Verse. 5238 (AR)

٦٦ - ٱلتَّحْرِيم

66 - At-Tahreem (AR)

يٰۗاَيُّہَا النَّبِيُّ جَاہِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنٰفِقِيْنَ وَاغْلُظْ عَلَيْہِمْ۝۰ۭ وَمَاْوٰىہُمْ جَہَنَّمُ۝۰ۭ وَبِئْسَ الْمَصِيْرُ۝۹
Ya ayyuha alnnabiyyu jahidi alkuffara waalmunafiqeena waoghluth AAalayhim wamawahum jahannamu wabisa almaseeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها النبي جاهد الكفار» بالسيف «والمنافقين» باللسان والحجة «واغلظ عليهم» بالانتهار والمقت «ومأواهم جهنم وبئس المصير» هي.

9

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} فيه مسألة واحدة ـ وهو التشديد في دين الله. فأمره أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى الله. والمنافقين بالغلْظة وإقامة الحجة، وأن يعرّفهم أحوالهم في الآخرة، وأنهم لا نور لهم يَجُوزون به الصراط مع المؤمنين. وقال الحسن: أي جاهدهم بإقامة الحدود عليهم؛ فإنهم كانوا يرتكبون موجبات الحدود. وكانت الحدود تقام عليهم. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} يرجع إلى الصِّنفين. {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي المرجع.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين، هؤلاء بالسلاح والقتال، وهؤلاء بإقامة الحدود عليهم {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} أي في الدنيا {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي في الآخرة. ثم قال تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي في مخالطتهم المسلمين، ومعاشرتهم لهم أن ذلك لا يجدي عنهم شيئاً ولا ينفعهم عند الله، إن لم يكن الإيمان حاصلاً في قلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: {ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ} أي نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلاً ونهاراً، يؤاكلانهما ويُضاجعانهما ويعاشرانهما أشدّ العشرة والاختلاط {فَخَانَتَاهُمَا} أي في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يجد ذلك كله شيئاً، ولا دفع عنهما محذوراً، ولهذا قال تعالى: {فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي لكفرهما {وَقِيلَ} أي للمرأتين: {ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَٰخِلِينَ} وليس المراد بقوله: {فَخَانَتَاهُمَا} في فاحشة بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء كما قدمنا في سورة النور. قال سفيان الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قتّة: سمعت ابن عباس يقول في هذه الآية: {فَخَانَتَاهُمَا} قال: ما زنتا؛ أما خيانة امرأة نوح، فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط، فكانت تدل قومها على أضيافه. وقال العوفي عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تطلع على سر نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط، فكانت إذا أضاف لوط أحداً أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء. وقال الضحاك عن ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في الدين، وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم. وقد استدل بهذه الآية الكريمة بعض العلماء على ضعف الحديث الذي يَأثره كثير من الناس: "حديث : من أكل مع مغفور له غفر له"تفسير : . وهذا الحديث لا أصل له، وإنما يروى هذا عن بعض الصالحين أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال: يا رسول الله أنت قلت: من أكل مع مغفور له، غفر له؟ قال: لا، ولكني الآن أقوله.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ } بالسيف {وَٱلْمُنَٰفِقِينَ } باللسان والحجة {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } بالانتهار والمقت {وَمَأْوَٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } هي.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } أي: بالسيف والحجة، وقد تقدّم الكلام على هذه الآية في سورة براءة {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } أي: شدّد عليهم في الدعوة، واستعمل الخشونة في أمرهم بالشرائع. قال الحسن: أي: جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، فإنهم كانوا يرتكبون موجبات الحدود {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } أي: مصيرهم إليها، يعني: الكفار والمنافقين {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } أي: المرجع الذي يرجعون إليه. {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } قد تقدّم غير مرّة أن المثل قد يراد به إيراد حالة غريبة يعرف بها حالة أخرى مماثلة لها في الغرابة، أي: جعل الله مثلاً لحال هؤلاء الكفرة، وأنه لا يغني أحد عن أحد {ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ } هذا هو المفعول الأوّل، و{مثلاً} المفعول الثاني حسبما قدّمنا تحقيقه، وإنما أخر ليتصل به ما هو تفسير له، وإيضاح لمعناه {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ } وهما نوح ولوط، أي: كانتا في عصمة نكاحهما {فَخَانَتَاهُمَا } أي: فوقعت منهما الخيانة لهما. قال عكرمة، والضحاك: بالكفر، وقيل: كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر قومه بأضيافه، وقد وقع الإجماع على أنه ما زنت امرأة نبيّ قطّ. وقيل: كانت خيانتهما النفاق، وقيل: خانتاهما بالنميمة {فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } أي: فلم ينفعهما نوح ولوط بسبب كونهما زوجتين لهما شيئًا من النفع، ولا دفعا عنهما من عذاب الله مع كرامتهما على الله شيئًا من الدفع {وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدخِلِينَ } أي: وقيل لهما في الآخرة، أو عند موتهما: ادخلا النار مع الداخلين لها من أهل الكفر والمعاصي. وقال يحيى بن سلام: ضرب الله مثلاً للذين كفروا يحذر به عائشة وحفصة من المخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين تظاهرتا عليه. وما أحسن من قال: فإن ذكر امرأتي النبيين بعد ذكر قصتهما ومظاهرتهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرشد أتمّ إرشاد، ويلوّح أبلغ تلويح إلى أن المراد تخويفهما مع سائر أمهات المؤمنين، وبيان أنهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق الله وخاتم رسله، فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئًا، وقد عصمهما الله عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة. {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ امرأة فِرْعَوْنَ } الكلام في هذا كالكلام في المثل الذي قبله أي: جعل الله حال امرأة فرعون مثلاً لحال المؤمنين ترغيباً لهم في الثبات على الطاعة والتمسك بالدين، والصبر في الشدّة، وأن صولة الكفر لا تضرّهم، كما لم تضر امرأة فرعون، وقد كانت تحت أكفر الكافرين، وصارت بإيمانها بالله في جنات النعيم {إِذْ قَالَتْ رَبّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى ٱلْجَنَّةِ } الظرف متعلق بضرب، أو بمثلاً، أي: ابن لي بيتاً قريباً من رحمتك، أو في أعلى درجات المقربين منك، أو في مكان لا يتصرّف فيه إلاّ بإذنك، وهو الجنة {وَنَجّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ } أي: من ذاته وما يصدر عنه من أعمال الشرّ {وَنَجّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال الكلبي: هم أهل مصر. وقال مقاتل: هم القبط. قال الحسن، وابن كيسان: نجاها الله أكرم نجاة، ورفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب. {وَمَرْيَمَ ٱبْنَت عِمْرَانَ ٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } معطوف على امرأة فرعون، أي: وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مريم ابنة عمران، أي: حالها وصفتها، وقيل: إن الناصب لمريم فعل مقدّر أي: واذكر مريم، والمقصود من ذكرها: أن الله سبحانه جمع لها بين كرامة الدنيا والآخرة، واصطفاها على نساء العالمين مع كونها بين قوم كافرين {ٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } أي: عن الفواحش، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة النساء. قال المفسرون: المراد بالفرج هنا الجيب لقوله: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } وذلك أن جبريل نفخ في جيب درعها فحبلت بعيسى {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبَّهَا } يعني: شرائعه التي شرعها لعباده، وقيل: المراد بالكلمات هنا هو قول جبريل لها: {أية : إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ }تفسير : الآية [مريم: 19]. وقال مقاتل: يعني بالكلمات: عيسى. قرأ الجمهور: {وصدّقت} بالتشديد، وقرأ حمزة الأموي، ويعقوب، وقتادة، وأبو مجلز، وعاصم في رواية عنه بالتخفيف. وقرأ الجمهور: {بكلمات} بالجمع، وقرأ الحسن، ومجاهد، والجحدري: (بكلمة) بالإفراد. وقرأ الجمهور: (وكتابه) بالإفراد، وقرأ أهل البصرة، وحفص: {كتبه} بالجمع، والمراد على قراءة الجمهور: الجنس، فيكون في معنى الجمع، وهي الكتب المنزلة على الأنبياء {وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَـٰنِتِينَ } قال قتادة: من القوم المطيعين لربهم. وقال عطاء: من المصلين، كانت تصلي بين المغرب والعشاء، ويجوز أن يراد بالقانتين: رهطها وعشيرتها الذين كانت منهم، وكانوا مطيعين أهل بيت صلاح وطاعة، وقال: {من القانتين}، ولم يقل "من القانتات"؛ لتغليب الذكور على الإناث. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: {فَخَانَتَاهُمَا } قال: ما زنتا: أما خيانة امرأة نوح، فكانت تقول للناس: إنه مجنون؛ وأما خيانة امرأة لوط: فكانت تدل على الضيف، فتلك خيانتهما. وأخرج ابن المنذر عنه: قال: ما بغت امرأة نبيّ قط، وقد رواه ابن عساكر مرفوعاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة. وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة: أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد، وأضجعها على ظهرها، وجعل على صدرها رحى، واستقبل بها عين الشمس، فرفعت رأسها إلى السماء، فقَالَت { رَبّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى ٱلْجَنَّةِ } إلى قوله: {مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } ففرج الله لها عن بيتها في الجنة فرأته. وأخرج أحمد، والطبراني، والحاكم، وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون مع ما قص الله علينا من خبرها في القرآن قالت: {رَبّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتاً }» تفسير : الآية. وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلاّ آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»تفسير : . وأخرج وكيع في الغرر عن ابن عباس في قوله: {وَنَجّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ } قال: من جماعته.

