٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَٰماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } في الهمزتين في الموضعين التحقيق، وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين.
البقاعي
تفسير : ولما وصفهم بالترف والإصرار على السرف، وكان ذلك يلازم البطالة، وكان يلزم عنها الغباوة والفساد الموجب للشقاوة، ذكر إنكارهم لما لا أبين منه، فقال عاطفاً على ما أفهمه التعبير عن الإثم بالحنث من نحو: فكانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم لا يبعثون وأن الرسل كاذبون: {وكانوا يقولون *} أي إنكاراً مجددين لذلك دائماً جلافة أو عناداً: {أئذاً} أي أنبعث إذاً، وحذف العامل لدلالة {مبعوثون} عليه، ولا يعمل هو لأن الاستفهام وحرف التأكيد اللذين لهما الصدر معناه {متنا} أي فلم يبق في رد أرواحنا طب بوجه {وكنا} أي كوناً ثابتاً {تراباً وعظاماً} ولما كان استفهامهم هذا لإنكار أن يكون في شيء من إقامة أبدانهم أو رد أرواحهم طب، أعاد الاستفهام تاكيداً لإنكارهم فقال: {أءِنا لمبعوثون *} أي كائن وثابت بعثنا ساعة من الدهر، وأكدوا ليكون إنكارهم لما دون المؤكد بطريق الأولى. ولما كانت أفهامهم واقفة مع المحسوسات لجمودهم. وكان البلى كلما كان أقوى كان ذلك البالي في زعمهم من البعث أبعد، قالوا مخرجين في جملة فعلية عطفاً على الواو من {معبوثون} من غير تأكيد بضمير الفصل بالاستفهام: {أو آباؤنا} أي يبعث آباؤنا أي يوجد بعثهم من حين، وزادوا الاستبعاد على ما أفهموا بقولهم: {الأولون *} أي الذين قد بليت مع لحومهم عظامهم، فصاروا كلهم تراباً ولا سيما إن حملتهم السيول ففرقت ترابهم في كل أوب، وذهبت به في كل صوب، وسكن نافع وابن عامر الواو على أن العاطف {أو} ويجوز أن يكون العطف على محل "إن" واسمها. ولما كانوا في غاية الجلافة، رد إنكارهم بإثبات ما نفوه، وزادهم الإخبار بإهانتهم ثم دل على صحة ذلك بالدليل العقلي لمن يفهمه، فقال مخاطباً لأعلى الخلق وأوقفهم به لأن هذا المقام لا يذوقه حق ذوقه إلا هو كما أنه لا يقوم بتقريره لهم والرفق بهم إلا هو: {قل} أي لهم ولكل من كان مثلهم، وأكد لإنكارهم: {إن الأولين} الذين جعلتم الاستبعاد فيهم أولياً، ونص على الاستغراق بقوله: {والآخرين *} ودل على سهولة بعثهم وأنه في غاية الثبات، منبهاً على أن نقلهم بالموت والبلى تحصيل لا تفويت: {لمجموعون *} بصيغة اسم المفعول، في المكان الذي يكون فيه الحساب. ولما كان جمعهم بالتدريج، عبر بالغاية فقال: {إلى ميقات} أي زمان ومكان {يوم معلوم *} أي معين عند الله، ومن شأنه أن يعلم بما عنده من الأمارات، والميقات: ما وقت به الشيء من زمان أو مكان أي حد. ولما كان زمان البعث متراخياً عن نزول القرآن، عبر بأداته وأكد لأجل إنكارهم فقال: {ثم} أي بعد البعث بعد الجمع المدرج {إنكم} وأيد ما فهمه من أصحاب الشمال هم القسم الأدنى من أصحاب المشأمة فقال: {أيها الضالون} أي الذين غلبت عليه الغباوة فيهم لا يفهمون، ثم أتبع ذلك ما أوجب الحكم عليهم بالضلال فقال: {المكذبون *} أي