Verse. 491 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

لٰكِنِ الَّذِيْنَ اتَّقَوْا رَبَّھُمْ لَھُمْ جَنّٰتٌ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِھَا الْاَنْھٰرُ خٰلِدِيْنَ فِيْھَا نُزُلًا مِّنْ عِنْدِ اؘ۝۰ۭ وَمَا عِنْدَ اللہِ خَيْرٌ لِّلْاَبْرَارِ۝۱۹۸
Lakini allatheena ittaqaw rabbahum lahum jannatun tajree min tahtiha alanharu khalideena feeha nuzulan min AAindi Allahi wama AAinda Allahi khayrun lilabrari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لكن الذين اتقوا ربَّهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين» أي مقدرين بالخلود «فيها نُزُلا» وهو ما يعد للضيف ونصبه على الحال من جَنَّاتٍ والعامل فيها معنى الظرف «من عند الله وما عند الله» من الثواب «خير للأبرار» من متاع الدنيا.

198

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد بالنزل، والنزل ما يهيأ للضيف وقوله: {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ } يتناول جميع الطاعات، لأنه يدخل في التقوى الاحتراز عن المنهيات، وعن ترك المأمورات. واحتج بعض أصحابنا بهذه الآية على الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلا، فلا بد من الرؤية لتكون خلعة، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً } تفسير : [الكهف: 107] وقوله: {نُزُلاً } نصب على الحال من {جَنَّـٰت } لتخصيصها بالوصف، والعامل اللام، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد، لأن خلودهم فيها إنزالهم فيها أو نزولهم، وقال الفراء: هو نصب على التفسير كما تقول: هو لك هبة وبيعا وصدقة ثم قال: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } من الكثير الدائم {خَيْرٌ لّلأَبْرَارِ } مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش {نُزُلاً } بسكون الزاي، وقرأ يزيد بن القعقاع {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } بالتشديد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ } أي مقدّرين الخلود {فِيهَا نُزُلاٍ } هو ما يعدّ للضيف، ونصبه على الحال من جنات، والعامل فيها معنى الظرف {مّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } من الثواب {خَيْرٌ لّلابْرَارِ } من متاع الدنيا.

