٦٦ - ٱلتَّحْرِيم
66 - At-Tahreem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله: {تَوْبَةً نَّصُوحاً } أي توبة بالغة في النصح، وقال الفراء: نصوحاً من صفة التوبة والمعنى توبة تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه، وهو أنها الصادقة الناصحة ينصحون بها أنفسهم، وعن عاصم، {نَّصُوحاً } بضم النون، وهو مصدر نحو العقود، يقال: نصحت له نصحاً ونصاحة ونصوحاً، وقال في «الكشاف»: وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازي، وهو أن يتوبوا عن القبائح نادمين عليها غاية الندامة لا يعودون، وقيل: من نصاحة الثوب، أي خياطته و {عَسَىٰ رَبُّكُمْ } إطماع من الله تعالى لعباده. وقوله تعالى: {يَوْم لاَّ يُخْزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ } نصب بيدخلكم، و {لا يخزي } تعريض لمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسق واستحماد للمؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم، ثم المعتزلة تعلقوا بقوله تعالى: {يَوْم لاَّ يُخْزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ } وقالوا: الإخزاء يقع بالعذاب، فقد وعد بأن لا يعذب الذين آمنوا، ولو كان أصحاب الكبائر من الإيمان لم نخف عليهم العذاب، وأهل السنة أجابوا / عنه بأنه تعالى وعد أهل الإيمان بأن لا يخزيهم، والذين آمنوا ابتداء كلام، وخبره {يَسْعَىٰ }، أو {لا يخزي الله }، ثم من أهل السنة من يقف على قوله: {يَوْم لاَّ يُخْزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ } أي لا يخزيه في رد الشفاعة، والإخزاء الفضيحة، أي لا يفضحهم بين يدي الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا يقف عليه الكفرة، وقوله: {بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } أي عند المشي {وَبِأَيْمَـٰنِهِم } عند الحساب، لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم وفيه نور وخير، ويسعى النور بين أيديهم في موضع وضع الأقدام وبأيمانهم، لأن خلفهم وشمالهم طريق الكفرة. وقوله تعالى: {يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } قال ابن عباس: يقولون ذلك عند إطفاء نور المنافقين إشفاقاً، وعن الحسن: أنه تعالى متمم لهم نورهم، ولكنهم يدعون تقرباً إلى حضرة الله تعالى، كقوله: {أية : وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } تفسير : [محمد: 19] وهو مغفور، وقيل: أدناهم منزلة من نوره بقدر ما يبصر مواطىء قدمه، لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه، وقيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم حبواً وزحفاً، فهم الذين يقولون: {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } قاله في «الكشاف»، وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } ذكر المنافقين مع أن لفظ الكفار يتناول المنافقين {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } أي شدد عليهم، والمجاهدة قد تكون بالقتال، وقد تكون بالحجة تارة باللسان، وتارة بالسنان، وقيل: جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، لأنهم هم المرتكبون الكبائر، لأن أصحاب الرسول عصموا منها {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } وقد مر بيانه، وفي الآية مباحث: البحث الأول: كيف تعلق {يا أيها الّذين آمنوا } بما سبق وهو قوله: {أية : يا أيها ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [التحريم: 7]؟ فنقول: نبههم تعالى على دفع العذاب في ذلك اليوم بالتوبة في هذا اليوم، إذ في ذلك اليوم لا تفيد وفيه لطيفة: وهي أن التنبيه على الدفع بعد الترهيب فيما مضى يفيد الترغيب بذكر أحوالهم والإنعام في حقهم وإكرامهم. البحث الثاني: أنه تعالى لا يخزي النبي في ذلك اليوم ولا الذين آمنوا، فما الحاجة إلى قوله {مَعَهُ }؟ فنقول: هي إفادة الاجتماع، يعني لا يخزي الله المجموع الذي يسعى نورهم وهذه فائدة عظيمة، إذ الاجتماع بين الذين آمنوا وبين نبيهم تشريف في حقهم وتعظيم. البحث الثالث: قوله: {وَٱغْفِرْ لَنَا } يوهم أن الذنب لازم لكل واحد من المؤمنين والذنب لا يكون لازماً، فنقول: يمكن أن يكون طلب المغفرة لما هو اللازم لكل ذنب، وهو التقصير في الخدمة والتقصير لازم لكل واحد من المؤمنين. البحث الرابع: قال تعالى في أول السورة: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ } تفسير : [التحريم: 1] ومن بعده {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ } خاطبه بوصفه وهو النبي لا باسمه كقوله لآدم يا آدم، ولموسى يا موسى ولعيسى يا عيسى، نقول: خاطبه بهذا الوصف، ليدل على فضله عليهم وهذا ظاهر. البحث الخامس: قوله تعالى: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } يدل على أن مصيرهم بئس المصير مطلقاً إذ المطلق يدل على الدوام، وغير المطلق لا يدل لما أنه يطهرهم عن الآثام.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} فيه مسألتان: الأولى ـ: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} أمر بالتوبة، وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان. وقد تقدّم بيانها والقول فيها في «النساء» وغيرها. {تَوْبَةً نَّصُوحاً} اختلفت عبارة العلماء وأرباب القلوب في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا؛ فقيل: هي التي لا عَوْدة بعدها كما لا يعود اللّبن إلى الضَّرع؛ وروي عن عمر وابن مسعود وأُبَيّ بن كعب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم. ورفعه مُعاذ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: النَّصُوح الصادقة الناصحة. وقيل الخالصة؛ يقال: نصح أي أخلص له القول. وقال الحسن: النَّصُوح أن يُبْغِض الذنب الذي أحبّه ويستغفر منه إذا ذكره. وقيل: هي التي لا يثق بقبولها ويكون على وَجَل منها. وقيل: هي التي لا يحتاج معها إلى توبة. وقال الكلبيّ: التوبة النصوح النّدم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن الذنب، والاطمئنان على أنه لا يعود. وقال سعيد بن جُبير: هي التوبة المقبولة؛ ولا تقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط: خوف ألا تقبل، ورجاء أن تقبل، وإدمان الطاعات. وقال سعيد بن المسيّب: توبة تنصحون بها أنفسكم. وقال القرظي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العَوْد بالجنَان، ومهاجرة سيء الخِلان. وقال سفيان الثَّوْري: علامة التوبة بالنصوح أربعة: القِلّة والعِلة والذِّلّة والغُرْبة. وقال الفُضَيل ابن عياض: هو أن يكون الذنب بين عينيه، فلا يزال كأنه ينظر إليه. ونحوه عن ابن السّماك: أن تَنصِب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك وتستعدّ لمنتظرك. وقال أبو بكر الوَرَّاق: هو أن تضيق عليك الأرض بما رحُبَت، وتضيق عليك نفسك؛ كالثلاثة الذين خُلِّفوا. وقال أبو بكر الواسطي: هي توبة لا لفقد عِوض؛ لأن من أذنب في الدنيا لرَفَاهِية نفسه ثم تاب طلباً لرفاهيتها في الآخرة؛ فتوبته على حفظ نفسه لا لله. وقال أبو بكر الدَّقاق المصري: التوبة النصوح هي ردّ المظالم، واستحلال الخصوم، وإدمان الطاعات. وقال رُوَيْم: هو أن تكون لله وجهاً بلا قَفَا، كما كنت له عند المعصية قَفاً بلا وجه. وقال ذو النُّون: علامة التوبة النصوح ثلاث: قِلّة الكلام، وقِلّة الطعام، وقِلّة المنام. وقال شقيق: هو أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة، ولا ينفك من الندامة؛ لينجوَ من آفاتها بالسلامة. وقال سَرِيّ السَّقَطِيّ: لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين؛ لأن من صحب توبته أحبّ أن يكون الناس مثله. وقال الجُنَيْد: التوبة النصوح هو أن ينسى الذنب فلا يذكره أبداً؛ لأن من صحّت توبته صار مُحباً لله، ومن أحبّ الله نَسِيَ ما دون الله. وقال ذو الأُذَنَيْن: هو أن يكون لصاحبها دمعٌ مسفوح، وقلبٌ عن المعاصي جَمُوح. وقال فتح المَوْصِليّ: علامتها ثلاث: مخالفة الهوى، وكثرة البكاء، ومكابدة الجوع والظمأ. وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَرِيّ: هي التوبة لأهل السنة والجماعة؛ لأن المبتدع لا توبة له؛ بدليل: قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حجب الله على كل صاحب بدعة أن يتوب»تفسير : . وعن حُذَيْفَة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه. وأصل التوبة النصوح من الخلوص؛ يقال: هذا عَسَلٌ ناصح إذا خَلَص من الشَّمْع. وقيل: هي مأخوذة من النَّصاحة وهي الخياطة. وفي أخذها منها وجهان: أحدهما ـ لأنها توبة قد أحكمت طاعته وأوثقتها كما يحكم الخيّاط الثوب بخياطته ويوثقه. والثاني ـ لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء الله وألصقته بهم؛ كما يجمع الخياط الثوب ويُلصق بعضه ببعض. وقراءة العامة «نَصُوحاً» بفتح النون، على نعت التوبة، مثل امرأة صبور، أي توبة بالغة في النصح. وقرأ الحسن وخارجة وأبو بكر عن عاصم بالضم؛ وتأويله على هذه القراءة: توبةُ نصح لأنفسكم. وقيل: يجوز أن يكون «نُصُوحاً»، جمع نُصح، وأن يكون مصدراً، يقال: نصح نصاحة ونُصُوحا. وقد يتفق فعالة وفعول في المصادر، نحو الذِّهاب والذُّهوب. وقال المبرّد: أراد توبة ذات نُصح، يقال: نصحت نصحاً ونَصاحة ونُصوحاً. الثانية ـ: في الأشياء التي يُتاب منها وكيف التّوبة منها. قال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لايخلو، إما أن يكون حقاً لله أو للآدميين. فإن كان حقاً لله كترك صلاة فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاءُ ما فات منها. وهكذا إن كان ترك صوم أو تفريطاً في الزكاة. وإن كان ذلك قتلَ نفس بغير حق فأن يُمَكِّن من القصاص إن كان عليه وكان مطلوباً به. وإن كان قذفاً يوجب الحدّ فيبذل ظهره للجلد إن كان مطلوباً به. فإن عُفِيَ عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص. وكذلك إن عُفيَ عنه في القتل بمال فعليه أن يؤدِّيه إن كان واجداً له، قال الله تعالى: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} تفسير : [البقرة:178]. وإن كان ذلك حداً من حدود الله ـ كائناً ما كان ـ فإنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه. وقد نصّ الله تعالى على سقوط الحدّ عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم. وفي ذلك دليل على أنها لا تسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم؛ حسب ما تقدم بيانه. وكذلك الشُّرّاب والسُّراق والزُّناة إذا أصلحوا وتابوا وعُرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدّهم. وإن رُفُعوا إليه فقالوا: تُبْنا، لم يتركوا، وهم في هذه الحالة كالمحاربين إذا غُلبوا. هذا مذهب الشافعيّ. فإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا بردّه إلى صاحبه والخروج عنه ـ عَيْناً كان أو غيره ـ إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادراً فالعزم أن يؤدّيَه إذا قَدَر في أعجل وقت وأسرعه. وإن كان أضرّ بواحد من المسلمين وذلك الواحد لا يشعر به أو لا يدري من أين أتى، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له، فإذا عفا عنه فقد سقط الذنب عنه. وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه ـ عَرفَه بعينه أو لم يعرفه ـ فذلك صحيح. وإن أساء رجل إلى رجل بأن فزّعه بغير حقّ، أو غمّه أو لطمه، أو صفعه بغير حقّ، أو ضربه بسوط فآلمه، ثم جاءه مستعفِياً نادماً على ما كان منه، عازماً على ألاّ يعود، فلم يزل يتذلّل له حتى طابت نفسه فعفا عنه، سقط عنه ذلك الذنب. وهكذا إن كان شانَه بشتم لا حدّ فيه. قوله تعالى: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} «عسى» من الله واجبة. وهو معنى قوله عليه السلام: «حديث : التائب من الذنب كمن لا ذنب له»تفسير : . و «أن» في موضع رفع اسم عسى. قوله تعالى: «وَيُدْخِلَكُمْ» معطوف على {يُكَفِّرَ}. وقرأ ابن أبي عَبْلة {وَيُدْخِلَكُمْ} مجزوماً، عطفاً على محل عسى أن يكفّر. كأنه قيل: تُوبُوا يوجب تكفير سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار. {يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ} العامل في «يَوْمَ»: «يُدخلكم» أو فعل مضمر. ومعنى «يُخْزي» هنا يعذّب، أي لا يعذّبه ولا يعذّب الذين آمنوا معه. {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} تقدم في سورة «الحديد». {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين؛ حسب ما تقدم بيانه في سورة «الحديد».
