Verse. 5239 (AR)

٦٦ - ٱلتَّحْرِيم

66 - At-Tahreem (AR)

ضَرَبَ اللہُ مَثَلًا لِّلَّذِيْنَ كَفَرُوا امْرَاَتَ نُوْحٍ وَّ امْرَاَتَ لُوْطٍ۝۰ۭ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتٰہُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْہُمَا مِنَ اللہِ شَيْــــًٔا وَّقِيْلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدّٰخِلِيْنَ۝۱۰
Daraba Allahu mathalan lillatheena kafaroo imraata noohin waimraata lootin kanata tahta AAabdayni min AAibadina salihayni fakhanatahuma falam yughniya AAanhuma mina Allahi shayan waqeela odkhula alnnara maAAa alddakhileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما» في الدين إذ كفرتا وكانت امرأة نوح واسمها واهلة تقول لقومه: إنه مجنون، وامرأة لوط واسمها واعلة تدل قومه على أضيافه إذا نزلوا به ليلا بإيقاد النار ونهارا بالتدخين «فلم يغنيا» أي نوح ولوط «عنهما من الله» من عذابه «شيئا وقيل» لهما «ادخلا النار مع الداخلين» من كفار قوم نوح وقوم لوط.

10

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } أي بين حالهم بطريق التمثيل أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم من غير اتقاء ولا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كانوا فيه من القرابة بينهم وبين نبيهم وإنكارهم للرسول صلى الله عليه وسلم، فيما جاء به من عند الله وإصرارهم عليه، وقطع العلائق، وجعل الأقارب من جملة الأجانب بل أبعد منهم وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبياً كحال امرأة نوح ولوط، لما خانتاهما لم يغن هذان الرسولان وقيل لهما في اليوم الآخر ادخلا النار ثم بين حال المسلمين في أن وصلة الكافرين لا تضرهم كحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى مع كونها زوجة ظالم من أعداء الله تعالى، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة، والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفاراً، وفي ضمن هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين، وهما حفصة وعائشة لما فرط منهما وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر، وضرب مثلاً آخر في امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، وقيل: هي عمة موسى عليه السلام آمنت حين سمعت قصة إلقاء موسى عصاه، وتلقف العصا، فعذبها فرعون عذاباً شديداً بسبب الإيمان، وعن أبي هريرة أنه وتدها بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس، وألقى عليها صخرة عظيمة، فقالت: رب نجني من فرعون فرقى بروحها إلى الجنة، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه، قال الحسن. رفعها إلى الجنة تأكل فيها وتشرب، وقيل: لما قالت: {رَبّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ } رأت بيتها في الجنة يبنى لأجلها، وهو من درة واحدة، والله أعلم كيف هو وما هو؟ وفي الآية مباحث: البحث الأول: ما فائدة قوله تعالى {مّنْ عِبَادِنَا }؟ نقول: هو على وجهين أحدهما: تعظيماً لهم كما مر الثاني: إظهاراً للعبد بأنه لا يترجح على الآخر عنده إلا بالصلاح. البحث الثاني: ما كانت خيانتهما؟ نقول: نفاقهما وإخفاؤهما الكفر، وتظاهرهما على الرسولين، فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون وامرأة لوط كانت تدل على نزول ضيف إبراهيم، ولا يجوز أن تكون خيانتهما بالفجور، وعن ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط، وقيل: خيانتهما في الدين. البحث الثالث: ما معنى الجمع بين {عِندَكَ } و {فِى ٱلْجَنَّةِ }؟ نقول: طلبت القرب من رحمة الله ثم بينت مكان القرب بقولها: {فِى ٱلْجَنَّةِ } أو أرادت ارتفاع درجتها في جنة المأوى التي هي أقرب إلى العرش.

القرطبي

تفسير : ضرب الله تعالى هذا المثل تنبيهاً على أنه لا يُغْني أحدٌ في الآخرة عن قريب ولا نسيب إذا فرّق بينهما الدِّين. وكان اسم امرأة نوح والهة، واسم امرأة لوط والعة؛ قاله مقاتل. وقال الضحاك عن عائشة رضي الله عنها: إن جبريل نزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره أن اسم امرأة نوح واغلة واسم امرأة لوط والهة. {فَخَانَتَاهُمَا} قال عكرمة والضحاك: بالكفر. وقال سليمان بن رقية عن ابن عباس: كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون. وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه. وعنه: ما بَغَت امرأة نبيّ قط. وهذا إجماع من المفسرين فيما ذكر القُشَيريّ. إنما كانت خيانتهما في الدِّين وكانتا مشركتين. وقيل: كانتا منافقتين. وقيل: خيانتهما النميمة إذا أوحى (الله) إليهما شيئاً أفشتاه إلى المشركين؛ قاله الضحاك. وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنّت لتُعْلِم قومها أنه قد نزل به ضيف؛ لما كانوا عليه من إتيان الرجال. {فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي لم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما ـ لمّا عَصتَا ـ شيئاً من عذاب الله؛ تنبيهاً بذلك على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة. ويقال: إن كفار مكة استهزءوا وقالوا: إن محمداً صلى الله عليه وسلم يشفع لنا؛ فبيّن الله تعالى أن شفاعته لا تنفع كفّار مكة وإن كانوا أقرباء، كما لا تنفع شفاعةُ نوح لامرأته وشفاعةُ لوط لامرأته، مع قربهما لهما لكفرهما. وقيل لهما: {ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ} في الآخرة؛ كما يقال لكفار مكة وغيرهم. ثم قيل: يجوز أن تكون «امرأة نوح» بدلا من قوله: «مَثَلاً» على تقدير حذف المضاف؛ أي ضرب الله مثلاً امرأة نوح. ويجوز أن يكونا مفعولين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَٰلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا } في الدين إذ كفرتا. وكانت امرأة نوح واسمها (واهلة) تقول لقومه: إنه مجنون، وامرأة لوط واسمها (واعلة) تدل قومه على أضيافه إذا نزلوا به ليلاً بإيقاد النار، ونهاراً بالتدخين {فَلَمْ يُغْنِينَا } أي نوح ولوط {عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ } من عذابه {شَيْئاً وَقِيلَ } لهما {ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ } من كفار قوم نوح وقوم لوط.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَخَانَتَاهُمَا} بالكفر أو النفاق "ع" ما بغت امرأة نبي قط أو بالنميمة إذا أوحي إليهما أفشتاه إلى المشركين أو كانت امرأة نوح تخبر الناس أنه مجنون وتخبر الجبابرة بمن آمن به. وإذا نزل بلوط ضيف دخنت امرأته لتعلم قومها به لما كانوا عليه من إتيان الرجال. {فَلَمْ يُغْنِيَا} عن امرأتهما شيئاً من عذاب الله. مَثَلٌ ضربه الله تعالى يحذرهما به لعائشة وحفصة لما تظاهرتا على رسوله ثم ضرب لهما مثلاً بمريم وامرأة فرعون لما اطلع فرعون على إيمانها خرج الملأ فقال: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم فأثنوا عليها خيراً قال: فإنها تعبد رباً غيري قالوا اقتلها فأوتد أوتاداً وشدَّ يديها ورجليها فقالت {رَبِّ ابْنِ لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى الْجَنَّةِ} الآية فنظرت إلى بيتها في الجنة فضحكت فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها إنا لنعذبها وهي تضحك فقبضت روحها {وَعَمَلهِ} الشرك أو الجماع {الظَّالِمِينَ} أهل مصر أو القبط.

