٥٥ - ٱلرَّحْمَٰن
55 - Ar-Rahman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: الوجه يطلق على الذات والمجسم يحمل الوجه على العضو وهو خلاف العقل والنقل أعني القرآن لأن قوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] يدل على أن لا يبقى إلا وجه الله تعالى، فعلى القول الحق لا إشكال فيه لأن المعنى لا يبقى غير حقيقة الله أو غير ذات الله شيء وهو كذلك، وعلى قول المجسم يلزم أن لا تبقى يده التي أثبتها ورجله التي قال بها، لا يقال: فعلى قولكم أيضاً يلزم أن لا يبقى علم الله ولا قدرة الله، لأن الوجه جعلتموه ذاتاً، والذات غير الصفات فإذا قلت: كل شيء هالك إلا حقيقة الله خرجت الصفات عنها فيكون قولكم نفياً للصفات، نقول: الجواب عنه بالعقل والنقل، أما النقل فذلك أمر يذكر في غير هذا الموضع، وأما العقل فهو أن قول القائل: لم يبق لفلان إلا ثوب يتناول الثوب وما قام به من اللون والطول والعرض، وإذا قال: لم يبق إلا كمه لا يدل على بقاء جيبه وذيله، فكذلك قولنا: يبقى ذات الله تعالى يتناول صفاته وإذا قلتم: لا يبقى غير وجهه بمعنى العضو يلزمه أن لا تبقى يده. المسألة الثانية: فما السبب في حسن إطلاق لفظ الوجه على الذات؟ نقول: إنه مأخوذ من عرف الناس، فإن الوجه يستعمل في العرف لحقيقة الإنسان، ألا ترى أن الإنسان إذا رأى وجه غيره يقول: رأيته، وإذا رأى غير الوجه من اليد والرجل مثلاً لا يقول: رأيته، وذلك لأن اطلاع الإنسان على حقائق الأشياء في أكثر الأمر يحصل بالحس، فإن الإنسان إذا رأى شيئاً علم منه مالم يكن يعلم حال غيبته، لأن الحس لا يتعلق بجميع المرئي وإنما يتعلق ببعضه، ثم إن الحس يدرك والحدس يحكم فإذا رأى شيئاً بحسه يحكم عليه بأمر بحدسه، لكن الإنسان اجتمع في وجهه أعضاء كثيرة كل واحد يدل على أمر، فإذا رأى الإنسان وجه الإنسان حكم عليه بأحكام ما كان يحكم بها لولا رؤيته وجهه، فكان أدل على حقيقة الإنسان وأحكامه من غيره، فاستعمل الوجه في الحقيقة في الإنسان ثم نقل إلى غيره من الأجسام، ثم نقل لي ما ليس بجسم، يقال في الكلام هذا وجه حسن وهذا وجه ضعيف، وقول من قال: إن الوجه من المواجهة كما هو المسطور في البعض من الكتب الفقهية فليس بشيء إذ الأمر على العكس، لأن الفعل من المصدر والمصدر من الاسم الأصلي وإن كان بالنقل، فالوجه أول ما وضع للعضو ثم استعمل واشتق منه غيره، ويعرف ذلك العارف بالتصريف البارع في الأدب. المسألة الثالثة: لو قال: ويبقى ربك أو الله أو غيره فحصلت الفائدة من غير وقوع في توهم ما هو ابتدع، نقول: ما كان يقوم مقام الوجه لفظ آخر ولا وجه فيه إلا ما قاله الله تعالى، وذلك لأن سائر الأسماء المعروفة لله تعالى أسماء الفاعل كالرب والخالق والله عند البعض بمعنى المعبود، فلو قال: ويبقى ربك ربك، وقولنا: ربك معنيان عند الاستعمال أحدهما أن يقال: شيء من كل ربك، ثانيهما أن يقال: يبقى ربك مع أنه حالة البقاء ربك فيكون المربوب في ذلك الوقت، وكذلك لو قال: يبقى الخالق والرازق وغيرهما. المسألة الرابعة: ما الحكمة في لفظ الرب وإضافة الوجه إليه، وقال في موضع آخر: {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 115] وقال: {أية : يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ }تفسير : [الروم: 38] نقول: المراد في الموضعين المذكورين هو العبادة. أما قوله: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } فظاهر لأن المذكور هناك الصلاة، وأما قوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ } فالمذكور هو الزكاة قال تعالى من قبل: {أية : فَـئَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ } تفسير : [الروم: 38] {أية : ذَلِكَ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ } تفسير : [الروم: 38] ولفظ الله يدل على العبادة، لأن الله هو المعبود، والمذكور في هذا الموضع النعم التي بها تربية الإنسان فقال: {وَجْهُ رَبّكَ }. المسألة الخامسة: الخطاب بقوله: {رَبَّكَ } مع من؟ نقول: الظاهر أنه مع كل أحد كأنه يقول: ويبقى وجه ربك أيها السامع، ويحتمل أن يكون الخطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: فيكف قال: {فَبِأَيِّ ءَالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } خطاباً مع الإثنين، وقال: {وَجْهُ رَبّكَ } خطاباً مع الواحد؟ نقول: عند قوله: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبّكَ } وقعت الإشارة إلى فناء كل أحد، وبقاء الله فقال وجه ربك أي يا أيها السامع فلا تلتفت إلى أحد غير الله تعالى، فإن كل من عداه فان، والمخاطب كثيراً ما يخرج عن الإرادة في الكلام، فإنك إذا قلت: لمن يشكو إليك من أهل موضع سأعاقب لأجلك كل من في ذلك الموضع يخرج المخاطب عن الوعيد، وإن كان من أهل الموضع فقال: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبّكَ } ليعلم كل أحد أن غيره فان، ولو قال: وجه ربكما لكان كل واحد يخرج نفسه ورفيقه المخاطب من الفناء، فإن قلت: لو قال ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء الكل؟ نقول: كأن الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف وتعديد النعم، فلو قال: بلفظ الرب لم يدل عليه الخطاب، وفي لفظ الرب عادة جارية وهي أنه لا يترك استعماله مع الإضافة. فالعبد يقول: ربنا اغفر لنا، ورب اغفر لي، والله تعالى يقول: {أية : رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ } تفسير : [الدخان: 8] و {أية : رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الفاتحة: 2] وحيث ترك الإضافة ذكره مع صفة أخرى من أوصاف اللفظ، حيث قال تعالى: {أية : بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } تفسير : [سبأ: 15] وقال تعالى: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يۤس: 58] ولفظ الرب يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى التربية، يقال: ربه يربه رباً مثل رباه يربيه، ويحتمل أن يكون وصفاً من الرب الذي هو مصدر بمعنى الراب كالطب للطبيب، والسمع للحاسة، والبخل للبخيل، وأمثال ذلك لكن من باب فعل، وعلى هذا فيكون كأنه فعل من باب فعل يفعل أي فعل الذي للغريزي كما يقال فيما إذا قلنا: فلان أعلم وأحكم، فكان وصفاً له من باب فعل اللازم ليخرج عن التعدي. المسألة السادسة: {ٱلْجَلْـٰلِ } إشارة إلى كل صفة من باب النفي، كقولنا: الله ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولهذا يقال: جل أن يكون محتاجاً، وجل أن يكون عاجزاً، والتحقيق فيه أن الجلال هو بمعنى العظمة غير أن العظمة أصلها في القوة، والجلال في الفعل، فهو عظيم لا يسعه عقل ضعيف فجل أن يسعه كل فرض معقول: {وَٱلإكْرَامِ } إشارة إلى كل صفة هي من باب الإثبات، كقولنا: حي قادر عالم، وأما السميع والبصير فإنهما من باب الإثبات كذلك عند أهل السنة، وعند المعتزلة من باب النفي، وصفات باب النفي قبل صفات باب الإثبات عندنا، لأنا أولاً نجد الدليل وهو العالم فنقول: العالم محتاج إلى شيء وذلك الشيء ليس مثل العالم فليس بمحدث ولا محتاج، ولا ممكن، ثم نثبت له القدرة والعلم وغيرهما، ومن هنا قال تعالى لعباده: {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ } تفسير : [الصافات: 35] وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» تفسير : ونفي الإلهية عن غير الله، نفي صفات غير الله عن الله، فإنك إذا قلت: الجسم ليس بإله لزم منه قولك: الله ليس بجسم و (الجلال والإكرام) وصفان مرتبان على أمرين سابقين، فالجلال مرتب على فناء الغير والإكرام على بقائه تعالى، فيبقى الفرد وقد عز أن يحد أمره بفناء من عداه وما عداه، ويبقى وهو مكرم قادر عالم فيوجد بعد فنائهم من يريد، وقرىء: {ذُو ٱلْجَلْـٰلِ }، و {ذِى ٱلْجَلَـٰلِ }. وسنذكر ما يتعلق به في تفسير آخر السورة إن شاء الله تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ } ذاته {ذُو ٱلْجَلَٰلِ } العظمة {وَٱلإكْرَامِ } للمؤمنين بأنعمه عليهم.
