Verse. 5003 (AR)

٥٦ - ٱلْوَاقِعَة

56 - Al-Waqi'a (AR)

جَزَاۗءًۢ بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۲۴
Jazaan bima kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«جزاءً» مفعول له أو مصدر والعامل المقدر أي جعلنا لهم ما ذكر للجزاء أو جزيناهم «بما كانوا يعملون».

24

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي نصبه وجهان أحدهما: أنه مفعول له وهو ظاهر تقديره فعل بهم هذا ليقع جزاء وليجزون بأعمالهم، وعلى هذا فيه لطيفة: وهي أن نقول: المعنى أن هذا كله جزاء عملكم وأما الزيادة فلا يدركها أحد منكم وثانيهما: أنه مصدر لأن الدليل على أن كل ما يفعله الله فهو جزاء فكأنه قال: تجزون جزاء، وقوله: {بِمَا كَانُوا } قد ذكرنا فائدته في سورة الطور وهي أنه تعالى قال في حق المؤمنين: {أية : جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الواقعة: 24] وفي حق الكافرين: {أية : إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [التحريم: 7] إشارة إلى أن العذاب عين جزاء ما فعلوا فلا زيادة عليهم، والثواب: {أية : جَزَاء مّمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } تفسير : [السجدة: 17] فلا يعطيهم الله عين عملهم، بل يعطيهم بسبب عملهم ما يعطيهم، والكافر يعطيه عين ما فعل، فيكون فيه معنى قوله تعالى: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يَجْزِي إِلاَّ مِثْلَهَا } تفسير : [الأنعام: 160] وفيه مسائل: المسألة الأولى: أصولية ذكرها الإمام فخر الدين رحمه الله في مواضع كثيرة، ونحن نذكر بعضها فالأولى: قالت المعتزلة: هذا يدل على أن يقال: الثواب على الله واجب، لأن الجزاء لا يجوز المطالبة به، وقد أجاب عنه الإمام فخر الدين رحمه الله بأجوبة كثيرة، وأظن به أنه لم يذكر ما أقوله فيه وهو ما ذكروه. ولو صح لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة، وذلك لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح وعلم بالعقل أن القبيح من الله لا يوجد علم أن الله يعطي هذه الأشياء لأنها أجزية، وإيصال الجزاء واجب، وأما إذا قلنا: بمذهبنا تكون الآيات مفيدة مبشرة، لأن البشارة لا تكون إلا بالخير عن أمر غير معلوم، لا يقال: الجزاء كان واجباً على الله وأما الخبر بهذه الأشياء فلا يذكرها مبشراً، لأنا نقول: إذا وجب نفس الجزاء فما أعطانا الله تعالى من النعم في الدنيا جزاء فثواب الآخرة لا يكون إلا تفضلاً منه، غاية ما في الباب أنه تعالى كمل النعمة بقوله: هذا جزاؤكم، أي جعلته لكم جزاء، ولم يكن متعيناً ولا واجباً، كما أن الكريم إذا أعطى من جاء بشيء يسير شيئاً كثيراً، فيظن أنه يودعه إيداعاً أو يأمره بحمله إلى موضع، فيقول له: هذا لك فيفرح، ثم إنه يقول: هذا إنعام عظيم يوجب على خدمة كثيرة، فيقول له هذا جزاء ما أتيت به، ولا أطلب منك على هذا خدمة، فإن أتيت بخدمة فلها ثواب جديد، فيكون هذا غاية الفضل، وعند هذا نقول: هذا كله إذا كان الآتي غير العبد، وأما إذا فعل العبد ما أوجب عليه سيده لا يستحق عليه أجراً، ولا سيما إذا أتى بما أمر به على نوع اختلال، فما ظنك بحالنا مع الله عز وجل، مع أن السيد لا يملك من عبده إلا البنية، والله تعالى يملك منا أنفسنا وأجسامنا، ثم إنك إذا تفكرت في مذهب أهل السنة تجدهم قد حققوا معنى العبودية غاية التحقيق، واعترفوا أنهم عبيد لا يملكون شيئاً ولا يجب للعبد على السيد دين، والمعتزلة لم يحققوا العبودية، وجعلوا بينهم وبين الله معاملة توجب مطالبة، ونرجوا أن يحقق الله تعالى معنا المالكية غاية التحقيق، ويدفع حاجاتنا الأصلية ويطهر أعمالنا، كما أن السيد يدفع حاجة عبده بإطعامه وكسوته، ويطهر صومه بزكاة فطره، وإذا جنى جناية لم يمكن المجنى عليه منه، بل يختار فداءه ويخلص رقبته من الجناية، كذلك يدفع الله حاجاتنا في الآخرة، وأهم الحاجات أن يرحمنا ويعفو عنا، ويتغمدنا بالمغفرة والرضوان، حيث منع غيره عن تملك رقابنا