٥٥ - ٱلرَّحْمَٰن
55 - Ar-Rahman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه وجهان أحدهما: وهو الصحيح أن الضمير عائد إلى الأرض، وهي معلومة وإن لم تكن مذكورة قال تعالى: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ } تفسير : [فاطر: 45] الآية وعلى هذا فله ترتيب في غاية الحسن، وذلك لأنه تعالى لما قال: {أية : وَلَهُ الْجَوَارِ المنشآت} تفسير : [الرحمٰن: 24] إشارة إلى أن كل أحد يعرف ويجزم بأنه إذا كان في البحر فروحه وجسمه وماله في قبضة الله تعالى فإذا خرج إلى البر ونظر إلى الثبات الذي للأرض والتمكن الذي له فيها ينسى أمره فذكره وقال: لا فرق بين الحالتين بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وكل من على وجه الأرض فإنه كمن على وجه الماء، ولو أمعن العاقل النظر لكان رسوب الأرض الثقيلة في الماء الذي هي عليه أقرب إلى العقل من رسوب الفلك الخفيفة فيه الثاني: أن الضمير عائد إلى الجارية إلا أنه بضرورة ما قبلها كأنه تعالى قال: الجواري ولا شك في أن كل من فيها إلى الفناء أقرب، فكيف يمكنه إنكار كونه في ملك الله تعالى وهو لا يملك لنفسه في تلك الحالة نفعاً ولا ضراً، وقوله تعالى: {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبّكَ ذُو ٱلْجَلْـٰلِ وَٱلإكْرَامِ } تفسير : [الرحمٰن: 27] يدل على أن الصحيح الأول وفيه مسائل: المسألة الأولى: {مِنْ } للعقلاء وكل ما على وجه الأرض مع الأرض فان، فما فائدة الاختصاص بالعقلاء؟ نقول: المنتفع بالتخويف هو العاقل فخصه تعالى بالذكر. المسألة الثانية: الفاني هو الذي فنى وكل من عليها سيفنى فهو باق بعد ليس بفان، نقول كقوله: {أية : إِنَّكَ مَيّتٌ } تفسير : [الزمر: 30] وكما يقال للقريب إنه واصل، وجواب آخر: وهو أن وجود الإنسان عرض وهو غير باق وما ليس بباق فهو فان، فأمر الدنيا بين شيئين حدوث وعدم، أما البقاء فلا بقاء له لأن البقاء استمرار، ولا يقال هذا تثبيت بالمذهب الباطل الذي هو القول بأن الجسم لا يبقى زمانين كما قيل في العرض، لأنا نقول قوله {مِنْ } بدل قوله (ما) ينفي ذلك التوهم لأني قلت: (من عليها فان) لا بقاء له، وما قلت: ما عليها فان، ومن مع كونه على الأرض يتناول جسماً قام به أعراض بعضها الحياة والأعراض غير باقية، فالمجموع لم يبق كما كان وإنما الباقي أحد جزأيه وهو الجسم وليس يطلق عليه بطريق الحقيقة لفظة (من)، فالفاني ليس ما عليها وما عليها ليس بباق. المسألة الثالثة: ما الفائدة في بيان أنه تعالى قال: {فَانٍ }؟ نقول: فيه فوائد منها: الحث على العبادة وصرف الزمان اليسير إلى الطاعة، ومنها: المنع من الوثوق بما يكون للمرء فلا يقول: إذا كان في نعمة إنها لن تذهب فيترك الرجوع إلى الله معتمداً على ماله وملكه، ومنها: الأمر بالصبر إن كان في ضر فلا يكفر بالله معتمداً على أن الأمر ذاهب والضر زائل، ومنها: ترك اتخاذ الغير معبوداً والزجر على الاغترار بالقرب من الملوك وترك التقرب إلى الله تعالى فإن أمرهم إلى الزوال قريب فيبقى القريب منهم عن قريب في ندم عظيم لأنه إن مات قبلهم يلقى الله كالعبد الآبق، وإن مات الملك قبله فيبقى بين الخلق وكل أحد ينتقم منه ويتشفى فيه، ويستحي ممن كان يتكبر عليه وإن ماتا جميعاً فلقاء الله عليه بعد التوفي في غاية الصعوبة، ومنها: حسن التوحيد وترك الشرك الظاهر والخفي جميعاً لأن الفاني لا يصلح لأن يعبد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} الضمير في {عَلَيْهَا} للأرض، وقد جرى ذكرها في أول السورة في قوله تعالى: {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} وقد يقال: هو أكرم مَنْ عليها، يعنون الأرض وإن لم يجر لها ذكر. وقال ٱبن عباس: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك أهل الأرض فنزلت: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك؛ وقاله مقاتل. ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام. وقيل: وجه النعمة أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب. {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} أي ويبقى الله؛ فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه؛ قال الشاعر:شعر : قَضَى على خَلْقه المنايا فكلُّ شيء سواه فانِي تفسير : وهذا الذي ٱرتضاه المحققون من علمائنا: ٱبن فورك وأبو المعالي وغيرهم. وقال ٱبن عباس: الوجه عبارة عنه كما قال: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} وقال أبو المعالي: وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى، وهو الذي ٱرتضاه شيخنا. ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} والموصف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى. وقد مضى في «البقرة» القول في هذا عند قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى مستوفى. قال القشيري: قال قوم هو صفة زائدة على الذات لا تُكَيف، يحصل بها الإقبال على من أراد الربّ تخصيصه بالإكرام. والصحيح أن يقال: وجهه وجوده وذاته، يقال: هذا وجه الأمر ووجه الصواب وعين الصواب. وقيل: أي يبقى الظاهر بأدلته كظهور الإنسان بوجهه. وقيل: وتبقى الجهة التي يتقرب بها إلى الله. {ذُو ٱلْجَلاَلِ} الجلال عظمة الله وكبرياؤه وٱستحقاقه صفات المدح؛ يقال: جَلَّ الشيءُ أي عَظُم وأجللته أي عظّمته، والجلال ٱسم من جلّ. {وَٱلإِكْرَامِ } أي هو أهل لأن يكرم عما لا يليق به من الشرك؛ كما تقول: أنا أكرمك عن هذا؛ ومنه إكرام الأنبياء والأولياء. وقد أتينا على هذين الاسمين لغةً ومعنًى في الكتاب الأسنى مستوفًى. وروى أنس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أَلِظُّوا بيا ذا الجلالِ والإكرام»تفسير : . وروي أنه من قول ٱبن مسعود؛ ومعناه: ٱلزموا ذلك في الدعاء. قال أبو عبيد: الإلظاظ لزوم الشيء والمثابرة عليه. ويقال: الإلظاظ الإلحاح. وعن سعيد المقبري: أن رجلاً أَلَحَّ فجعل يقول: اللّهم يا ذا الجلال والإكرام! اللّهم يا ذا الجلال والإكرام! فنودي: إني قد سمعت فما حاجتك؟
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات، إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبداً، قال قتادة: أنبأ بما خلق، ثم أنبأ أن ذلك كله فان. وفي الدعاء المأثور: «حديث : يا حي يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت، برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك» تفسير : وقال الشعبي: إذا قرأت: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}، فلا تسكت حتى تقرأ: { وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلْـٰلِ وَٱلإِكْرَامِ} وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88] وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية بأنه ذو الجلال والإكرام، أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف؛ كقوله تعالى:{أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} تفسير : [الكهف: 28] وكقوله إخباراً عن المتصدقين: {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان: 9] قال ابن عباس: ذو الجلال والإكرام: ذو العظمة والكبرياء. ولما أخبر تعالى عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة، وأنهم سيصيرون إلى الدار الآخرة، فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل، قال: { فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ وقوله تعالى: {يَسْأَلُهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ} وهذا إخبار عن غناه عما سواه، وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات، وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم، وأنه كل يوم هو في شأن، قال الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ} قال: من شأنه أن يجيب داعياً، أو يعطي سائلاً، أو يفك عانياً، أو يشفي سقيماً. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كل يوم هو يجيب داعياً، ويكشف كرباً، ويجيب مضطراً، ويغفر ذنباً، وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السموات والأرض، يحيي حياً، ويميت ميتاً، ويربي صغيراً، ويفك أسيراً، وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم، ومنتهى شكواهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحمصي، حدثنا جرير بن عثمان عن سويد بن جبلة، هو الفزاري، قال: إن ربكم كل يوم هو في شأن، فيعتق رقاباً، ويعطي رغاباً، ويقحم عقاباً. وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، حدثني إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثني عمرو بن بكر السكسكي، حدثنا الحارث بن عبدة بن رباح الغساني عن أبيه، عن منيب بن عبد الله بن منيب الأزدي عن أبيه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ} فقلنا: يا رسول الله وما ذاك الشأن؟ قال: «حديث : أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين»تفسير : .. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار وسليمان بن أحمد الواسطي قالا: حدثنا الوزير ابن صبيح الثقفي أبو روح الدمشقي، والسياق لهشام قال: سمعت يونس بن ميسرة بن حلبس، يحدث عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله عز وجل: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ} ــــ قال ــــ من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين»تفسير : . وقد رواه ابن عساكر من طرق متعددة عن هشام بن عمار به، ثم ساقه من حديث أبي همام الوليد بن شجاع عن الوزير ابن صبيح قال: ودلنا عليه الوليد بن مسلم، عن مطرف عن الشعبي عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، قال: والصحيح الأول، يعني: إسناده الأول. قلت: وقد روي موقوفاً كما علقه البخاري بصيغة الجزم، فجعله من كلام أبي الدرداء، فالله أعلم. وقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن الحارث، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم هو في شأن قال: «حديث : يغفر ذنباً، ويكشف كرباً» تفسير : ثم قال ابن جرير: وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى عن أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: إن الله خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلاثمئة وستين نظرة، يخلق في كل نظرة، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا } أي الأرض من الحيوان {فَانٍ } هالك وعبر بمن تغليباً للعقلاء.