ابن عادل

تفسير : قرأ الجمهورُ بتخفيف "لكن" وأبو جعفر بتشديدها، فعلى القراءة الأولى الموصول رفع بالابتداء، وعند يونس يجوز إعمال المخففة، وعلى الثانية في محل نصب. ووقعت "لكِن" هنا أحسن موقع؛ فإنها وقعت بين ضِدَّيْن، وذلك أن معنى الجملتينِ - التي بعدها والتي قبلها - آيلٌ إلى تعذيب الكفار، وتنعيم المؤمنين المتقين. ووجه الاستدراك أنه لما وصف الكفار بقلة نَفْع تقلبهم في التجارة، وتصرُّفهم في البلاد لأجْلِها، جاز أن يَتَوَهَّم مُتَوَهِّمٌ أن التجارة - من حيث هي - متصفة بذلك، فاستدرك أنَّ المتقينَ - وإن أخذوا في التجارة - لا يضرهم ذلك، وأنَّ لهم ما وعدهم به. قوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} هذه الجملة أجاز مكيٌّ فيها وجهينِ: أحدهما: الرفع، على النعت لـِ "جَنَّاتٌ". والثاني: النصبُ، على الحال من الضمير المستكن في "لَهُمْ" قال: "وإن شئت في موضع نصب على الحال من المضمر المرفوع في "لَهُمْ" إذْ هو كالفعل المتأخر بعد الفاعل إن رفعت "جَنَّاتٌ" بالابتداء، فإن رفعتها بالاستقرار لم يكن في "لَهُمْ" ضميرٌ مرفوعٌ؛ إذ هو كالفعل المتقدِّم على فاعله". يعني أنّ "جَنَّاتٌ" يجوز فيها رفعها من وجهين: أحدهما: الابتداء، والجار قبلها خبرها، والجملة خبر "الَّذِينَ اتَّقوا". ثانيهما: الفاعلية؛ لأن الجارَّ قبلها اعتمد بكونه خبراً لـِ "الَّذِينَ اتَّقَوْا". وقد تقدم أن هذا أوْلَى، لقُربه من المفرد. فإنْ جعلنا رفعها بالابتداء جاز في {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} وجهان: الرفع على النعت، والنصب على الحال من الضمير المرفوع في "لَهُمْ" لتحمُّله - حينئذٍ - ضميراً. وإن جعلنا رفعها بالفاعلية تعيَّن أن يكون الجملة بعدها في موضع رَفْع؛ نعتاً لها، ولا يجوز النصبُ على الحال، لأن "لَهُمْ" ليس فيه - حينئذٍ - ضمير؛ لرفعه الظاهر. و "خَالِدِينَ" نُصِبَ على الحالِ من الضمير في "لَهُمْ" والعاملُ فيه معنى الاستقرارِ. قوله: "نُزُلاً" النُّزُل: ما يُهَيَّأ للنزيل - وهو الضيف. قال أبو العشراء الضبي: [الطويل] شعر : 1724- وكُفَّا إذَا الْجَبَّارُ بِالْجَيْشِ ضَافَنَا جَعَلْنَا الْقَنَا والْمُرْهَفَاتِ لَهُ نُزُلا تفسير : هذا أصله، ثم اتُّسِع فيه، فأطلق على الرزق والغذاء - وإن لم يكن لضيف - ومنه قوله تعالى: {أية : فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ} تفسير : [الواقعة: 93] وفيه قولانِ، هل هو مصدرٌ أو جمع نازل، كقول الأعشى: [البسيط] شعر : 1725-........................... أوْ تَنْزِلُونَ فَإنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ تفسير : إذا تقرَّر هذا ففي نَصْبه سِتَّةُ أوجهٍ: أحدهما: أنه منصوب على المصدر المؤكّد، لأنه معنى "لَهُمْ جَنَّاتٌ": نُنْزِلُهم جنات نزلاً، وقدَّره الزمخشريُّ بقوله: "كأنه قيل: رزقاً، أو عطاءً من عند اللَّهِ". ثانيها: نصبه بفعل مُضْمَر، أي: جعلنا لهم نُزُلاً. ثالثها: نَصبه على الحال من "جَنَّات" لأنها تخصَّصَت بالوَصْف. رابعها: أن يكون حالاً من الضمير في "فِيهَا" أي مُنزّلةً - إذا قيل بأنّ "نُزلاً" مصدر بمعنى المفعول نقله أبو البقاءِ. خامسها: أنه حالٌ من الضمير المستكن في "خَالِدِينَ" - إذا قُلْنَا: إنه جمع نازل - قاله الفارسيُّ في التذكرة. سادسها - وهو قول الفرّاء - نصبه على التفسير - أي التمييز - كما تقول: هو لك هبةً، أو صدقةً وهذا هو القولُ بكونه حالاً. والجمهور على ضم الزاي، وقرأ الحسنُ، والأعمشُ، والنَّخَعِيُّ، بسكونها، وهي لغةٌ، وعليها البيتُ المتقدم. وقد تقدم أن مثل هذا يكون فيه المسكَّن مخففاً من المثقل أو بالعكس، والحق الأول. قوله: {مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} فيه ثلاثة أوجه، لأنك إن جعلت "نُزُلاً" مصدراً، كان الظرفُ صفةً له، فيتعلق بمحذوف، أي: نزلاً كائناً من عند اللَّهِ, أي: على سبيلِ التكريمِ، وإنْ جعلته جمعاً كان في الظرف وجهانِ: أحدهما: جَعْله حالاً من الضمير المحذوفِ، تقديره: نُزُلاً إياها. ثانيهما: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: ذلك من عند الله؛ نقل ذلك أبو البقاءِ. قوله: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ} "ما" موصولة، وموضعها رفع بالابتداء والخبر "خَيْرٌ" و "للأبْرَارِ" صفة لـِ "خير" فهو في محل رفع، ويتعلق بمحذوفٍ، وظاهر عبارة أبي حيّان أنه يتعلق بنفس "خَيْرٍ" فإنه قال: و "لِلأبْرَارِ" متعلق بـ "خَيْرٌ". وأجاز بعضهم أن يكون "لِلأبْرَارِ" هو الخبر، و "خَيْرٌ" خبر ثانٍ، قال أبو البقاء: "والثاني - أي: الوجه الثاني -: أن يكون الخبر "لِلأبْرَارِ" والنية به التقديمُ، أي: والذي عند اللَّهِ مستقرٌّ للأبرارِ، و "خَيْرٌ" - على هذا - خبرٌ ثانٍ". وفي ادِّعاء التقديمِ والتأخيرِ نظرٌ؛ لأن الأصلَ في الإخبار أنْ يكونَ بالاسمِ الصريحِ، فإذا اجتمعَ خبرٌ مفردٌ صريحٌ، وخبرٌ مؤوَّلٌ به بُدِئَ بالصريحِ من غير عكس - كالصفة - فإذا وقعا في الآية على الترتيبِ المذكور، فكيف يُدَّعَى فيها التقديمُ والتأخيرُ؟. ونقل أبو البقاء - عن بعضهم - أنه جعل "لِلأبْرَارِ" حالاً من الضمير في الظرف، "خَيْرٌ" خبر المبتدأ، قال: "وهذا بعيدٌ؛ لأن فيه الفصل بين المبتدأ والخبر بحالٍ لغيره، والفصلُ بين الحالِ وصاحب الحالِ بخبر المبتدأ، وذلك لا يجوزُ في الاختيار". قال أبو حيّان: "وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: الذي عند اللَّهِ للأبرار خير لهم، وهذا ذهولٌ عن قاعدةِ العربية من أن المجرور - إذ ذاك - يتعلق بما تعلَّق به الظرف الواقع صلة للموصول، فيكون المجرورُ داخلاً في حيِّز الصِّلَةِ، ولا يُخْبَر عن الموصول إلا بعد استيفائه صِلته ومتعلقاتها". فإن عنى الشيخُ بالتقديم والتأخير على الوجه - أعني جعل "لِلأبْرَارِ" حالاً من الضمير في الظرف فصحيحٌ، لأنَّ العاملَ في الحالِ - حينئذ - الاستقرارُ الذي هو عاملٌ في الظرفِ الواقع صِلةً، فيلزم ما قاله، وإن عنى به الوجهَ الأول - أعني: جعل "لِلأبْرَارِ" خبراً، والنية به التقديم وبـ "خَيْرٌ" التأخير كما ذكر أبو البقاءِ، فلا يلزم ما قال؛ لأنّ "لِلأبْرَارِ" - حينئذٍ - يتعلَّق بمحذوفٍ آخرَ غير الذي تعلَّق به الظرفُ. و "خَيْرٌ" - هنا - يجوز أن يكون للتفضيل، وأن لا يكون، فإن كان للتفضيل كان المعنى: وما عند الله خيرٌ للأبرار مما لهم في الدنيا، أو خيرٌ لهم مما يتقلب فيه الكفارُ من المتاعِ القليلِ الزائلِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} [الآية: 198]. قيل: ما عنده لهم خير مما يطلبونه بأفعالهم قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} [الآية: 200]. قال الجنيد: إن الله تعالى ذكر الصبر وشرَّفه وعظم شأن الصابرين عليه لديه، فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ} وأمرهم بالصبر على الصبر ثم قال: {وَرَابِطُواْ} وهو ارتباط السر مع الله تعالى سرًا، والوقوف مع الله تعالى جهراً. قال النبى صلى الله عليه وسلم: " حديث : إنما الصبر عند الصدمة الأولى ". تفسير : قال الحارث رحمه الله: فى قوله تعالى: {ٱصْبِرُواْ} قال: الصبر: التهدف بسهام البلاء. قال الجريري رحمه الله: الصبر إسبال البلوى قبل وقوع البلوى، فإذا صادف البلوى تلقاه بالمولى فلم يجزع. قال الجنيد رحمه الله: الصبر حبس النفس مع الله تعالى بنفى الجزع عما سواه. قال ابن عطاء رحمه الله: اليقين سيف النفس، والصبر من سر الله تعالى فى أرضه، وإن الشيطان ليتعوذ من الصابرين كما يتعوذ المؤمن من الشيطان. قال: وسمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت جعفرًا الخلدى رحمه الله يقول: خير الدنيا والآخرة في صبر ساعة. قال ذو النون رحمه الله: علامة الصبر خمسة: - التباعد عن الخلطاء فى الشدة والسكون إليهم. - مع تجرُّع غصص البلية. - وإظهار الغنى مع كثرة العيال. - وجفاء الخلق مع هجرانهم له. - وقول الحق مع احتمال الضرر فى المال والبدن. وقال بعضهم: اصبروا تحت حكمى، وصابروا فى الجهاد مع أعدائى، ورابطوا قلوبكم بموافقتى ورضائى. وقيل: اصبروا قال: الصبر يوجب الرضا والرضا يوجب الحياء والحياء يوجب الغنى. قال جعفر الصادق رحمه الله: اصبروا عن المعاصى، وصابروا على الطاعات، ورابطوا الأرواح بالمشاهدة، واتقوا الله بحسن الانبساط مع الحق عز وجل، لعلكم تفلحون: تبلغون مواقف أهل الصدق فإنه محل الفلاح. وقال بعضهم: اصبروا بجوارحكم على الطاعات وصابروا مع الله، ورابطوا أسراركم بالحقائق لعلكم تجردون من همومكم وخطراتكم. قال الجنيد رحمه الله: الصبر حبس النفس على المكروه.