باختيار الفداء عنا، وأرجو أن لا يفعل مع إخواننا المعتزلة ما يفعله المتعاملان في المحاسبة بالنقير والقطمير، والمطالبة بما يفضل لأحدهما من القليل والكثير. المسألة الثانية: قالوا: لو كان في الآخرة رؤية لكانت جزاء، وقد حصر الله الجزاء فيما ذكر والجواب عنه: أن نقول: لم قلتم: إنها لو كانت تكون جزاء، بل تكون فضلاً منه فوق الجزاء، وهب أنها تكون جزاء، ولكن لم قلتم: إن ذكر الجزاء حصر وإنه ليس كذلك، لأن من قال لغيره: أعطيتك كذا جزاء على عمل لا ينافي قوله: وأعطيتك شيئاً آخر فوقه أيضاً جزاء عليه، وهب أنه حصر، لكن لم قلتم: إن القربة لا تدل على الرؤية، فإن قيل: قال في حق الملائكة: {أية : وَلاَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } تفسير : [النساء: 172]، ولم يلزم من قربهم الرؤية، نقول: أجبنا أن قربهم مثل قرب من يكون عند الملك لقضاء الأشغال، فيكون عليه التكليف والوقوف بين يديه بالباب تخرج أوامره عليه، كما قال تعالى: {أية : وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [التحريم: 6] وقرب المؤمن قرب المنعم من الملك، وهو الذي لا يكون إلا للمكالمة والمجالسة في الدنيا، لكن المقرب المكلف ليس كلما يروح إلى باب الملك يدخل عليه وأما المنعم لا يذهب إليه إلا ويدخل عليه فظهر الفرق. والذي يدل على أن قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ } تفسير : [الواقعة: 11] فيه إشارة إلى الرؤية هو أن الله تعالى في سورة المطففين ذكر الأبرار والفجار، ثم إنه تعالى قال في حق الفجار: {أية : إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } تفسير : [المطففين: 15] وقال في الأبرار: {أية : يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ } تفسير : [المطففين: 28] ولم يذكر في مقابلة المحجوبون ما يدل على مخالفة حال الأبرار حال الفجار في الحجاب والقرب، لأن قوله: {أية : لَفِي عِلّيّينَ } تفسير : [المطففين: 18] وإن كان دليلاً على القرب وعلو المنزلة لكنه في مقابلة قوله: {أية : لَفِي سِجّينٍ } تفسير : [المطففين: 7] فقوله تعالى في حقهم: {يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ } مع قوله تعالى: {أية : وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } تفسير : [الإنسان: 21] يدل على أن المراد منه القرب الذي يكون لجلساء الملك عند الملك، وقوله في حق الملائكة في تلك السورة: {أية : يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } تفسير : [المطففين: 21] يدل على أن المراد منه القرب الذي يكون للكتاب والحساب عند الملك لما أنه في الدنيا يحسد أحدهما الآخر، فإن الكاتب إن كان قربه من الملك بسبب الخدمة لا يختار قرب الكتاب والحساب، بل قرب النديم، ثم إنه بين ذلك النوع من القرب وبين القرب الذي بسبب الكتابة ما يحمله على أن يختار غيره، وفي سورة المطففين قوله: {لَّمَحْجُوبُونَ } يدل على أن المقربين غير محجوبين عن النظر إلى الله تعالى، وينبغي أن لا ينظر إلى الله قولنا: جلساء الملك في ظاهر النظر الذي يقتضي في نظر القوم الجهة وإلى القرب الذي يفهم العامي منه المكان إلا بنظر العلماء الأخبار الحكماء الأخبار. المسألة الثالثة: قالوا قوله تعالى: {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يدل على أن العمل عملهم وحاصل بفعلهم، نقول: لا نزاع في أن العلم في الحقيقة اللغوية وضع للفعل والمجنون للذي لا عقل له والعاقل للذي بلغ الكمال فيه، وذلك ليس إلا بوضع اللغة لما يدرك بالحس، وكل أحد يرى الحركة من الجسمين فيقول: تحرك وسكن على سبيل الحقيقة، كما يقول: تدور الرحا ويصعد الحجر، وإنما الكلام في القدرة التي بها الفعل في المحل المرئي، وذلك خارج عن وضع اللغة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {جَزآءً } مفعول له أو مصدر، والعامل مقدّر: أي جعلنا لهم ما ذكر للجزاء، أو جزيناهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.