الماوردي

تفسير : {يا أيها النبيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمنافقين واغْلُظْ عليهم} أما جهاد الكفار فبالسيف، وأما جهاد المنافقين ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه باللسان والقول، قاله ابن عباس والضحاك. الثاني: بالغلظة عليهم كما ذكر اللَّه، قاله الربيع بن أنس. الثالث: بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وليقابلهم بوجه مكفهر، قاله ابن مسعود. الرابع: بإقامة الحدود عليهم، قاله الحسن. {ضَرَبَ اللَّهُ مَثلاً للذين كَفَروا امرأةَ نُوحٍ وامرأةَ لُوطٍ كانتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادنا صالحْينِ فخانتاهما} في خيانتهما أربعة أوجه: أحدها: أنهما كانتا كافرتين، فصارتا خائنتين بالكفر، قاله السدي. الثاني: منافقتين تظهران الإيمان وتستران الكفر، وهذه خيانتهما قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في الدين. الثالث: أن خيانتهما النميمة، إذا أوحى اللَّه تعالى إليهما [شيئاً] أفشتاه إلى المشركين، قاله الضحاك. الرابع: أن خيانة امرأة نوح أنها كانت تخبر الناس أنه مجنون، وإذا آمن أحد به أخبرت الجبابرة به، وخيانة امرأة لوط أنه كان إذا نزل به ضيف دخّنت لِتُعْلِم قومها أنه قد نزل به ضيف، لما كانوا عليه من إتيان الرجال. قال مقاتل: وكان اسم امرأة نوح والهة، واسم امرأة لوط والعة. وقال الضحاك عن عائشة أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن اسم امرأة نوح واعلة، واسم امراة لوط والهة. {فلم يُغْنِيا عنهما مِنَ اللَّهِ شيئاً} أي لم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما على الله عن زوجتيهما لما عصتا شيئاً من عذاب اللَّه، تنبيهاً بذلك على أن العذاب يُدفع بالطاعة دون الوسيلة. قال يحيى بن سلام: وهذا مثل ضربه اللَّه ليحذر به حفصة وعائشة حين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضرب لهما مثلاً بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران ترغيباً في التمسك بالطاعة.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية تأكيد لأمر الجهاد وفضله المتقدم، والمعنى دم على جهاد الكافرين بالسيف، وجاهد المنافقين بنجههم وإقامة الحدود عليهم وضربهم في كل جرائمهم، وعند قوة الظن بهم، ولم يعين الله تعالى لرسوله منافقاً يقع القطع بنفاقه، لأن التشهد الذي كانوا يظهرون كان ملبساً لأمرهم مشبهاً لهم بالعصاة من الأمة. والغلظة عليهم هي فظاظة القلب والانتهار وقلة الرفق بهم، وقرأ الضحاك: "وأغلِظ" بسكر اللام وقطع الألف، وهذان المثلان اللذان للكفار والمؤمنين معناهما: أن من كفر لا يغني عنه شيء ولا ينفعه وَزَرٌ ولو كان متعلقاً بأقوى الأسباب، وأن من آمن لا يدفعه دافع عن رضوان الله تعالى ولو كان في أسوأ منشأ وأخسر حال. وقال بعض الناس: إن في المثلين عبرة لزوجات النبي محمد عليه السلام، حين تقدم عتابهن، وفي هذا بعد لأن النص أنه للكفار يبعد هذا. واختلف الناس في خيانة هاتين المرأتين، فقال ابن عباس وغيره: خانتا في الكفر، وفي أن امرأة نوح كانت تقول للناس: إنه مجنون، وأن امرأة لوط كانت تنم إلى قومه متى ورده ضيف فتخبر به، وقال ابن عباس: وما بغت زوجة نبي قط، ولا ابتلي الأنبياء في نسائهم بهذا، وقال الحسن في كتاب النقاش: خانتاهما بالكفر والزنا وغيره، وقرأ الجمهور: "يغنيا" بالياء، وقرأ مبشر بن عبيد: "تغنيا" بالتاء من فوق.

ابن عبد السلام

تفسير : {جَاهِدَ الْكُفَّارَ} بالسيف {وَالْمُنَافِقِينَ} بالغلظة أو بالقول "ع" أو بإقامة الحدود أو بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليلقهم بوجه مكفهر " {وَاغْلُظْ} بالقول والزجر أو بالإبعاد والهجر ".