تكذيباً ناشئاً عن الضلال والتقيد بما لا يكذب به إلا عريق في التكذيب بالصدق {لآكلون من شجر} منبته النار. ولما كان الشجر معدن الثمار الشهية كالسدر والطلح، بينه بقوله: {من زقوم *} أي شيء هو في غاية الكراهة والبشاعة في المنظر ونتن الرائحة والأذى، قال أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع وعبد الحق في واعيه: الزقم: شوب اللبن والإفراط فيه، يقال: بات يزقم اللبن زقماً، ومن هذا الزقوم الذي ذكره الله تبارك وتعالى، وقالا: قال أبو حنيفة: الزقوم شجرة غبراء صغيرة الورق لا شوك لها زفرة لها كعابر في رؤوسها ولها ورد تجرشه النحل، ونورها أبيض ورأس ورقها قبيح جداً، وهي مرعى، ومنابتها السهل، وقال في القاموس: في الدفر بالدال المهملة، الدفر - بالتحريك: وقوع الدود في الطعام والذل والنتن، ويسكن، وقال في المعجمة: الذفر - محركة: شدة ذكاء الريح كالذفرة أو يخص برائحة الإبط المنتن، والنتن وماء الفحل، والذفراء من الكتائب: السهكة من الحديد، والكعبرة بضمتين عين وراء مهملتين: عقدة أنبوب الزرع، وعن السهيلي أن أبا حنيفة ذكر في النبات أن شجرة باليمن يقال لها الزقوم لا ورق لها، وفروعها أشبه شيء برؤوس الحيات، وقال البيضاوي: شجرة صغيرة الورق دفرة مرة تكون بتهامة، وفي القاموس: والزقمة: الطاعون وقال في النهاية: فعول من الزقم: اللقم الشديد والشرب المفرط، وقال ابن القطاع: زقم زقماً: بلع، وقد علم من مجموع هذا الكلام تفسيره بالطاعون تارة والشرب المفرط أخرى، ومن الاشتراط والشجرة المنتنة والبشعة المنظر أنه شيء كريه يضطر آكله إلى التملؤ منه بنهمة وهمة عظيمة، ومن المعلوم أن الحامل له على هذا مع هذه الكراهة لا يكون إلا في أعلى طبقات الكراهة، ولذلك حسن جداً موقع قوله مسبباً عن الأكل: {فمالئون} أي ملأً هو في غاية الثبات وأنتم في غاية الإقبال عليه مع ما هو عليه من عظيم الكراهة {منها} أي الشجر، أنثه لأنه جمع شجر أو هو اسم جنس، وهم يكرهون الإناث فتأنيثه - والله أعلم - زيادة في تنفيرهم منه {البطون *} أي لشيء عجيب يضطركم إلى تناول هذا الكريه مما هو أشد منه كراهة بطبقات من جوع أو غيره، وإن فسرت بما قالوا من أنه معروف لهم أنه الزبد بالتمر لم يضر ذلك بل يكون المعنى أنهم يتملؤون منها تملأ من يأكل من هذا في الدنيا مع أنه من المعلوم أنه لا شيء في النار المعدة للعذاب لمن أعدت لعذابه حسن. ولما كان من يأكل كثيراً يعطش عطشاً شديداً فيشرب ما قدر عليه رجاء تبريد ما به من حرارة العطش، سبب عنه قوله: {فشاربون عليه} أي على هذا المليء أو الأكل {من الحميم} أي الماء الذي هو في غاية الحرارة بحث ضوعف إحماؤه وإغلاؤه. ولما كان شربهم لأدنى قطرة من ذلك في غاية العجب، أتبعه ما هو أعجب منه وهو شدة تملئهم منه فقال مسبباً عما مضى: {فشاربون} أي منه {شرب} بالفتح في قراءة الجماعة وبالضم لنافع وعاصم وحمزة، وقرئ شاذاً بالكسر والثلاثة مصادر، قال في القاموس: وشرب كسمع شرباً ويثلث أ والشراب مصدر وبالضم والكسر اسمان، وبالفتح القوم: يشربون، وبالكسر: الماء والحظ منه، والمورد ووقت الشرب، والكل يصلح هنا {الهيم *} أي الإبل العطاش لأن بها الهيام وهو داء يشبه الاستسقاء جمع أهيم، وقال القزاز: جمع هيماء وهو أي - اليهام - بالضم: داء يصيب الإبل فتشرب ولا تروى - انتهى. وقال: ذو الرمة: شعر : فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد صداها ولا يقضي عليها هيامها تفسير : ويقال: الهيم: الرمل، ينصب فيه كل ما صب عليه، والمعنى أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى الأكل ثم من العطش ما يضطرهم إلى الشرب على هذه الهيئة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكانوا} مع شركهم {يقولون} لغاية عتوهم وعنادهم {أئذا متنا} آيا وقتى كه بميريم {وكنا ترابا وعظاما} اى كان بعض اجزائنا من اللحم والجلد ترابا وبعضها عظاما نخرة وتقديم التراب لعراقته فى الاستبعاد وانقلابه من الاجزاء البادية واذا ممحضة للظرفية والعامل فيها مادل عليه قوله تعالى {أئنا لمبعوثون} لانفسه لان مابعدان واللام والهمزة لايعمل فيما قبلها وهو البعث وهو المرجع للانكار وتقييدها بالوقت المذكور ليس لتخصيص انكاره به فانهم منكرون للاحياء بعد الموت وان كان البدن على حاله بل لتقوية الانكار للبعث بتوجيهه اليه فى حالة منافية له بالكلية وليس مدار انكارهم كونهم ثابتين فى المبعوثية بالفعل فى حال كونهم ترابا وعظاما بل كونهم بعرضية ذلك واستعدادهم له ومرجعه الى انكار البعث بعد تلك الحالة
الجنابذي
تفسير : {وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ} قل لهم {إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} يعنى قل لهم ذلك ردّاً عليهم وتهديداً لهم.
اطفيش
تفسير : {وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا} همزة الانكار وإذا الشرطية وجوابها محذوف أي بُعثنا لا انا لمبعوثون لعدم الفاء وكررت الهمزة في قراءة غير الكسائي ونافع في أئنا لمبعوثون وقوله أو ابائنا في قراءة وهي الهمزة قيل الواو العاطفة المفتوحة اصالة تأكيدا لانكار البعث ولا سيما حال كونهم ترابا وعظاما كما قال. {وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} بتحقيق همزتي أئذا وهمزتي أئنا وتسهيل الثانية في موضعين وادخال ألف بينهما على التحقيق والتسهيل. {أَوَ أَبَآؤُنَا الأَوَّلُونَ} نقرأه بأو العاطفة فالهمزة ليست للاستفهام بل بعض ولكن ننقل فتح همزة ابائنا للواو فنحذف هذه الهمزة لتقل حركتها فنمد الواو بالف التي كانت الهمزة المحذوفة ممدودة بها وذلك قراءة ورش واما نافع فقيل عنه انه يسكن الواو والعطف على الضمير المستتر في {مبعوثون} بالا فاصل على القلة أو عد الواو والنون فاصلين ولو كانا من تتمة الاسم لان الاستتار فيما قبلهما أو محل اسم ان الذي هو الرفع عند الكوفيين أو متبدأ محذوف الخبر والمعطوف جملة وقرىء بفتح الواو وأثبات الهمزة بعدها مفتوحة ونسبت هذه لورش في بعض الروايات، فالواو عاطفة والهمزة قبلها للاستفهام كما مر وتكفي فاصلا دخلت للدلالة على ان ذلك اشد انكارا في حقهم لتقادم زمانهم وقرأ ابن عامر كنافع.
الالوسي
تفسير : {وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً } إلى آخره للزوم التكرار، وأجيب بأن المراد بالأول / وصفهم بالثبات على القسم الكاذب وبالثاني وصفهم بالاستمرار على الإنكار والرمز إلى استدلال ظاهر الفساد مع أنه لا محذور في تكرار ما يدل على الإنكار وهو توطئة وتمهيد لبيان فساده. والمراد بقولهم: {كُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً} كان بعض أجزائنا من اللحم والجلد ونحوهما تراباً وبعضها عظاماً نخرة. وتقديم التراب لأنه أبعد عن الحياة التي يقتضيها ما هم بصدد إنكاره من البعث. ـ وإذا ـ متمحضة للظرفية والعامل فيها ما يدل عليه قوله تعالى: {أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } لا مبعوثون نفسه لتعدد ما يمنع من عمل ما بعده فيما قبله ـ وهو نبعث ـ وهو المرجع للإنكار وتقييده بالوقت المذكور ليس لتخصيص إنكاره به فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت وإن كان البدن على حاله [بل] لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه إليه في حالة منافية له بالكلية وهذا كالاستدلال على ما يزعمونه. وتكرير الهمزة لتأكيد النكير وتحلية الجملة بإن لتأكيد الإنكار لا لإنكار التأكيد.
الشنقيطي
تفسير : لما ذكر جل وعلا ما أعد لأصحاب الشمال من العذاب، بين بعض أسبابه، فذكر منها أنهم كانوا قبل ذلك في دار الدنيا مترفين أي متنعمين، وقد قدمنا أن القرآن دل على أن الإتراف والتنعم والسرور في الدنيا من أسباب العذاب يوم القيامة، لأن صاحبه معرض عن الله لا يؤمن به ولا برسله، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وقوله تعالى:{أية : فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَىٰ سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً}تفسير : [الانشقاق: 11-13]، وقد أوضحنا هذا في الكلام على آية الطور المذكورة آنفاً. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون إنكار البعث سبباً لدخول النار، لأن قوله تعالى لما ذكر أنهم في سموم وحميم وظل من يحموم، بين أن من أسباب ذلك أنهم قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً} الآية جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى {أية : وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ}تفسير : [الرعد: 5]. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً}تفسير : [الفرقان: 11]، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من إنكارهم بعث آبائهم الأولين في قوله {أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ} وأنه تعالى بين لهم أنه يبعث الأولين والآخرين في قوله، {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ }تفسير : [الواقعة: 49-50] جاء موضحاً في غير هذا الموضع، فبينا فيه أن البعث الذي أنكروا، سيتحقق في حال كونهم أذلاء صاغرين، وذلك في قوله تعالى في الصافات {أية : وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ}تفسير : [الصافات: 15-19]. وقوله: {أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ}، قرأه عامة القراء السبعة، غير ابن عامر وقالون عن نافع: {أَوَ ءَابَآؤُنَا} بفتح الواو على الاستفهام والعطف، وقد قدمنا مراراً أن همزة الاستفهام إذا جاءت بعدها أداة عطف كالواو والفاء، وثم نحو {أَوَ ءَابَآؤُنَا}{أية : أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [الأعراف: 97] {أية : أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ}تفسير : [يونس: 51]، أن في ذلك وجهين لعلماء العربية والمفسرين الأول منهما أن أداة العطف عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام على ما قبلها، وهمزة الاستفهام متأخرة رتبة عن حرف العطف، ولكنها قدمت عليه لفظاً لا معنى لأن الأصل في الاستفهام التصدير به كما