الخازن

تفسير : {جزاء بما كانوا يعملون} أي فعلنا ذلك بهم جزاء بما كانوا يعملون في الدنيا بطاعتنا {لا يسمعون فيها} أي في الجنة، {لغواً} قيل اللغو ما يرغب عنه من الكلام ويستحق أن يلغى وقيل هو القبيح من القول والمعنى ليس فيها لغو فيسمع {ولا تأثيماً} قيل معناه أن بعضهم لا يقول لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم كما يتكلم به أهل الدنيا وقيل معناه لا يأتون تأثيماً أي ما هو سبب التأثيم من قول أو فعل قبيح {إلا قيلاً} معناه لكن يقولون قيلاً أو يسمعون قيلاً {سلاماً سلاماً} يعني يسلم بعضهم على بعض وقيل تسلم الملائكة عليهم أو يرسل الرب بالسلام إليهم وقيل معناه أن قولهم يسلم في اللغو. ثم ذكر أصحاب اليمين وعجب من شأنهم فقال تعالى: {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين} لما بين حال السابقين شرع في بيان حال أصحاب اليمين فقال تعالى: {في سدر مخضود} أي لا شوك فيه كأنه خضد شوكه أي قطع ونزع منه وهذا قول ابن عباس وقيل هو الموقر حملاً قيل ثمرها أعظم من القلال وهو النبق قيل لما نظر المسلمون إلى وج وهو واد مخصب بالطائف فأعجبهم سدره فقالوا ليت لنا مثل هذا فأنزل الله هذه الآية {وطلح} قيل هو الموز عند أكثر المفسرين وقيل هو شجر له ظل بارد طيب وقيل هو شجر أم غيلان له شوك ونور طيب الرائحة فخوطبوا ووعدوا بمثل ما يحبون ويعرفون إلا أن فضله على شجر الدنيا كفضل الجنة على الدنيا {منضود} أي متراكم قد نضد بالحمل من أوله إلى آخره ليست له سوق بارزة بل من عروقه إلى أغصانه ثمر وليس شيء من ثمر الجنة في غلاف كثمر الدنيا مثل الباقلاء والجوز ونحوهما بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه، {وظل ممدود} أي دائم لا تنسخه كظل أهل الدنيا وذلك لأن الجنة ظل كلها لا شمس فيها. (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة واقرؤوا إن شئتم وظل ممدود" تفسير : وعن ابن عباس في قوله وظل ممدود قال شجرة في الجنة على ساق يخرج إليها أهل الجنة فيتحدثون في أصلها فيشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عز وجل ريحاً من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا {وماء مسكوب} أي مصبوب يجري دائماً في غير أخدود ولا ينقطع.

