٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
199
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار من قبل، بأن مصيرهم إلى النار بين في هذه الآية أن من آمن منهم كان داخلا في صفة الذين اتقوا فقال: {وَإِن مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } واختلفوا في نزولها، فقال ابن عباس وجابر وقتادة: نزلت في النجاشي حين مات وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال المنافقون: إنه يصلي على نصراني لم يره قط، وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبدالله بن سلام وأصحابه، وقيل: نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا. وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، وهذا هو الأولى لأنه لما ذكر الكفار بأن مصيرهم إلى العقاب، بين فيمن آمن منهم بأن مصيرهم إلى الثواب. واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات: أولها: الايمان بالله، وثانيها: الايمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم. وثالثها: الايمان بما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد عليه الصلاة والسلام. ورابعها: كونهم خاشعين لله وهو حال من فاعل يُؤْمِنُ لأن مَن يُؤْمِنُ في معنى الجمع. وخامسها: أنهم لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلا كما يفعله أهل الكتاب ممن كان يكتم أمر الرسول وصحة نبوته. ثم قال تعالى في صفتهم: {أُوْلـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } والفائدة في كونه سريع الحساب كونه عالما بجميع المعلومات، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب. قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }. واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواعا كثيرة من علوم الأصول والفروع، أما الأصول ففيما يتعلق بتقرير التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وأما الفروع ففيما يتعلق بالتكاليف والأحكام نحو الحج والجهاد وغيرهما، ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع الآداب، وذلك لأن أحوال الانسان قسمان: منها ما يتعلق به وحده، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره، أما القسم الأول فلا بد فيه من الصبر، وأما القسم الثاني فلا بد فيه من المصابرة. أما الصبر فيندرج تحته أنواع: أولها: أن يصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات المخالفين. وثانيها: أن يصبر على مشقة أداء الواجبات والمندوبات. وثالثها: أن يصبر على مشقة الاحتراز عن المنهيات. ورابعها: الصبر على شدائد الدنيا وآفاتها من المرض والفقر والقحط والخوف، فقوله: {ٱصْبِرُواْ } يدخل تحته هذه الأقسام، وتحت كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أنواع لا نهاية لها، وأما المصابرة فهي عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بينه وبين الغير، ويدخل فيه تحمل الاخلاق الردية من أهل البيت والجيران والأقارب، ويدخل فيه ترك الانتقام ممن أساء اليك كما قال: {أية : وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 199] وقال: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } تفسير : [الفرقان: 72] ويدخل فيه الايثار على الغير كما قال: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ }تفسير : [الحشر: 9] ويدخل فيه العفو عمن ظلمك كما قال: {أية : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }تفسير : [البقرة: 237] ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فان المقدم عليه ربما وصل اليه بسببه ضرر، ويدخل فيه الجهاد فانه تعريض النفس للهلاك، ويدخل فيه المصابرة مع المبطلين، وحل شكوكهم والجواب عن شبههم، والاحتيال في إزالة تلك الاباطيل عن قلوبهم، فثبت ان قوله {ٱصْبِرُواْ } تناول كل ما تعلق به وحده {وَصَابِرُواْ } تناول كل ما كان مشتركا بينه وبين غيره. واعلم أن الانسان وان تكلف الصبر والمصابرة إلا أن فيه أخلاقا ذميمة تحمل على أضدادها وهي الشهوة والغضب والحرص، والانسان ما لم يكن مشتغلا طول عمره بمجاهدتها وقهرها لا يمكنه الاتيان بالصبر والمصابرة، فلهذا قال: {وَرَابِطُواْ } ولما كانت هذه المجاهدة فعلا من الأفعال ولا بد للانسان في كل فعل يفعله من داعية وغرض، وجب أن يكون للانسان في هذه المجاهدة غرض وباعث، وذلك هو تقوى الله لنيل الفلاح والنجاح، فلهذا قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } وتمام التحقيق فيه أن الأفعال مصدرها هو القوى، فهو تعالى أمر بالصبر والمصابرة، وذلك عبارة عن الاتيان بالافعال الحسنة، والاحتراز عن الافعال الذميمة، ولما كانت الافعال صادرة عن القوى أمر بعد ذلك بمجاهدة القوى التي هي مصادر الافعال الذميمة، وذلك هو المراد بالمرابطة، ثم ذكر ما به يحصل دفع هذه القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات، وذلك هو تقوى الله، ثم ذكر ما لأجله وجب ترجيح تقوى الله على سائر القوى والاخلاق، وهو الفلاح، فظهر أن هذه الآية التي هي خاتمة لهذه السورة مشتملة على كنوز الحكم والاسرار الروحانية، وانها على اختصارها كالمتمم لكل ما تقدم ذكره في هذه السورة من علوم الأصول والفروع فهذا ما عندي فيه. ولنذكر ما قاله المفسرون: قال الحسن: اصبروا على دينكم ولا تتركوه بسبب الفقر والجوع، وصابروا على عدوكم ولا تفشلوا بسبب وقوع الهزيمة يوم أحد، وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم فلا ينبغي أن يكون أصبر منكم، وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها، ولما كثر ترغيب الله تعالى في الجهاد في هذه السورة أمرهم بمصابرة الأعداء. وأما قوله: {وَرَابِطُواْ } ففيه قولان: الأول: أنه عبارة عن أن يربط هؤلاء خيلهم في الثغور ويربط أولئك خيلهم أيضاً، بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر، قال تعالى: {أية : وَمِن رّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } تفسير : [الأنفال: 60] وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان مثل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينتقل عن صلاته إلا لحاجة» تفسير : الثاني: أن معنى المرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة ويدل عليه وجهان: الأول: ما روي عن أبي سلمة عبد الرحمن أنه قال: لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، وإنما نزلت هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة. الثاني: ما روي من حديث أبي هريرة حين ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: «حديث : فذلكم الرباط»تفسير : ثلاث مرات. واعلم أنه يمكن حمل اللفظ على الكل، وأصل الرباط من الربط وهو الشد، يقال: لكل من صبر على أمر ربط قلبه عليه، وقال آخرون: الرباط هو اللزوم والثبات، وهذا المعنى أيضاً راجع إلى ما ذكرناه من الصبر وربط النفس، ثم هذا الثبات والدوام يجوز أن يكون على الجهاد، ويجوز أن يكون على الصلاة والله أعلم. قال الامام رضي الله تعالى عنه: تم تفسير هذه السورة بفضل الله وإحسانه يوم الخميس أول ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله، أي: مطيعون له، خاضعون متذللون بين يديه، {لاَ يَشْتَرُونَ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً}، أي: لا يكتمون بأيديهم من البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم وذكر صفته ونعته ومبعثه، وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هوداً أو نصارى، وقد قال تعالى في سورة القصص: {أية : ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} تفسير : [القصص: 52 ـ 54] الآية، وقد قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} تفسير : [البقرة: 121] الآية. وقد قال تعالى: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 159]، وقال تعالى: {أية : لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} تفسير : [آل عمران: 113]، وقال تعالى: {أية : قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } تفسير : [الإسراء: 107 ـ 109] وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلاً كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود، ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: {أية : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} تفسير : [المائدة: 82] إلى قوله تعالى: {أية : فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} تفسير : [المائدة: 85] الآية، وهكذا قال ههنا: {أُوْلـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} الآية، وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، لما قرأ سورة: {أية : كۤهيعۤصۤ} تفسير : [مريم: 1] بحضرة النجاشي ملك الحبشة وعنده البطاركة والقساوسة، بكى وبكوا معه حتى أخضبوا لحاهم، وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وقال: «حديث : إن أخاً لكم بالحبشة قد مات، فصلوا عليه» تفسير : فخرج إلى الصحراء فصفهم وصلى عليه. وروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: لما توفي النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : استغفروا لأخيكم» تفسير : فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة، فنزلت: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ} الآية، ورواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق أخرى عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم رواه ابن مردويه من طرق عن حميد، عن أنس بن مالك، بنحو ما تقدم، ورواه أيضاً ابن جرير من حديث أبي بكر الهذلي عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات النجاشي: «حديث : إن أخاكم أصحمة قد مات»تفسير : ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى كما يصلي على الجنائز، فكبر عليه أربعاً، فقال المنافقون: يصلي على علج مات بأرض الحبشة، فأنزل الله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} الآية. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن عمرو الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لما مات النجاشي، كنا نحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور. وقد روى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو العباس السياري بمرو، حدثنا عبد الله بن علي الغزال، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: نزل بالنجاشي عدو من أرضهم، فجاءه المهاجرون، فقالوا: إنا نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك، وترى جرأتنا، ونجزيك بما صنعت بنا، فقال: لا، دواء بنصرة الله عز وجل خير من دواء بنصرة الناس، قال: وفيه نزلت: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ} الآية. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} يعني: مسلمة أهل الكتاب. وقال عباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن قول الله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} الآية، قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم فاتبعوه، وعرفوا الإسلام، فأعطاهم الله تعالى أجر اثنين: للذي كانوا عليه من الإيمان قبل محمد صلى الله عليه وسلم وبالذي اتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم رواهما ابن أبي حاتم. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين»تفسير : فذكر منهم: «حديث : ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي» تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَشْتَرُونَ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي: لا يكتمون ما بأيديهم من العلم؛ كما فعله الطائفة المرذولة منهم، بل يبذلون ذلك مجاناً، ولهذا قال تعالى: {أُوْلـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}، قال مجاهد: {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} يعني: سريع الإحصاء، رواه ابن أبي حاتم وغيره. وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} قال الحسن البصري رحمه الله: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء، ولا لشدة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم، وكذا قال غير واحد من علماء السلف، وأما المرابطة، فهي المداومة في مكان العبادة والثبات، وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قاله ابن عباس وسهل بن حنيف ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم، وروى ابن أبي حاتم ههنا الحديث الذي رواه مسلم والنسائي من حديث مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط»تفسير : . وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا أبو جحيفة علي بن يزيد الكوفي، أنبأنا ابن أبي كريمة عن محمد بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أقبل عليَّ أبو هريرة يوماً، فقال: أتدري يابن أخي فيم نزلت هذه الآية: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ}؟ قلت: لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد، ويصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أنزلت: {ٱصْبِرُواْ} أي: على الصلوات الخمس، {وَصَابِرُواْ} أنفسكم وهواكم، {وَرَابِطُواْ} في مساجدكم، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيما عليكم، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن منصور عن مصعب بن ثابت، عن داود بن صالح، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بنحوه. وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثني ابن فضيل عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن شرحبيل، عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا أدلكم على ما يكفر الذنوب والخطايا؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط»تفسير : ، وقال ابن جرير أيضاً: حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثني يحيى بن يزيد عن زيد بن أبي أنيسة، عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب» تفسير : ؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «حديث : إسباغ الوضوء في أماكنها، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط»تفسير : ، وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي، أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد سلام البيروتي، أنبأنا محمد بن غالب الأنطاكي، أنبأنا عثمان بن عبد الرحمن، أنبأنا الوازع بن نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي أيوب رضي الله عنه، قال: وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : هل لكم إلى ما يمحو الله به الذنوب ويعظم به الأجر؟» تفسير : قلنا: نعم يا رسول الله، وما هو؟ قال: «حديث : إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة»تفسير : . قال: وهو قول الله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فذلك هو الرباط في المساجد، وهذا حديث غريب من هذا الوجه جداً. وقال عبد الله بن المبارك عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، حدثني داود بن صالح، قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية {ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ}؟ قال: قلت: لا. قال: إنه لم يكن يابن أخي في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة، رواه ابن جرير، وقد تقدم سياق ابن مردويه له، وأنه من كلام أبي هريرة رضي الله عنه، والله أعلم، وقيل: المراد بالمرابطة ههنا مرابطة الغزو في نحور العدو، وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك، وذكر كثرة الثواب فيه، فروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها».تفسير : (حديث آخر) روى مسلم عن سلمان الفارسي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان».تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح، أخبرني أبو هانىء الخولاني: أن عمرو بن مالك الجَنْبي أخبره: أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كل ميت يختم على عمله، إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله، فإنه يَنْمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر» تفسير : وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هانىء الخولاني، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضاً. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، وحسن بن موسى وأبو سعيد وعبد الله بن يزيد، قالوا حدثنا ابن لهيعة، حدثنا مشرح بن هاعان، سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «حديث : كل ميت يختم على عمله، إلا المرابط في سبيل الله، فإنه يجري عليه عمله حتى يبعث، ويأمن من الفتان» تفسير : وروى الحارث بن محمد بن أبي أسامة في مسنده عن المقبري، وهو عبد الله بن يزيد، به، إلى قوله: «حتى يبعث» دون ذكر: «الفتان» وابن لهيعة إذا صرح بالتحديث، فهو حسن، ولا سيما مع ما تقدم من الشواهد. (حديث آخر) قال ابن ماجه في سننه: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني الليث عن زهرة بن معبد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من مات مرابطاً في سبيل الله، أجري عليه عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمناً من الفزع».تفسير : (طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا موسى، أنبأنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من مات مرابطاً، وقي فتنة القبر، وأمن من الفزع الأكبر، وغدا عليه ريح برزقه من الجنة، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة».تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي، عن إسحاق بن عبد الله، عن أم الدرداء، ترفع الحديث، قالت: «حديث : من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام، أجزأت عنه رباط سنة».تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا كهمس، حدثنا مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، قال: قال عثمان رضي الله عنه، وهو يخطب على منبره: إني محدثكم حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلاّ الضن بكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها» تفسير : وهكذا رواه أحمد أيضاً عن روح، عن كهمس، عن مصعب بن ثابت، عن عثمان. وقد رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله ابن الزبير، قال: خطب عثمان بن عفان الناس، فقال: يا أيها الناس إني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الضن بكم وبصحابتكم، فليختر مختار لنفسه أو ليدع، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة صيامها وقيامها».تفسير : (طريق أخرى) عن عثمان رضي الله عنه. قال الترمذي: حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا هشام ابن عبد الملك، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت عثمان، وهو على المنبر يقول: إني كتمتكم حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكموه؛ ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل»تفسير : . ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، قال محمد، يعني: البخاري: أبو صالح مولى عثمان اسمه بركان، وذكر غير الترمذي أن اسمه الحارث، والله أعلم. وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة، وعنده زيادة في آخره فقال، يعني: عثمان: فليرابط امرؤ كيف شاء، هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. (حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، حدثنا محمد بن المنكدر، قال: مر سلمان الفارسي بشرحبيل بن السمط، وهو في مرابَط له، وقد شق عليه وعلى أصحابه، فقال: أفلا أحدثك يابن السمط بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : رباط يوم في سبيل الله أفضل ـ أو قال: خير ـ من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وقي فتنة القبر، ونمي له عمله إلى يوم القيامة» تفسير : تفرد به الترمذي من هذا الوجه، وقال: هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ زيادة، وليس إسناده بمتصل، وابن المنكدر لم يدرك سلمان. (قلت): الظاهر أن محمد بن المنكدر سمعه من شرحبيل بن السمط. وقد رواه مسلم والنسائي من حديث مكحول وأبي عبيدة بن عقبة، كلاهما عن شرحبيل بن السمط، وله صحبة، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان» تفسير : وقد تقدم سياق مسلم بمفرده. (حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، حدثنا محمد بن يعلى السلمي، حدثنا عمر بن صبيح عن عبد الرحمن بن عمرو، عن مكحول، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لرباط يوم في سبيل الله، من وراء عورة المسلمين؛ محتسباً من غير شهر رمضان، أعظم أجراً من عبادة مائة سنة؛ صيامها وقيامها، ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين؛ محتسباً من شهر رمضان، أفضل عند الله وأعظم أجراً، أراه قال: من عبادة ألف سنة؛ صيامها وقيامها، فإن رده الله تعالى إلى أهله سالماً، لم تكتب عليه سيئة ألف سنة، وتكتب له الحسنات، ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة» تفسير : هذا حديث غريب، بل منكر من هذا الوجه، وعمر بن صبيح متهم. (حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا عيسى بن يونس الرملي، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور عن سعيد بن خالد بن أبي طويل، سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : حرس ليلة في سبيل الله خير من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة. السنة ثلثمائة وستون يوماً، واليوم كألف سنة» تفسير : وهذا حديث غريب أيضاً، وسعيد بن خالد هذا ضعفه أبو زرعة وغير واحد من الأئمة، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال الحاكم: روى عن أنس أحاديث موضوعة. (حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن الصباح، أنبأنا عبد العزيز بن محمد عن صالح ابن محمد بن زائدة، عن عمر بن عبد العزيز، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : رحم الله حارس الحرس» تفسير : فيه انقطاع بين عمر بن عبد العزيز وعقبة بن عامر، فإنه لم يدركه، والله أعلم. (حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية، يعني: ابن سلام، عن زيد ـ يعني: ابن سلام ـ أنه سمع أبا سلام قال: حدثني السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية: أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فأطنبوا السير حتى كانت عشية، فحضرت الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله» تفسير : ثم قال: «حديث : من يحرسنا الليلة» تفسير : ؟ قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله، فقال؛ «حديث : فاركب» تفسير : فركب فرساً له، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نُغْزَن من قبلك الليلة» تفسير : فلما أصبحنا، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه، فركع ركعتين، ثم قال: «حديث : هل أحسستم فارسكم؟» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله ما أحسسناه، فثوب بالصلاة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته، قال: «حديث : أبشروا فقد جاءكم فارسكم»تفسير : فجعلنا ننظر إلي خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرتني، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أرَ أحداً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هل نزلت الليلة؟»تفسير : قال: لا، إلا مصلياً أو قاضي حاجة، فقال له: «حديث : أوجبت، فلا عليك أن لا تعمل بعدها»تفسير : . ورواه النسائي عن محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني عن أبي توبة، وهو الربيع بن نافع، به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عبد الرحمن بن شريح، سمعت محمد بن شمير الرعيني يقول: سمعت أبا عامر التَّجيبي، قال الإمام أحمد: وقال غير زيد: أبا علي التجيبي، يقول: سمعت أبا ريحانة يقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فأتينا ذات ليلة إلى شرف، فبتنا عليه، فأصابنا برد شديد، حتى رأيت من يحفر في الأرض حفرة يدخل فيها، ويلقي عليه الحجفة، يعني: الترس، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس نادى: «حديث : من يحرسنا في هذه الليلة، فأدعو له بدعاء يكون له فيه فضل؟» تفسير : فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله فقال: «حديث : ادن» تفسير : فدنا، فقال: «حديث : من أنت؟» تفسير : فتسمى له الأنصاري، ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء، فأكثر منه. فقال أبو ريحانة: فلما سمعت ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: أنا رجل آخر، فقال: «حديث : ادن»تفسير : ، فدنوت، فقال: «حديث : من أنت؟» تفسير : قال: فقلت: أبو ريحانة، فدعا بدعاء هو دون ما دعا للأنصاري، ثم قال: «حديث : حرمت النار على عين دمعت ـ أو بكت ـ من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله» تفسير : وروى النسائي منه: «حديث : حرمت النار» تفسير : إلى آخره، عن عصمة بن الفضل، عن زيد بن الحباب، به، وعن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح، به، وأتم، وقال في الروايتين: عن أبي علي التجيبي. (حديث آخر) قال الترمذي: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعيب بن رُزيق أبو شيبة عن عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» تفسير : ثم قال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رُزيق، قال: وفي الباب عن عثمان وأبي ريحانة. (قلت): وقد تقدما، ولله الحمد والمنة. (حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين عن زَبّان، عن سهل بن معاذ، عن أبيه معاذ بن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من حرس من وراء المسلمين متطوعاً لا بأجرة سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، فإن الله يقول: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}» تفسير : تفرد به أحمد رحمه الله. (حديث آخر) ـ روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع»تفسير : . فهذا آخر ما تيسر إيراده من الأحاديث المتعلقة بهذا المقام، ولله الحمد على جزيل الإنعام، على تعاقب الأعوام والأيام. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا مطرف بن عبد الله المديني، حدثنا مالك ابن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة، يجعل الله بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وهكذا روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، قال: أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته للخروج، وأنشدها معي، إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة، وفي رواية سنة سبع وسبعين ومائة.شعر : يا عابدَ الحَرَمَيْنِ لو أَبْصَرْتَنا لَعَلِمْتَ أَنَّكَ في العِبادةِ تَلْعَبُ مَنْ كانَ يَخْضِبُ خَدَّهُ بدُموعِهِ فَنُحُورنا بدمائِنا تَتَخَضَّبُ أو كانَ يُتْعِبُ خيلَهُ في باطِلٍ فخيولُنا يومَ الصَّبيحَةِ تَتْعَبُ ريحُ العَبيرِ لكُمْ ونحنُ عَبيرُنا وَهَجُ السَّنابِكِ والغُبارُ الأَطْيَبُ ولَقَدْ أتانا مِنْ مَقالِ نَبِينا قَوْلٌ صَحيحٌ صادِقُ لا يَكْذِبُ لا يَسْتَوي وغُبارَ خَيْل اللّهِ في أَنْفِ امرىءٍ ودخانَ نارِ تلهبُ هذا كتابُ اللّهِ يَنْطِقُ بينَنا ليسَ الشهيدُ بِمَيتٍ لا يَكْذِبُ تفسير : قال: فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه، ذرفت عيناه، وقال: صدق أبو عبد الرحمن، ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قال: قلت: نعم، قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا، وأملى عليّ الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رجلاً قال: يا رسول الله، علمني عملاً أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله، فقال: «حديث : هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟» تفسير : فقال: يا رسول الله، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : فوالذي نفسي بيده لو طُوقْتَ ذلك، ما بلغت المجاهدين في سبيل الله، أَوَ ما علمت أن الفرس المجاهد ليستن في طوله، فيكتب له بذلك الحسنات»تفسير : . وقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «حديث : اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»تفسير : . {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا والآخرة وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو صخر عن محمد بن كعب القرظي: أنه كان يقول في قول الله عز وجل: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون غداً إذا لقيتموني. انتهى تفسير سورة آل عمران، ولله الحمد والمنة، نسأله الموت على الكتاب والسنة آمين...