الشوكاني
تفسير : قوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } أي: كل من على الأرض من الحيوانات هالك، وغلب العقلاء على غيرهم، فعبر عن الجميع بلفظ من، وقيل: أراد من عليها من الجنّ والإنس {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبّكَ ذُو ٱلْجَلْـٰلِ وَٱلإكْرَامِ } الوجه عبارة عن ذاته سبحانه ووجوده، وقد تقدّم في سورة البقرة بيان معنى هذا، وقيل: معنى {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبّكَ } تبقى حجته التي يتقرّب بها إليه، والجلال: العظمة والكبرياء، واستحقاق صفات المدح، يقال: جلّ الشيء، أي: عظم، وأجللته، أي: أعظمته، وهو اسم من جلّ. ومعنى ذو الإكرام: أنه يكرم عن كل شيء لا يليق به، وقيل: إنه ذو الإكرام لأوليائه، والخطاب في قوله: {ربك} للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، قرأ الجمهور: {ذو الجلال} على أنه صفة لوجه، وقرأ أبيّ، وابن مسعود: (ذي الجلال) على أنه صفة لربّ. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } وجه النعمة في فناء الخلق أن الموت سبب النقلة إلى دار الجزاء والثواب. وقال مقاتل: وجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام. {يَسْأَلُهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْض} أي: يسألونه جميعاً؛ لأنهم محتاجون إليه لا يستغني عنه أحد منهم. قال أبو صالح: يسأله أهل السمٰوات المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونه الأمرين جميعاً. وقال مقاتل: يسأله أهل الأرض الرزق والمغفرة، وتسأل لهم الملائكة أيضاً الرزق والمغفرة، وكذا قال ابن جريج. وقيل: يسألونه الرحمة. قال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماء، ولا أهل الأرض. والحاصل أنه يسأله كل مخلوق من مخلوقاته بلسان المقال، أو لسان الحال ما يطلبونه من خيري الدارين، أو من خيري إحداهما {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } انتصاب كل بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، والتقدير: استقر سبحانه في شأن كل وقت من الأوقات، واليوم عبارة عن الوقت، والشأن هو الأمر، ومن جملة شؤونه سبحانه إعطاء أهل السمٰوات والأرض ما يطلبونه منه على اختلاف حاجاتهم، وتباين أغراضهم. قال المفسرون: من شأنه أنه يحيـي ويميت. ويرزق ويفقر. ويعزّ ويذلّ، ويمرض ويشفي، ويعطي ويمنع. ويغفر ويعاقب، إلى غير ذلك مما لا يحصى. وقيل: المراد باليوم المذكور: هو يوم الدنيا ويوم الآخرة، قال ابن بحر: الدّهر كله يومان: أحدهما مدّة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، وقيل: المراد: كل يوم من أيام الدنيا {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن اختلاف شؤونه سبحانه في تدبير عباده نعمة لا يمكن جحدها، ولا يتيسر لمكذّب تكذيبها {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ } هذا وعيد شديد من الله سبحانه للجنّ والإنس. قال الزجاج، والكسائي، وابن الأعرابي، وأبو علي الفارسي: إن الفراغ ها هنا ليس هو الفراغ من شغل، ولكن تأويله القصد، أي: سنقصد لحسابكم. قال الواحدي حاكياً عن المفسرين: إن هذا تهديد منه سبحانه لعباده، ومن هذا قول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك، وفرغ يجيء بمعنى قصد، وأنشد ابن الأنباري قول الشاعر:شعر : الآن وَقَدْ فَرَغْتُ إلى نُميَرٍ فهذا حينَ كُنْتُ له عَذَاباً تفسير : يريد: وقد قصدت، وأنشد النحاس قول الشاعر:شعر : فرغت إلى العبد المقيد في الحجل تفسير : أي: قصدت، وقيل: إن الله سبحانه وعد على التقوى، وأوعد على المعصية، ثم قال: سنفرغ لكم مما وعدناكم، ونوصل كلاً إلى ما وعدناه، وبه قال الحسن، ومقاتل، وابن زيد، ويكون الكلام على طريق التمثيل. قرأ الجمهور: {سنفرغ} بالنون وضمّ الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالتحتية مفتوحة مع ضم الرّاء، أي: سيفرغ الله، وقرأ الأعرج بالنون مع فتح الراء. قال الكسائي: هي لغة تميم، وقرأ عيسى الثقفي بكسر النون وفتح الراء، وقرأ الأعمش وإبراهيم بضمّ الياء وفتح الراء على البناء للمفعول، وسمي الجنّ والإنس ثقلين لعظم شأنهما بالنسبة إلى غيرهما من حيوانات الأرض، وقيل: سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياءً، وأمواتاً كما في قوله: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأرْضُ أَثْقَالَهَا } تفسير : [الزلزلة: 2] وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب، وجمع في قوله: {لَكُمْ } ثم قال: {أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ }؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع. قرأ الجمهور: {أيه الثقلان} بفتح الهاء، وقرأ أهل الشام بضمها. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن من جملتها ما في هذا التهديد من النعم، فمن ذلك أنه ينزجر به المسيء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحساناً، فيكون ذلك سبباً للفوز بنعيم الدار الآخرة الذي هو النعيم في الحقيقة {يا معشر ٱلْجِن وَٱلإِنس} قدّم الجنّ هنا لكون خلق أبيهم متقدّماً على خلق آدم، ولوجود جنسهم قبل جنس الإنس {إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْض} أي: إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السمٰوات والأرض، ونواحيهما هرباً من قضاء الله وقدره {فَٱنفُذُواْ } منها، وخلصوا أنفسكم، يقال: نفذ الشيء من الشيء: إذا خلص منه، كما يخلص السهم {لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَـٰنٍ } أي: لا تقدرون على النفوذ إلاّ بقوّة وقهر، ولا قوّة لكم على ذلك ولا قدرة، والسلطان: القوّة التي يتسلط بها صاحبها على الأمر، والأمر بالنفوذ: أمر تعجيز. قال الضحاك: بينما الناس في أسواقهم إذ انفتحت السماء، ونزلت الملائكة فهرب الجنّ، والإنس، فتحدق بهم الملائكة، فذلك قوله: {لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَـٰنٍ }. قال ابن المبارك: إن ذلك يكون في الآخرة. وقال الضحاك أيضاً: معنى الآية: إن استطعتم أن تهربوا من الموت، فاهربوا. وقيل: إن استطعتم أن تعلموا ما في السمٰوات والأرض، فاعلموه ولن تعلموه إلاّ بسلطان، أي: ببينة من الله. وقال قتادة: معناها لا تنفذوا إلاّ بملك، وليس لكم ملك. وقيل: "الباء" بمعنى "إلى" أي: لا تنفذون إلاّ إلى سلطان {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } ومن جملتها هذه النعمة الحاصلة بالتحذير والتهديد، فإنها تزيد المحسن إحساناً، وتكفّ المسيء عن إساءته، مع أن من حذّركم وأنذركم قادر على الإيقاع بكم من دون مهلة. {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نَّارٍ } قرأ الجمهور: {يرسل} بالتحتية مبنياً للمفعول، وقرأ زيد بن عليّ بالنون ونصب (شواظ) والشواظ: اللهب الذي لا دخان معه. وقال مجاهد: الشواظ اللهب الأخضر المتقطع من النار. وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب. وقال الأخفش، وأبو عمرو: هو النار، والدخان جميعاً. قرأ الجمهور: {شواظ} بضم الشين، وقرأ ابن كثير بكسرها وهما لغتان، وقرأ الجمهور: {ونحاس} بالرفع عطفاً على شواظ، وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، ومجاهد، وأبو عمرو بخفضه عطفاً على نار، وقرأ الجمهور {نحاس} بضمّ النون، وقرأ مجاهد، وعكرمة، وحميد، وأبو العالية بكسرها. وقرأ مسلم بن جندب، والحسن: (ونحس)، والنحاس: الصفر المذاب يصبّ على رؤوسهم، قاله مجاهد، وقتادة، وغيرهما. وقال سعيد بن جبير: هو الدخان الذي لا لهب له، وبه قال الخليل. وقال الضحاك: هو درديّ الزيت المغلي. وقال الكسائي هو النار التي لها ريح شديدة، وقيل: هو المهل {فَلاَ تَنتَصِرَانِ } أي: لا تقدران على الامتناع من عذاب الله {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن من جملتها هذا الوعيد الذي يكون به الانزجار عن الشرّ، والرغوب في الخير. {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاء } أي: انصدعت بنزول الملائكة يوم القيامة {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدّهَانِ } أي: كوردة حمراء. قال: سعيد بن جبير، وقتادة: المعنى فكانت حمراء، وقيل: فكانت كلون الفرس الورد، وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة أو الصفرة. قال الفراء، وأبو عبيدة: تصير السماء كالأديم لشدّة حرّ النار. وقال الفراء أيضاً: شبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل، وشبّه الورد في ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه، والدهان جمع دهن، وقيل: المعنى: تصير السماء في حمرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لذوبانها، وقيل: الدهان الجلد الأحمر. وقال الحسن {كالدهان}، أي: كصبيب الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً. وقال زيد بن أسلم: إنها تصير كعصير الزيت. قال الزجاج: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. قال الماوردي: وزعم المتقدّمون أن أصل لون السماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة ترى بهذا اللون الأزرق. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ }، فإن من جملتها ما في هذا التهديد، والتخويف من حسن العاقبة بالإقبال على الخير والإعراض عن الشرّ. {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } أي: يوم تنشقّ السماء لا يسأل أحد من الإنس ولا من الجنّ عن ذنبه؛ لأنهم يعرفون بسيماهم عند خروجهم من قبورهم، والجمع بين هذه الآية، وبين مثل قوله: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الحجر: 92] أن ما هنا يكون في موقف، والسؤال في موقف آخر من مواقف القيامة، وقيل: إنهم لا يسألون هنا سؤال استفهام عن ذنوبهم؛ لأن الله سبحانه قد أحصى الأعمال، وحفظها على العباد، ولكن يسألون سؤال توبيخ وتقريع، ومثل هذه الآية قوله: {أية : وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [القصص: 78] قال أبو العالية: المعنى: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم. وقيل: إن عدم السؤال هو عند البعث، والسؤال هو في موقف الحساب {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن من جملتها هذا الوعيد الشديد؛ لكثرة ما يترتب عليه من الفوائد. {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ } هذه الجملة جارية مجرى التعليل لعدم السؤال. السيما: العلامة. قال الحسن: سيماهم سواد الوجوه وزرقة الأعين، كما في قوله: {أية : وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} تفسير : [طه: 102] وقال: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ }تفسير : [آل عمران: 106] وقيل: سيماهم ما يعلوهم من الحزن والكآبة {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلأقْدَامِ } الجار والمجرور في محل رفع على أنه النائب، والنواصي: شعور مقدم الرؤوس، والمعنى: أنها تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي، وتلقيهم الملائكة في النار. قال الضحاك: يجمع بين ناصيته، وقدمه في سلسلة من وراء ظهره، وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النار، تارة تأخذ بنواصيهم وتجرّهم على وجوههم، وتارة تأخذ بأقدامهم، وتجرّهم على رؤوسهم {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن من جملتها هذا الترهيب الشديد، والوعيد البالغ الذي ترجف له القلوب، وتضطرب لهوله الأحشاء. {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } أي: يقال لهم عند ذلك: هذه جهنم التي تشاهدونها، وتنظرون إليها مع أنكم كنتم تكذبون بها وتقولون إنها لا تكون، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا يقال لهم عند الأخذ بالنواصي والأقدام؟ فقيل: يقال لهم: هذه جهنم تقريعاً لهم وتوبيخاً. {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا } أي: بين جهنم فتحرقهم {وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ } فتصبّ على وجوههم، والحميم: الماء الحارّ، والآن: الذي قد انتهى حرّه وبلغ غايته، كذا قال الفراء، قال الزجاج: أَنَى يأنَى أنَّى، فهو آنٍ: إذا انتهى في النضج والحرارة، ومنه قول النابغة الذبياني:شعر : وتخضب لحية غدرت وخانت بأحمر من نجيع الجوف آن تفسير : وقيل: هو واد من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار، فيغمسون فيه. قال قتادة: يطوفون مرّة في الحميم، ومرّة بين الجحيم {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن من جملتها النعمة الحاصلة بهذا التخويف، وما يحصل به من الترغيب في الخير والترهيب عن الشرّ. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {ذُو ٱلْجَلْـٰلِ وَٱلإكْرَامِ } قال: ذو الكبرياء والعظمة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه {يَسْأَلُهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } قال: مسألة عباده إياه الرزق والموت والحياة كل يوم هو في ذلك. وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده، والبزار، وابن جرير، والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، وابن منده، وابن مردويه، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عبد الله بن منيب قال: تلا علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } فقلنا: يا رسول الله، وما ذلك الشأن؟ قال:«حديث : أن يغفر ذنباً، ويفرّج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين»تفسير : . وأخرج البخاري في تاريخه، وابن ماجه، وابن أبي عاصم، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، وابن عساكر، والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الآية قال: «حديث : من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين»تفسير : ، زاد البزار: «ويجيب داعياً» وقد رواه البخاري تعليقاً، وجعله من كلام أبي الدرداء.وأخرج البزار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال: "يغفر ذنبا ويفرج كربا". وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ } قال: هذا وعيد من الله لعباده، وليس بالله شغل، وفي قوله: {لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَـٰنٍ } يقول: لا تخرجون من سلطاني. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نَّارٍ } قال: لهب النار {وَنُحَاسٌ } قال: دخان النار. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً، ونحاس: قال الصفر يعذبون به. وأخرج ابن أبي حاتم عنه {فَكَانَتْ وَرْدَةً } يقول: حمراء {كَٱلدّهَانِ } قال: هو الأديم الأحمر. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدّهَانِ } قال: مثل لون الفرس الورد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } قال: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لهم: لم عملتم كذا وكذا؟ وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والنشور عنه أيضاً في قوله: {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلأقْدَامِ } قال: تأخذ الزبانية بناصيته وقدميه، ويجمع فيكسر، كما يكسر الحطب في التنور. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ } قال: هو الذي انتهى حرّه.
الماوردي
تفسير : {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} فيه قولان: أحدهما: أنه أراد شأنه في يومي الدنيا والآخرة، قال ابن بحر: الدهر كله يومان: أحدهما: مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فشأنه سبحانه في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر، والنهي، والإحياء، والأمانة، والإعطاء، والمنع، وشأنه يوم القيامة الجزاء، والحساب، والثواب، والعقاب. والقول الثاني: أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا. وفي هذا الشأن الذي أراده في أيام الدنيا قولان: أحدهما: من بعث من الأنبياء في كل زمان بما شرعه لأمته من شرائع الدين وكان الشأن في هذا الموضع هو الشريعة التي شرعها كل نبي في زمانه ويكون اليوم عبارة عن المدة. القول الثاني: ما يحدثه الله في خلقه من تبدل الأحوال وإختلاف الأمور، ويكون اليوم عبارة عن الوقت. روى مجاهد عن عبيد بن عمير قال: كل يوم هو في شأن، يجيب داعياً، ويعطي سائلاً، ويفك عانياً، ويتوب على قوم، ويغفر لقوم. وقال سويد بن غفلة: كل يوم هو في شأن، هو يعتق رقاباً، ويعطي رغاباً، ويحرم عقاباً. وقد روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} مِن شَأَنِهِ أَن يَغْفِرَ ذَنباً، وَيَفْرِجَ كَرْباً، وَيَرَفَعَ قَوماً، وَيَضَعَ آخَرِينَ "
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {كل من عليها} أي على الأرض من حيوان وإنما ذكره بلفظة من تغليباً للعقلاء {فان} أي هالك لأن وجود الإنسان في الدنيا عرض فهو غير باق وما ليس بباق فهو فان ففيه الحث على العبادة وصرف الزمن اليسير إلى الطاعة {ويبقى وجه ربك} يعني ذاته والوجه يعبر به عن الجملة. وفي المخاطب وجهان أحدهما أنه كل واحد والمعنى ويبقى وجه ربك أيها الإنسان السامع. والوجه الثاني: أنه يحتمل أن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم {ذو الجلال} أي ذو العظمة والكبرياء ومعناه الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه {والإكرام} أي المكرم لأنبيائه وأوليائه وجميع خلقه بلطفه وإحسانه إليهم مع جلاله وعظمته {فبأي ألاء ربكما تكذبان} عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" تفسير : أخرجه الترمذي وقال الحاكم حديث صحيح الإسناد ومعنى ألظوا الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها. قوله تعالى: {يسأله من في السموات والأرض} يعني من ملك وإنس وجن فلا يستغني عن فضله أهل السموات والأرض قال ابن عباس فأهل السموات يسألونه المغفرة وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة وقيل كل أحد يسأل الرحمة وما يحتاج إليه في دينه أو دنياه وفيه إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى وأن كل مخلوق وإن جل وعظم فهو عاجز عن تحصيل ما يحتاج إليه مفتقر إلى الله تعالى: {كل يوم هو في شأن} قيل نزلت رداً على اليهود حيث قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئاً قال المفسرون من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق ويعز قوماً ويذل قوماً ويشفي مريضاً ويمرض صحيحاً ويفك عانياً ويفرج عن مكروب ويجيب داعياً ويعطي سائلاً ويغفر ذنباً إلا ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء سبحانه وتعالى وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال "إن مما خلق الله عز وجل لوحاً من درة بيضاء دفتاه من ياقوته حمراء قلمه نور وكتابه نور ينظر الله فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء فذلك قوله تعالى: {كل يوم هو في شأن} قال ابن عيينة الدهر كله عند الله يومان أحدهما مدة أيام الدنيا والآخر يوم القيامة والشأن الذي هو فيه اليوم الذي هو مدة أيام الدنيا الاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع وشأن يوم القيامة الجزاء والحساب والثواب والعقاب، وقال الحسين بن الفضل هو سوق المقادير إلى المواقيت ومعناه إن الله عز وجل كتب ما يكون في كل يوم وقدر ما هو كائن فإذا جاء ذلك الوقت تعلقت إرادته بالفعل فيوجده في ذلك الوقت وقال أبو سليمان الداراني في هذه الآية له في كل يوم إلى العبيد بر جديد وقيل شأنه تعالى أنه يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر عسكراً من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات وعسكراً من الأرحام إلى الدنيا وعسكراً من الدنيا إلى القبور ثم يرتحلون جميعاً إلى الله تعالى: {فبأي آلاء ربكما تكذبان سنفرغ لكم أيه الثقلان} قيل هو وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة وليس هو فراغ عن شغل لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن فهو كقول القائل لمن يريد تهديده لأتفرغن لك وما به شغل وهذا قول ابن عباس وإنما حسن ذكر هذا الفراغ لسبق ذكر الشأن وقيل معناه سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم فهو كقول للقائل الذي لا شغل له قد فرغت لك وقيل معناه أن الله وعد أهل التقوى وأوعد أهل الفجور فقال سنفرغ لكم مما وعدناكم وأخبرناكم فنحاسبكم ونجازيكم فننجز لكم ما وعدناكم فنتم ذلك ونفرغ منه فهو على طريق المثل وأراد بالثقلين الإنس والجن سميا ثقلين لأنهما ثقلا على الأرض أحياء وأمواتاً، وقيل كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" تفسير : فجعلهما ثقلين إعظاماً لقدرهما وقال جعفر بن محمد الصادق سمي الإنس والجن ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا} أي: على الأرض {فَانٍ} والإشارة بالفناء إلى جميع الموجودات على الأرض من حيوان وغيره، والوجه: عبارة عن الَّذَاتِ، لأَنَّ الجارحة منفيَّةٌ في حَقِّه سبحانه؛ قال الداوُديُّ: وعن ابن عباس {ذُو ٱلْجَلْـٰلِ}: قال: ذو العظمة والكبرياء، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد. والضمير في "عليها" للأرض. قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} تفسير : [ص: 32]. ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا} تفسير : [الرحمن: 10]. وقيل: الضمير عائد إلى الجارية. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل. ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت. وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب. قوله: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى. قال ابن عباس رضي الله عنهما: الوجه عبارة عنه، كما قال {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ}. ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى {ذو الجلال والإكرام} أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع. وقيل: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا}. وخاطب هاهنا الواحد فقال: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ}، ولم يقل: "وجْه ربِّكُمَا"؟. فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: {ويبقى وجه ربك} أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء. فإن قيل: فلو قال: "ويبقى وجه الرّب" من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟. فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب. قوله تعالى: {ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ}. العامة على "ذو" بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: "ذي" بالياء صفة لـ "ربّك". وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى. و "الجلال": العظمة والكبرياء. و "الإكرام": يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته. قوله تعالى: {يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه مستأنف. والثاني: أنه حال من "وجه"، والعامل فيه "يبقى" أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض. وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟. قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه. الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً. الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ. الثالث: أن قوله: "ويبقى" للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً. الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد. فصل في تحرير السؤال المقصود وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه. قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً. قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض. قال القرطبي: وفي الحديث: "حديث : إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ "تفسير : . وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد. قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ} منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: "فِي شأن". والشأن: الأمر. فصل في تفسير هذه الآية روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : "كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ" قال: "مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين" . تفسير : وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً. وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع. وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان: أحدهما: مدة أيام الدنيا. والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب. والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا. وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً. وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً. وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت. وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى: {أية : فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} تفسير : [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة. وقوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟. فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم. وقيل: إن ندم "قابيل" لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله. وأما قوله تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39]، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً. وأما قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه. قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ}. قرأ: "سيفرغ" - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة "الحجاز". وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من "فَرَغَ" بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق. والثاني: أنه سمع فيه "فَرِغَ" - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة "تميم" وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: "سَنِفْرَغُ" - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في "الفاتحة". قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى "مضر". والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: "سَيُفْرَغُ" - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول. وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء. والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو. فصل في الكلام على فرغ قال القرطبي: "يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك". وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر] شعر : 4640- ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا تفسير : وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل] شعر : 4641- فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ تفسير : ويدل عليه قراءة أبيِّ رضي الله عنه: "سَنفْرُغُ إليْكُمْ" أي سنقصد إليكم. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أنه لما بايع الأنصار ليلة "العقبةِ"، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني "قيلة" على حربكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك"تفسير : . أي: أقصد إلى إبطال أمرك. وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما. قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه "أزب العقبة" وهو الحيّة. وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد. قوله تعالى: {أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ}. تقدم الكلام في قراءة "أيُّهَا" في "النور" [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى. وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف. و "الثَّقلان" الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف. وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً. قال تعالى: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} تفسير : [الزلزلة: 2]. ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه. وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به. وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب. وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي ". تفسير : فصل في سبب التثنية بعد الجمع جمع في قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} ثم قال: {أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ}؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: {يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ}، ولم يقل "إن استطعتما"؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} تفسير : [النمل: 45]. وقوله تعالى: {أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} تفسير : [الحج: 19]، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز. وقرأ أهل "الشَّام": "أيُّهُ الثَّقلانِ" بضم الهاء، والباقون: بفتحها. فصل في أن الجن مكلفون هذه الآيات التي في "الأحقاف"، و{أية : قُلْ أُوحِيَ} تفسير : [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم. قوله تعالى: {يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ} [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟. فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه. و "المعشر": الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة. فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [الإسراء: 88]؟. فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به. فصل في المراد بالآية معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة. والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول "البقرة" أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: {يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ} فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} تفسير : [النساء: 78] وهو قول الضحاك. وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله. وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عز وجل وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ. وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم. قوله تعالى: {إِلاَّ بِسُلْطَانٍ}. حال أو متعلق بالفعل قبله. والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي. قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ}. قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: "صِوَار" من البقر، و "صُوَار" وهو القطيع من البقر. و "الشُّواظ": قيل: اللَّهب معه دخان. وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له. وقيل: اللَّهب الأحمر. وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب. وقال رؤبة رحمه الله: [الرجز] شعر : 4642-..................... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا تفسير : وقال حسَّان رضي الله عنه: [الوافر] شعر : 4643- هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ تفسير : وقال مجاهد: "الشُّواظ": اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار. وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب. وقاله سعيد بن جبير. وقيل: "الشُّواظ": النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب. و "يُرْسَل" مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي "نرسل" بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و "من نار" صفة لـ "شواظ" أو متعلق بـ "يرسل". قوله: "ونُحَاس". قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على "نار". والباقون: برفعه عطفاً على "شُواظ". و "النُّحَاس": قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به. وقيل: الدخان الذي لا لهب معه. قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب. وأنشد للأعشى: [المتقارب] شعر : 4644- يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِيـ ـطِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا تفسير : قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في "نُحَاس" على هذا بين. فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: "يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس" فـ "شيء" معطوف على شواظ، و "من نحاس" جملة هي صفة لشيء، وحذف "شيء" وحذفت "من" لتقدم ذكرها في "من نار" كما حذفت "على" من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون "نُحَاس" على هذا مجروراً بـ "من" المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية. وقرأ ابن جندب: "ونَحْسٌ"، كقوله تعالى: {أية : فِي يَوْمِ نَحْسٍ} تفسير : [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: "ونَحُسُّ" بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: {أية : إِذْ تَحُسُّونَهُم} تفسير : [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: "ونَحس" بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: "ونُحُسٍ" بضمتين وجر السين. وتقدمت قرأة زيد: "ونُحَاساً" بالنَّصْب لعطفه على "شُواظاً" في قراءته. و "النِّحاس" أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل. يقال: فلان كريم النحاس و "النُّحاس" أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار. قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي. وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة. قوله تعالى: {فَلاَ تَنتَصِرَانِ} أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس. وثنّى الضمير في "عَلَيْكُمَا"؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: "إن اسْتَطعْتُمْ"؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: {فَلاَ تَنتَصِرَانِ} خطاب للحاضرين، وهم نوعان. قوله تعالى: {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان. وقوله: "فَكَانَت ورْدَةً" أي: مثل وردة. فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة. وأنشد قول الشاعر: [الطويل] شعر : 4645- فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا تفسير : وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل. وقرأ عمرو بن عبيد: "وَرْدَةٌ" بالرفع. قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل] شعر : 4646- فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ تفسير : قوله: "كالدِّهان" يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً لـ "وَرْدَة"، وأن يكون حالاً من اسم "كانت". وفي "الدِّهَان" قولان: أنه جمع "دُهْن" نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: {أية : تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ} تفسير : [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت. والثاني: أنه اسم مفرد. فقال الزمخشري: "اسم ما يدهن به كالحزام والإدام"؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 4647- كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ تفسير : وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر] شعر : 4648- وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا تفسير : أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل] شعر : 4649- تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ تفسير : فقوله: "الحمر" يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل. وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها. وقيل: لبريقها. فصل في معنى الآية قال المفسرون: قوله تعالى: {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} انصدعت يوم القيامة، {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ}. قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: "الدهان": الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن. وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها. وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم. وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر. وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل. وقال الحسن: "كالدِّهان" أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً. وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت. وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء. قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان. وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد. وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي. قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم. قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ} التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في "فيومئذٍ" جواب الشرط. وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك. والهاء في "ذنبه" تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف "لا يسأل" و "لا" غير مانعة. وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة "جأنٌّ" بالهمزة فيها أيضاً. فصل في الكلام على هذه الآية قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [القصص: 