البقاعي

تفسير : ولما أبلغ في وصف جزائهم بالحسن والصفاء، دل على أن أعمالهم كانت كذلك لأن الجزاء من جنس العمل فقال تعالى: {جزاء} أي فعل لهم ذلك لأجل الجزاء {بما كانوا} جبلة وطبعاً {يعملون *} أي يجددون عمله على جهة الاستمرار. ولما أثبت لها الكمال وجعله لهم، نفى عنها النقص فقال: {لا يسمعون} أي على حال من الأحوال {فيها لغواً} أي شيئاً مما لا ينفع فإن أنكاً... بالسميع الحكيم ذلك، واللغو: الساقط {ولا تأثيماً *} أي ما يحصل به الإثم أو النسبة إلى الإثم، بل حركاتهم وسكناتهم كلها رضى الله، وما قطع قلوب السائرين إلى الله إلا هاتان الخصلتان بينا أحدهم يبني ما ينفعه مجتهداً في البناء إذ هو غلبه طبعه فهدم أكثر ما بنى، وبينا هو يظن أنه قد قرب إذا هو تحقق بمثل ذلك أنه قد بعد، نزحت داره وشط مزاره، فاللّه المستعان. ولما كان الاستثناء، معيار العموم، ساق بصورة الاستثناء قوله: {إلا قيلاً} أي هو في غاية اللطافة والرقة بما دل عليه المبني على ما قبلها محاسن مع ما تدل عليه مادة قوله. ولما تشوف السامع إليه بالعبير بما ذكر، بينه بقوله: {سلاماً} ودل على دوامه بتكريره فقال: {سلاماً *} أي لا يخطر في النفس ولا يظهر في الحس منهم قول إلا دالاًّ على السلامة لأنه لا عطب فيها أصلاً، وساقه مساق الاستثناء المتصل دلالة على أنه إن كان فيها لغو فهو ذلك حسب، وهو ما يؤمنهم وينعمهم ويبشرهم مع أنه دال على حسن العشرة وجميل الصحبة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة. ولما أتم سبحانه القسم الأول القلبي السوائي المولي من الثلاثة بقسميه، وذكر في جزائه مما لأصحاب المدن ما لا يمكنهم الوصول إليه، عطف عليه الثاني الذي هو دونه لذلك وهم والله أعلم الأبرار وهم أيضاً صنفان، وذكر في جزائهم من جنس ما لأهل البوادي أنهى ما يتصورونه ويتمنونه فقال: {وأصحاب اليمين *} ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم، والإشارة إلى أنهم أهل لأن يسأل عن حالهم فإنهم في غاية الإعجاب فقال: {ما أصحاب اليمين} ولما عبر عنهم بما أفهم أنهم أولو القوة والجد في الأعمال، والبركة في جمع الأحوال، ذكر عشيهم بادئاً بالفاكهة لأن عيش الجنة كله تفكه، ذاكراً منها ما ينبت في بلاد العرب من غير كلفة بغرس ولا خدمة، وأشار إلى كثرة ما يذكره بأن جعله ظرفهم، فقال من غير ذكر لسرير الملك الذي حبا به المقربين من الملك، ولم يزد على ذلك المأكول وما معه بما يتصور للبهائم: {في سدر} أي شجر نبق متدلي الأغصان من شدة حمله، من سدر الشعر - إذا سدله {مخضود *} أي هو مع أنه لا شوك له ولا عجم بحيث تنثني أغصانه من شدة الحمل، من خضد الشوك: قطعه، والغصن: ثناه وهو رطب، وفي ذكر هذا تنبيه على أن كل ما لا نفع فيه أو فيه نوع أذى له في الجنة وجود كريم لأن الجنة إنما خلقت للنعيم. ولما ذكر ما يطلع في الجبال والأماكن المعطشة والرمال، أتبعه ما لا يطلع إلا على المياه دلالة على أن أماكنهم في غاية السهولة والري فقال: {وطلح} أي شجر موز أو نخل، وقال الحسن: شجر له ظل بارد طيب الرائحة وقال الفراء وأبو عبيدة: شجر عظام لها شوك، وقيل: هو أم غيلان، وله نور كثير، ويحكى عن أبي تراب النخشبي أنه كان سائراً مع قوم من الصوفية على قدم التوكل، فجاعوا أياماً فقال: أتريدون أن تأكلوا، قالوا: نعم، فضرب بيده على شجرة غيلان فإذا عليها عراجين موز، فأكلوا إلا شاباً منهم، فقال: لا آكل ولا أصحبك بعدها، لأني كنت أسير بلا معلوم، وقد صرت أنت الآن معلومي، كلما جعت التفتت نفسي إليك. {منضود *} أي منظوم بالحمل من أعلاه إلى أسفله متراكم يتراكب بعضه على بعض على ترتيب هو في غاية الإعجاب، قال في القاموس: الطلح: شجر عظيم، والطلع: والموز، والطلع من النخل: شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود، والطرف محدد، أو ما يبدو من ثمرته أول ظهورها. ولما ذكر ما لا يكون إلا في البلاد الحارة قال: {وظل ممدود *} أي مستوعب للزمان والمكان فهو دائم الاستمداد كما بين الإسفار وطلوع الشمس لا فناء له ولا نهاية. ولما كان ما ذكر من الري لا يستلزم الجري قال: {وماء مسكوب *} أي جار في منازلهم من غير أخدود ولا يحتاجون فيه إلى جلب من الأماكن البعيدة، ولا الإدلاء في بئر كما لأهل البوادي. ولما ذكر ما تقدم، عم بقوله: {وفاكهة كثيرة *} أي أجناسها وأنواعها وأشخاصها. ولما كانت لا تكون عندنا إلا في أوقات يسيرة، بين أن أمر الجنة على غير ذلك فقال: {لا مقطوعة} ولما كانت في الدنيا قد يعز التوصل إليها مع وجودها لشيء من الأشياء أقله صعود الشجرة أو التحجز بجدار أو غيره قال: {ولا ممنوعة *} ولما كان التفكه لا يكمل الالتذاذ به إلا مع الراحة قال: {وفرش مرفوعة *} أي هي رفيعة القدر وعالية بالفعل لكثرة الحشو ولتراكم بعضها على بعض ولأنها على السرر، وروى البغوي من طريق النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام "

السلمي

تفسير : قال الحسين: رد الشيخ إلى الشيخ والمخلوق إلى المخلوق لما كانت أفعالهم مخلوقة وأذكارهم مخلوقة معلولة جعل جزاءها فاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين وما يشبهها ولما كان فضله وإحسانه إلى عباده بالدين وهو غير مخلوق جعل ثوابه وجزاءه مما يليق به فقال: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}تفسير : [الرحمن: 60].

البقلي

تفسير : وقع جزاء المحدث المحدث وما ليس بمحدث لا يقابله اعمال الثقلين وهو مشاهدة الله قال الحسين رد الشيخ الى الشيخ والمخلوق الى المخلوق لما كانت افعالهم مخلوقة واذكارهم مخلوقة معلولة جعل جزاها.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : كلّ ذلك يؤتى لهم جزاء بأعمالهم، فإنّ جزاء علومهم وتعقّلاتهم ليس الجنّة وما فيها، بل مشاهدة ذات الحقّ الأوّل وصفاته وأسمائه، وذوات العقول المقدسين، والملائكة المقرّبين وصافتهم وآثارهم. وتحقيق ذلك: انّ اللذات تابعة للإدراكات، والإنسان جامع لجملة من القوى والغرائز، ولكل قوّة وغريزة لذّة، ولذّتها في نيلها لمقتضى طبعها الذي خُلقت له، وألمها في فقدان ذلك عنها، ولذّة الغضب في التشفّي والإنتقام، ولذّة الشهوة في النكاح والطعام، ولذّة البصر في درك الأضواء والأنوار، ولذّة السمع في الأصوات المناسبة والألحان، ولذّة الوهم في الرجاء. وألَم كلّ منها في فقد ما يناسبه. فكذلك في قلب الإنسان قوّة تسمّى بالنور الإلهيّ لقوله: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر:22]. وقد تسمّى بالروح الإلهي لقوله: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر:29]. وهو غير الروح الحيوانيّ لكونه من عالَم الخلق، وهو من عالَم الأمر لقوله: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} تفسير : [الإسراء:85]. وقد تسمّى بالعقل النظري، وبالبصيرة الباطنة، وهو ممتاز عن ساير القوى والمشاعر، في أنّ مدركاته هي المعاني التي ليست متخيّلة ولا محسوسة، ولذّاته ونعمه في نيلها، وشقاوته وجحيمه في الجهل بها والجحود لها. فهذه القوى قد خلقت وابدعت لكي تدرك حقايق الأمور كلّها، فمقتضى طبعها معرفة صور الأشياء العقليّة، من إدراك الحقّ الإله وملائكته، وإدراك خلْق العالَم، وافتقاره إلى خالِق مدبِّر حكيم موصوف بالصفِات الإلهيّة، وبها تحصل لذّته وسعادته، كما أنّ بمقتضى طبع ساير القوى تحصل لذّتها. ولا يخفى على ذوي البصائر، انّ في المعرفة والحكمة لذّة تفوق ساير اللذّات، ومن لم يدرك انّ في الحكمة لذّة وفي تركها ألماً فذلك لأنّه لم يخلق بعد هذه الغريزة النورانيّة والبصيرة الباطنة في قلبه، فقد عُلم أنّ سعادة الجوهر العقلي من الإنسان في إدراك الحقايق العقليّة، وفيها نعيمه، فنعيمه لا يوجد في السماء ولا في الأرض، ولا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا في الجنّة ولا في النار. وبوجه