النسفي

تفسير : {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ} مثل الله عز وجل حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين بلا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من النسب والمصاهرة وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبياً بحال امرأة نوح وامرأة لوط لما نافقتا وخانتا الرسولين بإفشاء أسرارهما، فلم يغن الرسولان عنهما أي عن المرأتين بحق ما بينهما وبينهما من الزواج اغناء ما من عذاب الله. وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة: ادخلا النار مع سائر الداخلين الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء، أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط. {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ } هي آسية بنت مزاحم آمنت بموسى فعذبها فرعون بالأوتاد الأربعة {إِذْ قَالَتِ } وهي تعذب {رَبّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى ٱلْجَنَّةِ } فكأنها أرادت الدرجة العالية لأنه تعالى منزه عن المكان فعبرت عنها بقولها عندك {وَنَجّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ } أي من عمل فرعون أو من نفس فرعون الخبيثة وخصوصاً من عمله وهو الكفر والظلم والتعذيب بغير جرم {وَنَجّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } من القبط كلهم، وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين {وَمَرْيَمَ ٱبْنَةَ عِمْرَانَ ٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } من الرجال {فَنَفَخْنَا } فنفخ جبريل بأمرنا {فِيهِ } في الفرج {مِن رُّوحِنَا } المخلوقة لنا {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبَّهَا } أي بصحفه التي أنزلها على إدريس وغيره {وَكُتُبِهِ } بصري وحفص، يعني الكتب الأربعة {وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَـٰنِتِينَ } لما كان القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين غلب ذكوره على إناثه. و«من» للتبعيض، ويجوز أن يكون لابتداء الغاية على أنها ولدت من القانتين لأنها من أعقاب هارون أخ موسى عليهما السلام. ومثل حال المؤمنين في أن وصلة الكافرين لا تضرهم ولا تنقص شيئاً من ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله مع كونها زوجة أعدى أعداء الله، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة، والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفاراً. وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه، وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين وأن لا يتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ضرب الله مثلاً} أي بين شبهاً وحالاً {للذين كفروا امرأة نوح} واسمها واعلة {وامرأة لوط} واسمها واهلة وقيل اسمهما والعة ووالهة {كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين} وهما نوح ولوط عليهما الصلاة والسلام وقوله من عبادنا إضافة تشريف وتعظيم {فخانتاهما} قال ابن عباس رضي الله عنهما ما بغت امرأة نبي قط وإنما كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما وكانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون وإذا آمن أحد أخبرت به الجبابرة من قومها وأما امرأة لوط فإنها كانت تدل قومها على أضيافه إذا نزل به ضيف بالليل أوقدت النار وإذا نزل به ضيف بالنهار دخنت لتعلم قومها بذلك وقيل أسرتا النفاق وأظهرتا الإيمان {فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً} أي لم يدفعا عن امرأتيهما مع نبوتهما عذاب الله {وقيل ادخلا النار مع الداخلين} وهذا مثل ضربه الله تعالى للصالحين والصالحات من النساء وأنه لا ينفع العاصي طاعة غيره ولا يضر المطيع معصية غيره وإن كانت القرابة متصلة بينهم وأن القريب كالأجانب بل أبعد وإن كان القريب الذي يتصل به الكافر نبياً كامرأة نوح وامرأة لوط لما خانتاهما لم يغن هذان الرسولان عن امرأتيهما شيئاً فقطع بهذه الآية طمع من يرتكب المعصية ويتكل على صلاح غيره وفي هذا المثل تعريض بأمي المؤمنين عائشة وحفصة وما فرط منهما وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده ثم ضرب مثلاً آخر يتضمن أن معصية الغير لا تضره إذا كان مطيعاً وأن وصلة المسلم بالكافر لا تضر المؤمن فقال تعالى: {وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون} يعني آسية بنت مزاحم قال المفسرون لما غلب موسى السحرة آمنت به امرأة فرعون فلما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس فكانت تعذب في الشمس فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة {إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة} فكشف الله لها عن بيتها في الجنة وقيل إن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها فلما أتوها بالصخرة قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة فأبصرت بيتها في الجنة، من درة بيضاء وانتزعت روحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألماً وقيل رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة فهي تأكل وتشرب فيها {ونجني من فرعون عمله} يعني وشركه وقال ابن عباس عمله يعني جماعه {ونجني من القوم الظالمين} يعني الكافرين {ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها} أي عن الفواحش والمحصنة العفيفة {فنفخنا فيه} أي في جيب درعها ولذلك ذكر الكناية {من روحنا} إضافة تمليك وتشريف كبيت الله وناقة الله {وصدقت بكلمات ربها} يعني الشرائع التي شرعها الله لعباده بكلماته المنزلة على أنبيائه {وكتبه} يعني الكتب المنزلة على إبراهيم وموسى وداود وعيسى عليهم الصلاة والسلام، {وكانت من القانتين} يعني كانت من القوم القانتين أي المطيعين وهم رهطها وعشيرتها لأنهم كانوا أهل بيت صلاح وطاعة الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح. والله أعلم بمراده.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ...} الآية، هذَانِ المَثَلاَنِ اللذانِ للكفارِ والمؤمنينَ معناهما: أنَّ مَنْ كَفَرَ لا يُغْنِي عنه مِنَ اللَّهِ شيءٌ ولا ينفعُه سَبَبٌ، وإنَّ مَنْ آمنَ لا يدفعُه عَنْ رِضْوَانِ اللَّهِ دافعٌ وَلُوْ كَانَ في أسوأِ مَنْشَأٍ وأخسِّ حالٍ، وقول من قال: إنَّ في المَثَلَيْنِ عبرةٌ لأَزْوَاجِ النبي صلى الله عليه وسلم بعيدٌ. قال ابن عباس وغيره: «خَانَتَاهُمَا»: أي في الكُفْرِ، وفي أن امرأةَ نوحٍ كانَتْ تقول للناس: إنَّه مجنُونٌ وأن امرأةَ لوطٍ كَانَتْ تَنُمُّ إلى قَوْمِها خَبَر أضْيَافِه، قال ابن عباس: وَمَا بَغَتْ زَوْجَةُ نَبِيٍّ قَطُّ، وامرأة فرعون اسمُها آسية، وقولها: {وَعَمَلِهِ} تعني كُفْرَهُ ومَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ. وقوله: {ٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} الجمهورُ أنه فَرْجُ الدِّرْعِ، وقال قوم: هو الفَرْجُ الجَارِحَةُ وإحْصَانُه صَوْنُه. وقولُه سبحانه: {فَنَفَخْنَا فِيهِ} عبارةٌ عَنْ فِعل جبريلَ، * ت *: وقد عَكَسَ ـــ رحمه اللَّه ـــ نَقْلَ ما نَسَبَهُ للجمهورِ في سورةِ الأنبياءِ فقال: المَعْنَى واذْكُرِ الَّتي أحصنتْ فَرْجَها وهو الجارِحَة المعروفةُ، هذا قولُ الجمهورِ، انظر بقيةَ الكلامِ هناك. وقوله سبحانه: {مِن رُّوحِنَا} إضافةُ مخلوقٍ إلى خالقٍ، ومملوك إلى مالكٍ، كما تقول بَيْتُ اللَّهِ، ونَاقَةُ اللَّهِ، وكذلك الرُّوحُ الجنسُ كلُّه هو روح اللَّه، وقرأ الجمهور: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبَّهَا} بالجَمْعِ فَيُقَوِّي أنْ يريدَ التوراةَ، ويحتملُ أنْ يريدَ أمْرَ عيسَى، وَقَرَأ الجحدري: «بِكَلِمِة» فَيُقَوِّي أنْ يريدَ أمْرَ عيسى، ويحتملُ أنْ يريدَ التوراةَ، فتكونُ الكلمةُ اسْمُ جنسٍ، وقرأ نافع وغيره: «وكِتَابِهِ» وقرأ أبو عمرو وغيره: «وَكُتُبِهِ» ـــ بضم التاء ـــ وَالجَمْعِ، وذلك كلَّه مرادٌ بهِ التوراةُ والإنْجِيلُ، قال الثعلبيُّ: واختار أبو حاتم قراءةَ أبي عمرٍو بالجَمْعِ لعمومِها، واختار أبو عبيدة قِراءَة الإفْرَادِ؛ لأن الكتَابَ يُرَادُ به الجنسُ، انتهى؛ وهو حَسَنٌ، {وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَـٰنِتِينَ} أي: من القوم القانتينَ؛ وهم المطيعونَ العابِدونَ، وقد تقدَّم بيانُه.

