٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
83
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد من كلمة: {لَوْلاَ } معنى هلا من كلمات التحضيض وهي أربع كلمات: لولا، ولوما، وهلا، وألا ويمكن أن يقال: أصل الكلمات لم لا، على السؤال كما يقول القائل: إن كنت صادقاً فلم لا يظهر صدقك، ثم إنما قلنا: الأصل لم لا لكونه استفهاماً أشبه قولنا: هلا، ثم إن الاستفهام تارة يكون عن وجود شيء وأخرى عن سبب وجوده، فيقال: هل جاء زيد ولم جاء، والاستفهام بهل قبل الاستفهام بلم، ثم إن الاستفهام قد يستعمل للإنكار وهو كثير، ومنه قوله تعالى ههنا: {أية : أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } تفسير : [الواقعة: 81] وقوله: {أية : أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ } تفسير : [الصافات: 125] وقوله تعالى: {أية : أَءِفْكاً ءَالِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ } تفسير : [الصافات: 86] ونظائرها كثيرة، وقد ذكرنا لك الحكمة فيه، وهي أن النافي والناهي لا يأمر أن يكذب المخاطب فعرض بالنفي لئلا يحتاج إلى بيان النفي، إذا ثبت هذا فالاستفهام «بهل» لإنكار الفعل، والاستفهام «بلم» لإنكار سببه، وبيان ذلك أن من قال: لم فعلت كذا، يشير إلى أنه لا سبب للفعل، ويقول: كان الفعل وقع من غير سبب الوقوع، وهو غير جائز، وإذا قال: هل فعلت، ينكر نفس الفعل لا الفعل من غير سبب، وكأنه في الأول يقول: لو وجد للفعل سبب لكان فعله أليق، وفي الثاني يقول: الفعل غير لائق ولو وجد له سبب. المسألة الثانية: إن كل واحد منهما يقع في صدر الكلام، ويستدعي كلاماً مركباً من كلامين في الأصل، أما في «هل» فلأن أصلها أنك تستعملها في جملتين، فتقول: هل جاء زيد أو ما جاء، لكنك ربما تحذف أحديهما، وأما في (لو) فإنك تقول: لو كان كذا لكان كذا، وربما تحذف الجزاء كما ذكرنا في قوله تعالى: {أية : لَّوْ تَعْلَمُونَ } تفسير : [الواقعة: 76] لأنه يشير بلو إلى أن المنفي له دليل، فإذا قال القائل: لو كنتم تعلمون، وقيل له لم لا يعلمون، قال: إنهم لو يعلمون لفعلوا كذا، فدليله مستحضر إن طولب به بينه وإذا ثبت أن النفي بلو، والنفي بهل، أبلغ من النفي بلا، والنفي بقوله: لم، وإن كان بينهما اشتراك معنى ولفظاً وحكماً وصارت كلمات التحضيض وهي: لو ما، ولولا، وهلا وألا، كما تقول: لم لا فإذن قول القائل: هل تفعل وأنت عنه مستغن، كقوله: لم تفعل وهو قبي، وقوله: وهلا تفعل وأنت إليه محتاج، وألا تفعل وأنت إليه محتاج، وقوله: لولا، ولوما، كقوله: لم لا تفعل، ولم لا فعلت، فقد وجد في ألا زيادة نص، لأن نقل اللفظ لا يخلو من نص، كما أن المعنى صار فيه زيادة ما، على ما في الأصل كما بيناه، وقوله تعالى: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ } أي لم لا يقولون عند الموت وهو وقت ظهور الأمور وزمان اتفاق الكلمات، ولو كان ما يقولونه حقاً ظاهراً كما يزعمون لكان الواجب أن يشركوا عند النزع، وهذا إشارة إلى أن كل أحد يؤمن عند الموت لكن لم يقبل إيمان من لم يؤمن قبله، فإن قيل: ما سمع منهم الاعتراف وقت النزع بل يقولون: نحن نكذب الرسل أيضاً وقت بلوغ النفس إلى الحلقوم ونموت عليه؟ فنقول: هذه الآية بعينها إشارة وبشارة، أما الإشارة فإلى الكفار، وأما البشارة فللرسل، أما الإشارة وهي أن الله تعالى ذكر للكفار حالة لا يمكنهم إنكارها وهي حالة الموت فإنهم وإن كفروا بالحشر وهو الحياة بعد الموت لكنهم لم ينكروا الموت، وهو أظهر من كل ما هو من مثله فلا يشكون في حالة النزع، ولا يشكون في أن في ذلك الوقت لا يبقى لهم لسان ينطق، ولا إنكار بعمل فتفوتهم قوة الاكتساب لإيمانهم ولا يمكنهم الإتيان بما يجب فيكون ذلك حثاً لهم على تجديد النظر في طلب الحق قبل تلك الحالة، وأما البشارة فلأن الرسل لما كذبوا وكذب مرسلهم صعب عليهم، فبشروا بأن المكذبين سيرجعون عما يقولون، ثم هو إن كان قبل النزع فذلك مقبول وإلا فعند الموت وهو غير نافع، والضمير في {بَلَغَتِ } للنفس أو الحياة أو الروح، وقوله: {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ } تأكيد لبيان الحق أي في ذلك الوقت تصير الأمور مرئية مشاهدة ينظر إليها كل من بلغ إلى تلك الحالة، فإن كان ما ذكرتم حقاً كان ينبغي أن يكون في ذلك الوقت، وقد ذكرنا التحقيق في {حِينَئِذٍ } في قوله: {أية : يَوْمَئِذٍ } تفسير : [الطور: 11] في سورة والطور واللفظ والمعنى متطابقان على ما ذكرنا لأنهم كانوا يكذبون بالرسل والحشر، وصرح به الله في هذه السورة عنهم حيث قال: إنهم {أية : كَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ * وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءِذَا مِتْنَا } تفسير : [الواقعة: 46، 47] وهذا كالتصريح بالتكذيب لأنهم ما كانوا ينكرون أن الله تعالى منزل لكنهم كانوا يجعلون أيضاً الكواكب من المنزلين، وأما المضمر فذكره الله تعالى عند قوله: {أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱلْمَاءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ } تفسير : [الواقعة: 68] ثم قال: {أية : أَأَنتُم أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ } تفسير : [الواقعة: 69] بالواسطة وبالتفويض على ما هو مذهب المشركين أو مذهب الفلاسفة. وأيضاً التفسير المشهور محتاج إلى إضمار تقديره أتجعلون شكر رزقكم، وأما جعل الرزق بمعنى المعاش فأقرب، يقال: فلان رزقه في لسانه، ورزق فلان في رجله ويده، وأيضاً فقوله تعالى: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ } متصل بما قبله لما بينا أن المراد أنكم تكذبون الرسل فلم لا تكذبونهم وقت النزع لقوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [العنكبوت: 63] فعلم أنهم كذبوا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كذب المنجمون ورب الكعبة» تفسير : ولم يكذبوا وهذا على قراءة من يقرأ {تُكَذّبُونَ } بالتخفيف، وأما المدهن فعلى ما ذكرنا يبقى على الأصل ويوافقه: {أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } تفسير : [القلم: 9] فإن المراد هناك ليس تكذب فيكذبون، لأنهم أرادوا النفاق لا التكذيب الظاهر.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ} أي: الروح {ٱلْحُلْقُومَ} أي: الحلق، وذلك حين الاحتضار؛، كما قال تعالى: {أية : كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ} تفسير : [القيامة: 26 ــــ 30] ولهذا قال ههنا: { وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} أي: إلى المحتضر، وما يكابده من سكرات الموت {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} أي: بملائكتنا {وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ} أي ولكن لا ترونهم؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقِّ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ } تفسير : [الأنعام: 61 ــــ 62] وقوله تعالى: {فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ} معناه: فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول، ومقرها من الجسد، إن كنتم غير مدينين. قال ابن عباس: يعني: محاسبين، وروي عن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك والسدي وأبي حزرة مثله. وقال سعيد ين جبير والحسن البصري: { فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ}: غير مصدقين أنكم تدانون وتبعثون وتجزون، فردوا هذه النفس، وعن مجاهد: {غَيْرَ مَدِينِينَ}: غير موقنين. وقال ميمون بن مهران: غير معذبين مقهورين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَوْلاَ } فهلاَ {إِذَا بَلَغَتِ } الروح وقت النزع {ٱلْحُلْقُومَ } وهو مجرى الطعام.