يوجد في الجميع، إذ لكلّ واحدة منها حقيقة عقليّة، وصورة مفارقة يشاهدها العارف ويستلذّ بها في مرائي محسوساتها، ومظاهر قابليّاتها محتجبةً عن الأبصار، مختفية عن أنظار الأغيار، إلاّ أنّها لا تنكشف له حقّ الإنكشاف، ولا تتجلّى له كلّ التجلّي إلاّ بعد الإنقطاع التامّ عن الدنيا، والإنتزاع عن المادّة البدنيّة، فتتجلّى له حينئذ تجلّياً، ليكون انشكاف تجلّيها بالقياس إلى ما علمه كانكاشف تجلّي المرايا بلا حجاب بالقياس إلى أشباحها الخياليّة، بل المعرفة الحاصلة في قلبه هي بعينها تستكمل في حقّه، وتنقلب مشاهدة صريحة، كما أنّ نفسه المدبّرة لبدنه تنقلب في الاستكمال عقلاً مفارقاً، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلاّ من حيث زيادة الكشف وتمام الوضوح كما في قوله: {أية : نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} تفسير : [التحريم:8]. ثمّ لا يخفى، انّ لذّة كل علم وإدراك عقليّ، ليست في درجة واحدة، لظهور أنّ لذّة العلم بالحراثة والخياطة ليست كلذّة العلم باله وصفاته وملائكته وملكوت السموات، لأنّ زيادة اللّذة في العلم بقدر زيادة شرف وجود المعلوم، وزيادة شرف الوجود بقدر كماله وشدّته وبراءته عن النقص والإمكان، والزوال والتغيّر، فأجَلّ اللذّات وأعلى السعادات هو معرفة الله تعالى، والنظر إلى وجهه الكريم، وإلى أسرار الأمور الإلهيّة، وكيفيّة تدبيره لعالمَي المُلك والملكوت، وغاية العبارة عنه أن يقال: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} تفسير : [السجدة:17] وانّه أعدَّ لهم مَا لا عين رأتْ ولا أذُن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فإذاً، جزاء المعرفة والحكمة هو جميع أقطار ملكوت السموات والأرض وجميع صورَها العقليّة ميدان العارف، يتبوّء منها حيث يشاء من غير حاجة إلى أن يتحرّك إليها بشخصه، فهو من ملاحظة جمال الملكوت في جنّة عرضها السموات والأرض، وكلّ عارف فله مثلها، من غير أن يضيق على غيره، إلاّ أنّهم يتفاوتون في سعة متنزّهاتهم وكمال سعادتهم بقدر كثرة علومهم، وقوّة نظرهم، ورسوخ معرفتهم، وَهُم دَرجات عِند الله. وقد وقعت الإشارة فيما مرّ إلى أنّ أجناس العوالِم والنشآت منحصرة في ثلاثة - كما انّ مشاعر الإنسان ومداركه ثلاث درجات -، وكلّ عالَم ونشأة له مشعَر خاصّ من الإنسان، وهو أيضاً بحسب كمال كلّ درجة من درجاته الثلاث يقع في عالَم من العوالِم الثلاثة، ويكون من الصور الموجودة في ذلك العالَم. فعالَم الدنيا ونشأة المحسوسات تختصّ بإدراك صورها الحسّيّة الحواسُّ الظاهرة، والإنسان يقع فيها ويدرك الصور الماديّة ويستلذّ بها من حيث اشتماله على الجوهر الحاسّ، وبذلك يشارك الحيوانات اللحميّة. وأمّا عالَم الصور الأخرويّة - وهو النشأة الغيبيّة -، فتختصّ بإدراكها الحواس الباطنة، والإنسان يقع فيها ويدرك صورها المجرّدة عن المادة دون المقدار والشكل، ويستلذّ بها لاشتماله على جوهر العقل العملي والتخيّل بالفعل، وبذلك يشارك الجن وضَرْباً من الملائكة النفسانيّة. وأمّا عالَم الصور المفارقة الإلهيّة، والمُثل النوريّة، والنشأة القدسيّة، فتختصّ بإداركها القوّة الروحانيّة والبصيرة العقليّة، والإنسان يقع فيها ويدرك صورها ببصيرته العقليّة وقوّته القدسيّة، وهذه القوة مفقودة في أكثر الناس - بل لا توجد إلا نادراً -، وعالَم الدنيا منبع الظلمات ومعدن الآفات، كما أنّ العالَم الثالث محض الأنوار والخيرات المفارقة عن الشرّ بالكليّة. وأمّا العالم الأوسط فينقسم إلى صور نوريّة وظلمانيّة، ولكلّ منها طبقات هي طبقات الجنّة والنار، فأهل الدنيا أشقياء محض، وأهل الله سُعداء محض، وأهل الآخرة ينقسمون إلى السعداء - وهم أصحاب اليمين وأهل الجنّة -، وإلى الأشقياء - وهم أصحاب الشمال وأهل النار -، فمن عمل للدنيا كان أجره وجزاؤه المال والجاه، وعاقبته الحسرة والندامة والحرقة بالنار، ومن عمل للآخرة كان أجره وجزاؤه الجنّة والحور والقصور، ومن نظر في معرفة الله وعلم مبدأه ومعاده وتصوَّر حقايق الأشياء كما هي، وصدّق بوجودها، كان أجره وجزاؤه الإتّصال بالملأ الأعلى، ومجاورة الحقّ الأوّل ومطالعة ملكوته، ودوام النظر إلى وجهه الكريم، وذلك هو الفوز العظيم والفضل الجسيم، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم، ولذلك جعل الله المذكورات من السُرُر والولدان والكأس من مَعين، والفاكهة ولحم الطير والحور العين جزاء للأعمال، لا جزاء العلوم والمعارف، إذ لا غاية لها إلاّ أنفسها. قال بعض العرفاء: إنّ لله عباداً ليس يشغلهم عن الله خوف النار ورجاء الجنّة. وهكذا حكى عن نفسه الشريفة أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له. وقد سٍأله بعضهم: أخبرني أيّ شيء أهاجك إلى العبادة والإنقطاع عن الخلق؟ فسكت، فقال: ذكر الموت؟ فقال: أيّ شيء الموت؟ فقال: ذكر خوف القبر؟ فقال: وأيّ شيء هذا؟ فقال: خوف النار ورجاء الجنّة. فقال: وأيّ شيء هذا؟ فقال: إنّ ملكاً بيده هذا كلّه إن أحببته أنساك جميع ذلك، وإن كانت بينه وبينك معرفة كفاك جميع هذا. وفي أخبار عيسى (عليه السلام): إذا رأيت التقيّ مشغوفاً في طلب الرب تعالى فقد ألهاه ذلك عن جميع ما سواه. ولا يخفى عليك أنّ المشغوف بمعرفة الله وملكوته، هم العرفاء والإلهيون والحكماء الربّانيّون، وإنّي لم أجد في وجه الأرض من له شغف بعلومهم ومعارفهم إلاّ واحداً، تصديقاً لقول من قال: "جلَّ جناب الحقِّ عن أن يكون شريعة لكلّ واردٍ أو أن يطّلع عليه إلاّ واحداً بعد واحد". وإذا بلغ الرجل إلى غاية يكون شغفه مقصوراً على إدراك أحوال الربوبيّة، انحطت درجته عند الناس - إذ يخرج كلامه عن حدود عقولهم -، ويهجرهم ويهجرونه ويتركهم ودينهم وينفرد عنهم آخذا بدينه عاملاً بوصيّة ربّه - {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأنعام:91].