78]. وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة. وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس. وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم. دليله قوله تعالى: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ}، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الحجر: 92]، وهو قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ}. قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ. وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم. وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم. قوله تعالى: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ}. قرأ حماد بن أبي سليمان: "بِسِيمائِهِمْ" بالمد. قوله تعالى: {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي} الآية. "يُؤخذ" متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى "يسحب". قاله أبو حيان. و "يسحب" إنما يتعدى بـ "على"، قال تعالى: {أية : يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} تفسير : [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى "يدعون أو يدفعون". وقال مكّي: "إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز. وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام. بمعنى. وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى "من أجل"، فيجوز أن تقول: "أخذت زيداً ثوباً بعمرو" أي: من أجله وبذنبه". انتهى. وفيما قاله نظر، لأنك تقول: "أخذت الثوب بدرهم" فقد تعدّى بغير "من" أيضاً بغير المعنى الذي ذكره. وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: {أية : لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ} تفسير : [الحديد: 15] وقال: {أية : خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ} تفسير : [طه: 21]؟. فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: {أية : لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} تفسير : [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: {أية : خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ} تفسير : [طه: 21]، وقال تعالى {أية : وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ} تفسير : [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ. و "أل" في "النَّواصي والأقْدَام" ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض. والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في "هود" وفي حديث عائشة رضي الله عنها: "مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ" أي: لا تمدُّون ناصيته. و "النَّصيّ": مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى. فصل في سيما المجرمين قال الحسن: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: {أية : وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً} تفسير : [طه: 102]. وقال تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} تفسير : [آل عمران: 106]. فقوله: {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ} أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار. و "النَّواصي": جمع ناصية. وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار. وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه. وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه. فإن قيل: ما وجه إفراد "يُؤخَذ" مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟. فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله: "يُؤخَذُ" متعلق "بالنواصي"، كقولك: ذهب يزيد. والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه "يؤخذ"، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي. قوله تعالى: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} أي يقال لهم: هذه جهنّم. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم. قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: {بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ}، وقوله تعالى: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ} لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: "يُكَذِّبُ"؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون)؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب. قوله تعالى: "يَطُوفُونَ". قراءة العامة: "يَطُوفون" من "طاف"، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأبو عبد الرحمن: "يُطَافُونَ" مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم. والأعمش وطلحة وابن مقسم: "يُطَوِّفُون" بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم. وقرأت فرقة: "يَطَّوَّفُونَ" بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: "يتطوّفون". قوله تعالى: {حَمِيمٍ آنٍ} أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص كـ "قاض" يقال: "أتَى يَأتِي فهو آتٍ" كـ "قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ". وقد تقدم في "الأحزاب". قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم. و "الحميم": الشّراب. وفي قوله تعالى: "آنٍ" ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر] شعر : 4650- وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ تفسير : وقال قتادة: "آن" طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك. وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: "آن" اسم واد من أودية جهنّم. وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته. ثم قال: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟. فالجواب من وجهين. أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم. حديث : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على شاب في الليل يقرأ: {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ" . تفسير : الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
السلمي
تفسير : سمعت جعفر بن محمد الخواص يقول: سئل الجنيد رحمة الله عليه عن قوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} فقال: من كان بين طرفى فناء فهو فان. قال ابن عطاء: من كان مقيماً على اتباع هواه فهو فانٍ هالك من حيث لا يشعر. سئل بعضهم عن علم الفناء والبقاء قال: هو علم فناء الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ودوامها دليله من القرآن قوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}.
القشيري
تفسير : كل من على وجه الأرض في حكم الفناء من حيث الجواز. ومن حيث الخبر: "ستفنى الدنيا ومن عليها ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" "والوجه": صفة لله - سبحانه - لم يدلّ عليه العقل قطعاً ودلَّ عليه جَوازاً، وورد الخبر بكونه قطعاً. ويقال: في بقاءِ الوجه بقاءُ الذات، لأن الصفة لا تقوم بنفسها، ولا محالة شَرطها قيامها بنفسه وذاته. وفائدة تخصيص الوجه بالذكر أن ما عداه يُعْرَفُ بالعقل، والوجه لا يُعْلَمُ بالعقل، وإنما يُعْرَفُ بالنقل والأخبار. و"يبقى": وفي بقائه. سبحانه خَلَفٌ عن كلِّ تلفٍ، وتسليةٌ للمسلمين عمَّ يصيبهم من المصائب، ويفوتهم من المواهب.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} لو تطرق بنظر التحقيق فى الكون واهله رايت حقيقة فنائه وفناء اهله وان كان فى الظاهر على رسم الوجود لان من يكون قيامه بغيره فهو فان فى الحقيقة اذ لا يقوم بنفسه وكيف الحدث يقوم بنفس ولا نفس له فى الحقيقة فان الوجود الحقيقى وجود القدم لذلك اثنى على نفسه بقوله {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} وحقيقة البقاء لمن لا يزال باقيا قديما ومن كان اوله عدما وأخره عدما وجوده بخلاف من كان اوله قدما وأخره بقاء اذا شاهدت مشاهدة الحق ترى الحق قائما بنفسه وترى الاشياء قائمة به فقد علمت هناك حقيقة الفناء والبقاء وحقيقة الوجود والعدم عرف الله سبحانه قدمه وبقائه خلقه بفناء الدنيا واهلها ليتحققوا فى معرفته لان من دخل فى البقاء بغير دخوله فى الفناء لم يعرف حقيقة البقاء سئل الجنيد عن قوله كل من عليها فان قال من كان بين طرفى فناء فهو فان وذكره جلاله ووجهه الباقى تسلية لقلوب المشتاقين وترويح لفواد الموحدين والعارفين انا ابقى لكن ابدلا الا تغتموا فان لكم ما وجدتم فى الدنيا من كشف جمالى وتيسر مد ذلك لكم بلا حجاب ابدا ايها العاشقون استبشروا ببقائى وافرحوا بلقائى وفيه دقيقة واشارة الى حبيبه اى كلهم استمتعوا بتجلائى وكشف الوجه باق لك اذا رايت وجهى خاصة لك ثم العشاق اتباعك فى النظر الى وجهى فاول الكشف لك ثم للعموم فذكر الوجه خاصة وهو صفة خاصة لاهل الخصوص وان كان وجود القدم جميعه وجها الا ترى كيف قال عليه الصلاة والسلام ان الله تعالى يتجلى لابى بكر خاصة ويتجلى للمؤمنين عامة وذكر الجلال تهيج لاهل المحبة والهيمة قال الواسطى الذى اخفى من شاهده لخاصة لا يظهره للعوام فسئل فرق بين الدارين قال نعم اعطاهم فى الدنيا على السراير واعطاهم فى الأخرة على الظواهر استتر فى الدنيا بما اظهر من عجايبه واستتر فى الأخرة بما اظهر على اقدارهم وهو الذى لا يطيقه الخلق الا على من تولاه باسبال تغيب عن شاهده نظرت بافهم فى مقام التوحيد الى تلاشى الكون فى ظهور جلال وجهه تعالى ورايت فناه فى بقاءه حين ظهر وذلك لغلبة سلطان اشراق نور القدم على وجود الحدث وذلك حين غاب العارف فى المعروف ولا يدري اين هو اذ لا أين ولا هو الا هو.