البقاعي
تفسير : ولما كان الوجه أشرف ما في الوجود، وكان يعبر به عما أريد به صاحب الوجه مع أنه لا يتصور بقاء الوجه صاحبه، فكان التعبير به عن حقيقة ذلك الشيء أعظم وأدل على الكمال، وكان من المقرر عند أهل الشرع أنه سبحانه ليس كمثله شيء فلا يتوهم أحد منهم من التعبير به نقصاً قال: {ويبقى} أي بعد فناء الكل، بقاء مستمراً إلى ما لا نهاية له {وجه ربك} أي المربي لك بالرسالة والترقية بهذا الوحي إلى ما لا يحد من المعارف، وكل عمل أريد به وجهه سبحانه وتعالى خالصاً. ولما ذكر مباينته للمخلوقات، وصفه بالإحاطة الكاملة بالنزاهة والحمد، وقال واصفاً الوجه لأن المراد به الذات الذي هو أشرفها معبراً به ولأنها أبلغ من "صاحب" وبما ينبه على التنزيه عما ربما توهمه من ذكر الوجه بليد جامد مع المحسوسات يقيس الغائب - الذي لا يعتريه حاجة ولا يلم بجنابه الأقدس نقص - بالشاهد الذي كله نقص وحاجة {ذو الجلال} أي العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن كل ما لا يليق به {والإكرام *} أي الإحسان العام وهو صفة فعله. ولما كان الموت نفسه فيه نعم لا تنكر، وكان موت ناس نعمة على ناس، مع ما ختم به الآية من وصفه بالإنعام قال: {فبأيّ آلاء ربكما} أي المربي لكما على هذا الوجه الذي مآله إلى العدم إلى أجل مسمى {تكذبان *} أي أيها الثقلان الإنس والجان، أبنعمة السمع من جهة الأمام أو غيرها من إيجاد الخلق ثم إعدامهم وتخليف بعضهم في أثر بعض وإيراث البعض ما في يد البعض - ونحو ذلك من أمور لا يدركها على جهتها إلا الله تعالى. ولما كان أدل دليل على العدم الحاجة، وعلى دوام الوجود الغنى، قال دليلاً على ما قبله: {يسئله} أي على سبيل التجدد والاستمرار {من في السماوات} أي كلهم {والأرض} أي كلهم من ناطق أو صامت بلسان الحال أو القال أو بهما، ولما كان كأنه قيل: فماذا يفعل عند السؤال، وكان أقل الأوقات المحدودة المحسوسة {اليوم} عبر به عن أقل الزمان كما عبر به عن أخف الموزونات بالذرة فقال مجيباً لذلك: {كل يوم} أي وقت من الأوقات من يوم السبت وعلى اليهود لعنة الله وغضبه حيث قالوا في السبت ما هو مناف لقوله سبحانه وتعالى:{أية : ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب}تفسير : [ق: 38]{أية : ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم}تفسير : [البقرة:255] {هو في شأن} أي من إحداث أعيان وتجديد معان أو إعدام ذلك، قال القشيري: في فنون أقسام المخلوقات وما يجريه عليها من اختلفا الصفات - انتهى. وهو شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها تتعلق قدرته على وفق إرادته على ما تعلق به العلم في الأزل أنه يكون أو يعدم في أوقاته، فكل شيء قانت له خاضع لديه ساجد لعظمته شاهد لقدرته دالّ عليه {وإن من شيء إلا يسبح يحمده} وذلك التعبير - مع أنه من أجل النعم - أدل دليل على صفات الكمال له وصفات النقص للمتغيرات وأنها عدم في نفسها ولأنها نعم قال: {فبأيّ آلاء ربكما} أي المربي لكما بهذا التدبير العظيم لكل ما يصلحكما {تكذبان *} أبنعمة السمع من جهة الخلف أو غيرها من تصريفه إياكم فيما خلقكم له هو أعلم به منكم من معايشكم وجميع تقلباتكم، وقد تكررت في هذه الآية المقررة على النعم من أولها إلى هنا ثماني مرات عقب النعم إشارة - والله أعلم - إلى أن نعمة الله سبحانه وتعالى لا تحصى لأنها تزيد على السبعة التي هي العدد التام الواحد هو مبدأ لدور جديد من العدد إشارة إلى أنه كلما انقضى منها دور ابتدأ دور آخر، ووجه آخر وهو أن الأخيرة صرح فيها بـ {من في السماوات والأرض} والسبع التي قبلها يختص بأهل الأرض إشارة إلى أن أمهات النعم سبع كالسماوات والأرض والكواكب السيارة ونحو ذلك. ولما انقضى عد النعم العظام على وجه هو في غاية الإمكان من البيان، وكان تغير سائر الممكنات من النبات والجماد والملائكة والسماوات والأرض وما حوتا مما عدا الثقلين على نظام واحد لا تفاوت فيه، وأما الثقلان فأحوالهما لأجل تنازع العقل والشهوات لا تكاد تنضبط، بل تغير حال الواحد منهم في اللحظة الواحد إلى ألوان كثيرة متضادة لما فيهم من المكر وأحوال المغالبة والبغي والاستئثار باللهو بالأمر والنهي، وكان أكثرهم يموت بناره من غير أخذ ثأره، واقتضت الحكمة ولا بد أنه لا بد لهم من يوم يجتمعون فيه يكون بينهما فيه الفصل على ميزان العدل، خصهما بالذكر فقال آتياً في النهاية بالوعيد لأنه ليس للعصاة بعد الإنعام والبيان إلا التهديد الشديد للرجوع إلى طاعة الملك الديان، والالتفات في قراءة الجماعة بالنون إلى التكلم أشد تهديداً