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً } بفتح النون وضمها: صادقة بأن لا يعاد إلى الذنب ولا يُراد العود إليه {عَسَىٰ رَبُّكُمْ } ترجية تقع {أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّٰتٍ } بساتين {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهِ } بإدخال النَار {ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أمامهم {وَ} يكون {بِإِيمَانِهِمْ يَقُولُونَ } مستأنف {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } إلى الجنة والمنافقون يطفأ نورهم {وَٱغْفِرْ لَنَا } ربنا {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَّصُوحاً} ناصحة صادقة أو أن يبغض الذنب ويستغفر منه إذا ذكره أو أن لا يثق بقبولها ويكون على وجل منها أو لا يحتاج معها إلى توبة أو لا يعود إلى الذنب الذي تاب منه أبداً. والنصوح من النصاحة وهي الخياطة لأنها أحكمت الطاعة كما يحكم الخياط الثوب بالخياطة، أو لأنها تجمع بينه وبين أولياء الله تعالى وتلصقه بهم كما يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه ببعض {وَنُصُوحاً} توبة نصح لأنفسهم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً}. فرأ الجمهور: بفتح نون "نَصُوحاً". فهي صيغة مبالغة أسند النصح إليها مجازاً، وهي من: نصح الثوب، أي: خاطه فكأنه التائب يرقع ما حرقه بالمعصية. وقيل: هي من قولهم: عسل ناصح، أي: خالص. وقرأ أبو بكر: بضم النون. وهو مصدر "نَصَحَ"، يقال: نصح نصحاً ونصوحاً، نحو: كَفَر كُفْراً وكُفُوراً، وشَكَرَ شُكْراً وشُكُوراً. وفي انتصابه أوجه: أحدها: أنه مفعول له، أي: لأجل النصح الحاصل نفعه عليكم. والثاني: أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي: ينصحهم نصحاً. الثالث: أنه صفة لها، إما على المبالغة على أنها نفس المصدر، أو على حذف مضاف، أي: ذات نصوحٍ. وقرأ زيد بن عليّ: "تَوْباً" دون تاء. فصل في تعلق هذه الآية بقوله يا أيها الذين كفروا قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه الآية بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أنه - تعالى - نبّههم على رفعِ العذاب في ذلك اليوم، بالتوبة في الدنيا، إذ في ذلك اليوم لا تفيدُ التوبةُ. فصل أمر بالتَّوبة، وهي فرض على الأعيان في كُلِّ الأحوال، وكُلِّ الأزمان واختلفوا في التوبة النَّصُوح: فقيل: هي التي لا عودة بعدها، كما لا يعود اللَّبن إلى الضرع. روي عن عمر، وابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، ورفعه معاذٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: "النَّصُوحُ" الصَّادقة الخالصة. وقيل: الخالصة. يقال: نصح له، أي: أخلص له القول. وقال الحسن: "النَّصُوحُ" أن يبغض الذنب الذي أحبه، ويستغفر منه إذا ذكره. وقيل:هي التي لا يثق بقبولها، ويكون على وجلٍ منها. وقال الكلبيُّ: التوبة النَّصوح، الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن الذنب، والعزم على ألاَّ يعود. وقيل غير ذلك. فصل في الأشياء التي يُتَاب منها قال بعض العلماءِ: الذنبُ الذي لا يكونُ منه التوبةُ لا يخلو، إما أن يكون حقاً لله أو للآدميين، فإن كان حقاً لله عز وجل كتركِ صلاة، أو صوم أو تفريط في زكاة؛ فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها. وإن كان قتل نفساً بغير حقٍّ، فإن تمكن من القصاص منه إن طلب به، فإن عُفِيَ عنه كفاه النَّدم، والعزم على ترك العودِ بالإخلاص، وكذلك إن عُفِي عنه في القَتْل بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجداً له، قال تعالى: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}تفسير : [البقرة: 178]. وإن كان ذلك من حدود الله - ما كان - فإنه إذا تاب إلى الله - تعالى - بالندم الصحيح سقط منه، وقد نصَّ الله - تعالى - على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرةِ عليهم، كما تقدم. وكذلك الشُّرَّاب، والسُّراق، والزُّناة إذا صلحوا، وتابوا، وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا: تُبْنا لم يتركهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا، هذا مذهب الشافعي. فإن كان الذنبُ من مظالم العباد، فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه، والخروج عنه - عيناً كان أو غيره - إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادراً، فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت، وأسرعه. وإن كان لواحد من المسلمين، وذلك الواحد لا يشعر به، ولا يدري من أين أتى، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه، ويستغفر له، فإذا عفى، فقد سقط الذنب عنه، وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفى ذلك المظلوم عن ظلمه عرفه بعينه، أو لم يعرفه، فذلك صحيح. وإن أساء رجل إلى رجل، بأن فزعه بغير حق، أو غمه، أو لطمه، أو صفعه بغير حق، أو ضربه بسوط وآلمه، ثم جاءه مستعفياً نادماً على ما كان منه عازماً على ألا يعود فلم يزل يتذلل له، حتى طابت نفسه فعفا عنه، سقط الذَّنب عنه، وهكذا إن شتمه بشتمٍ لا حدَّ فيه. قوله: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}. "عَسَى" من الله واجبةً، وهو معنى قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : التَّائِبُ من الذَّنْبِ كمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ ". تفسير : و"أنْ" في موضع نصب. قوله: "ويُدخِلَكُمْ". معطوف على "يُكَفِّرَ". قرأ العامة: بالنصب. وابن أبي عبلة: بسكون اللام. فاحتمل أن يكون من إجراء المنفصلِ مجرى المتصل، فسلبت الحركة؛ لأنه يتحلل من مجموع "يُكفِّرَ عَنْكُم" مثل "نطع وقمع" فيقال: فيهما: نَطْع وقَمْع. ويحتمل أن يكون عطفاً على محل "عَسَى أن يُكَفِّرَ" كأنه قيل: توبوا يوجب تكفير سيئاتكم، ويدخلكم، قاله الزمخشري. يعني أن "عَسَى" في محل جزم جواباً للأمر؛ لأنه لو وقع موقعها مضارع لانجزم كما مثل به الزمخشري. وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن "عَسَى" جوابٌ ولا تقع جواباً؛ لأنها للإنشاء. قوله: {يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ}. "يَوْمَ" منصوب بـ"يُدخِلَكُم"، أو بإضمار "اذْكُرْ". ومعنى "يُخْزِي" هنا: يعذب، أي: لا يعذبه، ولا يعاقب الذين آمنوا معه. قالت المعتزلة: قوله تعالى: {يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} يدل على أنه لا يعذب الذين آمنوا؛ لأن الإخزاء يقع بالعذاب، ولو كان أصحاب الكبائر من أهل الإيمان لم يخفف عليهم العذاب. قال ابنُ الخطيب: وأجاب أهل السُّنة بأنه - تعالى - وعد أهل الإيمان بألاَّ يخزيهم. من أهل السنَّةِ من يقف على قوله: {يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ}، ومعناه لا يخزيه في رد الشفاعة، والإخزاء: الفضيحة، أي: لا يفضحهم بين يدي الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا تقف الكفرة عليه. قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون منسوقاً على "النَّبِي"، أي: ولا يخزي الذين آمنوا، فعلى هذا يكون "نُورُهُمْ يَسْعَى" مُستأنفاً، أو حالاً. والثاني: أن يكون مبتدأ، وخبره "نُورُهُمْ يَسْعَى"، و"يَقُولُون" خبر ثاني أو حال. وتقدم إعراب مثل هذه الجمل في "الحديد" وإعراب ما بعدها في "براءة". وقرأ أبو حيوة، وأبو نهل الفهمي: "وبإيْمَانهِمْ" بكسر الهمزة. ومعنى قوله: {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي: في الدنيا وبأيمانهم عند الحساب، لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم، وفيه نور، وخير. وقيل: يسعى النور بين أيديهم في موضع وضع أقدامهم "وبأيْمانِهِمْ" لأن خلفهم وشمالهم طرق الكفرة، وقولهم: {رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} قال ابن عباس: يقولون ذلك عند إطفاء نور المُنافقين إشفاقاً. وقال الحسنُ: إنه - تعالى - يتمّم لهم نورهم، ولكنهم يدعون تقرباً إلى حضرة الله تعالى، كقوله: {أية : وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ}تفسير : [غافر: 55] وهو مغفور. وقيل: أدناهم منزلة من نوره بقدر ما يبصر موضع قدمه، فيسألون إتمامه. وقال الزمخشري: السَّابقون إلى الجنَّة يمرون كالبرقِ على الصِّراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم كالجواد المسرع، وبعضهم حَبْواً، وهم الذين يقولون: ربنا أتمِمْ لنا نورنا. فإن قيل: إنه - تعالى - لا يخزي النبي في ذلك اليوم، ولا الذين آمنوا معه؟. فالجوابُ: لأن فيه إفادة الاجتماع، بمعنى لا يخزي الله المجموع، أي: الذين يسعى نورهم، وفيه فائدة عظيمة، إذ الاجتماع بين الذين آمنوا، وبين نبيهم تشريفٌ في حقهم وتعظيم.
البقاعي
تفسير : ولما أفهم الأمر بالوقاية والمدح للملائكة أن المأمورين بالوقاية مقصرون قال مرشداً إلى داوء التقصير: {يا أيها الذين آمنوا} ناداهم بما هو أليق بهم من أداة البعد {توبوا} أي ارجعوا رجوعاً تاماً {إلى الله} أي الملك الذي لا كفوء له. ولما كان كل فعول بمعنى فاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث قال: {توبة نصوحاً} أي بالغة في كونها ناصحة عن الإسناد المجازي أي منصوحاً فيها بالإخلاص في الأزمان الثلاثة، الماضي بالندم، والحال بالإقلاع. والمستقبل بالعزم على عدم العود إلى الذنب، فلا يقع فيها رجوع كما لا يعود الحليب إلى الضرع، فلا يؤذي أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذى رسوله من أذاه، قال القرطبي: النصوح مجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيىء الإخوان، وقال رويم الراعي: هي أن تكون لله وجهاً بلا قفا كما كانت له عند المعصية قفاء بلا وجه. ولما أمر بالتوبة عللها بما يفيد الإطماع من الإقامة بين الرجاء والخوف إعلاماً بأن هذا المقام هو المنجي لأنه اعتقاد الكمال له سبحانه وهو أن له أن يفعل ما يشاء في المطيع وغيره بقوله: {عسى ربكم} أي افعلوا ذلك ليكون المحسن إليكم بهذا البيان جديراً أو حقيقاً {أن يكفر} أي يغطي تغطية عظيمة {عنكم} أي بالتوبة، وإذا كان التائب على خطر فما ظنك بالمصر على ذنوبه {سيئاتكم} أي ما بدا منكم ما يسوءه. ولما ذكر نفع التوبة في دفع المضار، ذكر نفعها في جلب المسار فقال: {ويدخلكم} أي يوم الفصل {جنات} أي بساتين كثيرة الأشجار تستر داخلها لأنها {تجري}. ولما كان ذلك الجري في بعض أرضها قال معبراً بأداة التبعيض: {من تحتها} أي تحت غرفها وأشجارها {الأنهار} فهي لا تزال ريا. ولما ذكر الغفران والإكرام. ذكر وقته فقال مبشراً لأهله معرضاً لغيرهم مستحمداً لأهل وده لكونه وفقهم ولم يخذلهم كأعدائه: {يوم لا يخزي الله} أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالكمال {النبي} أي الرجل الذي ينبئه الله بما يوجب له الرفعة التامة من الإخبار التي هي في غاية العظمة {والذين} أي ولا يخزي الذين {آمنوا معه} وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن كان المراد المعية في مطلق الزمان، وسابقوهم إن كان المراد في الوصف أو زمان مخصوص كبدر وبيعة الرضوان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة"تفسير : كما رواه مسلم عن أم مبشر رضي الله عنها وأبو داود والترمذي عن جابر رضي الله عنه:"حديث : ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم""تفسير : وقال تعالى:{أية : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا}تفسير : [الحديد: 10] إلى قوله{أية : وكلاًّ وعد الله الحسنى}تفسير : [الحديد: 10] ونساءه رضي الله عنهن أحق بأن يكن أول راغب في الكون معه في الإيمان ليبعدن عن النيران، وإذا استحضرت قصص الأنبياء من سورة هود عليه الصلاة والسلام اتضح لك حسن هذا الوجه، ويجوز أن يكون "الذين" مبتدأ خبره "نورهم" أو يكون الخبر "معه" إشارة إلى أن جميع الأنبياء وصالحي أممهم من أمته وتحت لوائه، وذلك في غاية ما يكون من الشرف والرفعة له صلى الله عليه وسلم والإيمان المقيد بمعيته، أي تأهله لمصاحبة إيمانه صلى الله عليه وسلم غير الإيمان المطلق، فلا مانع من أن يدخل غيرهم من المؤمنين النار ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين فلا متمسك للمعتزلة بها في أن مرتكب الكبائر مخلد في النار لأنه داخل النار فهو مخزي، فهو غير موصوف بالإيمان لأن من اتصف بالإيمان لا يخزى بدليل هذه الآية، قال أبو حيان: وفي الحديث:"حديث : أنه صلى الله عليه وسلم تضرع في أمر أمته فأوحى الله إليه: إن شئت جعلت حسابهم إليك، فقال: يا رب! أنت أرحم بهم مني، فقال تعالى: إذاً لا أخزيك فيهم ". تفسير : ولما نفى عنهم الخزي، فسره بقوله مقدماً للنور لأن السياق لتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما مضى في الحديد: {نورهم يسعى} أي سعياً مستمر التجدد، وعلى التفسير الآخر تكون هذه الجملة حالية، ويجوز أن تكون خبراً لـ "الذين" إذا جعلناه مبتدأ {بين أيديهم} وحذف الجار إشارة إلى أنه ملأ تلك الجهة {و} كذا {بأيمانهم} وأما ما يلي شمائلهم