Verse. 5030 (AR)

٥٦ - ٱلْوَاقِعَة

56 - Al-Waqi'a (AR)

ثُمَّ اِنَّكُمْ اَيُّہَا الضَّاۗلُّوْنَ الْمُكَذِّبُوْنَ۝۵۱ۙ
Thumma innakum ayyuha alddalloona almukaththiboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم إنكم أيها الضالون المكذبون».

51

Tafseer

الرازي

تفسير : في تفسير الآيات مسائل: المسألة الأولى: الخطاب مع من؟ نقول: قال بعض المفسرين مع أهل مكة، والظاهر أنه عام مع كل ضال مكذب وقد تقدم مثل هذا في مواضع، وهو تمام كلام النبي صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى قال لنبيه: قل إن الأولين والآخرين لمجموعون ثم إنكم تعذبون بهذه الأنواع من العذاب. المسألة الثانية: قال ههنا: {ٱلضَّالُّونَ ٱلْمُكَذّبُونَ } بتقديم الضال وقال في آخر السورة: {أية : وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذّبِينَ ٱلضَّالّينَ } تفسير : [الواقعة: 92] بتقديم المكذبين، فهل بينهما فرق؟ قلت: نعم، وذلك أن المراد من الضالين ههنا هم الذين صدر منهم الإصرار على الحنث العظيم، فضلوا في سبيل الله ولم يصلوا إليه ولم يوحدوه، وذلك ضلال عظيم، ثم كذبوا رسله وقالوا: {أَءذَا مِتْنَا } فكذبوا بالحشر، فقال: {أَيُّهَا ٱلضَّالُّونَ } الذين أشركتم: {ٱلْمُكَذّبُونَ } الذين أنكرتم الحشر لتأكلون ما تكرهون، وأما هناك فقال لهم: {أَيُّهَا ٱلْمُكَذّبُونَ } الذين كذبتم بالحشر: {ٱلضَّالُّونَ } في طريق الخلاص الذين لا يهتدون إلى النعيم، وفيه وجه آخر وهو أن الخطاب هنا مع الكفار فقال: يا أيها الذين ضللتم أولاً وكذبتم ثانياً، والخطاب في آخر السورة مع محمد صلى الله عليه وسلم يبين له حال الأزواج الثلاثة فقال: المقربون في روح وريحان وجنة ونعيم، وأصحاب اليمين في سلام، وأما المكذبون الذين كذبوا فقد ضلوا فقدم تكذيبهم إشارة إلى كرامة محمد صلى الله عليه وسلم حيث بين أن أقوى سبب في عقابهم تكذيبهم والذي يدل على أن الكلام هناك مع محمد صلى الله عليه وسلم قوله: {أية : فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ } تفسير : [الواقعة: 91]. المسألة الثالثة: ما الزقوم؟ نقول: قد بيناه في موضع آخر واختلف فيه أقوال الناس ومآل الأقوال إلى كون ذلك في الطعم مراً وفي اللمس حاراً، وفي الرائحة منتناً، وفي المنظر أسود لا يكاد آكله يسيغه فيكره على ابتلاعه، والتحقيق اللغوي فيه أن الزقوم لغية عربية دلنا تركيبه على قبحه، وذلك لأن زق لم يجتمع إلا في مهمل أو في مكروه منه مزق، ومنه زمق شعره إذا نتفه، ومنه القزم للدناءة، وأقوى من هذا أن القاف مع كل حرف من الحرفين الباقيين يدل على المكروه في أكثر الأمر، فالقاف مع الميم قمامة وقمقمة، وبالعكس مقامق، الغليظ الصوت والقمقمة هو السور، وأما القاف مع الزاي فالزق رمي الطائر بذرقه، والزقزقة الخفة، وبالعكس القزنوب فينفر الطبع من تركيب الكلمة من حروف اجتماعها دليل الكراهة والقبح، ثم قرن بالأكل فدل على أنه طعام ذو غضة، وأما ما يقال بأن العرب تقول: زقمتني بمعنى أطعمتني الزبد والعسل واللبن، فذلك للمجانة كقولهم: أرشقني بثوب حسن، وأرجمني بكيس من ذهب، وقوله: {مِن شَجَرٍ } لابتداء الغاية أي تناولكم منه، وقوله: {فَمَالِئُونَ مِنْهَا } زيادة في بيان العذاب أي لا يكتفى منكم بنفس كما الأكل يكتفي من يأكل الشيء لتحلة القسم، بل يلزمون بأن تملأوا منها البطون والهاء عائدة إلى الشجرة، والبطون يحتمل أن يكون المراد منه مقابلة الجمع بالجمع أي يملأ كل واحد منكم بطنه ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد منكم يملأ البطون، والبطون حينئذ تكون بطون الأمعاء، لتخيل وصف المعي في باطن الإنسان له، كيأكل في سبعة أمعاء، فيملأون بطون الأمعاء وغيرها، والأول أظهر، والثاني أدخل في التعذيب والوعيد، قوله: {فَشَـٰرِبُونَ عَلَيْهِ } أي عقيب الأكل تجر مرارته وحرارته إلى شرب الماء فيشربون على ذلك المأكول وعلى ذلك الزقوم من الماء الحار، وقد تقدم بيان الحميم، وقوله: {فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ } بيان أيضاً لزيادة العذاب أي لا يكون أمركم أمر من شرب ماءاً حاراً منتناً فيمسك عنه بل يلزمكم أن تشربوا منه مثل ما تشرب الهيم وهي الجمال التي أصابها العطش فتشرب ولا تروى، وهذا البيان في الشرب لزيادة العذاب، وقوله: {فَمَالِئُونَ مِنْهَا } في الأكل، فإن قيل: الأهيم إذا شرب الماء الكثير يضره ولكن في الحال يلتذ به، فهل لأهل الجحيم من شرب الحميم الحار في النار لذة؟ قلنا: لا، وإنما ذلك لبيان زيادة العذاب، ووجهه أن يقال: يلزمون بشرب الحميم ولا يكتفي منهم بذلك الشرب بل يلزمون أن يشربوا كما يشرب الجمل الأهيم الذي به الهيام، أو هم إذا شربوا تزداد حرارة الزقوم في جوفهم فيظنون أنه من الزقوم لا من الحميم فيشربون منه شيئاً كثيراً بناء على وهم الري، والقول في الهيم كالقول في البيض، أصله هوم، وهذا من هام يهيم كأنه من العطش يهيم، والهيام ذلك الداء الذي يجعله كالهائم من العطش.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ }.

ابن عطية

تفسير : وقوله: {ثم إنكم} مخاطبة لكفار قريش ومن كان في حالهم، و {من} في قوله: {من شجر} يحتمل أن تكون للتبعيض ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، و {من} في قوله: {من زقوم} لبيان الجنس، والضمير في: {منها} عائد على الشجر، و "من" للتبعيض أو لابتداء الغاية، والضمير في: {عليه} عائد على المأكول أو على الأكل. وفي قراءة ابن مسعود "لآكلون من شجر" على الإفراد. و: {الهيم} قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك: هو جمع أهيم، وهو الجمل الذي أصابه الهُيام، بضم الهاء، وهو داء معطش يشرب معه الجمل حتى يموت أو يسقهم سقماً شديداً، والأنثى: هيماء. وقال بعضهم: هو جمع هيماء كبيض وعين، وقال قوم آخرون: هو جمع هائم وهائمة، وهذا أيضاً من هذا المعنى، لأن الجمل إذا أصابه ذلك الداء هام على وجهه وذهب، وقال سفيان الثوري وابن عباس: {الهيم} هنا الرمال التي لا تروى من الماء، وذلك أن الهَيام بفتح الهاء هو الرمل الدق الغمر المتراكم، وقال ثعلب. الهُيام: بضم الهاء: الرمل الذي لا يتماسك. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والكسائي: "شَرب" بفتح الشين، وهي قراءة الأعرج وابن المسيب وشعيب بن الحبحاب ومالك بن دينار وابن جريج، ولا خلاف أنه مصدر، وقرأ مجاهد: "شِرب" بكسر الشين، ولا خلاف أنه اسم، وقرأ أهل المدينة وباقي السبعة: "شُرب"، بضم الشين، واختلف فيه، فقال قوم وهو مصدر، وقال آخرون هم اسم لما يشرب. والنزل: أول ما يأكل الضيف. وقرأ عمرو في رواية عباس: "نزْلهم" ساكنة الزاي، وقرأ الباقون واليزيدي عن أبي عمرو بضم الزاي وهما لمعنى كالشغل والشغل. و: {الدين} الجزاء. ثم أخبر تعالى أنه الخالق، وحضض على التصديق على وجه التقريع ثم ساق الحجة الموجبة للتصديق، كان معترضاً من الكفار قال: ولم أصدق؟ فقيل له: أفرأيت كذا وكذا الآيات، وليس يوجد مفطور يخفى عنه أن المني الذي يخرج منه ليس له فيه عمل ولا إرادة ولا قدرة. و {أم} في قوله: {أم نحن} ليست المعادلة عند سيبويه، لأن الفعل قد تكرر، وإنما المعادلة عنده: أقام زيد أم عمرو، وهذه التي في هذه الآية معادلة عند قوم من النحاة، وأما إذا تغاير الفعلان فليست بمعادلة إجماعاً. وقرأ الجمهور: "تُمنون" بضم التاء، وقرأ ابن عباس وأبو السمال "تَمنون" بفتح التاء، ويقال أمنى الرجل ومنى بمعنى واحد. وقرأ جمهور القراء: "قدّرنا" بشد الدال. وقرأ كثير وحده: "قدَرنا" بتخفيفها. والمعنى فيها يحتمل أن يكون بمعنى قضينا وأثبتنا، ويحتمل أن يكون بمعنى سوينا، وعدلنا التقدم والتأخر، أي جعلنا الموت رتباً، ليس يموت العالم دفعة واحدة، بل بترتيب لا يعدوه أحد. وقال الطبري معنى الآية: "قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم" أي تموت طائفة ونبدلها بطائفة، هكذا قرناً بعد قرن. وقوله: {وما نحن بمسبوقين} على تبديلكم إن أردناه وإن ننشئكم بأوصاف لا يصلها عملكم ولا يحيط بها كفركم. قال الحسن: من كونكم قردة وخنازير. قال القاضي أبو محمد: تأول الحسن هذا، لأن الآية تنحو إلى الوعيد، وجاءت لفظة "السبق" هنا على نحو قوله عليه السلام: "حديث : فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا لا تفوتنكم ". تفسير : وقرأ جمهور الناس: النشْأة" بسكون الشين. وقرأ قتادة وأبو الأشهب وأبو عمرو بخلاف "النشَأة" بفتح الشين والمد. وقال أكثر المفسرين: أشار إلى خلق آدم ووقف عليه، لأنه لا تجد أحداً ينكر أنه من ولد آدم وأنه من طين. وقال بعضهم: أراد بـ {النشأة الأولى} نشأة إنسان إنسان في طفوليته فيعلم المرء نشأته كيف كانت بما يرى من نشأة غيره، ثم حضض على التذكر والنظر المؤدي إلى الإيمان. وقرأ الجمهور: "تذّكرون" مشددة الذال. وقرأ طلحة: "تذْكُرون" بسكون الذال وضم الكاف، وهذه الآية نص في استعمال القياس والحض عليه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّالُّونَ}: مخاطبة لِكُفَّار قريش ومَنْ كان في حالهم، و{مِّن} في قوله: {مِّن زَقُّومٍ} لبيان الجنس، والضمير في {مِنْهَا} عائد على الشجر، والضمير في {عَلَيْهِ} عائد على المأكول، و{ٱلْهِيمِ} قال ابن عباس وغيره: جمع «أهيم» وهو الجمل الذي أصابه الهُيَامُ ـــ بضم الهاء ـــ، وهو داء مُعْطِشٌ يشرب الجملُ حتى يموتَ أو يسقمَ سَقَماً شديداً، وقال قوم هو: جمع «هائم» وهو أيضاً من هذا المعنى؛ لأَنَّ الجملَ إذا أصابه ذلك الداءُ، هام على وجهه وذهب، وقال ابن عباس أيضاً وسفيان الثوري: {ٱلْهِيمِ}: الرمال التي لا تُرْوَى من الماء، والنُّزُلُ أول ما يأكل الضيف، و{ٱلدِّينِ}: الجزاء.

القشيري

تفسير : ثم يقال لهم: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ} اليومَ {لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ} وجاء في التفسير: أن الزقوم شجرة في أسفل جهنم إذا طُرِحَ الكافرُ جهنم لا يصل إليها إلا بعد أربعين خريفاً. {فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ} شرابٌ لا تهنأون به {فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ}: وهي الإبل العِطاش. ويقال: الهيم أي الرَّمْلُ ينضب فيه كلٌّ ما يُصَبُّ عليه. {هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ}: يوم القيامة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم انكم} الخطاب لاهل مكة واضرابهم عطف على ان الاولين داخل تحت القول وثم للتراخى زمانا او رتبة {ايها الضالون} عن الحق والهدى {المكذبون} اى البعث

الطوسي

تفسير : قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وسهل {شرب الهيم} بضم الشين. الباقون بالفتح، وهما لغتان. وقرأ {نحن قدرنا} خفيفة ابن كثير. الباقون بالتشديد وهما لغتان. يقال قدرت، وقدرت، وقد فرق بينهما فيما ذكره. لما امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لمن انكر البعث والنشور قل لهم إنكم ومن تقدمكم وتأخر عنكم مبعوثون ومحشورون إلى يوم القيامة بين ما لهم في ذلك اليوم فقال {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون} يعني الذين ضللتم عن الدين وعن طريق الحق وحرمتم عن إتباع الصحيح المكذبون الذين كذبتم بتوحيد الله واخلاص العبادة له وجحدتم نبوة نبيه {لأكلون} يوم القيامة {من شجر من زقوم} فالزقوم ما يبتلع بتصعب، يقال: تزقم هذا الطعام تزقماً إذا ابتلعه بتصعب. وقيل: هو طعام خشن مرّ كريه يعسر نزوله فى الحلق. وقوله {فمالئون منها البطون} أي تملئون بطونكم من أكل هذا الزقوم والشجر يؤنث ويذكر، فلذلك قال {منها} وكذلك الثمر يذكر ويؤنث، فالتذكير على الجنس، والتأنيث على المبالغة. والبطون جمع بطن وهو خلاف الظهر، وهو داخل الوعاء وخارجه ظهر، وبطن الأمر إذا غمض، ومنه الظهارة والبطانة، وبطن الانسان، وبطن الارض، وبطن الكتاب. وقوله {فشاربون عليه من الحميم} معناه إنكم تشربون على هذا الزقوم الذي ملأتم بطونكم منه {من الحميم} وهو الماء الحار الشديد الحرارة {فشاربون شرب الهيم} أي تشربون مثل ما تشرب الهيم، فمن فتح الشين أراد المصدر ومن ضمه أراد الاسم، وقيل هما لغتان. وروى جعفر بن محمد أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بلالا ان ينادي بمنى إنها أيام اكل وشرب - بفتح الشين - و (الهيم) الابل التي لا تروى من الماء لداء يصيبها، واحدها (أهيم) والانثى (هيما) ومن العرب من يقول: هايم وهايمة، وتجمعه على هيم كغايط وغيط. وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة: معناه شرب الابل العطاشى التي لا تروى. وقيل: هو داء الهيام. وحكى الفراء: إن الهيم الرجل الذي لا يروى من الماء يشرب ما يحصل فيه. وقوله {هذا نزلهم يوم الدين} فالنزل الأمر الذي ينزل عليه صاحبه، ومنه النزل وهو الجاري للانسان من الخير، وأهل الضلال قد نزلوا على أنواع العذاب فى النار، وكل ما فصله الله تعالى من ذلك ففيه أتم الزجر واعظم الردع. وقيل: معنى الآية هذا طعامهم وشرابهم يوم الجزاء. وقوله {نحن خلقناكم} أي نحن انشأناكم وابتدأناكم في النشأة الأولى {فلولا تصدقون} أنكم تبعثون. ثم نبههم على وجه الاستدلال على صحة ما ذكرناه فقال {أفرأيتم ما تمنون} ومعناه الذي يخرج منكم من المني عند الجماع، ويخلق منه الولد {أأنتم تخلقونه} وتنشئونه {أم نحن الخالقون} فهم لا يمكنهم ادعاء إضافة ذلك إلى نفوسهم لعجزهم عن ذلك، فلا بد من الاعتراف بأن الله هو الخالق لذلك، واذا ثبت انه قادر على خلق الولد من النطفة وجب أن يكون قادراً على اعادته بعد موته لأنه مثله، وليس بأبعد منه، يقال: أمنى يمني، ومنى يمني، بمعنى واحد، وكذلك أمذى، ومذى - في قول الفراء. وقوله تعالى {نحن قدرنا بينكم الموت} فالتقدير ترتيب الأمور على مقدار فالله تعالى أجرى الموت بين العباد على مقدار ما تقتضيه الحكمة، فانما أجراه الحكيم على ذلك المقدار. وقوله {وما نحن بمسبوقين} أي لسنا بمسبوقين في تدبيرنا، لأن الأمور كلها في مقدور الله وسلطانه على ما يصح ويجوز فيما مكن منه أو اعجز عنه. وقال مجاهد: تقدير الموت بالتعجيل لقوم والتأخير لغيرهم. وقيل {نحن قدرنا بينكم الموت} بأن كتبناه على مقدار، لا زيادة فيه ولا نقصان. ويقال: قدرت الشيء مخففاً، وقدرته مثقلا بمعنى واحد. وقوله {على أن نبدل أمثالكم} فالتبديل جعل الشيء موضع غيره، فتبديل الحكمة بالحكمة صواب وتبديل الحكمة بخلافها خطأ وسفه، فعلى هذا ينشيء الله قوماً بعد قوم، لأن المصلحة تقتضي ذلك، والحكمة توجب إنشاءهم في وقت وإماتتهم في وقت آخر. وانشاؤهم بعد ذلك للحساب والثواب والعقاب. وقيل: إن معنى {على أن نبدل} التبدل أي لنبدل أمثالكم، وبين (على) و (اللام) فرق، لأنه يجوز أن يقال: عمله على قبحه، ولا يجوز عمله لقبحه. وتعليم الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الثانية فيه تعليم القياس. وقوله {وننشئكم فيما لا تعلمون} معناه فيما لا تعلمون من الهيآت والصور