اطفيش

تفسير : {جَزَاءً} معفول لأجله أي جعلنا لهم ذلك للجزاء أو مفعول مطلق أي جزيناهم جزاء. {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ0لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} أي في الجنة باطلا أو فاحشا من الكلام أو قبيحا.{وَلا تَأْثِيماً} نسبة للآثم لا يقال لهم أثمتم. {إِلا قِيلاً} أي قولا قال ابو حيان: أي في الجنة الظاهر ان الاستثناء منقطع لانه لا يندرج في اللغو والتأثيم وقيل متصل وهو بعيد. {سَلاَماً} مفعول للقيل من أعمال المصدر المنون أو بدل من قيلا. قيل: أو نعته وفيه النعت بالمصدر أو مصدر. {سَلاَماً} تكرير للدلالة على كثرة السلام بينهم وقرىء برفع السلامين على الحكاية اعني انه معرب بنصب مقدر على ما مر أو مبتدأ لمحذوف أي سلام عليك ووجه بعضهم اتصال الاستثناء بتقدير الاسماع قيل: وعن بعضهم ان السلام من الملائكة وقيل: من الله وزعم بعضهم ان قولهم يسلم عن اللغو والتأثيم سلاماً وقيل: الاخير اخيرا.

الالوسي

تفسير : مفعول له لفعل محذوف أي يفعل بهم ذلك كله جزاءاً بأعمالهم أو بالذي استمروا على عمله أو هو مصدر مؤكد أي يجزون جزاء.

د. أسعد حومد

تفسير : (24) - وَهَذَا الذِي فَازُوا بِهِ هُوَ عَطَاءٌ مِنَ اللهِ تَكَرَّمَ بِهِ عَلَيْهِمْ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا.