليم القرآن وما يستند إليه من النعم الدينية، وإمّا بإنكاره كونه من الله تعالى مع الاعتراف بكونه نعمة في نفسه، كالنعم الدنيوية الواصلة إليهم بإسناده إلى غيره تعالى، اشتراكاً أو استقلالاً، صريحاً أو دلالة، فإنَّ إشراكهم لآلهتهم معه تعالى في العبادة من دواعي إشراكهم لها به تعالى. انظر أبا السعود. أي: إذا كان الأمر كما فصّل فبأيّ فرد من أفراد نعمه تعالى تُكذِّبان، مع أنّ كُلاًّ منها ناطق بالحق، شاهد بالصدق؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أنَّ "الرحمن " من الأسماء الخاصة بالذات العلية، لا يُوصف به غيره تعالى، لا حقيقة ولا مجازاً؛ لأنها مقتضية لنعمة الإيجاد، ولا يصح مِن غيره، بخلاف "الرحيم" فإنه مقتضٍ لنعمة الإمداد، وقد يصح من غيره تعالى مجازاً، فلذلك يجوز أن يُوصف العبد بالرحيم، ولا يوصف بالرحمن، ثم إنَّ الرحمة المشتمل عليها الرحمن على قسمين: رحمة ذاتية لا تُفارق الذات، ورحمة صفاتية يقع بها الإمداد للخلق، فيرحَم بها مَنْ يشاء من عباده، وتسمى الرحمة الذاتية رحمانية، ولمَّا كانت لا تُفارق الذات وقع التعبير بها في الاستواء، فقال تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه: 5]، {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الفرقان: 59]، وإليه أشار في الحِكَم بقوله: يا مَن استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيباً في رحمانيته... الخ. وأما الرحمة الصفاتية، وهي التي يقع بها الإمداد، فتتنوع بتنوُّع الأسماء الحسنى، وهي تسعة وتسعون. أمّا الأسماء الجمالية فالرحمة فيها ظاهرة، وأمّا الأسماء الجلالية فالرحمة فيها: عدم انفكاك لطف الله عن قدره، والرحمة الذاتية هي المُوفية مائة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنّ اللّهَ تعالى خَلَقَ مائةَ رحمة، أَمسك عنده تسعةً وتسعين، وأنزل واحدةً إلى الدنيا، بها يتراحم الخلقُ"تفسير : الحديث، أو كما قال عليه السلام. ولمَّا كان القرآن من أجلّ النِعَم عبّر عن تعليمه بالرحمانية، التي هي من الصفات الخاصة؛ لأنّ القرآن مُظهر لأوصاف الذات وأسرارها وأفعالها، وكاشف لحقائقها، عند مَن فُتحت بصيرته. وقوله تعالى: {خَلَقَ الإِنسانَ} أي: أظهره من سر اللطافة إلى مظهر الكثافة جاهلاً به من جهة الجسمانية، ثم {علَّمه البيان} أي: بيان السير إلى معرفته، بأن ركّب فيه العقل المميز، ونَصَبَ له مظاهر يتعرّف بها، وبعث له دالاًّ يدله، ويُعلمه أسرار الربوبية وآداب العبودية، فلا يزال يُحاذيه، ويسير به حتى يستنير قمر توحيده، وتُشرق شمس عرفانه، وإليه الإشارة بقوله: {الشمس والقمر بُحسبان} أي: يجريان بحسب معلوم، في زيادة نور التوحيد ونقصانه، على حسب استعداد العبد وتوجهه. قال القشيري بعد كلام: وكذلك شموس المعارف، وأقمار العلوم - في طلوعها في أوْج القلوبِ والأسرار - في حكم الله تعالى وتقديره حسابٌ معلومٌ، يُجْريهما على ما سبق به الحُكْمُ. هـ. والنجم والشجر يسجدان، أي: ونجم نور العقل الطبيعي، وشجر الفكر الاعتباري يخضعان ويضمحلان عند سطوع شمس نهار العرفان، وأمَا نور العقل الوهبي، والفكر الاستبصاري، فيطويان الكونَ طيّاً؛ لانَّ نورهما مستمد من العقل الأكبر، وهو أول الفيض الإلهي، المتدفق من بحر الجبروت، وسماء الأرواح، رَفَعَا عن لوث عالم الأشباح، وهو محل شهود أسرار الذات وأنوار الصفات، وتجليات الأنبياء والرسل، فمَن ترقّى إليه لا تغيب عنه أرواح الأنبياء وذواتهم، فالمتجلي واحد. ووضع الميزان على النفوس الظلمانية، ألاَّ تَطْغَوا في الميزان، بتعديّ حدود الرياضة والمجاهدة، وأقيموا عليها الوزن بالقسط، ولا تُخسروا الميزان بإهمالها في هواها وحظوظها. والأرض، أي: أرض البشرية وضعها لقيام وظائف العبودية، التي رتّبها للأنام، فيها فاكهة العلوم الوهبية إن صفت، ونَخْل علوم الشريعة ذات الأكمام، وهي البراهين التي تستخرج بها مسائلها، فمَن وقف مع قشر الأكمام كان مقلِّداً. ومَن نفذ إلى لُبها كان مجتهداً منِ نِحريراً. وقال القشيري: {والنخلُ ذات الأكمام} من فواكه الوحدانيات المستورة عن الأغيار، المستورة عن غير أهلها. ثم قال: {والحب ذو العصف} من حبة المحبة الذاتية، غير القابلة للتغيُّر والاستبدلال، المشتملة على الأرزاق المكتنفة بالمعارف والحاقئق والحِكِم. هـ. والريحان هو قوت الأرواح من اليقين، أو نسيم الأذواق والوجدان، {فبأي آلاء ربكما تُكذّبان} أيها الثقلان، أو أيها النفس والروح؛ إذ كل منهما فاز بأمنيته، ووصل إلى نهاية ما اشتهاه، إذا عمل بما تقدّم، وأصغى بأُذن قلبه إلى ما عددناه. وبالله التوفيق. ثم ذكر أو نشأة الثقلين، فقال: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ}.

الطوسي

تفسير : ثلاث عشرة آية كوفى وشامي، وإثنتا عشرة آية بصري وإحدى عشرة آية فى ما عداه، عد الكوفى والشامي {الرحمن} ولم يعده الباقون، وعدوا {خلق الإنسان} إلا أهل المدينة فانهم عدوا {البيان} آخر الآية. وقرأ {الحب ذا العصف} بالنصب شامي {والريحان} خفض كوفى غير عاصم، وعدّ الكوفيون {الرحمن} آية مع أنه ليس بجملة، لأنه في تقدير الله الرحمن حتى تصح الفاصلة وهو خبر مبتدأ محذوف نحو قوله {سورة أنزلناها} أي هذه أنزلناها، ومعنى {الرحمن} هو الذي وسعت رحمته كل شيء، فلذلك لا يجوز أن يوصف به إلا الله تعالى، فأما (راحم ورحيم) فيجوز ان يوصف به العباد. وقوله {علم القرآن} فالتعليم تبين ما به يصير من لم يعلم عالماً. والاعلام إيجاد ما به يصير عالماً، وفى قوله {الرحمن علم القرآن} تذكير بالنعمة فى ما علم من الحكم بالقرآن التي يحتاج اليها الناس فى دينهم ليؤدوا ما يجب عليهم وينالوا الفضل بطاعة ربهم ويستوجبوا به الثواب وينالوا الرضوان. وقوله {خلق الإنسان} معناه إنه الذي اخترع الانسان وأخرجه من العدم إلى الوجود، وقيل: المراد بالانسان - ها هنا - آدم عليه السلام. وقيل: محمد صلى الله عليه وآله. وقيل: جميع الناس وهو الظاهر وهو الأعم في الجميع. وقوله {علمه البيان} أى خلق فيه التمييز الذي بان به من سائر الحيوان. وقيل: معناه علمه الكلام الذى يبين به عن مراده ويتميز به عن سائر الحيوان، فالبيان هو الأدلة الموصلة إلى العلم. وقيل: البيان إظهار المعنى للنفس بما يتميز به عن غيره كتميز معنى رجل من معنى فرس، ومعنى قادر من معنى عاجز، ومعنى عام من معنى خاص، ومعنى شيء من معنى هذا بعينه، وفيه تنبيه على أنه تعالى خلق الانسان غير عالم، ثم علمه البيان، خلافاً لقول من يقول من الجهال: إن الانسان لم يزل عالماً بالاشياء، وإنما يحتاج فيه إلى تذكير، فكيف يكون عالماً من لم يخلق بعد لولا الغباوة وقلة التحصيل. وقوله {والشمس والقمر بحسبان} أي يجريان بحسبان فاضمر يجريان وحذفه لدلالة الكلام عليه، فيكون إرتفاع الشمس بالفعل المقدر. وقال قوم: إرتفعا بتقديرهما بحسبان أي بحساب، والمعنى علمه البيان أن الشمس والقمر بحسبان وقيل: المعنى أن أمرهما يجري فى الادوار على مقدار من الحساب على ما وضعه حكيم عليم بتدبير صحيح، قد كان يمكن وضعهما على خلافه غير انه اختار ذلك لاستغناء العباد بها فى وجوه المنافع وما فى ذلك من المصالح. وقال ابن عباس وقتادة وابن زيد: بحسبان، ومنازل يجريان فيها ولا يعدوانها. وقيل: إن القمر يقطع بروج السماء فى ثمانية وعشرين يوماً، والشمس تقطع ذلك فى ثلثمائة وخمسمة وستين يوماً وشيء. وقوله {بحسبان} خبر الشمس والقمر على قول من رفعهما بالابتداء (وحسبان) مصدر حسبته أحسبه حسباناً نحو السكران والكفران. وقيل: هو جمع حساب كشهاب وشهبان. وقوله {والنجم والشجر يسجدان} فالنجم من النبات ما طلع، يقال: نجم ينجم إذا طلع، ونجم القرن والنبات إذا طلعا، وبه سمي نجم السماء، وهو الكوكب لطلوعه. والنجم - ها هنا - النبت الطالع من الارض، وهو النبات الذي ليس له ساق - فى قول ابن عباس وسعيد وسفيان - وقال مجاهد: هو نجم السماء، وبه قال قتادة، والأول أقوى لمصاحبة الشجر. والشجر عند أهل اللغة النبات الذي له ساق وورق وأغصان يبقى ساقه على دور الحول من الرمان واكثره مما له ثمار تجنى على ما دبرها صانعها من الاتيان بها فى أبانها. وقوله {يسجدان} إخبار من الله تعالى بانهما يسجدان، وسجودهما هو ما فيهما من الآية الدالة على حدوثهما وعلى وجوب الخضوع لله تعالى والتذلل له لما خلق فيها من الاقوات المختلفة فى النبات للناس وغيرهم من الحيوان والاستمتاع بأصناف الثمار والفواكه والرياض اللذيذة، فلا شيء أدعى إلى الخضوع والعبادة لمن أنعم بهذه النعمة الجليلة مما فيه مثل الذي ذكرنا فى النجم والشجر. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: سجودهما ظلالهما الذي يلقيانه بكرة وعشياً، فكل جسم له ظل فهو يقتضي الخضوع بما فيه من دليل الحدوث الذي لا يقدر عليه إلا قادر لا يعجزه شيء. وقوله {والسماء رفعها} أي رفع السماء رفعها فوق الأرض للاعتبار بها والتفكر فيها، وأنه لا يقدر على رفعها غير القادر لنفسه الذي لا يعجزه شيء ولا يماثله موجود. وقوله {ووضع الميزان} فالميزان آلة التعديل فى النقصان والرجحان، والوزن يعدل فى ذلك، ولولا الميزان لتعذر الوصول إلى كثير من الحقوق، فلذلك نبه على النعمة فيه والهداية اليه. وقوله {إلا تطغوا في الميزان} نهي كأنه قال أي لا تطغوا، لأن (أن) تكون بمعنى أي ويجوز ان تكون علة، وتقديره ووضع الميزان لأن لا تطغوا، وإنما أعاد ذكر الميزان من غير أضمار لئلا يكون الثاني مضمناً بالأول، وليكون قائماً بنفسه في النهي عنه إذا قيل ألا تطغوا فى الميزان. وقيل: لأنه نزل في وقتين. والأول أحسن. وقيل: المراد بالميزان العدل لان المعادلة موازنة الاسباب، والطغيان الافراط في مجاوزة الحد في العدل. وقيل: لا تطغوا فيه لان ما لا يضبط في الوزن موضوع عنهم. وقال الزجاج: تقديره فعلت ذلك لئلا تطغوا. ويحتمل ان يكون نهياً مفرداً. ويجوز أن يكون بمعنى (أي) مفسرة وقوله {وأقيموا الوزن بالقسط} أمر من الله تعالى أن يقيموا الوزن إذا أرادوا الاخذ أو الاعطاء {بالقسط} أي بالعدل {ولا تخسروا الميزان} بمعنى لا تنقصوه. والخسران نقصان أصل المال، وهو ذهاب ما كان من رأس المال: خسر يخسر خسراً وخسراناً، وخسره تخسيراً، فهو خاسر ومخسر. قال الزجاج: قولهم: أخسرت الميزان وخسرت، فعلى خسرت {لا تخسر} بفتح التاء، وقد قرأ به بعض المتقدمين شاذاً لا يؤخذ به. وقوله {والأرض وضعها للأنام} ليستقروا عليها. وقال ابن عباس: الانام كل شيء فيه روح. وقال الحسن: الانام الانس والجن. وقال قتادة: الانام الخلق. ويجوز أن يكون الانام من ونم الذباب إذا صوت من نفسه، ويسمى كل ما يصوت من نفسه أناماً. وقلبت الواو من ونام همزة كقولهم: أناة من (وناة). ثم بين وجه المنافع للخلق فوضع الارض {فيها فاكهة} وهي أنواع الثمار التي تؤخذ من الشجر فيها أنواع الملاذ وفنون الامتاع، فسبحان الذي خلقه لعباده وأجرى فيه ضروب الطعوم بلطفه، وكله يسقى بماء واحد في ارض واحدة من شجرة يابسة تنقلب إلى حال الغضاضة والنضرة، ثم تحمل الثمرة الكريمة، وكل ذلك بعين المعتبر وعلم المفكر. وقوله {والنخل ذات الأكمام} اسم جنس يقع على القليل والكثير وواحده نخلة، وهو يذكر ويؤنث، والاكمام جمع (كم) وهو وعاء ثمر النخل، تكمم في وعائه إذا اشتمل عليه. وقيل: الأكمام ليف النخلة التي تكمم فيه - في قول الحسن وقتادة - وقال ابن زيد: الأكمام الطلع الذي فيه ثمر النخلة. وقال الزجاج: كم القميص من هذا، لانه يغطي اليد. وقوله {والحب ذو العصف والريحان} قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: العصف التبن. لان الرياح تعصفه أي تطيره بشدة هبوبها ومنه الريح العاصف، قال علقمة بن عبدة: شعر : تسفي مذانب قد مالت عصيفتها حدورها من أني الماء مطموم تفسير : وهو دقاق الزرع إذا يبس عصفته الريح. وقيل: العصف التبن. ويقال: له العصيفة. والحب حب الحنطة والشعير ونحوهما، والريحان الرزق - في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك - وقال الحسن وابن زيد: الريحان هو الذي يشم. وفي رواية اخرى عن ابن عباس والضحاك: إن الريحان الحب. والعرب تقول: خرجنا نطلب ريحان الله أى رزقه ويقال: سبحانك وريحانك أى رزقك، قال النمر بن تولب شعر : سماء الاله وريحانه وجنته وسماء درد تفسير : وقرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {والريحان} جراً على تقدير، وذو الريحان. الباقون بالرفع عطفاً على (الحب) وقرأ ابن عامر وحده {والحب ذا العصف والريحان} بالنصب فيها كلها على تقدير، وخلق الحب ذا العصف وخلق الريحان الباقون بالرفع على تقدير فيها الحب ذو العصف وفيها الريحان. وقوله {فبأى آلاء ربكما تكذبان} قال ابن عباس والحسن وقتادة: معناه فبأى نعمة من نعمه يا معشر الجن والانس تكذبان؟! وريحان أصله ريحان، فخفف. وتلخيصه ريوحان على وزن فيعلان، فلما التقت الواو والياء والثاني ساكن قلبوا الواو ياء وأدغموا ثم خففوا كراهية التشديد كما قالوا: هين لين.

الجنابذي

تفسير : {ٱلرَّحْمَـٰنُ} اقتضاء جعله آيةً برأسه ان يكون خبراً لمبتدءٍ محذوفٍ وقد مضى فى اوّل الفاتحة انّ الرّحمن اسمٌ خاصّ بصفة عامّة، وانّ الرّحمة الرّحمانيّة تقتضى وجود الاشياء بكمالاته الاوّليّة وبقاءها، وانّ الرّحمة الرّحيميّة تقتضى الكمالات الثّانية اللاّحقة للاشياء الصّاعدة، ولمّا كان تعليم القرآن الّذى هو افاضة الوجود الّذى هو اضافته الاشراقيّة على جميع الموجودات، وخلق الانسان وتعليمه البيان الّذى هو تمام ذاته بالنّطق الّذى هو فصله الاخير من اقتضاء صفته الرّحمانيّة أتى فى اوّل هذه السّورة بالرّحمن.