ابن عادل

تفسير : أمره أن يجاهدَ الكُفَّار بالسيف، والمواعظ الحسنة، والدعاء إلى الله، والمنافقين بالغلظة، وإقامة الحُجَّة أن يعرفهم أحوالهم في الآخرة، وأنه لا نُور لهم يجوزون به على الصِّراط مع المؤمنين. وقال الحسنُ: أي: جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، فإنهم كانوا يرتكبون موجبات الحدود وكانت الحدودُ تقامُ عليهم {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} يرجع إلى الصنفين {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي: المرجع. قال ابن الخطيب: وفي مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} في أول السورة وفي هذه الآية ووصفه بالنبي لا باسمه، كقوله لآدم: {أية : يٰآدَمُ}تفسير : [البقرة: 35]، وموسى {أية : يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 11]، ولعيسى{أية : يٰعِيسَىٰ}تفسير : [المائدة: 116] دليل على فضيلته عليهم. فإن قيل: قوله: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} يدل على أن مصيرهم بئس المصيرُ، فما فائدة ذلك؟ فالجوابُ: أن مصيرهم بئس المصير مطلقاً، والمطلق يدل على الدوام، وغير المطلق لا يدل على الدوام.

ابو السعود

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ} بالسيفِ {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} بالحجَّةِ {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} واستعملِ الخشونةَ على الفريقينِ فيما تجاهدهُما من القتالِ والمحاجَّة {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} سيرونَ فيها عذاباً غليظاً {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي جهنمُ أو مصيرُهُم {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ} ضربُ المثلِ في أمثالِ هذهِ المواقعِ عبارةٌ عن إيرادِ حالةٍ غريبةٍ ليعرفَ بها حالةٌ أُخرى مشاكلةٌ لها في الغرابةِ أي جعلَ الله مثلاً لحالِ هؤلاءِ الكفرةِ حالاً ومآلاً على أنَّ مثلاً مفعولٌ ثانٍ لضربَ، واللامُ متعلقةٌ بهِ وقولُه تعالَى: {ٱمْرأَتَ نُوحٍ وَٱمْرأَتَ لُوطٍ} أي حالَهُما، مفعولُهُ الأولُ أُخِّرَ عنْهُ ليتصلَ بهِ ما هو شرحٌ وتفصيلٌ لحالِهِما ويتضحُ بذلكَ حالُ هؤلاءِ فقولِهِ تعالَى: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ} بـيانٌ لحالِهِما الداعيةِ لهما إلى الخيرِ والصلاحِ أي كانتا في عصمةِ نبـيـينِ عظيمي الشأنِ متمكنتينِ من تحصيلِ خيري الدُّنيا والآخرةِ وحيازةَ سعادتيهِما. وقولُه تعالَى: {فَخَانَتَاهُمَا} بـيانٌ لما صدرَ عنهُما من الجنايةِ العظيمةِ مع تحققِ ما ينفيها من صحبةِ النبـيِّ أي خانتاهُما بالكفرِ والنفاقِ، وهذا تصويرٌ لحالهِما المحاكيةِ لحالِ هؤلاءِ الكفرةِ في خيانتِهِم لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالكفرِ والعصيانِ مع تمكنهِم التامِّ من الإيمانِ والطاعةِ. وقولُهُ تعالَى: {فَلَمْ يُغْنِيا} الخ بـيانٌ لما أدَّى إليه خيانتُهُما أي فلم يُغنِ النبـيانِ {عَنْهُمَا} بحقِّ الزواجِ {مِنَ ٱللَّهِ} أي مِن عذابِهِ تعالَى {شَيْئاً} أي شيئاً منَ الإغناءِ {وَقِيلَ} لهما عندَ موتِهِما أو يومَ القيامةِ {ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدٰخِلِينَ} أي مع سائرِ الداخلينَ من الكفرةِ الذينَ لا وصلةَ بـينهُم وبـينَ الأنبـياءِ عليهِم السلامُ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [الآية: 9]. أمره بالإغلاظ عليهم ليشفى غيظه منهم مع قلة دعائهم وأمر موسى باللين مع فرعون مع علو دعواه.