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } كعبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } أي القرآن {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } أي التوراة والإنجيل {خٰشِعِينَ } حال من ضمير «يؤمن» مراعى فيه معنى «من» أي متواضعين {للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِئَايَٰتِ ٱللَّهِ } التي عندهم في التوراة والإنجيل من بعث النبي صلى الله عليه وسلم {ثَمَناً قَلِيلاً } من الدنيا بأن يكتموها خوفاً على الرياسة كفعل غيرهم من اليهود {أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ } ثواب أعمالهم {عِندَ رَبّهِمْ } يؤتونه مرتين كما في (القصص) [28 : 50-55 ] {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } يحاسب الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} اختلفوا في سبب نزولها على قولين: أحدهما: أنها نزلت في النجاشي، روى سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أُخْرُجُوا فَصَلُّواْ عَلَى أخٍ لَكُم فَصَلَّى بِنَا أَرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، فَقَالَ هَذَا النَجَّاشِيُّ أصحمة" تفسير : فَقَالَ المْنَافِقُونَ: انظرواْ إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهو قول قتادة. والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن سلام وغيره من مُسلمة أهل الكتاب، وهذا قول مجاهد، وابن جريج. قوله تعالى: {يَاَ أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُوا} فيه أربعة تأويلات: - أحدها: اصبرواْ على طاعة الله، وصابرواْ أعداء الله، ورابطواْ في سبيل الله، وهو قول الحسن، وقتادة، وابن جريج، والضحاك. والثاني:اصبرواْ على دينكم، وصابرواْ الوعد الذي وعدكم، ورابطواْ عدوي وعدوكم، وهو قول محمد بن كعب. والثالث: اصبرواْ على الجهاد، وصابرواْ العدو، ورابطواْ بملازمة الثغر، وهو مأخوذ من ربط النفس، ومنه قولهم ربط الله على قلبه بالصبر، وهو معنى قول زيد بن أسلم. والرابع: رابطوا على الصلوات بانتظارها واحدة بعد واحدة: روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَلاَ أَدُلَّكُم عَلَى مَا يَحِطُّ بِه اللهُ الخَطَايَا ويَرْفُعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُواْ بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرةُ الخُطَا إلىَ المَسَاجِدِ وَانتِظار الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذّلِكُمُ الرَّباط ". انتهت سورة آل عمران
ابن عطية
تفسير : اختلف المتأولون، فيمن عنى بهذه الآية، فقال جابر بن عبد الله وابن جريج وقتادة وغيرهم: نزلت بسبب أصحمة النجاشي سلطان الحبشة، وذلك أنه كان مؤمناً بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما مات عرف بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اخرجوا فصلوا على أخ لكم، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فكبر أربعاً، وفي بعض الحديث: أنه كشف لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن نعشه في الساعة التي قرب منها للدفن، فكان يراه من موضعه بالمدينة، فلما صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم قال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط، فنزلت هذه الآية، وكان أصحمة النجاشي نصرانياً، وأصحمة تفسيره بالعربية عطية، قاله سفيان بن عيينة وغيره، وروي أن المنافقين قالوا بعد ذلك: فإنه لم يصل القبلة فنزلت {أية : ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} تفسير : [البقرة: 115] وقال قوم: نزلت في عبد الله بن سلام، وقال ابن زيد ومجاهد: نزلت في جميع من آمن من أهل الكتاب، و {خاشعين} حال من الضمير في {يؤمن}، ورد {خاشعين} على المعنى في "من" لأنه جمع لا على لفظ "من" لأنه إفراد، وقوله تعالى: {لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً} مدح لهم وذم لسائر كفار أهل الكتاب لتبديلهم وإيثارهم كسب الدنيا الذي هو ثمن قليل على آخرتهم وعلى آيات الله تعالى، وقوله تعالى: {إن الله سريع الحساب} قيل معناه: سريع إتيان بيوم القيامة، وهو يوم الحساب، فالحساب إذاً سريع إذ كل آت قريب، وقال قوم: {سريع الحساب} أي إحصاء أعمال العباد وأجورهم وآثامهم، إذ ذلك كله في عمله لا يحتاج فيه إلى عد وروية ونظر كما يحتاج البشر. ثم ختم الله تعالى السورة بهذه الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء، والفوز بنعيم الآخرة، فحض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات، وأمر بالمصابرة فقيل: معناه مصابرة الأعداء، قاله زيد بن أسلم، وقيل معناه: مصابرة وعد الله في النصر، قاله محمد بن كعب القرظي: أي لا تسأموا وانتظروا الفرج، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : انتظار الفرج بالصبر عبادة تفسير : ، وكذلك اختلف المتأولون في معنى قوله {ورابطوا} فقال جمهور الأمة معناه: رابطوا أعداءكم الخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله عز وجل: {أية : ومن رباط الخيل} تفسير : [الأنفال: 8]، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة، وقد كتب إليه يذكر جموع الروم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن شدة، جعل الله بعدها فرجاً، ولن يغلب عسر يسرين، وأن الله تعالى يقول في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} الآية، وقد قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: هذه الآية هي في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، واحتج بحديث علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وأبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : ألا أدلكم على ما يحط الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباطتفسير : ، والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطاً، فارساً كان أو راجلاً، واللفظة مأخوذة من الربط، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: فذلك الرباط إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المنجية، والرباط اللغوي هو الأول، وهذا كقوله: ليس الشديد بالصرعة: كقوله: ليس المسكين بهذا الطواف إلى غير ذلك من الأمثلة، والمرابط في سبيل الله عند الفقهاء: هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، قاله ابن المواز ورواه، فأما سكان الثغور دائماً بأهليهم الذين يعتمرون ويكتسبون هنالك، وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين، وقوله: {لعلكم تفلحون} ترجّ في حق البشر.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِنَّ مِنْ أهْلِ} عبد الله بن سلام ومسلمي أهل الكتاب أو نزلت في النجاشي لما صلى عليه الرسول صلى الله عليه سلم قال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم} قال ابن عباس نزلت في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة ومعناه بالعربية عطية وذلك إنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشي. فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي فصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له فقال المنافقون انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقيل نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدقوه. وقيل نزلت في عبدالله بن سلام وأصحابه الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقيل نزلت في جميع مؤمني أهل الكتاب وهذا القول أولى لأنه لما ذكر أحوال الكفار وأحوال أهل الكتاب وأن مصيرهم إلى النار ذكر حال من آمن من أهل الكتاب وأن مصيرهم إلى الجنة فقال تعالى: {وإن من أهل الكتاب} يعني بعض اليهود والنصارى أهل التوراة والإنجيل لمن يؤمن بالله يعني من يقر بوحدانية الله وما أنزل إليكم يعني ويؤمن بما أنزل إليكم أيها المؤمنون يعني القرآن وما أنزل إليهم يعني من الكتب المنزلة مثل التوراة والإنجيل والزبور {خاشعين لله} يعني خاضعين لله متواضعين له غير مستكبرين {لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً} يعني لا يغيرون كتبهم ولا يحرفونها ولا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم لأجل الرياسة والمأكل والرشى كا يفعله غيرهم من رؤساء اليهود {أولئك} إشارة إلى أن من هذه صفته من أهل الكتاب {لهم أجرهم عند ربهم} يعني لهم ثواب أعمالهم التي عملوها لله ذلك الثواب لهم ذخر عند الله يوفيه إليهم يوم القيامة {إن الله سريع الحساب} يعني إنه تعالى عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده فيجازي كل أحد على قدر عمله لأنه سريع الحساب قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا} يعني على دينكم الذي أنتم عليه ولا تدعوه لشدة ولا لغيرها وأصل الصبر حبس النفس عما لا يقتضيه شرع ولا عقل. والصبر لفظ عام تحته أنواع من المعاني قال بعض الحكماء: الصبر على ثلاثة أقسام ترك الشكوى وقبول القضاء وصدق الرضا. وقيل في معنى الآية اصبروا على طاعة الله وقيل على أداء الفرائض وقيل على تلاوة القرآن وقيل اصبروا على أمر الله وقيل اصبروا على البلاء وقيل اصبروا على الجهاد وقيل اصبروا على أحكام الكتاب والسنة {وصابروا} يعني الكفار والأعداء وجاهدوهم. {ورابطوا} يعني وداموا على جهاد المشركين واثبتوا عليه. وأصل المرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم. وهؤلاء خيولهم، بحيث يكون كل من الخصمين مستعداً لقتال الآخر. ثم قيل لكل مقيم بثغر يدفع عمن وراءه مرابط، وإن لم يكن له مركب مربوط (ق) عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما عليها"تفسير : (م) عن سلمان