اسماعيل حقي
تفسير : {كل من عليها فان} الهاء كناية عن غير مذكور كقولهم اذا نهى السفيه جرى اليه والمعنى كل من على الارض من الحيوانات والمركبات ومن للتغليب على الوجهين او من الثقلين فان اى هالك لا محالة يعنى سرانجام كار فانى شوند، ولما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلكت بنوا آدم فلما نزلت كل نفس ذآئقة الموت ايقنوا بهلاك أنفسهم فان لهم اجساما لطيفة وارواحا متعلقة بتلك الاجسام كأرواح الانسان واما الارواح المجردة المهيمة العالية فلا تفنى
اطفيش
تفسير : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} يعني ما على الأرض من حيوان وغيره فمن تغليب للعقلاء أو اراد الثقلين ويفنى من في السماء وجميع الخلق والفناء الذهاب فليصرف العقل زمانه اليسير الى الطاعة.
الالوسي
تفسير : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا } أي على الأرض التي وضعت للأنام من الحيوانات والمركبات و {مَنْ } للتغليب أو للثقلين {فَانٍ } هالك.
ابن عاشور
تفسير : لما كان قوله: {أية : وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام}تفسير : [الرحمٰن: 24] مؤذناً بنعمة إيجاد أسباب النجاة من الهلاك وأسباب السعي لتحصيل ما به إقامة العيش إذ يَسَّر للناس السفن عوناً للناس على الأسفار وقضاء الأوطار مع السلامة من طغيان ماء البحار، وكان وصف السفن بأنها كالأعلام توسعة في هذه النعمة أتبعه بالموعظة بأن هذا لا يحول بين الناس وبين ما قدره الله لهم من الفناء، على عادة القرآن في الفُرص للموعظة والتذكير كقوله: {أية : أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة}تفسير : [النساء: 78]. وفائدة هذا أن لا ينسوا الاستعداد للحياة الباقية بفعل الصالحات، وأن يتفكروا في عظيم قدرة الله تعالى ويقبلوا على توحيده وطلب مرضاته. ووقوع هذه الجملة عقب ما عدد من النعم فيه إيماء إلى أن مصير نعم الدنيا إلى الفناء. والجملة استئناف ابتدائي. وضمير {عليها} مراد به الأرض بقرينة المقام مثل {أية : حتى توارت بالحجاب}تفسير : [ص: 32]، أي الشمس ومثله في القرآن وكثير وفي كلام البلغاء. ومعنى {فانٍ}: أنه صائر إلى الفناء، فهذا من استعمال اسم الفاعل لزمان الاستقبال بالقرينة مثل {أية : إنك ميت وإنهم ميتون}تفسير : [الزمر: 30]. والمراد بــــ {من عليها}: الناس لأنهم المقصود بهذه العبر، ولذلك جيء بــــ (من) الموصولة الخاصة بالعقلاء. والمعنى: أن مصير جميع من على الأرض إلى الفناء، وهذا تذكير بالموت وما بعده من الجزاء. و{وجه ربك}: ذاته، فذكر الوجه هنا جار على عرف كلام العرب. قال في «الكشاف»: والوجه يعبر به عن الجملة والذات ا هــــ. وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعان مختلفة منها ما هنا ومنها قوله: {أية : فأينما تولوا فثم وجه الله}تفسير : [البقرة: 115] وقوله: {أية : إنما نطعمكم لوجه الله}تفسير : [الإنسان: 9]. وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي وهو الجزء الذي في الرأس. واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجاً إلى أن اتضح وجه التأويل بالجرْي على قواعد علم المعاني فزال الخفاء، واندفع الجفاء، وكلا الفريقين خيرة الحنفاء. وضمير المخاطب في قوله: {وجه ربّك} خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وفيه تعظيم لقدر النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم غير مرة. والمقصود تبليغه إلى الذين يتلى عليهم القرآن ليذكَّروا ويعتبروا. ويجوز أن يكون خطاباً لغير معينّ ليعمّ كل مخاطب. ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف بــــ {ذو الجلال}، أي العظمة و{الإكرام}، أي المنعم على عباده وإلا فإن الوجه الحقيقي لا يضاف للإِكرام في عرف اللغة، وإنما يضاف للإِكرام اليد، أي فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه، وقد دخل في الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص وفي الإِكرام جميع صفات الكمال الوجودية وصفات الجمال كالإِحسان. وتفريع {فبأي آلاء ربكما تكذبان} إنما هو تفريع على جملة {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} كما علمت من أنه يتضمن معاملة خلقه معاملة العظيم الذي لا تصدر عنه السفاسف، الكريم الذي لا يقطع إنعامه، وذلك من الآلاء العظيمة.