من قراءة حمزة والكسائي بالتحتية على نسق ما مضى: {سنفرغ} أي بوعد قريب لا خلف فيه من جميع الشؤون التي ذكرت {لكم} أي نعمل علم من يفرغ للشيء فلا يكون له شغل سواه بفراغ جنودنا من الملائكة وغيرهم مما أمرناهم به مما سبقت به كلمتنا ومضت به حكمتنا من الآجال والأرزاق وغير ذلك فينتهي كله ولا يكون لهم حينئذ عمل إلا جمعكم ليقضي بينكم: {أيّه الثقلان *} بالنصفة، والثقل هو ما يكون به قوام صاحبه، فكأنهما سميا بذلك تمثيلاً لهما بذلك إشارة إلى أنهما المقصودان بالذات من الخلائق، وقال الرازي في اللوامع: وصفاً بذلك يعظم ذلك شأنهما، كأن ما عداهما لا وزن له بالإضافة إليهما - انتهى. وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم"حديث : إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي"تفسير : وقال جعفر الصادق: سميا بذلك لأنهما مثقلان بالذنوب. ولما كان هذا من أجلّ النعم التي يدور عليها العباد، ويصلح بها البلاد، وتقوم بها السماوات والأرض، لأن مطلق التهديد يحصل به انزجار النفس عما لها من الانتشار فيما يضر ولا ينفع، فكيف بالتهديد بيوم الفصل قال: {فبأيّ آلاء ربكما} أي المحسن إليكما بهذا الصنع المحكم {تكذبان *} أبنعمة السمع عن اليمين أو بغيرها من إثابة أمل طاعته وعقوبة أمل معصيته، وسمى ابن برجان هذا الإخبار الذي لا نون جمع فيه خطاب القبض يخبر فيه عن موجوداته وما هو خالقه، قال: وذلك إخبار منه عن محض الوحدانية، وما قبله من {سنفرغ} ونحوه وما فيه نون الجمع إخبار عن وصف ملكوته وجنوده وهو خطاب البسط. ولما كان التهديد بالفراغ ربما أوهم أنهم الآن معجوز عنهم أو عن بعض أمرهم، بين بخطاب القبض المظهر لمحض الواحدانية أنهم في القبضة، لا فعل لأحد منهم بدليل أنهم لا يصلون إلى جميع مرادهم مما هو في مقدورهم، ولكنه ستر ذلك بالأسباب التي يوجد التقيد بها إسناد الأمور إلى مباشرتها فقال بياناً للمراد بالثقلين: {يا معشر} أي يا جماعة فيهم الأهلية والعشرة والتصادق {الجن} قدمهم لمزيد قوتهم ونفوذهم في المسام وقدرتهم على الخفاء والتشكل في الصور بما ظن أنهم لا يعجزهم شيء {والإنس} أي الخواص والمستأنسين والمؤانسين المبني أمرهم على الإقامة والاجتماع. ولما بان بهذه التسمية المراد بالتثنية، جمع دلالة على كثرتهم فقال: {إن استطعتم} أي إن وجدت لكم طاعة الكون في {أن تنفذوا} أي تسلكوا بأجسامكم وتمضوا من غير مانع يمنعكم {من أقطار} أي نواحي {السماوات والأرض} التي يتخللها القطر لسهولة انفتاحها لشي تريدونه من هرب من الله من إيقاع الجزاء بينكم، أو عصيان عليه في قبول أحكامه وجري مراداته وأقضيته عليكم من الموت وغيره أو غير ذلك {فانفذوا} وهذا يدل على أن كل واحدة منها محيطة بالأخرى لأن النفوذ لا يكون حقيقة إلا مع الخرق. ولما كان نفوذهم في حد ذاته ممكناً ولكنه منعهم من ذلك بأنه لم يخلق في أحد منهم قوته ولا سيما وقد منعهم منه يوم القيامة بأمور منها إحداق أهل السماوات السبع بهم صفاً بعد صف وسرادق النار قد أحاط بالكافرين ولا منفذ لأحد إلا على الصراط ولا يجوزه إلا كل ضامر يخف، أشار إليه بقوله مستأنفاً: {لا تنفذون} أي من شيء من ذلك {إلا بسلطان} إلا بتسليط عظيم منه سبحانه بأمر قاهر وقدرة بالغة وأنى لكم بالقدرة على ذلك، قال البغوي: وفي الخبر: يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون: يا معشر الجن الآية. انتهى، وهذا حكاية ما يكون من ذلك يوم القيامة لا أنه خاص بهم. ولما كان هذا نظرهم فيما بينهم وبين بقية الحيوانات بما أعطاهم من القوى الحسية والمعنوية وما نصب لهم، المصاعد العقلية والمعارض النقلية التي ينفذون بها إلى غاية الكائنات ويتخللون بما يؤديهم إليه علمها إلى أعلى المخلوقات، ثم نظرهم فيما بين الحيوانات وبين النباتات ثم بينها وبين الجمادات دالاًّ دلالة واضحة على أنه سبحانه وتعالى يعطي من يشاء من يشاء، فلو أراد قواهم على النفوذ منها، ولو قواهم على ذلك لكان من أجل النعم، وأنه سبحانه قادر على ما يريد منهم، فلو شاء أهلكهم ولكنه يؤخرهم إلى آجالهم حلماً منه وعفواً منه عنهم، سبب عن ذلك قوله: {فبأيّ آلاء ربكما} أي المحسن إليكما المربي لكما بما تعرفون به قدرته على كل ما يريد {تكذبان *} أبنعمة السمع من جهة اليسار أو غيرها من جعلكم سواء في أنكم لا تقدرون على مخالفة مراده سواء ابتدأ بخلقكم أو اليوم المشهود وقد أشهدكم قبل على أنفسكم وعهد إليكم أو بتكشيط السماوات وقد شاهدتم تكشيط السحاب بعد بسطه أو بالجزاء وقد رأيتم الجزاء العاجل وشاهدتم ما أصاب الأمم الماضية.