ابن عادل

تفسير : ثم ضرب اللَّهُ مثلاً للصَّالحات، من النِّساء، فقال: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} إلى آخره، تقدم الكلام على "ضرب" مع "المَثَل"، وهل هو بمعنى "صير" أم لا؟ وكيف ينتصب ما بعدها في سورة "النحل". فصل في ضرب الله لهذا المثل ضرب الله هذا المثل تنبيهاً على أنه لا يغني أحد عن قريب، ولا نسب في الآخرة إذا فرق بينهما الدِّين، وكان اسم امرأة نوح "والهة"، وامرأة لوط "والغة"، قاله مقاتل. وقال الضحاكُ عن عائشة - رضي الله عنها -: إن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن اسم امرأة نوح "وَاغِلة" وامرأة لوط "والهة"، {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} يعني نوحاً ولوطاً. ويجوز أن يكون "امْرَأة نُوحٍ" بدلاً من قوله "مثلاً" على تقدير حذف المضاف، أي: ضرب الله مثلاً مثل امرأة نوح. ويجوزأن يكونا مفعولين. قوله: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ}. جملة مستأنفة كأنها مفسرة لـ"ضَرْبِ المثلِ"، ولم يأت بضميرهما، فيقال: تحتهما أي: تحت نوح ولوط، لما قصد من تشريفهما بهذه الإضافة الشريفة، وليصفهما بأجَلّ الصِّفات، وهو الصَّلاح. قوله: {فَخَانَتَاهُمَا}. قال عكرمة، والضحاك: بالكفر. وقال سليمان بن رقية، عن ابن عباس: كانت امرأة تقول للناس: إنه مجنون وامرأة لوط كانت تخبر بأضيافه. وعن ابن عباس: ما بَغَت امرأة نبي قط، وإنما كانت خيانتهما أنهما كانا على غير دينهما. قال القشيريُّ: وهذا إجماع من المفسرين إنما كانت خيانتهما في الدين، وكانتا مشركتين وقيل: كانتا منافقتين. وقيل: خيانتهما النَّميمةُ إذا أوحى الله إليهما شيئاً أفشتاه إلى المشركين، قاله الضحاك. وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال. قوله: {فَلَمْ يُغْنِيَا}. العامة: بالياء من تحت، أي: لم يغن نوح ولوط عن امرأتيهما شيئاً من الإغناء من عذاب الله. وقرأ مبشر بن عبيد: تغنيا - بالتاء من فوق -، أي: فلم تُغْن المرأتان عن أنفسهما. وفيها إشكال إذ يلزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل في غير المواضع المستثناة. وجوابه: أن "عَنْ" هنا اسم كهي في قوله: [الكامل] شعر : 4790 - دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ في حَجَراتِهِ ..................................... تفسير : وقد تقدم هذا والاعتراض عليه بقوله: {أية : وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ}تفسير : [مريم: 25] {أية : وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ}تفسير : [القصص: 32]، والجواب هناك. فصل في معنى الآية معنى الآية: لم يدفع نوح، ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما لما عصيا شيئاً من عذاب اللَّه تنبيهاً بذلك على أنَّ العذاب يدفع بالطَّاعة، لا بالوسيلة. وقيل: إن كفار مكة استهزءوا وقالوا: إنَّ محمداً يشفع لنا، فبين تعالى أن الشفاعة لا تنفع كفار "مكة"، وإن كانوا أقرباء كما لا ينفع شفاعة نوح امرأته، وشفاعة لوط لامرأته مع قربهما له لكفرهما. {وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ} في الآخرة كما يقال لكفار مكة وغيرهم. قطع الله بهذه الآية طمع من يرتكب المعصية أن ينفعه صلاح غيره، ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعاً. قوله: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ}. واسمها آسية بنت مزاحم. قال يحيى بن سلام: قوله: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} مثل ضربه الله يحذر به عائشة، وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا عليه صلى الله عليه وسلم ثم ضرب الله لهما مثلاً بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران ترغيباً في التمسك بالطاعة، والثبات على الدين. وقيل: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، أي: لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون حين صبرت على أذى فرعون. قال المفسرون: لما غلب موسى السحرة آمنت امرأةُ فرعون. وقيل: هي عمة موسى آمنت به، فلما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد، وألقاها في الشمس، وألقى عليها صخرة عظيمة، فقالت: "ربِّ نَجِّنِي مِنْ فرعَونَ وعمله". فرمى بروحها في الجنة، فوقعت الصخرة على جسد لا روح فيه. وقال الحسنُ: رفعها تأكل في الجنة، وتشرب. قال سلمان الفارسي: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة. قوله: {إذْ قَالَتْ رَبِّ}. منصوب بـ"ضرب"، وإن تأخر ظهور الضرب. ويجوز أن ينتصب بالمثل. قوله: {عِندَكَ}. يجوز تعلقه بـ"ابْنِ"، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "بَيْتاً" كان نعته فلما قدم نصب حالاً. و {فِي ٱلْجَنَّةِ}. إما متعلق بـ"ابْنِ" وإما بمحذوف على أنه نعت لـ"بَيْتاً". فصل في قصة امرأة فرعون. قال المفسرون: لما كانت تعذب في الشمس، وأذاها حرّ الشمس {قَالَتْ: رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ} فوافق ذلك حضور فرعون، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة، فقال فرعون: لا تَعْجبُوا من جُنُونهَا أنَا أعذِّبُها وهي تضحك، فقبض رُوحها. وروي أنه وضع على ظهرها رحى فأطلعها اللَّهُ، حتى رأت مكانها في الجنَّة، وانتزع روحها، فألقيت عليها صخرة بعد خروج روحها فلم تجد ألماً. وقال الحسن وابن كيسان: رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة، فهي فيها تأكل، وتشرب، وتتنعم. قوله: {وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ}. تعني بالعمل: الكفر. وقيل: "من عمله"، أي: من عذابه وظلمه. وقال ابن عباس: الجماع. {وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}، أي: الكافرين. قال الكلبيُّ: أهل "مصر". وقال مقاتل:القبط. قوله: {وَمَرْيَمَ ٱبْنَةَ عِمْرَانَ}. عطف على {ٱمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ}. ضرب الله المثل للكافرين بامرأتين، وللمؤمنين بامرأتين. وقال أبو البقاء: "ومَرْيَمَ" أي: "واذكر مريم". وقيل: أو "ومثل مريم". وقرأ العامة: "ابْنَة" بنصب التاء. وأيوب السختياني: بسكون الهاء، وصلاً، أجرى الوصل مجرى الوقف. والعامة أيضاً: "فَنَفَخْنَا فيْهِ" أي: في الفرجِ. وعبد الله: "فِيْهَا" أي: في الجملة. وقد تقدم في "الأنبياء" مثله. والعامة أيضاً: "وصَدَّقتْ" بتشديد الدال. ويعقوب وقتادة وأبو مجلز، وعاصم في رواية: بتخفيفها، أي: صدقت فيما أخبرت به من أمر عيسى. والعامة على: "بِكَلمَاتِ" جمعاً. والحسن ومجاهد والجحدري: "بِكلمَةِ" بالإفراد. فقيل: المراد بها عيسى؛ لأنه كلمةُ الله. فصل في مريم ابنة عمران ضرب الله مثلاً بمريم ابنة عمران وصبرها على أذى اليهود. وقوله: {ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} عن الفواحش. وقال المفسرون هنا: أراد بالفرج الجيب، لقوله {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} وجبريل - عليه السلام - إنما نفخ في جيبها ولم ينفخ في فرجها. وهي في قراءة أبيٍّ: {فنفخنا في جيبها من روحنا}، وكل خرق في الثوب يسمى فرجاً، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} تفسير : [ق: 6]. ويحتمل أن يكون أحصنت فرجها ونفخ الروح في جيبها. ومعنى "فَنَفَخْنَا" أرسلنا جبريل فنفخ في جيبها "مِنْ رُوحِنَا" أي: روحاً من أرواحنا وهي روح عيسى، وقوله: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا} أي: قول جبريل لها: {أية : إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ}تفسير : [مريم: 19] الآية. وقال مقاتل: يعني بالكلمات عيسى، وأنه نبيّ وعيسى كلمة الله كما تقدم. وقيل: {بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا} يعني الشرائع التي شرعها الله للعباد بكلماته المنزلة. قوله: {وَكُتُبِهِ}. قرأ أهل "البَصْرة" وحفص: "وكُتُبِهِ" على الجمع. وقرأ الأخرون: "وكِتَابِهِ" على التوحيد. والمراد منه الكثرة، فالمراد به الجِنْس، فيكون في معنى كل كتاب أنزله الله تعالى. وقرأ أبو رجاء: "وَكُتْبِهِ" بسكون التاء، وهو تخفيف حسن. وروي عنه: "وكَتْبِهِ" بفتح الكاف. قال أبو الفضل: مصدر وضع موضع الاسم، يعني ومكتوبه. فصل في المراد بالكتب أراد الكتب التي أنزلتْ على إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى. وقوله: {وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ}. يجوز في "مِن" وجهان: أحدهما: أنها لابتداء الغاية. والثاني: أنها للتبعيض، وقد ذكرهما الزمخشريُّ، فقال: و"مِنْ" للتبعيض، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية، على أنها ولدت من القانتين؛ لأنها من أعقاب هارون أخي موسى صلوات الله على نبيِّنا وعليهما وعلى سائر الأنبياء وآلهم. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: {مِنَ ٱلْقَانِتِينَ} على التذكير؟. قلت: القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين فغلب ذكوره على إناثه. ويجوز أن يرجع إلى أهل بيتها، فإنهم كانوا مطيعين لله، والقنوت: الطاعة. وقال عطاء: من المصلّين بين المغرب والعشاء. وعن معاذ بن جبلٍ: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة وهي تجود بنفسها: أتكرهين ما قد نزل بك، وقد جعل اللَّهُ في الكره خيراً، فإذا قدمت على ضراتك فأقرئيهنّ منِّي السَّلام مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم وكليمة - أو قال: حليمة - بنت عمران أخت موسى بن عمران، فقالت: بالرفاء والبنين يا رسول الله ". تفسير : [قال ابن الأثير: الرفاء والبنين: الالتئام والاتفاق والبركة والنَّماء، وهو مهموز. وذكره الهروي في "المعتلّ" قال: "وهو على معنيين: أحدهما: الاتفاق وحسن الاجتماع، والآخر: من الهدوء والسكون، وأما المهموز فمن قولهم: رَفَأتُ الثَّوب رفاءً، ورفوتُه رفواً" انتهى]. وروى قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : حَسْبُكُ مِنْ نِسَاءِ العَالمينَ أربعٌ: مَريَمُ ابْنَةُ عِمرانَ، وخَدِيجَةُ بنتُ خُويْلِدٍ، وفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وآسيةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امرأةُ فِرْعَونَ ". تفسير : روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورةَ {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} أعطاهُ اللَّهُ تَوْبَةٌ نَصُوحاً ".

البقاعي

تفسير : ولما كان أمر الاستئصال في الإنجاء والإهلاك أشبه شيء بحال أهل الآخرة في الدينونة بالعدل والفضل، وكان المفتتح به السورة عتاب النساء، ثم أتبع بالأمر بالتأديب لجميع الأمة إلى أن ختم بهلاك المخالف في الدارين، وكان للكفار قرابات بالمسلمين وكانوا يظنون أنها ربما تنفعهم، وللمسلمين قرابات بالكفار وكانوا ربما توهموا أنها تضرهم، قال مجيباً لما يتخيل من ذلك تأديباً لمن ينكر عليه صلى الله عليه وسلم من النساء وغيرهن: {ضرب الله} أي الملك الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً {مثلاً} يعلم به من فيه قابلية العلم ويتعظ به من له أهلية الاتعاظ {للذين كفروا} أي غطوا الحق على أنفسهم وعلى غيرهم سواء كانوا مشاققين أو منافقين في عدم انتفاعهم مع كفرهم بما بينهم وبين المؤمنين من الوصل والعلائق فيغلظ عليهم في الدارين معاملة بما يستحقون من غير محاباة لأحد وإن جل مقامه، وعلا منصبه ومرامه، لأن الكفر قاطع للعلائق بين الكافر والمسلم: {امرأت نوح} الذي أهلك الله من كذبه بالغرق ونصره وآواه عليه الصلاة والسلام وكان اسمها فيما يقال واعلة {وامرأت لوط} الذي أهلك الله أيضاً من كذبه بالحصب والخسف والإغراق، واسمها فيما قيل واهلة، ودل على وجه الشبه بقوله: {كانتا} أي مع كونهما كافرتين. ولم يقل: تحتهما، بل أظهر بالوصف العبودية المضافة إليه سبحانه وتعالى والوصف بالصلاح لأن ذلك أفخم، فيكون أشد تأثيراً للموعوظ وأعظم، ودفعاً لأن يتوهم أحد بشيء لا يليق بمقامهما عليهما الصلاة والسلام فقال: {تحت عبدين} أي كل واحدة منهما تحت عبد، وعبر بذلك لأن أثر الناس عند الملك كما تقدم عبيده، ودل على كثرة عبيده تنبيهاً على غناه بقوله: {من عبادنا}. ولما كانت طبقات القرب متفاوتة بحسب الصلاح قال: {صالحين} وهما نوح ولوط عليهما الصلاة والسلام {فخانتاهما} بعدم المتابعة في الدين نفاقاً منهما لا بالخيانة في الفرش، فقد صان الله جميع الأنبياء من ذلك فلم تقل واحدة منهما لأجل كفرهما: رب اجعلني مع نبيك في الجنة، وآذن بعدم قبول الشفاعة فيمن أساء إلى الحبيب وبعذابه حتماً للتشفي بقوله: {فلم} أي فتسبب عن ذلك أن العبدين الصالحين لم {يغنيا عنهما} أي المرأتين بحق الزواج {من الله} أي من عذاب الملك الذي له الأمر كله فلا أمر لغيره {شيئاً} أي من إغناء لأجل خيانتهما بالمخالفة في الدين، ودل على كمال قدرته تعالى بالتعبير بالمجهول فقال: {وقيل} أي للمرأتين ممن أذن له في القول النافذ الذي لا مرد له: {ادخلا النار} أي مقدماتها من الإصرار على الكفر ثم الإهلاك بعذاب الانتقام في الدنيا وحقيقتها في الآخرة لأن الله أبغضهما لأنهما عدو لأوليائه، وذلك كما قيل: عدو صديقي ليس لي بصديق. ولما فعلتا فعل الرجال في استقلالهما وعدم عدهما لأنفسهما تبعاً، غلظ عذابهما بالكون مع الرجال في عذابهم فقال دالاً على نفوذ الحكم فيمن هو أقوى منهما بعد نفوذه فيهما: {مع الداخلين *} أي الذين هم أعظم منهما ممن لهم وصلة بأهل الله وممن لا وصلة لهم بهم، فليتأدب كل أحد مع النبي صلى الله عليه وسلم غاية الأدب خوفاً من مثل ذلك، وهذا خالع لقلوب من ابتدأ بتأديبهن - رضي الله تعالى عنهن.