الشنقيطي
تفسير : ما تضمنته هذه الآية الكريمة من فناء كل من على الأرض وبقاء وجهه جل وعلا المتصف بالجلال والإكرام، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى:{أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]، وقوله تعالى: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ}تفسير : [الفرقان: 58] وقوله تعالى:{أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [آل عمران: 185] إلى غير ذلك من الآيات. والوجه صفة من صفات الله العلي وصف بها نفسه، فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق. وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح بالآيات القرآنية في سورة الأعراف، وفي سورة القتال. والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كل من عليها فان: أي كل من على الأرض من إنسان وحيوان وجان فانٍ أي هالك. ويبقى وجه ربك: أي ذاته ووجه سبحانه وتعالى. ذو الجلال والإِكرام: أي العظمة والإِنعام على عباده عامة والمؤمنين بخاصة. يسأله من في السماوات والأرض: أي يسألونه حاجاتهم التي تتوقف عليها حياتهم من الرزق والقوة على العبادة. والمغفرة للذنب، والعزة من الرب. كل يوم هو في شأن: أي كل وقت هو في شأن: شؤون يبديها وفق تقديره لها يرفع أقواماً ويضع آخرين. سنفرغ لكم أيها الثقلان: أي لحسابكم ومجازاتكم بعد انتهاء هذه الحياة الدنيا ونجزي كلاً بما عمل. إن استطعتم أن تنفذوا: أي إن قدرتم على أن تخرجوا. من أقطار السماوات والأرض: أي من نواحي السماوات والأرض. فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان: أي فاخرجوا. لا تنفذون إلا بقوة ولا قوة لكم وهذا تعجيز لهم. يرسل عليكما شواظ من نار: أي من لهب النار الخالص الذي لا دخان فيه. ونحاس: أي دخان لا لهب فيه، ولا يبعد أن يكون نحاساً مذاباً. فلا تنتصران: أي لاتمتنعان من السوق إلى المحشر. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم ي ذكر أيادي الرحمن الرحيم قال عز من قائل {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} كل من على الأرض من إنسان وجانٍ وذي روح وحيوان فانٍ: هالك، لا تبقى له روح ولا ذات، {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} حيٌّ لا يموت والإِنس والجن يموتون فبأي آلاء ربكما تكذبان أَبنعمة إيجادكما وإمدادكما بالأرزاق والخيرات طوال الحياة أم بنعمة انهاء أتعابكما وتكاليفكما أم بإِهلاك أعدائكما، وإدنائكما من النعيم المقيم في جنات النعيم، قولوا خيراً لكم لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد. وقوله {يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي يطلبونه بلسان القال أو الحال ما هم في حاجة إليه مما يحفظ وجودهم ويغفر ذنوبهم وقوله تعالى {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} أي لا يفرغ الدهر كلّه يدبر أمر السماء والأرض يرفع أقواما ويضع آخرين. وقول الرحمن {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ} من الإِنس والجن فنحاسبكما ونجزيكما محسنكما بالإِحسان وسيئكما بالسوء والخسران، وهذا يوم تقومان للرحمن، حفاة عراة وتقفان بين يديه للحكم فيكما والقضاء بينكما فبأي آلاء ربكما تكذبان أبالعدل في الحكم بينكما أم بإسعاد صالحيكما واشقاء مجرميكما. وقول الرحمن {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ} أي تخرجوا {مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي من جوانبهما وأطرافهما {فَٱنفُذُواْ} أي اخرجوا هاربين من قضائي وحكمي لكما وعليكما لا تنفذون إلا بقوة قاهرة غالبة ولا قوة لكم ولا سلطان هكذا يتحداهما الرحمن وهم يساقون إلى ساحة فصل القضاء فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ أبنعمة احيائكما بعد موتكما أم بنعمة إكرام صلحائكما وإهانة فاسديكما وهي العدالة التي لا رحمة ولا نعمة في الحياة الدنيا تساويهما. وقوله تعالى {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ} أي لهب النار الخالص من الدخان، ونحاس وهو دخان خالص فلا تنتصران هذا إن أردتما الفرار من عدالتي وعدم الإِذعان لقضائي وحكمي فيكما. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ أبعظمة ربكم وقوة سلطانه أم برحمة مولاكم ولطفه بكم اللهم لا شيء من آلائك نكذب ربنا ولك الحمد. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- بيان جلال الله وعظمته وقوة سلطانه. 3- بيان عجز الخلائق أمام خالقها عز وجل. 4- وجوب حمد الله تعالى وشكره على السراء والضراء.
د. أسعد حومد
تفسير : (26) - جَميعُ مَنْ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ سَيَمُوتُونَ، وَكَذَلِكَ سَيَمُوتُ أهْلُ السَّمَاوَاتِ إِلاَ مَنْ شَاءَ اللهُ. فَانٍ - هَالِكٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} [الرحمن: 26-27]؛ يعني: من يكون على أرض البشرية فانٍ، والفناء إشارة إلى فناء المركبات، كما أن الهلاك إشارة إلى هلاك المفردات، ولأجل هذا إشارة في الفناء إلى تجلي الصفات، وفي الهلاك إلى تجلي الذات، وأطلق الهلاك على كل شيء حيث قال: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]، وأضاف الوجه إلى هويته، وأطلق الفناء على من على وجه الأرض البشرية من المركبات بقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26]، وأضاف الوجه إلى الصفة حيث قال: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} [الرحمن: 27]؛ يعني: صاحب تجلي الجمال والجلال؛ يعني: بتجلي الجلال الصور الكثيفة، ويبقى بتجلي الجمال المعاني المكتسبة اللطيفة من الصورة الكثيفة، والفرق بين الهلاك والفناء بين فناء نور القمر عند حجاب الأرض له عند أخذ النور من الشمس وهلاك أنوار الكواكب عند طلوع الشمس، وأبين لك فرق أظهر من هذا في صورة النبات، إذا وضعته في قدح فيه ماء يفني تركيب الصورة النباتية القائمة ثلاثة قوائم، ويهلك معنى حلاوة في الماء؛ لغلبة الماء عليه، وفي الهلاك والفناء أسرار سوى هذا يتعلق بعضها تجد القرآن وبعضها بمطلع القرآن، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 28]؛ يعني: أيتها القوتان، أبنعمة إفناء الصور الكثيفة، أم بنعمة إبقاء المعاني اللطيفة المكتسبة من الصور الكثيفة في دار الكسب تكذبان؟ {يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الرحمن: 29]؛ يعني: القوة العلوية والسفلية تسأله حظوظهم وحقوقهم، {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29]؛ يعني: يحيي ويميت، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع لحكمته وقدرته على وفق إرادته، يمحو ما يشاء عن الألواح، ويثبت ما يشاء على الألواح في يوم الحال الحاجز بين الأزل والأبد، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 30]، أبنعمة محو السيئات، أم بنعمة إثبات الجنان أيتها القوتان تكذبان؟ {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ} [الرحمن: 31]؛ يعني: سوف نفرغ من استعمالكم في دار الكسب أيها القربان الثقيلان العظيمان برفعان قدر، كما لأنكم ثقلان الأرض البشرية والسماء الروحانية، ويشتغل بالإعطاء جزاء أعمالكم في دار الجزاء، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 32]، أبنعمة الاستعمال في دار الكسب في الأعمال الصالحة، أم بنعمة إعطاء الجزاء في دار الجزاء أيتها القوتان تكذبان؟ {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33]؛ يعني: أيتها القوى العلوية والسفلية، إن كنتم تستطيعون أن تتفرقوا أو ترجعوا إلى سماء الروحانية وأرض الجسمانية فتفرقوا، وما كنتم عن التفرق والرجوع إلى كلياتكم إلا بسلطاننا وحكمنا وبياننا، وبعبارة أخرى إن كنتم تستطيعون على تحصيل المعارف العلوية والسفلية بغير سلطان الوارد فاسعوا في الطلب، ولا يمكن تحصيل المعارف بسعيكم إلا عند نزول سلطان الوارد، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 34]؛ يعني: أيتها القوتان العلوية والسفلية، أبنعمة اجتماعكما لكسب الحسنات الباقيات في دار الكسب، أم بنعمة تفريقكما وإدخالكما في دار الجزاء لاستراحتكما عن الشغل، وتنعمكما بالأعمال الصالحة المكتسبة تكذبان؟
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: كل من على الأرض، من إنس وجن، ودواب، وسائر المخلوقات، يفنى ويموت ويبيد ويبقى الحي الذي لا يموت { ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ } أي: ذو العظمة والكبرياء والمجد، الذي يعظم ويبجل ويجل لأجله، والإكرام الذي هو سعة الفضل والجود، والداعي لأن يكرم أولياءه وخواص خلقه بأنواع الإكرام، الذي يكرمه أولياؤه ويجلونه، [ويعظمونه] ويحبونه، وينيبون إليه ويعبدونه، { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):