المختلفة، لأن المؤمن يخلق على أحسن صورة، والكافر على أقبح صورة. وقيل: هذا على النشأة الثانية يكوّنها الله في وقت لا يعلمه العباد، ولا يعلمون كيفيته، كما علموا الانشاء الأول من جهة التناسل. وقيل: معناه لو أردنا أن نجعل منكم القردة والخنازير لم يعييننا ذلك، ولا سبقنا اليه سابق. ويجوز أن يقال: أمثال متفقة، ولا يجوز أن يقال اجناس متفقة، لان المثل ينفصل بالصورة كما ينفصل رجل عن رجل بالصورة، وما انفصل بالصورة يجوز جمعه، لان الصورة قد منعت أن تجري على الكثير منه صفة التوحيد، فلا يجوز أن يقال هؤلاء الرجال كلهم رجال واحد ويجوز هذا الماء كله ماء واحد، وهذه المذاهب كلها مذهب واحد، ولا يجوز هؤلاء الأمثال كلهم أمثال واحد، لأنهم ينفصلون بالصورة. وجرى مجرى المختلفة في انه لا يقع على صفة التوحيد.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : ثمّ إنّكم أيّها الذين ضللتم عن طريق الهدى، ونكبتم عن هذه المحجّة البيضاء، وعَمَت بصائركم عن مشاهدة أنوار ملكوت الأرض والسماء، وفسدت أذواق قرايحكم عن إدراك حقايق الأشياء، من جهة متابعة النفس والهوى، وتغيّرت مدارك قلوبكم وأرواحكم عمّا فطرها الله عليها بمرارة المراء والإمتراء، فحرموا من جدواها، وحرّم الله عليهم نعيم الجنّة وطعوم أهلها، لآكلُون كالبهائم والأنعام من شجر من زقّوم - أي: من شجر هو الزقّوم، فمِنْ الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الشجر وتفسيره، لأنّه اسم شجرة تنبت في أصل نار الجحيم، ثمرها كأنه رؤوس الشياطين، كما وصفها الله سبحانه في سورة الصافّات حيث قال: {أية : إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الصافات:64 - 65]. وهي شجرة النفس الخبيثة المتغيّرة عن الفطرة العقليّة بسبب اعتقادات فاسدة أفسدتها، كشجرة طيّبة تغيّرت رائحتها لفسادٍ تطرّق إليها وغيّرها عن الطبيعة الأصليّة، فصارت كريهة الطعم والرائحة، وهي بسب هذه الإعتقادات نابتة في قعر جهنّم، الطبيعة المتشعبة أفنانها في دركاتها تتغذّى بها قلوب الكفّار ونفوس أهل النار، لأنّها تنمو وتزيد بواطنهم في النفسانيّة وقوّة الشرّيّة والفساد، وشدّة الجحود والعداوة لأهل الدين وأصحاب اليقين، وإليه الإشارة بقوله: {أية : فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ}تفسير : [الصافات:66]. فشجرة الزقّوم كأنّها مثال لنفوس الرؤساء وأئمّة الضلال المبتدعين للتعليم والإرشاد، وإليه الإشارة بقوله:{أية : إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ} تفسير : [الصافات:63]. إذ قد صارت تلك النفوس من جهة طلعها - أي حمْلها وثمرها من العلوم المغالطيّة والأكاذيب الوهميّة - رؤوس الشياطين. و "الآكِلون من زقُّوم" إشارة إلى نفوس الاتباع والمقلّدين الذين ظلّوا عن سبيلهم ونكبوا عن دليلهم. وأكلهم منها: أخذهم الاعتقادات الباطلة منها وتدينهم بدينها، وامتلاء بطونهم منها ونشوؤهم في هذه العقايد الرديّة المسودّة للقلوب، المغذيّة للنفوس الشقيّة، المنمية لها فظاظة وغلظة، المورثة لها شدّة وقسوة، فإن غذاء الأشرار من الشرور، وهذه أغذيتهم الأخرويّة. وبازاء أغذية هؤلاء، أرزاق أهل الله، ومقويّات قلوبهم ومغذيّات أرواحهم، وهي المعلومات اليقينيّة والعقايد الصحيحة الإيمانيّة، من معرفة المبدأ والمعاد، كما أشار إليه بقوله سبحانه: {أية : أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ، فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ}تفسير : [الصافات:41 - 42]. {أية : أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ} تفسير : [الصافات:62]. أي: معلوماتهم التي هي من معلومات الله، مقوّية لقلوبهم، مغذيّة لأرواحهم، يتفكهون بها ويتلذّذون في صحبة أتباعهم وأصحابهم وقلوبهم بها مكرّمة عند الله، جالسة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولا شكّ أنّ اليقينيّات التي تجعل العقول الهيولانية التي هي ملائكةٌ بالقوّة ملائكةً بالفعل خير نُزُلاً ونزولا إليهم من الوهميّات الكاذبة التي تجعل النفوس الوهمانيّة التي هي شياطين بالقوّة شياطين بالفعل. وقرئ "من شجرة من زقُّوم"، فعلى هذا، تذكير الضمير الراجع إليها في "عليه" لكونها على تأويل الزقّوم لكونه في معناه، وأمّا على القراءة المعروفة بتأنيث ضمير الشجر في "منها" على المعنى، وتذكيره في "عليه" على اللفظ.

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ} قد مضى بيان الزّقّوم فى سورة الصّافّات.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُونَ} عن الهدي والخطاب لأهل مكة وقيل لكل كافر. {المُكَذِبُونَ} بالبعث {لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ} من الاولى للابتداء والثانية للبيان قاله ابن هشام وغيره.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّالُّونَ } عطف على { أية : إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الواقعة: 49] داخل في حيز القول، و {ثُمَّ } للتراخي الزماني أو الرتبـي {ٱلْمُكَذّبُونَ } بالبعث، أو بما يعمه وغيره ويدخل هو دخولاً أولياً للسياق على ما قيل. والخطاب لأهل مكة وأضرابهم.

ابن عاشور

تفسير : هذا من جملة ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم. و{ثم} للترتيب الرتبي فإن في التصريح بتفصيل جزائهم في ذلك اليوم ما هو أعظم وقعاً في النفوس من التعريض الإِجمالي بالوعيد الذي استفيد من قوله: {أية : إن الأولين والآخرين لمجموعون}تفسير : [الواقعة: 49، 50]. وهذا التراخي الرتبي مثل الذي في قوله تعالى: {أية : قل بلى وربي لتبعثن ثم لَتُنَبّؤنَّ بما عملتم}تفسير : [التغابن: 7] بمنزلة الاعتراض بين جملة {أية : إن الأولين والآخرين}تفسير : [الواقعة: 49] وجملة: {أية : نحن خلقناكم فلولا تصدقون}تفسير : [الواقعة: 57]. والخطاب موجه للمقول إليهم ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم فليس في هذا الخطاب التفات كما قد يتوهم، وفي ندائهم بهذين الوصفين إيماء إلى أنهما سبب ما لحقهم من الجزاء السَّيّىء، ووصفهم بأنهم: ضالون مكذّبون، ناظر إلى قولهم: {أية : أئذا متنا وكنا تراباً}تفسير : [الواقعة: 47] الخ. وقدم وصف {الضالون} على وصف {المكذبون} مراعاة لترتيب الحصول لأنهم ضلّوا عن الحق فكذبوا بالبعث ليحذروا من الضلال ويتدبروا في دلائل البعث وذلك مقتضى خطابهم بهذا الإنذار بالعذاب المتوقع. وشجر الزقوم: من شجر العذاب، تقدم في سورة الدخان. والحميم: الماء الشديد الغليان، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : لهم شراب من حميم} تفسير : في سورة الأنعام (70) وتقدم قريباً في هذه السورة. والمقصود من قوله: {فمالئون منها البطون} تفظيع حالهم في جزائهم على ما كانوا عليه من الترف في الدنيا بملء بطونهم بالطعام والشراب ملْئاً أنساهم إقبالهم عليه وشرْبهم من التفكرَ في مصيرهم. وقد زيد تفظيعاً بالتشبيه في قوله: {فشاربون شرب الهيم}، كما سيأتي، وإعادة فعل (شاربون) للتأكيد وتكرير استحضار تلك الصورة الفظيعة. ومعنى {شاربون عليه} يجوز أن يكون (على) فيه للاستعلاء، أي شاربون فوقه الحميم، ويجوز مع ذلك استفادة معنى (مع) من حرف (على) تعجيباً من فظاعة حالهم، أي يشربون هذا الماء المحرق مع ما طعموه من شجر الزقوم الموصوفة في آية أخرى بأنها {أية : يغلي في البطون كغَلي الحميم}تفسير : [الدخان: 45، 46] فيفيد أنهم يتجرعونه ولا يستطيعون امتناعاً. و{مِن} الداخلة على {شجر} ابتدائية، أي آكلون أكلاً يؤخذ من شجر الزقوم، و{من} الثانية الداخلة على {زقوم} بيانية لأن الشجر هو المسمى بالزقوم. وتأنيث ضمير الشجر في قوله: {فمالئون منها البطون} لأن ضمائر الجمع لغير العاقل تأتي مؤنثة غالباً. وأما ضمير {عليه} فإنما جاء بصيغة المذكر لأنه عائد على الأكل المستفاد من قوله: {لآكلون}، أي على ذلك الأكل بتأويل المصدر باسم المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق. والهِيم: جمع أهيم، وهو البعير الذي أصابه الهُيام بضم الهاء، وهو داء يصيب الإِبل يورثها حُمى في الأمعاء فلا تزال تشرب ولا تروَى، أي شاربون من الحميم شرباً لا ينقطع فهو مستمرة آلامه. وقرأ نافع وعاصم وحمزة وأبو جعفر {شُرب} بضم الشين اسمَ مصدر شرب، وقرأ الباقون بفتح الشين وهو المصدر لشَرِب. ورويت عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صححه الحاكم، وخبر الواحد لا يزيد المتواترَ قُوة فكلتا القراءتين متواتر. والفاء في قوله: {فشاربون عليه من الحميم} عطف على {لآكلون} لإِفادة تعقيب أكل الزقوم بــــ {شرب الهيم} دون فترة ولا استراحة. وإعادة {فشاربون} توكيد لفظي لنظيره، وفائدة هذا التوكيد زيادة تقرير ما في هذا الشرب من الأعجوبة وهي أنه مع كراهته يزدادون منه كما ترى الأهيم، فيزيدهم تفظيعاً لأمعائهم لإِفادة التعجيب من حالهم تعجيباً ثانياً بعد الأول، فإن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة أمر عجيب، وشربهم له كما تَشرَب الإِبل الهِيم في الإِكثار أمر عجيب أيضاً، فكانتا صفتين مختلفتين.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا إيضاح هذا وتفسيره في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى:{أية : ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ}تفسير : [الصافات: 67].