القشيري

تفسير : لمَّا سَبَقَتْ لهما الفُرْقةُ يومَ القِسْمة لم تنفعْهما القربةُ يومَ العقوبةُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ضرب الله مثلا للذين كفروا} ضرب المثل فى امثال هذه المواضع عبارة عن ايراد حالة غريبة ليعرف بها حالة اخرى مشاكلة لها فى الغرابة اى يجعل الله مثالا لحال هؤلاء الكفرة حالا ومآلا على ان مثلا مفعول ثان لضرب واللام متعلقة به {امرأة نوح وامرأة لوط} اى حالهما مفعوله الاول اخر عنه ليتصل به ما هو شرح وتفسير لحالهما ويتضح بذلك حال هؤلاء وامرأة نوح هى واعلة بالعين المهمله او والعة وامراة لوط هى واهلة بالهاء {كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين} بيان لحالهما الداعية لهما الى الخير والصلاة والمراد بكونهما تحتهما وكونهما فى حكمهما وتصرفهما بعلاقة النكاح والزواج وصالحين صفة عبدين اى كانتا تحت نكاح نبيين وفى عصمة رسولين عظيمين الشان متمكنتين من تحصيل خير الدنيا والآخرة وخيازة سعادتهما واظهار العبدين المراد بهما نوح ولوط لتعظيمهما بالاضافة التشريفية الى ضمير التعظيم والوصف بالصلاح والا فيكفى أن يقول تحتهما وفيه بيان شرف العبودية والصلاح {فخانتاهما} بيان لما صدر عنهما من الجناية العظيمة مع تحقق ما ينفيها من صحبة النبى والخيانة ضد الامانة فهى انما تقال اعتبارا بالعهد والامانة اى فخانتاهما بالكفر والنفاق والنسبة الى الجنون والدلالة على الاضياف ليتعرضوا لهم بالفجور لا بالبغاء فانه ما بغت امرأة نبى قط فالبغى للزوجة شد فى ايراث الانفة لاهل العار والناموس من الكفر وان كان الكفر اشد منه فى أن يكون جرما يؤاخذ به العبد يوم القيامة وهذا تصوير لحالهما المحاكية لهؤلاء الكفرة فى خيانتهم لرسول الله عليه السلام بالكفر والعصيان مع تمكنهم التام من الايمان والطاعته {فلم يغنيا} الخ بيان لما ادى اليه خيانتهما اى فلم يغن النبيان {عنهما} اى عن تينك المرأتين بحق الزواج {من الله} اى من عذابه تعالى {شيئا} من الاغناء اى لم يدفعا العذاب عنهما زن نوح غرق شد بطوفان وبر سرزن لوط سنك باريد {وقيل} لهما عند موتهما او يوم القيامة وصيغة المضى للتحقق قاله الملائكة الموكلون بالعذاب {ادخلوا النار مع الداخلين} اى مع سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الاولياء ذكر بلفظ المذكر لانهن لا ينفردن بالدخول واذا اجتمعا فالغلبة للذكور وقطعت هذه الآية طمع من يرتكب المعصية أن ينفعه صلاح غيره من غير موافقة له فى الطريقة والسيرة وان كان بينه وبينه لحمة نسب او وصلة صهر قال القاشانى الوصل الطبيعية والاتصلات الصورية غير معتبرة فى الامور الاخروية بل المحبة الحقيقية والاتصالات الروحانية هى المؤثرة فحسب والصورية التى بحسب اللحمية الطبيعية والخلط والمعاشرة لا يتبقى لها اثر فيما بعد الموت اذ لا انساب بينهم يوم القيامة وقس عليه النسب الباطنى فان جميع القوى الخيرية والشريرة وان تولدت من بين زوجى الروح والجسد لكن الشريرة ليست من اهل الروح فى الحقيقة مثل ولد نوح فكل من السعدآء والاشقياء مفترقون فىالدارين شعر : جه نسبت است برندى صلاح وتقويرا سماع وعظ كجا نغمه رباب كجا

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "مثلاُ": مفعول ثان لضرب، أي: جعل، و"امرأةَ": مفعول أول، أي: جعل امرأة نوح وامرأة لوط مثلاُ مضروباً للذين كفروا. يقول الحق جلّ جلاله: {ضَرَبَ اللهُ مثلاً للذين كفروا}، ضَرْبُ المثل في أمثال هذه المواقع عبارة عن: إيراد حالة غريبة ليُعرف بها حالة أخرى، مشاكِلة لها في الغرابة، أي: ضرب الله مثلاً لحال الذين كفروا حيث يُعاقَبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين، ولا ينفعهم ما كان بينهم وبين المؤمنين من النسب والمصاهرة بهاتين المرأتين، {امرأتَ نوحٍ وامرأتَ لوطٍ} قيل: اسم الأولى: واهلة، والثانية: راعلة، {كانتا تحت عبدين من عبادنا صَالِحَينِ} أي: كانتا في عصمة نبييْن عظيميْن، متمكنين من تحصيل خير الدنيا والأخرة، وحيازة سعادتهما، {فخانتاهما} بإفشاء سرهما، أو بالكفر والنفاق، {فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً} أي: فلم يُغن الرسولان عن المرأتين بحق ما بينهما من الزواج شيئاً من الإغناء من عذاب الله تعالى، {وقيل} لهما عند موتهما، أو يومَ القيامة: {ادخلا النارَ مع الداخلين} أي: مع سائر الداخلين من الكفرة، الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. قال القشيري: لما سبقتً للمرأتين الفُرْقةُ يوم القِسْمة, لم تنفعهما القرابةُ يومَ العقوبة. هـ. قال ابن عطية: وقول مَن قال: إنَّ في المثلَين عبرة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعيد. هـ. قلت: لا بُعد فيه لذكره إثر تأديب المرأتين، وليس فيه غض لجانبهنّ المعظم، إنما فيه إيقاظ وإرشاد لما يزيدهم شرفاً وقُرباً من تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته، وصيانة سِره، والمسارعة إلى ما فيه محبتُه ورضاه، وكل مَن نصحك فقد أحبّك، وكل مَن أهملك فقد مقتك. {وضَرَبَ اللهُ مثلاً للذين آمنوا} في أنهم ينفعهم إيمانهم، ولو كانوا تحت قهرية الكفرة، حيث لم يميلوا عنه، {امرأة فرعونَ}، وهي أسية بنت مزاحم، وهي عمة موسى عليه السلام، آمنت به فعذّبها بالأوتاد الأربعة، وتَدَ يديها ورجليها وألقاها في الشمس على ظهرها، وألقى عليها صخرةَ عظيمة، فأبصرت بيتَها في الجنة، من دُرة، وانتزع اللهُ روحَها، فلقيتها الصخرة بلا روح، فلم تجد ألماً، وقال سَلْمَان: كانت امرأة فرعون تُعذَّب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة، وفيه بيان أنها لم تمِل عن الإيمان مع شدة ما قاست من العذاب، وكذا فليكن صوالح النساء، وأمر عائشة وحفصة أن يكونا كآسية هذه. هـ. من الثعلبي. {إِذ قالتْ}: ظرف لمحذوف, أي: ضرب مثلاً لحالها حين قالت: {رَبِّ ابْنِ لي عندكَ} أي: قريباً من رضوانك {بيتاً في الجنة} أو: في أعلى درجات المقربين، رُوي: أنها لَمّا قالت ذلك أُريت بيتها في الجنة. {ونجِّني من فرعونَ وعملِهِ} أي: من نفسه الخبيثة وعمله السيىء {ونجني من القوم الظالمين} أي: من القبط التابعين له في الظلم قال الحسن وابن كيسان: نجاها الله أكرمَ نجاةٍ، ورفعها إلى الجنة، فهي فيها تأكل وتشرب. هـ. {ومريمَ ابنة عمرانَ}: عطف على " امرأة فرعون" أي: وضرب اللهُ مثلاً للذين آمنوا حالَها وما أُتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين، مع كون قومها كفاراً، {التي أحْصَنَتْ فَرْجَها}؛ حفظته {فنفخنا في مِن روحنا} المخلوقة لنا، أو: من روح خَلقتُه بلا واسطة، {وصدَّقتْ بكلماتِ ربها}؛ بصُحفه المنزلة، أو: بما أوحى اللهُ إلى أنبيائه، {وكتابه} أي: جنس الكتاب الشامل للكل، وقرأ البصري وحفص بالجمع، أي: كُتبه الأربعة، وقُرىء: "بكلمة الله وكتابه" أي: بعيسى وبالكتاب المنزَّل عليه الإنجيل، {وكانت من القانِتين} أي: من عدة المواظبين على الطاعة، والتذكير للتغليب، والإشعار بأنَّ طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال، حتى عُدت من جملتهم، أو كانت من نسل القانتين؛ لأنها من أعقاب هارون، أخي موسى عليهما السلام. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". تفسير : قال النسفي: وفي طيِّ هذين التمثيلين تعريض بأمَّيِّ المؤمنين المذكورتين في أوّل السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كَرِهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه، وإشارة إلى أنّ مِن حقهما أن تكونا في الأخلاق كهاتين المؤمنتين، وألاّ تتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى عليه وسلم. هـ. وفي الثعلبي: وقال ابن عباس وجماعة: قطع اللهُ بهذه الآية طمَعَ مَن ركب المعصية، ورجا أن ينفعه صلاح غيره، وأخبر أنّ معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعاً. هـ. الإشارة: قال القشيري: المرأتان الكافرتان إشارة إلى النفس الأمّارة والهوى المتَّبع، أي: كانتا تحت القلب والروح، فخانتاهما، حيث غلبتا القلبَ والروحَ، وجذبتاهما إليهما، فمال القلب إلى الحظوظ الجسمانية، ومالت الروحُ إلى الحروف الظلمانية، كحب الجاه والرئاسة والكرامة، فلم تُغنيا عنهما من الله شيئاً، حيث فاتهما اليقين والمعرفة العيانية، والمرأتان المؤمنتان إشارة إلى النفس المطمئنة والقلب المطمئن، حيث غلبا النفس الأمّارة والهوى، لم يضرهما صحبتهما، فقالت النفس المطمئنة: ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، والقلب لمّا حَفِظً نفسه من دخول العلل، نفخ الحقُّ فيه من روحه، فأحياه به، وأشْهَده أنوار قدسه، فصدّق بكلمات الله الدالة على ذاته، ثم ترقَّى إلى شهود المتكلِم، وكان من القانتين، فجمع بين شهود عظمة الربوبية وآداب العبودية. قال الورتجبي: {فنفخنا فيه...} الآية، أي: ظهر فيه نور الفعل، ثم ظهر في نور الفعل نور الصفة، فظهر في نور الصفة نور الذات، فكان بنور الذات والصفات حيًّا موصوفاً بصفاته، ناظراً إلى مشاهدة نور ذاته، لم تنقطع عنه أنوار الذات والصفات والفعل أبداً. وهذه خاصية لمَن له أثر من روحه. قال بعضهم: نفخ من نوره في روح عبده، ليحيي بذلك الروح، ويحيى به، ويطلب النورَ ولا يغفل عن طلب المُنوِّر، فيعيش في الدنيا حميداً، ويُبعث في الآخرة شهيداً، فلمّا وجدت رَوحُ روحِ الله صدّقت بظهوره في العالم، وشبيه قلوب العالمين بأنه يكون مرآة الحق للخلق، وذلك قوله: {وصَدَّقت بكلمات ربها} ولمّا باشر أنوار القدس وروح الأنس كادت نفسها أن تميل إلى السكر في الأنانية، فسبق لها العناية، وأبقاها في درجة العبودية، حتى لا تسقط بالسُكر عن مقام الصحو، ألآ ترى كيف قال: {وكانت من القانتين} أي: من المستقيمين في معرفتها بربها، ومعرفتها بقيمة نفسها أنها مُسَخَّرة عاجزة لربها. هـ. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