الأعقم

تفسير : قيل: نزلت هذه السورة حين قالوا وما الرحمان؟ فجوابه الذي: {علَّم القرآن} و{خلق الإِنسان}، وقيل: هو جواب لأهل مكة حين قالوا إنما يعلمه بشر فبين الذي يعلمه القرآن هو {الرحمان} وهو اسم من أسماء الله تعالى لا يسمى به غيره، لأن معناه الذي وسعت رحمته كل شيء، فأما راحم ورحيم فيجوز في صفات العباد وقوله: {علم القرآن} أي من رحمته أن علَّمكم القرآن بأن أنزله على رسوله فتأخذوا سنة {خلق الإِنسان} قيل: الإِنس، وقيل: آدم، {علَّمه البيان} قيل: أراد اللغات وكان آدم يتكلم بسبع مائة ألف لغة أفضلها العربية، وقيل: بيَّن له الحلال والحرام والخير والشر {الشمس والقمر بحسبان} قيل: بحسبان ومنازل يجريان فيها ولا يعدوانها، وقيل: بحساب الأوقات والأعمار والآجال، لولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئاً، وقيل: كيف يجريان بقدر عن الضحاك {والنجم} النبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول {والشجر} الذي له ساق وسجودهما انقيادهما لله فيما خلقا له، وأنهما لا يمنعان تشبيها بالساجد من المكلفين وانقياده، وعن مجاهد: النجم نجوم السماء {والسماء رفعها} خلقها مرفوعة {ووضع الميزان} العدل، وقيل: الذي يوزن به ليتوصل به إلى الإِنصاف، وقيل: القرآن الذي هو أصل الدين {ألا تطغوا في الميزان} أي لا تجاوزوا فيه الحد {وأقيموا الوزن بالقسط} أي بالعدل {ولا تخسروا الميزان} لا تنقصوا ما تزنون {والأرض وضعها} أي خلقها مسكناً ومنصرفاً، وقيل: بسطها {للأنام}، وقيل: للجن والانس، وقيل: لكل ذي روح {فيها فاكهة} ما يتفكهون به من النعم التي لا تحصى {والنخل ذات الأكمام} قيل: الأكمام ليف النخل التي يكم فيه، وقيل: الطلع {والحب ذو العصف}، قيل: التبن، وقيل: هو ورق الزرع {والريحان} الذي يشم، وقيل: الريحان الثمرة قوت الانس والعصف قوت البهائم {فبأي آلاء ربكما تكذبان} الخطاب للإِنس والجن وكرر لطول الغفلة وتأكيد للحجة وتذكر للنعم، ومن عادة العرب التكرير فيما استعظموه.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الرَّحْمَنِ، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} أي: علمه الكلام. قوله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} قال مجاهد: [يعني بحسبان] كحسبان الرحى. وفي تفسير الحسن: بحسبان: بمجرى وقال الحسن: هما والنجوم في مثل الطاحونة، أي في مثل فلكة المغزل دون السماء. ولو كانت ملتزقة بالسماء لم تجر. وفي تفسير الكلبي: بحسبان أي بحساب ومنازل معدودة [كل يوم منزل]. ذكروا عن أبي صالح: إن السماء خلقت مثل القبة، إن الشمس والقمر والنجوم ليس شيء منها لازقاً بالسماء، وإنها تجري في فلك دون السماء. وإن أقرب الأرض إلى السماء بيت المقدس باثني عشر ميلاً، وإن أبعد الأرض من السماء الأبلّة. ذكروا عن مجاهد قال: قوله عز وجل: (أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) تفسير : [الأنبياء:33] قال: يدورون كما يدور فلك المغزل.

اطفيش

تفسير : {الرَّحْمَنُ0 عَلَّمَ القُرْآنَ} صدر السورة بعد البسملة بالرحمن لانها مقصورة على تعديد النعم الدنيوية والاخروية وقدم من نعم الدين غايتها واصلها وهو القرآن وهو أعز الكتب ومنشوء الدين ومشتمل على خلاصتها مصدق لها ولنفسه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خيركم من تعلم القرآن وعلمه " تفسير : والمفعول الأول لعلم محذوف أي علم من شاءه القرآن قيل لما نزل اسجدوا للرحمن قال كفار مكة: وما الرحمن انكاراً له فنزل الرحمن علم القرآن أي الذي قلتم لا نعرفه هو الذي علم القرآن وقيل: جواب لهم حين قالوا: إنما يعلمه بشرف التقدير عند بعض الرحمن علم محمد القرآن وقيل التعليم هنا التسهيل للقراءة والحفظ والقرآن مخلوق كما يدل له وصفه بالتنزيل والجعل وغيرهما فبطل قول بعض انه غير مخلوق وانه يدل على ذلك انه ذكر في الكتاب اربعا وخمسين ما فيها موضع صرح فيه بخلقه ولا اشارة اليه وذكر الانسان على الثالث في ثمانية عشر موضعا كلها نصت على خلقه.

اطفيش

تفسير : تعليمه أفضل النعم لاشتماله على التوحيد الذى هو الأَصل، وعلى الأَحكام الشرعية والكتب المتقدمة والوعظ والتذكير بأَخبار الأُمم، وإِسناد التعليم إِلى الرحمن إِشعار بأَن القرآن من آثار الرحمة الواسعة ولم يعد التعليم إِلى مفعول أول لعدم تعلق المقام به، لأَنه للامتنان بالتعليم لا لذكر من يعلمه القرآن، ولو ذكر لقيل الرحمن علم الإِنسان القرآن، أى صير الإِنسان عالما القرآن كقوله تعالى: {أية : عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} تفسير : [العلق: 5] والإِنسان يتصف بالعلم، فهو فاعل فى المعنى فهو المفعول الأَول كما هو القاعدة فى باب أعطى ولا مانع من تقديره كما ذكر فى علم الإنسان وهو الإِنسان، وقدره بعض: علم محمداً القرآن، وهو حسن، والأَول أولى لعمومه ولذكره فى الآية الأُخرى، وقيل علمه الملائكة المقربين أو إِسرافيل وجبريل، ولا نسلم أنه علمهم القرآن ولو كتبه إِسرافيل من اللوح وأتى به جبريل - عليه السلام - شيئا فشيئا إِلى النبى - صلى الله عليه وسلم - لأَنهم لا يظهر أنه يحفظونه ويدرسونه، بل خص به الثقلان، وقد ذكر أنهم حريصون عليه ولم يؤتوه، والمراد تعليم ألفاظه لأَجل معانيها والتعبد بقراءتها وهذا أولى من قول بعض: المراد تعليم معانيه، وقيل: المعنى يسر القرآن للحفظ والتلاوة مع أنه أفضل وحى وأعلى الكتب والحاكم عليها، والسورة لذكر تعدد النعم، فقدم ذكر تعليم القرآن لأَن المكلف يعلمه ويحفظه ويعمل به وعقب ذكر الإِنسان بذكر تعليم البيان ليميزه عن سائر الحيوان.

الالوسي

تفسير : لأنه أعظم النعم شأناً وأرفعها مكاناً كيف لا وهو مدار للسعادة الدينية والدنيوية وعيار على الكتب السماوية ما من مرصد ترنو إليه أحداق الأمم إلا وهو منشؤه ومناطه، ولا مقصد تمتد نحوه أعناق الهمم إلا وهو منهجه وصراطه. ونصبه على أنه مفعول ثان ـ لعلَّم ـ ومفعوله الأول محذوف لدلالة المعنى عليه ـ أي عَلَّم الإنسان القرآن ـ وهذا المفعول هو الذي كان فاعلاً قبل نقل فعل الثلاثي إلى فعل المضعف، وسها الإمام فحسب أن المحذوف المفعول الثاني حيث قال: عَلَّمَ لا بد له من مفعول ثان وترك للإشارة إلى أن النعمة في التعليم لا في تعليم شخص دون شخص. ويمكن أن يقال: أراد أنه لا بد له من مفعول آخر مع هذا المفعول فلا جزم بسهوه، وقيل: المقدر جبريل عليه السلام أو الملائكة المقربين عليهم السلام، وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى القولين يتضمن ذلك الإشارة إلى القرآن كلام الله عز وجل، والقول الأول أظهر وأنسب بالمقام، ولي في تعليم غير جبريل عليه السلام من الملائكة الكرام تردد مّا بناءاً على ما في «الإتقان» نقلاً عن ابن الصلاح من أن قراءة القرآن كرامة أكرم الله تعالى بها البشر فقد ورد أن الملائكة لم يعطوا ذلك وأنهم حريصون لذلك على استماعه من الإنس، وإنما لم أعتبر عمومه للنصوص الدالة على أن جبريل عليه السلام كان يقرأ القرآن وكأني بك لا تسلم صحة ما ذكر وإن استثني منه جبريل عليه السلام. وقيل: {علَّم} من العلامة ولا تقدير أي جعل القرآن علامة وآية لمن اعتبر، أو علامة للنبوة ومعجزة، وهذا على ما قيل يناسب ما ذكر في مفتتح السورة السابقة من قوله تعالى: { أية : وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } تفسير : [القمر: 1] وتتناسب السورتان في المفتتح حيث افتتحت الأولى بمعجزة من باب الهيبة وهذه بمعجزة من باب الرحمة. وقد أبعد القائل ولو أبدى ألف مناسبة، فالذي ينبغي أن يعلم أنه من التعليم، والمراد بتعليم القرآن قيل: إفادة العلم به لا بمعنى إفادة العلم بألفاظه فقط بل بمعنى إفادة ذلك والعلم بمعانيه على وجه يعتدّ به وهو متفاوت وقد يصل إلى العلم بالحوادث الكونية من إشاراته ورموزه إلى غير ذلك فإن الله تعالى لم يغفل شيئاً فيه. أخرج أبو الشيخ في كتاب «العظمة» عن أبـي هريرة مرفوعاً « حديث : إن الله لو أغفل شيئاً لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة » تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن مسعود: أنزل في هذا القرآن علم كل شيء وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن، وقال ابن عباس: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى؛ وقال المرسي: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم به، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر به سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم كالخلفاء الأربعة، ثم ورث عنهم التابعون لهم بإحسان، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه، وفسر بعضهم التعليم بتنبيه النفس لتصور المعاني، وجوز الإمام أن يراد به هنا جعل الشخص بحيث يعلم القرآن فالآية كقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ } تفسير : [القمر: 17] وهو بهذا المعنى مجاز كما لا يخفى. و {ٱلرَّحْمَـٰنُ } مبتدأ، والجملة بعده خبره كما هو الظاهر. وإسناد / تعليمه إلى اسم {ٱلرَّحْمَـٰنُ } للإيذان بأنه من آثار الرحمة الواسعة وأحكامها. وتقديم المسند إليه إما للتأكيد أو للحصر، وفيه من تعظيم شأن القرآن ما فيه، وقيل: {ٱلرَّحْمَـٰنُ } خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف أي الله الرحمن، أو الرحمن ربنا وما بعد مستأنف لتعديد نعمه عز وجل وهو خلاف الظاهر. ثم أتبع سبحانه نعمة تعليم القرآن بخلق الإنسان فقال تعالى: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ}.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة المكية ذات نسق خاص ملحوظ. إنها إعلان عام في ساحة الوجود الكبير، وإعلام بآلاء الله الباهرة الظاهرة، في جميل صنعه، وإبداع خلقه؛ وفي فيض نعمائه؛ وفي تدبيره للوجود وما فيه؛ وتوجه الخلائق كلها إلى وجهه الكريم.. وهي إشهاد عام للوجود كله على الثقلين: الإنس والجن المخاطبين بالسورة على السواء، في ساحة الوجود، على مشهد من كل موجود، مع تحديهما إن كانا يملكان التكذيب بآلاء الله، تحدياً يتكرر عقب بيان كل نعمة من نعمه التي يعددها ويفصلها، ويجعل الكون كله معرضاً لها، وساحة الآخرة كذلك. ورنة الإعلان تتجلى في بناء السورة كله، وفي إيقاع فواصلها.. تتجلى في إطلاق الصوت إلى أعلى، وامتداد التصويت إلى بعيد؛ كما تتجلى في المطلع الموقظ الذي يستثير الترقب والانتظار لما يأتي بعد المطلع من أخبار.. الرحمن.. كلمة واحدة. مبتدأ مفرداً.. الرحمن كلمة في معناها الرحمة، وفي رنتها الإعلان، والسورة بعد ذلك بيان للمسات الرحمة ومعرض لآلاء الرحمن. ويبدأ معرض الآلاء بتعليم القرآن بوصفه المنة الكبرى على الإنسان. تسبق في الذكر خلق الإنسان ذاته وتعليمه البيان. ثم يذكر خلق الإنسان، ومنحه الصفة الإنسانية الكبرى.. البيان.. ومن ثم يفتح صحائف الوجود الناطقة بآلاء الله.. الشمس والقمر والنجم والشجر والسماء المرفوعة. والميزان الموضوع. والأرض وما فيها من فاكهة ونخل وحب وريحان. والجن والإنس. والمشرقان والمغربان. والبحران بينهما برزخ لا يبغيان، وما يخرج منهما وما يجري فيهما. فإذا تم عرض هذه الصحائف الكبار. عرض مشهد فنائها جميعاً. مشهد الفناء المطلق للخلائق، في ظل الوجود المطلق لوجه الله الكريم الباقي. الذي إليه تتوجه الخلائق جميعاً، ليتصرف في أمرها بما يشاء. وفي ظل الفناء المطلق والبقاء المطلق يجيء التهديد المروع والتحدي الكوني للجن والإنس: {سنفرغ لكم أيها الثقلان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا. لا تنفذون إلا بسلطان. فبأي آلاء ربكما تكذبان، يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}.. ومن ثم يعرض مشهد النهاية. مشهد القيامة. يعرض في صورة كونية. يرتسم فيها مشهد السماء حمراء سائلة، ومشهد العذاب للمجرمين، والثواب للمتقين في تطويل وتفصيل. ثم يجيء الختام المناسب لمعرض الآلاء: {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام}.. إن السورة كلها إعلان عام في ساحة الوجود الكبير. إعلان ينطلق من الملأ الأعلى، فتتجاوب به أرجاء الوجود. ويشهده كل من في الوجود وكل ما في الوجود.. {الرحمن}.................. هذا المطلع المقصود بلفظه ومعناه، وإيقاعه وموسيقاه. {الرحمن}.................. بهذا الرنين الذي تتجاوب أصداؤه الطليقة المديدة في أرجاء هذا الكون، وفي جنبات هذا الوجود. {الرحمن}................. بهذا الإيقاع الصاعد الذاهب إلى بعيد، يجلجل في طباق الوجود، ويخاطب كل موجود، ويتلفت على رنته كل كائن، وهو يملأ فضاء السماوات والأرض، ويبلغ إلى كل سمع وكل قلب.. {الرحمن}............. ويسكت. وتنتهي الآية. ويصمت الوجود كله وينصت، في ارتقاب الخبر العظيم. بعد المطلع العظيم. ثم يجيء الخبر المترقب، الذي يخفق له ضمير الوجود.. {علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان. الشمس والقمر بحسبان. والنجم والشجر يسجدان. والسمآء رفعها ووضع الميزان. ألا تطغوا في الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان. والأرض وضعها للأنام. فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام. والحب ذو العصف والريحان. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}. هذا هو المقطع الأول في بيان آلاء الرحمن. وهذا هو الخبر الأول بعد ذلك الإعلان.. {علم القرآن}.. هذه النعمة الكبرى التي تتجلى فيها رحمة الرحمن بالإنسان.. القرآن.. الترجمة الصادقة الكاملة لنواميس هذا الوجود. ومنهج السماء للأرض. الذي يصل أهلها بناموس الوجود. ويقيم عقيدتهم وتصوراتهم وموازينهم وقيمهم ونظمهم وأحوالهم على الأساس الثابت الذي يقوم عليه الوجود. فيمنحهم اليسر والطمأنينة والتفاهم والتجاوب مع الناموس. القرآن الذي يفتح حواسهم ومشاعرهم على هذا الكون الجميل، كأنما يطالعهم أول مرة، فيجدد إحساسهم بوجودهم الذاتي، كما يجدد إحساسهم بالكون من حولهم. ويزيد فيمنح كل شيء من حولهم حياة نابضة تتجاوب وتتعاطف مع البشر؛ فإذا هم بين أصدقاء، ورفاق أحباء، حيثما ساروا أو أقاموا، طوال رحلتهم على هذا الكوكب! القرآن الذي يقرأ في أخلادهم أنهم خلفاء في الأرض، أنهم كرام على الله، وأنهم حملة الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال. فيشعرهم بقيمتهم التي يستمدونها من تحقيق إنسانيتهم العليا، بوسيلتها الوحيدة.. الإيمان.. الذي يحيي في أرواحهم نفخة الله. ويحقق نعمته الكبرى على الإنسان. ومن ثم قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان. فبه يتحقق في هذا الكائن معنى الإنسان. {خلق الإنسان علمه البيان}.. وندع - مؤقتاً - خلق الإنسان ابتداء، فسيأتي ذكره في مكانه من السورة بعد قليل. إذ المقصود من ذكره هنا هو ما تلاه من تعليمه البيان. إننا نرى الإنسان ينطق ويعبر ويبين، ويتفاهم، ويتجاوب مع الآخرين.. فننسى بطول الألفة عظمة هذه الهبة، وضخامة هذه الخارقة، فيردنا القرآن إليها، ويوقظنا لتدبرها، في مواضع شتى. فما الإنسان؟ ما أصله؟ كيف يبدأ؟ وكيف يُعلم البيان؟ إنه هذه الخلية الواحدة التي تبدأ حياتها في الرحم. خلية ساذجة صغيرة، ضيئلة، مهينة. ترى بالمجهر، ولا تكاد تَبين. وهي لا تُبين!!! ولكن هذه الخلية ما تلبث أن تكون الجنين. الجنين المكون من ملايين الخلايا المنوعة.. عظمية. وغضروفية. وعضلية. وعصبية. وجلدية.. ومنها كذلك تتكون الجوارح والحواس ووظائفها المدهشة: السمع. البصر. الذوق. الشم. اللمس. ثم.. ثم الخارقة الكبرى والسر الأعظم: الإدراك والبيان، والشعور والإلهام.. كله من تلك الخلية الواحدة الساذجة الصغيرة الضئيلة المهينة، التي لا تكاد تَبين، والتي لا تُبين! كيف؟ ومن أين؟ من الرحمن، وبصنع الرحمن. فلننظر كيف يكون البيان؟: {أية : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة }.. تفسير : إن تكوين جهاز النطق وحده عجيبة لا ينقضي منها العجب.. اللسان والشفتان والفك والأسنان. والحنجرة والقصبة الهوائية والشعب والرئتان.. إنها كلها تشترك في عملية التصويت الآلية وهي حلقة في سلسلة البيان. وهي على ضخامتها لا تمثل إلا الجانب الميكانيكي الآلي في هذه العملية المعقدة، المتعلقة بعد ذلك بالسمع والمخ والأعصاب. ثم بالعقل الذي لا نعرف عنه إلا اسمه. ولا ندري شيئاً عن ماهيته وحقيقته. بل لا نكاد ندري شيئاً عن عمله وطريقته! كيف ينطق الناطق باللفظ الواحد؟ إنها عملية معقدة كثيرة المراحل والخطوات والأجهزة. مجهولة في بعض المراحل خافية حتى الآن. إنها تبدأ شعوراً بالحاجة إلى النطق بهذا اللفظ لأداء غرض معين. هذا الشعور ينتقل - لا ندري كيف - من الإدراك أو العقل أو الروح إلى أداة العمل الحسية.. المخ.. ويقال: إن المخ يصدر أمره عن طريق الأعصاب بالنطق بهذا اللفظ المطلوب. واللفظ ذاته مما علمه الله للإنسان وعرفه معناه. وهنا تطرد الرئة قدراً من الهواء المختزن فيها، ليمر من الشعب إلى القصبة الهوائية إلى الحنجرة وحبالها الصوتية العجيبة التي لا تقاس إليها أوتار أية آلة صوتيه صنعها الإنسان، ولا جميع الآلات الصوتية المختلفة الأنغام! فيصوت الهواء في الحنجرة صوتاً تشكله حسبما يريد العقل.. عالياً أو خافتاً. سريعاً أو بطيئاً. خشناً أو ناعماً. ضخماً أو رفيعاً.. إلى آخر أشكال الصوت وصفاته. ومع الحنجرة اللسان والشفتان والفك والأسنان، يمر بها هذا الصوت فيتشكل بضغوط خاصة في مخارج الحروف المختلفة. وفي اللسان خاصة يمر كل حرف بمنطقة منه ذات إيقاع معين، يتم فيه الضغط المعين، ليصوّت الحرف بجرس معين.. وذلك كله لفظ واحد.. ووراءه العبارة. والموضوع. والفكرة. والمشاعر السابقة واللاحقة. وكل منها عالم عجيب غريب، ينشأ في هذا الكيان الإنساني العجيب الغريب، بصنعة الرحمن، وفضل الرحمن. ثم يستطرد في بيان آلاء الرحمن في المعرض الكوني العام: {الشمس والقمر بحسبان}.. حيث تتجلى دقة التقدير، في تنسيق التكوين والحركة، بما يملأ القلب روعة ودهشة، شعوراً بضخامة هذه الإشارة، وما في طياتها من حقائق بعيدة الآماد عميقة الأغوار. إن الشمس ليست هي أكبر ما في السماء من أجرام. فهنالك في هذا الفضاء الذي لا يعرف البشر له حدوداً، ملايين الملايين من النجوم، منها الكثير أكبر من الشمس وأشد حرارة وضوءاً. فالشعرى اليمانية أثقل من الشمس بعشرين مرة، ونورها يعادل خمسين ضعف نور الشمس. والسماك الرامح حجمه ثمانون ضعف حجم الشمس ونوره ثمانية آلاف ضعف. وسهيل أقوى من الشمس بألفين وخمسمائة مرة.. وهكذا.. ولكن الشمس هي أهم نجم بالنسبة لنا - نحن سكان الكوكب الأرضي الصغير، الذي يعيش هو وسكانه جميعاً على ضوء الشمس وحرارتها وجاذبيتها. وكذلك القمر هو تابع صغير للأرض. ولكنه ذو أثر قوي في حياتها. وهو العامل الأهم في حركة الجزر والمد في البحار. وحجم الشمس، ودرجة حرارتها، وبعدها عنا، وسيرها في فلكها. وكذلك حجم القمر وبعده ودورته.. كلها محسوبة حساباً كامل الدقة بالقياس إلى آثارهما في حياة الأرض. وبالقياس إلى وضعهما في الفضاء مع النجوم والكواكب الأخرى. ونتاول طرفاً من الحساب الدقيق في علاقتهما بكوكبنا الأرضي وما عليه من حياة وأحياء.. إن الشمس تبعد عن الأرض باثنين وتسعين ونصف مليون من الأميال. ولو كانت أقرب إلينا من هذا لاحترقت الأرض أو انصهرت أو استحالت بخاراً يتصاعد في الفضاء! ولو كانت أبعد منا لأصاب التجمد والموت ما على الأرض من حياة! والذي يصل إلينا من حرارة الشمس لا يتجاوز جزءاً من مليوني جزء من حرارتها. وهذا القدر الضئيل هو الذي يلائم حياتنا. ولو كانت الشعرى بضخامتها وإشعاعها هي التي في مكان الشمس منا لتبخرت الكرة الأرضية، وذهبت بدداً! وكذلك القمر في حجمه وبعده عن الأرض. فلو كان أكبر من هذا لكان المد الذي يحدثه في بحار الأرض كافياً لغمرها بطوفان يعم كل ما عليها. وكذلك لو كان أقرب مما وضعه الله بحسابه الذي لا يخطئ مقدار شعرة! وجاذبية الشمس وجاذبية القمر للأرض لهما حسابهما في توازن وضعها، وضبط خطاها في هذا الفضاء الشاسع الرهيب، الذي تجري فيه مجموعتنا الشمسية كلها بسرعة عشرين ألف ميل في الساعة في اتجاه نحو برج الجبار. ومع هذا لا تلتقي بأي نجم في طريقها على ملايين السنين! وفي هذا الفضاء الشاسع الرهيب لا يختل مدار نجم بمقدار شعرة، ولا يختل حساب التوازن والتناسق في حجم ولا حركة. صدق الله العظيم.. {الشمس والقمر بحسبان}. {والنجم والشجر يسجدان}.. وقد كانت الإشارة السابقة إلى الحساب والتقدير في بناء الكون الكبير. فأما هذه فهي إشارة إلى اتجاه هذا الكون وارتباطه. وهي إشارة موحية إلى حقيقة هادية. إن هذا الوجود مرتبط ارتباط العبودية والعبادة بمصدره الأول، وخالقه المبدع. والنجم والشجر نموذجان منه، يدلان على اتجاهه كله. وقد فسر بعضهم النجم بأنه النجم الذي في السماء. كما فسره بعضهم بأنه النبات الذي لا يستوي على سوقه كالشجر. وسواء كان هذا أم كان ذاك فإن مدى الإشارة في النص واحد. ينتهي إلى حقيقة اتجاه هذا الكون وارتباطه. والكون خليقة حية ذات روح. روح يختلف مظهرها وشكلها ودرجتها من كائن إلى كائن. ولكنها في حقيقتها واحدة. ولقد أدرك القلب البشري منذ عهود بعيدة حقيقة هذه الحياة السارية في الكون كله. وحقيقة اتجاه روحه إلى خالقه. أدركها بالإلهام اللدني فيه. ولكنها كانت تغيم عليه، وتتوارى عنه كلما حاول اقتناصها بعقله المقيد بتجارب الحواس! ولقد استطاع أخيراً أن يصل إلى أطراف قريبة من حقيقة الوحدة في بناء الكون. ولكنه لا يزال بعيداً عن الوصول إلى حقيقة روحه الحية عن هذا الطريق! والعلم يميل اليوم إلى افتراض أن الذرة هي وحدة بناء الكون، وأنها في حقيقتها مجرد إشعاع. وأن الحركة هي قاعدة الكون، والخاصية المشتركة بين جميع أفراده. فإلى أين يتجه الكون بحركته التي هي قاعدته وخاصيته؟ القرآن يقول: إنه يتجه إلى مبدعه بحركة روحه - وهي الحركة الأصيلة فحركة ظاهره لا تكون إلا تعبيراً عن حركة روحه - وهي الحركة التي تمثلها في القرآن آيات كثيرة منها هذه {والنجم والشجر يسجدان}.. ومنها: {أية : تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولـكن لا تفقهون تسبيحهم}تفسير : ومنها: {أية : ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صآفات. كل قد علم صلاته وتسبيحه }.. تفسير : وتأمل هذه الحقيقة، ومتابعة الكون في عبادته وتسبيحه، مما يمنح القلب البشري متاعاً عجيباً، وهو يشعر بكل ما حوله حياً يعاطفه ويتجه معه إلى خالقه وهو في وقفته بين أرواح الأشياء كلها، وهي تدب فيها جميعاً، وتحيلها إخواناً له ورفقاء! إنها إشارة ذات أبعاد وآماد وأعماق.. {والسمآء رفعها ووضع الميزان. ألا تطغوا في الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان.} والإشارة إلى السماء - كباقي الإشارات القرآنية إلى مجالي هذا الكون - تقصد إلى تنبيه القلب الغافل، وإنقاذه من بلادة الألفة، وإيقاظه لعظمة هذا الكون وتناسقه وجماله، وإلى قدرة اليد التي أبدعته وجلالها. والإشارة إلى السماء - أياً كان مدلول السماء - توجه النظر إلى أعلى. إلى هذا الفضاء الهائل السامق الذي لا تبدو له حدود معروفة؛ والذي تسبح فيه ملايين الملايين من الأجرام الضخمة، فلا يلتقي منها اثنان، ولا تصطدم مجموعة منها بمجموعة. ويبلغ عدد المجموعة أحياناً ألف مليون نجم، كمجموعة المجرة التي ينتسب إليها عالمنا الشمسي، وفيها ما هو أصغر من شمسنا وما هو أكبر آلاف المرات. شمسنا التي يبلغ قطرها مليونا وثلث مليون كيلو متر!!! وكل هذه النجوم، وكل هذه المجموعات تجري في الكون بسرعات مخيفة، ولكنها في هذا الفضاء الهائل ذرات سابحة متباعدة، لا تلتقي، ولا تتصادم! وإلى جوار هذه العظمة في رفع هذه السماء الهائلة الوسيعة {وضع الميزان} ميزان الحق. وضعه ثابتاً راسخاً مستقراً. وضعه لتقدير القيم. قيم الأشخاص والأحداث والأشياء. كي لا يختل تقويمها، ولا يضطرب وزنها، ولا تتبع الجهل والغرض والهوى. وضعه في الفطرة ووضعه في هذا المنهج الإلهي الذي جاءت به الرسالات وتضمنه القرآن: وضع الميزان.. {ألا تطغوا في الميزان}.. فتغالوا وتفرطوا.. {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان}.. ومن ثم يستقر الوزن بالقسط، بلا طغيان ولا خسران. ومن ثم يرتبط الحق في الأرض وفي حياة البشر، ببناء الكون ونظامه. يرتبط بالسماء في مدلولها المعنوي حيث يتنزل منها وحي الله ونهجه. ومدلولها المنظور حيث تمثل ضخامة الكون وثباته بأمر الله وقدرته.. ويلتقي هذان المدلولان في الحس بإيقاعهما وظلالهما الموحية. {والأرض وضعها للأنام. فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام. والحب ذو العصف والريحان}. ونحن لطول استقرارنا على هذه الأرض، وألفتنا لأوضاعها وظواهرها، ولوضعنا نحن كذلك عليها. نحن لهذا كله لا نكاد نحس يد القدرة التي "وضعت" هذه الأرض للأنام. وجعلت استقرارنا عليها ممكناً وميسوراً إلى الحد الذي لا نكاد نشعر به. ولا ننتبه إلى ضخامة معنى الاستقرار، وعظمة نعمة الله علينا فيه إلا بين الحين والحين حين يثور بركان، أو يمور زلزال، فيؤرجح هذه الأرض المطمئنة من تحتنا، فتضطرب وتمور. عندئذ نتذكر معنى الاستقرار الذي نستمتع به على هذه الأرض بنعمة الله. والبشر خليقون أن يتذكروا هذه الحقيقة في كل لحظة، لو أنهم ألقوا بالهم إلى أن أرضهم هذه التي يركنون إليها، إن هي إلا هباءة سابحة في فضاء الله الوسيع. هباءة تسبح في هذا الفضاء المطلق. تسبح حول نفسها بسرعة نحو ألف ميل في الساعة. وتسبح - مع هذا - حول الشمس بسرعة ستين ألف ميل في الساعة. بينما هي والشمس والمجموعة الشمسية كلها تبعد بجملتها في هذا الفضاء بسرعة عشرين ألف ميل في الساعة متجهة في اتجاه واحد نحو برج الجبار في السماء! أجل لو أنهم ألقوا بالهم إلى أنهم محمولون على هذه الهباءة السابحة التي تنهب الفضاء نهباً بهذه السرعة معلقة في أجوازه بغير شيء إلا قدرة الله.. لظلوا أبداً معلقي القلوب والأبصار، واجفي الأرواح والأوصال، لا يركنون إلا للواحد القهار الذي وضع الأرض للأنام، وأقرهم عليها هذا الإقرار!! ولقد يسر لهم فيها الحياة، وهي تدور بهم حول نفسها وحول الشمس، وتركض مع الشمس وتوابعها بتلك السرعة المذهلة. وقدر فيها أقواتها التي يذكر منها هنا الفاكهة - ويخص منها النخل ذات الأكمام - (والكم كيس الطلع الذي ينشأ منه الثمر) ليشير إلى جمال هيئتها بجانب فائدة ثمرتها. ويذكر منها الحب ذا الورق والسيقان التي تعصف وتصير طعاماً للماشية. ويذكر منها الريحان. النبات ذات الرائحة.. وهي ألوان من نبات الأرض شتى. منها ما هو طعام للإنسان ومنها ما هو طعام للدواب، ومنها ما هو روْح للناس ومتاع. وعند هذا المقطع من تعداد أنعم الله وآلائه: تعليم القرآن. وخلق الإنسان. وتعليمه البيان. وتنسيق الشمس والقمر بحسبان. ورفع السماء ووضع الميزان. ووضع الأرض للأنام. وما فيها من فاكهة ونخل وحب وريحان.. عند هذا المقطع يهتف بالجن والإنسان، في مواجهة الكون وأهل الكون: {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}.. وهو سؤال للتسجيل والإشهاد. فما يملك إنس ولا جان أن يكذب بآلاء الرحمن في مثل هذا المقام. ثم ينتقل من الامتنان عليهما بآلاء الله في الكون، إلى الامتنان عليهما بآلائه في ذوات أنفسهما، وفي خاصة وجودهما وإنشائهما: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار. وخلق الجان من مارج من نار.. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}.. ونعمة الإيجاد والإنشاء أصل النعمة. والمسافة بين الوجود وعدم الوجود ابتداء مسافة لا تقاس أبعادها بأي مقياس مما يألفه البشر. فجميع المقاييس التي في أيدي البشر أو التي تدركها عقولهم، هي مقاييس للفارق بين موجود وموجود. أما المسافة بين الموجود وغير الموجود فلا تدركها مدراك البشر بحال! ونحسب الجن كذلك، فإن هم إلا خلق مقاييس المخلوقات! فحين يمتن الله على الجن والإنس بنعمة الإيجاد والإنشاء؛ فإنما يمتن عليهما بالنعمة التي تفوق حد الإدراك. ثم يقرر الحق سبحانه مادة خلق الإنس والجن، وهي كذلك من خلق الله. والصلصال: الطين إذا يبس وصار له صوت وصلصلة عند الضرب عليه. وقد تكون هذه حلقة في سلسلة النشأة من الطين أو من التراب. كما أنها قد تكون تعبيراً عن حقيقة الوحدة بين مادة الإنسان ومادة الأرض في عناصر التكوين. "وقد أثبت العلم الحديث أن جسم الإنسان يحتوي من العناصر ما تحتويه الأرض. فهو يتكون من الكربون، والأكسيجين، والأيدروجين، والفسفور، والكبريت، والآزوت، والكالسيوم، والبوتاسيوم، والصوديوم، والكلور، والمغنسيوم، والحديد، والمنجنيز، والنحاس، واليود، والفلورين، والكوبالت، والزنك، والسلكون، والألمنيوم. وهذه نفسها هي العناصر المكونة للتراب. وإن اختلفت نسبها في إنسان عن الآخر، وفي الإنسان عن التراب، إلا أن أصنافها واحدة" إلا أن هذا الذي أثبته العلم لا يجوز أن يؤخذ على أنه التفسير الحتمي للنص القرآني. فقد تكون الحقيقة القرآنية تعني هذا الذي أثبته العلم، أو تعني شيئاً آخر سواه. وتقصد إلى صورة أخرى من الصور الكثيرة التي يتحقق بها معنى خلق الإنسان من تراب، أو طين أو صلصال. والذي ننبه إليه بشدة هو ضرورة عدم قصر النص القرآني على كشف علمي بشري، قابل للخطأ والصواب، وقابل للتعديل والتبديل، كلما اتسعت معارف الإنسان وكثرت وتحسنت وسائله للمعرفة. فإن بعض المخلصين من الباحثين يسارعون إلى المطابقة بين مدلول النصوص القرآنية والكشوف العلمية - تجريبية أو افتراضية - بنية بيان ما في القرآن من إعجاز. فالقرآن معجز سواء طابقت الكشوف العلمية المتأرجحة نصوصه الثابتة أم لم تطابقها. ونصوصه أوسع مدلولاً من حصرها في نطاق تلك الكشوف القابلة دائماً للتبديل والتعديل، بل للخطأ والصواب من الأساس! وكل ما يستفاد من الكشوف العلمية في تفسير نصوص القرآن، وهو توسيع مدلولها في تصورنا كلما أطلعنا العلم على شيء مما تشير إليه إشارات مجملة من آيات الله في الأنفس والآفاق، دون أن يحمل النص القرآني على أن مدلوله هو هذا الذي كشفه العلم. إنما جواز أن يكون هذا بعض ما يشير إليه. فأما خلق الجان من مارج من نار. فمسألة خارجة عن حدود العلوم البشرية. والمصدر الواحد فيها هو هذا القرآن. خبر الله الصادق. الذي خلق وهو أعلم بمن خلق.. والمارج: المشتعل المتحرك كألسنة النار مع الرياح! وللجان قدرة على الحياة في هذه الأرض مع الإنس. ولكنا لا ندري كيف يعيش الجان وقبيله. فأما الأمر المستيقن فهو أنهم مخاطبون بهذا القرآن كما سبق بيانه عند تفسير قوله تعالى: {أية : وإذ صرفنآ إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن..} تفسير : وكما هو الحال هنا في سورة الرحمن. والخطاب هنا للجن والإنس، لتذكيرهما بنعمة الوجود. كلٌّ من الأصل الذي أنشأه الله منه. وهي النعمة التي تقوم عليها سائر النعم. ومن ثم يعقب عليها بتعقيب التسجيل والإشهاد العام: {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}.. ولا تكذيب في هذا المقام المشهود‍! {رب المشرقين ورب المغربين. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟} وهذه الإشارة التي تملأ القلب بفيض غامر من الشعور بوجود الله، حيثما توجه، وحيثما تلفت، وحيثما امتد به النظر حوله في الآفاق.. فحيث الشروق وحيث الغروب هناك الله.. ربوبيته ومشيئته وسلطانه، ونوره وتوجيهه وهدايته.. والمشرقان والمغربان قد يكون المقصود بهما شروق الشمس وشروق القمر. وغروبهما كذلك، بمناسبة ذكر الشمس والقمر فيما تقدم من آلاء الله. وقد يكون المقصود مشرقي الشمس المختلفي الموضع في الصيف والشتاء ومغربيها كذلك. وعلى أية حال فإن ظلال هذه الإشارة هي الأولى بالالتفات. ظلال الاتجاه إلى المشرق والمغرب، والشعور بالله هناك، والإحساس بيده تحرك الكواكب والأفلاك، ورؤية نوره وربوبيته في الآفاق هنا وهناك. والرصيد الذي يؤوب به القلب من هذا التأمل والتدبر والنظر في المشارق والمغارب، والزاد الشعوري الذي تفيض به الجوانح وتذخره الأرواح. وربوبية الله للمشرقين والمغربين، بعض آلائه في هذا الكون. ومن ثم يجيء التعقيب المعهود في السورة، بعد هذه اللفتة القصيرة: {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟} والمشرقان والمغربان فوق أنهما من آيات الله هما من آلاء الله على الجن والإنس، بما يتحقق فيهما من الخير لسكان هذه الأرض جميعاً. بل من أسباب الحياة التي تنشأ مع الشروق، وتحتاج كذلك إلى الغروب. ولو اختل أحدهما أو كلاهما لتعطلت أسباب الحياة.. ومن هذه السبحة البعيدة الآفاق يعود إلى الأرض، وما فيها من ماء، جعله الله بقدر. قدر في نوعه، وقدر في تصريفه، وقدر في الانتفاع به: {مرج البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ وله الجوارِ المنشآت في البحر كالأعلام. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}.. والبحران المشار إليهما هما البحر المالح والبحر العذب، ويشمل الأول البحار والمحيطات، ويشمل الثاني الأنهار. ومرج البحرين أرسلهما وتركهما يلتقيان، ولكنهما لا يبغيان، ولا يتجاوز كل منهما حده المقدر، ووظيفته المقسومة، وبينهما برزخ من طبيعتهما من صنع الله. وتقسيم الماء على هذا النحو في الكرة الأرضية لم يجيء مصادفة ولا جزافاً. فهو مقدر تقديراً عجيباً. الماء الملح يغمر نحو ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية ويتصل بعضه ببعض؛ ويشغل اليابس الربع. وهذا القدر الواسع من الماء المالح هو اللازم بدقة لتطهير جو الأرض وحفظه دائماً صالحاً للحياة. "وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور - ومعظمها سام - فإن الهواء باق دون تلوث في الواقع - ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان.. وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء - أي المحيط -". ومن هذه الكتلة الضخمة الواسعة تنبعث الأبخرة تحت حرارة الشمس؛ وهي التي تعود فتسقط أمطاراً يتكون منها الماء العذب في جميع أشكاله. وأعظمها الأنهار. والتوافق بين سعة المحيط وحرارة الشمس وبرودة طبقات الجو العليا، والعوامل الفلكية الأخرى هو الذي ينشأ عنه المطر الذي تتكون منه كتلة الماء العذب. وعلى هذا الماء العذب تقوم الحياة، من نبات وحيوان وإنسان.. وتصب جميع الأنهار - تقريباً - في البحار. هي التي تنقل إليها أملاح الأرض، فلا تغير طبيعة البحار ولا تبغي عليها. ومستوى سطوح الأنهار أعلى في العادة من مستوى سطح البحر، ومن ثم لا يبغي البحر على الأنهار التي تصب فيه، ولا يغمر مجاريها بمائه الملح، فيحولها عن وظيفتها ويبغي على طبيعتها‍‍! وبينهما دائماً هذا البرزخ من صنع الله. فلا يبغيان. فلا عجب يذكر البحرين، وما بينهما من برزخ، في مجال الآلاء {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}. ثم يذكر من آلاء الله في البحرين بعض ما هو قريب منهم في حياتهم. {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان}.. واللؤلؤ - في أصله - حيوان. و" لعل اللؤلؤ أعجب ما في البحار، فهو يهبط إلى الأعماق، وهو داخل صدفة من المواد الجيرية لتقيه من الأخطار، ويختلف هذا الحيوان عن الكائنات الحية في تركيبه وطريقة معيشته، فله شبكة دقيقة كشبكة الصياد، عجيبة النسج، تكون كمصفاة تسمح بدخول الماء والهواء والغذاء إلى جوفه، وتحول بين الرمال والحصى وغيرها. وتحت الشبكة أفواه الحيوان، ولكل فم أربع شفاه، فإذا دخلت ذرة رمل، أو قطعة حصى، أو حيوان ضار عنوة إلى الصدفة، سارع الحيوان إلى إفراز مادة لزجة يغطيها بها، ثم تتجمد مكونة لؤلؤة! وعلى حسب حجم الذرة التي وصلت يختلف حجم اللؤلؤة!".. " والمرجان من عجائب مخلوقات الله، يعيش في البحار على أعماق تتراوح بين خمسة أمتار وثلاث مائة متر، ويثبت نفسه بطرفه الأسفل بصخر أو عشب. وفتحة فمه التي في أعلى جسمه، محاطة بعدد من الزوائد يستعملها في غذائه. فإذا لمست فريسة هذه الزوائد، وكثيراً ما تكون من الأحياء الدقيقة كبراغيث الماء، أصيبت بالشلل في الحال، والتصقت بها، فتنكمش الزوائد وتنحني نحو الفم، حيث تدخل الفريسة إلى الداخل بقناة ضيقة تشبه مريء الإنسان. " ويتكاثر هذا الحيوان بخروج خلايا تناسلية منه، يتم بها إخصاب البويضات، حيث يتكون الجنين الذي يلجأ إلى صخرة أو عشب يلتصق به، ويكون حياة منفردة، شأنه في ذلك شأن الحيوان الأصلي. " ومن دلائل قدرة الخالق، أن حيوان المرجان يتكاثر بطريقة أخرى هي التزرر. وتبقى الأزرار الناتجة متحدة مع الأفراد التي تزررت منها، وهكذا تتكون شجرة المرجان التي تكون ذات ساق سميكة. تأخذ في الدقة نحو الفروع التي تبلغ غاية الدقة في نهايتها. ويبلغ طول الشجرة المرجانية ثلاثين سنتيمتراً. والجزر المرجانية الحية ذات ألوان مختلفة، نراها في البحار صفراء برتقالية، أو حمراء قرنفلية، أو زرقاء زمردية، أو غبراء باهتة. " والمرجان الأحمر هو المحور الصلب المتبقي بعد فناء الأجزاء الحية من الحيوان، وتكون الهياكل الحجرية مستعمرات هائلة. "ومن هذه المستعمرات سلسلة الصخور المرجانية المعروفة باسم الحاجز المرجاني الكبير، الموجود بالشمال الشرقي لأستراليا. ويبلغ طول هذه السلسلة، ألفا و 350 ميلاً وعرضها 50 ميلاً. وهي مكونة من هذه الكائنات الحية الدقيقة الحجم". ومن اللؤلؤ والمرجان تتخذ حلى غالية الثمن عالية القيمة، ويمتن الله على عباده بهما، فيعقب على ذكرهما في السورة ذلك التعقيب المشهود: {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟} ثم ينتقل إلى الفلك التي تجري في البحار، كأنها لضخامتها الجبال: {وله الجوارِ المنشآت في البحر كالأعلام}.. ويجعل هذه الجواري المنشآت {له} سبحانه وتعالى. فهي تجري بقدرته. ولا يحفظها في خضم البحر وثبج الموج إلا حفظه ولا يقرها على سطحه المتماوج إلا كلاءته. فهي له سبحانه. وقد كانت - وما تزال - من أضخم النعم التي منّ الله بها على العباد، فيسرت لهم من أسباب الحياة والانتقال والرفاهية والكسب ما هو جدير بأن يذكر ولا ينكر. فهو من الضخامة والوضوح بحيث يصعب التكذيب به والإنكار.. {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}. والآن ينتهي هذا الاستعراض في صفحة الكون المنظور، وتطوى صفحة الخلق الفاني، وتتوارى أشباح الخلائق جميعاً، ويفرغ المجال من كل حي، ويتجلى وجه الكريم الباقي، متفرداً بالبقاء، متفرداً بالجلال؛ وتستقر في الحس حقيقة البقاء، وهو يشهد ظلال الفناء: {كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}.. وفي ظل هذا النص القرآني تخفت الأنفاس، وتخشع الأصوات، وتسكن الجوارح.. وظل الفناء يشمل كل حي، ويطوي كل حركة، ويغمر آفاق السماوات والأرض.. وجلال الوجه الكريم الباقي يظلل النفوس والجوارح، والزمان والمكان، ويغمر الوجود كله بالجلال والوقار.. ولا يملك التعبير البشري أن يصور الموقف؛ ولا يملك أن يزيد شيئاً على النص القرآني، الذي يسكب في الجوانح السكون الخاشع، والجلال الغامر، والصمت الرهيب، والذي يرسم مشهد الفناء الخاوي، وسكون الموت المخيم بلا حركة، ولا نأمة في هذا الكون الذي كان حافلاً بالحركة والحياة. ويرسم في الوقت ذاته حقيقة البقاء الدائم، ويطبعها في الحس البشري لا يعرف في تجاربه صورة للبقاء الدائم؛ ولكنه يدركها بعمق في ذلك النص القرآني العجيب! ويعقب على هذه اللمسة العميقة الأثر بنفس التعقيب. فيعد استقرار هذه الحقيقة. حقيقة الفناء لكل من عليها، وبقاء الوجه الجليل الكريم وحده. يعد استقرار هذه الحقيقة نعمة يواجه بها الجن والإنس في معرض الآلاء: {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}.. وإنها لنعمة، بل هي أساس النعم كلها جميعاً. فمن حقيقة الوجود الباقي ينبثق كل هذا الخلق؛ وناموسه ونظامه وخصائصه. كما تستقر سننه وقيمه ومآله وجزاؤه. والحي الباقي هو الذي يخلق ويبدع، وهو الذي يحفظ ويكلأ، وهو الذي يحاسب ويجزي. وهو الذي يشرف من أفق البقاء على ساحة الفناء.. فمن حقيقة البقاء إذن تنبثق جميع الآلاء. وما يبزغ هذا العالم وما يستقيم أمره إلا ووراءه هذه الحقيقة. حقيقة البقاء وراء الفناء. ومن حقيقة البقاء الدائم وراء الخلق الفاني، تنبثق حقيقة أخرى.. فكل أبناء الفناء إنما يتجهون في كل ما يقوم بوجودهم إلى الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم: {يسأله من في السماوات والأرض، كل يوم هو في شأن. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟} يسأله من في السماوات والأرض، فهو مناط السؤال؛ وغيره لا يسأل لأنه فان لا يتعلق به سؤال.. يسألونه وهو وحده الذي يستجيب، وقاصده وحده هو الذي لا يخيب. وما يتجه احد إلى سواه إلا حين يضل عن مناط السؤال ومعقد الرجاء ومظنه الجواب. وماذا يملك الفاني للفاني وماذا يملك المحتاج للمحتاج؟ وهو سبحانه - كل يوم هو في شأن. وهذا الوجود الذي لا تعرف له حدود، كله منوط بقدره، متعلق بمشيئته، وهو قائم بتدبيره. هذا التدبير الذي يتناول الوجود كله جملة؛ ويتناول كل فرد فيه على حدة، ويتناول كل عضو وكل خلية وكل ذرة. ويعطي كل شيء خلقه، كما يعطيه وظيفته، ثم يلحظه وهو يؤدي وظيفته. هذا التدبير الذي يتبع ما ينبت وما يسقط من ورقة، وما يكمن من حبة في ظلمات الأرض، وكل رطب وكل يابس. يتبع الأسماك في بحارها، والديدان في مساربها، والحشرات في مخابئها. والوحوش في أوكارها، والطيور في أعشاشها. وكل بيضة وكل فرخ. وكل جناح. وكل ريشة. وكل خلية في جسم حي. وصاحب التدبير لا يشغله شأن عن شأن، ولا يند عن علمه ظاهر ولا خاف.. ومن هذا الشأن شأن العباد في الأرض من إنس وجن. ومن ثم فهو يواجههما بهذه النعمة مواجهة التسجيل والإشهاد: {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}.. وبتقرير حقيقة البقاء وراء الفناء، وما ينبثق منها من حقيقة الاتجاه الكلي إلى الواحد الباقي، وتعلق مشيئته - سبحانه - بشئون الخلائق وتقديرها وتدبيرها، فضلاً منه ومنة على العباد.. بتقرير هذه الحقيقة الكلية وما ينبثق عنها من حقائق ينتهي الاستعراض الكوني، ومواجهة الجن والإنس به؛ ويبدأ مقطع جديد. فيه تهديد وفيه وعيد. تهديد مرعب مفزع، ووعيد مزلزل مضعضع. تمهيداً لهول القيامة الذي يطالع الثقلين في سياق السورة بعد ذاك: {سنفرغ لكم أيها الثقلان. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا. لا تنفذون إلا بسلطان. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟} {سنفرغ لكم أيها الثقلان}.. يا للهول المرعب المزلزل، الذي لا يثبت له إنس ولا جان. ولا تقف له الجبال الرواسي ولا النجوم والأفلاك! الله. جل جلاله. الله القوي القادر، القهار الجبار، الكبير المتعال. الله - سبحانه - يفرغ لحساب هذين الخلقين الضعيفين الصغيرين: الجن والإنس، في وعيد وانتقام! إنه أمر. إنه هول. إنه فوق كل تصور واحتمال! والله - سبحانه - ليس مشغولاً فيفرغ. وإنما هو تقريب الأمر للتصور البشري. وإيقاع الوعيد في صورة مذهلة مزلزلة، تسحق الكيان بمجرد تصورها سحقاً. فهذا الوجود كله نشأ بكلمة. كلمة واحدة. كن فيكون. وتدميره أو سحقه لا يحتاج إلا واحدة كلمح بالبصر.. فكيف يكون حال الثقلين، والله يفرغ لهما وحدهما، ليتولاهما بالانتقام؟! وفي ظل هذا الهول الرعيب يسأل الثقلين المسكينين: {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}! ثم يمضي في الإيقاع المرعب المزلزل، يتحداهما أن ينفذا من أقطار السماوات والأرض: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا}.. وكيف؟ وأين؟ {لا تنفذون إلا بسلطان}. ولا يملك السلطان إلا صاحب السلطان.. ومرة أخرى يواجههما بالسؤال: {فبأي آلاء ربكما تكذبان}؟ وهل بقي في كيانهما شيء يكذب أو يهم بمجرد النطق والبيان؟! ولكن الحملة الساحقة تستمر إلى نهايتها، والتهديد الرعيب يلاحقهما، والمصير المردي يتمثل لهما: {يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران}.. {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}! إنها صورة من الهول فوق مألوف البشر - وفوق مألوف كل خلق - وفق تصور البشر وتصور كل خلق. وهي صورة فريدة، وردت لها نظائر قليلة في القرآن، تشبهها ولا تماثلها. كما قال تعالى مرة: {أية : وذرني والمكذبين أولي النعمة} تفسير : وكما قال: {أية : ذرني ومن خلقت وحيداً}تفسير : وما يزال قوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان}.. أعنف وأقوى وأرعب وأدهى.. ومن هنا إلى نهاية السورة تبدأ مشاهد اليوم الآخر. مشهد الانقلاب الكوني يوم القيامة. وما يعقبه من مشاهد الحساب. ومشاهد العذاب والثواب. ويبدأ استعراض هذه المشاهد بمشهد كوني يتناسب مع مطالع السورة ومجالها الكوني: {فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان}. وردة حمراء، سائلة كالدهان.. ومجموع الآيات التي وردت في صفة الكون يوم القيامة تشير كلها إلى وقوع دمار كامل في هذه الأفلاك والكواكب، بعد انفلاتها من النسق الذي يحكمها الآن، وينسق بين مداراتها وحركاتها. منها هذه الآية. ومنها: {أية : إذا رجت الأرض رجا، وبست الجبال بسا، فكانت هباء منبثا}تفسير : ومنها: {أية : فإذا برق البصر، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر}تفسير : ومنها {أية : إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت. وإذا العشار عطلت. وإذا الوحوش حشرت. وإذا البحار سجرت}تفسير : ومنها {أية : إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت. وإذا البحار فجرت} {أية : إذا السماء انشقت، وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت، وأذنت لربها وحقت}.. تفسير : وهذه وغيرها تشير إلى ذلك الحادث الهائل الذي سيقع في الكون كله. ولا يعلم حقيقته إلا الله.. {فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان}.. {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟} ولا تكذيب عندئذ ولا نكران.. {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان}.. وذلك في موقف من مواقف ذلك اليوم المشهود. الذي ستكون فيه مواقف شتى. منها ما يسأل فيه العباد، ومنها ما لا يسألون فيه عن شيء. ومنها ما تجادل كل نفس عن نفسها، وما تلقي به التبعة على شركائها، ومنها ما لا يسمح فيه بكلمة ولا جدال ولا خصام! فهو يوم طويل مديد. وكل موقف من مواقفه هائل مشهود. وهنا موقف: لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان. ذلك حين تعرف صفة كل فرد وعمله. وتبدو في الوجوه معالم الشقوة سواداً، ومعالم النجوة بياضاً، ويظهر هذا وذاك في سيما الوجوه. ففي هذا الموقف هل من تكذيب ونكران: {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}! {يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام}. وهو مشهد عنيف ومع العنف الهوان. حيث تجمع الأقدام إلى الجباه، ثم يقذف المجرمون على هذه الهيئة إلى النار.. فهل حينذلك من تكذيب أو نكران. وبينما المشهد معروض، والأخذ بالنواصي والأقدام والقذف في النار مستمر، يلتفت السياق إلى شهود هذا الاستعراض، وكأنهم حاضرون عند تلاوة السورة فيقول لهم: {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون}.. هذه هي حاضرة معروضة - كما ترون - {يطوفون بينها وبين حميم آن}.. متناه في الحرارة كأنه الطعام الناضج على النار! وهم يتراوحون بين جهنم وبين هذا السائل الآني. انظروا إنهم يطوفون الآن! {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}! هذه ضفة العذاب الأليم. والآن إلى ضفة النعيم والتكريم: {ولمن خاف مقام ربه جنتان}.. وللمرة الأولى - فيما مر بنا من سور القرآن - تذكر الجنتان. والأظهر أنهما ضمن الجنة الكبيرة المعروفة! ولكن اختصاصهما هنا بالذكر قد يكون لمرتبتهما. وسيأتي في سورة الواقعة أن أصحاب الجنة فريقان كبيران: هما السابقون المقربون. وأصحاب اليمين. ولكل منهما نعيم. فهنا كذلك نلمح أن هاتين الجنتين هما لفريق ذي مرتبة عالية. وقد يكون فريق السابقين المقربين المذكورين في سورة الواقعة. ثم نرى جنتين أخريين من دون هاتين. ونلمح أنهما لفريق يلي ذلك الفريق. وقد يكون هو فريق أصحاب اليمين. على أية حال فلنشهد الجنتين الأوليين، ولنعش فيهما لحظات! إنهما {ذواتا أفنان}.. والأفنان الأغصان الصغيرة الندية. فهما ريانتان نضرتان. {فيهما عينان تجريان}.. فماؤهما غزير، وسهل يسير. {فيهما من كل فاكهة زوجان}.. ففاكهتهما منوعة كثيرة وفيرة. وأهل الجنتين ما حالهم؟ إننا ننظرهم: {متكئين على فرش بطائنها من إستبرق} والإستبرق المخمل الحرير السميك. فكيف بظهائر هذه الفرش إذا كانت تلك بطائنها؟ {وجنى الجنتين دان}.. قريب التناول، لا يتعب في قطاف. ولكن هذا لا يستقصي ما فيهما من رفاهة ومتاع. فهناك بقية بهيجة لهذا المتاع: {فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان}.. فهن عفيفات الشعور والنظر. لا تمتد أبصارهن إلى غير أصحابهن، مصونات لم يمسسهن إنس ولا جن. وهن - بعد هذا - ناضرات لامعات: {كأنهن الياقوت والمرجان}. ذلك كله جزاء من خاف مقام ربه، وعبده كأنه يراه، شاعراً أن ربه يراه، فبلغ بذلك مرتبة الإحسان كما وصفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنالوا جزاء الإحسان من عطاء الرحمن: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟} وفي معرض الإنعام والإحسان، كان التعقيب يجيء في موضعه بعد كل فقرة {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟} والآن إلى الفريق الآخر صاحب الجنتين الأخريين. {ومن دونهما جنتان}.. وأوصافهما أدنى من الجنتين السابقتين. فهما: {مدهامتان}.. أي مخضرتان خضرة تميل إلى السواد لما فيهما من أعشاب. {فيهما عينان نضاختان}.. تنضان بالماء. وهذا دون الجريان! {فيهما فاكهة ونخل ورمان}.. وهناك: {من كل فاكهة زوجان} {فيهن خيرات حسان}.. بسكون ياء خيرات أو بتشديدها على الوصف. وتأويل الخيرات بالسكون أو الخيرات بالتشديد في الآية التالية: {حور مقصورات في الخيام}.. وتلقي الخيام ظل البداوة. فهو نعيم بدوي أو يمثل مطالب أهل البداوة.. والحور مقصورات. أما حور الجنتين السابقتين فهن قاصرات الطرف. {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان}.. فهن يشتركن مع زميلاتهن هناك في الصون والعفاف. أما أهل هاتين الجنتين فنحن ننظرهما: {متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان}.. والرفرف الأبسطة وكأنها من صنع "عبقر" لتقريب وصفها إلى العرب، وقد كانوا ينسبون كل عجيب إلى وادي الجن: عبقر! ولكن المتكآت هناك بطائنها من إستبرق. وهناك جنى الجنتين دان فهما مرتبتان مختلفتان! وهناك كذلك كان التعقيب بعد كل صفة للجنتين ونعيمهما: {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}. وفي ختام السورة التي استعرضت آلاء الله في الكون، وآلاءه في الخلق، وآلاءه في الآخرة. يجيء الإيقاع الأخير، تسبيحاً باسم الجليل الكريم، الذي يفني كل حي، ويبقى وجهه الكريم. {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام}.. أنسب ختام لسورة الرحمن.

ابن عاشور

تفسير : هذه آية واحدة عند جمهور العادِّين. ووقع في المصاحف التي برواية حفص عن عاصم علامةُ آية عقب كلمة {الرحمٰن}، إذ عدّها قراء الكوفة آية فلذلك عد أهل الكوفة آي هذه السورة ثمانياً وسبعين. فإذا جعل اسم {الرحمٰن} آية تعين أن يكون اسم «الرحمٰن»: إما خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: هو الرحمٰن، أو مبتدأ خبره محذوف يقدر بما يناسب المقام. ويجوز أن يكون واقعاً موقع الكلمات التي يراد لفظها للتنبيه على غلط المشركين إذ أنكروا هذا الاسم قال تعالى: {أية : قالوا وما الرحمٰن} تفسير : كما تقدم في سورة الفرقان (60)، فيكون موقعه شبيهاً بموقع الحروف المقطَّعة التي يُتَهجّى بها في أوائل بعض السور على أظهر الوجوه في تأويلها وهو التعريض بالمخاطبين بأنهم أخطأوا في إنكارهم الحقائق. وافتتح {باسم الرحمٰن} فكان فيه تشويق جميع السامعين إلى الخبر الذي يخبر به عنه إذ كان المشركون لا يألفون هذا الاسم قال تعالى: {أية : قالوا وما الرحمٰن}تفسير : [الفرقان: 60]، فهم إذا سمعوا هذه الفاتحة ترقبوا ما سيرد من الخبر عنه، والمؤمنون إذا طرق أسماعهم هذا الاسم استشرفوا لما سيرد من الخبر المناسب لوصفه هذا مما هم متشوقون إليه من آثار رحمته. على أنه قد قيل: إن هذه السورة نزلت بسبب قول المشركين في النبي صلى الله عليه وسلم {أية : إنما يعلمه بشر}تفسير : [النحل: 103]، أي يعلمه القرآن فكان الاهتمام بذكر الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن أقوى من الاهتمام بالتعليم. وأوثر استحضار الجلالة باسم {الرحمٰن} دون غيره من الأسماء لأن المشركين يأبون ذكره فجمع في هذه الجملة بين ردَّين عليهم مع ما للجملة الاسمية من الدلالة على ثبات الخبر، ولأن معظم هذه السورة تعداد للنعم والآلاء فافتتاحها باسم {الرحمٰن} براعة استهلال. وقد أُخبر عن هذا الاسم بأربعة أخبار متتالية غير متعاطفة رابعها هو جملة {أية : الشمس والقمر بحسبان}تفسير : [الرحمٰن: 5] كما سيأتي لأنها جيء بها على نمط التعديد في مقام الامتنان والتوقيف على الحقائق والتبكيت للخصم في إنكارهم صريح بعضها، وإعراضهم عن لوازم بعضها كما سيأتي، ففصل جملتي {أية : خلق الإنسان علمه البيان}تفسير : [الرحمٰن: 3، 4] عن جملة {علم القرآن} خلاف مقتضى الظاهر لنكتة التعديد للتبكيت. وعطف عليها أربعة أُخر بحرف العطف من قوله: {أية : والنجم والشجر يسجدان} تفسير : [الرحمٰن: 6] إلى قوله: {أية : والأرض وضعها للأنام} تفسير : [الرحمٰن: 10] وكلها دالة على تصرفات الله ليعلمهم أن الاسم الذي استنكروه هو اسم الله وأن المسمى واحد. وجيء بالمسند فعلاً مؤخراً عن المسند إليه لإِفادة التخصيص، أي هو علَّم القرآن لا بشرٌ علمه وحذف المفعول الأول لفعل {علم القرآن} لظهوره، والتقدير: علّم محمداً صلى الله عليه وسلم لأنهم ادعوا أنه معلَّم وإنما أنكروا أن يكون معلِّمه القرآن هو الله تعالى وهذا تبكيت أول. وانتصب {القرآن} على أنه مفعول ثان لفعل {علَّم}، وهذا الفعل هنا معدّى إلى مفعولين فقط لأنه ورد على أصل ما يفيده التضعيف من زيادة مفعول آخر مع فاعل فعلِه المجرد، وهذا المفعول هنا يصلح أن يتعلق به التعليم إذ هو اسم لشيء متعلق به التعليم وهو القرآن، فهو كقول معن بن أوس: شعر : أعلِّمه الرماية كلَّ يوم تفسير : وقوله تعالى: {أية : وإذ علَّمتُك الكتاب} تفسير : في سورة العقود (110) وقوله: {أية : وما علمناه الشعر} تفسير : في سورة يس (69)، ولا يقال: علّمته زيداً صديقاً، وإنما يقال: أعلمته زيداً صديقاً، ففعل عَلِم إذا ضُعّف كان بمعنى تحصيل التعليم بخلافه إذ عُدّي بالهمزة فإنه يكون لتحصيل الإِخبار والإِنباء. وقد عدد الله في هذه السورة نعماً عظيمة على الناس كلهم في الدنيا، وعلى المؤمنين خاصة في الآخرة وقدم أعظمها وهو نعمة الدين لأن به صلاح الناس في الدنيا، وباتباعهم إياه يحصل لهم الفوز في الآخرة. ولما كان دين الإسلام أفضل الأديان، وكان هو المنزّل للناس في هذا الإِبَّان، وكان متلقى من أفضل الوحي والكتب الإِلهية وهو القرآن، قدمه في الإِعلام وجعله مؤذناً بما يتضمنه من الدين ومشيراً إلى النعم الحاصلة بما بين يديه من الأديان كما قال: {أية : هذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه}تفسير : [الأنعام: 92]. ومناسبة اسم {الرحمٰن} لهذه الاعتبارات منتزعة من قوله: {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 107]. و{القرآن}: اسم غلب على الوحي اللفظي الذي أوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلم للإِعجاز بسورة منه وتعبُّد ألفاظه.

الشنقيطي

تفسير : قال بعض أهل العلم: نزلت هذه الآية لما تجاهل الكفار الرحمن جل وعلا، كما ذكره الله عنهم في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ }تفسير : [الفرقان: 60] كما تقدم في الفرقان. وقد قدمنا معنى الرحمن وأدلته من الآيات في أول سورة الفاتحة. وقوله تعالى: {عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}. أي علم نبيه صلى الله عليه وسلم القرآن فتلقته أمته عنه، وهذه الآية الكريمة تتضمن رد الله على الكفار في قولهم إنه تعلم هذا القرآن من بشر كما تقدم في قوله:{أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ}تفسير : [النحل: 103]، وقوله تعالى{أية : فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ }تفسير : [المدثر: 24] أي يرويه محمد عن غيره. وقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}تفسير : [الفرقان: 4 - 5]. فقوله تعالى هنا {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} أي ليس الأمر كما ذكرتم من أنه تعلم القرآن من بشر، بل الرحمن جل وعلا هو الذي علمه إياه، والآيات الدالة على هذا كثيرة جداً، كقوله تعالى{أية : قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الفرقان: 6]، وقوله تعالى:{أية : الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}تفسير : [هود: 1]، وقوله تعالى{أية : حـمۤ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً}تفسير : [فصلت: 1-4] وقوله تعالى:{أية : وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأعراف: 52] وقوله تعالى {أية : وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً}تفسير : [طه: 113]. وقوله تعالى:{أية : وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}تفسير : [الفرقان: 33] وقوله تعالى:{أية : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}تفسير : [القيامة: 17-19] وقوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا}تفسير : [الشورى: 52] وقوله تعالى {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ}تفسير : [يوسف: 3]. وقوله تعالى {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}تفسير : [النساء: 113] ومن أعظم ذلك هذا القرآن العظيم. وقوله تعالى {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ}تفسير : [البقرة: 185]. وتعليمه جل وعلا هذا القرآن العظيم، قد بين في مواضع أخر أنه من أعظم نعمه كما قال تعالى{أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}تفسير : - إلى قوله تعالى - {أية : ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ}تفسير : [فاطر: 32]. وقد علم الله تعالى الناس أن يحمدوه على هذه النعمة العظمى التي هي إنزال القرآن، وذلك في قوله تعالى{أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}تفسير : [الكهف: 1]، وبين أن إنزاله رحمة منه لخلقه جل وعلا في آيات من كتابه كقوله تعالى:{أية : وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}تفسير : [القصص: 86] وقوله:{أية : إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}تفسير : [الدخان: 5-6] وقد بينا الآيات الموضحة لذلك في الكهف والزخرف. {عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} حذف في أحد المفعولين، والتحقيق أن المحذوف هو الأول لا الثاني، كما ظنه الفخر الرازي، وقد رده عليه أبو حيان، والصواب هو ما ذكره، من أن المحذوف الأول، وتقديره: علم النبي صلى الله عليه وسلم وقيل جبريل، وقيل الإنسان.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1، 2- الرحمن. علَّم الإنسان القرآن ويسَّره له. 3، 4- أوجد الإنسان. علمه الإبانة عما فى نفسه تمييزاً له عن غيره. 5- الشمس والقمر يجريان فى بروجهما بحساب وتقدير لا إخلال فيه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الرحمن: اسم من أسماء الله تعالى. علم القرآن: أي علم من شاء من عباده القرآن. خلق الإِنسان: آدم كما خلق ذريته أيضاً. علمه البيان: أي علم آدم البيان الذي هو النطق والإِعراب عما في النفس بلغة من اللغات كل هذا تعليم الله عز وجل ولولا الله ما نطق إنسان. الشمس والقمر بحسبان: أي يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما. والنجم والشجر يسجدان: النجم ما لا ساق له من النبات، والشجر ما له ساق يسجدان يخضعان لله تعالى بما يريد منهما في طواعية كالسجود من المكلفين. والسماء رفعها: أي فوق الأرض وأعلاها. ووضع الميزان: أي أثبت العدل بين العباد أمر به وألهم صنع آلته. ألا تطغوا في الميزان: أي لأجل أن لا تجوروا في الميزان وهو ما يوزن به من آلات. وأقيموا الوزن بالقسط: أي لا تنقصوا الموزون الذي تزنونه بل وفوه. والأرض وضعها للأنام: أي أثبتها وخفضها كما رفع السماء وأعلاها للأنام لحياة الأنام عليها وهم الإِنس والجن والحيوان وكل ذي روح. فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام: أي في الأرض فاكهة وهي كل ما يتفكه به الإِنسان من أنواع الفواكه الكثيرة، والنخل ذات الأكمام وهي أوعية طلعها. والحب ذو العصف: أي وفي الأرض الحب من بُرٍّ وشعير وعصفه تبنه. والريحان: نبت معروف، والمراد به أنواع الرياحين المشمومة ذات الريح الطيّب. فبأي آلاء ربكما تكذبان: أي فبأي نعم ربكما يا معشر الجن والإِنس تكذبان وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى. والجواب لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد. معنى الآيات: قوله تعالى {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} يُخبر تعالى أنه هو الرحمن الذي علم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم القرآن لا كما يقول المبطلون إنما يعلمه بشر. الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء وهي متجلية ظاهرة فيما يعدد من آلاء ونعم. منها خلقه الإِنسان آدم وذريته، وتعليمهم البيان وهو النطق والإِبانة عما في نفوسهم. {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} يجريان لإِفادة الناس في معرفة أوقات عبادتهم، وآجال ديونهم وهي مظاهر الرحمة، {وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} والنجم غذاء بهائمكم والشجر فيه فاكهتكم وبعض غذائكم {يَسْجُدَانِ} خضوعاً لله بما أراد منهما لا يعصيان كما يعصي الثقلان. والسماء رفعها عن الأرض ولم يلصقها بالأرض إنعاماً منه على الثقلين في رفعها وتزيينها بكواكبها وشمسها وقمرها، {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} أي العدل حيث أمر به وألهم وضع آلته وغرز في النفوس حبه والرغبة فيه، من أجل ألا تجوروا في الميزان. {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ} بالعدل، {وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} أي لا تنقصوه إذا وزنتم بل وفوه كل هذا إنعام وألوان من رحمات الرحمن. والأرض وضعها للأنام أي أثبتها وخفضها ودحاها لحياة الأنام، وهم الإِنس والجان والحيوان، {فِيهَا فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} أي أوعية الطلع، والحب البر والشعير ذو العصف أي التبن والريحان هذه أنواع الطعام للإِنسان والحيوان طعام وفاكهة وريحان كل هذه مظاهر الرحمة التي أفاضها الرحمن. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا} يا معشر الجن والإِنس {تُكَذِّبَانِ}. لا بشيء من نِعمك ربّنا نكذب فلك الحمد. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الرحمن مثل اسم الله لا يصح أن يطلق على غير الرب تبارك وتعالى، فيقال فلان عزيز أو رحيم أو عليم أو حكيم، ولكن لا يقال رحمان، كما لا يقال إله أو الإِله أو الله. 2- ورد في الصحيح في فضل تعلم القرآن قوله صلى الله عليه وسلم حديث : خيركم من تعلم القرآن وعلمه . تفسير : 3- وجوب إقامة العدل والتواصي به، ومراقبة الموازين لدى التجار وإصلاح فاسدها. 4- وجوب شكر الله على آلائه. 5- استحباب قول لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد عند سماع قراءة فبأي آلاء ربكما تكذبان. 6- مشروعية تعلم علم الفلك لمعرفة القبلة ومواقيت الصلاة والصيام والحج.

القطان

تفسير : الرحمن: اسمٌ من اسماء الله الحسنى لا يجوز أن يسمّى به غيره. البيان: تعبير الانسان عما في نفسه. بحسبان: بحساب دقيق منتظم. النَّجم: النباتُ الذي لا ساق له. الشجر: كل ما له ساق كالنخل وغيره. يسجدان: يخضعان لله تعالى. والسماءَ رفعها: خلقها مرفوعة. ووضع الميزان: شرع العدل. وأقيموا الوزن بالقسط: قوّموا وزنكم بالعدل. ولا تخسِروا الميزان: ولا تنقصوا الميزان. الأنام: الخلق. ذات الأكمام: واحدها كم بكسر الكاف، وهي وعاء طَلْع النخل، وبرعوم الثمرة. العصف: ورقُ النبات الذي على السنبلة. الرَّيحان: كل مشموم طيب الرائحة من النبات. الآلاء: النعم واحدها إِلىً بفتح الهمزة وكسرها، وألْيٌ، وأَلْوٌ. يبين الله تعالى في هذه الآياتِ أنه علّم القرآن وأحكام الشرائع لهداية الخلق، وإتمام سعادتِهم في معاشِهم ومَعادهم. وخلَقَ الانسانَ على أحسنِ تقويم، وكمّله بالعقل وجمّله بالنطق {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} كي يُبينَ عما في نفسه. وتلك ميزةٌ له عن سائر الحيوان. وسخّر الشمسَ والقمرَ يجريان بحسابٍ دقيق وتقديرٍ منتظم وقوانين ثابتة. والنباتُ الذي لا ساقَ له، والشجرُ بجميع انواعه - مسخَّرة خاضعة لارادة الله في كل ما يريد. كما خلَق السماءَ مرفوعة، ووضعَ العدلَ حتى لا يظلم بعضكم بعضا. وأقيموا الوزنَ بالعدل في كل معاملاتكم، ولا تنقصوا الميزان. ولقد أوجد الله في الأرض لكم أنواعاً كثيرة من الفواكه، فيها النخْل ذاتُ الأكمام، وفيها الحبُّ ذو القشر، جعله رزقاً لكم ولأنعامكم. وفيها كل نبتٍ طيب الرائحة. وقد خص النخلَ بالذِكر لأن ثمره فاكهة وغذاء. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} الخطاب للانس والجن وقد جاء بعد ذِكر كثير من النعم، فبعد كل هذه النعم فبأي نعمة من ربكما تجحدان وتكذّبان؟؟. قراءات: قرأ ابن عامر: والحبَّ ذا العصف والريحانَ بفتح الحب والريحان. وقرأ حمزة والكسائي والريحانِ بالجر. والباقون: والحبّ ذو العصف والريحان بالرفع.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى عَنْ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ، وَفَضْلِهِ عَلَيِهِمْ.

الثعلبي

تفسير : {ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} نزلت حين قالوا: وما الرَّحْمن؟، وقيل: هو جواب لأهل مكة حين قالوا: إنّما يعلّمه بشر. {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} قال ابن عباس وقتادة: يعني آدم عليه السلام. {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} أسماء كل شيء، وقيل: علّمه اللغات كلّها، وكان آدم عليه السلام يتكلم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية، وقال آخرون: أراد جميع الناس؛ لأن الانسان اسم الجنس ثم اختلفوا في معنى البيان، فروي عن قتادة أنّه قال: علّمه بيان الحلال والحرام، وبيّن له الخير والشر، وما يأتي وما يذر؛ ليحتج بذلك عليه. وقال أبو العالية ومرّة الهمذاني وابن زيد: يعني الكلام. الحسن: النطق والتمييز. محمد ابن كعب: ما يقول وما يقال له. السدي: علّم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. يمان: الكتابة والخط بالقلم. نظيره {أية : عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ} تفسير : [العلق: 4] . ابن كيسان: خلق الانسان يعني محمداً صلى الله عليه وسلم علمه البيان يعني بيان ما كان وما يكون؛ لأنه كان يبيّن عن الأولين والآخرين وعن يوم الدين. {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أي بحساب ومنازل لا تعدّونها، قاله ابن عباس وقتادة وأبو ملك. قال ابن زيد وابن كيسان: يعني بهما بحسب الأوقات والأعمار والآجال، لولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف نحسب شيئاً، لو كان الدهر كلّه ليلاً كيف نحسب؟ أو كلّه نهاراً كيف نحسب؟ وقال الضحاك: يجريان بعدد. مجاهد: كحسبان الرحى يدوران في مثل قطب الرحا. السدي: بأجل كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا. نظيره {أية : كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} تفسير : [الرعد: 2] . يمان: يجريان بأهل الدنيا وقضائها وفنائها. والحسبان قد يكون مصدر حسبت حساباً وحسباناً مثل الغفران والكفران والرجحان والنقصان، وقد تكون جمع الحساب كالشهبان والرهبان والقضبان والركبان. وارتفاع الشمس والقمر باضمار فعل مجازه الشمس والقمر يجريان بحسبان، وقيل: مبتدأ وخبره فيما بعده. ونظم الآية الرَّحْمن علم القرآن وقدر الشمس والقمر، وقيل: هو مردود على البيان، أي علّمه البيان، إن الشمس والقمر بحسبان. ويقال: سعة الشمس ستة آلاف فرسخ وأربعمائة فرسخ في مثلها، وسعة القمر ألف فرسخ في ألف فرسخ. مكتوب في وجه الشمس: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، خلق الشمس بقدرته، وأجراها بأمره، وفي بطنها مكتوب: لا إله إلاّ الله، رضاه كلام، وغضبه كلام، ورحمته كلام، وعذابه كلام، وفي وجه القمر مكتوب: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، خلق الله القمر، وخلق الظلمات والنور، وفي بطنه مكتوب: لا إله إلاّ الله خلق الخير والشر بقدرته، يبتلي بهما من يشاء من خلقه، فطوبى لمن أجرى الله الخير على يديه، والويل لمن أجرى الله الشر على يديه. {وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} . قيل: هو ما ليس له ساق من الأشجار، وينبسط على وجه الأرض، وقال السدّي: هو جمع النبات سمّي نجماً لطلوعه من الأرض، وسجودها سجود ظلها، وقال مجاهد وقتادة: هو الكوكب، وسجوده طلوعه. {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} قال مجاهد: العدل، وقال الحسن والضحاك وقتادة: هو الذي يوزن به ليوصل به الإنصاف والانتصاف، وقال الحسين بن الفضل: هو القرآن، وأصل الوزن التقدير. {أَلاَّ تَطْغَوْاْ} يعني لئلاّ تميلوا وتظلموا وتجاوزوا الحق {فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ} بالعدل، وقال أبو الدرداء: أقيموا لسان الميزان بالقسط، وقال ابن عيينة: الإقامة باليد والقسط بالقلب {وَلاَ تُخْسِرُواْ} ولا تنقصوا {ٱلْمِيزَانَ} ولا تطففوا في الكيل والوزن. قال قتادة في هذه الآية: اعدل يا بن آدم كما تحب أنْ يعدل عليك، وأوفِ كما تحب أن يوفى لك، فإن العدل صلاح الناس. وقراءة العامة {تُخْسِرُواْ} بضم التاء وكسر السين، وقرأ بلال بن أبي بردة بفتح التاء وكسر السين وهما لغتان. {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} للخلق، وقال الحسن: للجن والإنس، وقال ابن عباس والشعبي: لكل ذي روح. {فِيهَا فَاكِهَةٌ } يعني [ألوان] الفواكه، وقال ابن كيسان: يعني ما يفكههم به من النعم التي لا تحصى، وكل النعم يُتفكه بها {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} أوعية التمر، واحدها: كم، وكل ما يسترنا فهو كم وكمة، ومنه كمّ القميص، ويقال: للقلنسوة: كمّة، قال الشاعر: شعر : فقلت لهم كيلوا بكمّة بعضكم دراهمكم إني كذاك أكيل تفسير : قال الضحاك: ذات الأكمام أي ذات الغلف. الحسن: أكمامها: ليفها. قتادة: رقابها. ابن زيد: الطلع قبل أن يتفتق. {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ} قال مجاهد: هو ورق الزرع، قال ابن السكّيت: يقول العرب لورق الزرع: العصف والعصيفة والجِل بكسر الجيم، قال علمقة بن عبدة: شعر : تسقي مذانب قد مالت عصيفتها حدورها من أتيّ الماء مطموم تفسير : العصف: ورق الزرع الأخضر إذا قطع رؤوسه ويبس. نظيره {أية : كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 5]. {وَٱلرَّيْحَانُ} قال مجاهد: هو الرزق، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: كل ريحان في القرآن فهو رزق. قال مقاتل بن حيان: الريحان: الرزق بلغة حمْيَر. قال الشاعر: شعر : سلام الإله وريحانه ورحمته وسماء درر تفسير : سعيد بن جبير عن ابن عباس: الريحان: الريع. الضحّاك: هو الطعام. قال: فالعصف هو التين والريحان ثمرته. الحسن وابن زيد: هو ريحانكم هذا الذي يشم. الوالبي عن ابن عباس: هو خضرة الزرع. سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق. وقراءة العامة (والحبُ ذو العصف والريحان) كلّها مرفوعاً بالرد على الفاكهة، ونَصبها كلّها ابن عامر على معنى خلق هذا الانسان وخلق هذه الاشياء، وقرأ أهل الكوفة إلاّ عاصم (والريحان) بالجر عطفاً على العصف. {ِفَبِأَيِّ آلاۤءِ} نِعَم {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أيها الثقلان. يدل عليه ما أخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن مسلم الحنبلي قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عبدالخالق قال: حدّثنا عبدالوهاب الوراق قال: حدّثنا أبو إبراهيم الترجماني قال: حدّثنا هشام بن عمار الدمشقي، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا وهب ابن محمد عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرَّحْمن حتى ختمها. ثم قال: "حديث : ما لي أراكم سكوتاً؟ للجن أحسن منكم ردّاً، ما قرأت عليهم هذه الآية مرة {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إلاّ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربّنا نكذب ". تفسير : وقيل: خاطب بلفظ التثنية على عادة العرب، وقد مضت هذه المسألة في قوله سبحانه: {أية : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} تفسير : [ق: 24]. وأما الحكمة من تكرارها فقال القتيبي: إن الله سبحانه وتعالى عدّد في هذه السورة نعماه، وذكّر خلقه آلاءه. ثم أتبع ذكر كلّ كلمة وضعها، ونعمة ذكرها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقرّرهم بها، وهو كقولك لرجل: أحسنت إليه وتابعت بالأيادي، وهو في كل ذلك ينكرك ويكفرك: ألم تكن فقيراً فأغنيتك؟ أفتنكر؟ ألم تكن عرياناً فكسوتك؟، أفتنكر هذا؟ ألم أحملك وأنت راحل؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملاً فعززتك؟، أفتنكر هذا؟ ألم تكن صرورة فحججت بك؟ أفتنكر هذا؟ والتكرار سايغ في كلام العرب، حسن في مثل هذا الموضع. قال الشاعر: شعر : المم سلومه المم المم تفسير : وقال الآخر: شعر : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم تفسير : وقال آخر: شعر : فكادت فرارة تصلى بنا فاولى فرارة أولى فراراً تفسير : وقال آخر: شعر : لا تقطعن الصديق ماطرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملّنّ من زيارته زره وزره وزر وزر وزر تفسير : وقال الحسين بن الفضل: التكرار لطرد الغفلة وتأكيد الحجة.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {بِحُسْبَانٍ} الحُسبان بضم الحاء مصدر مثل الغُفران والكُفران ومعناه الحساب {الأَنَامِ} الخلق وكلُّ ما دبَّ على وجه الأرض {ٱلْعَصْفِ} ورق الزرع الأخضر إِذا يبس {ٱلرَّيْحَانُ} كل نبات طيب الريح، سمي ريحاناً لرائحته الطيبة {مَّارِجٍ} المارج: اللهب الذي يعلو النار قال الليث: هو الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد {ٱلْجَوَارِ} جمع جارية وهي السفينة سميت جارية لأنها تمشي على سطح الماء {ٱلأَعْلاَمِ} الجبال جمع علم وهو الجبل الطويل قال الشاعر: "إِذا قطعن علماً بدا علمٌ" {تَنفُذُواْ} النفوذ: الخروج من الشي بسرعة {شُوَاظٌ} الشُواظ: اللهب الذي لا دخان له {ٱلدِّهَانِ} الجلد الأحمر {آنٍ} نهاية في الحرارة. التفسِير: {ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} أي الله الرحمنُ علَّم القرآن، ويسَّره للحفظ والفهم قال مقاتل: لما نزل قوله تعالى {أية : ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ}تفسير : [الفرقان: 60] قال كفار مكة، وما الرحمن؟ فأنكروه وقالوا لا نعرف الرحمن فقال تعالى {ٱلرَّحْمَـٰنُ} الذي أنكروه هو الذي {عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} وقال الخازن: إن الله عز وجل عدَّد نعمه على عباده، فقدَّم أعظمها نعمة، وأعلاها رتبة، وهو القرآن العزيز لأنه أعظم وحي الله إِلى أنبيائه، وأشرفه منزلة عند أوليائه وأصفيائه، وأكثره ذكراً، وأحسنه في أبواب الدين أثراً، وهو سنام الكتب السماوية المنزَّلة على أفضل البرية {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} أي خلق الإِنسان السميع البصير الناطق، والمرادُ بالإِنسان الجنسُ {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} أي ألهمه النطق الذي يستطيع به أن يُبين عن مقاصده ورغباته، ويتميَّز به عن سائر الحيوان قال البيضاوي: والمقصودُ تعداد ما أنعم الله به على نوع الإِنسان، حثاً على شكره، وتنبيهاً على تقصيرهم فيه، وإِنما قدَّم تعليم القرآن على خلق الإِنسان، لأنه أصل النعم الدينية فقدَّم الأهم {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أي الشمس والقمر يجريان بحساب معلوم في بروجهما، ويتنقلان في منازلهما لمصالح العباد قال ابن كثير: أي يجريان متعاقبين بحساب مقنَّن لا يختلف ولا يضطرب {وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} أي والنجمُ والشجر ينقادان للرحمن فيما يريده منهما، هذا بالتنقل بالبروج، وذاك بإِخراج الثمار {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} أي والسماء خلقها عالية محكمة البناء رفيعة القدر والشأن، وأمر بالميزان عند الأخذ والإِعطاء لينال الإِنسان حقه وافياً {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} أي لئلا تبخسوا في الميزان {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ} أي اجعلوا الوزن مستقيماً بالعدل والإِنصاف {وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} أي لا تطففوا الوزن ولا تُنقصوه كقوله تعالى {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}تفسير : [المطففين: 1] {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} أي والأرض بسطها لأجل الخلق، ليستقروا عليها، وينتفعوا بما خلق الله على ظهرها قال ابن كثير: أي أرساها بالجبال الشامخات لتستقر بما على وجهها من الأنام وهم الخلائق، المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم في سائر أرجائها {فِيهَا فَاكِهَةٌ} أي فيها من أنواع الفواكه المختلفة الألوان والطعوم والروائح {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} أي وفيها النخل التي يطلع فيها أوعية الثمر قال ابن كثير: أفرد النخل بالذكر لشرفه ونفعه رطباً ويابساً، والأكمام هي أوعية الطلع كما قال ابن عباس، وهو الذي يطلع فيه القنو، ثم ينشق عنه العنقود فيكون بُسراً ثم رُطباً، ثم ينضج ويتناهى ينعه واستواؤه {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ} أي وفيها أنواع الحب كالحنطة والشعير وسائر ما يُتغذى به، ذو التبن الذي هو غذاء الحيوان {وَٱلرَّيْحَانُ} أي وفيها كل مشموم طيب الريح من النبات كالورد، والفُلّ، والياسمين وما شاكلها قال في البحر: ذكر تعالى الفاكهة أولاً ونكَّر لفظها لأن الانتفاع بها نفسها، ثم ثنَّى بالنخل فذكر الأصل ولم يذكر ثمرها وهو التمر، لكثرة الانتفاع بها من ليفٍ، وسعف، وجريدٍ، وجذوع، وجُمَّار، وثمر، ثم ذكر الحب الذي هو قوام عيش الإِنسان وهو البر والشعير وكل ما له سنبل وأوراق، ووصفه بقوله {ذُو ٱلْعَصْفِ} تنبيهاً على إنعامه عليهم بما يقوتهم به من الحب، وما يقوت بهائمهم من ورقه وهو التبنُ، وبدأ بالفاكهة وختم بالمشموم ليحصل ما به يُتفكه، وما به يُتقوَّت، وما به تقع اللذاذة من الرائحة الطيبة، ولما عدَّد نعمه خاطب الإِنس والجن بقوله {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعم الله يا معشر الإِنس والجن تكذبان؟ أليست نعم الله عليكم كثيرة لا تُحصى؟ عن ابن عمر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكتوا، فقال: مالي أسمع الجنَّ أحسن جواباً لربها منكم؟ ما أتيتُ على قول الله تعالى {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إلا قالوا: لا بشيءٍ من نعمك ربنا نكذب فلك الحمدتفسير : .. ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته فقال {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ} أي خلق أباكم آدم من طين يابسٍ يسمع له صلصلة أي صوتٌ إِذا نُقر قال المفسرون: ذكر تعالى في هذه السورة أنه خلق آدم {مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ} وفي سورة الحِجر {أية : مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}تفسير : [الحجر: 26] أي من طين أسود متغير، وفي الصافات {أية : مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ}تفسير : [الصافات: 11] أي يلتصق باليد، وفي آل عمران {أية : كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}تفسير : [آل عمران: 59] ولا تنافي بينهما، وذلك لأن الله تعالى أخذه من تراب الأرض، فعجنه بالماء فصار طيناً لازباً أي متلاصقاً يلصق باليد، ثم تركه حتى صار حمأً مسنوناً أي طيناً أسود منتناً، ثم صوَّره كما تُصوَّر الأواني ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة كالفخار إِذا نُقر صوَّت، فالمذكور هٰهنا آخر الأطوار {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} أي وخلق الجنَّ من لهبٍ خالصٍ لا دخان فيه من النار قال ابن عباس: {مِن مَّارِجٍ} أي لهبٍ خالصٍ لا دخان فيه وقال مجاهد: هو اللهب المختلط بسواد النار، وفي الحديث "حديث : خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجانُّ من مارجٍ من نار، وخُلق آدم مما وُصف لكم"تفسير : {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعم الله يا معشر الإِنس والجن تكذبان؟ قال أبو حيان: والتكرار في هذه الفواصل للتأكيد والتنبيه والتحريك، وقال ابن قتيبة: إِن هذا التكرار إِنما هو لاختلاف النعم، فكلما ذكر نعمةً كرر قوله {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وقد ذُكرت هذه الآية إِحدى وثلاثين مرة، والاستفهام فيها للتقريع والتوبيخ {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} أي هو جل وعلا ربُّ مشرق الشمس والقمر، وربُّ مغربهما، ولمّا ذكر الشمس والقمر في قوله {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} ذكر هنا أنه رب مشرقهما ومغربهما {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعم الله التي لا تحصى تكذبان؟ {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} أي أرسل البحر الملح والبحر العذب يتجاوران ويلتقيان ولا يمتزجان {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} أي بينهما حاجزٌ من قدرة الله تعالى لا يطغى أحدهما على الآخر بالممازجة قال ابن كثير: والمراد بالبحرين: الملح والحلو، فالملح هذه البحار، والحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس، وجعل الله بينهما برزخاً وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا فيفسد كل واحد منهما الآخر {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعم الله تكذبان؟ {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} أي يُخرج لكم من الماء اللؤلؤ والمرجان، كما يخرج من التراب الحب والعصف والريحان، قال الألوسي: واللؤلؤ صغار الدُر، والمرجان كباره قاله ابن عباس، وعن ابن مسعود أن المرجان الخرز الأحمر، والآية بيانٌ لعجائب صنع الله حيث يخرج من الماء الملح أنواع الحلية كالدر والياقوت والمرجان، فسبحان الواحد المنَّان {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعمة من نعم الله تكذبان؟ {وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} أي وله جل وعلا السفن المرفوعات الجارياتُ في البحر كالجبال في العظم والضخامة قال القرطبي: {كَٱلأَعْلاَمِ} أي كالجبال، والعلمُ الجبل الطويل، فالسفن في البحر كالجبال في البر، ووجه الامتنان بها أن الله تعالى سيَّر هذه السفن الضخمة التي تشبه الجبال على وجه الماء، وهو جسم لطيف مائع يحمل فوقه هذه السفن الكبار المحمَّلة بالأرزاق والمكاسب والمتاجر من قطر إِلى قطر، ومن إقليم إِلى إقليم قال شيخ زاده: واعلم أن أصول الأشياء أربعة: الترابُ، والماءُ، والهواءُ، والنارُ، فبيَّن تعالى بقوله {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ} أن التراب أصلٌ لمخلوق شريف مكرَّم، وبيَّن قوله {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} أن النار أيضاً أصلٌ لمخلوق آخر عجيب الشأن، وبيَّن بقوله {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} أن الماء أيضاً أصل لمخلوق آخر له قدرٌ وقيمة، ثم ذكر أن الهواء له تأثير عظيم في جري السفن المشابهة للجبال فقال {وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} وخصَّ السفن بالذكر لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك حيث يقولون: "لك الفُلك ولك المُلك" وإِذا خافوا الغرق دعوا الله تعالى خاصة {أية : مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}تفسير : [العنكبوت: 65] {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعمةٍ من نعم الله تكذبان؟ {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} أي كل من على وجه الأرض من الإِنسان والحيوان هالك وسيموت {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} أي ويبقى ذات الله الواحد الأحد، ذو العظمة والكبرياء والإِنعام والإِكرام كقوله {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88] قال ابن عباس: الوجهُ عبارة عن الله جل وعلا الباقي الدائم قال القرطبي: ووجه النعمة في فناء الخلق التسويةُ بينهم في الموت ومع الموت تستوي الأقدام، والموتُ سبب النقلة من دار الفناء إِلى دار الثواب والجزاء {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعمةٍ من نعم الله تكذبان {يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي يفتقر إِليه تعالى كل من في السماوات والأرض، ويطلبون منه العون والرزق بلسان المقال أو بلسان الحال {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} أي كل ساعة ولحظة هو تعالى في شأن من شئون الخلق، يغفر ذنباً، ويفرّج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين قال المفسرون: هي شئونٌ يُبديها ولا يبتديها أي يظهرها للخلق ولا ينشئها من جديد لأن القلم جفَّ على ما كان وما سيكون إِلى يوم القيامة، فهو تعالى يرفع من يشاء ويضع من يشاء، ويشفي سقيماً ويمرض سليماً، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً، ويفقر غنياً ويغني فقيراً قال مقاتل: إن الآية نزلت في اليهود قالوا: إن الله تعالى لا يقضي يوم السبت شيئاً، فردَّ الله عليهم بذلك {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان أيها الإِنس والجان؟ {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ} أي سنحاسبكم على أعمالكم يا معشر الإِنس والجنِّ قال ابن عباس: هذا وعيدٌ من الله تعالى للعباد، وليس بالله تعالى شغل وهو فارغ قال في البحر: أي ننظر في أموركم يوم القيامة، لا أنه تعالى كان له شغل فيفرغ فيه، وجرى هذا على كلام العرب يقول الرجل لمن يتهدده: سأفرغ لك أي سأتجرد للانتقام منك من كل ما شغلني وقال البيضاوي: أي سنتجرد لحسابكم وجزائكم يوم القيامة، وفيه تهديد مستعارٌ من قولك لمن تهدده: سأفرغ لك، فإِن المتجرد للشيء يكون أقوى عليه، وأجدَّ فيه، والثقلان: الإِنسُ والجنُّ سميا بذلك لثقلهما على الأرض {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ} أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماواتِ والأرض هاربين من الله، فارين من قضائه فأخرجوا منها، وخلصوا أنفسكم من عقابه، والأمر للتعجيز {لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} أي لا تقدرون على الخروج إِلا بقوةٍ وقهر وغلبة، وأنَّى لكم ذلك؟ قال ابن كثير: معنى الآية أنكم لا تستطيعون هرباً من أمر الله وقدره، بل هو محيطٌ بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام الحشر حيث الملائكة محدقةٌ بالخلائق سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب إِلا بسلطان أي إِلا بأمر الله وإِرادته {أية : يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ}تفسير : [القيامة: 10]؟ وهذا إِنما يكون في القيامة لا في الدنيا بدليل قوله تعالى بعده {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ} {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ تقدم تفسيره {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ} أي يرسل عليكما يوم القيامة لهب النار الحامية {وَنُحَاسٌ} أي ونحاسٌ مذاب يصبُّ فوق رءوسكم قال مجاهد: هو الصفر المعروف يصب على رءوسهم يوم القيامة وقال ابن عباس: {نحاسٌ} هو الدخان الذي لا لهب فيه، وقول مجاهد أظهر {فَلاَ تَنتَصِرَانِ} أي فلا ينصر بعضكم بعضاً، ولا يخلصه من عذاب الله قال ابن كثير: ومعنى الآية لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكةُ وزبانية جهنم، بإِرسال اللهب من النار والنحاس المذاب عليكم لترجعوا فلا تجدون لكم ناصراً {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} أي فإِذا انصدعت يوم القيامة لتنزل الملائكة منها لتحيط بالخلائق من كل جانب {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} أي فكانت مثل الورد الأحمر من حرارة النار، ومثل الأديم الأحمر أي الجلد الأحمر قاله ابن عباس: وذلك من شدة الهول، ومن رهبة ذلك اليوم العظيم {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} أي ففي ذلك اليوم الرهيب يوم تنشق السماء، لا يُسأل أحد من المذنبين من الإِنس والجن عن ذنبه، لأن للمذنب علامات تدل على ذنبه كاسوداد الوجوه، وزرقة العيون قال الإِمام الفخر: لا يُسأل أحد عن ذنبه، فلا يقال له: أنتَ المذنب أو غيرك؟ ولا يقال: من المذنب منكم؟ بل يعرفون بسواد وجوههم وغيره {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} أي يُعرف يوم القيامة أهل الإِجرام بعلامات تظهر عليهم وهي ما يغشاهم من الكآبة والحزن قال الحسن: سواد الوجه وزرقة الأعين كقوله تعالى {أية : وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً}تفسير : [طه: 102] وقوله {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}تفسير : [آل عمران: 106] {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ} أي فتأخذ الملائكة بنواصيهم أي بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في جهنم قال ابن عباس: يُؤخذ بناصية المجرم وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب ثم يلقى في النار {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} أي يقال لهم تقريعاً وتوبيخاً: هذه النار التي أخبرتم بها فكذبتم قال ابن كثير: أي هذه النار التي كنتم تكذبون بوجودها، ها هي حاضرةٌ تشاهدونها عياناً {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} أي يترددون بين نار جهنم وبين ماءٍ حار بلغ النهاية في الحرارة قال قتادة: يطوفون مرةً بين الحميم، ومرة بين الجحيم، والجحيم النارُ، والحميم الشراب الذي انتهى حره {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعم الله تكذبان يا معشر الإنس والجان؟.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} هذه السورة مكية في قول الجمهور وسبب نزولها أنه لما نزل وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمٰن قالوا: ما نعرف الرحمٰن، فنزلت ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر مقر المجرمين في ضلال وسعر ومقر المتقين في جنات ونهر ذكر شيئاً من آثار الملك والقدرة ثم ذكر مقر الفريقين على جهة الإِسهاب إذا كان في آخر السورة ذكره على جهة الاختصار والإِيجاز ولما ذكر قوله {أية : عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 55] فأبرز هاتين الصفتين بصورة التنكير فكأنه قيل من المتصف بذلك فقال: "الرحمٰن علم القرآن" فذكر ما نشأ عن صفة الرحمة وهو تعليم القرآن الذي هو شفاء للقلوب والظاهر أن الرحمٰن مرفوع على الابتداء وعلم القرآن خبره ولما ذكر تعليم القرآن ولم يذكر المعلم ذكره بعد في قوله: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} ليعلم أنه هو المقصود بالتعليم ولما كان خلقه من أجل الدين وتعليمه القرآن كان كالسبب في خلقه فقدم على خلقه ثم ذكر تعالى الوصف الذي يتميز به الإِنسان من المنطق المفصح عن الضمير والذي به يمكن قبول التعليم وهو البيان ألا ترى أن الأخرس لا يمكن أن يتعلم شيئاً مما يدرك بالنطق المفصح عن الضمير والذي به يمكن قبول التعليم وهو الباري ولما ذكر تعالى ما أنعم به الإِنسان من تعلميه البيان ذكر ما امتن به وجود الشمس والقمر وما فيها من المنافع العظيمة للإِنسان إذ هما يجريان على حساب معلوم وتقدير سوي في بروجهما ومنازلهما والحسبان مصدر كالغفران وهو بمعنى الحساب وارتفع الشمس على الابتداء وخبره بحسبان فاما على حذف أي جري الشمس والقمر كائن بحسبان ولما ذكر ما به حياة الأرواح من تعليم القرآن ذكر ما به حياة الأشباح من النبات الذي لا ساق له والنبات الذي له ساق وكان تقديم النجم وهو ما لا ساق له لأنه أصل القوت والذي له ساق ثمره يتفكه به غالباً ولما أوردت هذه الجمل مورد تعديد النعم ردّ الكلام إلى العطف في وصل ما يناسب وصله والتناسب الذي بين هاتين الجملتين ظاهر لأن الشمس والقمر علويان والنجم والشجر سفليان. {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا} أي خلقها مرفوعة حيث جعلها مصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين ينزلون بالوحي على أنبيائه عليهم السلام ونبه بذلك على عظم شأنه وملكه والسماء نصب على الاشتغال روعي مشاكلة الجملة التي تليه وهي يسجدان. {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} الظاهر أن كل ما توزن به الأشياء ويعرف مقاديرها وان اختلفت أشكال الآلات بدأ أولاً بالعلم فذكر ما فيه أشرف أنواع العلوم وهو القرآن ثم ذكر ما به التعديل في الأمور وهو الميزان لقوله: {أية : وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الحديد: 25]. {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} أي لأن لا تطغوا فتطغوا منصوب بأن وقال الزمخشري: أو هي أن المفسرة وقال ابن عطية ويحتمل أن تكون أن مفسرة فيكون تطغوا جزماً بالنهي "انتهى". ولا يجوز ما قالاه من أن مفسرة لأنه فات أحد شرطيها وهو أن يكون ما قبلها جملة فيها معنى القول ووضع الميزان ليس جملة فيها معنى القول والطغيان في الميزان هو أن يكون بالتعمد واما ما لا يقدر عليه من التحرير بالميزان فمعفو عنه ولما كانت التسوية مطلوبة جداً أمر تعالى فقال: {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ} وقرأ الجمهور ولا تخسروا من أخسر أي أفسد ونقص كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}تفسير : [المطففين: 3]. أي ينقصون وكرر لفظ الميزان تشديداً للتوصية به وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه ولما ذكر السماء ذكر مقابلها فقال: {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} أي خفضها مدحوة على الماء لينتفع بها والأنام الخلق. {فِيهَا فَاكِهَةٌ} ضروب مما يتفكه به وبدأ بقوله فاكهة إذ هو من باب الابتداء بالأدنى والترقي إلى الأعلى ونكر لفظها لأن الإِنتفاع بها دون الانتفاع بما يذكر بعدها ثم ثنى بالنخل فذكر الأصل ولم يذكر ثمرها وهو الثمر لكثرة الانتفاع بها من ليف وسعف وجريد وجذوع وجمار وثمر، ثم أتى ثالثاً بالحب الذي هو قوام عيش الإِنسان في أكثر الأقاليم وهو البر والشعير وكل ما له سنبل وأوراق مشعبة على ساقه ووصفه بقوله: ذو العصف تنبيهاً على انعامه عليهم بما يقوتهم به من الحب ويقوت بهائمهم من ورقه وهو التبن وبدأ بالفاكهة وختم بالمشموم وبينهما النخل والحب وليحصل ما به يتفكه وما به يتقوت وما به تقع اللذاذة من الرائحة الطيبة وذكر النخل باسمها والفاكهة دون شجرها لعظم المنفعة بالنخل من جهات متعددة وشجرة الفاكهة بالنسبة إلى ثمرتها حقيرة فنص على ما يعظم به الانتفاع من شجرة النخل ومن الفاكهة دون شجرها. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا} خطاب للثقلين والآلاء النعم ولما خاطب الثقلين ذكر أصلهما فقال: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ}. {مِن صَلْصَالٍ} وهو آدم عليه السلام. {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ} وهو إبليس والمارج المختلط ومن الأولى لابتداء الغاية والثانية في من نار للتبعيض. {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} خبر مبتدأ محذوف تقديره هو رب وعن ابن عباس للشمس مشرق في الصيف مصعد ومشرق في الشتاء منحدر تنتقل فيهما مصعدة ومنحدرة والمغربان مغرب الشفق ومغرب الشمس. {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} تقدّم في الفرقان والظاهر التقاؤهما أي يتجاوران بلا فصل بينهما في رؤية العين. {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} أي حاجز من قدرة الله تعالى. {لاَّ يَبْغِيَانِ} لا يتجاوزان حديهما ولا يبغي أحدهما على الآخر بالمماجره. {يَخْرُجُ مِنْهُمَا} قال الجمهور: إنما يخرج من الاجاج في المواضع التي تقع فيها الأنهار والمياه العذبة فناسب إسناد ذلك إليهما وهذا مشهور عند الغواصين وقال ابن عباس وعكرمة: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر لأن الصدف وغيرها تفتح أفواهها للمطر فلذلك قال منهما اللؤلؤ وقيل هما بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ ومن الآخر المرجان واللؤلؤ كبار الجوهر والمرجان إسم أعجمي معرب والجواري السفن. {كَٱلأَعْلاَمِ} كالجبال شبهها بالجبال وعبر بمن في قوله. {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} تغليباً لمن يعقل والضمير في عليها قيل عائد على الأرض وقد تقدم ذكرها والغناء عبارة عن إعدام جميع الموجودات من حيوان وغيره والوجه يعبر به عن حقيقة الشىء، والجارحة منفية عن الله تعالى والظاهر أن الخطاب في قوله: وجه ربك للرسول عليه السلام وفيه تشريف عظيم له عليه السلام فمعنى ذو الجلال الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم والاكرام للمخلصين من عباده. {يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} حوائجهم وما يتعلق بمن في السماوات من أمر الدين وما استعبدوا به ومن في الأرض من أمر دينهم ودنياهم والظاهر أن قوله يسأله استئناف أخبار. {كُلَّ يَوْمٍ} أي كل ساعة ولحظة وذكر اليوم لأن الساعات واللحظات في ضمنه. {هُوَ فِي شَأْنٍ} قال ابن عباس: في شان يمضيه من الخلق والرزق والاحياء والاماتة وانتصب كل يوم على الظرف والعامل فيه العامل في قوله في شأن وهو مستقر المحذوف نحو يوم الجمعة زيد قائم. {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ} أي ننظر في أموركم يوم القيامة لا أنه تعالى كان له شغل فهو يفرغ منه وجرى هذا على كلام العرب في أن المعنى سنقصد لحسابكم فهو استعارة من قول الرجل لمن يتهدده سأفرغ لك أي سأتجرد للإِيقاع بك من كل ما يشغلني عنه حتى لا يكون لي شغل سواه والمراد التوفر على الانتقام منه والظاهر أن قوله يا معشر الآية خطاب من الله تعالى إياهم يوم القيامة وقوله: {يٰمَعْشَرَ} كالترجمة لقوله ايه الثقلان. {إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} أن تهربوا من قضائي وتخرجوا عن ملكوتي ومن سمائي وأرضي فافعلوا ثم قال لا تقدرون على النفوذ. {إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} يغني بقوة وغلبة وأنى لكم ذلك ونحوه وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وفانفذوا أمر تعجيز. {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا} قال ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر والشواظ لهب النار والنحاس الصفر المعروف. {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} جواب إذاً محذوف تقديره فما أعظم الهول وانشقاقها انفطارها يوم القيامة. {فَكَانَتْ وَرْدَةً} أي محمرة كالوردة وقال ابن عباس: كالدهان كالأديم الأحمر. {فَيَوْمَئِذٍ} التنوين فيه للعوض من الجملة المحذوفة والتقدير فيوم إذا انشقت والناصب ليومئذٍ لا يسأل ودل هذا على انتفاء السؤال ووقفوهم أنهم مسؤولون وغيرها من الآيات على وقوع السؤال وقيل هي مواطن يسأل في بعضها وسيماهم سواد الوجوه وزرقة العيون والبكم والعمى والصم.

الجيلاني

تفسير : {ٱلرَّحْمَـٰنُ} [الرحمن: 1] أي: الذات المحيطة بعموم الأعيان بالرحمة العامة الواسعة، وبمقتضى سعة رحمته، ووفور لفطه ورأفته. {عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} [الرحمن: 2] لنوع الإنسان، ونزّل على خاصة خلقه، ليكون مبيناً لهم سبيل الكشف والعيان، ونهج التوحيد والعرفان. مع أنه لما {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} [الرحمن: 3] سبحانه؛ لأجل هذا الشأن البديع البرهان، ولهذه الحكمة والمصلحة أيضاً بعينه. {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} [الرحمن: 4] أي: التنطق والتكلم بلغات شتَّى، وعبارات لا تُحصى؛ ليستفيد من منطوقات الألفاظ ما هو معناه، ويتفطن منها إلى ما هو مغزاها ومرماها، وغاية قصواها، ألا وهي المعارف والحقائق، والحكم والأسرار الإلهية المودعة المكنونة في مطاوي حروف المصاحف، والكلمات الحاصلة من مقاطع الأصوات المتكونة من لوازم الحياة الحقيقية المترتبة على النفسات الرحمانية، والنفثات اللاهوتية الثابتة للوجود المطق حسب تجليات الذات الإلهية، وعلى مقتضى الأسماء والصفات الذاتية الكامنة فيها، المتجلية عليها بمقتضى الشئون والكمالات الغير المتكررة إلى ما يتناهى أزلاً وأبداً؛ ليظهر للإنسان سر الظهور والبطون، والغيب والشهادة الواردة على الوحدة الذاتية الإلهية. ولهذه المصلحة أيضاً ظهر في العلويات {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] أي: يجريان ويدوران بحساب مقدر من عنده سبحانه، معلوم في حضرة علمه؛ ليكونا دليلين شاهدين على ظهور مرتبتي النبوة والولاية المقتبسة من مشكاة النبوة، المتفرغة على العدالة الذاتية الإلهية. {وَ} أيضاً أظهر في السفليات لتلك المصلحة العليَّة {ٱلنَّجْمُ} أي: النبات الذي لا ساق له {وَٱلشَّجَرُ} وهو الذي له ساق {يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] يخضعان ويتذللان له سبحانه دائماً من كمال الإطاعة والانقياد. {وَ} بالجملة: {ٱلسَّمَآءَ} أي: عالم الأسباب والأقدار {رَفَعَهَا} في أعلى المكان والمكانة {وَوَضَعَ} فيها {ٱلْمِيزَانَ} [الرحمن: 7] المعتدل المبنئ عن القسطاس المستقيم الإلهي الواقع بين الأسماء والصفات الذاتية، وعين المقادير والآجال المقدرة لجربها، ورتبها على دورها وانقلاباتها الواقعة فيها على وفق الحكمة المترتبة على العدالة الإلهية. وإنما رتبها على متقضى الحكمة والعدالة {أَلاَّ تَطْغَوْاْ} أي: لئلا تعتدوا وتتجاوزوا أيها المجبولون لمصلحة التكليف والعرفان، على مقتضى الوحي الإلهي المترتب على الحكمة البالغة المتقنة في الأرض {فِي ٱلْمِيزَانِ} [الرحمن: 8] الموضوع بمقتضاها، ألا وهي الشرع الشريف. {وَ} بعدما سمعتم حال العلويات والسلفليات، وما فيهما من الموازين المعتدلة الموضوعة بالوضع الإلهي {أَقِيمُواْ} أيها المكلفون فيما بينكم {ٱلْوَزْنَ} واعتدلوه {بِٱلْقِسْطِ} والإنصاف {وَلاَ تُخْسِرُواْ} ولا تنقصوا {ٱلْمِيزَانَ} [الرحمن: 9] إذ هو موضع على العدل السوي. {وَ} اعلموا أن {ٱلأَرْضَ} إنما {وَضَعَهَا} ومهدها سبحانه {لِلأَنَامِ} [الرحمن: 10] ليعتدلوا عليها، ويستقيموا عموم أخلاقهم وأطوارهم فيها، حتى يستعدوا لأن يفيض عليهم طلائع سلطان الكشف والشهود، فيفوزوا بمقر التوحيد، ويتمكنوا في مقعد الصدق والتفريد. لذلك أعدَّ لهم سبحانه تفضلاً عليهم وتكريماً: {فِيهَا فَاكِهَةٌ} كثيرة يتفكهون بها، من أنواع الفواكه تقويماً لأمزجتهم، وتقويةً لها {وَ} لا سيما {ٱلنَّخْلُ} التي هي {ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} [الرحمن: 11] والأوعية المشتملة على التفكه والتقوت لسائر الأغراض الحاصلة منها. {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ} "والحبُّ" أي: وكذا اعدَّ لهم فيها جنس الحبوب التي يتقوت بها نوع الإنسان منها "ذُو العصف": ذا العصف؛ أي: التين والقشور؛ إذ هو محفوظ فيها، مربي معها إلى أن يستوي وينضج، فيتقوت بحبّه الإنسانُ، وبعصفه المواضي {وَ} كذا ظهر لهم فيها بمقتضى جوده {ٱلرَّيْحَانُ} [الرحمن: 12] أي: جنس الرياحين المشمومة المقوية لدماغ الإنسان، المصفية له عن الروائح الخبيثة، والنفحات الكريهة. ثمَّ لما عدَّ سبحانه نبذاً من نعمه الشاملة على عموم الأنام، خاطب المكلفين منهم على سبيل الامتنان، وهم الثقلان المجبولان على فطرة التوحيد، واستعداد الإيمان والعرفان، فقال: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا} ونعماء موجدكما ومربيكما {تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13] أيها المغموران في نعمه، المستغرقان في بحار جوده وكرمه. وكيف يسع لكما الكفران لنعم الله، والطغيان عليه سبحانه، مع أنه {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} المصور بصورة الرحمن، وقد خلقه {مِن صَلْصَالٍ} أي: طين يابس له صلصلة وصوت {كَٱلْفَخَّارِ} [الرحمن: 14] أي: الخزف المتخذ من التراب، الموقد بالنار، ومع دناءة منشئة ومادته، رفعه إلى حيث جعله خليفةً للحق، نائباً عنه، ومرآة مجلوة قابلة لفيضان كمالات أسمائه وصفاته. {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ} أي: الجن، وقدر وجودهم {مِن مَّارِجٍ} من دخال صاف حاصل {مِّن نَّارٍ} [الرحمن: 15] موقدة ملتهبة مشتعلة على وجه الحركة والاضطراب، ومع رداءة مادتها وكثافتها، جعله شبيهاً بالملأ الأعلى، متصفاً بها في كمال اللطافة والصفاء إلى حيث لا يرى أشبحهم كالملائكة. وإذ كان شأن الحق معكما هذكا {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 16] وتنكران أيها الثقلان.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : قدسية رحمانية إسلام أبادية مختومة بختام المسك مما ينافسه المتنافسون وفيه يرغب الراغبون، وله يزهد الزاهدون، وإليه يتوجه المتوجهون، وبه يسلك السالكون، ومعه يطرب المطربون ويرقص الراقصون، ومنه يستريح المستريحون، طوبى لمن نظر فيها بعين العبرة وانتفع منه الخير، وحمل على جند النفس حمله أهل الغيرة؛ ليخلص من بيداء الحساب ويخرج من نية الحيرة، ويخلص نفسه من رق الشيطان ويدخله في زمرة عباد الرحمن، ويقرأ سورة الرحمن ويتدبر في هذا البيان الذي جاء من حضرة القرآن، ونقش على صحيفة الجنان؛ ليشاهد حقيقة بعين العيان، ويعرف حقيقة بحق الإيمان، والله المستعان وعليه التكلان. يا طالب علم الرحمن في القرآن: اعلم أن الله تعالى يقول: {ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} [الرحمن: 1-2]؛ يعني: الرحمن إذا استوى على عرش الروحانية علم القرآن للأرواح الطيبة بما نقش بالقلم الخفي على ألواحهم الساذجة من علم القديم، فلما تصاعد غبار عالم الحدوث ووقع على ألواحهم خفي النقش، وما هم بقادرين على بقي الغبار ولا على غسل الألواح. {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} [الرحمن: 3] الجامع، وجمع فيه المفردات العلوية والسفلية؛ ليحصل له استعداد يزيل الغبار عن الوجه ألواح، ويغسل الصور المنقوشة ليلوح فيها المعاني، كما يقول تعالى بعد ذكر خلق الإنسان: {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} [الرحمن: 4] ؛ ولهذا السر قال الله تعالى مع حبيبه: {أية : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}تفسير : [القيامة: 18-19]؛ لأن البيان تفصيلي والقرآن إجمالي، وليس للمخلوقات في تفاصيل المعرفة حظ إلا للإنسان، لقوة لها حصلت من امتزاج مفردات العلويات والسفليات، واختلاط الأنوار والظلمات، وهو مزاج معتدل في اللطافة والكثافة؛ ولأجل هذا صار مظهر صفات الذات. {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5]؛ يعني: شمس النبوة وقمر الولاية على فلك وجود الإنسان، يدور بالحساب في الدائرة الأزلية والأبدية على قطب نقطة نون الرحمن، ولا يكشف هذا السر حتى يفهم قوسيته صورة في البياض والسواد، وإيصال دائرة الأزل إلى الأبد عند نزعة بواسطة وتروا، والولاية القائمة بألف الاسم الأعظم، وسر سين السهم الأسمى الذي لأجله ظهر قوس النون، ووتر الواو، وألف الاسم؛ وهو آخر حروف القوس وبه تتصل دائرة الأزل بالأبد، وبه يتم التدبير وحكمه الرجوع وحصول الصيد المقصود من إيجاد وجود كل موجود، والشروع في تحقيقه يلزم الشروع في بيان حد القرآن مما لست مأذوناً في إفشائه. {وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6]؛ يعني: نجم أمر التدبير، وشجر سر التدبير عند عروجها على مدبرها يسجدان له ويتذللان بين يديه بالرجوع عليه، والنجم استعداد علوي نزل وقت التدبير لتربية الشجر، وهو القوة السفلية ليظهر فيعرج ثم يعرج إلى ربه، {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا} [الرحمن: 7]؛ يعني: سماء الصدر رفعها فوق البشرية {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} [الرحمن: 7]؛ يعني: وضع القوة المميزة العاقلة بين القوى السمائية وإعطاء الحقوق العلوية، {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ} [الرحمن: 9]؛ يعني: لسان الميزان عند البيان، ينبغي أن يكون قائماً بالعدل لا يميل على جانب الإفراط والتفريط بالهوى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم"،تفسير : {وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} [الرحمن: 9]، إشارة إلى التفريط، كما أن قوله: {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} [الرحمن: 8] كان إشارة إلى الإفراط. {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} [الرحمن: 10]؛ يعني: أرض البشرية وضعها وفرشها وبسطها للقوى الإنسانية، {فِيهَا فَاكِهَةٌ} [الرحمن: 11] من فواكه معرفة الصفات الفعلية، {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} [الرحمن: 11]، إشارة إلى الشجرة التي هي مظهر لمعارف الصفات الذاتية؛ ولأجل هذا قال: {ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} [الرحمن: 11]؛ لأن شجرة الإنسان ذات الأطوار، كما أن النخل ذات الأكمام كل طورها مستور بطور آخر؛ ولأجل هذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : النخلة عمتكم"،تفسير : وهي أفق النباتات {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} [الرحمن: 12]؛ يعني: حب الحب المزروع في أرض البشرية؛ يعني: ذو أوراق من المكاشفات، {ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} [الرحمن: 12] من المشاهدات؛ وهو الورق الحسن الذي يخرج من الحب، والعصف هو الورق الذي يحفظه، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13]، إشارة إلى القوتين: العلوية والسفلية؛ يعني: بأي نعم ربكما أيها القوتان تكذبان، أبنعمة رفع السماء، أم بنعمة وضع الأرض تكذبان؟ أبإنزال النجم التدبيري، أم بتفريج الشجر الحكمي تكذبان؟

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه السورة الكريمة الجليلة، افتتحها باسمه "الرَّحْمَنُ" الدال على سعة رحمته، وعموم إحسانه، وجزيل بره، وواسع فضله، ثم ذكر ما يدل على رحمته وأثرها الذي أوصله الله إلى عباده من النعم الدينية والدنيوية [والآخروية وبعد كل جنس ونوع من نعمه، ينبه الثقلين لشكره، ويقول: { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } ]. فذكر أنه { عَلَّمَ الْقُرْآنَ } أي: علم عباده ألفاظه ومعانيه، ويسرها على عباده، وهذا أعظم منة ورحمة رحم بها عباده، حيث أنزل عليهم قرآنا عربيا بأحسن ألفاظ، وأحسن تفسير، مشتمل على كل خير، زاجر عن كل شر. { خَلَقَ الإنْسَانَ } في أحسن تقويم، كامل الأعضاء، مستوفي الأجزاء، محكم البناء، قد أتقن البديع تعالى البديع خلقه أي إتقان، وميزه على سائر الحيوانات. بأن { عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } أي: التبيين عما في ضميره، وهذا شامل للتعليم النطقي والتعليم الخطي، فالبيان الذي ميز الله به الآدمي على غيره من أجل نعمه، وأكبرها عليه. { الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } أي: خلق الله الشمس والقمر، وسخرهما يجريان بحساب مقنن، وتقدير مقدر، رحمة بالعباد، وعناية بهم، وليقوم بذلك من مصالحهم ما يقوم، وليعرف العباد عدد السنين والحساب. { وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } أي: نجوم السماء، وأشجار الأرض، تعرف ربها وتسجد له، وتطيع وتخشع وتنقاد لما سخرها له من مصالح عباده ومنافعهم. { وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا } سقفها للمخلوقات الأرضية، ووضع الله الميزان أي: العدل بين العباد، في الأقوال والأفعال، وليس المراد به الميزان المعروف وحده، بل هو كما ذكرنا، يدخل فيه الميزان المعروف، والمكيال الذي تكال به الأشياء والمقادير، والمساحات التي تضبط بها المجهولات، والحقائق التي يفصل بها بين المخلوقات، ويقام بها العدل بينهم، ولهذا قال: { أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ } أي: أنزل الله الميزان، لئلا تتجاوزوا الحد في الميزان، فإن الأمر لو كان يرجع إلى عقولكم وآرائكم، لحصل من الخلل ما الله به عليم، ولفسدت السماوات والأرض. { وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ } أي: اجعلوه قائما بالعدل، الذي تصل إليه مقدرتكم وإمكانكم، { وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ } أي: لا تنقصوه وتعملوا بضده، وهو الجور والظلم والطغيان. { وَالأرْضَ وَضَعَهَا } الله على ما كانت عليه من الكثافة والاستقرار واختلاف [أوصافها و] أحوالها { لِلأنَامِ } أي: للخلق، لكي يستقروا عليها، وتكون لهم مهادا وفراشا يبنون بها، ويحرثون ويغرسون ويحفرون ويسلكون سبلها فجاجا، وينتفعون بمعادنها وجميع ما فيها، مما تدعو إليه حاجتهم، بل ضرورتهم. ثم ذكر ما فيها من الأقوات الضرورية، فقال: { فِيهَا فَاكِهَةٌ } وهي جميع الأشجار التي تثمر الثمرات التي يتفكه بها العباد، من العنب والتين والرمان والتفاح، وغير ذلك، { وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأكْمَامِ } أي: ذات الوعاء الذي ينفلق عن القنوان التي تخرج شيئا فشيئا حتى تتم، فتكون قوتا يؤكل ويدخر، يتزود منه المقيم والمسافر، وفاكهة لذيذة من أحسن الفواكه. { وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ } أي: ذو الساق الذي يداس، فينتفع بتبنه للأنعام وغيرها، ويدخل في ذلك حب البر والشعير والذرة [والأرز] والدخن، وغير ذلك، { وَالرَّيْحَانُ } يحتمل أن المراد بذلك جميع الأرزاق التي يأكلها الآدميون، فيكون هذا من باب عطف العام على الخاص، ويكون الله قد امتن على عباده بالقوت والرزق، عموما وخصوصا، ويحتمل أن المراد بالريحان، الريحان المعروف، وأن الله امتن على عباده بما يسره في الأرض من أنواع الروائح الطيبة، والمشام الفاخرة، التي تسر الأرواح، وتنشرح لها النفوس. ولما ذكر جملة كثيرة من نعمه التي تشاهد بالأبصار والبصائر، وكان الخطاب للثقلين، الإنس والجن، قررهم تعالى بنعمه، فقال: { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } أي: فبأي نعم الله الدينية والدنيوية تكذبان؟ وما أحسن جواب الجن حين تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة، فما مر بقوله: { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } إلا قالوا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد، فهذا الذي ينبغي للعبد إذا تليت عليه نعم الله وآلاؤه، أن يقر بها ويشكر، ويحمد الله عليها.