السلمي
تفسير : قال الواسطى: الذى أخفى من شاهده للخاصة ولا يظهره للعوام فسئل أفرق بين الدارين؟ قال: نعم أعطاهم فى الدنيا بما أظهر على السرائر وأعطاهم فى الآخرة على الظواهر استتر فى الدنيا بما أظهر من عجائبه واستتر فى الآخرة بما أظهر على أقدارهم وهو الذى لا يطيق الخلق إخفاءه إلاّ على من تولاه بإسبال تغيبه عن شاهده.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويبقى وجه ربك} اى ذاته ومنه كرم الله وجهه اى ذاته فالوجه العضو المعروف استعير للذات لانه اشرف الاعضاء ومجمع المشاعر وموضع السجود ومظهر آثار الخشوع قال القاضى ولو استقريت جهات الموجودات وتفحصت وجوهها وجدتها باسرها فانية فى حد ذاتها الا وجه الله الذى يلى جهته انتهى قال سعدى المفتى فى حاشية هذا المحل هذا اشارة الى وجه آخر وهو أن يكون الوجه بمعنى القصد اى مايقصد وينوى به الله والجهات بمعنى المقاصد وفى العبارة نوع تسامح وقوله يلى جهته اى مقصده والاضافة للبيان اى يتوجه اليه انتهى وقال ابن الشيخ اشارة الى ان الوجه يجوز أن يكون كناية عن الجهة بناء على ان كل جهة لاتخلو عن وجهه يتوجه اليها كما ذكر فى قوله فى جنب الله اى كل من عليها من الثقلين واما اكتسبوه من الاعمال هالك الا ماتوجهوا به جهة الله وعملوه ابتغاء لمرضاته انتهى وقال الشيخ ابن نور الدين رحمه الله الماهيات تنقسم الى ثلاثة اقسام واجب الوجود وممتنع الوجود وممكن الوجود اما الواجب فهو وجود بحت واما الممتنع فهو عدم محض واما الممكن فهو مركب منهما وذلك لان له وجودا وماهية عارضة على وجوده فما هيته امر اعتبارى معدوم فى الخارج لاقبل الوجود فيه من حيث هو هو ووجوده موجود لايقبل العدم من حيث هو هو فكان الممكن موجودا ومخلوقات من وجود وعدم وهذه الجمعية تقبل الوجود والعدم ومن هذا ظهر حقيقة ماقال البيضاوى ولو استقريت الخ وما قاله الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى تفسير قوله تعالى {أية : كل شىء هالك الا وجهه} حيث قال الضمير راجع الى الشىء انتهى {ذو الجلال والاكرام}تفسير : صفة وجه اى ذو الاستغناء المطلق او العظمة فى ذاته وصفاته وذو الفضل التام وهذه من عظائم صفاته تعالى ولقد قال عليه السلام "حديث : ألظوا بيا ذا الجلال ولا كرام"تفسير : ، يعنى ملازم بكوبيد ياذا الجلال والاكرام وفى تاج المصادر الالظاظ ملازم كرفتن ودائم شدن باران، والالحاح ايضا وفى القاموس اللظ اللزوم والالحاح وعنه عليه السلام انه مر برجل وهو يصلى ويقول ياذ الجلال والاكرام فقال "حديث : استجيب لك الدعاء"تفسير : الدعاء بهاتين الكلمتين مرجو الاجابة وفى وصفه تعالى بذلك بعد ذكر فناء الخلق وبقائه تعلى ايذان بأنه تعالى يفيض عليهم بعد فنائهم ايضا آثار لطفه وكرمه حسبما ينبى عنه قوله تعالى {فبأى آلاء ربكما تكذبان} فان احياءهم بالحياة الابدية واثباتهم بالنعيم المقيم اجل النعماء واعظم الآلاء قال الطيبى كيف افرد الضيمر فى قوله {وجه ربك} وثناه فى ربكما والمخاطب واحد قلت اقتضى الاول تعميم الخطاب لكل من يصلح للخطاب لعظم الامر وفخامته فيندرج فيه الثقلان اندراجا اوليا ولا كذلك الثانى فتركه على ظاهره وفى قوله {أية : كل من عليها