الخير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان" تفسير : وقيل المراد بالمرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة قال أبو سلمة بن عبدالرحمن: لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فذلكم الرباط فذلكم الرباط" تفسير : أخرجه مسلم {واتقوا الله لعلكم تفلحون} قال محمد بن كعب القرظي يقول الله عز وجل: حديث : واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون تفسير : غداً إذا لقيتموني وقال أهل المعاني في معنى هذه الآية يا أيها الذين آمنوا اصبروا على بلائي وصابروا على نعمائي ورابطوا على مجاهدة أعدائي واتقوا محبة سوائي لعلكم تفلحون بلقائي وقيل اصبروا على النعماء وصابروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء وقيل اصبروا على الدنيا ومحنها رجاء السلامة وصابروا عند القتال بالثبات والاستقامة ورابطوا على مجاهدة النفس اللوامة واتقوا الندامة لعلكم تفلحون غداً في دار الكرامة والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ}، قال جابر بن عبد اللَّه وغيره: هذه الآيةُ نَزَلَتْ بسبب أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ سُلْطَانِ الحبشة، آمن باللَّه، وبمحمَّد ـــ عليه السلام ـــ، وأَصْحَمَة: تفسيره بالعربيَّة: عَطِيَّة؛ قاله سفيان وغيره، وقال قومٌ: نزلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ، وقال ابنُ زَيْدٍ ومجاهدٌ: نَزَلَتْ في جميعِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب. وقوله سبحانه: {لاَ يَشْتَرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً}: مدحٌ لهم، وذَمٌّ لسائر كفَّار أهل الكتاب؛ لتبديلهم وإيثارهم مكاسبَ الدُّنْيا على آخرتهم، وعلَىٰ آياتِ اللَّهِ سُبْحانه، ثم خَتَمَ اللَّه سُبْحانه السُّورة بهذه الوَصَاةِ التي جَمَعَتِ الظُّهورَ في الدنيا علَى الأعداء، والفَوْزَ بنعيمِ الآخرةِ، فحضَّ سبحانه على الصبْرِ على الطاعات، وعنِ الشهواتِ، وأَمَرَ بالمصابرةِ، فقيل: معناه مصابرةُ الأعداء؛ قاله زيدُ بْنُ أسلم، وقيل: معناه مصابَرَةَ وعْدِ اللَّهِ فِي النَّصْر؛ قاله محمدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، أي: لا تسأَمُوا وٱنتظروا الفَرَجَ، وقد قَالَ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱنْتِظَارُ الفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ».تفسير : قال الفَخْر: والمصابرةُ عبارةٌ عن تحمُّل المكارِهِ الواقعة بَيْن الإنسان، وبَيْن الغَيْر. انتهى. وقوله: {وَرَابِطُواْ}: معناه عند الجُمْهُور: رَابِطُوا أعداءكم الخَيْلَ، أي: ارتبطوها؛ كما يرتبطها أعداؤكم، قلْتُ: وروى مسلمٌ في «صحيحه»، عن سلمانَ، قال: سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وإنْ مَاتَ جَرَىٰ عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّان»تفسير : ، وخَرَّجَ الترمذيُّ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَىٰ عَمَلِهِ إلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ فإنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ»تفسير : ، قال أبو عيسَىٰ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وخرَّجه أبو داود بمعناه، وقال: «حديث : ويُؤْمَنُ مِنْ فَتَّانِي القَبْرِ»تفسير : ، وخرَّجه ابنُ ماجة بإسناد صحيحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «حديث : مَنْ مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأَجْرَىٰ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ، وَيَبْعَثُهُ اللَّهُ آمناً مِنَ الفَزَعَ»تفسير : ، وروى مسلم والبخاريُّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: «حديث : رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا»تفسير : . انتهى. وجاء في فَضْل الرباطِ أحاديثُ كثيرةٌ يطُولُ ذكْرها. قال صاحبُ «التَّذْكرة»: وروى أبيُّ بن كَعْب، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ المُسْلِمِينَ مُحْتَسِباً مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ ـــ أَعْظَمُ أجْراً مِنْ عِبَادَةِ مِائَةِ سَنَةٍ؛ صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْظَمُ أَجْراً»تفسير : ، أُرَاهُ قَالَ: «حديث : مِنْ عِبَادَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ، صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا...»تفسير : الحديثَ ذكره القرطبيُّ مسنداً. انتهى. والرباط: هو الملازمةُ في سَبيلِ اللَّهِ؛ أصلها مِنْ رَبَطَ الخَيْلَ، ثم سُمِّيَ كلُّ ملازمٍ لثَغْرٍ من ثُغُور الإسلام مرابطاً، فارساً كان أو راجلاً، واللفظةُ مأخوذةٌ من الرَّبْط، قلْتُ: قال الشيخُ زيْنُ الدينِ العِرَاقِيُّ في «اختصاره لغريب القرآن»؛ لأبي حَيَّان: معنى: رَابِطُوا: دُومُوا وٱثْبُتُوا، ومتَىٰ ذكَرْتُ العِرَاقِيَّ، فمرادِي هذا الشيخُ. انتهى. وروى ابنُ المبارك في «رقائقه»، أنَّ هذه الآيةَ: {ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ}، إنما نزلَتْ في ٱنتظارِ الصَّلاةِ خَلْفَ الصلاة؛ قاله أبو سَلَمَةَ بْنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ولم يكُنْ يومئذٍ عَدُوٌّ يرابَطُ فيه. انتهى. وقوله سبحانه: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: ترجٍّ في حقِّ البَشَر، والحمدُ للَّه حَقَّ حمده.
ابن عادل
تفسير : قال جابرٌ، وابنُ عبّاسٍ، وقتادةُ، وأنسٌ: حديث : نزلت في النجاشي - ملك الحبشة - واسمه أصْحَمة، وهو - بالعربية - عطية، وذلك أنه لما مات نعاه جبريلُ - عليه السّلام - لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اخرجوا، فصلُّوا على أخ لكم مات بِغَيْر أرْضِكم، فقالوا: مَنْ هو؟ قال النجاشيُّ، فخرج إلى البقيع، وكُشِفَ له إلى أرض الحبشةِ، فأبصر سريرَ النجاشي، وصَلَّى عليه أربعَ تكبيراتٍ، واستغفر له، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يُصلي على عِلجٍ حبشيٍّ، نصرانيٍّ، لم يَرَه قطّ، وليس على دينه. تفسير : فأنزل اللَّه هذه الآية. قال عطاءٌ: نزلت في أربعينَ رجلاً من أهل نجرانَ، واثنينَ وثلاثينَ من الحبشة، وثمانيةٍ من الرُّوم، كانوا على دينِ عيسى فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن جُرَيْحٍ: نزلت في عبد اللَّهِ بن سلام وأصحابه. وقال مُجَاهدٌ: نزلتْ في مؤمني أهل الكتاب كُلِّهم. قوله: {لَمَن يُؤْمِنُ} اللام لام الابتداء، دخلت على اسم "إنَّ" لتأخُّرهِ عنها، و "مِنْ أهْلِ" خبرٌ مقدَّمٌ و "من" يجوز أن تكونَ موصولةً - وهو الأظهر - وموصوفة، أي: لـ "قوماً"، و "يؤمن" صلة - على الأول - فلا محلَّ له، وصفة - على الثاني - فمحله النصب، وأتى - هنا - بالصِّلة مستقبلة - وإن كان ذلك قد مضى - دلالة على الاستمرار والديمومة. والمعنى: إن من أهْلِ الكتابِ مَنْ يُؤمِن باللَّهِ وما أنْزِل إليكم، وهو القرآنُ، وما أنْزِلَ إلَيْهَم، وهو التوراة والإنجيل. قوله: {خَاشِعِينَ} فيه أربعةُ أوجهٍ: أحدها: أنه حالٌ من الضمير في "يؤمن" وجَمَعَه، حَمْلاً على معنى "مَنْ" كما جمع في قوله: "إلَيْهِمْ" وبدأ بالحمل على اللفظ في "يُؤْمِن" ثم بالحَمْلِ على المعنى؛ لأنه الأولى. ثانيها: أنه حال من الضمير في "إلَيْهِمْ" فالعامل فيه "أنْزِلَ". ثالثها: أنه حال من الضمير في "يَشْتَرُون" وتقديم ما في حيِّز "لا" عليها جائز على الصحيح وتقدم شيء من ذلك في الفاتحة. رابعها: أنه صفة لـِ "من" إذا قيل بأنها نكرة موصوفة. وأما الأوجه الثلاثة السابقة فجائزة، سواء كانت موصولةٌ، أو نكرة موصوفة. قوله: "للَّهِ" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بـ "خَاشِعِينَ" أي: لأجل الله. ثانيهما: أنه متعلق بـ "لاَ يَشْتَرُونَ" ذكره أبو البقاء، قال: "وهو في نية التأخير، أي: لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً لأجل الله". قوله: {لاَ يَشْتَرُونَ} كقوله: {خَاشِعِينَ} إلا في الوجه الثالث، لتعذره، ويزيد عليها وجهاً آخر، وهو أن يكون حالاً من الضمير المستكن في "خَاشِعينَ" أي: غير مشترين. وتقدم معنى الخشوع والاشتراء وما قيل فيه في البقرة. ومعناه: أنهم لا يُحَرِّفُونَ كُتُبَهم، ولا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم لأجل الرياسة والمأكلة، كفعل غيرهم من رؤساءِ اليهودِ. واعلم أنه - تعالى - لما بيَّن أنَّ مصير الكفار إلى العقاب، بيَّن - هنا - أنَّ مَنْ آمنَ منهم فإن مَصيرَه إلى الثّوابِ. وقد وصفهم بصفات: أولها: الإيمان بالله. ثانيها: الإيمان بما أُنْزِلَ على محمد صلى الله عليه وسلم. وثالثها: الإيمان بما أُنْزِلَ على الأنبياء قَبْلَه. ورابعها: كونهم خَاشِعِينَ لله. وخامسها: أنهم لا يشترون بآيات الله ثَمَناً قَلِيلاً، كما يفعله أهلُ الكتابِ ممن كان يكتم أمرَ الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله: {أُوْلۤـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ} "أولئك" مبتدأ، وأما "لَهُمْ أجْرُهُمْ" ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون "لَهُمْ" خبراً مقدَّماً، و "أجْرُهُمْ" مبتدأ مؤخر، والجملة خبر الأول، وعلى هذا فالظرفُ فيه وجهانِ: الأول: أنه متعلق بـ "أجْرُهُمْ". الثاني: أنه حال من الضمير في "لَهُمْ" وهو ضمير الأجر، لأنه واقع خبراً. ثانيها: أن يرتفع "أجْرُهُمْ" بالجارِّ قبله، وفي الظرف الوجهان، إلا أنّ الحال من "أجْرُهُمْ" الظاهر؛ لأن "لَهُمْ" لا ضمير فيه حينئذ. ثالثها: أن الظرف هو خبر "أجْرُهُمْ" و "لَهُمْ" متعلق بما تعلَّق به من هذا الظرف من الثبوت والاستقرار. ومن هنا إلى آخر السورة تقدم إعراب نظائره.