هو معلوم في محله. والمعنى على هذا واضح وهو أنهم أنكروا بعثهم أنفسهم بأداة الإنكار التي هي الهمزة، وعطفوا على ذلك بالواو إنكارهم بعث آبائهم الأولين، بأداة الإنكار التي هي الهمزة المقدمة عن محلها لفظاً لا رتبة، وهذا القول هو قول الأقدمين من علماء العربية، واختاره أبو حيان في البحر المحيط وابن هشام في مغني اللبيب، وهو الذي صرنا نميل إليه أخيراً بعد أن كنا نميل إلى غيره. الوجه الثاني: هو أن همزة الاستفهام في محلها الأصلي، وأنها متعلقة بجملة محذوفة، والجملة المصدرية بالاستفهام معطوفة على المحذوف بحرف العطف الذي بعد الهمزة، وهذا الوجه يميل إليه الزمخشري في أكثر المواضع من كشافه، وربما مال إلى غيره. وعلى هذا القول، فالتقدير: أمبعوثون نحن وآباؤنا الأولون؟ وما ذكره الزمخشري هنا من أن قوله: {أية : ءَابَآؤُنَا}تفسير : [الواقعة: 48] معطوف على واو الرفع في قوله: {لَمَبْعُوثُونَ}، وأنه ساغ العطف على ضمير رفع متصل من غير توكيد بالضمير المنفصل لأجل الفصل بالهمزة لا يصح، وقد رده عليه أبو حيان وابن هشام وغيرهما. وهذا الوجه الأخير مال إليه ابن مالك في الخلاصة في قوله: شعر : وحذف متبوع بداهنا استبح وعطفك الفعل على الفعل يصح تفسير : وقرأ هذا الحرف قالون وابن عامر أو آباؤنا بسكون الواو، والذي يظهر لي على قراءتهما أو بمعنى الواو العاطفة، وأن قوله: {ءَابَآؤُنَا}، معطوف على محل المنصوب الذي هو اسم إن، لأن عطف المرفوع على منصوب إن بعد ذكر خبرها جائز بلا نزاع، لأن اسمها وإن كان منصوباً فأصله الرفع لأنه مبتدأ في الأصل، كما قال ابن مالك في الخلاصة: شعر : وجائز رفعك معطوفاً على منصوب إن بعد أن تستكملا تفسير : وإنما قلنا إن أو بمعنى الواو، لأن إتيانها بمعنى الواو معروف في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن: {أية : فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً}تفسير : [المرسلات: 5-6] لأن الذكر الملقى للعذر، والنذر معاً لا لأحدهما، لأن المعنى أنها أتت الذكر إعذاراً وإنذاراً، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً}تفسير : [الإنسان: 24] أي ولا كفوراً، وهو كثير في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب: شعر : قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ما بين ملجم مهرة أو سافع تفسير : فالمعنى ما بين الملجم مهره وسافع: أي آخذ بناصيته ليلجمه، وقول نابغة ذبيان: شعر : قالت ألا ليت ما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسبوه فألفوه كما زعمت ستا وستين لم تنقص ولم تزد تفسير : فقوله: أو نصفه بمعنى ونصفه كما هو ظاهر من معنى البيتين المذكورين، لأن مرادها أنهما تمنت أن يكون الحمام المار بها هو ونصفه معه لها مع حمامتها التي معها، ليكون الجميع مائة حمامة، فوجدوه ستاً وستين ونصفها ثلاث وثلاثون، فيكون المجموع تسعاً وتسعين، والمروي في ذلك عنها أنها قالت: شعر : ليت الحمام ليه إلى حمامتيه ونصفه قديه تم الحمام مايه تفسير : وقول توبة بن الحمير: شعر : قد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها تفسير : وقوله تعالى: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [الواقعة: 47] جمع عامة القراء على ثبات همزة الاستفهام في قوله: {أَئِذَا مِتْنَا} وأثبتها أيضاً عامة السبعة غير نافع والكسائي في قوله: {أَءِنَّا} وقرأه نافع والكسائي {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}، بهمزة واحدة مكسورة على الخبر، كما عقده صاحب الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام منافع بقوله: شعر : فصل واستفهام إن تكررا فصير الثاني منه خبرا واعكسه في النمل وفوق الروم إلخ............ .... تفسير : والقراءات في الهمزتين في {أَئِذَا} و {أإنا} معروفة، فنافع يسهل الهمزة الثانية بين بين. ورواية قالون عنه هي إدخال ألف بين الهمزتين الأولى المحققة والثانية المسهلة. ورواية قالون هذه عن نافع بالتسهيل والإدخال مطابقة لقراءة أبي عمرو، فأبو عمرو وقالون عن نافع يسهلان ويدخلان، ورواية ورش عن نافع هي تسهيل الأخيرة منها بين بين من غير إدخال ألف. وهذه هي قراءة ابن كثير وورش فابن كثير وورش يسهلان ولا يدخلان. وقرأ هشام عن ابن عامر بتحقيق الهمزتين، وبينهما ألف الإدخال. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن عامر بتحقيق الهمزتين من غير ألف الإدخال، هذه هي القراءات الصحيحة، في مثل {أإذا} و {أَءِنَّا} ونحو ذلك في القرآن. تنبيه اعلم وفقني الله وإياك أن ما جرى في الأقطار الافريقية من إبدال الأخيرة من هذه الهمزة المذكورة وأمثالها في القرآن هاء خالصة من أشنع وأعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمة القرآن العظيم، وتعد لحدود الله، ولا يعذر فيه إلا الجاهل الذي لا يدري، الذي يظن أن القراءة بالهاء صحيحة، وإنما قالا هذا لأن إبدال الهمزة فيما ذكر هاء خالصة لم يروه أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل عليه به جبريل ألبتة، ولم يرو عن صحابي ولم يقرأ به أحد من القراء، ولا يجوز بحال من الأحوال، فالتجرؤ على الله بزيادة حرف في كتابه، وهو هذه الهاء التي لم ينزل بها الملك من السماء ألبتة، هو كما ترى، وكون اللغة العربية قد سمع فيها إبدال الهمزة هاء لا يسوغ التجرؤ على الله بإدخال حرف في كتابه. لم يأذن بإدخاله الله ولا رسوله. ودعوى أن العمل جرى بالقراءة بالهاء لا يعول عليها، لأن جريان العمل بالباطل باطل، ولا أسوة في الباطل بإجماع المسلمين، وإنما الأسوة في الحق، والقراءة سنة متبعة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا خلاف فيه. وقوله تعالى: {مِتْنَا} وقرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو وشعبة عن عاصم متنا بضم الميم وقرأه نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم {مِتْنَا} بكسر الميم، وقد قدمنا مسوغ كسر الميم لغة في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى:{أية : يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا}تفسير : [مريم: 23].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 47- وكانوا يقولون - إنكاراً للإعادة -: أنُبعث إذا متنا وصار بعض أجسامنا تراباً وبعضها عظاماً بالية أئنا لعائدون إلى الحياة ثانياً؟. 48- أنبعث - نحن - وآباؤنا الأقدمون الذين صاروا تراباً متفرقاً ضالا فى الأرض. 49، 50- قل - لهم - رداً لإنكارهم: إن الأولين من الأمم والآخرين الذين أنتم من جملتهم لمجموعون إلى وقت يوم مُعَيَّن لا يتجاوزونه. 51، 52، 53- ثم إنكم أيها الخارجون المنحرفون عن سبيل الهدى - المكذبون بالبعث - لآكلون فى جهنم من شجر هو الزَّقوم، فمالئون من هذا الشجر بطونكم من شدة الجوع. 54، 55- فشاربون على ما تأكلون من هذا الشجر ماء مُتَنَاهياً فى الحرارة لا يروى ظمأ، فشاربون بكثرة كشرب الإبل العطاش التى لا تروى بشرب الماء. 56- هذا الذى ذكر من ألوان العذاب هو ما أعد قِرى لهم يوم الجزاء. 57- نحن ابتدأنا خلقكم من عدم، فهلا تقرون بقدرتنا على إعادتكم حين بعثكم؟. 58، 59- أفرأيتم ما تقذفونه فى الأرحام من النطف؟ أأنتم تقدرونه وتتعهدونه فى أطواره حتى يصير بشراً، أم نحن المقدرون له؟ 60، 61- نحن قضينا بينكم بالموت، وجعلنا لموتكم وقتاً معيَّناً، وما نحن بمغلوبين على أن نبدل صوركم بغيرها، وننشئكم فى خلق وصور لا تعهدونها. &
د. أسعد حومد
تفسير : {أَإِذَا} {عِظَاماً} {أَإِنَّا} (47) - وَكَانَ هَؤُلاَءِ المُتْرَفُونَ يُنْكِرُونَ، وَهُمْ فِي الدُّنْيَا، البَعْثَ وَالنُّشُورَ وَالقِيَامَةَ، وَيَقُولُونَ: أَنُبْعَثُ أَحْيَاءً بَعْدَ أَنْ تُصْبحَ عِظَامُنَا تُرَاباً وَرَمِيماً؟.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):