القشيري

تفسير : الذين وسمناهم بذُلِّ الفرقة بئست حالتهم، والذين رفعوا قَدَماً لأجلنا فنعمت الحالة والزلفة؛ وصلوا إلى الثواب المقيم، وبقوا في الوصلة والنعيم، وما عند الله مما ادَّخرنا لهم خيرٌ مما أمَّلوه باختيارهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} بين الله تعالى رفعة منازل المتقين فى الجنان ثم ابهم لطائف العندية لهم بقوله وما عند الله خبر ---- ما عنده من نعم المشاهدة ولطائف القربة وحلاوة الوصلة خير مما لهم فيه من النعيم فى الجنة وايضا صرح فى بيان مراتب الولاية ان ذكر المتقين والتقوى تقديس البطان عن لون الطبيعة وتنزيه الاخلاق عن دنس المخالفات وذلك درجة الاول من الولاية ولا برار اهل الاستقامة فى المعرفة وبين ان اهل التقوى فى الجنة والابرار فى الحضرة وايضا اعجبوا الابرار بما وجدوا من انوار نيران المكاشفات ولطائف المناجاة وحقائق المشاهدات بنعت الوحد والحالات فاخبرهم ان ما هم فيه بالإضافة الا ما عند لهم فى الاخرة كلا شئ فى ذلك قوله تعالى وما عند الله خير للابرار وايضا لا يتعجبوا صورة احكام اهل الدنيا فى طراوتهم وحسن هياتهم ايها المريدون فان شدائد مجاهداتكم تورث --- العيش فى رويتى وقربتى وماشهدتى قيل ما عنده لهم هير ما يطلبونه بافعالهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {لكن الذين اتقوا ربهم} اى خافوه فلم يخالفوا مره ولا نهيه {لهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها} وجه الاستدراك انه تعالى لما وصف الكفار بقلة نفع تقلبهم فى البلاد لاجل التجارة وجاز ان يتوهم متوهم ان قلة النفع من لوازم التقلب من حيث هو استدرك ان المتقين وان تقلبوا واصابوا ما اصابه الكفار او لم يصيبوا لهم مثوبات حسنى لا يقادر قدرها {نزلا من عند الله} حال من جنات لتخصصها بالوصف. والنزل ما يعد للنازل من طعام وشراب وغيرهما {وما عند الله} لكثرته ودوامه {خير للابرار} مما يتقلب فيه الفجار لقلته وسرعة زواله. وعن ابن مسعود رضى الله عنه ما من نفس برة ولا فاجرة الا والموت خير لها ام البرة فان الله تعالى يقول {وما عند الله خير للابرار} واما الفاجرة فانه يقول {أية : إنما نملى لهم ليزدادوا إثما} تفسير : [آل عمران: 178]. "حديث : وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه جئت فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مشربة وانه لعلى حصير ما بينه وبينه شىء وتحت رأسه وسادة من ادم حشوها ليف وان عند رجليه قرظا مصبورا وعند رأسه اهب معلقة فرأيت اثر الحصير فى جنبه فبكيت فقال {ما يبكيك} فقلت يا رسول الله ان كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أما ترضى ان يكون لهما الدنيا ولنا الآخرة"" شعر : ازبى ذكر وشوق حق مارا دردو عالم دل وزبانى بس وزطعام ولباس اهل جهان كهنه دلقى ونيم نانى بس تفسير : ومما وجد فى خزائن الاسكندر مكتوبا بالذهب الاحمر حركات الافلاك لا تبقى على احد نعمة فاذا اعطى العبد مالا او جاها او رفعة فلتكن همته فى انتهاز الفرصة وتقليد المنن اعناق الرجال فان الدنيا والجاه والرفعة تزول اما ندم طويل او مدح جزيل فاكرموا من له حسب فى الاصل او قدم فى المروءة ولا يغرنكم تقلب الزمان باهله فان للدهر عثرات يجبر كما يكسر ويكسر كما يجبر والامر الى الله تعالى: قال جلال الدين الرومى قدس سره شعر : جند كويى من بكيرم عالمى اين جهانرا بركنم ازخود همى كرجهان بريرف كرددسر بسر تاب خور بكدازدش ازيك نظر تفسير : وعن الحسن قال "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على اصحابه فقال "هل منكم من يريد ان يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا. ألا انه من رغب فى الدنيا وطال امله فيها اعمى الله قلبه على قدر ذلك ومن زهد فى الدنيا وقصر امله اعطاه الله تعالى علما بغير تعلم وهدى بغير هداية. ألا انه سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم الملك الا بالقتل والتجبر ولا الغنى الا بالفخر والبخل ولا المحبة الا باتباع الهوى. ألا فمن ادرك ذلك الزمان منكم فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبة وصبر على الذل وهو يقدر على العز لا يريد بذلك الا وجه الله تعالى اعطاه تعالى ثواب خمسين صديقا" " .تفسير : قال ابن عباس رضى الله عنهما يؤتى بالدنيا يوم القيامة فى صورة عجوز شمطاء زرقاء وانيابها بادية مشوهة خلقها وتشرف على الخلائق فيقال أتعرفون هذه فيقولون نعوذ بالله من معرفة هذه فيقال هذه الدنيا التى تفاخرتم عليها بها تقاطعتم الارحام وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ثم تقذف فى جهنم فتنادى يا رب اين اتباعى واشياعى فيقول الله تعالى الحقوا بها اتباعها قال عليه السلام "حديث : "يحشر اقوام يوم القيامة واعمالهم كجبال تهامة ويؤمر بهم الى النار" قالوا يا رسول الله مصلين قال "نعم كانوا يصلون ويصومون ويأخذون سنة من الليل فاذاعرض لهم شىء من الدنيا وثبوا عليه"" حديث : قالت عائشة رضى الله عنها قلت يا رسول الله ألا تستطعم الله فيطعمك قالت وبكيت لما رأيت به من الجوع وشد الحجر على بطنه من السغب فقال "يا عائشة والذى نفسى بيده لو سألت ربى ان يجرى معى جبال الدنيا ذهبا لاجراها حيث شئت من الارض ولكنى اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن الدنيا على فرحها يا عائشة ان الدنيا لا تنبغى لمحمد ولا لآل محمد"" تفسير : ـ وروى ـ انه عليه السلام عرض عليه عشار من النوق وهى الحوامل منها فاعرض عنها وغض بصره مع انها من احب الاموال اليهم وانفسها عندهم لانها كانت تجمع الظهر واللحم واللبن ولعظمتها فى قلوبهم قال الله عز وجل {أية : وإذا العشار عطلت} تفسير : [التكوير: 4]. فلما لم يلتفت اليها قيل له يا رسول الله هذه انفس اموالنا فلم لا تنظر اليها قال "حديث : قد نهى الله عن ذلك" تفسير : ثم تلا قوله تعالى {أية : ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به} تفسير : [طه: 131] الآية. هذا معاملته مع الدنيا. وفى التوجه الى الآخرة ما كان يريد الا الرفيق الاعلى قال صلى الله عليه وسلم "حديث : انا حبيب الله ولا فخر وانا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم ومن دونه ولا فخر وانا اول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لى فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين ولا فخر " .تفسير : والمقصود ان فى الفقر والقناعة فضيلة وان الفقراء يدخلون الجنة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاغنياء شعر : اى قناعت توانكرم كردان كه وراى توهيج نعمت نيست كنج صبر اختيار لقمانست هركرا صبر نيست حكمت نيست تفسير : فعلى العبد العاقل ان يجتنب عن الدنيا واخوانها ويرغب فى الآخرة وجنانها بل يترقى الى الوصول الى الله تعالى. قال ابو يزيد البسطامى قدس سره فى عباد الله عبد لو اعطى الجنات بزينتها لهرب كما يهرب اهل النار من النار وهو الذى غلب عليه محبة الله فلا يميل الى غيره ومن ذلك المقام قال ابو يزيد غاب قلبى عنى ثمانين سنة فلما اردت ان آخذه قيل أتطلب غيرنا ـ وحكى ـ عن بعض الصالحين انه رأى فى المنام معروف الكرخى شاخصا بصره نحو العرش قد اشتغل عن الحور العين وقصور الجنة فسأل رضوان من هذا قال معروف الكرخى مات مشتاقا الى الله فاباح له ان ينظر اليه فمطمح نظر العارف الجنة المعنوية وهى جنة معرفة الله ووصوله التى هى خير من جنة الفردوس واعلى عليين فليسارع السالك الى وصول هذه الجنة ودخولها قبل ادراك منيته وانقضاء عمره ومجيئ اجله شعر : حضورى كرهمى خواهى ازوغائب مشو حافظ متى ما تلق من تهوى دع الدنيا واهملها

الطوسي

تفسير : قرأ أبو جعفر (لكن) بتشديد النون وفتحها - ها هنا وفي (الزمر) - وقرأ أبو عمرو والكسائي، وحمزة في أكثر الروايات (الاشرار، والابرار، والقرار) بالامالة. الباقون - بالتفخيم - والامالة في فتحة الراء حسنة، لأن الراء المكسورة تغلب المفتوحة كما غلبت المستعلي في قولهم: قارب وطارد، وقادر فيمن أمالهن، فاذا غلبت المستعلي، فان تغلب الراء المفتوحة أولى، لأنه لا استعلاء في الراء، وإنما هو حرف من مخرج اللام فيه تكرير. ومن لم يمل، فلأن كثيراً من الناس لا يميل شيئاً من ذلك. لما أخبر الله تعالى عما للكفار من سوء العاقبة وأنواع العذاب بشر المؤمنين بما أعد لهم من الجزاء عند الله وجزيل الثواب، فقال: {لكن الذين اتقوا ربهم} بفعل الطاعات، وترك المعاصي {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من عند الله} يعني ثواباً من عند الله، وهو نصب على المصدر على وجه التأكيد، لأن خلودهم فيها انزالهم فيها، كأنه قال: نزلوها نزلا، وهو بمعنى أنزلوها انزالا. ويحتمل أن يكون نصباً على التفسير، كقولك: هو لك هبة. وواحد الابرار بار: مثل صاحب، وأصحاب. ويجوز أن يكون بر وأبرار - على فعل وأفعال - تقول: بررت والدي، فانا بر. وأصله برر لكن ادغمت الراء للتضعيف. وقوله: {وما عند الله خير} يعني من الحبا والكرامة، وحسن المآب خير للابرار مما يتقلب فيه الذين كفروا، لأن ما يتقلبون فيه زائل فان قليل، وما عند الله دائم غير زائل. وقد بينا معنى (لكن) فيما مضى، وانها للاستدراك بها خلاف المعنى المتقدم من اثبات بعد نفي أو نفي بعد اثبات. فقوله: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} يتضمن معنى فما لهم كبير نفع، فجاء على ذلك، {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات} وقوله: {تجري من تحتها الأنهار} معناه تجري من تحت شجرها. ويقال انها تجري معلقة من غير أخدود لها. روي ذلك عن عبد الله بن مسعود، ثم قال: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها، وقوله في الفاجرة: إن الموت خير لها يعني إذا كانت تدوم على فجورها.