البقاعي
تفسير : ولما كان للمؤمنين من أهل الكتابين - مع التشرف بما كانوا عليه من الدين الذي أصله حق - حظٌّ من الهجرة، فكانوا قسماً ثانياً من المهاجرين، وكان إنزال كثير من هذه السورة في مقاولة أهل الكتاب ومجادلتهم والتحذير من مخاتلتهم ومخادعتهم والإخبار - بأنهم يبغضون المؤمنين مع محبتهم لهم، وأنهم لا يؤمنون بكتابهم، وأنهم سيسمعون منهم أذى كثيراً إلى أن وقع الختم في أوصافهم بأنهم اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً - ربما أيأس من إيمانهم؛ أتبع ذلك مدح مؤمنيهم, وغير الأسلوب عن أن يقال مثلاً: والذين آمنوا من أهل الكتاب - إطماعاً في موالاتهم بعد التدريب بالتحذير منهم على مناواتهم وملاواتهم فقال: {وإن من أهل الكتاب} أي اليهود والنصارى {لمن يؤمن بالله} أي الذي حاز صفات الكمال، وأشار إلى الشرط المصحح لهذا الإيمان بقوله: {وما أنزل إليكم} أي من هذا القرآن {وما أنزل إليهم} أي كله، فيذعن ملا يأمر منه باتباع هذا النبي العربي، وإليه الإشارة بقوله جامعاً للنظر إلى معنى من تعظيماً لوصف الخشوع بالنسبة إلى مطلق الإيمان: {خاشعين لله} أي لأنه الملك الذي لا كفوء له، غير مستنكفين عن نزل المألوف {لا يشترون بآيات الله} أي التي متى تأملوها علموا أنه لا يقدر عليها إلا من أحاط بالجلال والجمال، الآمرة لهم بذلك {ثمناً قليلاً} بما هم عليه من الرئاسة ونفوذ الكلمة - كما تقدم قريباً في وصف معظمهم، فهم يبينونها ويرشدون إليها ولا يحرفونها. ولما أخبر تعالى عن حسن ترحمهم إليه أخبر عن جزائهم عنده بما يسر النفوس ويبعث الهمم فقال: {أولئك} أي العظيمو الرتبة {لهم أجرهم} أي الذي يؤملونه, ثم زادهم فيه رغبة تشريفة بقوله: {عند ربهم} أي الذي رباهم ولم يقطع إحسانه لحظة عنهم، كل ذلك تعظيماً له من حيث إن لهم الأجر مرتين. ولما اقتضت هذه التأكيدات المبشرات إنجاز الأجر وإتمامه وإحسانه، وكان قد تقدم أنه تعالى يؤتي كل أحد من ذكر وأنثى أجره، ولا يضيع شيئاً، ويجازي المسيء والمحسن، وكانت العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول زمن الحساب، وذلك سبب لطول الانتظار، وذلك سبب لتعطيل الإنسان عن مهماته ولضيق صدره بتفرق عزمه وشتاته كان ذلك محل عجب يورث توهم ما لا ينبغي، فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى على غير ذلك لأنه لا يشغله شأن عن شأن بقوله: {إن الله} أي بما له من الجلال والعظمة والكمال {سريع الحساب *} ولما كثر في هذه الآيات الأمر بمقاساة الشدائد وتجرع مرارات الأذى واقتحام الحروب واستهانة عظائم الكروب، والحث على المعارف الإلهية والآداب الشرعية من الأصول والفروع انخلاعاًَ من المألوفات إلى ما يأمر به سبحانه من الطاعات، وختم بتجرع فرقة من أهل الكتاب لتلك المرارات كانت نتيجة ذلك لا محالة قوله تعالى منبهاً على عظمة ما يدعو إليه لأنه شامل لجميع الآداب: {يا أيها الذين آمنوا} أي بكل ما ذكرنا في هذه السورة {اصبروا} أي أوقعوا الصبر تصديقاً لإيمانكم على كل ما ينبغي الصبر عليه مما تكرهه النفوس مما دعتكم إليه الزهراوان {وصابروا} أي أوجدوا المصابرة للأعداء من الكفار والمنافقين وسائر العصاة، فلا يكونن على باطلهم أصبر منكم على حقكم {ورابطوا} أي بأن تربطوا في الثغور خيلاً بإزاء ما لهم من الخيول إرهاباً لهم وحذراً منهم - هذا أصله، ثم صار الرباط يطلق على المكث في الثغور لأجل الذب عن الدين ولو لم تكن خيول، بل وتطلق على المحافظة على الطاعات، ثم أمر بملاك ذلك كله فقال: {واتقوا الله} أي في جميع ذلك بأن تكونوا مراقبين له، مستحضرين لجميع ما يمكنكم أن تعلموه من عظمته بنعمته ونقمته {لعلكم تفلحون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى فلاحه وظفره بما يريد من النصر على الأعداء والفوز بعيش الشهداء، وهذه الآية - كما ترى - معلمة بشرط استجابة الدعاء بالنصرة على الكافرين، المختتم به البقرة {أية : فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} تفسير : [البقرة: 186] داعية إلى تذكير أولي الألباب بالمراقبة للواحد الحي القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء في اتباع آياته ومعاداة أعدائه، كما أن التي قبلها فيمن آمن بجميع الكتب: هذا القرآن المصدق لما بين يديه والتوراة والإنجيل، كل ذلك للفوز بالفرقان بالنصر وتعذيب أهل الكفر بأيديهم تمكيناً من الله - والله عزيز ذو انتقام - ردّاً للمقطع على المطلع على أحسن وجه - والله أعلم بالصواب وعنده حسن المآب.
السيوطي
تفسير : أخرج النسائي والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس قال: "حديث : لما مات النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا عليه قالوا يا رسول الله نصلي على عبد حبشي. فأنزل الله {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم...} الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : اخرجوا فصلوا على أخ لكم، فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات فقال: هذا النجاشي أصحمة فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم نره قط. فأنزل الله {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} الآية ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في النجاشي، وفي ناس من أصحابه آمنوا بنبي الله وصدقوا به. وذكر لنا: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر للنجاشي وصلى عليه حين بلغه موته، قال لأصحابه: صلوا على أخ لكم قد مات بغير بلادكم. فقال أناس من أهل النفاق: يصلي على رجل مات ليس من أهل دينه! فأنزل الله {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} الآية ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: لما مات النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : استغفروا لأخيكم فقالوا: يا رسول الله أنستغفر لذلك العلج؟ فأنزل الله {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم} الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال "لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي طعن في ذلك المنافقون فقالوا: صلى عليه وما كان على دينه! فنزلت هذه الآية {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله..} الآية. قالوا: ما كان يستقبل قبلته وإن بينهما البحار. فنزلت {أية : فأينما تولوا فثم وجه الله} تفسير : [البقرة: 115] قال ابن جريج: وقال آخرون: نزلت في النفر الذين كانوا من يهود فأسلموا: عبد الله بن سلام ومن معه". وأخرج الطبراني عن وحشي بن حرب قال: لما مات النجاشي "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه إن أخاكم النجاشي قد مات، قوموا فصلوا عليه. فقال رجل: يا رسول الله كيف نصلي عليه وقد مات في كفره؟ قال: ألا تسمعون قول الله {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله...} الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله...} الآية. قال: هم مسلمة أهل الكتاب من اليهود والنصارى. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: هؤلاء يهود. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم.
ابو السعود
تفسير : {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لبـيان أن أهلَ الكتابِ ليس كلُّهم كمن حُكِيت هَناتُهم من نبذ الميثاقِ وتحريفِ الكتابِ وغير ذلك، بل منهم من له مناقبُ جليلةٌ. قيل هم عبدُ اللَّهِ بنُ سلامٍ وأصحابُه وقيل هم أربعون من أهل نجرانَ واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانيةٌ من الروم كانوا نصارى فأسلموا، وقيل المرادُ به أصحْمةُ النجاشيُّ فإنه لما مات نعاه جبريلُ إلى النبـي عليه السلام فقال عليه السلام: «حديث : اخرُجوا فصلُّوا على أخٍ لكم ماتَ بغير أرضكم»تفسير : ، فخرج إلى البقيع فنظر إلى أرض الحبشةِ فأبصر سريرَ النجاشيِّ وصلى عليه واستغفر له، فقال المنافقون انظُروا إلى هذا يصلي على عِلْج نصراني لم يرَه قطُّ وليس على دينه، فنزلت. وإنما دخلت لامُ الابتداءِ على اسم إنّ لفصل الظرفِ بـينهما كما في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ }، تفسير : [النساء، الآية 72] {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} من القرآن {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} من الكتابَـين، وتأخيرُ إيمانِهم بهما عن إيمانهم بالقرآن في الذكر مع أن الأمرَ بالعكس في الوجود لما أنه عيارٌ ومهيمِن عليهما، فإن إيمانَهم بهما إنما يُعتبر بتبعية إيمانِهم به إذ لا عبرةَ بأحكامهما المنسوخةِ، وما لم يُنسَخْ منها إنما يعتبر من حيث ثبوتُه بالقرآن، ولتعلّق ما بعده بهما، والمرادُ بإيمانهم بهما إيمانُهم بهما من غير تحريفٍ ولا كَتْمٍ كما هو دَيدَنُ المحرِّفين وأتباعِهم من العامة {خَـٰشِعِينَ للَّهِ} حالٌ من فاعل يؤمن، والجمعُ باعتبار المعنى {لاَ يَشْتَرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} تصريحٌ بمخالفتهم للمحرِّفين، والجملةُ حالٌ كما قبله ونظمُها في سلك محاسِنهم ليس من حيث عدمُ الاشتراءِ فقط بل لتضمُّن ذلك لإظهار ما في الكتابَـيْن من شواهدِ نبوته عليه السلام {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إليهم من حيث اتصافُهم بما عُدّ من صفاتهم الحميدةِ، وما فيه من معنى البعد للدَلالة على رتبتهم وبُعد منزلتِهم في الشرف والفضيلةِ، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى: {لَهُمْ} وقوله {أَجْرَهُمْ} أي المختصُّ بهم الموعودُ لهم بقوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} تفسير : [القصص، الآية 54] وقولهِ تعالى: {أية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } تفسير : [الحديد، الآية 28] مرتفعٌ بالظرف على الفاعلية أو على الابتداء، والظرفُ خبره والجملةُ خبرٌ لأولئك، وقوله تعالى: {عِندَ رَبّهِمْ} نُصب على الحالية من (أجرُهم) والمرادُ به التشريفُ كالصفة. {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} لنفوذ علمِه بجميع الأشياءِ فهو عالمٌ بما يستحقه كلُّ عاملٍ من الأجر من غير حاجةٍ إلى تأمل، والمرادُ بـيانُ سرعةِ وصولِ الأجر الموعودِ إليهم. {يا أيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا} إثرَ ما بـيّن في تضاعيف السورةِ الكريمةِ فنونَ الحُكم والأحكامِ خُتمت بما يوجب المحافظة عليها فقيل {ٱصْبِرُواْ} أي على مشاقِّ الطاعاتِ وغيرِ ذلك من المكاره والشدائدِ {وَصَابِرُواْ} أي غالبوا أعداءَ اللَّهِ تعالى بالصبر في مواطن الحروبِ، وأعدىٰ عدوِّكم بالصبر على مخالفة الهوى، وتخصيصُ المصابرةِ بالأمر بعد الأمرِ بمطلق الصبرِ لكونها أشدَّ منه وأشقَّ {وَرَابِطُواْ} أي أقيموا في الثغور رابطين خيلَكم فيها مترصِّدين للغزو مستعدّين له قال تعالى: {أية : وَمِن رّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} تفسير : [الأنفال، الآية 60] وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ رابط يوماً وليلةً في سبـيل اللَّهِ كان كعَدْل صيامِ شهرِ رمضانَ وقيامه لا يُفطِرُ ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة»تفسير : {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في مخالفة أمرِه على الإطلاق فيندرجُ فيه ما ذكر في تضاعيف السورةِ الكريمةِ اندراجاً أولياً {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} كي تنتظِموا في زُمرة المفلحين الفائزين بكل مطلوبٍ الناجين من كل الكروب، عن النبـي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ سورةَ آلِ عِمرانَ أعطيَ بكل آيةٍ منها أماناً على جسر جهنَّم"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ السورةَ التي يُذكر فيها آلُ عمرانَ يوم الجمعةِ صلى الله عليه وملائكتُه حتى تُحجَبَ الشَّمسُ»تفسير : والله أعلم.
القشيري
تفسير : يريد منْ ساعَدَتْهم القسمةٌ بالحسنى فهم مع أولياء الله نعمةً كما كانوا معهم قسمةً.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان من اهل الكتاب لمن يؤمن بالله} نزلت فى عبد الله بن سلام واصحابه وقيل فى اربعين من نجران واثنين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا نصارى فاسلموا وقيل فى اصحمة النجاشى فانه لما مات نعاه جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى اليوم الذى مات فيه فقال صلى الله عليه وسلم لاصحابه "حديث : "اخرجوا فصلوا على اخ لكم مات بغير ارضكم" فقالوا من هو قال "النجاشى" فخرج الى البقيع وكشف له الى ارض الحبشة فابصر سرير النجاشى فصلى عليه وكبر اربع تكبيرات واستغفر له فقال المنافقون انظروا الى هذا يصلى على علج نصرانى حبشى لم يره قط وليس على دينه فانزل الله هذه الآية" تفسير : {وما انزل اليكم} من القرآن {وما انزل اليهم} من الكتابين {خاشعين لله} اى متواضعين له من خوف عذابه ورجاء ثوابه وهو حال من فاعل يؤمن لان من فى معنى الجمع {لا يشترون} لا يأخذون {بآيات الله} المكتوبة فى التوراة والانجيل من نعت النبى عليه السلام {ثمنا قليلا} اى عرضا يسيرا من حطام الدنيا خوفا على الرسالة كفعل من لم يسلم من احبارهم وكبارهم والجملة حال مما قبله {اولئك} اى اهل هذه الصفة {لهم اجرهم} اى المختص بهم الموعود لهم فى قوله تعالى {أية : أولئك يؤتون أجرهم مرتين} تفسير : [القصص: 54]. {عند ربهم} نصب على الحالية من اجرهم والمراد به التشريف {ان الله سريع الحساب} لنفوذ علمه بجميع الاشياء فهو عالم بما يستحقه كل عامل من الاجر من غير حاجة الى تأمل ووعى صدر وكتب يد والمراد ان الاجر الموعود سريع الوصول اليهم فان سرعة الحساب تستدعى سرعة الجزاء. والاشارة فى قوله تعالى {ان الله سريع الحساب} الى ان العلماء المتقين الذين يؤمنون بالواردات والالهامات والكشوف بارباب القلوب والخواطر الرحمانية وهم الحكماء الآلهية يعجل الله فى جزاء اعمالهم بحسب نياتهم لتبليغهم الى مقاماتهم فى القرب قبل وفاتهم ولا يؤجل الى ما بعد وفاتهم فان من كان فى هذه اعمى فهو فى الآخرة اعمى والانسان يموت كما يعيش ويبعث على ما مات عليه وعن ابن عباس رضى الله عنهما "حديث : ان جبريل عليه السلام جاء الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد ان ربك يقرئك السلام وهو يقول مالى اراك مغموما حزينا قال عليه السلام "يا جبريل طال تفكرى فى امتى يوم القيامة" قال فى امر اهل الكفر ام فى اهل الاسلام فقال "يا جبريل فى امر اهل لا اله الا الله محمد رسول الله" فاخذ بيده حتى اقامه الى مقبرة بنى سلمة ثم ضرب بجناحه الايمن على قبر ميت فقال قم باذن الله فقام رجل مبيض الوجه وهو يقول لا اله الا الله محمد رسول الله فقال جبريل عد الى مكانك فعاد كما كان ثم ضرب بجناحه الايسر فقال قم باذن الله فخرج رجل مسود الوجه ازرق العينين وهو يقول واحسرتاه واندامتاه فقال له جبريل عد الى مكانك فعاد كما كان ثم قال يا محمد على هذا يبعثون يوم القيامة وعند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تموتون كما تعيشون وتبعثون كما تموتون" " .تفسير : فظهر ان الله سريع الحساب يوصل الى كل جزاء عمله. فاما الواصلون فهم فى الجنة المعنوية فى الدنيا يتنعمون. واما الغافلون فهم فى نار البعد والفراق ولكنهم لا يحسون الالم قبل وفاتهم فاذا ماتوا انقلب الحال من المعنى الى الحس عصمنا الله واياكم من نار البعد وعذاب السعير وشرفنا بنعيم وصاله ورؤية جماله المنير شعر : كنون بايد اى خفته بيدار بود جومرك اندر آرد زخوابت جه سود توباك آمدى بر حذر باش وباك كه ننكست نا باك رفتن بخاك كنون بايد اين مرغ را باى بست نه آنكه كه سر رشته بردت زدست تفسير : وذكر ان ابراهيم بن ادهم رحمه اراد ان يدخل الحمام فمنعه الحمامى وقال لا تدخل الا باجرة فبكى ابراهيم وقال لا يؤذن لى ان ادخل بيت الشياطين مجاناً فكيف بالدخول الى بيت النبيين والصديقين مجانا فظهر ان من كان فى الدنيا غافلا فهو فى الآخرة مع الغافلين وحسابه فى الآخرة على مقدار عمله فمن لم يعمل صالحا كان هناك خاليا عن المثوبات شعر : برفتندو هركس درود أنجه كشت نماند بجز نام نيكو وزشت تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان فى الجنة حوراء يقال لها لعبة لو بصقت فى البحر بصقة لعذب البحر مكتوب على نحرها من احب ان يكون له مثلى فليعمل بطاعة ربى " .تفسير : ونعم ما قيل شعر : بقدر الكد تكتسب المعالى ومن طلب العلى سهر الليالى تروم العز ثم تنام ليلا يغوص البحر من طلب اللآلى تفسير : فلا بد من تدارك امر الآخرة. وتوفيت امرأة الفرزدق فخرج فى جنازتها وجوه اهل البصرة وخرج فيها الحسن البصرى فقال الحسن للفرزدق يا ابا فراس ما اعددت لهذا اليوم قال شهادة ان لا اله الا الله منذ ثمانين سنة فلما دفنت قام الفرزدق على قبرها وانشد هذه الابيات شعر : اخاف وراء القبر ان لم يعافنى اشد من القبر التهابا واضيقا اذا جاءنى يوم القيامة قائد عنيف وسواق يسوق الفرزدقا لقد خاب من اولاد آدم من مشى الى النار مغلول القلادة ازرقا تفسير : وعن انس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم ادخله الجنة ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم اجره من النار " .تفسير : فنسأل الله سبحانه ان يجيرنا من النار ويدخلنا الجنة مع الابرار ويوفقنا للاعمال الصالحة المنجية ويجعلنا من الفرقة الناجية بحق النبى الذى به وصل من وصل الى الله عز وجل فى المشارق والمغارب وانتهى الى منازل المقاصد والمآرب.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإن من أهل الكتاب}؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلم من اليهود، {لمن يؤمن بالله} إيماناً حقيقياً، {وما أُنزل إليكم} من القرآن، {وما أُنزل إليهم} من التوراة، حال كونهم {خاشعين لله} خاضعين مخبتين وافين بالعهد، {لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً}، كما فعل المحرفون من أحبار اليهود، {أولئك لهم أجرهم عند ربهم} أي: ما وعدوا به من تضعيف أجرهم مرتين، {إن الله سريع الحساب}؛ فيُسرع إلى توفية أجورهم وإكرام منقلبهم؛ لأن الله عالم بالأعمال وما تستوجبه من النوال، فلا يحتاج إلى تأمل ولا احتياط؛ لأنه غني عن التأمل والاحتياط. وقيل: نزلت في النصارى: أربعين من نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، قدموا على النبيّ صلى الله عليه وسلم وأسلموا. وقيل: نزلت في النجاشي، لما نَعَاه جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج - عليه الصلاة والسلام -، وصلّى عليه، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا، يصلّي على عِلْجٍ نصراني، فنزلت الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد رأينا بعض الفقهاء حصل لهم الإيمان بخصوص أهل زمانهم، بتحققوا بولايتهم، ونالوا شيئاً من محبتهم، لكن لم تساعفهم الأقدار في صحبتهم، فظهرت عليهم آثار أنوارهم، واقتبسوا شيئاً من أسرارهم، فتنوّرت سريرتهم، وكملت شريعتهم، وأظهر عليهم آثار الخشوع، وأخذوا حظّاً من التواضع والخضوع، متخلقين بالقناعة والورع، قد ذهب عن قلبهم ما ابتلى به غيرهم من الجزع والهلع، فلا جرم أن هؤلاء لهم أجرهم مرتين: أجر ما تحملوا من الشريعة لنفع العوام، وأجبر ما اكتسبوا من محبة القوم؛ "حديث : المرءُ مَع مَنْ أَحب"تفسير : . وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : النزول: اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، فقال جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وابن جريج إن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما بلغه موت النجاشي، دعا له واستغفر له، وصلى عليه، وقال للمؤمنين: صلوا عليه، فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم؟ وقال قوم منافقون: نصلي على علج بنجران؟ فنزلت هذه الآية، فالصفات التي فيها صفات النجاشي. وقال ابن زيد وفي رواية عن ابن جريج وابن اسحاق إنها نزلت في جماعة من اليهود وكانوا أسلموا، منهم: عبد الله بن سلام، ومن معه. وقال مجاهد: إنها نزلت في كل من أسلم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى وهو أولى، لأنه عموم الآية، ولا دليل يقطع به على ما قالوه على انها لو نزلت في النجاشي أو من ذكر، لم يمنع ذلك من حملها على عمومها، في كل من أسلم من أهل الكتاب، لأن الآية قد تنزل على سبب وتكون عامة في كل من تتناوله. المعنى: وإنما خصوا بالوعيد، ليبين ان جزاء أعمالهم موفر عليهم، لا يضرهم كفر من كفر منهم فتأويل الآية {وإن من أهل الكتاب}: التوراة والانجيل {لمن يؤمن بالله} أي يصدق بالله ويقر بوحدانيته، {وما أنزل إليكم} أيها المؤمنون من كتابه ووحيه على لسان نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم)، {وما أنزل إليهم} يعني إلى أهل الكتاب من الكتب {خاشعين} يعني خاضعين بالطاعة مستكينين له بها متذللين قال ابن زيد: الخاشع: المتذلل الخائف. {لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً} معناه لا يحرفون ما أنزل الله في كتبه من أوصاف محمد (صلى الله عليه وسلم) فيبدلونه، ولا غير ذلك من أحكامه، وحججه لغرض من الدنيا خسيس يعطونه على التبديل، وابتغاء الرئاسة على الجهال، كما فعله غيرهم ممن وصفه بقوله تعالى: {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } تفسير : وقال: {أية : أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة } تفسير : لكن ينقادون للحق، ويعملون بما أمرهم الله به مما أنزل إليهم، وينتهون عما نهاهم عنه ثم قال: {أولئك} يعني هؤلاء الذين يؤمنون {بالله * وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم... لهم أجرهم عند ربهم} يعني لهم عوض أعمالهم وثواب طاعاتهم فيما يطيعونه فيها مذخور عند ربهم حتى يوفيهم يوم القيامة {إن الله سريع الحساب} وصفه بالسرعة لأنه لا يؤخر الجزاء عمن يستحقه لطول الحساب، لأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم قبل أن يعملوها وبعد أن عملوها، فلا حاجة به إلى احصاء، عدد فيقع في الاحصاء ابطاء وقال الجبائي: لأنه قادر على أن يكلمهم في حال واحدة كل واحد بكلام يخصه. لأنه قادر لنفسه و {خاشعين} نصب على الحال، ويمكن أن يكون حالا من الضمير في {يؤمن} وهو عائد إلى قوله: {لمن يؤمن بالله} ويمكن أن يكون حالا من قوله: {إليهم} وقال الحسن: الخشوع: الخوف اللازم للقلب من الله. وأصل الخشوع: السهولة: والخشعة، سهولة الرمل كالربوة. والخاشع من الارض: الذي لا يهتدى له، لأن الرمل يعفي اثاره. ومنه قوله: {أية : خاشعة أبصارهم } تفسير : {أية : وخشعت الأصوات للرحمن }تفسير : والخاشع: الخاضع ببصره. والخشوع: التذلل خلاف التصعب.