اطفيش

تفسير : {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَروا امْرَأَتَ نُوحٍ} واسمها والهة {وامْرأَتَ لُوطٍ} واسمها والعة مثل حالهم في ان قربهم لا يمنعهم من العقاب بحالهما. {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدِيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} هما نوح ولوط وهذا تعظيم لهما صلى الله وسلم عليهما لنفسه {فَخَانَتَاهُمَا} في الدين بفعل الكبائر وعن ابن عباس ان امرأة نوح كانت تفشي سره وامرأة لوط اذا نزل به ضيف اخبرت قومه ليعملوا بهم وروي انها توقد بالليل ناراً وتدخن في النهار علامة وروي ان امرأة نوح كانت إذا آمن به احد اخبرت به الجبابرة وقيل: خيانتهما الزنى وهو مذهب الحسن ورد بانه سبح في الطبع نقيصه عند كل احد بخلاف الكفر فإن الكفار يقولون انه حق قال ابن عباس وابن عبد السلام ما بغت امرأة نبي قط أي ما زنت وقيل: إن خيانتهما الشرك كانتا تخفيانه. وروي أن امرأة نوح كانت تقول أنه مجنون. {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً} بحق الزواج فلتحذر ازواج النبي العصيان فانه لا يغني عنهن فالاية تعريض لهن والتعريض بحفصة ارجح لانها افشت سره صلى الله عليه وسلم كما افشت امرأة نوح سره. {وَقِيلَ ادْخُلا النَّار مَعَ الدَّاخِلِينَ} مع سائر داخليها الذي لا وصلة لهم بينهم وبين الانبياء.

اطفيش

تفسير : {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} وذلك فى اللوح المحفوظ أو فى خلق القرآن، أو ذلك إِنشاء كقولك اشتريت عاقداً للشراء، ومعنى ضرب المثل إِثبات غريب يعرف به أمر آخر مشاكل له، ومحط ضرب المثل خيانة المرأتين مع أنهما مع نور النبيين الهاديين، وهما من أهل النار ولا ينفعهما النبيان، وكذلك لا تنفع قرابة النبى - صلى الله عليه وسلم - من كفر به، ومثلا مفعول ثان مقدم، وامرأة مفعول أول مؤخر، وللذين متعلق بضرب أو نعت لمثلاً لا متعلق بمثلاً كما قيل، لأَنه جاهد وعلى تأويله بمماثل يحتاج لتقدير مضاف أى مماثلاً لحال الذين كفروا، نعم فيه وفى جعله نعتاً عدم الفصل بين ضرب ومتعلقه وآخر المفعول الأَول ليتصل بما يفسره وهو كون المرأتين تحت عبدين.. الخ، وتعدى لاثنين لمعنى التصيير، ولك جعل مثلا مفعولا به وامرأة بدلاً منه متعدياً لواحد أى أثبت فى المماثلة امرأة نوح الخ. {امْرَأةَ نُوحٍ} اسمها والعة أو والهة. {وَامْرَأةَ لُوطٍ} اسمها والهة على أن امرأة نوح والعة، أو اسمها والعة على أن امراة نوح والهة. {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا} نبيين عظيمين أديا ما لزمهما من حق العبودية لله تعالى قدر جهدهما نوح ولوط عليهما السلام وغاية حق الله عز وجل لا طاقة لمخلوق فى القيام بها. {صَالِحَينِ} متحررين عن الفساد والبطالة حتى أن لهما سعادة الدنيا والآخرة {فَخَانَتَاهُمَا} بإِضمار الشرك وإِعانة أهله بكل ما وجدتا ونفاق إِظهار التوحيد لهما، وفى ذلك أن امرأة نوح تقول للناس إِن نوحاً مجنون. وأن امرأة لوط تدل قومه على الضيف ليفحشوا بهم، وأنهما إِذا أوحى إِليهما أفشتا الوحى على الوجه الذى لا يليق بزيادة أو نقص أو تبديل، وأنهما تنمان، وقيل كفر جارحة لا إِضمار شرك، وقيل إِن خيانتيهما الزنى وقيل الشرك والزنى، ويردهما أن الزانى فى أزواج الأَنبياء نقيصة فيهم فلا تتصور، بخلاف الإِشراك فإِنه ليس فى قلوب المشركين نقصاً وعيباً بل يعدونه حقاً لعنهم الله ولعن اعتقادهم. وعن ابن عباس موقوفاً "حديث : ما زنت امرأة نبي قط"تفسير : . ورواه أشرس بسنده إِلى النبى - صلى الله عليه وسلم - {فَلَمْ يُغْنِيَا} أى العبدان الصالحان بسبب خيانتهما. {عَنْهُمَا} عن المرأتين الخائنتين وهما زوجان للعبدين الصالحين. {مِنَ اللهِ} حال من قوله {شَيْئًا} مفعول ليغنى بمعنى لم يدفعا شيئاً من عذاب الله عنهما بالشفاعة للزوجية، أو مفعول مطلق أى لم يغنيا عنهما إِغناء ما. {وَقِيلَ} قال الله تعالى كيف يليق أو الملائكة يوم القيامة والماضى لتحقق الوقوع أو عند موتهما والماضى على ظاهره {ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} موت الكافر أو قبره أول الآخرة ومفتاح لنار الآخرة بل يعذب أيضاً فى قبره أو روحه بنار منها، والمراد مع سائر الداخلين الذين لا وصلة لهم بالعباد الصالحين فكأَنهما لم تكن لهما وصلة وهما النبيان إِذ لم تتبعاهما، وكذلك لا ينتفع من قرب من الكفار إِليه - صلى الله عليه وسلم - بقرابته، وكذلك لا تنفع أُمهات المؤمنين زوجيتهن للنبى - صلى الله عليه وسلم - لو ارتكبن محظوراً ولم يتبن حاشاهن، والآية دالة على ذلك كله.

الالوسي

تفسير : {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } ضَرْبُ المثل في مثل هذا الموقع عبارة عن إيراد حالة غريبة لتعرف بها حالة أخرى مشاكلة لها في الغرابة، أي جعل الله تعالى مثلاً لحال الكفرة حالاً ومآلاً على أن (مثلاً) مفعول ثان لضرب، واللام متعلقة به، وقوله تعالى: {ٱمْرَأَتَ نُوحٍ } واسمها قيل: والعة {وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ } واسمها قيل: واهلة، وقيل: والهة، وعن مقاتل اسم امرأة نوح والهة واسم امرأة لوط والعة - مفعوله الأول؛ وأخر عنه ليتصل به ما هو شرح وتفسير لحالهما، ويتضح بذلك حال الكفرة، والمراد ضرب الله تعالى مثلاً لحال أولئك حال امرأة الخ، فقوله تعالى: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ } بياناً لحالهما الداعية لهما إلى الخير والصلاح، ولم يقل: تحتهما للتعظيم أي كانتا في عصمة نبيين عظيمي الشأن متمكنين من تحصيل خير الدنيا والآخرة وحيازة سعادتهما. وقوله تعالى: {فَخَانَتَاهُمَا } بيان لما صدر عنهما من الخيانة العظيمة مع تحقق ما ينافيها من مرافقة النبـي عليه الصلاة والسلام، أما خيانة امرأة نوح عليه السلام فكانت تقول للناس: إنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل على الضيف، رواه جمع وصححه الحاكم عن ابن عباس. وأخرج ابن عدي والبيهقي في «شعب الإيمان» وابن عساكر عن الضحاك أنه قال: خيانتهما النميمة، وتمامه في رواية: كانتا إذا أوحى الله تعالى بشيء أفشتاه للمشركين، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: خيانتهما أنهما كانتا كافرتين مخالفتين، وقيل: كانتا منافقتين، والخيانة والنفاق قال الراغب: ((واحد إلا أن الخيانة تقال اعتباراً بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتباراً بالدين ثم يتداخلان، فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر ونقيضها الأمانة، وحمل ما في الآية على هذا))، ولا تفسر هٰهنا بالفجور لما أخرج غير واحد عن ابن عباس «ما زنت امرأة نبـي قط» ورفعه أشرس إلى النبـي صلى الله عليه وسلم، وفي «الكشاف» لا يجوز أن يراد بها الفجور لأنه سمج في الطبع نقيصة عند كل أحد بخلاف الكفر فإن الكفر لا يستسمجونه ويسمونه حقاً. ونقل ابن عطية عن بعض تفسيرها بالكفر والزنا وغيره، ولعمري لا يكاد يقول بذلك إلا ابن زنا، فالحق عندي أن عهر الزوجات كعهر الأمهات من المنفرات التي قال السعد: إن الحق منعها في حق الأنبياء عليهم السلام، وما ينسب للشيعة مما يخالف ذلك في حق سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم كذب عليهم فلا تعول عليه وإن كان شائعاً. وفي هذا على ما قيل: تصوير لحال المرأتين المحاكية لحال الكفرة في خيانتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفر والعصيان مع تمكنهم التام من الإيمان والطاعة. وقوله تعالى / {فَلَمْ يُغْنيَا } الخ بيان لما أدى إليه خيانتهما أي فلم يغن ذانك العبدان الصالحان والنبيان العظيمان {عَنْهُمَا } بحق الزواج {مِنَ ٱللَّهِ } أي من عذابه عز وجل {شَيْئاً } أي شيئاً من الإغناء، أو شيئاً من العذاب. {وَقِيلَ } لهما عند موتهما أو يوم القيامة، وعبر بالماضي لتحقق الوقوع {ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدٰخِلِينَ } أي مع سائر الداخلين من الكفرة الذي لا وصلة بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام. وذكر غير واحد أن المقصود الإشارة إلى أن الكفرة يعاقبون بكفرهم ولا يراعون بما بينهم وبين النبـي صلى الله عليه وسلم من الوصلة. وفيه تعريض لأمهات المؤمنين وتخويف لهنّ بأنه لا يفيدهن إن أتين بما حظر عليهن كونهن تحت نكاح النبـي صلى الله عليه وسلم، وليس في ذلك ما يدل على أن فيهن كافرة أو منافقة كما زعمه يوسف الأوالي من متأخري الإمامية، سبحانك هذا بهتان عظيم. وقرأ مبشر بن عبيد ـ تغنيا ـ بالتاء المثناة من فوق، و {عَنْهُمَا } عليه بتقدير عن نفسهما قال أبو حيان: ولا بد من هذا المضاف إلا أن يجعل ـ عن ـ اسماً كهي في: دع عنك لأنها إن كانت حرفاً كان في ذلك تعدية الفعل الرافع للضمير المتصل إلى ضميره المجرور وهو يجري مجرى الضمير المنصوب وذلك لا يجوز. وفيه بحث.