فإنهم لا يلتفتون إليه لأنهم إما من السابقين وإما من أهل اليمين، فهم يمشون فيما بين الجهتين ويؤتون صحائف أعمالهم منهما، وأما أهل الشمال فيعطونها من وراء ظهورهم ومن شمائلهم وهم بما لهم من النر إن قالوا سمع لهم وإن شفعوا شفعوا. ولما كانت إدامة للملك هي أشرف صفات العبد قال: {يقولون} أي مجددين لذلك دائماً لعلمهم أن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء، لا حق لأحد عليه ولا سيما إذا رأوا انطفاء نور المنافقين، قال سهل: لا يسقط الافتقار إلى الله تعالى عن المؤمنين في الدنيا ولا في الآخرة بل هم في الآخرة أشد افتقاراً إليه وإن كانوا في دار العز لشوقهم إلى لقائه: {ربنا} أي أيها المتفضل علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون فيه {أتمم} فأظهروا لأن المقام له. ولما كان الإنسان ربما رزق شيئاً فانتفع به غيره دونه قالوا: {لنا نورنا} أي الذي مننت به علينا حتى يكون في غاية التمام فتوصلنا به إلى المأمن في دار السلام، ولا تجعلنا كالمنافقين الذين أطفأت أنوارهم فكانت عاقبتهم إلى الظلام. ولما كان كل من حسن أدبه لا بد أن يعتقد في نفسه النقص، قالوا على سبيل الذلة والمسكنة والتواضع: {واغفر لنا} أي امح عنا كل نقص كان يميل بنا إلى أحوال المنافقين عينه وأثره، وهذا النور هو صورة أعمالهم في الدنيا لأن الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع الصور معانيها، وهو شرع الله الذي شرعه وهو الصراط الذي يضرب بين ظهراني جهنم لأن الفضائل في الدنيا متوسطة بين الرذائل، فكل فضيلة تكتنفها رذيلتان: إفراط وتفريط، فالفضيلة هي الصراط المستقيم، والرذيلتان ما كان من جهنم عن يمينه وشماله، فمن كان يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا تفريط كان نوره تاماً، ومن أمالته الشهوات طفىء نوره - أعاذنا الله من ذلك ورزقنا حسن الثبات، وكان ذلك الطفىء في بعض الأوقات واختطفته كلاليب هي صور الشهوات فتميل به في النار بقدر ميله إليها، والمنافق يظهر له نور إقراره بكلمة التوحيد، فإذا مشى طفىء لأن إقراره لا حقيقة له فنوره لا حقيقة له. ولما كان ما ذكر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، علله بقوله مؤكداً لإنكار الكفار البعث وما تفرع عنه: {إنك} أي وحدك {على كل شيء} أي يمكن دخول المشيئة فيه {قدير *} أي بالغ القدرة. ولما ذكر ما تقدم من لينه صلى الله عليه وسلم لأضعف الناس النساء وحسن أدبه وكريم عشرته لأنه مجبول على الشفقة على عباد الله والرحمة لهم، وختم بما للمؤمنين من الشرف ولله من تمام القدرة، أنتج ذلك القطع بإذلال أعدائهم وإخزائهم فقال مدارياً لهم من خطر ذلك اليوم بيد أنصح الخلق ليكون صلى الله عليه وسلم جامعاً في طاعته سبحانه وتعالى بين المتضادات من اللين والشدة والرضى والغضب والحلم والانتقام وغيرها، فيكون ذلك أدل على التعبد لله بما أمر به سبحانه وتعالى والتخلق بأوامره وكل ما يرضيه: {يا أيها النبي} منادياً بأداة التوسط إسماعاً للأمة الوسطى تنبيهاً على أنهم المنادون في الحقيقة، ولأجل دلالتها على التوسط والله أعلم كان لا يتعقبها إلا ما له شأن عظيم، معبراً بالوصف الدال على الرفعة بالإعلام بالأخبار الإلهية المبني على الإحكام والعظمة المثمرة للغلبة، وأما وصف الرسالة فيغلب فيه الرحمة فيكثر إقباله على اللين والمسايسة نظراً إلى وصف الربوبية: {جاهد الكفار} أي المجاهرين بكل ما يجهدهم فيكفهم من السيف وما دونه ليعرف أن الأسود إنما اكتسبت من صولتك، فيعرف أن ذلك اللين لأهل الله إنما هو من تمام عقلك وغزير علمك وفضلك، وكبير حلمك وخوفك من الله ونبلك: {والمنافقين} أي المساترين بما يليق بهم من الحجة إن استمروا على المساترة، والسيف إن احتيج إليه إن أبدوا نوع مظاهرة {وأغلظ} أي كن غليظاً بالفعل والقول بالتوبيخ والزجر والإبعاد والهجر {عليهم} فإن الغلظة عليهم من اللين لله كما أن اللين لأهل الله من خشية الله، وقد أمره سبحانه باللين لهم في أول الأمر لإزالة أعذارهم وبيان إصرارهم، فلما بلغ الرفق أقصى مداه جازه إلى الغلظة وتعداه، وقد بان بهذه الآية أن أفعل التفضيل في قول النسوة لعمر رضي الله عنه: "أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم" على بابه ولا محذور. ولما كان انتقام الولي من العدو إنما هو لله سبحانه وتعالى، لاحظ له فيه، فكان موجباً لعدم اكتفاء الله به في حق الولي، فكان التقدير: فإنهم ليس لهم عصمة ولا حرمة في الدنيا ولا قوة وإن لاح في أمرهم خلاف ذلك، عطف عليه قوله: {ومأواهم} أي في الآخرة {جهنم} أي الدركة النارية التي تلقى داخلها بالعبوسة والكراهة. ولما كان التقدير: إليها مصيرهم لا محالة، عطف عليه قوله: {وبئس المصير *} أي هي، فذلك جزاء الله لهم عن الإساءة إلى أوليائه والانتقاص لأحبائه.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن النعمان بن بشير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن التوبة النصوح قال: أن يتوب الرجل من العمل السيء، ثم لا يعود إليه أبداً. وأخرج أحمد وابن مردويه والبيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التوبة من الذنب لا تعود إليه أبداً ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند ضعيف عن أبيّ بن كعب قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن التوبة النصوح فقال: "حديث : هو الندم على الذنب حين يفرط منك فتستغفر الله بندامتك عند الحافر ثم لا تعود إليه أبداً ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:حديث : قال معاذ بن جبل يا رسول الله: ما التوبة النصوح؟ قال: أن يندم العبد على الذنب الذي أصاب، فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {توبة نصوحاً} قال: التوبة النصوح أن يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود إليه أبداً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {توبة نصوحاً} قال: يتوب ثم لا يعود. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {توبة نصوحاً} قال: هو أن يتوب ثم لا يعود. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {توبة نصوحاً} قال: النصوح الصادقة الناصحة. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: التوبة النصوح تكفر كل سيئة وهو في القرآن ثم قرأ {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئآتكم} . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ {نصوحاً} برفع النون. أخرج الحاكم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى} قال: ليس أحد من الموحدين إلا يعطى نوراً يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره والمؤمن يشفق مما يرى من إطفاء نور المنافق، فهو يقول: {ربنا أتمم لنا نورنا} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {ربنا أتمم لنا نورنا} قال: قول المؤمنين حين طفئ نور المنافقين. أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فخانتاهما} قال: ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس: إنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط، فكانت تدل على الضيف، فتلك خيانتها. وأخرج ابن عساكر عن أشرس الخراساني رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : ما بغت امرأة نبي قط ". تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {فخانتاهما} قال: كانتا كافرتين مخالفتين، ولا ينبغي لامرأة تحت نبي أن تفجر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما بغت امرأة نبي قط. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه {فخانتاهما} قال: في الدين. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: امرأة النبي إذا زنت لم يغفر لها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ضرب الله مثلاً} الآية قال: يقول لن يغني صلاح هذين عن هاتين شيئاً وامرأة فرعون لم يضرها كفر فرعون، والله تعالى أعلم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً}[8] قال: التوبة النصوح أن لا يرجع، لأنه صار من جملة الأحبة، والمحب لا يدخل في شيء لا يحبه الحبيب. وقال: علامة التائب أن لا تقله أرض ولا تظله سماء إلا هو متعلق بالعرش وصاحب العرش، حتى يفارق الدنيا، ولا أعرف في هذا الزمان أقل من التوبة، إذ ليس منا أحد أتاه ملك الموت إلا ويقول: دعني أفعل كذا وكذا، دعني أتنفس ساعة. ثم قال: إن التائب المخلص ولو مقدار ساعة، ولو مقدار نفس واحد قبل موته، يقال له: ما أسرع ما جئت به صحيحاً، وجئنا حيث جئت. قوله: {يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ}[8] قال: لا يخزيه في أمته، ولا يرد شفاعته. ولقد أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أحببت جعلت أمر أمتك إليك. فقال: يا رب أنت خير لهم مني. فقال الله تعالى: إذاً لا أخزيك فيهم. قوله عزَّ وجلَّ: {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}[8] فقال: لا يسقط الافتقار إلى الله عزَّ وجلَّ عن المؤمنين في الدنيا ولا في العقبى، هم في الجنة أشد افتقاراً إليه، وإن كانوا في دار العز والأمن والغنى لشوقهم إلى لقائه، {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}[8] وارزقنا لقاءك، فإنه منوّر الأنوار وغاية الطلاب. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} [الآية: 8]. قال أبو عبد الله: التوبة على عشر مقامات أولها الخروج من الجهل والندم على الفعل والتجافى عن الشهوة واعتقاد مقت النفس المسئولة وإخراج المظلمة وإصلاح الكسرة وإسقاط الكذب وترك قرين السوء والخلوّ من المعصية والعدول عن طريق الغفلة هذه بأجمعها وسلوك سبيل التوبة فإذا اجتمعت صحَّت التوبة دخلت فى جملة التوبة النصوح. وقال محمد بن خفيف: طالب عباده بالتوبة وهو الرجوع إلى الله تعالى من حيث ذهبوا عنه والنصوح فى التوبة الصدق فيها وترك ما منه تاب سرًا وعلنًا وقولاً وفكرةً. قال الواسطى: التوبة النصوح لا يبقى على صاحبها أثر من المعصية سرًا ولا جهرًا. وقال أبو سليمان الدارانى: من التوبة النصوح أن يكون صاحبها نادمًا على ما مضى مجمعًا عقده وعزمه فيما بقى أن لا يعود وجل القلب فيما بين ذلك ويكون من ذنوبه على يقين ومما أحدث من التوبة على وجل لا يدرى أهى مقبولة منه أو مضروب بها وجهه. وقال بعضهم: التوبة النصوح أن تترك الذنب كما أتيته وتبغضه كما أحببته. وقيل: التوبة النصوح التى يديم العبد فيها على الاستغفار. وقال أبو بكر الوراق: التوبة النصوح توبة لا عقد عوض وهى التوبة التى لا يحتاج منها إلى توبة. سمعت محمد بن الحسن البغدادى يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول: سمعت سعيد بن عثمان يقول: قال ذو النون: التوبة النصوح هى إدمان البكاء على ما سلف من الذنوب والخوف المقلق من الوقوع فيها وهجران أخدان السوء وملازمة أهل الخير. قوله تعالى: {يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ} [الآية: 8]. قال بعضهم: لا يرد شفاعته فى أمته والذين آمنوا لا نرد شفاعتهم فى إخوانهم وأقاربهم. قوله تعالى: {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [الآية: 8]. قال ابن عطاء: إنما هى أنوار التوحيد ونور المعرفة ونور الحقيقة يسعى بهذه الأنوار إلى محل القرار. قوله تعالى: {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} [الآية: 8]. قال بعضهم: لا تقطعنا بك عنك وكن دليلنا منك عليك حتى تتم لنا الأنوار وإن تمام النور بإتمام المنور له. وقال بعضهم: أتمم لنا نورنا أى ارزقنا لقاءك فإنه غاية الطلبات. وقال سهل: لا يسقط الافتقار إلى الله تعالى عن المؤمنين فى الدنيا والآخرة أشد افتقارًا إليه وإن كانوا فى دار العز والغنى لشوقهم إلى لقائه يقولون: {رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} دعاهم الله بالرجوع اليه رجوعا لا انقطاع فيه بحيث اقبلوا على الله نادمين على تضييع الاوقات غير مدبرين عنه الى شئ من دونه حتى وصلوا الى حقيقة الاستقامة فى القلوب مع الله ولا يقدر ان يلتفت الى شئ سوى الله قال الشيخ ابو عبد الله ابن خفيف طالب عابده بالتوبة وهو الرجوع اليه من حيث ذهبوا عنه والنصوح فى التوبة الصدق فيها وترك ما من تاب سرا وعلنا وقولا وفكرة وقال الواسطى التوبة النصوح لا يبقى على صاحبها اثر من المعصية سرا وجهرا قال من كان توبته نصوحا لم يبال كيف امسى واصبح قوله تعالى {يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} لا يتحرى النبى ولا امته بذل الحجاب وسوء الحساب والتعيير والعتاب بل يكون برضاهم ويعطيهم مامولهم ويقبل شفاعتهم لاهل الكبائر وللهالكين ولا يرد عليهم ما يسالون منه من نجاة الخلق ويلبسهم انور قربه ووصاله ويدخلهم فى حجاب انسه ورياض قدسه وهو قوله {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} يستزيدون منه نور القرب بقوله {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ} اى من نورك حتى تفنى بكل ونبقى معك ابدا الابدين قال بعضهم فى قوله لا يتحرى الله النبى لا يرد شفاعته فى امته والذين امنوا لا يرد شفاعتهم فى اخوانهم واقربائهم وقال ابن عطا فى قوله يسعى نورهم انما هى انوار نور التوحيد ونور المعرفة ونور الحقيقة يسعى بهذه الانوار الى محل القرار وقال بعضهم فى قوله ربنا اتمم لنا نورنا لا تقطعنا بك عنك وكن دليلنا منك عليك حتى يتم لنا الانوار فان تمام النور باتمام المنور له وقال سهل لا يقسط الافتقار الى الله عن المؤمنين فى الدنيا والاخرة وهم فى العقبى اشد افتقار اليه وان كانوا فى دار العز والغنى لشوقهم الى لقائه يقولون ربنا اتممم لنا نورنا.