الماوردي
تفسير : {فَلَوْلاَ إِن كُنْتُم غَيْرَ مَدِينِينَ} فيه سبعة تأويلات: أحدها: غير محاسبين، قاله ابن عباس. الثاني: غير مبعوثين، قاله الحسن. الثالث: غير مصدقين، قاله سعيد بن جبير. الرابع: غير مقهورين، قاله ميمون بن مهران. الخامس: غير موقنين، قاله مجاهد. السادس: غير مجزيين بأعمالكم، حكاه الطبري. السابع: غير مملوكين، قاله الفراء. {تَرْجِعُونَهَآ} أي ترجع النفس بعد الموت إلى الجسد إن كنتم صادقين أنكم غير مذنبين.
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ}. ترتيب الآية الكريمة: فلولا ترجعونها - أي النَّفس - إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين. و "لولا" الثانية مكررة للتوكيد قاله الزمخشري. قال شهاب الدين: فيكون التقدير: فلولا فلولا ترجعونها من باب التوكيد اللفظي، ويكون "إذا بلغت" ظرفاً لـ "تَرْجعُونها" مقدماً عليه؛ إذ لا مانع منه، أي فلولا ترجعون النَّفس في وقت بلوغها الحُلْقُوم. وقوله: {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ}. جملة حالية من فاعل "بلغت". والتنوين في "حينئذٍ" عوض من الجملة المضاف إليها أي: إذا بلغت الحلقوم، خلافاً للأخفش، حيث زعم أن التنوين للصَّرف، والكسر للإعراب. وقد مضى تحقيقه. وقرأ العامة: بفتح نون "حينئذ" لأنه منصوب على الظرف، ناصبه "تنظرون" وعيسى: بكسرها. وهي مشكلة لا تبعد عن الغلط عليه، وخرجت على الإتباع لحركة الهمزة. ولا عرف في ذلك، فليس بأبعد من قرأ: "الحَمْدِ لله" بكسر الدال لتلازم المتضايفين، ولكثرة دروهما على الخصوص. فصل في تحرير معنى الآية قال المفسرون: معنى الآية فهلا إذا بلغت النفس، أو الروح الحلقوم، ولم يتقدم لها ذكر؛ لأن ذلك معروف. قال حاتم: [الطويل] شعر : 4714- أمَاويُّ ما يُغْنِي الثَّرَاءُ عن الفَتَى إذَا حَشْرَجَتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ تفسير : وفي الحديث: "حديث : إنَّ مَلَكَ المَوْتِ لهُ أعْوانٌ يَقْطعُونَ العُرُوق، ويَجْمَعُونَ الرُّوح شَيْئاً فَشَيْئاً حتَّى ينتهي بها إلى الحُلْقُومِ، فيتوفَّاها ملكُ الموتِ ". تفسير : {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} أمري وسلطاني. وقيل: تنظرون إلى الميت لا تقدرون له على شيء. قال ابن عباس: يريد من حضر من أهل الميِّت ينتظرون متى تخرج نفسه. ثم قيل: هو رد عليهم في قولهم لإخوانهم: {أية : لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} تفسير : [آل عمران: 156]، فهلاَّ ردوا روح الواحد منهم إذا بلغت الحُلْقُوم. وقيل: المعنى فهلاَّ إذا بلغت نفس أحدكم الحُلْقُوم عند النَّزْع، وأنتم حضور أمسكتم روحه في جسده مع حرصكم على امتداد عمره، وحبكم لبقائه، وهذا رد لقولهم: {أية : نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} تفسير : [الجاثية: 24]. قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ}. يجوز أن يكون حالاً، أي: تنظرون في هذه الحال التي تخفى عنكم. وأن تكون مستأنفة، فيكون اعتراضاً، والاستدراك ظاهر. والبصر يجوز أن يكون من البَصِيْرَة، والمعنى: ونحنُ أقرب إليه منكم بالقدرة والعلم والرُّؤية. قال عامر بن عبد قيس: ما نظرت إلى شيء إلاَّ رأيت الله - تعالى - أقرب إليَّ منه. وأن يكون من البصر، أي لا تنظرون أعوان ملك الموت، والمعنى: أن رسلنا الذين يتولون قبض روحه أقرب إليه منكم لكن لا ترونهم. قوله: {فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ}. "إن كنتم" شرط، جوابه محذوف عند البصريين لدلالة "فلولا" عليه، أو مقدم عند من يرى ذلك كما تقدم تقريره. والمعنى: فهلا كنتم غير محاسبين، ولا مجزيين بأعمالكم، ومنه قوله تعالى: {أية : أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} تفسير : [الصافات: 53]، أي: مجزيّون أو محاسبون. وقد تقدم. وقيل: غير مملوكين، ولا مقهورين. قال الفراء وغيره: دِنْتُه، ملكته. قال الحطيئة: [الوافر] شعر : 4715- لَقَدْ دُيِّنْتِ أمْرَ بَنِيكِ حَتَّى تَرَكْتِهِمُ أدَقَّ مِنَ الطَّحِينِ تفسير : يعني: مُلِّكْتِ. ودانه: أي أذله واستعبده، يقال: دنْتُه فدان. ومنه دانت له البلاد والعباد، وقد تقدم في "الفاتحة" عند قوله "يوم الدِّين". قوله: {تَرْجِعُونَهَآ}. قال أبو البقاء: "تَرْجعُونَها" جواب "لولا" الأولى، وأغنى ذلك عن جواب الثانية. وقيل: بعكس ذلك. وقال الزمخشري: "إنّ "لولا" الثانية تكرير". انتهى. قال شهاب الدين: وتسمية مثل هذا جواباً ليس بصحيح ألبتة؛ لأن هذه تحضيضية لا جواب لها، إنما الجواب للامتناعية لوجود، نحو: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} تفسير : [النور: 21]. وقال ابن عطية: وقوله: "ترجعونها" سدّ مسدّ الأجوبة والبيانات التي تقتضيها التحضيضيات، وإذا في قوله "فَلوْلاَ إذَا"، وإن المتكررة، وحمل بعض القول بعضاً إيجازاً واختصاراً. انتهى. فجعل "إذا" شرطية، وقوله بالأجوبة يعني لـ "إذا"، ولـ "إن" في قوله: {إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ}، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. والبيانات: يعني الأفعال التي حضض عليها، وهي عبارة قلقة. قال أبو حيان: "و "إذا" ليست شرطاً، بل ظرفاً يعمل فيها "ترجعونها" المحذوف بعد "فلولا" لدلالة "ترجعونها" في التحضيض الثاني عليه، فجاء التحضيض الأول مقيداً بوقت بلوغ الحلقوم، وجاء التَّحضيض الثاني معلقاً على انتفاء مربوبيتهم، وهم لا يقدرون على رجوعها، إذ مربوبيتهم موجودة فهم مقهُورون، لا قدرة لهم". انتهى. فجعل "ترجعونها" المذكور لـ "لولا" الثانية، وهو دال على محذوف بعد الأولى، وهو أحد الأقوال التي نقلها أبو البقاء فيما تقدم. وقوله: {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. شرط آخر، وليس هذا من اعتراض الشرط على الشرط نحو: "إن ركبت إن لبست فأنت طالق" حتى يجيء فيه ما تقدم في هذه المسألة؛ لأن المراد هنا: إن وجد الشرطان كيف كانا فهل رجعتم بنفس الميت؟. [وقال القرطبي: {ترجعونها إن كنتم صادقين} يرجع الروح إلى الجسد إن كنتم صادقين، أي: ولن ترجعونها فبطل] زعمكم أنكم غير مملوكين، ولا محاسبين، و "تَرْجعُونها" جواب لقوله تعالى: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ}، ولقوله: {فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} وأجيبا بجواب واحد. قاله الفرَّاء، وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد، ومنه قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 38]، أجيبا بجواب واحد، وهما شرطان. والمعنى: إن كان الأمر كما تقولون: إنه لا بعث، ولا حساب، ولا إله يجازي، فهلاَّ تردون نفس من يعزّ عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو الله عز وجل. قاله البغوي. وقيل: حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه. وقيل: فيها تقديم وتأخير، مجازها: "فلولا وهلا إن كنتم غير مدينين ترجعونها تردّون نفس الميت إلى جسده إذا بلغت الحلقوم". ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم، فقال: {فَأَمَّآ إِن كَانَ}. قد تقدَّم الكلام في "أمَّا" أول الكتاب. وهنا أمر زائد، وهو وقوع شرط آخر بعدها. واختلف النحاة في الجواب المذكور بعدها، هل هو لـ "أما" أو لـ "أن" وجواب الأخرى محذوف لدلالة المنطوق عليه والجواب لهما معاً؟ ثلاثة أقوال: الأول: لسيبويه. والثاني: للفارسي في أحد قوليه، وله قول آخر لسيبويه. والثالث: للأخفش. وهذا كما تقدم في الجواب بعد الشرطين المتواردين. وقال مكي: "ومعنى "أما" عند أبي إسحاق الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كُنَّا فيه، وخذ في غيره". وعلى هذا فيكون الجواب لـ "إن" فقط، لأن "أما" ليست شرطاً، ورجح بعضهم أن الجواب لـ "أمَّا" لأن "إن" كثر حذف جوابها منفردة فادعاء ذلك مع شرط آخر أولى. قوله: {فَأَمَّآ إِن كَانَ}. الضمير في "كان" و "كان" و "كان" للمتوفى، لدلالة "فلَوْلاَ ترجعونها"، والمراد بالمقربين: السابقين لقوله تعالى {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [الواقعة: 10]. قوله: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ}. قرأ العامة: "فَرَوْحٌ" بفتح الراء. وقرأ ابن عباس، وعائشة، والحسن، وقتادة، ونصر بن عاصم، والجحدري ورويس وزيد عن يعقوب وجماعة: بضم الراء. وتروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. فمن قرأ بالفتح، فمعناه: فله روح، وهو الرَّاحة. وهو قول مجاهد. وقال سعيد بن جبير: فرج. وقال الضحاك: مغفرة ورحمة "وريحان": استراحة. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: رزق. قال مقاتل: [هو الرزق بلغة] "حِمْير". يقال: خرجنا نطلب ريحان الله، أي: رِزْقَه. وقيل: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يُؤتى بغُصْنٍ من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه. وقال أبو بكر الورَّاق: الرَّوح: النَّجاة من النار والرَّيحان: دخول دار القرار. وقد تقدَّم الكلام على "رَيْحَان" وكيفية تعريفه في السورة قبلها. وقوله: "فَرَوْحٌ" مبتدأ، خبره مقدر قبله، أي: فله روح، ويجوز أن يقدر بعده لاعتماده على فاء الجزاء. قوله: {وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلامٌ لك من أصحاب اليمين}. "فسلام لك" مبتدأ وخبر. و "من أصحاب". قال الزمخشري: "فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك". وقال ابن جرير: "فسلام لك أنت من أصحاب اليمين". وهذا يحتمل أن يكون كقول الزمخشري، ويكون "أنت" تأكيداً للكاف في لك، ويحتمل أن يكون أراد أن "أنت" مبتدأ، و "من أصحاب" خبره، ويؤيد هذا ما حكاه قوم من أن المعنى فيقال لهم: سلام عليكم لك إنك من أصحاب اليمين. وأول هذه الأقوال هو الواضح البين؛ ولذلك لم يعرج أبو القاسم على غيره. فصل في المقصود بهذا السلام قال القرطبي: {فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} أي: لست ترى منهم إلاَّ ما تحب من السلامة فلا تهتمّ، فإنهم يسلمون من عذاب الله. وقيل: المعنى: سلام لك منهم، أي: أنت سالم من الاهتمام لهم، والمعنى واحد. وقيل: إن أصحاب اليمين يدعون لك يا محمد بأن يصلي الله عليك ويسلم. وقيل: معناه: سلمت أيها العبدُ ممَّا تكره، فإنك من أصحاب اليمين فحذف إنك. وقيل: إنه يُحَيَّا بالسلام إكراماً. فعلى هذا في محل السلام ثلاثة أقاويل: أحدها: عند قبض روحه في الدنيا يسلم عليه ملك الموت. قاله الضحاك. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن، قال: ربك يقرئك السلام. الثاني: عند مساءلته في القبر يسلّم عليه منكر ونكير. الثالث: عند بعثه في القيامة يسلم عليه الملك قبل وصوله إليها. قال القرطبي: "ويحتمل أن يسلم عليه في المواطن الثلاثة، ويكون ذلك إكراماً بعد إكرام". قوله: {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ} بالبعث "الضَّالين" عن الهدى، وطريق الحق {فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ} كما قال: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ لآكِلُونَ} تفسير : [الواقعة: 51 - 52] إلى أن قال: {أية : ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ} تفسير : [الصافات: 67]. قوله: {وَتَصْلِيَةُ}. قرأ أبو عمرو في رواية اللؤلؤي عنه، وأحمد بن موسى، والمنقري: بجر التاء عطفاً على "حميم"، أي: ونزل من تصلية جحيم. والمعنى: إدخال في النَّار. وقيل: إقامة في الجحيم، ومقاساة لأنواع عذابها. يقال: أصلاه النَّار وصلاه، أي: جعله يصلاها. والمصدر هنا أضيف إلى المفعول، كما يقال: لفلان إعطاء مال، أي: يعطي المال. قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ}. أي: هذا الذي قصصناه محضُ اليقين وخالصه. وجاز إضافة الحق إلى اليقين، وهما واحد لاختلاف لفظهما، وذلك من باب إضافة المترادفين على سبيل المبالغةِ. قال المبرد: هو كقولك: عين اليقين وحق اليقين. فهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وإن كانوا فعلوا ذلك في اللفظ الواحد، فقالوا: صواب الصواب، ونفس النفس مبالغة، فلأن يفعلوا عند اختلاف اللفظ أولى. وعند البصريين بمعنى: حق الأمر اليقين، أو الخبر اليقين. وقيل: هو توكيد، كقولك: حق الحق، وصواب الصواب. قاله ابن عطية. وقيل: أصل اليقين أن يكون نعتاً للحق فأضيف المنعوت إلى النَّعت على الاتِّساع والمجاز، كقوله تعالى: {أية : وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} تفسير : [النحل: 30]. قال ابن الخطيب: "هذه الإضافة كقولك: ثوب كتان، وباب ساجٍ بمعنى ثوب من كتان، وباب من ساجٍ، أي: لهو الحق من اليقين". ويحتمل أن يكون المعنى: أنه الحق الذي يستحقه اليقين، كقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : أمِرْتُ أن أقَاتِلَ النَّاس حتَّى يقُولُوا: لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، فإذا قالُوهَا عَصَمُوا منِّي دمَاءَهُمْ وأمْوالهُمْ إلاَّ بحقِّهَا ". تفسير : فالضمير يرجع إلى الكلمة، أي: إلا بحق الكلمة، ومن حق الكلمة أداء الزكاة والصلاة، فكذلك حق اليقين، بالاعتراف، أي: بحق اليقين. والمعنى: أنه يعترف بما قال الله - تعالى - في سورة "الواقعة"، وفي حق الأزواج الثلاثة، وعلى هذا المعنى إن اليقين لا يحق إلاَّ إذا صدق بما قاله، فالتصديق حق اليقين الذي يستحقه. قوله: {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ}. أي: نزّه الله - تعالى - عن السُّوء. و "الباء" يجوز أن تكون للحال، أي: فسبِّح ملتبساً باسم ربِّك على سبيل التبرك كقوله: {أية : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} تفسير : [البقرة: 30]، وأن تكون للتعدية على أن "سبح" يتعدى بنفسه تارةً، كقوله: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ} تفسير : [من سورة الأعلى: 1] وبحرف الجر تارة كهذه الآية. وقال القرطبي: "والباء زائدة، أي: سبح اسم ربك". وادعاء زيادتها خلاف الأصل. و "العظيم" يجوز أن يكون صفة للاسم، وأن يكون صفة لـ "ربك"؛ لأن كلاًّ منهما مجرور، وقد وصف كل منهما في قوله: {أية : تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 78] و "ذي الجَلالِ". ولتقارب المتضايفين ظهر الفرق في الوصف. فصل في تحرير معنى الآية قيل: معنى "فسبح" أي فصل بذكر ربك وبأمره. وقيل: فاذكر اسم ربك العظيم وسبحه. حديث : وعن عقبة بن عامر قال: لمَّا نزلت: {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} قال النبي عليه الصلاة والسلام: "اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ". ولما نزلت: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ" . تفسير : أخرجه أبو داود. وروى أبو طيبة عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [يقول]: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورَة الواقِعَة في كل ليلة لم تُصِبْهُ فاقةٌ أبَداً" تفسير : وكان أبو هريرةٍ لا يدعُها أبداً. وعن مسروق قال: "منْ أرَاد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ الدنيا، ونبأ الآخرة، فليقرأ سورة الواقعة". والله تعالى أعلم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ}[83] يعني نفسه بلغت الحلقوم، وهو متحير لا يدري ما يصير أمره، كما حكي عن مسروق بن الأجدع أنه بكى حين حضرته الوفاة، فاشتد بكاؤه، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: وكيف لا أبكي، وإنما هي ساعة، ثم لا أدري إلى أين يسلك بي.