الجنابذي
تفسير : {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} عطف باعتبار المعنى فانّه كما قيل: نزلت آية {لا يغرّنك} (الى آخرها) فى غبطة المسلمين لليهود حيث رأوهم متقلّبين متنعّمين وتوهّموا من ضعفهم انّ لهم خيراً فقال الله: {لا يغرّنكم تقلّبهم} فانّ ذلك التقلّب {متاع قليل} وله عاقبة سيّئة فكأنّه قال: انّ بعض اهل الكتاب لمن يكفر بالله ولهم جهنّم وانّ منهم {لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} من الكتاب والشّريعة {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} من كتابيهم وشرائعهم {خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} مثل الكفّار منهم ومثل منافقى امّة محمّدٍ (ص) فهو تعريض بالكفّار من اهل الكتاب وبالمنافقين من اهل الاسلام {أُوْلۤـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ} اضافة الاجر اليهم تفخيم للاجر كأنّه لا يمكن معرفته الاّ بالاضافة اليهم {عِندَ رَبِّهِمْ} تفخيم آخر لهم وتعريض بالكفّار والمنافقين {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: انّ للكفّار جزاءً بقدر استحقاقهم وبحسب اعمالهم وللمؤمنين جزاء بقدر استعدادهم وأعمالهم، والنّفوس البشريّة غير متناهية فكيف يحاسب تلك النّفوس واعمالها وجزاءها؟ - فقال: انّ الله سريع الحساب لانّه لا يشغله حسابٌ عن حسابٍ ولا يشذّ عن عمله شيءٌ ولا يغيب عنه شيءٌ فيحاسب الكلّ دفعة واحدةً فى طرفة عين.
اطفيش
تفسير : {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ باللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ}: نزلت فى عبد الله بن سلام وغيره من مسلمى أهل الكتاب فيما قال مجاهد، وابن زيد، وقيل: فى كل من يؤمن منهم إلى قيام الساعة، وهو ظاهر لأن ما قيل فى الكفار وأهل الكتاب، الكفرة على العموم، وأنهم أصحاب النار، وقيل: نزلت فى عبد الله بن سلام وقيل: فى أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم وكانوا على دين عيسى عليه السلام، فأسلموا. وقال ابن عباس رضى الله عنهما نزلت فى أصمحة النجاشى ملك الحبشة، ومعنى أصمحة: عطية بالعربية، مات فى الحبشة فنعاه جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى اليوم الذى مات فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "حديث : اخرجوا فَصَلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشى"تفسير : ، فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشى، فصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له. فقال المنافقون: أنظروا إلى هذا، يصلى على علج حبشى نصرانى لم يره قط وليس على دينه، فنزلت الآية، رضى الله عنه وتكذيباً لهم. {ومن أهل الكتاب}: خبر إن ومن يؤمن اسمها دخلت عليه لام التأكيد و {ما أنزل إليكم} هو القرآن، و{ما أنزل إليهم} التوراة والإنجيل، على أن الآية فيمن آمن من أهل الكتاب أو التوراة أو الإنجيل والزبور، و{لله} متعلق بخاشعين، واللام للتعليل، والضمير فى {إليكم} للمؤمنين، وفى {إليهم} لأهل الكتاب، و{خاشعين} حال من المستكن فى يؤمن، فالإفراد فى يؤمن للفظ {من} والجمع فى خاشعين لمعناها، ويجوز أن يكون الهاء فى {إليهم} عائداً لمن فيكون الجمع فيه أيضاً لمعنى {من} وكذا الإفراد للمعنى فى قوله. {لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً}: هذه الجملة حال ثان من ضمير يؤمن، أو ضمير خاشعين، أو مستأنفة، وهى مبينة أنهم خالفوا المحرفين من أهل الكتاب، من أحبارهم، فهم لا يغيرون كتبهم ولا يحرفونها ولا يكتمون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحصيلا للمال وإبقاءً له، وللجاه كما يفعل ذلك أحبارهم الذين لم يؤمنوا، وهو اشتراء الثمن القليل بآيات الله. {أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ}: وهو أجر يؤتونه مرتين كما قال {أية : أولئك يؤتون أجرهم مرتين}تفسير : وقال: {أية : يؤتكم كفلين من رحمته} تفسير : ومعنى {عند ربهم} أنه يكون لهم يوم القيامة، أو أنه لا يضيع ولا ينقص بل ينمو. {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}: لأنه عالم بكل شىء، ومقدار ثوابه لا يضعف علمه، ولا ينسى فلا يحتاج لقرب زمانه، وهو يوم القيامة.
الالوسي
تفسير : {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } أخرج ابن جرير عن جابر أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لما مات النجاشي: «حديث : أخرجوا فصلوا على أخ لكم فخرج فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط» تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس وأنس وقتادة، وعن عطاء أنها نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجران من بني الحرث بن كعب اثنين وثلاثين من أرض الحبشة وثمانية من الروم كانوا جميعاً على دين عيسى عليه السلام فآمنوا بالنبـي صلى الله عليه وسلم؛ وروي عن ابن جريج وابن زيد. وابن إسحاق أنها نزلت في جماعة من اليهود أسلموا، منهم عبد الله بن سلام ومن معه، وعن مجاهد أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، وأشهر الروايات أنها نزلت في النجاشي ـ وهو بفتح النون على المشهور ـ كما قال الزركشي. ونقل ابن السيد كسرها ـ وعليه ابن دحية ـ وفتح الجيم مخففة ـ وتشديدها غلط ـ وآخره ياء ساكنة وهو الأكثر رواية لأنها ليست للنسبة، ونقل ابن الأثير تشديدها، ومنهم من جعله غلطاً ـ وهو لقب كل من ملك الحبشة ـ واسمه أصحمة ـ بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وحاء مهملة ـ والحبشة يقولونه بالخاء المعجمة، ومعناه عندهم عطية الصنم، وذكر مقاتل في «نوادر التفسير» أن اسمه مكحول بن صعصعة، والأول: هو المشهور، وقد توفي في رجب سنة تسع، والجملة مستأنفة سيقت لبيان أن أهل الكتاب ليس كلهم كمن حكيت هناتهم من نبذ الميثاق وتحريف الكتاب وغير ذلك بل منهم من له مناقب جليلة، وفيها أيضاً تعريض بالمنافقين / الذين هم أقبح أصناف الكفار وبهذا يحصل ربط بين الآية وما قبلها من الآيات، وإذا لاحظت اشتراك هؤلاء مع أولئك المؤمنين فيما عند الله تعالى من الثواب قويت المناسبة وإذا لاحظ أن فيما تقدم مدح المهاجرين وفي هذا مدحاً للمهاجر إليهم من حيث إن الهجرة الأولى كانت إليهم كان أمر المناسبة أقوى، وإذا اعتبر تفسير الموصول في قوله تعالى: {أية : لاَ يَغُرَّنَّكَ } تفسير : [آل عمران: 196] باليهود زادت قوة بعدُ ولام الابتداء داخلة على اسم إن وجاز ذلك لتقدم الخبر. {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } من القرآن العظيم الشأن {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } من الإنجيل والتوراة أو منهما وتأخير إيمانهم بذلك عن إيمانهم بالقرآن في الذكر مع أن الأمر بالعكس في الوجود لما أن القرآن عيار ومهيمن عليهما فإن إيمانهم بذلك إنما يعتبر بتبعية إيمانهم بالقرآن إذ لا عبرة بما في الكتابين من الأحكام المنسوخة وما لم ينسخ إنما يعتبر من حيث ثبوته بالقرآن ولتعلق ما بعد بذلك، وقيل: قدم الإيمان بما أنزل على المؤمنين تعجيلاً لإدخال المسرة عليهم، والمراد من الإيمان بالثاني الإيمان به من غير تحريف ولا كتم كما هو شأن المحرفين والكاتمين واتباع كل من العامة {خَـٰشِعِينَ للَّهِ } أي خاضعين له سبحانه، وقال ابن زيد: خائفين متذللين، وقال الحسن: الخشوع الخوف اللازم للقلب من الله تعالى وهو حال من فاعل يؤمن وجمع حملاً على المعنى بعد ما حمل على اللفظ أولاً، وقيل: حال من ضمير {إِلَيْهِمْ } وهو أقرب لفظاً فقط، وجيء بالحال تعريضاً بالمنافقين الذين يؤمنون خوفاً من القتل، و {لِلَّهِ } متعلق ـ بخاشعين ـ، وقيل: هو متعلق بالفعل المنفي بعده وهو في نية التأخير كأنه قال سبحانه: {لاَ يَشْتَرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً } لأجل الله تعالى، والأول أولى، وفي هذا النفي تصريح بمخالفتهم للمحرفين، والجملة في موضع الحال أيضاً والمعنى لا يأخذون عوضاً يسيراً على تحريف الكتاب وكتمان الحق من الرشا والمآكل كما فعله غيره ممن وصفه سبحانه فيما تقدم، ووصف الثمن بالقليل إما لأن كل ما يؤخذ على التحريف كذلك ولو كان ملء الخافقين، وإما لمجرد التعريض بالآخذين ومدحهم بما ذكر ليس من حيث عدم الأخذ فقط بل لتضمن ذلك إظهار ما في الآيات من الهدى وشواهد نبوته صلى الله عليه وسلم. {أُوْلَـٰئِكَ } أي الموصوفون بما ذكر من الصفات الحميدة، واختيار صيغة البعد للإيذان بعلو مرتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف والفضيلة {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } أي ثواب أعمالهم وأجر طاعتهم والإضافة للعهد أي الأجر المختص بهم الموعود لهم بقوله سبحانه: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتَونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ }تفسير : [القصص: 54] وقوله تعالى: {أية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } تفسير : [الحديد: 28] وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم ما لا يخفى