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا} التوبة أبلغ وجوه الاعتذار بان يقول فعلت وأسأت وقد اقلت وفى الشرع ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه والعزيمة على ترك المعاودة وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الاعمال بالاعادة فمتى اجتمع هذه الاربعة فقد كملت شرائط التوبة كما فى المفردات والنصح تحرى فعل او قول فيه صلاح صاحبه والنصوح فعول من ابنية المبالغة كقولهم رجل صبور وشكور اى بالغة فى النصح وصفت التوبة بذلك على الاسناد المجازى وهو وصف التائبين وهو أن ينصحوا أنفسم بالتوبة فيأتوا بها على طريقتها وذلك أن يتوبوا من القبائح لقبحها نادمين عليها مغتمين اشد الاغتمام لارتكابها عازمين على انهم لا يعودون فى قبيح من القبائح الا أن يعود اللبن فى الضرع وكذا لو حزوا بالسيف واحرقوا بالنار موطنين أنفسم على ذلك بحيث لا يلويهم عنه صارف اصلا وعن على رضى الله عنه انه سمع اعرابيا يقول اللهم انى استغفرك وأتوب اليك فقال يا هذا ان سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين قال وما التوبة قال ان التوبة يجمعها ستة اشياء على الماضى من الذنوب الندامة وللفرآئض الاعادة اى القضاء صلاة او صوما او زكاة او نحوها ورد المظالم واستحلال الخصوم وأن تعزم على أن لا تعود وأن تذيب نفسك فى طاعة الله كما ربيتها فى المعصية وأن تذيقها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعاصى قال سعدى المفتى والمذهب السنى انه يكفى فى تحقق التوبة الندم والعزم على أن لا يعود بخلاف اهل الاعتزال حيث يلزم فى تحققها عندهم رد المظالم وهو عندنا غير واجب فى التوبة قال بعض الكبار ما لم تكن التوبة عامة من جميع المخالفات فهى ترك لا توبة وقيل نصوحا من نصاحة الثوب بالفتح وهى بالفارسية جامعه دوختن اى توبة ترفوا خروقك فى دينك وترم خللك وفى الحديث "حديث : المؤمن واه راقع فطوبى لمن مات على رقعه"تفسير : ومعناه أن يخرق دينه ثم يرقعه بالتوبة ونحوه استقيموا ولن تحصوا اى لن تستطيعوا أن تستقيموا فى كل شئ حتى لا تميلوا ومنه يا حنظلة ساعة فساعة ومن بلاغات الزمخشرى ما منع قول الناصح أن يروقك وهو الذى ينصح خروقك شبه فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب وقيل خالصة من قولهم عسل ناصح اذا خلص من الشمع شبه التوبة فى خلوصها بذلك وكذا تخلص قول الناصح من الغش بتخلص العسل من الخلط ويجوز أن يراد توبة تنصح الناس اى تدعوهم الى مثلها لظهور اثرها فى صاحبها واستعماله الجد والعزيمة فى العمل بمقتضياتها وقال ذو النون المصرى قدس سره التوبة ادمان البكاء على ما سلف من الذنوب والخوف من الوقوع فيها وهجران اخوان السوء وملازمة اهل الجنة وقال التسترى رحمه الله هى توبة ا لسنى لا المبتدع لانه لا توبة له بدليل قوله عليه السلام حجر الله على كل صاحب بدعة أن يتوب وقال الواسطى قدس سره هى أن يتوب لا لغرض وقال الشيخ أبو عبد الله بن حفيف قدس سره طالب عباده بالتوبة وهو الرجوع اليه من حيث ذهبوا عنه والنصوح فى التوبة الصدق فيها وترك ما منه تاب سرا وعلنا وقولا وفكرا وقال القاشانى رحمه الله مراتب التوبة كمراتب التقوى فكما ان اول مراتب التقوى هو الاجتناب عن المنهيات الشرعية وآخرها الاتقاء عن الانانية والبقية فكذلك التوبة اولها الرجوع عن المعاصى وآخرها الرجوع عن ذنب الوجود الذى هو من امهات الكبائر عند اهل التحقيق شعر : توبه جون باشد بشيمان آمدن بردرحق نو مسلمان آمدن خدمتى از سر كرفتن بانياز باحقيقت روى كردن ازمجاز تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى المؤمنين الذين لم تترسخ اقدامم فى ارض الايمان ترسخ اقدام الكمل ويحثهم على التوبة الى الله بالرجوع عن الدنيا ومحتبها والاقبال على الله وطاعته توبة بحيث ترفوا جميع خروق وقعت فى ثوب دينه بسبب استيفاء اللذات الجسمانية واستقصاء الشهوات الحيوانية ويقال توبة العوام عن الزلات والخواص عن الغفلات والخواص عن رؤية الحسنات وفى الحديث "حديث : أيها الناس توبوا الى الله فأنى أتوب اليه فى اليوم مائة مرة"تفسير : رد خل فى الناس الذكور والاناث وهى اى التوبة واجبة على الفور لما فى التأخير من الاصرار على المحرم وهو بجعل الصغيرة كبيرة وعلامة قبول التوبة أن لا يذكره الله ذنبه لان التوبة لا تبقى للذنب وجودا فمتى ذكر الغائب ذنبه فتوبته معلولة وقد تكون التوبة مقبولة عند الله ومع ذلك فلا تدفع عن العاصى العذاب كما لو تاب السارق عند الحاكم لا ترفع توبته عند حد القطع وفى حديث ما عز كفاية فانه عليه السلام قال فى حقه حديث : انه تاب توبة لو قسمت على اهل مدينة لوسعتهم تفسير : ومع ذلك فلم تدفع توبته عنه الحد بل امر عليه السلام برجمه فرجم فاعرف (وفى المثنوى) شعر : بود مردى بيش ازين نامش نصوح بدزد لاكئ زن اورا فتوح برد روى اوجو رخسار زنان مردئ خودرا همى كرداو نهان او بحمام زنان دلاك بود در دغا وحيله بس جالاك بود سالها مى كردد لاكى وكس بونبرد ازحال وسر آن هوس زانكة آواز ورخش زن وار بود ليك شهوت كامل وبيدار بود دختران خسروا انرا زين طريق خوش همى ماليدومى شت آن عيشق توبهامى كردو بادرمى كشيد نفس كافر توبه اش را مى دريد رفت بيش عارفى آن زشت كار كفت مارا در دعايى ياد دار سرا ودنست آن آزاد مرد ليك جون حلم خدا ببدا نكرد آن دعا ازهفت كردون در كذشت كار آن مسكين بآحر خوب كشت يك سبب انكيخت صنع ذى الجلال كه رها نيدش زنفرين ووبال اندران حمام برمى كرد طشت كوهرى از دخترشه باوه كشت كوهرى از حلقهاى كوش او ياوه كشت وهرزنى درجست وجو بس در حمام رابستند سخت تاجبو بيند اولئن دربيخ رخت رختها جستند وآن بيدا نشد درد كوهر نبزهم رسوا نشد بس بجد جستن كرفتند ازكتراف دودهان وكوش واندرهرشكاف بالك آمدكه همه عريان شويد هركه هتيد از عجوز وكرنريد يك ببك زا حاجبه جستن كرفت تابديد آيد كهر دانه شكفت آن نصوح ازترس شد درخلوتى روى زر دولب كبرد از خشيتى كفت يارب بارها بركشته ام توبها وعهدها بشكسته ام كرده ام آنهاكه ازمن مى سزيد تاجنين سيل سياهى در رسيد نوبت جستن اكر درمن رسد ره كه جان من جه سختيها كشد ابن جنين اندوه كار رامباد دامن رحمت كرفتم داد دار كرمرا اين بارستارى كنى توبه كردم من زهرنا كردنى من اكر ابن بار تقصيرى كنم بس دكر مشنودعا وكفتم درميان يا رب ويا رب بدو بانك آمد از ميان جست وجو جمله را جستيم بيش آاى نصوح كشت بهوش آن زمان بريد روح بعد آن خوف وهلاك جان يده مزدها أمدكه اينك كم شده از غريو ونعره ودستك زدن برشده حمام قد زال الحزن آن نصوح رفته بار آمد بخويش ديد جشمش تابش صدر ونريش مى حلالى خواست ازوى هركسى بوسه مى دادند بردستش بس بد كمان بوديم مارا كن حلال لحم تو خورديم اندر قيل وقال زانكه ظن جمله بروى بيش بود زانكه در قربت زجمله بيش بود كوهرار بردست او بردست وبس زملازم تربخا تون نيست كس اول اورا خواست جستن درنبرد بهر حرمت داشتش تأخير كرد تابود كانرا بيند ازد بجا اندرين مهلت رهاند خويش را بس حلاليها ازومى خواستند زبراى عذر بر مى خواستند كفت بد فضل خداى داد كر ورنه زانجم كفته شد هستم بتر آنجه كفتندم زبداز صد يكيست برمن اين كشفست اركس راشكيست آفرنيها برتو بادا اى خدا ناكهان كردى مرا ازغم جدا كر سر هرموى من كردد زبان شكر هاى تونيايد دربيان بعد ازان آمد كسى كز مرحمت دختر سلطان ما مى خواندت دختر شاهت همى خواند بيا تاسرش شويى كنون اى بارسا كفت رور ودست من بى كار شد وين نصوح توكنون بيمارشد روكسى ديكر بجوا شتاب وتفت كه مرا والله دست ازكار رفت بادل خود كفت كز حد رفت جرم ازدل من كى رود آن ترس وكرم من بمردم يك ره وباز آمدم من جشيدم تلخئ مرك وعدم تبوه كردم حقيقت باخدا نشكنم تاجان شدن ازتن جدا بعد آن محنت كرا بار دكر بارود سوى خطر الاكه خر تفسير : {عسى ربكم} شايد بروردكار شما وفى كشف الاسرار الله برخود واجب كرد نائب را از شما {أن يكفر عنكم سيئاتكم} يسترها بل يمحوها ويبدلها حسنات {ويدخلكم جنات} جمع جنات اما لكثرة المخاطبين لان لكل منهم جنة او لتعددها لكل منهم من الانواع {تجرى من تحتها الانهار} قال فى الارشاد ورود صيغة الاطماع والترجية للجرى على سنن الكبرياء فان الملوك يجيبون بلعل وعسى ويقع ذلك ذلك موقع القطع والاشعار بأنه تفضل والتوبة غير موجبة له وان العبد ينبغى أن يكون بين خوف ورجاء وان بالغ فى اقامة وظائف العبادة. يقول الفقير التكفير اشارة الى الخلاص من الجحيم لان السيئات هى سبب العذاب فاذا زال السب زال المسبب وادخال الجنات اشارة الى التقريب لان الجنان موضع القرب والكرامة وجريان الانهار اشارة الى الحياة الأبدية لان الماء اصل الحياة وعنصرها فلا بد للانسان فى مقابلة هذه الانهار من ماء العلم ولبن الفطرة وعسل الالهام وخمر الحال فكما ان الحياة المعنوية فى الدنيا انما تحصل بهذه الاسباب فكذا الحياة الصورية فى الآخرة انما تحصل بصورها {يوم لا يخزى الله النبى} ظرف ليدخلكم والاخزآء دور كردن ورسوا كردن وخوار كردن وهلاك كردن. ومعنى هذه الكلمة يقرب بعضها من بعض كما فى تاج المصادر والنبى المعهود. يعنى روزى كه حجل نكند خداى تعالى بيغمبررا يعنى نه نفس اورا عذاب كندونه شفاعت اورا درباره عاصبان مردود سازد. قال بعض اهل التفسر يخزى اما من الخزى وهو الفضاحة فيكون تعريضا للكفرة الذين قال الله تعالى فيهم ان الخزى اليوم والسوء على الكافرين او من الخزاية بمعنى الحياء والخجل وهو الأنسب هنا بالنظر الى شأن الرسول خصوصا اذا تم الكلام فى النبى وان أريد المعنى الاول حينئذ يجوز أن يكون باعتبار أن خزى الامة لا يخلو عن انشاء خزى ما فى الرسول على ما يشعر به قوله فى دعائه اللهم لا تخزنا يوم القيامة ولا تفضحنا يوم اللقاء بعض الاشعار حيث لم يقل لا تخزنى كما قال ابراهيم عليه السلام ولا تخزنى يوم يبعثون ليكون دعاؤه عاما لامته من قوة رحمته وأدخل فيهم نفسه العالية من كمال مروءته قيل الخزى كناية من العذات لملازمة بينهما والاولى العموم لكل خزى يكون سببا من الاسباب من الحساب والكتاب والعقاب وغيرها {والذين آمنوا معه} عطف على النبى ومعه صلة لا يخزى اى لا يخزى الله معه الذين آمنوا اى يعمهم جميعاً بأن لا يخزيهم او حال من الموصول بمعنى كائنين معه او متعلق بآمنوا وهو الموافق لقوله تعالى {أية : واسلمت مع سليمان}تفسير : اى ولا يخزى المؤمنين الذين اتبعوه فى الايمان كما قال {أية : آمن الرسول بما انزل اليه من ربه والمؤمنون}تفسير : وذلك بسوء الحساب والتعبير والعتاب وذل الحجاب ورد الجواب فيحاسبهم حسابا يسيرا بل ويرفع الحساب عن بعضهم ويلاطفهم ويكشف لهم جماله ويعطى مأمولهم من الشفاعة لاقاربهم واخوانهم ونحولهم وقال داود القيصرى رحمه الله فى قوله تعالى {أية : واسلمت مع سليمان}تفسير : اى اسلام سليمان اى اسلمت كما اسلم سليمان ومع فى هذا الموضع كمع فى قوله {يوم لا يخزى الله النبى والذين آمنوا معه} وقوله {أية : وكفى بالله شهيدا}تفسير : محمد رسول الله والذين معه ولا شك ان زمان ايمان المؤمنين ما كان مقارنا لزمان ايمان الرسول وكذا اسلام بلقيس ما كان عند اسلام سليمان فالمراد كما انه آمن بالله آمنوا بالله وكما انه اسلم اسلمت لله انتهى كلام القيصرى وتم الكلام عند قوله معه وفيه تعريض بمن اخزاهم الله من اهل الكفر والفسوق كما سبق واستحماد الى المؤمنين على انه عصمهم من مثل حالهم وقيل قوله والذين الخ مبتدأ خبره ما بعده من قوله نورهم الخ او خبره معه والمراد بالايمان هو الكامل حينئذ حتى لا يلزم أن لا يدخل عصاة المؤمنين النار {نورهم} اى نور ايمانهم وطاعتهم على الصراط قال فى عين المعانى نور الاخلاص على الصراط لاهل المعاملة بمنزلة الشمع ونور الصدق لارباب الاحوال بمنزلة القمر ونور الوفاء لاهل المحبة بمنزلة شعاع الشمس {يسعى} السعى المشى القوى السريع ففيه اشارة الى كمال اللمعان {بين ايديهم} اى يضيء بين ايديهم يعنى قدامهم جمع يد يراد بها قدام الشئ لتكون بين اليدين غالبا فالجمع اما باطلاقه على التثنية او بكثرة ايدى العباد {وبأيمانهم} جمع بيمين مقابل الشمال اى وعن ايمانهم وشمائلهم على وجه الاضمار يعنى جهة ايمانهم وشمائلهم او عن جميع جهاتهم وانما اكتفى بذكرهما لانهما أشرف الجهات ومن ادعيته عليه السلام حديث : اللهم اجعل فى قلبى نورا وفى سمعى نورا وفى بصرى نورا وعن يمينى نورا وعن شمالى نورا وأمامى نورا وخلفى نورا وفوقى نورا