فان}تفسير : الى فناء كل من على ارض البشرية اما بالموت الطبيعى منغسما فى بحر الشهوات الحيوانية واللذات الجسمانية واما بالموت الارادى منسلخا عن الصفات البشرية ملتبسا بالصفات الروحانية وتغليب من اشارة الى ذوى العقول السليمة عن آفات القوة الوهمية والخيالية فانهم بذكاء فطرتهم وبقاء طينتهم يفنون عن الاحكام الطبيعية ويبقون بالتجليات الالهية وبقوله ويبقى وجه الخ اشارة الى فناء الكثرة النسبية الاسمائية وبقاء الوحدة الحقيقية الذاتية الموصوفة بالصفة الجلالية القهرية والجمالية اللطيفة {فبأى آلاء ربكما تكذبان} مما ذكرنا من افناء الحياة المجازية وابقاء الحياة الحقيقية واظهار الصفة اللطيفة فى حق مستحقى اللطف واظهار الصفة القهرية فى حق مستحقى القهر لعلمه المحيط باستحقاقها وقال بعضهم لو نظرت بنظر التحقيق فى الكون واهله لرأيت حقيقة فنائه وفناء اهله وان كان فى الظاهر على رسم الوجود لان من يكون قيامه بغيره فهو فان فى الحقيقية اذ لا يقوم بنفسه ولا نفس له فى الحقيقية فان الوجود الحقيقى وجود القدم لذلك اثنى على نفسه بقوله {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام} (قال الشيخ المغربى شعر : سايه هستى ميناميد ليك اندر اصل نيست نيست را ازهست بشناختى يابى نجات تفسير : (وقل المولى الجامى) شعر : تو درميانه هيج نه هرجه هست اوست هم خود الست كويد وهم خود بلى كند تفسير : وفى ذكر وجهه الباقى تسلية لقلوب العشاق اى أنا أبقى لكم ابدا لا تغتموا فان لكم ماوجدتم فى الدنيا من كشف جمالى ويتسرمد ذلك لكم بلا حجاب ادبا وفى ذكر الجلال تهييج لاهل المحبة والهيبة وفى كاف الوحدة اشارة الى حبيبه عليه السلام يعنى كشف الوجه باق لك ابدا اريتك وجهى خاصة ثم العشاق اتباع لك فى النظر الى وجهى فاول الكشف لك ثم للعموم، واعلم ان وجود الباقى جميعه وجه وبين التجليات تفاوت وفى الحديث "حديث : ان الله يتجلى لابى بكر خاصة ويتجلى للمؤمنين عامة "
الجنابذي
تفسير : {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} فانّ الوجود لا يقبل الفناء والعدم اصلاً، والاّ لزم اتّصاف الشّيء بضدّه وانّما يقبل الموجودات العدم والفناء بحسب حدودها لا بحسب وجوداتها، ومن ههنا يستنبط انّ الوجودات كلّها ظهور الحقّ الاوّل، وبحسب حقيقتها غير قابلةٍ للفناء، ويستنبط انّ كلّها متقوّم بوجود الحقّ الواجب تعالى شأنه.
اطفيش
تفسير : {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} أي ذاته والمخلوقات كلها فانية في حد ذاته وان وجدت والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللانسان. {ذُو الجَلالِ} العظمة والاستغناء المطلق والتنزيه عن التشبه أو القول ما اجله وقيل لا يجوز ما اجله وما اعظمه ونحوه. {وَالإِكْرَامِ} للمؤمنين بأنعمه أو للخلق جميعا بالنعم دنيا واخرى ولاحظ للكفار في الأخرى أو القول ما أكرمه أو المراد بهما من عنده الجلال والاكرام للمخلصين وذلك من عظام صفات الله قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الظوا بيا ذا الجلال والاكرام "تفسير : أي تمسكوا به ولازموه، حديث : ومر برجل يصلي ويقول ياذا الجلال والاكرام فقال: قد استجيب لك.