السلمي
تفسير : قال ابن معاذ: وأنتم حينئذ تنظرون وقد بلغت نفسه الحلقوم وخلا منها عند ذلك الكشح والحيزوم وهو ذابل الشفتين غابر العينين يلتفت يميناً وشمالاً.
القشيري
تفسير : يخاطِبُ أولياء الميت فيقول: هَّلا إذا بَلَغتْ روحُه الحلقوم، وأنتم تنظرون إلى هذا المريض، رجعتم إلى الله تعالى وتحققتم به؟ فنحن أقرب إليه منكم بالعلم والرؤية والقدرة.. ولكن لا تبصرون! ويقال: أقرب ما يكون العبدُ من الحقِّ عندما يتم استيلاءُ ذِكْرِه وشهودِه عليه، فينتفِي إِحساسُ العبدِ بغيره، وعلى حسب انتفاءِ العلمِ والإحساسِ بالأغيار - حتى عن نفسه - يكون تحقُّق العبد في سِرِّه حتى لا يرى غير الحَقّ. فالقرب والبعد معناهما: أنَّ العبد في أوان صحوه وأنه لم يُؤْخَذْ - بَعْدُ - عن نفسه؛ فإذا أُخِذَ عنه فلا يكون إلا الحق... لأنه حينئذٍِ لا قُرْب ولا بُعْدِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلولا} بس جرا {اذا بلغت الحلقوم} لولا للتحضيض لاظهار عجزهم واذا ظرفية والحلقوم مجرى الطعام وفى كشف الاسرار مجرى النفس والبعلوم مجرى الطعام اى فهلا اذا بلغت النفس اى الروح او نفس احدكم وروحه الحلقوم وتداعت الى الخروج وهو كناية عن غير مذكور وفى الحديث "حديث : ان ملك الموت له اعوان يقطعون العروق ويجمعون الروح شيئا فشيئا حتى ينتهى بها الى الحلقوم فيتوفاها ملك الموت "
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله لمَّا وبَّخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:{أية : نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ}تفسير : [الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: {فلولا} أي: هلاَّ {إِذا بلغتْ} الروح عند الموت {الحلقومَ} وهو ممرّ الطعام والشراب، وتداعت للخروج {وأنتم حينئذٍ} أيها الحاضرون حول صاحبها {تنظرون} إلى ما هو فيه من الغمرات، {ونحن أقربُ إِليه} علماً وقدرة وإحاطة {منكم} حيث لا تعرفون من حاله إلاَّ ما تُشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، {ولكن لا تُبصرون} لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، {فلولا إِن كنتم غير مَدِينينَ} غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضَض عليه قوله: {ترجعونها} تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم {إِن كنتم صادقين} أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروحُ الحلقومَ، وأنتم تنظرون إليه، يُعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، فـ"لولا" الثانية مكررة للأولى؛ للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتاباً قلتم: سحرٌ وافتراءٌ، وإن أرسلتُ إليكم رسولاً صادقاً قلتم: ساحرٌ كذابٌ، وإن رزقتكم مطراً يُحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمُحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: {فأمّا إِن كان} المتوفى {من المقرَّبين} من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبّر عنهم هنا بأجلّ أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبّر عنهم أولاً بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : سبق المُفَرِّدون، قيل: ومَن المُفَرِّدون يا رسول الله؟ قال: المسْتَهترون بذكر الله"تفسير : الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. {فَرَوْحٌ} أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الرَّوح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. هـ. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها {وريحانٌ} أي: رزق، بلغة حِمْير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإنّ أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها. كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يُشمّ. قال أبو العالية: "لا يُفارق أحدٌ من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه"، {وجنةُ نعيم} تتنعّم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أنّ الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصدِّيقين. {وأمّا إِن كان مِن أصحاب اليمين فسلامٌ لك من أصحاب اليمين} أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلّمون عليك؛ فإنّ الروح إذا سُئلت في القبر عُرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويُسلّمون عليه، ويهنُّونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلاَّ السلامة. {وأمّا إِن كان من المكذّبين الضالين} هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: {ثم إنكم إيها الضالون المكذِّبون}... الخ، {فَنُزُلٌ من حَميم} أي: فله نُزل من حميم يشربه، {وتَصْلِيهُ جحيمِ} إدخال في النار، ومقاساة ألوانِ عذابها. وهذا يدل على أنّ الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناسُ عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أنّ أرواح الصدّيقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خُضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لمّا كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سُجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لّمَا سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت؛ أُطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد؛ متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهَى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يُجمع مع صنفه جماعةً، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما مَن نفذ فيهم الوعيد، فهم يُعذبون بأنواع من العذاب، وتذكَّر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يُشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالاً قال: وبهذا يُجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أَفْنية قبورها. قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرُّف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. هـ. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قَدِمَ المؤمنُ على ربه لقاه رَوحاً وريحاناً وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ}تفسير : [فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فِراش ودِثار ورياحين، وهو قوله: {أية : وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}تفسير : {الروم: 44]، ويُنور له في مضجعه، ويُؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلاً. هـ. وقال في الأصل السبعين: إنّ الشهداء يُعجّل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كِفاحاً، كما لأهل الجنة، وليس لمَن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلاّ للصدّيقين، فهم أجدر بذلك؛ لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على مَن دونه، وأحرى منه الصدّيق. هـ. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتُبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيّارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سَلمان: إنّ الأرواح المؤمنين - أي:الكُمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفُّوا وتساءلوا عن الأخبار. هـ. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جُل حيث شئتِ. {إِنَّ هذا} أي: الذي ذكر في السورة الكريمة {لهو حقُّ اليقين} أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، {فسبِّح باسم ربك العظيم} الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإنّ حقيّة ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل؛ من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأمّا إن كان من المقربين؛ فرَوْح الوصال، وريحان الجمال، ومِنّة الكمال، أو: فرَوْح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبداً سرمداً، أو: فرَوْح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، {وأمّا إِن كان مِن أصحاب اليمين فسلامٌ لك} أي: فسلام عليك يا محمد {من أًصحاب اليمين} فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أنَّ المقرَّب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمُقرَّب فانٍ في ذات الحق، وصاحب اليمين فانٍ في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: {فأمّا إِن كان مِن المقربين} فهو لي، وأُجازيه برَوْح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمُسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته. وفي الإحياء ما حاصله: أنَّ المقرَّب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرَّب واصل، والمعرِض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله؛ لأنه أدرك ذلك كله مشاهدةً. وفي القوت بعد كلام: وأيضاً للمقربين من كل هولٍ رَوح به لشهادتهم القريب، وفي كل كربٍ ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. هـ. قال النسفي: رُوي أنَّ عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهنّ بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : مَن قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تُصبه فاقة أبداً"تفسير : . وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ "الله" (اقتربت، والرحمن، والواقعة). هـ. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلّم.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : ترتيب الكلام وأصله هكذا، فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين. وباقي الكلام وقع اعتراضاً أو تأكيداً. أي: فلولا ترجعون النفس - أي: الروح المحتضر - إن كنتم غير مدينين، أو في تكذيبكم البعث أو غيره صادقين إذا بلغت الحلقوم عند الموت، وأنتم يا أهل الميّت حينئذ ترون تلك الحال منه، وقد صار إلى أن تخرج منه روحه. فـ "لولا" الثانية مكرّرة مؤكّدة للأولى، والمستكنّ المرفوع في: "بلغت" والبارز المنصوب في "ترجعونها" للنفس، والمجرور في: "أقرب إليه" للمحتصر. و {غَيْرَ مَدِينِينَ} - أي: غير مسوسين بسياسة. من دان السلطان رعيّته إذا ساسهم. وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} إثبات لمعيّته تعالى لكلّ شيء وقربه منه معيّة قيّوميّة وقرب معنوي إلهي، لا بمداخلة ولا بمماسّة كمعيّة جسم لجسم، ولا كمعيّة صورة لمادّة، ولا كعرَض لمحلّ ولا بالعكس، ولا كمعيّة مقوّم الماهيّة - كالجنس والفصل - للماهيّة، أو مقوّم الوجود كالمادّة والصورة للموجود المتقوّم بهما خارجاً أو عقلا - فإنّ الباري قيّوم لكلّ شيء وغاية له، لأنّه مقوّم لشيء بأحد هذه المعاني. وأقرب أسباب الشيء ومقوّماته إليه هو الفاعل الحقيقي، والغاية له، لأنّه مسبّب الأسباب من غير سبب. وقيل المعنى: ونحن أقرب إليه بقدرتنا وعلمنا، ومرجع هذا الكلام أيضاً إلى ما مرّ. لأنّ قدرته وعلمه غير زايدين على ذاته. وقيل المعنى: ورُسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم، ولكن لا تبصرون رسلنا ولا تعلمون قبضهم للأرواح من الأجساد، لأنّ إدراك الأمور الأخرويّة ومقدّماتها موقوف على وجود البصيرة الباطنة، وهي إنّما تختصّ بأهل الله وأصحاب الكشف والشهود، وأما قوله: {أية : وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ} تفسير : [الأنعام:93]. حيث أتى بلفظة "لو" الدالّة على النفي أو الامتناع، مع كون المخاطب هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): فليس متعلّق "لو" نفس الرؤية مطلقا ليدلّ على نفيها أو نفي إمكانها منه مطلقاً، بل مقيّدة بجماعة مخصوصة أو زمان مخصوص قبل موتهم أو بعده، أو بغير ذلك من الموانع الخارجيّة، وإلاّ فالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان عارفاً بملائكة الموت وعدد أيدهم وكيفيّة إخراجهم لنفوس الكفّار عن أبدانهم، وبملائكة الحياة وأعوانهم وكيفيّة قبضهم لأرواح المؤمنين من أبدانهم ونفوسهم. ومعنى الآية: إنّكم أيّها الجاحدون لحقائق الإيمان، والمنكرون للنشأة الآخرة والبعث والصراط والميزان، ورجوع الخلايق كلّها إلى الرحمن الرحيم، والذاهبون إلى مذهب الإهمال والتعطيل في كلّ شيء ينسب إلى الحقّ المنّان، وملائكته المدبّرين للأكوان، المقتصرون على عالَم الحسّ والشهادة، حيث إنّكم تجحدون أفعال الله وآياته وملائكته ورسله في كلّ شيء، فتنسبون الكتاب والكلام إلى الشعر والإفتراء، وتنسبون الأرزاق إلى النجوم التي في السماء، ومصادفة الأمطار في وقت الحاجة وزمان الدعاء إلى الأنواء، والحياة والموت والصحّة والمرض وغيرها إلى تأثير الأمزجة والأهوية، وتلتمسون الشفاء من الأدوية فمالكم لا تُرجعون الروح إلى البدن بعد بلوغها الحلقوم، وإن لم يكن ثم قابض ومُخرج من الأمور الغائبة عن عالَمكم عالَم الشهادة والأسباب البعيدة عن شهود إدراككم، فهلاّ إن كنتم صادقين في دعواكم تَرجعونها بالتدابير الطبِّية والبخورات والعزائم الكهانيّة والنيرنجات والطلسمات النجوميّة، ولو على سبيل الندرة والإتّفاق -، إن لم يكن قضاء حتم وقدَر لازم من أمر الله بموت كلّ إنسان في وقت معيّن لا يحيط به علم البشر. واعلم أنّ هذا حال أكثر المنتسبين إلى العِلم والكياسة كالمتفلسِفة وعامّة الأطبّاء والمنجّمين، وساير الطبيعيّين والدهريّين المعطّلين الذين عطّلوا الله عن جوده وتدبيره للعالَم، وانحصرت علومهم في أحوال الطبايع الجسمانيّة وقواها وكيفيّاتها، وبهم زمانة عقول الجمهور عن الارتقاء إلى عالم الغيب فلا يؤمنون به حتّى يَرَوا العذاب الأليم، وهكذا درجة أكثر المتكّلمين من المجسّمة والحنابلة والكراميّة ومَن يحذو حذوهم في عدم الإيمان بما وراء المحسوس وما بعد الطبيعة، وإنّما امتازوا عن ساير الجحَدة والمنكرين وأتباع مردة الشياطين، بإقرارهم بأحكام الشرايع والأديان وعملهم بظواهر الأركان، وأمّا المؤمنون الحقيقيون فهم الذين يؤمنون بالغيب وعالَم الملكوت الربّاني، ويذعنون بالنشأة الآخرة ضميراً وقلباً، وهم ليسوا إلاّ العارفين خاصّة، وما سواهم إن لم يكونوا من أهل سلامة الصدور والإقتداء بأهل الدين وأصحاب اليقين، والإتّباع لسبيل المؤمنين، فكانوا من حزب الشياطين المبتدعين، وجنود ابليس أجمعين، فمآلهم كمآل أهل النكال وأصحاب البدع والضلال والإضلال، في صَلْي الجحيم والحرمان عن النعيم لقوله: {أية : وَمَن...وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ}تفسير : [النساء:115]. فما بالك أيّها المسلم، الذي وُلدت على فطرة الإسلام، تترك متابعة الرسول وأهل بيته وأتباعه الذين دبَّروا بعقولهم المنوّرة وآرائهم الرزينة أمر الدنيا والآخرة وسلكوا سبيل الله، وأنابوا إليه، ولا تتبع سبيل من أناب، واتّبعتَ رأي الفلاسفة. فلو استنبطت من معادن وجودك باستعمال الأدوات والقوى فيما هداك إليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لانفجرت مياه العلوم من صميم قلبك، وانفتحت عين عقلك، وهديت بأشعّة بصيرتك إلى عوالم الغيوب وشاهدت بعين بصيرتك الجنّة والنار ودار العذاب والقرار، كما قال: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات:21]؟ أوَ ما علمت أنّ الفلاسفة قد فنيت أعمارهم في الغوص في بحار الأفكار فغرقت عقولهم فيها، وتاهوا في سلوك أودية الأنظار، وانقطع بهم سير الفكر في منتهى عالَم الملك والشهادة، ولم يدخل اسكندر نظرهم في تردده عالَم الظلمات إلى عين حياة اليقين - التي من شَرب منها لا يموت -، فماتت جنة فطرهم في مضيق عالَم الشهادة، ولم يخرجوا من جوف الدنيا وظلماتها التي بعضها فوق بعض، إلى معرفة عالَم الآخرة وأنوارها وعالم الغيب وأسراره. أوَ لَم يتفكّروا في قول الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة:257]. وقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [البقرة:3]. وقوله: {أية : وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [هود:123]. وقوله: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} تفسير : [الأنعام:73]. فالله تعالى أوجد الملك والشهادة لقضيّة اسمه "الظَاهِر"، وأوجد الملكوت والغيب لقضيّة اسمه "الباطن". فما بك أيّها العاقل صِرتَ مفتوناً بأن لا يصدر عن الواحد إلاّ الواحد، وحرّفت الكلمة عن مواضعها، فلو وقفت بعلم الأسماء لرأيت كلّ اسم آية ودليلا كذلك ككواكب السماء على سرِّ صفة مستودَع فيها حقيقة علّة معلول، فكبرت لديك العلل والمعلولاته، وانعكس في مرآة وجودك جلال الأسماء والصفات، من غير انثلام قاعدة الوحدة في الإفاضة والإيجاد مع صدور الأنواع والأعداد. فأين هذا العلم الموهوب من خزائن الجود الأزلي السرمدي، من العلم المتولّد لأبناء الشياطين من الفكر الرديّ. فطوبى لأهل الشريعة والدين، المنقادين بالسمع والطاعة لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين. وليُعَلَم أنّ العقل حجّة الله في أرضه، وهو أوّل ما خلقه، يهدي به مَن يحبّه فيجعله فيه مكتحلاً بنور الهداية، ويضلّ به من يبغضه فيجعله فيه عرياً عن نور الهداية لإثبات الحجّة، إذ لو غاب العقل رأساً ما ثبتت الحجّة، وهو مناط الثواب والعقاب، وليس للفلاسفة ومن يحذو حذوهم إلاّ العكوف على باب عقولهم، والاقتصار على ما أدركوه بمبادئ عقولهم وأوايلها، وجحودهم لما وراءَها، وعدم اقتباسهم أنوار حقايق الأشياء من مشكاة النبوّة والولاية. فمن أثبت فلكاً ولم ير ملكاً، وأثبت معقولا وأنكر منقولاً، فهو كالأعور الدجّال، فهلاّ نظر بالعينين وما أثبت العالمين بحسب كلّ موجود، وما جمع بين المعقول والمنقول والعقل والشرع، فالشرع عقل ظاهر، والعقل شرع باطن، كما أنّ الفلك ملَك ظاهر والملَك فَلَك باطن، فإذا حكمت أيها العاقل بأنّ الفلَك له اختيار وفعل - ولم تدر أنّ الفعل والاختيار للملك الموّكل به - فقد أخطأت، فصورة الفلك وطبعه من عالم الشهادة، وصورة الملَك وحقيقته من عالَم الغيب، فمَن لم يؤمن بالملائكة لم يؤمن بالغيب. وهكذا الكواكب وما تضيف إليها من التدبير والتأثير، هو من الأملاك الموكّلين بها، وهي في ذواتها أموات، والفلك كأرض موات أحياها الملائكة وعمرتها بالذِكر والتسبيح، وإذا سمعت صوت الرعد وحكَمت بعقلك أنّه اصطكاك الأجرام من الحرارة والبرودة، فالذي أدركته بعقلك الظاهر صحيح لا ينكر، ولكن حرمت القضيّة الأخرى بأنّه ملك يسوق السحاب ولا تكاد تدرك ذلك لأنّه من أحكام عالَم الغيب وبك زمانة السكون والوقوف في عالَم الشهادة، ولا سبيل لك إلى بوادي عالَم الملكوت. فقس على هذا ساير التأثيرات العلويّة من الزلازل والصواعق والهَدّات والموتات وغير ذلك كالخسوف والكسوف، فإنّها من تخويف الله عباده، واظهار قدرته، ليستدلّوا بالقدرة على القادر الحقّ، وليرتقوا في الأسباب مع ما ثبت بالهندسة في عالم الهيئة، فإنّ خسوف القمر يكون بحجاب نور الشمس عن القمر بحيلولة الأرض، وكسوف الشمس يكون بحجاب نورها عن البصر بحيلولة القمر. فأهل الإيمان لا يُنكرون ما دلّت عليه البراهين الهندسيّة، ولكن الجاحدين لنور الشريعة ينكرون أحكام الغيب، وعلى هذا القياس ما حكمت انّ الأرض كروية الخلق، والفلك كروي: مسلّم لك، فهو منتهى الحدود وهذه مركز الأثقال فأين أنتَ من الأرضين السبع التي هي منتهى حدود عالم الملك، ثمّ أين أنت من السموات العلى التي أولاهن محيطة بجميع الأفلاك وما فيها فكلّها حشو السماء الأولى، و كلّ سماء بالنسبة إلى الأخرى كحلقة في أرض فلاة، وهكذا إلى أن يصير الأرضون السبع والسموات السبع وساير ما احتوت عليه من العناصر والأفلاك بالنسبة إلى الكرسي كحلقة في أرض فلاة والكرسي بما احتوى عليه كذلك بالنسبة إلى العرش العظيم. فسبحان فاطر السموات والأرض ومبدع الخلق والأمر، الذي تلاشت الأوهام وتضاءلت الأفهام في إدراك عظمته، ولم يدر أحد من عظيم خلقه وأمره إلاّ القدر اليسير وإليه المرجع والمصير.
الجنابذي
تفسير : {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ} الانفاس او الارواح {ٱلْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ} يا من بلغت ارواحكم الحلقوم او يا اهل المحتضرين {حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} الى احوالكم وخروج ارواحكم او تنظرون حال المحتضرين وخروج ارواحهم ولا يمكنكم علاجهم وردّ ارواحهم.
الهواري
تفسير : قال: {فَلَوْلآ} أي: فهلا {إِذَا بَلَغَتِ} أي النفس التي زعمتم أن الله لا يبعثها. {الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلآ} أي: فهلا {إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} أي: غير محاسبين في تفسير بعضهم: وقال بعضهم: غير مقرِّين بالبعث. وقال بعضهم: غير مملوكين {تَرْجِعُونَهَآ} يعني النفس إلى الدنيا {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: بأنكم لا تبعثون. قال: {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ}. وهي تقرأ على وجهين: فـ (رَوْحٌ)، وفـ (رُوحٌ) وكان الحسن يقرأها: فرُوح، بضم الراء. وتفسير الحسن في (رُوح) الحياة الطويلة في الجنة. وبعضهم يقول: الروح: الرحمة. ومقرأ الكلبي: فَرَوْحٌ، يعني الراحة. وقال الكلبي: الريحان: الرزق. ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحاً قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان، وربّ راض غير غضبان. يقال لها ذلك حين ينتهى بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون فلان بن فلان. فيقولون: مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب. ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضبان. فيقال لها ذلك، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة. فإذا كان الرجل السوء قالوا اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق {وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [سورة ص: 58]. فيقولون ذلك لها حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها. فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان. فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة، ارجعي ذميمة فإنه لن يفتح لك، فترسل بين السماء والأرض، ثم يصيران إلى القبر . تفسير : ذكروا عن الحسن أنه قرأ هذه الآية: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ}. فقال: ذلك في الآخرة. فسأله بعض القوم فقال: أما والله إنهم ليرون عند الموت. ذكروا عن بعض التابعين قال: إن المؤمن عند الموت يؤتى بحزمة ريحان فيشمها ثم يموت. قال تعالى: {وَجَنَّتُ نَعِيمٍ}.
اطفيش
تفسير : {فَلَوْلا} حرف توبيخ قال ابن هشام تختص بالماضي. وقيل لا تختص قال هي في الاية مفصولة بإذا وجملة الشرط أي فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين وحالتكم أنكم شاهدون ذلك ونحن أقرب الى المحتضر منكم بعلمنا أو بالملائكة ولكن لا تشاهدون ولولا الثانية تكرار للأولى ودخلت على المضارع الحكاية الحال بايضاح. {إِذَا بَلَغَتْ} الروح أو النفس عند الموت {الحُلْقُومَ} مجرى الطعام وقيل اعلى الحلق {وَأَنتُمْ حِنَئِذٍ} أي حين إذا بلغت {تَنظُرُونَ} إلى الميت متى تخرج روحه كذا عن ابن عباس وقيل الى امري وسلطاني لا يمكنكم الدفع والخطاب لجماعات المشركين الحاضرات للموتى وقيل لاهل مكة وقيل لجميع الناس.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ } الخ تبكيت كما سمعت وذلك باعتبار تكذيبهم بما نطق به قوله تعالى: { أية : نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ } تفسير : [الواقعة: 57] الخ أعني الآيات الدالة على كونهم تحت ملكوته تعالى من حيث ذواتهم ومن حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معايشهم ـ ولولا ـ للتحضيض بإظهار عجزهم، و {إِذَا } ظرفية، و {ٱلْحُلْقُومَ } مجرى الطعام؛ وضمير {بَلَغَتِ } للنفس لانفهامها من الكلام وإن لم يجر لها ذكر قبل، والمراد بها الروح بمعنى البخار المنبعث عن القلب دون النفس الناطقة فإنها لا توصف بما ذكر وكأنه مبني على القول بتجرد النفس الناطقة وهي المسماة بالروح الأمرية، وأنها لا داخل البدن ولا خارجه ولا تتصف بصفات الأجسام كالصعود والنزول وغيرهما على ما اختاره حجة الإسلام الغزالي وجماعة من المحققين، ومذهب السلف أن النفس الناطقة وهي الروح المشار إليها بقوله تعالى: { أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } تفسير : [الإسراء: 85] جسم لطيف جداً سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو حي بنفسه يتصف بالخروج والدخول وغيرهما من صفات الأجسام، وقد رد العلامة ابن القيم قول الغزالي ومن وافقه بأدلة كثيرة ذكرها في كتابه «الروح»، ووصفها ببلوغ الحلقوم عليه ظاهر. وأما على القول بالتجرد وعدم التحيز فقيل: المراد به ضعف التعلق بالبدن وقرب انقطاعه عنه فكأنه قيل: فلولا إذا حان انقطاع تعلق الروح بالبدن.
ابن عاشور
تفسير : مقتضى فاء التفريع أن الكلام الواقع بعدها ناشىء عما قبله على حسب ترتيبه وإذ قد كان الكلام السابق إقامةَ أدلة على أن الله قادر على إعادة الحياة للناس بعد الموت، وأعقب ذلك بأن تلك الأدلة أيدت ما جاء في القرآن من إثبات البعث، وأنحى عليهم أنهم وضحت لهم الحجة ولكنهم مكابرون فيها ومظهرون الجحود وهم موقنون بها في الباطن، وكل ذلك راجع إلى الاستدلال بقوة قدرة الله على إيجاد موجودات لا تصل إليها مدارك الناس، انتقل الكلام إلى الاستدلال على إثبات البعث بدليل لا محيص لهم عن الاعتراف بدلالته. فالتفريع على جملة {أية : ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذَكَّرون}تفسير : [الواقعة: 62] وهو أن عجزهم عن إرجاع الروح عند مفارقتها الجسد ينبههم على أن تلك المفارقة مقدَّرة في نظام الخلقة وأنها لحكمة. فمعنى الكلام قد أخبركم الله بأنه يجازي الناس على أفعالهم ولذلك فهو محييهم بعد موتهم لإِجراء الجزاء عليهم، وقد دلكم على ذلك بانتزاع أرواحهم منهم قهراً، فلو كان ما تزعمون من أنكم غير مجزيين بعد الموت لبقيتْ الأرواح في أجسادها، إذ لا فائدة في انتزاعها منها بعد إيداعها فيها لولا حكمة نقلها إلى حياة ثانية، ليجري جزاؤها على أفعالها في الحياة الأولى. وهذا نظير الاستدلال على تفرد الله بالإِلهية بأنّ في كينونة الموجودات دلائل خِلقية على أنها مخلوقة لله تعالى وذلك قوله تعالى: {أية : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدّو والآصال}تفسير : [الرعد: 15]. ومرجع هذا المعنى إلى أن هذا استدلال بمقتضى الحكمة الإِلهية في حالة خَلْق الإنسان فإن إيداع الأرواح في الأجساد تصرف من تصرف الله تعالى، وهو الحكيم، فما نزع الأرواح من الأجساد بعد أن أودعها فيها مدة إلا لأن انتزاعها مقتضى الحِكمة أن تنتزع، وانحصر ذلك في أن يجري عليها الحساب على ما اكتسبته في مدة الحياة الدنيا. وهذا كقوله تعالى: {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون}تفسير : [المؤمنون: 115]، فالله تعالى جعل الحياة الدنيا والآجال مُدَدَ عمل، وجعل الحياة الآخرة دار جزاء على الأعمال، ولذلك أقام نظام الدنيا على قاعدة الانتهاء لآجالِ حياة الناس. أما موت من كان قريباً من سن التكليف ومَن دونه وموت العَجَماوات فذلك عارض تابع لإِجراء التكوين للأجساد الحية على نظام التكوين المتماثل، وكذلك ما يعرض لها من عوارض مهلكة اقتضاها تعارض مقتضيات الأنظام وتكوين الأمزجة من صحة ومرض، ومسالمة وعدوان. فبقي الإِشكال في جعل {تَرجعونها} من جملة جواب شرط {إن} إذ لا يلزم من عدم قدرتهم على صد الأرواح عن الخروج، أن يكون خروجها لإجراء الحساب. ودفع هذا الإشكال وجوب تأويل {ترجعونها} بمعنى تحاولون إرجاعها، أي عدمُ محاولتكم إرجاعها منذ العصور الأولى دليل على تسليمكم بعدم إمكان إرجاعها، وما ذلك إلا لوجوب خروجها من حياة الأعمال إلى حياة الجزاء. وأصل تركيب هذه الجملة: فإذا كنتم صادقين في أنكم غير مدينين فلولا حاولتم عند كل محتضر إذا بلغت الروح الحلقوم أن ترجعوها إلى مواقعها من أجزاء جسده فما صرفكم عن محاولة ذلك إلا العلم الضروري بأن الروح ذاهبة لا محالة. فإذا علمت هذا اتضح لك انتظام الآية التي نُظمت نظماً بديعاً من الإِيجاز، وأدمج في دليلها ما هو تكملة للإعجاز. و(لولا) حرف تحْضيض مستعمل هنا في التعجيز لأن المحضوض إذا لم يفعل ما حُضّ على فعله فقد أظهر عجزه والفعل المحضوض عليه هو {ترجعونها}، أي تحاولون رجوعها. و{إذا بلغت} ظرف متعلق بــــ {ترجعونها} مقدم عليه لتهويله والتشويق إلى الفعل المحضوض عليه. والضمير المستتر في {بلغت} عائد على مفهوم من العبارات لظهور أن التي تبلغ الحلقوم هي الروح حذف إيجازاً نحو قوله تعالى: {أية : حتى توارت بالحجاب}تفسير : [ص: 32] أي الشمس. و(ال) في {الحلقوم} للعهد الجنسي. وجملة {وأنتم حينئذٍ تنظرون} حال من ضمير {بلغت} ومفعول {تنظرون} محذوف تقديره: تنظرون صاحبها، أي صاحب الروح بقرينة قوله بعده {ونحن أقرب إليه}، وفائدة هذه الحال تحقيق أن الله صرفهم عن محاولة إرجاعها مع شدة أسفهم لموْت الأعِزَّة. وجملة {ونحن أقرب إليه منكم} في موضع الحال من مفعول {تنظرون} المحذوف، أو معترضة والواو اعتراضية. وأيَّاً مَّا كانت فهي احتراس لبيان أن ثمة حضوراً أقرب من حضورهم عند المحتضر وهو حضور التصريف لأحواله الباطنة. وقربُ الله: قربُ علمٍ وقدرة على حد قوله: {أية : وجاء ربك}تفسير : [الفجر: 22] أو قرب ملائكته المرسلين لتنفيذ أمره في الحياة والموت على حد قوله: {أية : ولقد جئناهم بكتاب}تفسير : [الأعراف: 52]، أي جاءهم جبريل بكتاب، قال تعالى: {أية : حتى إذا جاءتهم رُسلنا يتوفَّونهم}تفسير : [الأعراف: 37]. وجملة {ولكن لا تبصرون} معترضة بين جملة {ونحن أقرب إليه منكم} وجملة {فلولا إن كنتم غير مدينين} وكلمة {فلولا} الثانية تأكيد لفظي لنظيرها السابق أعيد لتُبنى عليه جملة {ترجعونها} لطول الفصل. وجملة {إن كنتم غير مدينين} معترضة أو حال من الواو في {ترجعونها}. وجواب شرط {إن} محذوف دل عليه فعل {ترجعونها}. قال ابن عطية: وقوله: {ترجعونها} سدّ مسدّ الأجوبة والبيانات التي تقتضيها التحضيضات، و{إذا} من قوله: {فلولا إذا بلغت} و(إن) المتكررة وحمل بعض القول بعضاً إيجاز أو اقتضابات اهــــ. وجملة {إن كنتم صادقين} بيان لجملة {إن كنتم غير مدينين} وعلى التفسير الأول لمعنى {مدينين} يكون وجه إعادة هذا الشرط مع أنه مما استفيد بقوله: {إن كنتم غير مدينين} هو الإيماء إلى فرض الشرط في قوله: {إن كنتم غير مدينين} بالنسبة لما في نفس الأمر وأن الشرط في قوله: {إن كنتم صادقين} هو فرض وتقدير لا وقوع له نفي البعث، وعلى الوجه الثاني يرجع قوله: {إن كنتم صادقين} إلى ما أفاده التحضيض، وموقع فاء التفريع من إرادة أن قبض الأرواح لتأخيرها إلى يوم الجزاء، أي إن كنتم صادقين في نفي البعث والجزاء. وضمير التأنيث في قوله: {ترجعونها} عائد إلى الروح الدال عليه التاء في قوله: {إذا بلغت الحلقوم}. ومعنى الاستدراك في {ولكن لا تبصرون} راجع إلى قوله: {ونحن أقرب إليه منكم} لرفع توهم قائل: كيف يكون أقرب إلى المحتضر من العوّاد الحافين حوله وهم يرون شيئاً غيرهم يدفع ذلك بأنهم محجوبون عن رؤية أمر الله تعالى. وجملة {ولكن لا تبصرون} معترضة، والواو اعتراضية. ومفعول {تبصرون} محذوف دلّ عليه قوله: {ونحن أقرب إليه}. ومعنى {مدينين} مُجَازَيْنَ على أعمالكم. وعلى هذا المعنى حمله جمهور المتقدمين من المفسرين ابن عباس ومجاهد وجابر بن زيد والحسن وقتادة، وعليه جمهور المفسرين من المتأخرين على الإِجمال، وفسره الفراء والزمخشري {مدينين} بمعنى: عبيد لله، من قولهم: دَان السلطان