وتحتى نورا واجعلنى نورا تفسير : وقال بعضهم تخصيص الأيدى والايمان لان ارباب السعادة يؤتون صحائف اعمالهم منهما كما ان اصحاب الشقاوة يؤتون من شمائلهم و ورآء ظهورهم فيكون ذلك علامة لذلك وقائدا على الصراط الى دخول الجنة وزينة لهم فيها وقال القاشانى نورهم يسعى بين أيديهم اى الذي لهم بحسب النظر والكمال العلمى وبأيمانهم اى الذى لهم بحسب العمل وكماله اذ لنور العلمى من منبع الوحدة والعلمى من جانب القلب الذى هو يمين النفس او نور السابقين منهم يسعى بين أيديهم ونور الابرار منهم يسعى بايمانهم وقد سبق تمامه فى سورة الحديد وفى الحديث حديث : من المؤمنين من نوره ابعد ما بيننا وبين عدن ابين ومنهم من نوره لا يجاوز قدمه تفسير : {يقولون} اى يقول المؤمنون وهو الظاهر او الرسول لامته والمؤمنون لانفسهم اذا طفئ نور المنافقين اشفاقا اى يشفقون على العادة البشرية على نورهم ويتفكرون فيما مضى منهم من الذنوب فيقولون {ربنا} اى بروردكارما {اتمم لنا نورنا} نكاه دار وباقى دار نورما تابسلامت بكذريم. فيكون المراد بالاتمام هو الادامة الى ان يصلوا الى دار السلام {واغفر لنا} يعنى از ظلمت كناه باك كن {انك على كل شئ قدير} من الاتمام والمغفرة وغيرهما وقيل يدعون تقربا الى الله تعالى مع تمام نورهم كقوله واستغفر لذنبك وهو مغفور له قال فى الكشاف كيف يتقربون وليست الدار دار تقرب قلت لما كانت حالهم كحال المتقربين يطلبون ما هو حاصل لهم من الرحمة سماه تقربا وقيل يتفاوت نورهم بحسب اعمالهم فيسألون اتمامه تفضلا فيكون قوله يقولون من باب بنو افلان قتلوا زيدا وقيل السابقون الى الجية يمرون مثل البرق على الصراط وبعضهم كالريح وبعضهم حبو او زخفا واولئك الذين يقولون ربنا اتمم لنا نورنا وقال سهل قدس سره لا يسقط الافتقار الى الله عن المؤمنين فى الدنيا ولآخرة وهم فى العقبى اشد افتقار اليه وان كانوا فى دار العز والغنى ولشوقهم الى لقائه يقولون اتمم لنا نورنا. واعلم ان ما لا يتم فى هذه الدار لا يتم هناك الا ما كان متعلق النظر والهمة هنا فاعرف ثم ان الانوار كثيرة نور الذات ونور الصفات ونور الافعال ونور العبادات مثل الصلاة والوضوء وغيرهما كما قال عليه السلام فى حديث طويل حديث : والصلاة نورتفسير : والسر فيه ان المصلى يناجى ربه ويتوجه اليه وقد قال عليه السلام حديث : ان العبد اذا قام يصلى فان الله ينصب له وجهه تلقاءهتفسير : والله نور وحقيقة العبد ظلمانية فالذات المظلمة اذا واجهت الذات النيرة وقابلتها بمحاذات صحيحة فانها تكتسب من انوار الذات النيرة ألا ترى ان القمر الذى هو فى ذاته جسم اسود مظلم كشيف صقيل كيف يكتسب النور من الشمس بالمقابلة وكيف يتفاوت اكتسابه للنور بحسب التفاوت الحاصل فى المحاذاة والمقابلة فاذا تمت المقابلة وصحت المحاذاة كمل اكتساب النور وفى الحديث حديث : بشر المشائين فى الظلم الى المساجد بالنور التام فى يوم القيامة تفسير : وفيه اشارة الى ان كل ظلمة ليست بعذر لترك الجماعة بل الظلمة الشديدة فان الاعذار التى تبيح التخلف عن الجماعة المرض الذى يبيح التيمم ومثله كونه مقطوع اليد والرجل من خلاف او مفلوجا او لا يستطيع المشى او أعمى او المطر والطين والبرد الشديد والظلمة الشديدة للصحيح وكذا الخوف من السلطان او غيره من المتغلبين وفى الحديث حديث : وددت انا قد رأينا اخواننا قالوا يا رسول الله ألسنا اخوانك قال انتم اصحابى واخواننا الذين لم يأتوا بعد فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من امتك يا رسول الله فقال أرأيتم لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهرانى خيل دهم بهم ألا يعرف خيله قالوا بلى يا رسول الله قال فانهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وانا فرطهم على الحوض تفسير : استعار عليه السلام لأثر الوضوء من البياض فى وجه المتوضى ويديه ورجليه بنور الوضوء يوم القيامة من البياض الذى فى وجه الفرس ويديه ورجليه فان الغر جمع الاغر والغرة بالضم بياض فى جبهة الفرس فوق الدرهم والتحجيل بتقديم الحاء المهملة بياض قوآئم الفرس كلها ويكون فى رجلين ويد وفى رجلين فقط وفى رجل فقط ولا يكون فى اليدين خاصة الا مع الرجلين والدهم جمع الأدهم بمعنى الاسود فان الدهمة بالضم السواد والبهم جمع الأبهم وفرس بهيم اذا كان على لون واحد لم يشبه غيره من الالوان ومنه استعير ما روى انه يحشر الناس يوم القيامة بهما بالضم اى ليس بهم شئ مما كان فى الدنيا نحو البرص والعرج والفرط بفتحتين المتقدم لاصلاح الحوض والدلو
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا تُوبوا إِلى الله توبةً نَصوحاً} أي: بالغة في النصح، وُصفت بذلك مجازاً، وهي وصف للتائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسَهم، فيأتوا بها على طريقتها، وذلك أن يتوبوا عن القبائح، لقبْحها، نادمين عليها، مغتمِّين أشد الاغتمام لارتكابها، عازمين على أنهم لا يعودون إلى قبيح من القبائح، وقيل: نصوحاً: صادقة، وقيل: خالصة، يُقال: عسل ناصح: إذا خلص من شمعه، وقيل: مِن نصاحة الثوب، أي: ترقيعه، لأنها ترقع خروقك في دينك وترمّ خللك، وقيل: توبة تنصح الناس، أي: تدعوهم إلى مثلها؛ لظهور آثارها في صاحبها، باستعمال الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها، ومَن قرأ بضم النون فمصدر، أي: ذات نصوح، أو تنصح نصوحاً. وفي الحديث: " حديث : التوبة النصوح أن يتوب، ثم لا يعود إلى الذنب إلى أن يعود اللبن في الضرع "تفسير : . وعن حذيفة: "حديث : بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه "تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنه: "حديث : هي الاستغفار باللسان، والندم بالجنان، والإقلاع بالأركان ". تفسير : {عسى ربُّكم أن يُكَفِّرَ عنكم سيئاتِكم}، هذا على ما جرى به عادة الملوك من الإجابة بعسى ولعل، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. وقيل: عبّر بـ"عسى" للإشعار أنّ المغفرة تفضل وإحسان، وأنّ التوبة غير موجبة لها، ولِيَبقى العبد بين خوف ورجاء ولو عمل ما عمل. {ويُدْخِلَكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ يومَ لا يُخزي اللهُ النبيَّ}. هو ظرف لـ"يدخلكم" {والذين آمنوا معه}: عطف على "النبي", و"معه": ظرف لآمنوا، وفيه تعريض بمَن أخزاهم الله من الكفرة. {نُورُهُمْ}: مبتدأ، و {يسعى} خبره، أي: يُضيء {بين أيديهم وبأَيمانهم} أي: على الصراط وفي مواطن القيامة، {يقولون} حال، أي: قائلين حين ينطفىء نور المنافقين: {ربنا أتمم لنا نورنا واغفرْ لنا إِنك على كل شيءٍ قديرٌ}، وقيل: يدعون بذلك تقرُّباً إلى الله مع تمام نورهم، وقيل: تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم، فيسألون إتمامه تفضُّلاً، وقيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط, وبعضهم كالريح, وبعضهم كأجاود الخيل، وبعضهم حبواً، وزحفاً، وهم الذين يقولون: {ربنا أَتمم لنا نورنا}. وقد تقدّم: أنَّ مِن المقربين مَن تُقرّب لهم غُرف الجنات, فيركبون فيها، ويسرحون إلى الجنة، ومنهم مَن يطير في الهواء إلى باب الجنة، فيقول الخزنة: مَن أنتم؟ فيقولون: نحن المتحابُّون في الله، فيقول: اذهبوا فنِعْمَ أجر العاملين، ويقول بعضهم لبعض: أين الصراط الذي وُعدنه، فيُقال لهم: جزتموه ولم تشعروا. والله تعالى أعلم. الإشارة: توبةُ العامة من الذنوب، وتوبةُ الخاصة من العيوب، وتوبة خاصة الخاصة من الغيبة عن حضرة علاّم الغيوب، فهؤلاء أشد الناس افتقاراً إلى التوبة؛ إذ لا بُد للعبد من سهوٍ وسِنةٍ حتى يجول بقلبه في الأكوان، أو يميل عن الاعتدال، فيجب في حقهم الاستغفار منها، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يستغفر في المجلس الواحد سبعين أو مائة مرة. وقد تكلم السّلفُ عن التوبة النصوح دون ما تقدّم، فقال ابن جبير: هي التوبة المقبولة، ولا تُقبل إلا بثلاثة شروط: خوف ألاَّ تُقبل منه، ورجاء أن تُقبل، وإدمان الطاعة. وقال ابن المسيب: توبة تنصحون بها أنفسكم، وقال القرظي: يجمعها أربعة: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وترك العود بالجنان، ومهاجرة سيىء الخلان. وقال الثوري: علامتها أربعة: القِلة، والعِلة، والذلة، والغربة. وقال الفضيل: هو أن يكون الذنب نصب عينيه. وقال الواسطي: تكون لا لعرض دنيوي ولا أخروي. وقال أبو بكر الورّاق: هي أن تضيق عليك الدنيا بما رَحُبتْ، كحالة الذين خُلِّفوا. وقال رُويم: أن تكون لله وجهاً بلا قفا، كما كنت عند المعصية قفا بلا وجه، وقالت رابعة: توبة لا ارتياب فيها، وقال السري: لا تصلح التوبة النصوح إلاّ بنصيحة النفس والمؤمنين؛ لأنَّ مَن صحّت توبته أَحبَّ أن يكون الناس مثله، وقال الجنيد: هي أن تنسى الذنب فلا تذكره أبداً؛ لأنَّ مَن أحب اللهَ نسي ما دونه. هـ. ثم أمر بالجهاد بعد التوبة؛ لأنَّ النصر لا يكون إلاَّ مع التطهُّر من دنس الخالفة، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ}.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة {تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} بالبيعة الخاصّة، او المعنى يا ايّها الّذين آمنوا بالبيعة الخاصّة توبوا وارجعوا من مقام نفوسكم الى الله الّذى مظهره قلوبكم {تَوْبَةً نَّصُوحاً} خالصة من وصمة العود، او توبة ناصحاً صاحبها لنفسه فيها بان يكون نادماً على ما مضى وعازماً على التّرك فيما يأتى، او توبةً ترقع الخروق الّتى وقعت فى الدّين وترتق الفتوق وتصلح الفاسد من النّصح بمعنى الخياطة، او المراد بها التّوبة الجارية على يد ولىّ الامر فى البيعة الخاصّة الولويّة فانّها الّتى يخلّص صاحبها عن كلّ سوءٍ وغشٍّ وغلٍّ، وهى الّتى يبصر بها صاحبها كلّ سوءٍ ورذيلة فينصح نفسه فى الخلاص عنها، وهى الّتى ترقع كلّ خرقٍ وقع للنّفس قبلها. اعلم، انّ للتّوبة بحسب الصّورة معانى فانّ معناها ان يقول الانسان: أتوب الى الله، او تبت الى الله، وان يرجع الى نبىّ وقته او ولىّ وقته وباع على يده بيعةً عامّةً او بيعةً خاصّةً، وان يندم على المعاصى القالبيّة، وان يندم على الرّذائل النّفسانيّة، وان يندم على العقائد الزّائغة، وان يرجع عن ملاحظة نسبة الافعال الى نفسه، او ملاحظة نسبة الصّفات الى نفسه، او نسبة الوجود الى نفسه، وان يندم على تلوّنه فى مقاماته ويطلب التّمكين ويرجع اليه والكلّ توبةٌ والكلّ منظور من الآية بحسب مراتب الاشخاص {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} من المعاصى القالبيّة والرّذائل النّفسانيّة والعقائد الزّائغة ومن رؤية الافعال من انفسكم ونسبة الصّفات الى انفسكم ومن انانيّاتكم {وَيُدْخِلَكُمْ} بعد ازالة السّيّئات {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} قد مضى فى سورة آل عمران فى آخرها بيان جريان الانهار من تحت الجنّات {يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} اى باعوا البيعة العامّة او الخاصّة معه لكنّ المناسب لقوله تعالى {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} هو المعنى الثّانى وقد مضى فى سورة التّغابن بيان هذا النّور وانّه فى قلب المؤمن انور من الشّمس المضيئة بالنّهار، واختار من جملة الجهات ما بين الايدى والايمان اشعاراً بجهتى النّفس المطيعة الّتى هى بحسب قوّتيها العلاّمة والعمّالة، وامّا الخلف واليسار فانّهما لا يكونان للنّفس المطيعة بمعنى انّه لا يكون لها جهة شيطانيّة ولا جهة حيوانيّة اللّتان يعبّر عنهما بالخلف واليسار ولو كانتا لم يكن ذلك النّور فى تينك الجهتين {يَقُولُونَ} حالاً وقالاً {رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} فانّهم بظهور هذا النّور والصّورة الملكوتيّة من امامهم يشتدّ لوعتهم ويزداد حرقتهم ويزيد طلبتهم فيطلبون ازدياد الظّهور واشتداد هذا النّور بحيث لا يبقى لهم ذات واثر، فانّ مثلهم فى تلك الحال مثل الفراش والسّراج لا يسكنون ما كان لهم ذات وحركة {وَٱغْفِرْ لَنَآ} الحدود والنّقائص الملحقة بنا المانعة لنا من كمال ادراك هذا النّور {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} فى العالم الصّغير والعالم الكبير، وقرأ الصّادق (ع): جاهد الكفّار بالمنافقين قال: انّ رسول الله (ص) لم يقاتل منافقاً قطّ انّما كان يتألّفهم، وفى خبرٍ عنه: جاهد الكفّار والمنافقين، قال: هكذا نزلت فجاهد رسول الله (ص) الكفّار، وجاهد علىّ (ع) المنافقين فجهاد علىٍّ (ع) جهاد رسول الله (ص) {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} كفر النّفاق وان كان لهم قرب الى الانبياء والاولياء (ع) {ٱمْرَأَةَ نُوحٍ وَٱمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا} الخاصّين بنا {صَالِحَيْنِ} وكونهما تحتهما كنايةٌ عن كمال قربهما {فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} فانّ وصلة الكفّار ومخالطتهم لا تضرّهم كما انّ وصلة آسية ومخالطتها لفرعون ما كانت تضرّها {إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} اى القبطىّ التّابعين له.