الجنابذي

تفسير : {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ} استدراك ممّا استفيد من قوله {تقلّب الّذين كفروا} فانّه يستفاد منه انّ الكفّار متنعّمون دون المؤمنين فقال لكنّ المؤمنين لهم جنّات {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} من غير زوال {نُزُلاً} تشريفاً لهم والنّزل ما يعدّ للنّازل من طعام وشراب وصلة مثلاً لان يكون حاضراً عند نزوله {مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} ممّا يتقلّب فيه الفجّار، وضع الظّاهر موضع المضمر اشارة الى مديحة اخرى لهم.

الهواري

تفسير : ثم قال: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللهِ} أي ثواباً من عند الله [ورزقاً] أي ثواب الآخرة. {وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}. قوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ} يعني من آمن من أهل الكتاب. وهم الذين قال [فيهم]{أية : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} تفسير : [المائدة: 83] {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} والخشوع: المخافة الثابتة في القلب. وقال بعضهم: الخشوع التواضع، وهما واحد. {لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً} كما اشترى به غيرهم من أهل الكتاب. {أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي الجنة {إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ}. ذكر بعض المفسّرين قال: إنما نزلت في النجاشي وأناس من أصحابه آمنوا بنبي الله وصدّقوه. ذكر الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا بلغه موت النجاشي قام وأمر أصحابه فصلّوا عليه؛ فقال من قال: يأمرنا أن نصلي على علج من الحبشة، فأنزل الله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ}... إلى آخر الآية. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا}. قال بعضهم: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا في سبيل الله. وقال بعضهم: اصبروا على الفرائض، ورابطوا العدو. وقال الحسن: اصبروا على أمر الله الذي فرض عليكم من الجهاد وغيره، وصابروا عليه، ورابطوا في سبيل الله، أي الكفار. وقال الكلبي: اصبروا على البلاء، وصابروا عدوكم ورابطوهم. قوله: {وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لكي تفلحوا، وهي واجبة لمن فعل والمفلحون: السعداء، وهم أهل الجنة.

اطفيش

تفسير : {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ}: نزلا حال من جنات، لوصفها على إجازة الحال من المبتدأ أو حال من ضمير من الذى استتر فى لهم أو من ضمير هن فى تجرى، والنزل: ما يعجل به للضيف عند نزوله، كأنه مشتق من نزول الضيف، إذا قدم فإذا كانت الجنات نزلا فقط، فكيف ما بعد النزل، لا إله إلا الله كرم الله عز وجل لا يستقصى، وقد أدركنا بعض ذلك إن كان عند الله كذلك وهو إنما يزاد من النعم، واللذات على طول خلودهم أعظم من الوجود فيها حال دخولهم، ومنها فإنهم على الدوام فى زيادة كل زيادة أعظم مما قبلها، ووصف نزلا بأنه من عند الله، تعظيما له وقيل: نزلا مفعول مطلق، أى انزلوها نزلا، وهو إعراب ضعيف، وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش: نزلا بضم النون، وإسكان الزاى، وقرأ يزيد بن القعقاع: لكن بفتح النون مشددة. {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَار}: من متاع الدنيا كله، وعنه صلى الله عليه وسلم فى رواية تختلف لفظاً وزيادة واللفظ للبخارى من الثواب، حديث : عن عمر بن الخطاب: جئت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإذا هو فى مشرفة وأنه لعلى حصير ما بينه وبينى شىء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير فى جنبه، فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: إن كسرى وقيصر فيما هم فيه وأنت رسول الله فيما أرى من قلة المال. فقال: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟"تفسير : والمشرفة الغرفة وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"تفسير : أى لأن المؤمن يحبس نفسه عن ما تشتهى ويتعب بالطاعة ولأن الدنيا مع نعيمها كالحبس بالنسبة إلى ما له فى الآخرة من الخير، وهى جنة الكافر لأنه لا يرد نفسه عما تشتهى، وهى الجنة له بالنسبة إلى ما له فى الآخرة من الشر.