من اللطف. وفي الكلام أوجه من الإعراب فقد قالوا: إن أولئك مبتدأ والظرف خبره وأجرهم مرتفع بالظرف، أو الظرف خبر مقدم، وأجرهم مبتدأ مؤخر، والجملة خبر المبتدأ، وعند ربهم نصب على الحالية من أجرهم. وقيل: متعلق به بناءاً على أن التقدير لهم أن يؤجروا عند ربهم، وجوز أن يكون أجرهم مبتدأ؛ وعند ربهم خبره، ولهم متعلق بما دل عليه الكلام من الاستقرار والثبوت لأنه في حكم الظرف، والأَوجَه من هذه الأَوجُه هو الشائع على ألسنة المعربين. {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } إما كناية عن كمال علمه تعالى بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق وأنه يوفيها كل عامل على ما ينبغي وقدر ما ينبغي وحينئذٍ تكون الجملة استئنافاً وارداً على سبيل التعليل لقوله تعالى: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } أو تذييلاً لبيان علة الحكم المفاد بما ذكر، وإما كناية عن قرب الأجر الموعود فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء، وحينئذٍ تكون الجملة تكميلاً لما قبلها فإنه في معنى الوعد / كأنه قيل: لهم أجر عند ربهم عن قريب، وفصلت لأن الحكم بقرب الأجر مما يؤكد ثبوته ثم لما بين سبحانه في تضاعيف هذه السورة الكريمة ـ ما بين من الحكم والأحكام وشرح أحوال المؤمنين والكافرين وما قاساه المؤمنون الكرام من أولئك اللئام من الآلام ـ ختم السورة بما يضوع منه مسك التمسك بما مضى، ويضيع بامتثال ما فيه مكايد الأعداء ولو ضاق لها الفضا، فقال عز من قائل: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ...}.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : لكن الذين اتقوا ربهم}تفسير : [آل عمران: 198] استكمالاً لذكر الفِرَق في تلقّي الإسلام: فهؤلاء فريق الذين آمنوا من أهل الكتاب ولم يظهروا إيمانهم لخوف قومهم مثل النجاشي أصحمة، وأثنى الله عليهم بأنّهم لا يحرّفون الدين، والآية مؤذنة بأنّهم لم يكونوا معروفين بذلك لأنّهم لو عرفوا بالإيمان لما كان من فائدة في وصفهم بأنّهم من أهل الكتاب، وهذا الصنف بعكس حال المنافين. وأكّد الخبر بأنّ وبلام الابتداء للردّ على المنافقين الذين قالوا لرسول الله لمّا صلّى على النجاشي: انظروا إليه يصلّي على نصراني ليس على دينه ولم يره قط. على ما روي عن ابن عباس وبعض أصحابه أنّ ذلك سبب نزول هذه الآية. ولعلّ وفاة النجاشي حصلت قبل غزوة أُحُد. وقيل: أريد بهم هنا من أظهر إيمانه وتصديقه من اليهود مثل عبد الله ابن سلام ومخيريق، وكذا من آمن من نصارى نجران أي الذين أسلموا ورسول الله بمكّة إن صحّ خبر إسلامهم. وجيء باسم الإشارة في قوله: {أولئك لهم أجرهم عند ربهم} للتنبيه على أنّ المشار إليهم به أحرياء بما سيرد من الإخبار عنهم لأجل ما تقدّم اسمَ الإشارة. وأشار بقوله: {إن الله سريع الحساب} إلى أنّه يبادر لهم بأجرهم في الدنيا ويجعله لهم يوم القيامة.
القطان
تفسير : لقد روي في سبب نزول هذه الآية عدة روايات: النجاشي، أو جماعة من نجران، أو بعْض أفراد من الروم. وهي على كال حال تعم كل كتابيٍّ آمن بالله ورسوله ولا عبرة بخصوص السبب. والمعنى: ان بعض اهل الكتاب يؤمنون بالله، وبما أُنزل على محمد، وما أنزل على الرسل من قبله، وانت تراهم يا محمد خاشعين لله مبتهلين اليه، لا يستبدلون بآيات الله وايمانهم الصحيح عَرَضاً من أعراض الدنيا مهما عظم. فلهؤلاء القوم الجزاءُ الأوفى عند ربهم في دار الرضوان، والله لا يعجزه إحصاء اعمالهم ومحاسبتهم عليها، وهو قادر على كل شيء. ثم يختم الله تعالى هذه السورة العظيمة بوصية للمؤمنين اذا عملوا بها كانوا أهلاً لاستجابة الدعاء، وأحق بالنصر في الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {خَاشِعِينَ} {بِآيَاتِ} {أُوْلۤـٰئِكَ} (199) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ أنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ حَقَّ الإِيمَانِ، وَيُؤْمِنُونَ بِمَا أنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، مَعَ إيمَانِهِمْ بِمَا فِي الكُتبِ المُتَقَدِّمَةِ، وَأنَّهُمْ خَاشِعُونَ مُطِيعُونَ للهِ، لاَ يَكْتُمُونَ مَا بِأيْدِيهِمْ مِنَ البِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَمَبْعَثِهِ لِقَاءَ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا زَائِلٍ. {لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً}. وَهَؤُلاَءِ لَهُمْ أَجْرُهُمْ، وَسَيُلاَقُونَهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ (وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ إذْ صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الغَائِبِ، فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ أيَأمُرُنَا أنْ نُصَلِّي عَلَى عِلْجٍ مَاتَ فِي الحَبَشَةِ؟).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحق سبحانه وتعالى يؤرخ للإيمان تأريخاً صادقاً أميناً، فالقرآن لم يتحامل على أهل الكتاب لأنهم عاندوا رسول الله وواجهوا دعوته وصنعوا معه كل ما يمكن أن يحبط الدعوة ويقضي عليها. إن القرآن يقول: في شأن بعض منهم منصفاً لهم: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ..} [آل عمران: 199]. وهذا اسمه - كما قلنا - صيانة الاحتمال. فساعة يقول الحق: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ..} [آل عمران: 199]، ساعة ينزل هذا الكلام، فيسمعه بعض من أهل الكتاب الذين انشغلوا في أعماقهم بتصديق الرسول، ويعرضون قضية الإيمان على نفوسهم، فإذا ما كانوا كذلك ماذا يكون موقفهم وهم الذين يفكرون في أمر الإيمان بما جاء به محمد؟ إنهم عندئذ يقولون لأنفسهم: هذه مسألة في أعماقنا، فمن الذي أطلع محمداً عليها؟ إن ذلك دليل على أن محمداً لا ينطق عن الهوى، وأن الله يعلمه بما في نفوسنا مما لم يبرز إلى حيز الوجود، وما دام الحق يخبره بما لم يخرج إلى حيز الوجود فلابد أنه صادق. فإن كانت الآية قد قيلت بعد أن آمنوا فلن يكون لها هذا الوقع. إذن فلابد أن هذا القول تبشير بأن كثيراً من أهل الكتاب يفكرون في تصديق الرسول الله في البلاغ من الله، وهم بصدد أن يؤمنوا. فقول الله ذلك يجعل العملية الإيمانية في نفوسهم مصدقة، لأنهم يقولون: إنّ الرسول الذي يقول ذلك هو مبلغ عن إله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ويقول الحق من بعد ذلك: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: وإن من أهل الكتاب طائفة موفقة للخير، يؤمنون بالله، ويؤمنون بما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وهذا الإيمان النافع لا كمن يؤمن ببعض الرسل والكتب، ويكفر ببعض. ولهذا -لما كان إيمانهم عاما حقيقيا- صار نافعا، فأحدث لهم خشية الله، وخضوعهم لجلاله الموجب للانقياد لأوامره ونواهيه، والوقوف عند حدوده. وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة، كما قال تعالى: {أية : إنما يخشى الله من عباده العلماء } تفسير : ومن تمام خشيتهم لله، أنهم { لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا } فلا يقدمون الدنيا على الدين كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمنا قليلا وأما هؤلاء فعرفوا الأمر على الحقيقة، وعلموا أن من أعظم الخسران، الرضا بالدون عن الدين، والوقوف مع بعض حظوظ النفس السفلية، وترك الحق الذي هو: أكبر حظ وفوز في الدنيا والآخرة، فآثروا الحق وبينوه، ودعوا إليه، وحذروا عن الباطل، فأثابهم الله على ذلك بأن وعدهم الأجر الجزيل، والثواب الجميل، وأخبرهم بقربه، وأنه سريع الحساب، فلا يستبطؤون ما وعدهم الله، لأن ما هو آت محقق حصوله، فهو قريب. ثم حض المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح - وهو: الفوز والسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس على ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك. والمصابرة أي الملازمة والاستمرار على ذلك، على الدوام، ومقاومة الأعداء في جميع الأحوال. والمرابطة: وهي لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه، وأن يراقبوا أعداءهم، ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم، لعلهم يفلحون: يفوزون بالمحبوب الديني والدنيوي والأخروي، وينجون من المكروه كذلك. فعلم من هذا أنه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصبر والمصابرة والمرابطة المذكورات، فلم يفلح من أفلح إلا بها، ولم يفت أحدا الفلاح إلا بالإخلال بها أو ببعضها. والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا به. تم تفسير "سورة آل عمران" والحمد لله على نعمته، ونسأله تمام النعمة.
همام الصنعاني
تفسير : 499- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ}: [الآية: 199]، قال: نزلت في النجاشي وأصحابه من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم واسم النجاشي أصحمة. قال الثوري: اسم النجاشي: أصحمة. قال ابن عُيَيْنة: هو بالعربية: عطية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):