الأعقم
تفسير : {يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً} قيل: توبة تنصح لكم بالإِخلاص، واختلف المفسرون بالنصح، قيل: أن يتوب ولا يعود. وقيل: أن يكون نادماً على مضى، وقيل: هو أربعة أشياء الاستغفار والاقلاع، وإضمار ترك العود، وقيل: قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام، وقيل: أن لا يعود إلى الذنب ولو جرى بالسيف وأحرق بالنار، وعن علي (عليه السلام) أنه سمع أعرابياً يقول: اللهم إني استغفرك وأتوب إليك، فقال: "يا هذا إن سرعة اللسان بالتوبة سرعة الكاذبين" {عسى ربكم} عسى من الله وأحب أن يغفر لكم و{يكفر عنكم سيئاتكم}، وقيل: توبوا متعرضين إلى المغفرة {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} أي لا يفعل بهم ما فعل بأهل النار من الخزي فتبيض وجوههم وتحسن صلاتهم ولا يلحقهم خوف ولا حزن {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم} قيل: هو نور يتلألأ بين أيديهم في القيامة وعلى الصراط، وقيل: كتبهم {يقولون ربنا أتمم لنا نورنا} قيل: يقول المؤمنون حتى يطفئ نور المنافقين في القيامة، وقيل: أتمم لنا نورنا، أي وفقنا للطاعة، التي هي سبب النور، ومتى قيل: لم خصّ النور بأنه بين أيديهم وبأيمانهم؟ قلنا: على يسارهم أهل النفاق وخلفهم الكفار، وقيل: هو مسكوت عنه فيجوز أن يكون النور محيط بهم، ومتى قيل: أليس يعلمون أن نورهم يتم فكيف يسألون والدار ليست بدار تكليف؟ قلنا: هو على سبيل التلذذ لاستدامة النور وسؤال المغفرة يقع تلذذاً {يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} قيل: جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة، وقيل: جاهدهما إذا أظهروا النفاق {واغلظ عليهم} قيل: في الجهاد بإقامة الحد عليهم {ومأواهم جهنم وبئس المصير} {ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط} مثل الله عز وجل حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم من غير إبقاء ولا محاباة تنفعهم مع عداوتهم ما كان بينهم وبينهم من لحمة نسب أو صلة صهر، لأن عداوتهم لهم وكفرهم بالله ورسوله قطع العلائق وبتّ الوصل وجعلهم أبعد من الآمال، وإن كان المؤمن الذي يفصل به الكافر سائر أنبياء الله بحال امرأة نوح وامرأة لوط لما خانتا ونافقتا الرسولين عنهما بحق ما بينهما وبينهما من وصلة الأزواج أغنى من عذاب الله، وقيل لهما عند موتهما أي يوم القيامة ادخلا النار مع سائر الداخلين الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء ومع داخلها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط، ومثل حال المؤمنين في أن وصلة الكافرين لا تضرهم ولا تنقص شيئاً من ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله مع كون زوجة أعدى عدو الله الناطق بالكلمة العظمى عند الله تعالى {فخانتاهما} أي في الدين، وقيل: كانتا منافقتين، وقيل: ما زنت امرأة نبي قط، وامرأة نوح نسبته إلى الجنون، وامرأة لوط كانت تدل الجيران على أضياف لوط، وقيل: كانت امرأة نوح إذا آمن به أحد أخبرت الجبابرة {وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون} وهي آسية بنت مزاحم، أسلمت لما عاينت المعجزة من عصا موسى وغلبته للسحرة، فلما ظهر إسلامها نهاها فأبت إلا الإِسلام، فأوتد يديها ورجلها بأربعة وألقاها في الشمس وأمر بأن يلقى عليها صخرة عظيمة فلما قرب أجلها {قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة} وقيل: أبصرت بيتها، وقيل: رفعها إلى الله إلى الجنة، وقيل: توفت عند إلقاء الصخرة عليها {ونجّني من فرعون وعمله}، قيل: من دينه وكانت تكره المقام معه لكفره {ونجّني من القوم الظالمين} مع أن قومها كانوا كفاراً فقطع الله بهذه الآية طمع العصاة أن ينفعهم صلاح غيرهم {ومريم ابنة عمران} وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين مع أن أهلها كانوا كفاراً قيل: ضرب المثل للمؤمن والكافر، وقيل: لأزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {التي أحصنت فرجها} من دنس الذنب، وقيل: بعدما أثنى الله عليها الإِحصان لم يضرها قول من رماها {فنفخنا فيه من روحنا} نفخ جبريل بأمر الله في جيبها من روحنا، وقيل: نفخ جبريل في قميصها، وقيل: خلق الله المسيح، وقيل: فيه كناية عن المسيح أن خلق المسيح في بطنها ونفخ فيه الروح فصار حيَّاً {وصدّقت بكلمات ربها} بوعده ووعيده {وكانت من القانتين} من المطيعات قال جار الله: فإن قلت: فما كلمات الله وكتبه؟ قلتُ: يجوز أن يراد بكلماته صحفه التي أنزلها على إدريس وغيرها سماها كلمات لقصرها، وبكتبه الكتب الأربعة، وقرئ بكلمة الله وكتابه، أي بعيسى والكتاب المنزل عليه.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} صفة مبالغة يستوي فيها المذكر والمؤنث كامرأة صبور وهند غضوب وقرىء توبا نصوحا والنصح صفة التائب وهي ان ينصح نفسه يأتي بالتوبة على طريقتها متداركة للفرطات ماحية للسيئات واسناده للتوبة مجاز عقلي ويجوز ان يكون نصوح مبالغة في النصاحة وهي الخياطة فيكون شبه فساد الذنب بخرق الثوب واشتق من النصاحة نصوحا على الاستعارة التبعية ويكون ويكون التجوز في الاثبات أيضا. وقرأ ابو بكر بضم النون فيكون مصدراً بمعنى النصح كالشكر والشكور أو بمعنى الفصاحة كالثبات والثبوت أي ذات نصوح أو ناصحة فالوصف بالمصدر لتقدير مضاف أو تأويله بالوصف أو للمبالغة أو هو مفعول مطلق أي ينصحون نصوحا أو مفعول لأجله أي لنصوح انفسكم وتجب التوبة النصوح من كل كبير وصغير وهي ان لا يعود الى الذنب كما لا يعود اللبن الى الضرع ويعزم ان لا يعود وإن عاد تاب وان يندم وان يهجر اخوان السوء ويغتم لارتكاب الذنب كما تلذذ بفعله ويذوق نفسه مرارة الطاعة كما اذاقها حلاوة المعصية ويذيبها بالطاعة كما رباها بالمعصية ويعيد الفريضة ان كان ذنبه هو تركها ويرد المظالم ان كان ظلماً أو يجعله صاحبه في حل وان كان قذفا أو غيبة تاب عند من قذف أو اغتاب عنده وان وصل المظلوم فليحاللـه وإلا كنتم وقيل لا بد من اخباره ومحاللته. ولا يكشف نفسه ليحده الامام خلافا لمن اشترط ذلك ولا يشترط الاستغفار باللسان إلا ان حضرها غيره أي شاهد معصيته خلافا للكلبي وغيره وان تاب من ذنب وبقي آخر هل تصح توبته قولان قيل صحت توبته عن الذنب وبقي الآخر وقيل لم تصح وعن ابي بكر الوراق التوبة النصوح هي ان تضيق عليك الارض بما رحبت كتوبة الذين خلفوا عن شهر بن حوشب ان لا يعود ولو حز بالسيف واحرق بالنار وعن ابن السماك: ان تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينيك وتستعد لمنتظرك وعن حذيفة: حسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يرجع فيه وعن السدي: لا تصح التوبة إلا بنصيحة النفس والمؤمنين لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله. وروي احب الناس ان يكونوا مثله ويجوز ان يراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم الى مثلها لظهور اثرها في صاحبها واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضاها وفي الحديث "حديث : يا ايها الناس توبوا الى الله فإني اتوب اليه في اليوم مائة مرة"تفسير : وقال: "حديث : إن الله لأفرح بتوبة أحدكم (اشد فرحا) منه إذا ضاع بعيره في فلاة مع زاده ثم وجده"تفسير : وقال: "حديث : إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار وبالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها"تفسير : وبسط اليد كناية عن طلب التوبة وكل طالب يقبل مطلوبه وتقبل التوبة ما لم يغرر. {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُم وَيُدْخِلَكُم جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} قطع وبت منه تعالى على جهة الاطماع والترجي على عادة الملوك اشعاراً بأن ذلك تَفضُّل منه وأن العبد ينبغي ان يكون خائفا راجيا ويدل لذلك قراءة ابن ابي عبلة ويدخلكم بالجزم على معنى توبوا الى الله توبة نصوحا يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم الجزم في جواب الامر. {يَوْمَ} متعلق بيدخل {لا يُخْزِى اللهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} بادخال النار حديث : روي انه صلى الله عليه وسلم تضرع الى الله من امر أمته فاوحى الله اليه ان شئت جعلت حسابهم اليكم فقال: يا رب أنت أرحم بهم فقال الله تعالى: اذن لا أخزيك فيهم تفسير : والآية تعرض بمن أخزاهم الله من الكفار والمنافقين واستحماد الى المؤمنين إذ كفر عنهم سيئاتهم ولم يخزهم. وقيل الذين مبتدأ خبره {نُورُهُمْ يَسْعضى بَيْنَ أَيْدِيهِم} امامهم {وَبِأَيْمَانِهِم} وذلك اذا خرجوا من قبورهم وفي المحشر وفي ممرهم الى الجنة. {يَقُولُونَ} إذ طفىء نور المنافقين {رَبَّنَا أَتْمِم لَنَا نُورَنَا} الى الجنة قاله ابن عباس وانما يقولونه اشفاقا وإلا فقد علموا سعادتهم أو نسيانا وذهولا وعن الحسن الله متمه لهم ولكن يدعون تقربا اليه كقوله واستغفر لذنبك وقد غفر له أي على هيئة التقرب فإن الدار ليست دار عمل وقيل تتفاوت انوارهم بحسب اعمالهم فيسألون إتمامه تفضلا وقيل يقوله الادنون منزلة وهم الذين يعطون من النور قدر ما يبصرون موضع اقدامهم وقيل بقوله الذين يمشون حبواً وزحفا فإن منهم من هو كذلك ومنهم من كالبرق ومنهم كالريح ومنهم كأجود الخيل ومنهم كأجود البهائم ومنهم من كالساعي والملائكة يقولون رب سلم سلم... {وَاغْفِر لَنَا} ذنوبنا وقد علموا بغفرانها ففيه بعض ماذكرناه في اتمم. {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ0يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ} بالسيف {وَالمُنَافِقِينَ} بالحجة {وَاغْلُظْ عَلَيْهِم} أي على الكفار والمنافقين أي استعمل معهم الخشونة اذا بلغ الرفق حده وقال قتادة: مجاهدة المنافقين اقامة الحدود عليهم وعن مجاهد: الوعيد وقيل: إفشاء أسرارهم ولو كانوا قرابة أو أصهار لان الكفر والنفاق أوجبا لهم ذلك. {وَمَأوَاهُم جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ} جهنم.