اطفيش

تفسير : {لَكِنِ} استدراك لرفع ما يوهم أن التجارة مطلقاً توجب جهنم، فأخبر أن للمؤمنين الجنة، ولو اتجروا، وبأن جوعهم وبؤسهم إنما هو لكسب ما هو أعظم من نعم الدنيا وهو الجنة، وعلماء المعانى يقولون لكن لقصر القلب، ورد اعتقاد المخاطب أن المؤمنين البائسين فى خسران عظيم لا دنيا لهم ولا جنة لكفرهم بالجنة {الَّذِينَ اتَقُّوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ} يدخلونها يوم القيامة مقدرين الخلود {فِيهَا} وأما من الآن فلا يوقنون أنهم من أهلها لخوف الخاتمة فى حق كل واحد ممن لهم يجىء فيه الوحى، ويجوز إثبات التقدير للخلود بلا حذف على رسم فرض السعادة أى تثبت لهم، أَي لأهل صفتهم، ناوين أنهم يخلدون فيها إن كانوا من أهلها {نُزُلاً} حال من المستتر فى لهم، العائد إلى جنات، شبهها بما يُعدّ للنازل من طعام وشراب وصلة، فلا تزال تزداد خيراً بلا نهاية بعد ذلك، كما يحتفل للنازل بعد ينزل عليه فجأة كل يوم فى الجنة خير مما قبله أبدا، ومعناه معد ومهيأ على عجل، ولا يصح أنه حال من جنات، لأن جنات مبتدأ، والحال لا يصح قيداً للابتداء الذى هو العامل، ويجوز أن يكون حالا من ضمير جنات المستتر فى لهم، أى ذات نُزُل أو هو جمع نازل على غير قياس، حال من المستتر فى خالدين، أو يقدر أنزلوها نزلا من عند الله، أى نزولا على أنه مفول مطلق {مِّنْ عِندَ اللهِ} وما بالك بشىء من الله قابل به وليه مضاد به عدوه {وَمَا عِندَ اللهِ} من ثواب الجنة لكثرته وعظمه وهنائه ودوامه {خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ} مما للكفار من متاع الدنيا لقلته وحقارته وتنغصه وفنائه، أظهر اسمهم بلفظ الأبرار إشعاراً بأن أعمالهم تقوى وبر، وانها سبب الثواب، روى ابن عباس: أنه مات النجاشى، ملك الحبشة، فأخبر جبريل عليه السلام النبى صلى الله عليه وسلم بموته فى يومه، فقال للصحابه، حديث : اخرجوا، صلوا على أخ لكم بأرض الحبشة مات، وكشف له عن سريره، وكبر عليه أربعاً واستغفر لهتفسير : ، فقال المنافقون إنه صلى على حبشى نصرانى لم يره قط، وليس على دينه فنزل قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ} كالنجاشى المذكور بكسر النون وفتحها وإسكان الياء وشدها لغتان، وقيل الشد غلط، لأنه ليس نسبا وشد الجيم غلط لا غير، واسمه أصحمة بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الحاء، والتاء زائدة من العربية أى عطية الله، وقيل عطية الصنم، والحبشة يقولونه بالخاء المعجمة، والقول بأن اسمه مكحول ابن صعصعة خطأ، لأن هذا اللفظ عربى وأسلم قبل الفتح، ومات أيضاً قبله فى رجب عام تسعة، وكعبد الله بن سلام من اليهود وأربعين من نصارى نجران من بنى الحارث بن كعب، وهم من العرب، واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم على دين عيسى آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه حجة للصلاة على الغائب، لأن ولو كشف له صلى الله عليه وسلم لم يكشف للصحابة، وقالت الحنفية إنه لا يصلى على غائب، وأن ذلك مخصوص بالنبى صلى الله عليه وسلم مع النجاشى تكريماً له، ألا ترى أنه لم يصل على غيره من الغائبين {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} من القرآن وغيره {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} من التوراة والإنجيل وغير ذلك، قدم ما انزل إلينا مع تأخره عما أنزل إليهم لأنه المعيار، لا عبرة بإيمانهم إن لم يوافقوه، ولأن ما أنزل إليهم قد نسخ بعضه بالقرآن وقد حرفوه، فإنما يعتبر ما صححه القرآن ولتعجيل مسرة المؤمنين، بذكر ما أنزل إليهم {خَاشِعِينَ لِلهِ} خاشعين حال من ضمير يؤمن، مراعاة لمعناه، وهو الجمع ومن هاء إليهم، والخشوع بعد النزول، والخشوع الخضوع، أو الخوف والتذلل أو الخوف اللازم للقلب، قيل تحرز به عن إيمان المنافقين، لأنه لخوف القتل لا لله، ويبحث بأنه لا يشمل الإيمان{لاَ يَشْتَرُونَ بِأيآتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً} من الدنيا خوفاً من زوال الرياسة إن لم يكتموا، ووصف القلة لأن ما أخذوه بدلا من دين الله قليل ولو الدنيا كلها، وتعريضاً بخستهم إذ باعوا الدائم الكثير الذى فى غاية الجودة بما هوعكس ذلك {أَوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ} مرتين بما صبروا، يؤتكم كفلين من رحمته {عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ سَرِيعُ الحِسَابِ} يحاسب فى لحظة، أو فى يوم، وهو قادر على أقل، فلزم من ذلك سرعة وصول الثواب إليهم إذا وضع الحساب.

الالوسي

تفسير : {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } {لَكِنِ } للاستدراك عند النحاة وهو رفع توهم ناشىء من السابق وعند علماء المعاني لقصر القلب وردّ اعتقاد المخاطب، وتوجيه الآية على الأول: أنه لما وصف الكفار بقلة نفع تقلبهم في التجارة وتصرفهم في البلاد لأجلها جاز أن يتوهم متوهم أن التجارة من حيث هي مقتضية لذلك فاستدرك أن المتقين وإن أخذوا في التجارة لا يضرهم ذلك وأن لهم ما وعدوا به أو يقال إنه تعالى لما جعل تمتع المتقلبين قليلاً مع سعة حالهم أوهم ذلك أن المسلمين الذين لا يزالون في الجهد والجوع في متاع في كمال القلة فدفع بأن تمتعهم للاتقاء وللاجتناب عن الدنيا ولا تمتع من الدنيا فوقه لأنه وسيلة إلى نعمة عظيمة أبدية هي الخلود في الجنات، وعلى الثاني: ردّ لاعتقاد الكفرة أنهم متمتعون من الحياة والمؤمنون في خسران عظيم، وعلل بعض المحققين جعل التقوى في حيز الصلة بالإشعار بكون الخصال المذكورة من باب التقوى، والمراد بها الاتقاء عن الشرك والمعاصي؛ والموصول مبتدأ والظرف خبره، وجنات مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو مرتفع بالابتداء، والظرف خبره، والجملة خبر المبتدأ، وخالدين حال مقدرة من الضمير المجرور في لهم أو من جنات لتخصيصها بجملة الصفة، والعامل ما في الظرف من معنى الاستقرار، وقرأ أبو جعفر {لَكِنِ } بتشديد النون. {نُزُلاً مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } النزل بضمتين وكذا النزل بضم فسكون ما يعد للضيف أول نزوله من طعام وشراب وصلة، قال الضبـي:شعر : وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا والمرهفات له (نزلاً) تفسير : ويستعمل بمعنى الزاد مطلقاً، ويكون جمعاً بمعنى النازلين كما في قول الأعشى:شعر : أو ينزلون فإنا معشر (نزل) تفسير : وقد جوز ذلك أبو عليّ في الآية، وكذا يجوز أن يكون مصدراً، قيل: وأصل معنى النزل مفرداً الفضل والريع في الطعام، ويستعار للحاصل عن الشيء، ونصبه هنا إما على الحالية من جنات لتخصيصها بالوصف والعامل فيه ما في / الظرف من معنى الاستقرار إن كان بمعنى ما يعد الخ، وجعل الجنة حينئذٍ نفسها نزلاً من باب التجوز، أو بتقدير مضاف أي ذات نزل، وإما على الحالية من الضمير في خالدين إن كان جمعاً، وإما على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف إن كان مصدراً وهو حينئذٍ بمعنى النزول أي نزلوها نزلاً، وجوز على تقدير مصدريته أن يكون بمعنى المفعول فيكون حالاً من الضمير المجرور في فيها أي منزولة، والظرف صفة نزلاً إن لم تجعله جمعاً وإن جعلته جمعاً ففيه ـ كما قال أبو البقاء ـ وجهان: أحدهما: أنه حال من المفعول المحذوف لأن التقدير (نزلاً) إياها، والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ذلك من عند الله أي بفضله، وذهب كثير من العلماء على أن النزل بالمعنى الأول ـ وعليه تمسك بعضهم بالآية على رؤية الله تعالى لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلاً فلا بد من شيء آخر يكون أصلاً بالنسبة إليها وليس وراء الله تعالى شيء ـ وهو كما ترى، نعم فيه حينئذٍ إشارة إلى أن القوم ضيوف الله تعالى وفي ذلك كمال اللطف بهم. {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } من الأمور المذكورة الدائمة لكثرته ودوامه {خَيْرٌ لّلأَبْرَارِ } مما يتقلب فيه الفجار من المتاع القليل الزائل لقلته وزواله، والتعبير عنهم ـ بالأبرار ـ ووضع الظاهر موضع الضمير كما قيل: للإشعار بأن الصفات المعدودة من أعمال البر كما أنها من قبيل التقوى والجملة تذييل، وزعم بعضهم أن هذا مما يحتمل أن يكون إشارة إلى الرؤية لأن فيه إيذاناً بمقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة، والموصول مبتدأ، والظرف صلته، وخير خبره، وللأبرار صفة خير. وجوز أن يكون للأبرار خبراً والنية به التقديم أي والذي عند الله مستقر للأبرار وخير على هذا خبر ثان، وقيل: للأبرار حال من الضمير في الظرف، وخير خبر المبتدأ، وتعقبه أبو البقاء بأنه بعيد لأن فيه الفصل بين المبتدأ والخبر بحال لغيره والفصل بين الحال وصاحب الحال غير المبتدأ وذلك لا يجوز في الاختيار.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}. لم يبين هنا ما عنده للأبرار، ولكنه بين في موضع آخر: أنه النعيم، وهو قوله: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورا} تفسير : [الإنسان: 5].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 198- ذلك جزاء الكافرين، أما الذين آمنوا وخافوا ربهم فلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار مخلدين فيها، نازلين فى كرم الله سبحانه وما عند الله خير للأبرار مما يتقلب فيه الكافرون من متاع زائل. 199- إن بعض أهل الكتاب يؤمنون بالله وبما أنزل على محمد وبما أنزل على الرسل من قبله، تراهم خاضعين لله ضارعين إليه، لا يستبدلون بالبينات الظاهرة عرضاً من أعراض الدنيا مهما عظم فهو قليل، هؤلاء لهم الجزاء الأوفى فى دار الرضوان عند ربهم والله سريع الحساب لا يعجزه إحصاء أعمالهم ومحاسبتهم عليها، وهو قادر على ذلك وجزاؤه نازل بهم لا محالة. 200- يا أيها المؤمنون تمسكوا بالصبر، وغالبوا أعداءكم به، ولازموا الثغور لحمايتها، وخافوا ربكم، ففى كل ذلك رجاء فلاحكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَنَّاتٌ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} (198) - أمَّا المُتَّقُونَ فَلَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَخِلاَلَ أَشْجَارِهَا، وَيَبْقَوْنَ فِيهَا مُخَلَّدِينَ أبَداً، مُنَزَّلِينَ فِيهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمَا عِنْدَ اللهِ مِنْ جَزَاءٍ وَثَوَابٍ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ لِلأبْرارِ الذِينَ يَبرُّونَ وَالِدَيْهِمْ وَأبْنَاءَهُمْ. النُّزُلِ - مَا يُهَيَّأ لِلضَّيْفِ النَّازِلِ مِنَ الضِّيَافَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والنزل هو المكان الذي يعد لنزول الضيف، والنزل حينما تقيمه قدرات بشرية تتراوح حسب إمكانات البشر وفي إحدى السفريات نزلنا في فندق فاخر فقال لي زملائي وإخواني: هذا لون من العظمة البشرية. قلت لهم: هذا ما أعده البشر للبشر، فكيف بما أعده الله للمؤمنين؟ وعندما ترى تقلب الكفار في البلاد فاعلم أنهم لن يأمنوا أن يأخذهم الله في تقلبهم، وفي ذلك يقول: {أية : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [الأنعام: 47]. ويقول - سبحانه -: {أية : أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} تفسير : [الأنعام: 46]. والكافر من هؤلاء يتملكه الغرور، وهو يتقلب فيأتيه عذاب الله بغتة. والعذاب يأتي مرة بغتة، ومرة أخرى جهرة. إنه يأتي بغتة حتى يكون الإنسان متوقعاً له في أي لحظة. ويأتي جهرة حتى يرعب الإنسان ويخيفه قبل أن يقع. ولذلك يقول الحق: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} تفسير : [البقرة: 55]. فالموت إن جاءهم بغتة فقد لا يشعرون بهوله إلا لحظة وقوعه، ولكن حينما يأتيهم الموت وهم ينظرون، فهم يرونه وهم في فزع ورعب. والحق يقول من بعد ذلك: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {نُزُلاً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} معناهُ ثَوابٌ عِنْدَهُ.

الجيلاني

تفسير : {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ} عن الاشتغال بزخرفة الدنيا وأمتعتها، منيبين إليه، متوجهين نحوه {لَهُمْ} عنده {جَنَّاتٌ} منتزها من اللذة الروحانية {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} من العلوم الدينية {خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} حين وصلوا إليه {وَ} اعلموا أيها المؤمنون {مَا عِندَ ٱللَّهِ} من المثوبات المستمرة واللذات الدائمة {خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} [آل عمران: 198] المتوجهين إلى دار القرار. {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} المنزل للكتب المرسلة للرسل {وَ} لا يفرق بين الكتب والرسل أصلاً، بل يؤمن بجميع {مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} من القرآن والرسول الذي هو سيدنا محمد عليه السلام {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} من التوراة والإنجيل، المنزلين على موسى وعيسى - عليهما السلام - وكذا على سائر الكتب المنزلة من عنده؛ لتحققهم في مقام العبودية والتوحيد، وهم في هذا الإيمان والإذعان {خَٰشِعِينَ للَّهِ} مخلصين له. وعلامة خشوعهم وإخلاصهم أنهم {لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ} أي: بتبديلها {ثَمَناً قَلِيلاً} من الرشى، مثل أحبار اليهود ومتفقهة هذه الأمة في هذا العصر - خذلهم الله - وهم الذين يحتالون في أحكام الشريعة الغراء على مقتضى هويتم الفاسدة، ويأخذون الرشى؛ لأجل حيلهم الباطلة، ويسمونها حيلة شرعية، كأنه ظهر ما قال صلى الله عليه وسلم: "بدأ غريباً، وسيعود غريباً"، {أُوْلـٰئِكَ} المخلصون، الخاشعون {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} يوفيهم أجورهم من حيث لا يحتسبون {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائرهم {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} آل عمران: 199] يحاسب أعمالهم، ويجازيهم عليها سريعاً، بل يزيد عليهم؛ تفضلاً وامتناناً. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد الله، مقتضى إيمانكم الصبر على متاعب مسالك التوحيد {ٱصْبِرُواْ} على مشاق التكليفات الواقعة فيها {وَصَابِرُواْ} عالبوا على القوى النفسانية العائقة عن الرياضات المزكية للأهوية الفاسدة {وَرَابِطُواْ} قلوبكم على المشاهدات والمكاشفات الواردة من النسمات الإلهية والنفسات الرحمانية {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عن جميع اما يعوقكم ويشغلكم {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] تفوزون منه بما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ربنا أفرغ علينا صبراً، وتوفنا مسلمين، واحشرنا مع الصابرين المرابطين، هب لنا من لدنك رحمة إنك أرحم الراحمين. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المترصد لفيضان الكشف والشهود واليقين، ونزول الاطمئنان والتمكين أن تتصبر بما جرى عليك من المصيبات والبليات المشعرة للاختبارات الإلهية، وابتلائه عن رسوخ قدمك في جادة التوحيد، وصدق عزيمتك في مسلك الفناء، وعلو همتك في التحقق بدار البقاء. وتربط قلبك بحقك الذي هو أصلك وحقيقتك، مقبلاً عليه، متوجهاً إليه، مجتنباً عن جميع ما يعوقك عنه من لوازم ماهيتك وهويتك التي لا حقيقة لها عند التحقيق والإقرار لما يترتب عليها وعلى لوازمها؛ إذ هي أعراض متبدلة، وأظلال باطلة، وإعدام صرفة زائلة لا تحقق لها، ولا آثار لها أصلاً سوى أن الوجود الحق انبسط عليها، وامتد إليها بجميع كمالات، فانعكس منه فيها ما انعكس، فيتراءى العكوس والأظلال مشعشعة متجددة دائماً بمقتضى تجدد تجليات الأوصاف والأسماء، فظن المحجوبون أنها متناصلات، وهي عند التحقيق تجلٍ واحد على هذا المنوال. ارزقنا بلطفك حلاوة معرفتك وتوحيدك. فلك أن تصفي ضميرك عن جميع ما يؤدي إلى التقليد والتخمين، وتفرغ خاطرك وسترك عن كل ما يوهم التعدد والكثرة، حتى انشرح صدرك واتسع قلبك؛ لتصيرمنزلاً لسلطان الوجود الذي هو منبع جميع الكمالات والجود، وقبلة الواجد والموجود، والحوض المورود، والمقام المحمود. وإياك إياك أن تقتضي أثر وساوس مقتضيات نفسك التي هي أعدى عدوك، وأشد ما يغويك ويضلك، بل جميع شياطينك إنما انتشأت منها، واستتبعت عليها، فعليك أن تلتجئ في الاجتناب من غوائلها بالرشد الكامل الذي هو القرآن المنزل من عند الله على خير الأنام، المؤيد من عند العليم العلاَّم؛ ليهدي المضلين جادةَ التوحيد عن متابعة الشيطان المَريد، ويوصلهم إلى صفاء التجريد وزلال التفريد بتوفيق من الله وجذبٍ من جانبه. وفقنا بلطفك وكرمك بما تحب عنا وترضى.

همام الصنعاني

تفسير : 495- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود، عن عبد الله قال: ما من نفس بَرَّة ولا فاجرة إلا والموت خير لها. ثم قرأ عبد الله: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}: [الآية: 198]، وقرأ هذه الآية: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ}تفسير : : [الآية: 178].