القشيري

تفسير : أمَرَه بالمُلايَنَةِ في وقت الدعوة، وقال: {أية : وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل: 125] ثم لمَّا أصرُّوا - بعد بيان الحُجَّةِ - قال: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ}: لأن هذا في حالِ إصرارهم، وزوالِ أعذارهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها النبى} اى رسول خبر دهنده يا بلند قدر {جاهد الكفار} بالسيف يعنى جهادكن با كافران بشمشير {والمنافقين} بالحجة او بالوعيد والتهديد او بالقائهم بوجه قهر أو بافشاء سرهم وقال القاشانى جاهد الكفار والمنافقين للمضادة الحقيقية بينك وبينهم قيل النفاق مستتر فى القلب ولم يكن للنبى عليه السلام سبيل الى ما فى القلوب من النفاق والاخلاص الابعد اعلام من قبل الله فأمر عليه السلام بمجاهدة من علمه منافقا باعلام الله اياه باللسان دون السيف لحرمة تلفظه بالشهادتين وأن يجرى عليه احكام المسلمين ما دام ذلك الى أن يموت {واغلظ عليهم} واستعمل الخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة وفيه اشارة الى ان الغلظة على اعدآء الله من حسن الخلق فان ارحم الرحماء اذا كان مأمورا بالغلظة عليهم فما ظنك بغيره فهى لا تنافى الرحمة على الاحباب كما قال تعالى {أية : أشدآء على الكفار رحماء بينهم}تفسير : {ومأواهم جهنم} سيرون فيها عذاب غليظا يعنى ومقام باز كشت كفران ومنافقان اكر ايمان نيارند ومخلص نشوند دوزخست. قال القاشانى ما داموا على صفتهم او دآئما ابد الزوال استعدادهم او عدمه {وبئس المصير} اى جهنم او مصيرهم وفيه تصريح مما علم التزاما مبالغة فى ذمهم وفيه اشارة الى نبى القلب المجاهد فى سبيل الله فانه مأمور بجهاد الكفار اى النفس الامارة بالسوء وصفاتها الحيوانية الشهوانية وبجهاد المنافقين اى الهوى المتبع وصفاته البهيمية والسبعية وبالغلظة عليهم بسيف الرياضة ورمح المجاهدة ومقامهم جهنم البعد والحجاب وبئس المصير اذ ذل الحجاب وبعد الاحتجاب اشد من شدة العذاب. يقول الفقير اذا كان الاعدآء الظاهرة يحتاجون الى الغلظة والشدة فما ظنك باعدى الاعدآء وهى النفس الامارة ففى الغلظة عليها نجاة وفى اللين هلاك ولذا قال بعض الشعراء شعر : هست نرمى آفت جون سمور وزدرشتى مى برد جان خاربشت تفسير : وفى المثل العصا لمن عصا وقول الشيخ سعدى شعر : درشتى ونرمى بهم در بهست جو فصاد جراح ومرهم نهست تفسير : يشير الى ان للمؤمن صفحة الجمال والجلال وبهاء الكمال فأول المعاملات الجمال لان الله تعالى سبقت رحمته ثم الجلال فلما لم تقبل الكفار الدعوة بالرفق واللين وكذا المنافقون الاخلاص واليقين امر الله تعالى نبيه عليه السلام بالغلظة عليهم ليظهر احكام كل من الاسماء المتقابلة ففيه اشارة الى ان من خلق للرحمة وهم المؤمنون الا يغضب عليهم لوا يغلظ لانه قلب الحكمة وعكس المصلحة وان من خلق للغضب وهم الكفار والمنافقون لا يرحم لهم ولا يرفق بهم لذلك ودخل فيهم اهل البدعة للغضب وهم الكفار والمنافقون لا يرحم لهم ولا يرفق بهم لذلك ودخل فيهم اهل البدعة ولذا لا يجوز أن يلقاهم السنى بوجه طلق وقد عاب الله بعض من فعل ذلك فعلى المؤمن أن يجتهد فى طريق الحق حتى يدفع كيد الأعدآء ومكر الشياطين عن الظاهر والباطن ويديم ذلك لان به يحصل الترقى الذى هو من خصائص الانسان ولذا خص الجهاد بالثقلين واما جهاد الملائكة فبالتبعية او بتكثير السواد فاعرف.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها النبيُّ جاهِدِ الكفارَ} بالسيف {والمنافقين} بالحجة، أو: بالقول الغليظ والوعظ البليغ، أو: بإقامة الحدود، ولم يؤمر بقتالهم لِتَسَتُّر ظاهرهم بالإسلام، "حديث : أُمرت أن أحكم بالظواهر، والله يتولى السرائر "تفسير : ، {واغْلُظْ عليهم}؛ واستعمل الخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمخاصمة باللسان. {ومأوَاهم جهنمُ} يُباشرون فيها عذاباً غليظاً، {وبئس المصيرُ} جهنم، أو مصيرهم. الإشارة: كُلُّ إنسان مأمور بجهاد أعدائه، من النفس، والهوى، والشيطان، وسائر القواطع، وبالغلاظ عليهم، حتى يُسلموا وينقادوا لحُكمه أو تقل شوكتهم، وهذا هو الجهاد الأكبر، لدوامه واتصاله، فمَن دام عليه حتى ظفر بعدوه، أو لقي ربه، كان مِن الصدّيقين، الذين درجتهم فوق درجة الشهداء، تلي درجة المرسَلين. وبالله التوفيق. ثم ضَرَبَ مثلاً بمَن صَحِبَ أهل الخذلان، فلم يضره خذلانهم، حيث لم يوافقهم، وبمَن صَحِبَ أهل التوفيق فلم تنفعه صحبتهم، حيث خالف أمرهم، تهديداً لمَن تظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه، فقال: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ}.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} أي: جاهد الكفار المشركين بالسيف، واغلظ على المنافقين بالحدود. قال: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. قوله عز وجل: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا}. تفسير ابن عباس: فخالفتاهما يقول: كانتا منافقتين [تظهران الإِيمان وتسران الشرك]. فأما امرأة نوح فكانت تفشي سرّه، وكانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخّنت لتُعلِم أنه نزل بلوط ضيف لعملهم السوء وإتيانهم الرجل في أدبارهم، فنافقتا بذلك. وتفسير الحسن مثل تفسير ابن عباس إلا أنه يذهب في الخيانة أيضاً إلى أمر قبيح يجعلهما باغيتين بذلك. وحاشا لأِنبياءِ الله من ذلك، وليس مذهبه هذا مذهباً لأنه كان يقال: ما بغت امرأة نبيّ قطُّ. قال تعالى: {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً} أي: لم يغن عمل نوح ولوط عليهما السلام عن امرأتيهما من الله شيئاً. {وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}. وهذا مثل ضربه الله يحذّر حفصة وعائشة للذي كان مما قصّ في أول السورة. وضرب لهما أيضاً مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون ومريم بنت عمران، يأمرهما بالتمسك بطاعة الله وطاعة رسوله.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ } بالسيف {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } بالحجة {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } واستعمل الخشونة على الفريقين فيما تجاهدهم به إذا بلغ الرفق مداه. وعن الحسن أكثر ما كان يصيب الحدود في ذلك الزمان المنافقين فأمر عليه الصلاة والسلام أن يغلظ عليهم في إقامة الحدود، وحكى الطبرسي عن الباقر أنه قرأ ـ جاهد الكفار بالمنافقين ـ وأظن ذلك من كذب الإمامية عاملهم الله تعالى بعدله {ومأَوَاهُمْ جَهَنَّمَ } أي وسيرون فيها عذاباً غليظاً {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } أي جهنم أو مأواهم. والعطف قيل: من عطف القصة على القصة.

ابن عاشور

تفسير : لما أبلغ الكفار ما سيحل بهم في الآخرة تصريحاً بقوله: { أية : يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم}تفسير : [التحريم: 7]، وتعريضاً بقوله: {أية : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه}تفسير : [التحريم: 8]، أمَرَ رسولَه صلى الله عليه وسلم بمسمع منهم بأن يجاهدهم ويجاهد المستترين لكفرهم بظاهر الإِيمان نفاقاً، حتى إذا لم تؤثر فيهم الموعظة بعقاب الآخرة يخشون أن يسلط عليهم عذاب السيف في العاجلة فيقلعوا عن الكفر فيصلح نفوسهم وإنما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك لأن الكفار تألبُوا مع المنافقين بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذوهم عيوناً لهم وأيدي يدسُّون بها الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. فهذا نداء ثان للنبي صلى الله عليه وسلم يأمره بإقامة صلاح عموم الأمة بتطهيرها من الخبثاء بعد أن أمره بإفاقة من عليهما الغفلة عن شيء من واجب حسن المعاشرة مع الزوج. وجهاد الكفار ظاهر، وأما عطف {المنافقين} على {الكفار} المفعول لـ{جاهد} فيقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بجهاد المنافقين وكان حال المنافقين ملتبساً إذ لم يكن أحد من المنافقين معلناً بالكفر ولا شُهد على أحد منهم بذلك ولم يعين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم منافقاً يوقن بنفاقه وكفره أو أطلعه إطلاعاً خاصاً ولم يأمره بإعلانه بين المسلمين كما يؤخذ ذلك من أخبار كثيرة في الآثار. فتعين تأويل عطف {المنافقين} على {الكفار} إما بأن يكون فعل {جاهد} مستعملاً في حقيقته ومجازه وهما الجهاد بالسيف والجهاد بإقامة الحجة والتعريض للمنافق بنفاقه فإن ذلك يطلق عليه الجهاد مجازاً كما في قوله صلى الله عليه وسلم « حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»تفسير : ، وقوله للذي سأله الجهاد فقال له: «ألك أبوان؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد». وعندي أن الأقرب في تأويل هذا العطف أن يكون المراد منه إلقاء الرعب في قلوب المنافقين ليشعروا بأن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالمرصاد منهم فلو بدت من أحدهم بادرة يعلم منها نفاقه عومل معاملة الكافر في الجهاد بالقتل والأسر فيحذروا ويكفوا عن الكيد للمسلمين خشية الافتضاح فتكون هذه الآية من قبيل قوله تعالى: {أية : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقُتِّلوا تقتيلاً}تفسير : [الأحزاب: 60، 61]. والغلظة: حقيقتها صلابة الشيء وهي مستعارة هنا للمعاملة بالشدة بدون عفو ولا تسامح، أي كن غليظاً، أي شديداً في إقامة ما أمر الله به أمثالهم. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وليجدوا فيكم غلظة }تفسير : في سورة [براءة: 123]، وقوله: {أية : ولو كنت فظاً غليظ القلب}تفسير : في سورة [آل عمران: 159]. والمأوى: المسكن، وهو مفعل من أوى إذا رجع لأن الإِنسان يرجع إلى مسكنه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ}. فيه الأمر بقتال الكفار، والمنافقين والغلظة عليهم، ومعلوم أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قاتل الكفار، ولم يعلم أنه قاتل المنافقين قتاله للكفار، فما نوع قتاله صلى الله عليه وسلم للمنافقين وبينه؟ والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {أية : وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً}تفسير : [الفرقان: 52] أي بالقرآن لقوله قبله {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً}تفسير : [الفرقان: 50-52]. ومعلوم أن المنافقين كافرون، فكان جهاده صلى الله عليه وسلم للكفار بالسيف ومع المنافقين بالقرآن. كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في عدم قتلهم، لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، ولكن كان جهادهم بالقرآن لا يقل شدة عليهم من السيف، لأنهم أصبحوا في خوف وذعر يحسبون كل صيحة عليهم، وأصبحت قلوبهم خاوية كأنهم خشب مسندة، وهذا أشد عليهم من الملاقاة بالسيف. والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: جاهد الكفار: أي بالسيف. والمنافقين: أي باللسان. واغلظ عليهم: أي أشدد عليهم في الخطاب ولا تعاملهم باللين. فخانتاهما: أي في الدّين إذ كانتا كافرتين. فلم يغنيا عنهما: أي نوح ولوط عن امرأتيهما. من الله شيئاً: أي من عذاب الله شيئاً وإن قلَّ. امرأة فرعون: أي آسيا بنت مزاحم آمنت بموسى. أحصنت فرجها: أي حفظته فلم يصل إليه الرجال لا بنكاح ولا زنا. فنفخنا فيه من روحنا: أي نفخنا في كُمَّ درعها بواسطة جبريل الملقب بروح القدس. وصدقت بكلمات ربها: أي بولدها عيسى أنه كلمة الله وعبده ورسوله. معنى الآيات: في الآية الأولى [9] يأمر تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بعدما ناداه بعنوان النبوة تشريفاً وتكريماً يأمره بجهاد الكفار والمنافقين فالكفار بالسيف، وشن الغارات عليهم حتى يسلموا، والمنافقون بالقول الغليظ والعبارة البليغة المخيفة الحاملة للوعيد والتهديد. وقوله تعالى: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} أي أشدد وطأتك على الفريقين على المنافقين باللسان، وعلى الكافرين بالسنان. ومأواهم جهنم وبئس المصير إذا ماتوا على نفاقهم وكفرهم، أو من علم الله موتهم على ذلك. وقوله تعالى في الآية الثانية [10] ضرب الله مثلاً في عدم انتفاع الكافر بقرابة المؤمن مهما كانت درجة القرابة عنده. وهو امرأة نوح وامرأة لوط إذ كانت كل واحدة منها تحت نبي رسول فخانتاهما في دينهما فكانتا كافرتين فامرأة نوح تفشى سر من يؤمن بزوجها وتُخبر به الجبابرة من قوم نوح حتى يبطشوا به وكانت تقول لهم إن زوجها مجنون، وامرأة لوط كانت كافرة وتدل المجرمين على ضيوف لوط إذا نزلوا عليه في بيته وذلك في الليل بواسطة النار، وفي النهار بواسطة الدخان. فلما كانتا كافرتين لم تُغن عنهما قرابتهما بالزوجة شيئاً. ويوم القيامة يقال لهما: ادخلا النار مع الداخلين من قوم نوح وقوم لوط. هذا مثل وآخر في عدم تضرر المؤمن بقرابة الكافر ولو كانت القرابة الزوجية وما أقواها، وهو - المثل - إمرأة فرعون الكافر الظالم آسيا بنت مزاحم كانت قد آمنت بموسى مع من آمن فلما عرف فرعون إيمانها أمر بقتلها فلما علمت بعزم الطاغية على قتلها قالت في مناجاتها لربها: رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله الذي هو الكفر والظلم حتى لا أكون كافرة بك ولا ظالمة لأحد من خلقك، ونجني من القوم الظالمين أي من عذابهم فُشدت أيديها وأرجلها لتلقى عليها صخرة عظيمة إن هي أصرت على الإيمان فرفعت بصرها إلى السماء فرأت بيتها في الجنة ففاضت روحها شوقاً إلى الله وإلى بيتها في الجنة وقد رأته فوصلت الصخرة إليها بعد أن فاضت روحها فنجاها الله من عذاب القتل الذي أراده لها فرعون وعصابته الظلمة الكافرون. وقوله تعالى ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها. عطف تعالى مريم على آسيا ليكون المثل مُكوناً من امرأتين مؤمنتين، كالمثل الأول كان مُكوناً من امرأتين كافرتين فقال عز وجل ومريم بنت عمران التي أحصنت فرجها عن الرجال في الوقت الذي عم البغاء والزنا ديار بني إسرائيل كما هي الحال اليوم في ديار اليهود وأمثالهم قد لا تسلم امرأة من الزنا بها فلم يضر ذلك مريم لما كانت عفيفة طاهرة بل أكرمها الله لما أحصنت فرجها بأن أرسل إليها روحه جبريل عليه السلام وأمره أن ينفخ في كم درعها فسرت النفخة بقدرة الله تعالى في جسمها فحملت بعيسى الذي كان بكلمة الله كن فكان في ساعة وصول هواء النفخة وولدته للفور كرامة الله للتي أحصنت فرجها خوفاً من الله وتقربا إليه، وما ضرها أن العهر والزنا قد انتشر حولها ما دامت هي طاهرة كما لم يضر كفر فرعون آسيا الطاهرة. وكما لم ينفع إيمان وصلاح نوح ولوط امرأتيهما الكافرتين الخائنتين. قال ابن عباس رضي الله عنهما ما بغت امرأة نبي قط، وهو كما قال فوالله ما زنت امرأة نبي قط لولاية الله تعالى لأنبيائه فكيف يخزيهم ويذلهم حاشاه تعالى أن يخزي أولياءه أو يذلهم فالمراد من الخيانة المذكورة في قوله تعالى فخانتاهما الخيانة في الدين وإفشاء الأسرار. وقوله تعالى: وصدقت بكلمات ربها أي بشرائعه وبكتبه التي أنزلها على رسله، وكانت من القانتين أي المطيعين لله تعالى الضارعين له المخبتين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الجهاد في الكفار بالسيف وفي المنافقين باللسان، وعلى حكام المسلمين القيام بذلك لأنهم خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم في أمته. 2- تقرير مبدأ: لا تزر وازرة وزر أخرى. فالكافر لا ينتفع بالمؤمن يوم القيامة. 3- والمؤمن لا يتضرر بالكافر ولو كانت القرابة روحية نبوة أو إنسانية أو أبوة أو بنوة فإبراهيم لم يضره كفر آزر، ونوح لم يضره كفر كنعان ابنه، كما أن آزر وكنعان لم ينفعهما إيمان وصلاح الأب والإبن. هذا وقرابة المؤمن الصالح تنفع المؤمن دون الصالح لقوله تعالى والذين آمنوا واتبعهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرّياتهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {جَاهِدِ} {ٱلْمُنَافِقِينَ} {مَأْوَاهُمْ} (9) - يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ الذِينَ يَقِفُونَ فِي طَرِيقِ انْتِشَارِ الدَّعْوَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِالسِّلاَحِ، وَحَارِبْهُمْ حَرْباً لاَ هَوَادَةَ فِيهَا، وَجَاهِدِ المُنَافِقِينَ، الذِينَ يَتَظَاهَرُونَ بِالإِسْلاَمِ وَقُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الكُفْر وَالشَّكِّ والرِّيبَةِ، وَيَقُومُونَ بِالدَّسِ وَالوَقِيعَةِ والتَّثْبِيطِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وَاغْلُظْ عَلَيهِمْ بِالقَوْلِ وَالإِنْذَارِ، وَافْصَحْهُمْ، وَبَيِّنْ لَهُمْ سُوءَ مَصِيرِهِمْ وَمُنْقَلبِهِمْ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهُمْ وَيَرْجِعْ إِلَى اللهِ مُسْتَغْفِراً مُنِيباً، فَإِنَّ مَصِيرَهُ سَيَكُونُ فِي نَار جَهَنَّمَ، وَسَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمَصِيراً. أغْلُظْ عَلَيْهِمْ - شَدِّدْ وَاقسُ عَلَيهِمْ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر [الله] تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، بجهاد الكفار والمنافقين، والإغلاظ عليهم في ذلك، وهذا شامل لجهادهم، بإقامة الحجة [عليهم ودعوتهم] بالموعظة الحسنة، وإبطال ما هم عليه من أنواع الضلال، وجهادهم بالسلاح والقتال لمن أبى أن يجيب دعوة الله وينقاد لحكمه، فإن هذا يجاهد ويغلظ له، وأما المرتبة الأولى، فتكون بالتي هي أحسن، فالكفار والمنافقون لهم عذاب في الدنيا، بتسليط الله لرسوله وحزبه [عليهم و] على جهادهم وقتالهم، وعذاب النار في الآخرة وبئس المصير، الذي يصير إليها كل شقي خاسر.