د. أسعد حومد

تفسير : (51) - ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ عَنْ طَرِيقِ الهُدَى، وَالصَّوَابِ، المُكَذِّبُونَ بِكُتُبِ اللهِ وَرُسُلِهِ وَآيَاتِهِ، وَبِالبَعْثِ وَالحِسَابِ.

الجيلاني

تفسير : {ثُمَّ إِنَّكُمْ} بعد اجتماعكم وحشركم {أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 51] المصرون على التكذيب والإنكار. {لأَكِلُونَ} من شدة جوعكم في جهنم البعد والخذلان بعد خلودكم فيها {مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ} [الواقعة: 52] أي: شجر مسمى بهذا الاسم، فيكون لفظة "من" الثانية للبيان، والأولى للابتداء. {فَمَالِئُونَ مِنْهَا} أي: من تلك الشجرة {ٱلْبُطُونَ} [الواقعة: 53] أي: بطونكم، مع أنه لا يدفع الجوع بل يزيده، وبعد أكلكم منها ملء بطونكم. {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ} أي: على الزقوم {مِنَ ٱلْحَمِيمِ} [الواقعة: 54] لشدة الحرقة وغلبة العطش، وبالجملة: {فَشَارِبُونَ} من الحميم {شُرْبَ ٱلْهِيمِ} [الواقعة: 55] مثل شرب الإبل، الذي له داء الهيام، وهو مرض من الإبل شبيه باستسقاء الإنسان. {هَـٰذَا} الذي سمعت أيها الفطن المعتبر {نُزُلُهُمْ} المعدة لهم حين نزولهم في جهنم {يَوْمَ ٱلدِّينِ} [الواقعة: 56] والجزاء. وإذا كان نزلهم فيها هذا، فما ظنك بعذابهم فيها، وزجرهم بعد حساب أعمالهم. ثم خاطبهم سبحانه إظهاراً للاستيلاء التام والبسطة الغالبة الكاملة توبيخاً لهم وتقريعاً فقال: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ} وأظهرناكم من كتم العدم بمقتضى حولنا وقوتنا {فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ} [الواقعة: 57] بقدرتنا على الإعادة والبعث أيها الجاهلون المكابرون. {أَفَرَأَيْتُمْ} أخبروني أيها المنكرون للبعث والجزاء أن {مَّا تُمْنُونَ} [الواقعة: 58] وتصبون في الأرحام من النطف؟. {ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ} وتجعلونه بشراً سوياً صالحاً لأنواع العلوم والإدراكات الكلية والجزئية {أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ} [الواقعة: 59] المقصورون على الخلق والتسوية؟! ومع شهود هذه المقدورات العجيبة البديعة، كيف تنكرون قدرتنا على البعث والحشر. مع أنا {نَحْنُ} بمقتضى علمنا وقدرتنا {قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} والأجل بأن عينَّا لموت كل أحد منكم وقتاً معيناً، وأجلاً معهوداً، بحيث لا يسع لكم وقت حلوله لا التقديم منه، ولا التأخير {وَ} مع ذلك {مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} [الواقعة: 60] مغلوبين من أحد منكم أصلاً، بأن يغلب علينا أحد بتقديم الأجل المعين المقدر من عندنا، أو تأخيره. وإذا قدرنا على تقدير الأجل للموت على الوجه المذكور قدرنا أيضاً {عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ} ونحيى {أَمْثَـٰلَكُمْ} أي: أسلافكم الذين ماتوا وانقرضوا أحياء أمثالكم من العدم؛ يعني: كما قدرنا على إنشاءكم من العدم إنشاء إبداعياً قدرنا أيضاً على إحياء أسلافكم من القبور بعدما ماتوا على سبيل إعادة، بل إعادة أهون من الإبداع {وَ} بالجملة: قدرنا على أن {نُنشِئَكُمْ} بعد موتكم فِي {فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الواقعة: 61] أي: في نشأة وعالم، لا يحيطون به علماً ولا تفهمونه لخروجه عن طور عقولكم ومقتضاه. {وَ} كيف يتأتى لكم إنكار الإعادة مع أنكم {لَقَدْ عَلِمْتُمُ} جزمتم وأيقنتم {ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ} أي: قدرنا على الخلق والإيجاد فيها {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} [الواقعة: 62] منها قدرتنا على الإعادة في النشأة الأخرى، مع أن من قدر على الإبداء قدر على الإعادة بالطريق الأولى. {أَفَرَأَيْتُم} أخبروني أيها المسرفون المفرطون أن {مَّا تَحْرُثُونَ} [الواقعة: 63] أي: تبذرون وتطرحون حبة في التراب. {ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ} وتنبتونه {أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} [الواقعة: 64] المقصورون على الإنبات بالاستقلال والاختيار بلا مشاركة ومظاهرة. مع أنا {لَوْ نَشَآءُ} ونختار عدم إنباتها ونمائها {لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} أي: الزرع الثابت حطاماً يابساً، هباء هشيما {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} [الواقعة: 65] أي: صرتم حينئذ تتعجبون وتتأسفون من يبسها وضياعها، وليس لكم سوى الحسرة والأسف شيء، بل تقولون حينئذ من شدة التضجر والتحزن. {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} [الواقعة: 66] ملزمون بتضييع البذور وإهلاك النفقة. {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} [الواقعة: 67] حرمنا عن بذورنا وأعمالنا وريعنا بالكلية. {أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ} العذاب القراح الفرات السائغ {ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ} [الواقعة: 68] وتستروحون نفوسكم به، وتبردون أكبادكم منه؟. {ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ} أي: السحاب الهامر الهاطل {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ} [الواقعة: 69] بكمال قوتنا وقدرتنا. مع أنا {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ} أي: صيرناه وبدلناه {أُجَاجاً} مراً مالحاً {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 70] وهلا تواظبون على أداء حقوق أمثال هذه النعم العظام أيها المجبولون على الكفران والنسيان. {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ} [الواقعة: 71] تقدحون {أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ} أي: الشجرة التي يت خذ منها الزناد {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ} [الواقعة: 72] المستقلون بإنشائها. {نَحْنُ} اليوم {جَعَلْنَاهَا} أي: النار {تَذْكِرَةً} وتبصرة لأمر البعث والنشر وأنموذجاً من نار القطيعة الجهنمية وعظة للمتقين منها؛ ليتزودوا بالتقوى، ويتخلصوا من نيران الهوى ودركات اللظى {وَ} جعلناها أيضاً {مَتَاعاً} منفعة عظيمة {لِّلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 73] المنزلين في القفراء والبيداء جائعين، خالية بطونهم عن الطعام، فيطبخون بها، ويشبعون فيها. وبالجملة: {فَسَبِّحْ} يا أكمل الرسل {بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] الذي هو أعز وأجل من أن يطرأ عليه شيء من النقائص، أو يحوم حول حماء قدسه شائبة العظ والقصور، وإذا كان شأن الحق هذا {فَلاَ} حاجة إلى القسم لإثبات عظمته سبحانه وجلالة قدره وقدرته، بل {أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} [الواقعة: 75] أي: بموارد وقوع نجوم القرآن، ونزولها في قلوب الكمل من أرباب العزائم والعرفان. {وَإِنَّهُ} أي: القسم بالقرآن وموارده {لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ} وتعرفون قدره {عَظِيمٌ} [الواقعة: 76] شأنه عال خطره رفيع قدره. وكيف لا يكون القرآن عظيم الشأن رفعي القدر والمكان؟!