الالوسي
تفسير : {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبّكَ } أي ذاته عز وجل، والمراد هو سبحانه وتعالى، فالإضافة بيانية وحقيقة الوجه في الشاهد الجارحة واستعماله في الذات مجاز مرسل كاستعمال الأيدي في الأنفس، وهو مجاز شائع، وقيل: أصله الجهة واستعماله في الذات من باب الكناية وتفسيره بالذات هنا مبني على مذهب الخلف القائلين بالتأويل، وتعيين المراد في مثل ذلك دون مذهب السلف، وقد قررناه لك غير مرة فتذكره وعض عليه بالنواجذ. والظاهر أن الخطاب في ـ ربك ـ للرسول صلى الله عليه وسلم وفيه تشريف عظيم له عليه الصلاة والسلام، وقيل: هو للصالح له لعظم الأمر وفخامته. وفي الآية عند المؤولين كلام كثير منه ما سمعت، ومنه ما قيل: الوجه بمعنى القصد ويراد به المقصود، أي ويبقى ما يقصد به ربك عز وجل من الأعمال، وحمل كلام من فسره بالعمل الصالح على ذلك وفيه ما فيه، وأقرب منه ما قيل: وجهه تعالى الجهة التي أمرنا عز وجل بالتوجه إليها والتقرب بها إليه سبحانه، ومرجع ذلك العمل الصالح أيضاً والله جل شأنه يبقيه للعبد إلى أن يجازيه عليه ولذا وصف بالبقاء؛ أو لأنه بالقبول صار غير قابل للفناء لما أن الجزاء عليه قام مقامه وهو باق، ولا يخفى أن كلا القولين غير مناسب للتعليم في { أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا } تفسير : [الرحمن: 26] وقيل: وجهه سبحانه الجهة التي يليها الحق أي يتولاها بفضله ويفيضها على الشيء من عنده أي إن ذلك باق دون الشيء في حدّ ذاته فإنه فان في كل وقت، وقيل: المراد بوجهه سبحانه وجهه الممكن وهي جهة حيثية ارتباطه وانتسابه إليه تعالى، والإضافة لأدنى ملابسة فالممكن في حدّ ذاته أي إذا اعتبر مستقلاً غير مرتبط بعلته أعني الوجود الحق كان معدوماً لأن ظهوره إنما نشأ من العلة ولولاها لم يك شيئاً مذكوراً، وقول العلامة البيضاوي: - لو استقريت جهات الموجودات وتفحصت وجوهها وجدتها بأسرها فانية في حد ذاتها إلا وجه الله تعالى أي الوجه الذي يلي جهته سبحانه - محمول على ذلك عند بعض المحققين وإن كان قد فسر الوجه قبل بالذات، وللعلماء في تقرير كلامه اختلاف، فمنهم من يجعل قوله: لو استقريت الخ تتمة لتفسيره الأول، / ومنهم من يجعله وجهاً آخر، وهو على الأول أخذ بالحاصل، وعلى الثاني قيل: يحتمل التطبيق على كل من مذاهب في الممكنات الموجودة، وذلك أنها إما موجودة حقيقة بمعنى أنها متصفة بالوجود اتصافاً حقيقياً بأن يكون الوجود زائداً عليها قائماً بها، وهو مذهب جمهور الحكماء والمتكلمين، وإما موجودة مجازاً وليس لها اتصاف حقيقي بالوجود بأن يكون الوجود قائماً بها بل إطلاق الموجود عليها كإطلاق الشمس على الماء، وإليه ذهب المتألهون من الحكماء والمحققون من الصوفية إلا أن ذوق المتألهين أن علاقة المجاز أن لها نسبة مخصوصة إلى حضرة الوجود الواجبـي على وجوه مختلفة وأنحاء شتى، والطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق، فالوجود عندهم جزئي حقيقي قائم بذاته لا يتصور عروضه لشيء ولا قيامه به ومعنى كون الممكن موجوداً أنه مظهر له ومجلى ينجلي فيه نوره فالله نور السمٰوات والأرض والممكنات بمنزلة المرايا المختلفة التي تنعكس إليها أشعة الشمس وينصبغ كل منها بصبغ يناسبه، ومذاق المحققين من الصوفية أن علاقة المجاز أنها بمنزلة صفات قائمة بذات الواجب سبحانه إذ ليس في الوجود على مذاقهم ذوات متعددة بعضها واجب وبعضها ممكن بل ذات واحدة لها صفات متكثرة وشؤونات متعددة وتجليات متجددة { أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ } تفسير : [الأنعام: 91] والمشهور أنه لا فرق بين المذاقين. ووجه التطبيق على الأول أن يقال: المراد من الوجه الذي يلي جهته تعالى هو الوجوب بالغير إذ الممكن وإن كان موجوداً حقيقة عند الجمهور لكن وجوده مستفاد من الواجب بالذات، وجهة الاستفادة ليست هي الذات ولا شيئاً آخر من الجهات والوجوه كالإمكان والمعلولية والجوهرية والعرضية والبساطة والتركيب وسائر الأمور العامة لأن كلاً منها جهته الخسة، ومقتضى الفطرة الإمكانية البعيدة بمراحل عن الوجوب الذاتي المنافية له، وإنما جهة الشرف القريبة المناسبة للوجوب الذاتي جهة الوجوب بالغير فهو وجه يلي جهة الواجب ويناسبه في كونه وجوباً وإن كان بالغير، ولذا يعقبه فيضان