ابن عاشور

تفسير : أعقبت جملة { أية : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين}تفسير : [التحريم: 9] الآية المقصود منها تهديدهم بعذاب السيف في الدنيا وإنذارهم بعذاب الآخرة وما قارن ذلك من مقابلة حالهم بحال المؤمنين، بأن ضرَب مثلين للفريقين بنظيرين في حاليهما لتزداد الموعظة وضوحاً ويزداد التنويه بالمؤمنين استنارة. وقد تقدمت فائدة ذكر الأمثال في قوله تعالى: {أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً}تفسير : في سورة [البقرة: 17]. وضربُ المثل: إلقاؤه وإيضاحه، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما}تفسير : في سورة [البقرة: 26]. فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. وهذا المثل لا يخلو من تعريض بحث زوْجي النبي صلى الله عليه وسلم على طاعته وبأنَّ رضى الله تعالى يتبع رضى رسله. فقد كان الحديث عن زوجتي النبي قريباً وكان عَملهما ما فيه بارقة من مخالفة، وكان في المثلين ما فيه إشعار بالحالين. وتعدية ضرب باللام الدال على العلة تفيد أن إلقاء المثل لأجل مدخول اللام. فمعنى {ضرب الله مثلاً للذين كفروا} أنه ألقى هذا التنظير لأجلهم، أي اعتبارهم بهم وقياسِ حالهم على حال الممثل به، فإذا قيل: ضرب لفلان مثلاً، كان المعنى: أنه قصده به وأعلمه إياه، كقوله تعالى: { أية : ما ضربوه لك إلا جدلاً}تفسير : [الزخرف: 58]. {أية : ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل}تفسير : [الروم: 58]. ونحو ذلك وتقديم المجرور باللام على المفعول للاهتمام بإيقاظ الذين كفروا. فمعنى {ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوطٍ}، أن الله جعل حالة هاتين المرأتين عظة وتنبيهاً للذين كفروا، أي ليُذكرهم بأن الله لا يصرفه عن وعيده صَارِف فلا يحسبوا أن لهم شفعاء عند الله، ولا أن مكانهم من جوار بيتِه وعمارة مسجده وسقاية حجيجه تصرف غضب الله عنهم، فإن هم أقلعوا عن هذا الحسبان أقبلوا على التدبر في النجاة من وعيده بالنظر في دلائل دعوة القرآن وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فلو كان صارف يصرف الله عن غضبه لكان أولى الأشياء بذلك مكانة هاتين المرأتين من زوجيهما رسولي رب العالمين. ومناسبة ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط دون غيرهما من قرابة الأنبياء نحو أبي إبراهيم وابن نوح عليهما السلام لأن ذكر هاتين المرأتين لم يتقدم. وقد تقدم ذكر أبي إبراهيم وابن نوح، لتكون في ذكرهما فائدة مستجدة، وليكون في ذكرهما عقب ما سبق من تمالُؤِ أُمي المؤمنين على زوجهما صلى الله عليه وسلم تعريض لطيف بالتحذير من خاطر الاعتزاز بغناء الصلة الشريفة عنهما في الوفاء بحق ما يجب من الإِخلاص للنبي صلى الله عليه وسلم ليكون الشَّبه في التمثيل أقوى. فعن مقاتل «يقول الله سبحانه لعائشة وحفصة: لا تكونا بمنزلة امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية وكونا بمنزلة امرأة فرعون ومريم». ووضحه في «الكشاف» بأنه من قبيل التعريض. ومنعه الفخر، وقال ابن عطية: «قال بعض الناس في المثلين عبرة لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم حين تقدم عتابهن. وفي هذا بُعد لأن النص أنه للكفار يبعد هذا» اهـ. ويدفع استبعاده أن دلالة التعريض لا تنافي اللفظ الصريح، ومن لطائف التقييد بقوله تعالى: {للذين كفروا} أن المقصد الأصلي هو ضرب المثل للذين كفروا وذلك من الاحتراس من أن تحمل التمثيل على المشابهة من جميع الوجوه والاحتراس بكثرة التشبيهات ومنه تجريد الاستعارة. وقصة امرأة نوح لم تذكر في القرآن في غير هذه الآية والذي يظهر أنها خانت زوجها بعد الطوفان وأن نوحاً لم يعلم بخونها لأن الله سمى عملها خيانة. وقد ورد في سفر التكوين من التوراة ذكر امرأة نوح مع الذين ركبوا السفينة وذِكر خروجها من السفينة بعد الطوفان ثم طوي ذكرها لما ذكر الله بركته نوحاً وبنيه وميثاقه معهم فلم تذكر معهم زوجه. فلعلها كفرت بعد ذلك أو لعل نوحاً تزوج امرأة أخرى بعد الطوفان لم تذكر في التوراة. ووصف الله فعل امرأة نوح بخيانة زوجها، فقال المفسرون: هي خيانة في الدين، أي كانت كافرة مسرة الكفر، فلعل الكفر حدث مرة أخرى في قوم نوح بعد الطوفان ولم يذكر في القرآن. وأما حديث امرأة لوط فقد ذكر في القرآن مرات. وتقدم في سورة الأعراف ويقال: فلانةُ كانت تحت فلان، أي كانت زوجاً له. والتحتية هنا مجاز في معنى الصيانة والعصمة ومنه قول أنس بن مالك في الحديث المروي في «الموطأ» وفي «صحيح البخاري» عن أم حرام بنت ملحان: «وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت». ومن بدائع الأجوبة أن أحد الأمراء من الشيعة سأل أحد علماء السنة: من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه: «الذي كانت ابنتُه تحتَه» فظن أنه فضل علياً إذْ فهم أن الضمير المضاف إليه «ابنَة» ضميرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الضمير المضاف إليه (تحت) ضمير اسم الموصول، وإنما أراد السنيّ العكس بأن يكون ضمير «ابنته» ضمير الموصول «تحته» ضمير رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك هو أبو بكر. وقد ظهر أن المراد بالعبدين نوح ولوط وإنما خصّا بوصف «عبدين صالحين» مع أن وصف النبوة أخص من وصف الصلاح تنويهاً بوصف الصلاح وإيماء إلى أن النبوة صلاح ليعظم بذلك شأن الصالحين كما في قوله تعالى: {أية : وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين}تفسير : [الصافات: 112]. ولتكون الموعظة سارية إلى نساء المسلمين في معاملتهن أزواجهن فإن وصف النبوة قد انتهى بالنسبة للأمة الإِسلامية، مع ما في ذلك من تهويل الأذى لعباد الله الصالحين وعناية ربهم بهم ومدافعته عنهم. والخيانة والخون ضد الأمانة وضد الوفاء، وذلك تفريط المرء ما اؤتمن عليه وما عهد به إليه. وقد جمعها قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون}تفسير : [الأنفال: 27]. وانتصب {شيئاً} على المفعولية المطلقة لـ{يُغنيا} لأن المعنى شيئاً من الغنى، وتنكير {شيئاً} للتحقير، أي أقل غنى وأجحفه بَلْهَ الغنى المهم، وتقدم في قوله تعالى: {أية : إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً}تفسير : في سورة [الجاثية: 19]. وزيادة {مع الداخلين} لإِفادة مساواتهما في العذاب لغيرهما من الكفرة الخونة. وذلك تأييس لهما من أن ينتفعا بشيء من حظوة زوجيهما كقوله تعالى: { أية : ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون}تفسير : [الأنعام: 22].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَةَ نُوحٍ وَٱمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}. الآية. أجمع المفسرون هنا على ان الخيانة ليست زوجية. وقال ابن عباس: نساء الانبياء معصومات، ولكنها خيانة دينية بعدم إسلامهن وإخبار أقوامهن بمن يؤمن مع أزواجهن اهـ. وقد يستأنس لقول ابن عباس هذا بتحريم التزوج من نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم بعده، والتعليل له بأن ذلك يؤذيه، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً}تفسير : [الأحزاب: 53]. فإذا كان تساؤلهنّ بدون حجاب يؤذيه، والزواج بهنّ من بعده عند الله عظيم، فكيف إذا كان غير التساؤل وبغير الزواج؟ إن مكانه الأنبياء عند الله أعظم من ذلك. وقوله تعالى: {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} فيه بيان أن العلاقة الزوجية لا تنفع شيئاً من الكفر، وقد بين تعالى ما هو أهم من ذلك في عموم القرابات كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ}تفسير : [الشعراء: 88]. قوله: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}تفسير : [عبس: 34-35] الآية. وجعل الله هاتين المرأتين مثلاً للذين كفروا، وهو شامل لجميع الأقارب كما قدمنا. وقد سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في معرض محاضرة له الاستطراد في ذلك، وذكر قصة هاتين المرأتين، وقصة إبراهيم مع أبيه ونوح مع ولده، فاستكمل جهات القرابات زوجة مع زوجها، وولد مع والده، ووالد مع ولده. وذكر حديث "حديث : يا فاطمة إعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئاً ". تفسير : ثم قال: ليعلم المسلم أن أحداً لا يملك نفع أحد يوم القيامة، ولو كان أقرب قريب إلا بواسطة الإيمان بالله وبما يكرم الله به من شاء بالشفاعة، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}تفسير : [الطور: 21] الآية.

القطان

تفسير : ضربُ المثل: ذِكر حالٍ غريبة للعِظة والاعتبار. تحت عبدَين: يعني زوجتين لنبيَّين. كريمين: هما نوح ولوط. فخانتاهما: بالكفر والنفاق. أحصنتْ فرجَها: عفّت عن الفجور فكانت عفيفة. فنفخنا فيه: فخلقنا فيه الحياة. بكلمات ربّها: بشرائعه وكتبه. يبينُ الله تعالى في هذه الآيات الكريمة أمثلةً واضحة من أحوال النساء تظهر فيها حقائقُ مهمّة، فمن النساء صنفٌ لا يردعُهنّ عن كفرِهنّ حتى وجودُهن في بيوت الأنبياء، كامرأة نوحٍ التي كانت تقول عن زوجها إنه مجنون، وخانتْه بالتآمر عليه وعدم تصديقه برسالته. وكذلك امرأة لوط، كانت كافرةً وخانت زوجها بالتآمر عليه مع قومه حين دلّت قومه على ضيوفه لمآرب خبيثة. فوجودهما في بيت النبوّة مع كفرهما - لم يغيّر منهما شيئاً وذهبتا الى النار. وهناك حالة اخرى عكسَ ما تقدم، وهي امرأةُ فرعون آسيةُ بنت مزاحم، كانت زوجةً لرجل من شرار الناس، وهي مؤمنة مخلصة في ايمانها: {إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}. وهذا كله يتفق مع قاعدة الاسلام {أية : أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [النجم: 38] وقوله تعالى: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286]. وكذلك ضربَ الله مثلا حالَ مريم ابنةِ عمرانَ التي عفّتْ وآمنت بكلماتِ ربّها، فرزقَها الله عيسى بن مريم صلواتُ الله عليه وسلامه. وفي هذه الأمثال عظةٌ للمؤمنين، ولزوجاتِ الرسول الكريم، وتخويفٌ لكل من تحدّثه نفسُه بأنه سينجو لأنه ابنُ فلان، او انه قريبٌ لفلان من الصالحين. ولا ينجّي الانسانَ الا عملُه وتقاه وايمانه الخالص، واللهُ وليّ الصالحين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱمْرَأَتَ} {صَالِحَيْنِ} {ٱلدَّاخِلِينَ} (10) - يَضْرِبُ اللهُ تَعَالَى مَثَلاً لِحَالِ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ الذِينَ يُخالِطُونَ المُسْلِمِينَ، وَيُعَاشِرُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَنْتَفِعُونَ بِمَا يَنْتَفِعُ بِهِ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ مِنَ العِظَاتِ والدَّلاَئِلِ وَالبَرَاهِينِ، بِحَالِ امْرَأَةِ نُوحٍ وَامْرَأَةِ لُوطٍ، فَقَدْ كَانَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا زَوْجَةً لِنَبِّيٍّ صَالِحٍ مِنْ أَنْبِياءِ اللهِ، وَلَكِنَّهُمَا لَمْ تَنْتَفِعَا بِمَا كَانَا يَدْعُوَانِ إِليْهِ مِنَ الخَيْرِ وَالهُدَى وَالإِيْمَانِ بِاللهِ تَعَالَى، وَعَمِلَتَا أَعْمَالاً تَدُلُّ على الخِيَانَةِ وَالكُفْرِ، فَاتَّهَمَتِ امْرَأَةُ نُوحٍ زَوجَهَا بِالجُنُونِ، وَكَانَتْ إمْرَأَةُ لُوطٍ تُرْشِدُ قَوْمَهَا إِلَى ضُيُوفِ زَوْجِهَا لِيَفْعَلُوا مَعَهُمْ الخَبَائِثَ، فَأَهْلَكَهُمَا اللهُ مَعَ قَوْمِهِمَا، وَسَيَكُونُ مَصِيرُهُمَا النَّارَ فِي الآخِرَةِ، وَلَنْ يَنْفَعَهُمَا قُرْبُهُمَا مِنْ نَبِيَّينِ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ، وَلاَ انْتِسَابُهُمَا إِليهِمَا، وَيُقَالُ لَهُمَا: ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ إِليهَا. فَخَانَتَاهُمَا - بِالنِّفَاقِ والنَّمِيمَةِ. فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا - فَلَمْ يَدْفَعَا عَنْهُمَا وَلَمْ يَمْنَعَا عَنْهُمَا.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَخَانَتَاهُمَا} معناه كانتْ امرأةُ نُوحٍ عليهِ السّلامُ، تُخبرُ النّاسَ أنهُ مَجنونٌ. وكانتْ امرأةُ لوطٍ عليهِ السّلامُ تَدُلُ النَّاسَ عَلى الأَضيافِ. وما زَنتْ امرأةُ نَبي قَطْ.

الجيلاني

تفسير : وبالجملة: {ضَرَبَ ٱللَّهُ} العليم الحكيم {مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ } وشبَّه حال الكفرة بحالهما في عدم دفع صحبتهم مع المؤمنين، ومحبتهم معهم شيئاً من عذاب الله؛ إذ {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا} وهم نوح ولوط - عليهما السلام - {صَالِحَيْنِ} لقبولنا، مصلحين لأعمالهما وأخلاقهما، وعموم أطوارها {فَخَانَتَاهُمَا} أي: تلكما المرأتان بالنفاق {فَلَمْ يُغْنِيَا} ولم يدفعا؛ أي: العبدان {عَنْهُمَا} أي: عن تلك المرأتين {مِنَ} عذاب {ٱللَّهِ} المنتقم الغيور {شَيْئاً} من الإغناء، بل {وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ} المعدة للكفار والعصاة {مَعَ} سائر {ٱلدَّاخِلِينَ} [التحريم: 10] فيها بلا مبالاة إلى زوجيهما. {وَضَرَبَ ٱللَّهُ} أيضاً {مَثَلاً} آخر {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} شبَّه حال المؤمنين في وصلة الكافرين بحال امرأة فرعون مع فرعون، وعدم تضرر إيمانها منه، بل تأكد إيمانها بصحبة زوجها فرعون - لعنه الله - اذكر {إِذْ قَالَتْ} امرأة فعرون بعدما انكشفت بسرائر التوحيد، مناجية إلى ربها: {رَبِّ} يا من ربَّاني بأنواع الكرامة، ووفقني على توحيدك {ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ} وذلك لمَّا آمنت حين غلب موسى على السحرة فآمنوا له بعدما غلبوا، فقتلهم فرعون، وأمر بزجرها، وأوتدها بالأوتاد الأربعة في حر الشمس؛ حتى ترجع عن الإيمان ولم ترجع، ثمَّ أمر اللعين أن يوضع فوقها صخرة عظيمة، فقالت حينئذٍ مناجية مع ربها من كمال تحننها وانكشافها: {رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ} الخبيث {وَعَمَلِهِ} السيئ {وَ} بالجملة: {نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [التحريم: 11] الخارجين عن ربقة عبوديتك بإيمانهم بهذا اللعين الطاغي، واعتقادهم بألوهيته وربوبيته، فماتت قبل وضع الصخرة. {وَ} ضرب الله مثلاً أيضاً للذين آمنوا: {مَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ} من كمال نجابتها وكرامتها، وطهارة ذيلها وعصمتها: {أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} من مخالطة الرجال، وبالغت في التحصن والتحفظ إلى حيث رضي الله عنها وكرَّمها، وأعطاها ما أعطى من الإرهاصات والكرامات التي خلت عنها سائر نساء الدنيا، وبعدما كرَّمناها كذلك {فَنَفَخْنَا فِيهِ} أي: في جوفها من جيب درعها {مِن رُّوحِنَا} الذي كنَّا نفخنا منه في قالب آدم الصفي، ومن تلك النفخة حبلت بعيسى عليه السلام؛ ولهذا صار عيسى في الصفوة كآدم، وظهرت منه معجزات ما ظهرت من نبي قط. {وَ} بالجملة: {صَدَّقَتْ} مريم {بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا} أي: بعموم كلمات مربيها التي من جملتها: خلق عيسى عليه السلام من ذلك النفخ {وَ} بجميع {كُتُبِهِ} المنزلة من عنده على عموم رسله {وَ} من كمال مجاهدتها في طريق الحق، وإخلاصها في الطاعات والعبادات، واتكالها على الله في مطلق الملمات، وكمال تفويضها عليه سبحانه وتسليماً إليه: {كَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ} [التحريم: 12] أي: من عداد الكمَّل من أرباب القنوت، المنجذبين إلى حضرة الرحموت بكمال الخضوع والخشوع. وفي هذا التمثيلين تعريض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وحث لهن إلى حسن المعاشرة ومراعاة الأدب معه صلى الله عليه وسلم وكمال المصادقة، وتبعيد لهن عن النفاق والمراء والمجادلة معه في أمر أباحه الله له بمقتضى حكمته، إنما ضربهما سبحانه؛ لينزجرون بهما عمَّا جئن به؛ لتكون عظةً وتذكيراً لسائر المؤمنين المتعظين. جعلنا الله من زمرتهم وجملتهم. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المراقب لكلمات الحق النازلة من الغيب إلى الشهادة، المتفرعة على الأسماء والصفات الذاتية الإلهية أن تترصد في عموم أوقاتك إلى ما سيتجدد من عالم الخفاء والكمون إلى فضاء البروز والظهور، ثمَّ منها إلى البطون بمقتضى النشأة الحِبِّية الإلهية، فلا بدَّ لك أن تخلي همك وبالك عن مطلق الأشغال الشاغلة لك عن الالتفات والتوجه إلى الله، والتفرج بعجائب مصنوعاته، وغرائب مخترعاته، وإياك إياك أن تغفل عنه ساعة، فإنها تورثك حسرة عظيمة طويلة، وخسراناً عظيماً إن كنت من جملة المستيقظين. ربنا لا تزغ قلوبنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهَّاب.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} [التحريم: 10]، يعني: ضرب الله مثلاً للقوى الكافرة المستكبرة {ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا} [التحريم: 10]، قوتين قابلتين {تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} [التحريم: 10]، أي: قوتين فاعلتين صالحتين {فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم: 10]، القوتان القابلتان بكفرهما بربهما، وإنكارهما اللطيفتين الصالحتين الفاعلتين؛ {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} [التحريم: 10]، يعين: لا ينفعهما أنهما كانتا قابلتين تحت اللطيفتين الصالحتين، ولا يدفعا عنهما من عذاب الله من شيء {وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ} [التحريم: 10]، يعني: قيل للقوتين القابلتين ادخلا مع القوى الكافرة القالبية والنفسية النارية التي أنتم أوقدتموها في دار الكسب من نيران الحسد والكبر والكفر والشهوة الردية. {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} [التحريم: 11]، يعني: القوى المؤمنة من قوى النفس اللوامة {ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} [التحريم: 11]، يعني: القوى الصالحة القابلة تحت القوة الفاسدة الفاعلة المستكبرة ما ضرها كفر القوة الفاعلة الفاسدة إذى كانت صالحة هي بنفسها {إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [التحريم: 11]، يعني: إذ قالت اللطيفة الصالحة القابلة في مناجاتها مع ربها: {رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً} في أخص أطوار القلب، وهي [....] موضع عند الرب الصمد والواحد الأحد الذي {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 3-4]، وقالت أيضاً في مناجاتها: {وَنَجِّنِي} من هذه القوى الفسادة الفاعلة وعملها، {وَنَجِّنِي} من أعوانها وقواها الظالمة، انظر كيف نجاها، وبنى لها بيتاً في الجنة المضافة المخصوصة به، وما نفعت صحبتها للقوة الفاسدة الفاعلة، وكيف ينفع ويضر والله يقول: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [الأنعام: 164]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يا فاطمة أنقذي نفسك من النار"تفسير : يعني: لا يحمل القلب وزر الخاطري الذي يخطر من قبل النفس، ولا الروح وزر خاطر القلب، ولا النفس وزر خاطر القلب والروح، ولا ينفع النفس والقالب طاعة الروح والقلب، إن لم يطيعا بالجوارح الظاهرة القالبية والقوى الباطنة النفسية. {وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [التحريم: 12]. وهي القوة الإرادية التي لا تتصل بقوة الولاية، وسلكت مسلك الطريقة بإحصان فرج قوة القابلة عن الأباطيل والحظوظ الردية الشهوانية الهوائية {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} [التحريم: 12]، يعني: جذبناها إلينا وأوصلناها إلى مرتبة حصلت لها اللطيفة الخفية العيسوية فصارت وليه {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} [التحريم: 12]، من غير أن يعلمها أحد وارد بالكلمات في الأنفس الوارد الذي يرد عليها {وَكُتُبِهِ} يعني: ما تجد مكتوبا على صحف قلبها وسرها وروحها {وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ} [التحريم: 12]، أي: من القوى مطيعين وهذا إشارة شريفة في حق المجذوبين يعني: ذكر بصفة الرجال وإدخلهم في القانتين منهم، يعني: من أحصن فرج قابليته من المريدين وإن لم يصل إلى مرشد ويصدق الوارد وما يجد في صحف القلب والسر والروح، ويتوجه إلى الله توجهاً كليا لما يمكن له الوصول إلى مرتبة الولاية؛ ولكن على سبيل الندرة، والنادر لا حكم له، وحظ السالك من هذه السورة وتفسير بطنها: أن يحترز في أن يحرم ما أحل الله على نفسه بجهله عنده مبادئ المكاشفات والمشاهدات، وقلما السالك إذا ابتلاه الله بالغيبة عن خدمة شيخة في بداية أمره كما كان حال هذا المسكين أن يتخلص من هذه الورطة، وسبيله إذا عرف اللطيفة حق المعرفة أو عرّفه شيخه يتوب إلى الله من ذلك الفعل، ويأكل ما قد حرمه الله في البداية على نفسه قدر ما يرفع عنه اسم التحريم، ويقتصر على ذلك، ويأكل لقمات متتابعة، وكل عمل حلال حرم على نفسه في البداية على نفسه [يعلمه] بقدر ما يرفع اسم التحريم؛ فينبغي أن يشتغل به قدر ما خرج عن حد النهي الذي يقول في كتابه الكريم بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}تفسير : [المائدة: 87]، واقتصروا على عمل واحد في سَنة، أو لقمة واحدة في كل وقت حضرت لموافقة أخ من الإخوان، إذا علم إن لم يواكله ينكسر قلبه ويحزن عليه صاحبه يوافقه ويواكله، ولا يسرف في أكلها، ولا يأكلها إذا كان خالياً إلا لقمة واحدة؛ لأنه قال الله تعالى: {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ}تفسير : [آل عمران: 93]، وهذه الآية تدل على أن السالك إذا حرم شيئاً على نفسه في بداية أمره لله جهلاً بالطريق فلا يجوز الاشتغال به بعد ورود الوارد عليه ومعرفته بالطريق؛ ولكن نسخ حكمه حكم هذه السورة المنزلة على اللطيفة الخفية التي هي خاتم اللطائف، ودينها ناسخ الأديان. وحظ آخر للسالك من تفسير بطن هذه السورة: أن يتيقن بأن لكل قوة من قواها القابلة والفاعلة عذاب مختص بها لا ينفعها صلاح القوة الفاعلة، ولو فسدت الفاعلة لا ينفعها صلاح القوة القابلة، ولا يضر فساد القوة الفاعلة للقوة الصالحة القابلة وعلى العكس، وفي كشف هذا السرب باب مفتوح إلى مطلع القرآن مما يجب إغلاقه فسددته ورجعت إلى ما يليق بآذان المستمعين وحوصلة المسترشدين. فاعلم أيها المسترشد إن السالك ربما يكون في ساعة واحدة في الجنة والجحيم وهذا مما شاهدناه مراراً في أنفسنا، وأنفس السالكين الذين سلكوا هذا الطريق بحضرتنا، وأمرنا بأن لطيفة منك ولها صورة معينة تعرفها أنها صورتك متنعمة في أعلى عليين، وفي هذه الحالة أيضاً ترى لطيفة منك على صورتك - غير هذه اللطيفة المنعمة وأنت تشاهدها وتعرفها أنها صورتك - معذبة في أسفل سافلين، وأنت الشاهد بصورتي لطيفتك، وتتعجب من هذه الحالة المتضادة! وتتألم بألم الصورة المتألمة، وتتنعم بتنعم الصورة المتنعمة، وربما يكون أربع صور، وربما يكون سبع صور، وربما أن يكون ترى العالم مملوءاً من صورك، كل صورة في عمل خاص، وربما يكون أن تشاهد جميع الصور يتحركون بحركتك، وينبسطون ببسطك، وينقبضون بقبضك، ويتكلمون بكلامك، وكل شيء يصدر منك يصدر منهم، مثل الصورة المنطبقة في المرآة من عكس صورتك، وسر هذه الصورة المنطبقة في المرآة من عكس صورتك، وسر هذه الصور يتعلق أيضاً بحد القرآن. قلنا: [ولما كنا غير] مأذونين في إفشائه فطوينا الصحيفة، وختمنا هذه السورة على دعاء ألهمته الوقت: اللهم اجعل صورنا ومعانينا منورين بنور وجهك الكريم، لئلا نلتفت عنك إلى غيرك، وليس الغير موجوداً! يا عليم يا حليم يا عظيم يا رحيم بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، [يوم] يفرغ فيه الحكيم من حساب اللئيم الكريم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذان المثلان اللذان ضربهما الله للمؤمنين والكافرين، ليبين لهم أن اتصال الكافر بالمؤمن وقربه منه لا يفيده شيئًا، وأن اتصال المؤمن بالكافر لا يضره شيئًا مع قيامه بالواجب عليه. فكأن في ذلك إشارة وتحذيرًا لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، عن المعصية، وأن اتصالهن به صلى الله عليه وسلم، لا ينفعهن شيئًا مع الإساءة، فقال: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا } أي: المرأتان { تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ } وهما نوح، ولوط عليهما السلام. { فَخَانَتَاهُمَا } في الدين، بأن كانتا على غير دين زوجيهما، وهذا هو المراد بالخيانة لا خيانة النسب والفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، وما كان الله ليجعل امرأة أحد من أنبيائه بغيًا، { فَلَمْ يُغْنِيَا } أي: نوح ولوط { عَنْهُمَا } أي: عن امرأتيهما { مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ } لهما { ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ } . { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ } وهي آسية بنت مزاحم رضي الله عنها { إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } فوصفها الله بالإيمان والتضرع لربها، وسؤالها لربها أجل المطالب، وهو دخول الجنة، ومجاورة الرب الكريم، وسؤالها أن ينجيها الله من فتنة فرعون وأعماله الخبيثة، ومن فتنة كل ظالم، فاستجاب الله لها، فعاشت في إيمان كامل، وثبات تام، ونجاة من الفتن، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: { كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء، إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام } . وقوله { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } أي: صانته وحفظته عن الفاحشة، لكمال ديانتها، وعفتها، ونزاهتها. { فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا } بأن نفخ جبريل [عليه السلام] في جيب درعها فوصلت نفخته إلى مريم، فجاء منها عيسى ابن مريم [عليه السلام]، الرسول الكريم والسيد العظيم. { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ } وهذا وصف لها بالعلم والمعرفة، فإن التصديق بكلمات الله، يشمل كلماته الدينية والقدرية، والتصديق بكتبه، يقتضي معرفة ما به يحصل التصديق، ولا يكون ذلك إلا بالعلم والعمل، [ولهذا قال] { وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } أي: المطيعين لله، المداومين على طاعته بخشية وخشوع، وهذا وصف لها بكمال العمل، فإنها رضي الله عنها صديقة، والصديقية: هي كمال العلم والعمل. تمت ولله الحمد

همام الصنعاني

تفسير : 3256- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ}: [الآية: 10]، قال: لم يغن صَلاح هذين عن هاتين شيئاً، وامرأة فرعون لم يضرها كفر فرعون.