الرعية، إذا ساسهم، أي غير مرْبوبين وهو بعيد عن السياق. واعلم أن قوله: {إن كنتم غير مدينين} فرض وتقدير فَــــ {إنْ} فيه بمنزلة (لو)، أي لو كنتم غير مدينين، أي غير مجزيين على الأعمال. وأسند فعل {إن كنتم غير مدينين} إلى المخاطبين بضمير المخاطبين، دون أن يقول: إن كان الناس غير مدينين لأن المخاطبين هم الذين لأجل إنكارهم البعث سيق هذا الكلام. والمعنى: لو كنتم أنتم وكان الناس غير مدينين لما أخرجت الأرواح من الأجْساد إذ لا فائدة تحصل من تفريق ذينك الإِلفين لولا غرض سامٍ، وهو وضع كل روح فيما يليق بها من عالم الخلود جزاء على الأعمال، ولذلك أوثر لفظ {غير مدينين} دون أن يقال: غير مبعوثين، أو غير مُعادين، وإن كان لا يلزم من نفي الإدانة نفي البعث فإنه يجوز أن يكون بعث بلا جزاء لكن ذلك لا يدَعى لأنه عبث. فقوله: {إن كنتم غير مدينين} إيماء إلى أن الغرض من سوق هذا الدليل إبطال إنكارهم البعث الذي هو لحكمة الجزاء. ومن مستتبعات هذا الكلام أن يفيد الإيماء إلى حكمة الموت بالنسبة للإنسان لأنه لتخليص الأرواح من هذه الحياة الزائلة المملوءة باطلاً إلى الحياة الأبدية الحق التي تجري فيها أحوال الأرواح على ما يناسب سلوكها في الحياة الدنيا، كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون}تفسير : [المؤمنون: 115] فيقتضي أنه لولا أنكم مدينون لما انتزعنا الأرواح من أجسادها بعد أن جعلناها فيها ولأبقيناها لأن الروح الإنساني ليس كالروح الحيواني، فتكون الآية مشتملة على دليلين: أحدهما بحاقِّ التركيب، والآخر بمستتبعاته التي أومأ إليها قوله: {إن كنتم غير مدينين}. والغرض الأول هو الذي ذيل بقوله: {إن كنتم صادقين}. هذا تفسير الآية الذي يحيط بأوفر معانيها دلالة واقتضاء ومستتبعات. وجعل في «الكشاف» معنى الآية يصب إلى إبطال ما يعتقده الدهريون، أي الذين يقولون {أية : نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر}تفسير : [الجاثية: 24]، لأنهم نفوا أن يكونوا عباداً لله. وجعل معنى {مدينين} مملوكين لله، وبذلك فسره الفراء وقال ابن عطية: «إنه أصح ما يقال في معنى اللفظة هنا، ومن عبر بمجازَى أو بمحاسب، فذلك هنا قلق». وقلت: في كلامه نظر ظاهر. وجعل الزمخشري تفريعه على ما حكي من كلامهم السابق مبنياً على أن ما حكي من كلامهم في الأنْواء والتكذيب يفضي إلى مذهب التعطيل، فاستدل عليهم بدليل يقتضي وجود الخالق وهو كله ناء عن معنى الآية لأن الدهرية لا ينتحلها جميع العرب بل هي نحلة طوائف قليلة منهم وناء عن متعارف ألفاظها وعن ترتيب استدلالها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فلولا: أي فهلاّ وهي للحض على العمل والحث عليه. إذا بلغت الحلقوم: أي مجرى الطعام وذلك وقت النزع. وأنتم تنظرون: أي وأنتم أيها الممرضون والعواد تنظرون إليه. ونحن أقرب إليه منكم: أي ورسلنا ملك الموت وأعوانه أقرب إلى المحتضر منكم. ولكن لا تبصرون: أي الملائكة. فلولا إن كنتم غير مدينين: أي فهلا إن كنتم غير مدينين أي محاسبين بعد الموت. ترجعونها إن كنتم صادقين: أي ترجعون الروح إلى الجسم بعد وشوك مفارقتها له إن كنتم صادقين في أنكم لا تبعثون ولا تحاسبون. فأما إن كان: أي الميت. من المقربين: أي من السابقين وهو الصنف الأول من الأصناف الثلاثة التي تقدمت في أول السورة. فروح وريحان: أي استراحة وريحان أي رزق حسن وجنّة نعيم. وأما إن كان من أصحاب اليمين: أي من الصنف الثاني فسلام لك يا صاحب اليمين من أصحاب اليمين. أي من إخوانك يسلمون عليك فإنهم في جنات النعيم. فنزل من حميم: أي فله نزل من ماء حار شديد الحرارة. وتصلية جحيم: أي احتراق بها. إن هذا لهو حق اليقين: أي إن هذا الذي قصصناه عليك في هذه السورة لهو حق اليقين. فسبح باسم ربك العظيم: أي نزه وقدس اسم ربك العظيم. معنى الآيات بعد تقرير النبوة المحمدية وأن القرآن كلام الله وتنزيله عاد السياق الكريم إلى تقرير البعث والجزاء فقال تعالى {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ} أي الروح {ٱلْحُلْقُومَ} وهو مجرى الطعام {وَأَنتُمْ} في ذلك الوقت {تَنظُرُونَ} مريضكم وهو يعاني من سكرات الموت، ونحن أقرب إليه منكم أي رسلنا أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون إذ لا قدرة لكم على رؤية الملائكة ما لم يتشكلوا في صورة إنسان. وقوله {فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} أي محاسبين بعد الموت ومجزيين بأعمالكم ترجعونها الروح بعد ما بلغت الحلقوم إن كنتم صادقين في أنكم غير مدينين لله بأعمالكم، أي فلا يحاسبكم عليها ولا يجزيكم بها. وقوله تعالى {فَأَمَّآ إِن كَانَ} أي المحتضر من المقربين وهم السابقون {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} أي فإن له الاستراحة التامة من عناء تعب الدنيا وتكاليفها وريحان وهو الرزق الحسن وجنة نعيم. وأما إن كان من أصحاب اليمين الذين يؤخذ بهم في عرصات القيامة ذات اليمين فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين الذين سبقوك إلى دار السلام. وأما إن كان المحتضر من المكذبين لله ورسوله المنكرين للبعث الآخر الضالين عن الهدى ودين الحق {فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ} أي ضيافة على الماء الحار هذه ضيافته وتصلية جحيم أي واحتراق بالجحيم. وقوله تعالى {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} أي هذا الذي حدثناك به عن المحتضرين الثلاثة وما لهم وما نالهم لحق اليقين. وقوله {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} يأمر تعالى رسوله بالتسبيح باسم ربه العظيم صح أنه لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه اجعلوها في ركوعكم، والتسبيح التقديس والتنزيه لله تعالى عما لا يليق بجلاله وكماله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- بيان عجز كل الناس أمام قدرة الله تعالى. 3- ان في عجز الإنسان على رد روح المحتضر ليعيش بعد ذلك ولو ساعة دليلا على أنه لا إله إلا الله 4- بيان فضل السابقين عن أصحاب اليمين. 5- القرآن الكريم أحكامه كلها عدل وأخباره كلها صدق. 6- مشروعية قول العبد سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وهما من الكلم الطيب وكذا سبحان ربي العظيم حال الركوع.
د. أسعد حومد
تفسير : (83) - فَإِذَا كُنْتُمْ تَدَّعُونَ أَنَّهُ لاَ خَالِقَ فِي الوُجُودِ، وَأَنَّكُمُ الخَالِقُونَ، فَهَلاَّ أَرْجَعْتُمُ الأَنْفُسَ المُحْتَضَرَةَ، التِي بَلَغَتِ الحَلاَقِيمَ، وَأَعَدْتُمُوهَا إِلَى مَكَانِهَا مِنَ الأَجْسَادِ؟ بَلَغَتِ الحُلْقُومَ - كِنَايَةٌ عَنِ اقْتِرَابِ المَوْتِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):