الوجود، ولذا تسمعهم يقولون: الممكن ما لم يجب لم يوجد. ووجه التطبيق على الثاني أن يقال: الوجه الذي يلي جهته تعالى هو تلك النسبة المخصوصة المصححة لإطلاق لفظ الموجود عليها ولو مجازاً، فالمعنى: كل من عليها فان معدوم لا يصح أن يطلق لفظ الموجود عليه ولو مجازاً إلا باعتبار الوجه الذي يلي جهته تعالى أي النسبة المخصوصة إلى حضرته تعالى وهي كونه مظهراً له سبحانه. ووجه التطبيق على الثالث أن يقال: الوجه الذي يلي جهته تعالى كونها شؤونات واعتبارات له تعالى. فالمعنى كل من عليها معدوم من جميع الوجوه والاعتبارات إلا من الوجه الذي يلي جهته سبحانه والاعتبار الذي يحصل مقيساً إليه عز وجل، وهو كونه شأناً من شؤونه واعتباراً من اعتباراته جل شأنه فتأمل مستعيناً بالله عز وجل. {ذُو ٱلْجَلـٰلِ وَٱلإكْرَامِ } أي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه ويثبتون له ما يليق بشأنه - تعالى شأنه - فهذا راجع إلى ما له سبحانه من التعظيم في قلوب من عرفه عز وجل أو الذي يقال في شأنه: ما أجلك وما أكرمك أي هو سبحانه من يستحق أن يقال في شأنه ذلك قيل أو لم يقل فهو راجع إلى ما له تعالى من الكمال في نفسه باعتبار قصور الإدراك عن شأوه، أو من عنده الجلال والإكرام للموحدين فهو راجع إلى الفعل أي يجل الموحدين ويكرمهم، وفسر بعض المحققين {ٱلْجَلـٰلِ } بالاستغناء المطلق {وَٱلإكْرَامِ } بالفضل التام وهذا ظاهر، ووجه الأول بأن الجلال العظمة وهي تقتضي ترفعه تعالى عن الموجودات ويستلزم أنه سبحانه غني عنها، ثم ألحق بالحقيقة، ولذا قال الجوهري: عظمة الشيء الاستغناء عن غيره وكل محتاج حقير، وقال الكرماني: / إنه تعالى له صفات عدمية مثل { أية : لاَ شَرِيكَ لَهُ } تفسير : [الأنعام: 163] وتسمى صفات الجلال لما أنها تؤدي بجَلّ عن كذا جل عن كذا وصفات وجودية كالحياة والعلم وتسمى صفات الإكرام، وفيه تأمل. والظاهر أن {ذُو } صفة للوجه، ويتضمن الوصف بما ذكر على ما ذكره البعض الإشارة إلى أن فناء من عليها لا يخل بشأنه عز وجل لأنه الغني المطلق، والإشارة إلى أنه تعالى بعد فنائهم يفيض على الثقلين من آثار كرمه ما يفيض وذلك يوم القيامة، ووصف الوجه بما وصف يبعد كونه عبارة عن العمل الصالح أو الجهة على ما سمعت آنفاً وكأن من يقول بذلك يقول: {ذُو } خبر مبتدأ محذوف هو ضمير راجع إلى الرب وهو في الأصل صفة له، ثم قطعت عن التبعية، ويؤيده قراءة أبـيّ وعبد الله ـ ذي الجلال ـ بالياء على أنه صفة تابعة للرب، وذكر الراغب أن هذا الوصف قد خص به عز وجل ولم يستعمل في غيره، فهو من أجلّ أوصافه سبحانه، ويشهد له ما رواه الترمذي عن أنس والإمام أحمد عن ربيعة بن عامر مرفوعاً « حديث : ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام » تفسير : أي الزموه واثبتوا عليه وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم، وروى الترمذي وأبو داود والنسائي عن أنس « حديث : أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يصلي ثم دعا فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السمٰوات والأرض ذو الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، فقال صلى الله عليه وسلم: لأصحابه أتدرون بما دعا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى ».
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْجَلاَلِ} (27) - وَلاَ يَبْقَى حَيّاً إلا وَجْهُ اللهِ العَليِّ العَظيمِ الكَرِيمِ، فَإِنَّهُ باقٍ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، فَهُوَ أهْلٌ لأنْ يُجَلَّ فلاَ يُعصَى، وَأنَ يُطَاعَ فَلاَ يُخالفَ. (وَجَاءَ في الدُّعاء المَأثُورِ: حديث : يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا بَديعَ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ، يَاذَا الجَلاَلِ والإِكْرامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أنْتَ بِرَحْمَتِكَ نَسْتَغيثُ، أصْلِحْ لَنا شَأنَنَا كُلَّهُ، وَلاَ تَكِلْنا لأنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا إلى أحَدٍ مِنْ خَلْقِكَتفسير : ). ذُو الجَلالِ - ذُو العَظَمَةِ وَالاسْتِغْنَاءِ المُطْلَقِ. الإِكْرَامِ - الفَضْلِ التَّامِّ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):