اطفيش
تفسير : {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلى اللهِ} من الذنوب كلها، وفى البخارى عن الأَغر بن يسار المزنى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : يا أيها الناس توبوا إِلى الله تعالى فإِنى أتوب إِليه في اليوم مائة مرةتفسير : ، وهذا تفسير لقوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : والله إِني لأَستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة"تفسير : . رواه مسلم عن أبى هريرة، وفى البخارى ومسلم "حديث : لله أفرح بتوبة عبده المسلم من أحدكم سقط عن بعيره و أضله في أرض فلاة..." تفسير : الحديث. وفى مسلم عن أبى موسى الأَشعرى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها"تفسير : . وعن عبد الله بن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِنَّ الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"تفسير : . رواه الترمذى. {تَوْبَةً نَّصُوحًا} خالصة خلوصا عظيما كعسل ناصح أى خالص من الشمع، وليس إِسناد الخلوص إِلى التوبة مجازاً فى الإِسناد، وإِن قلت ضربته ضرباً شديداً لم تكن الشدة مجازاً للضرب بل حقيقة، ونسبة الخلوص للأمر حقيقة وذلك أن النصح بمعنى الخلوص وأنه لازم، وإِن قلنا إِنه متعد بمعنى نصح الفاعل أو نصح الناس إِذا رأُوا أثرها فيفعلون مثلها، فالإِسناد مجاز عقلى لأَن الناصح هو الإِنسان ينصح نفسه بالتوبة لا التوبة ويصلح فساد المعصية، وفسر بعضهم النصوح أنها تنصح صاحبها، وقيل الناس لظهور أثرها فيقتدون بها، قال معاذ ابن جبل يا رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال: أن يندم العبد على الذنب ويعتذر إِلى الله عز وجل ولا يعود إِليه كما لا يعود اللبن إِلى الضرع، وروى هذا موقوفاً عن عمر وابن مسعود وأُبى، وفى الحديث مرفوعاً"حديث : الندم توبة"تفسير : ، وعن محمد بن كعب القرظى التوبة النصوح الاستغفار باللسان والإِقلاع بالأَبدان وإِضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سىء الإخوان، وعن الكلبى الاستغفار باللسان والندم بالجنان والإِمساك بالأَبدان. وسمع على أعرابياً يقول: اللهم إِنى أستغفرك وأتوب إِليك، فقال يا هذا إِن سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين، قال: فما التوبة، قال: الندم على الذنب الماضى، وإِعادة الفرض الذى لزمه، ورد المظلمة إِن كانت لمخلوق، واستحلال الخصم، والعزم أن لا يعود، وإِذاقة النفس مرارة الطاعة، وإِذابة النفس فيها كما رباها بالمعصية وحلاوتها، والندم خوف العقاب توبة، والندم طمعاً فى الجنة توبة، والندم إجلالاً لله تعالى توبة وهذه أقوى، ولا بد فى الكل من قضاء حق الله أو حق المخلوق، كقضاء صلاة، أو صوم تركه، وإِعطاء كفارة لزمته، أو ما للضعفاء، وضمان مال أو بدن أفسده أو عرض نقصه، كما لا يحل، وأن يذعن لما لزمه من ضرب أو قتل أو حبس، وأن لا يبغض من تبرأ منه، والندم خوف الجلد أو الحد أو القطع أو الرجم أو نحو ذلك أو لتعيير الناس أو أمر دنيوى ليس توبة، وإِن اجتمع بعض هذه مع ما هو توبة، فالتوبة على حالها والتوبة واجبة على الفور من الذنب مطلقاً، وذكر بعض أن تأخيرها ساعة ذنب آخر أو ساعتين ذنبان وهكذا. وذكر بعض أن ترك التوبة من الكبيرة ساعة كبيرتان، فعلها وتأخر التوبة، وساعتين أربع الأَوليان، وترك التوبة على كل منهما وثلاث ساعات ثمان، والقولان للمعتزلة، وإِذا تاب ثم رجع رجع عليه ما مضى من الذنب عندنا وعند المعتزلة والباقلانى، وقال الأَشعرية لا يرجع عليه ما مضى بل الرجوع إِليه ذنب آخر مستأنف. {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنْكُم سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} صيغة الطمع أو الترجى من الله جزم عادة الملوك فى استعمال ذلك، وحكمة ذلك الإِشعار بأَن المغفرة والإِثابة تفضل منه تعالى إِذ لا واجب عليه سبحانه، والتلويح بأَن على المكلف أن يكون بين خوف ورجاء ولو نصحت توبته أو لم يذنب قط، وإِذا صحت توبة العبد عند الله عز وجل وكان سعيداً لا يموت مصراً فقد وعده الله سبحانه بالمغفرة والثواب وهو لا يخلف الوعد ولا الوعيد فذلك واجب الوقوع بمعنى أنه لا بد منه، هذا معنى وجوبه إِذا أطلق فهو واجب فى وعده لا عليه حاشاه، وزعمت المعتزلة أنه يجب عليه تعالى قبول التوبة النصوح، وهو خطأ ولا يجزم بقبول توبة أحد إِلا بالنص إِلا توبة المشرك، فإِنا نجزم بقبولها لقوله تعالى: {يُغْفَرْ لَهُم مَا قَدْ سَلَفَ} وحديث الإِسلام جب لما قبله، وإِن ارتد لم يرجع عليه ما قبل إِسلامه، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : التوبة تجب ما قبلها" تفسير : فهو فى الموحد وغيره على ظاهره بشرط أن لا يموت مصراً وذلك بوعد الله عز وجل، ومعنى دعائنا بقبول التوبة الدعاء أن تكون خالصة ولا تعقب بذنب يموت مصراً عليه. {يَوْمَ} متعلق بيدخل {لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ} المعهود محمداً - صلى الله عليه وسلم - {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} الإِخزاء الإِفضاح أى لا يصيره خزياً أى فاضحاً بل له أنواع الإِكرام، أو الإِخزاء التصيير ذا خزاية أى انكسار وذل فى نفسه بالحياء المفرط بل يجعله ناعماً مبتهجاً، أو لا يصيره ذا خزى أى استخفاف من غيره له واحتقار، بل منصوراً محترماً مكرماً، ولا يجوز تفسيره بذلك كله أو فى متعدد منه إِلا على جواز استعمال الكلمة فى معنييها أو معانيها، والذين معطوف على النبى، والمراد بالإِيمان الإِيمان الكامل وهو المتبوع بالعمل، وفى ذلك تعريض بإِخزاء المشركين والفساق، ودعاء المؤمنين إِلى الحمد والشكر على النجاة من الإِخزاء، ومعه حال من الذين، أو الذين مبتدأ ومعه خبر. {نُورُهُم يَسْعَى بَيْنَ أيْدِيهِمْ} يتقدم أمامهم أينما ساروا أو سمى اللمعان سيرًا والجملة مستأنفة. {وَبِأَيْمَانِهِمْ} فى أيمانهم والعطف على بين ويتعلقان بيسعى أو بمحذوف حال من ضمير يسعى، والجملة الكبرى مستأنفة أو خبر للذين. {يَقُولُونَ} إِذا رأوا نور المنافقين مطفأً عند ابن عباس والحسن وقبل ذلك وبعده، والجملة مستأنفة أو خبر للذين ثان أو حال من الذين، قيل أو من ضمير يسعى والرابط ظاهر بمعنى المضمر وهو نور فى قوله تعالى {رَبَّنَا أتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يَا أيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ} المشركين بالسيف. {وَالْمُنَافِقِينَ} المضمرين للشرك فى قلوبهم المظهرين التوحيد فى ألسنتهم بالوعظ والتحذير منهم وإِقامة الحدود. {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} على الكفار والمنافقين. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} للعذاب الغليظ فيها. {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} جهنم أو مأواهم، والعطف عطف قصة على أُخرى كذا قيل، قلت بل العطف على شأنه لتمام المناسبة بين قوله: {مأْوَاهُمْ جَهَنَّم} وقوله: {بئس المصير}، إِلا إِن أُريد بعطف القصة على أُخرى عطف {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} على {جَاهِد} أو على {اغْلُظْ}، ومع هذا لا يخلو من مناسبة لأَن فيهما معاً الوعيد للكفار والمنافقين، وإِنما فى ذلك عطف اسمية خبرية على إِنشائية فعلية وهو جائز وارد فى القرآن، كما فى عطف {بئس المصير} وهى فعلية على {مأْوَاهُم جَهَنَّمُ} وهى اسمية ولا مانع من جعل واو قوله ومأواهم واو الحال.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ } من الذنوب {تَوْبَةً نَّصُوحاً } أي بالغة في النصح فهو من أمثلة المبالغة كضروب، وصفت التوبة به على الإسناد المجازي وهو وصف التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم فيأتوا بها على طريقها، ولعله ما تضمنه ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال: « حديث : قال معاذ بن جبل: يا رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال: أن يندم العبد على الذنب الذي أصاب فيعتذر إلى الله تعالى ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع » تفسير : وروي تفسيرها بما ذكر عن عمر وابن مسعود وأبـي والحسن ومجاهد وغيرهم، وقيل: نصوحاً من نصاحة الثوب أي خياطته أي توبة ترفو خروقك في دينك وترم خَلَّك، وقيل: خالصته من قولهم: عسل ناصح إذا خلص من الشمع، وجوز أن يراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها، واستعمال الجد والعزيمة في العمل بمقتضياتها، وفي المراد بها أقوال كثيرة أوصلها بعضهم إلى نيف وعشرين قولاً: منها ما سمعت. وقرأ زيد بن علي ـ توبا ـ بغير تاء، وقرأ الحسن. والأعرج. وعيسى. وأبو بكر عن عاصم. وخارجة عن نافع {نَّصُوحاً } بضم النون وهو مصدر نصح فإن النصح والنصوح كالشكر والشكور والكفر والكفور أي ذات نصح أو تنصح نصوحاً أو توبواً لنصح أنفسكم على أنه مفعول له. هذا والكلام في التوبة كثير، وحيث كانت أهم الأوامر الإسلامية وأول المقامات الإيمانية ومبدأ طريق السالكين ومفتاح باب الواصلين، لا بأس في ذكر شيء مما يتعلق بها فنقول: هي لغة الرجوع، وشرعاً وصفاً لنا على ما قال السعد: الندم على المعصية لكونها معصية، لأن الندم عليها بإضرارها بالبدن أو إخلالها بالعرض أو المال مثلاً لا يكون توبة، وأما الندم لخوف النار أو للطمع في الجنة ففي كونه توبة تردد، ومبناه على أن ذلك هل يكون ندماً عليها لقبحها ولكونها معصية أم لا؟ وكذا الندم عليها لقبحها مع غرض آخر، والحق أن جهة القبح إن كانت بحيث لو انفردت لتحقق الندم فتوبة وإلا فلا كما إذا كان الغرض مجموع الأمرين لا كل واحد منهما، وكذا في التوبة عند مرض مخوف بناءاً على أن ذلك الندم هل يكون لقبح المعصية بل للخوف. وظاهر الأخبار قبول التوبة ما لم تظهر علامات الموت ويتحقق أمره عادة، ومعنى الندم تحزن وتوجع على أن فعل وتمني كونه لم يفعل ولا بد من هذا للقطع بأن مجرد الترك - كالماجن إذا مل مجونه فاستروح إلى بعض المباحات - ليس بتوبة، ولقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : الندم توبة » تفسير : وقد يزاد قيد العزم على ترك المعاودة. واعترض بأن فعل المعصية في المستقبل قد لا يخطر بالبال لذهول أو جنون أو نحوه، وقد لا يقدر عليه لعارض آفة كخرس في القذف مثلاً أو جبّ في الزنا فلا يتصور العزم على الترك لما فيه من الإشعار بالقدرة والاختيار. وأجيب بأن المراد العزم على الترك على تقدير الخطور والاقتدار حتى لو سلب القدرة لم يشترط العزم على الترك، وبذلك يشعر كلام إمام الحرمين حيث قال: إن العزم على ترك المعاودة إنما يقارن التوبة في بعض الأحوال ولا يطرد في كل حال إذ العزم إنما يصح ممن يتمكن من مثل ما قدمه، ولا يصح من المجبوب العزم على ترك الزنا ومن الأخرس العزم على ترك القذف. وقال بعض الأجلة: التحقيق أن ذكر العزم إنما هو للبيان والتقرير لا للتقييد والاحتراز إذ النادم على المعصية لقبحها لا يخلو عن ذلك العزم البتة على تقدير الخطور والاقتدار، وعلامة الندم طول الحسرة والخوف وانسكاب الدمع، ومن الغريب ما قيل: إن علامة صدق الندم عن ذنب كالزنا أن لا يرى في المنام أنه يفعله اختياراً إذ يشعر ذلك ببقاء حبه وإياه وعدم انقلاع أصوله من قلبه بالكلية وهو ينافي صدق الندم، وقال المعتزلة: يكفي في التوبة أن يعتقد أنه أساء وأنه لو أمكنه رد تلك المعصية لردها ولاحاجة إلى الأسف والحزن لإفضائه إلى التكليف بما لا يطاق. وقال الإمام النووي: التوبة ما استجمعت ثلاثة أمور: أن يقلع عن المعصية وأن يندم على فعلها وأن يعزم عزماً جازماً على أن لا يعود إلى مثلها أبداً فإن كانت تتعلق بآدمي لزم رد الظلامة إلى صاحبها أو وارثه أو تحصيل البراءة منه، وركنها الأعظم الندم. وفي «شرح المقاصد» قالوا: إن كانت المعصية في خالص حق الله تعالى فقد يكفي الندم كما في ارتكاب الفرار من الزحف وترك الأمر بالمعروف، وقد تفتقر إلى أمر زائد كتسليم النفس للحد في الشرب / وتسليم ما وجب في ترك الزكاة ومثله في ترك الصلاة، وإن تعلقت بحقوق العباد لزم مع الندم والعزم إيصال حق العبد أو بدله إليه إن كان الذنب ظلماً كما في الغصب والقتل العمد، ولزم إرشاده إن كان الذنب إضلالاً له، والاعتذار إليه إن كان إيذاءاً كما في الغيبة إذا بلغته ولا يلزم تفصيل ما اغتابه به إلا إذا بلغه على وجه أفحش، والتحقيق أن هذا الزائد واجب آخر خارج عن التوبة ـ على ما قاله إمام الحرمين ـ من أن القاتل إذا ندم من غير تسليم نفسه للقصاص صحت توبته في حق الله تعالى وكان منعه القصاص من مستحقه معصية متجددة تستدعي توبة ولا يقدح في التوبة عن القتل، ثم قال: وربما لا تصح التوبة بدون الخروج من حق العبد كما في الغصب، ففرق بين القتل والغصب، ووجهه لا يخفى على المتأمل. ولم يختلف أهل السنة وغيرهم في وجوب التوبة على أرباب الكبائر، واختلف في الدليل، فعندنا السمع كهذه الآية وغيرها وحَمْلُ الأمر فيها على الرخصة والإيذان بقولها ودفع القنوط ـ كما جوزه الآمدي احتمالاً وبنى عليه عدم الإثابة عليها مما لا يكاد يقبل، وعند المعتزلة العقل، وأوجبت الجهمية التوبة عن الصغائر سمعاً لا عقلاً، وأهل السنة على ذلك، ومقتضى كلام النووي والمازري وغيرهما وجوبها حال التلبس بالمعصية، وعبارة المازري اتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور، ولا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة. وفي «شرح الجوهرة» أن التمادي على الذنب بتأخير التوبة منه معصية واحدة ما لم يعتقد معاودته، وصرحت المعتزلة بأنها واجبة على الفور حتى يلزم بتأخيرها ساعة إثم آخر تجب التوبة عنه، وساعتين إثمان وهلم جرا، بل ذكروا أن بتأخير التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة يكون له كبيرتان: المعصية وترك التوبة، وساعتين أربع: الأوليان وترك التوبة على كل منهما، وثلاث ساعات ثمان وهكذا. وتصح عن ذنب دون ذنب لتحقق الندم والعزم على عدم العود، وخالف أبو هاشم محتجاً بأن الندم على المعصية يجب أن يكون لقبحها وهو شامل لها كلها فلا يتحقق الندم على قبيح مع الإصرار على آخر. وأجيب بأن الشامل للكل هو القبح لا خصوص قبح تلك المعصية. وهذا الخلاف في غير الكافر إذا أسلم وتاب من كفره مع استدامته بعض المعاصي، أما هو فتوبته صحيحة وإسلامه كذلك بالإجماع ولا يعاقب إلا عقوبة تلك المعصية، نعم اختلف في أن مجرد إيمانه هل يعدّ توبة أم لا بد من الندم على سالف كفره؟ فعند الجمهور مجرد إيمانه توبة، وقال الإمام والقرطبـي: لا بد من الندم على سالف الكفر. وعدم اشتراط العمل الصالح مجمع عليه عند الأئمة خلافاً لابن حزم، وكذا تصح التوبة عن المعاصي إجمالاً من غير تعيين المتوب عنه ولو لم يشق عليه تعيينه، وخالف بعض المالكية فقال: إنما تصح إجمالاً مما علم إجمالاً، وأما ما علم تفصيلاً فلا بد من التوبة منه تفصيلاً ولا تنتقض التوبة الشرعية بالعود فلا تعود عليه ذنوبه التي تاب منها بل العود والنقض معصية أخرى يجب عليه أن يتوب منها. وقالت المعتزلة: من شروط صحتها أن لا يعاود الذنب فإن عاوده انتقضت توبته وعادت ذنوبه لأن الندم المعتبر فيها لا يتحقق إلا بالاستمرار، ووافقهم القاضي أبو بكر والجمهور على أن استدامة الندم غير واجبة بل الشرط أن لا يطرأ عليه ما ينافيه ويدفعه لأنه حينئذ دائم حكماً كالإيمان حال النوم، ويلزم من اشتراط الاستدامة مزيد الحرج والمشقة، وقال الآمدي: يلزم أيضاً اختلال الصلوات وسائر العبادات، ويلزم أيضاً / أن لا يكون بتقدير عدم استدامة الندم وتذكره تائباً، وأن يجب عليه إعادة التوبة وهو خلاف الإجماع، نعم اختلف العلماء فيمن تذكر المعصية بعد التوبة منها، هل يجب عليه أن يجدد الندم؟ وإليه ذهب القاضي منا وأبو علي من المعتزلة زعماً منهما أنه لو لم يندم كلما ذكرها لكان مشتهياً لها فرحاً بها، وذلك إبطال للندم ورجوع إلى الإصرار، والجواب المنع إذ ربما يضرب عنها صفحاً من غير ندم عليها ولا اشتهاء لها وابتهاج بها، ولو كان الأمر كما ذكر للزم أن لا تكون التوبة السابقة صحيحة، وقد قال القاضي نفسه: إنه إذا لم يجدد ندماً كان ذلك معصية جديدة يجب الندم عليها والتوبة الأولى مضت على صحتها إذ العبادة الماضية لا ينقضها شيء بعد ثبوتها انتهى. وبعدم وجوب التجديد عند ذكر المعصية صرح إمام الحرمين، ويفهم من كلامهم أن محل الخلاف إذا لم يبتهج عند ذكر الذنب به ويفرح ويتلذذ بذكره أو سماعه، وإلا وجب التجديد اتفاقاً، وظاهر كلامهم أن المعاودة غير مبطلة ولو كانت في مجلس التوبة بل ولو تكررت تكراراً يلتحق بالتلاعب، وفي هذا الأخير نظر فقد قال القاضي عياض: إن الواقع في حق الله تعالى بما هو كفر تنفعه توبته مع شديد العقاب ليكون ذلك زجراً له ولمثله إلا من تكرر ذلك منه وعرف استهانته بما أتى به فهو دليل على سوء طويته وكذب توبته انتهى. وينبغي عليه أن يقيد ذلك بأن لا تكثر كثرة تشعر بالاستهانة وتدخل صاحبها في دائرة الجنون. واختلف في صحة التوبة الموقتة بلا إصرار كأن لا يلابس الذنوب أو ذنب كذا سنة فقيل: تصح، وقيل: لا، وفي «شرح الجوهرة» قياس صحتها من بعض الذنوب دون بعض صحتها فيما ذكر. ثم إن للتوبة مراتب من أعلاها ما روي عن يعسوب المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه سمع أعرابياً يقول: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك فقال: يا هذا إن سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين، فقال الأعرابـي: وما التوبة؟ قال كرم الله تعالى وجهه: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة وللفرائض الإعادة ورد المظالم واستحلال الخصوم وأن تعزم على أن لا تعود وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية وأن تذيقها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعاصي. وأريد بإعادة الفرائض أن يقضي منها ما وقع في زمان معصيته كشارب الخمر يعيد صلاته قبل التوبة لمخامرته للنجاسة غالباً، وهذه توبة نحو الخواص فلا مستند في هذا الأثر لابن حزم وأضرابه كما لا يخفى. ثم إنه تعالى بين فائدة التوبة بقوله سبحانه: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } قيل: المراد أنه عز وجل يفعل ذلك لكن جيء بصيغة الإطماع للجري على عادة الملوك فإنهم إذا أرادوا فعلاً قالوا: عسى أن نفعل كذا، والإشعار بأن ذلك تفضل منه سبحانه والتوبة غير موجبة له، وأن العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء وإن بالغ في إقامة وظائف العبادة. واستدل بالآية على عدم وجوب قبول التوبة لأن التكفير أثر القبول، وقد جيء معه بصيغة الإطماع دون القطع، وهذه المسألة خلافية فذهب المعتزلة إلى أنه يجب على الله تعالى قبولها عقلاً وأتوا في ذلك بمقدمات مزخرفات، وقال إمام الحرمين والقاضي أبو بكر: يجب قبولها سمعاً ووعداً لكن بدليل ظني إذ لم يثبت في ذلك نص قاطع لا يحتمل التأويل، وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: بل بدليل قطعي ومحل النزاع بين الأشعري وتلميذيه ما عدا توبة الكافر أما هي فالإجماع على قبولها قطعاً بالسمع لوجود النص المتواتر بذلك كقوله تعالى: { أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [الأنفال: 38] بخلاف ما جاء في توبة / غيره فإنه ظاهر، وليس بنص في غفران ذنوب المسلم بالتوبة كقوله تعالى: { أية : قُلْ يٰعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر:53]، وأما حديث ( حديث : التوبة تجب ما قبلها ) تفسير : فليس بمتواتر ولأنه إذا قطع بقبول توبة الكافر كان ذلك فتحاً لباب الإيمان وسوقاً إليه، وإذا لم يقطع بتوبة المؤمن كان ذلك سداً لباب العصيان ومنعاً منه، وهذا وما قبله ذكرهما القاضي لما قيل له: إن الدلائل مع الشيخ أبـي الحسن. وقال ابن عطية: إن جمهور أهل السنة على قول القاضي، والدليل على ذلك دعاء كل أحد من التائبين بقبول توبته ولو كان مقطوعاً به لما كان للدعاء معنى، ومثل ذلك وجوب الشكر على القبول فإنه لو كان واجباً لما وجب الشكر عليه. وتعقب ذلك السعد بأنه ربما يدفع بأن المسؤول في الدعاء هو استجماعها لشرائط القبول فإن الأمر فيه خطير، ووجوب القبول لا ينافي وجوب الشكر لكونه إحساناً في نفسه كتربية الوالد لولده؛ وقال الإمام النووي: لا يجب على الله تعالى قبول التوبة إذا وجدت بشروطها عند أهل السنة لكنه سبحانه يقبلها كرماً منه وتفضلاً، وعرفنا قبولها بالشرع والإجماع فلا تغفل. وقرىء {يدخلكم} بسكون اللام، وخرجه أبو حيان على أن يكون حذف الحركة تخفيفاً وتشبيهاً لما هو في كلمتين بالكلمة الواحدة فإنه يقال في قمع: قمع، وفي نطع: نطع، وقال: إنه أولى من كونه للعطف على محل {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ }، واختاره الزمخشري كأنه قيل: توبوا يرج تكفير أو يوجب تكفير سيآتكم ويدخلكم. {يَوْمٌ لاَّ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ } ظرف ـ ليدخلكم ـ وتعريف {ٱلنَّبِىّ } للعهد، والمراد به سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بنفي الإخزاء إثبات أنواع الكرامة والعز. وفي «القاموس» يقال: أخزى الله تعالى فلاناً فضحه، وقال الراغب ((يقال: خزي الرجل لحقه انكسار إما من نفسه وهو الحياء المفرط ومصدره الخزاية، وإما من غيره وهو ضرب من الاستخفاف، ومصدره الخزي، و {يَوْمٌ لاَّ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ } هو من الخزي أقرب، ويجوز أن يكون منهما جميعاً)) {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ } عطف عليه عليه الصلاة والسلام، وفيه تعريض بمن أخزاهم الله تعالى من أهل الكفر والفسوق، واستحماد على المؤمنين على أن عصمهم من مثل حالهم، والمراد بالإيمان هنا فرده الكامل على ما ذكره الخفاجي. وقوله تعالى: {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ } أي على الصراط كما قيل، ومر الكلام فيه جملة مستأنفة، وكذا قوله سبحانه: {يَقُولُونَ } الخ، وجوز أن تكون الجملتان في موضع الحال من الموصول، وأن تكون الأولى حالاً منه والثانية حالاً من الضمير في {يَسْعَىٰ }، وأن تكون الأولى مستأنفة والثانية من الضمير، وأن تكون الأولى حالاً من الموصول والثانية مستأنفة أو حالاً من الضمير، وجوز أن يكون الموصول مبتدأ خبره {معه} والجملتان خبران آخران أو مستأنفتان أو حالان من الموصول، أو الأولى حال منه والثانية حال من الضمير، أو الأولى مستأنفة والثانية حال من الضمير، أو الأولى حال والثانية مستأنفة، أو الأولى خبر بعد خبر والثانية حال من الضمير أو مستأنفة، وجوز أن يكون الموصول مبتدأ خبره قوله تعالى: {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ } الخ، والجملة الأخرى مستأنفة أو حال أو خبر بعد خبر فهذه عدة احتمالات لا يخفى ما هو الأظهر منها. والقول - على ما روي عن ابن عباس والحسن - يكون إذا طفىء نور المنافقين أي يقولون إذا طفىء نور المنافقين {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } وفي رواية أخرى عن الحسن يدعون تقرباً إلى الله تعالى مع تمام نورهم، وقيل: يقول ذلك من يمر على الصراط زحفاً وحبواً. / وقيل: من يعطى من النور بقدر ما يبصر به موضع قدمه، ويعلم منه عدم تعين حمل الإيمان على فرده الكامل كما سمعت عن الخفاجي. وقرأ سهل بن شعيب السهمي وأبو حيوة {وبإيمـٰنهم } بكسر الهمزة على أنه مصدر معطوف على الظرف أي كائناً بين أيديهم وكائناً بسبب إيمانهم.
ابن عاشور
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ}. أعيد خطاب المؤمنين وأعيد نداؤهم وهو نداء ثالث في هذه السورة. والذي قبله نداء للواعظين. وهذا نداء للموعوظين وهذا الأسلوب من أساليب الإِعراض المهتم بها. أُمر المؤمنون بالتوبة من الذنوب إذا تلبسوا بها لأن ذلك من إصلاح أنفسهم بعد أن أمروا بأن يجنِّبوا أنفسهم وأهليهم ما يَزِجّ بهم في عذاب النار، لأن اتقاء النار يتحقق باجتناب ما يرمي بهم فيها، وقد يذهلون عما فرط من سيئاتهم فهُدُوا إلى سبيل التوبة التي يمحون بها ما فرط من سيئاتهم. وهذا ناظر إلى ما ذكر من موعظة امرأتي النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : إن تتوبا إلى الله}تفسير : [التحريم: 4]. والتوبة: العزم على عدم العود إلى العصيان مع الندم على ما فرط منه فيما مضى. وتقدمت عند قوله تعالى: {أية : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه}تفسير : في سورة [البقرة: 37]. وفي مواضع أخرى وخاصة عند قوله تعالى:{أية : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة }تفسير : في سورة [النساء: 17]. وتعديتها بحرف (إلى) لأنها في معنى الرجوع لأن (تاب) أخو (ثاب). والنصوح: ذُو النصح. والنصح: الإِخلاص في العمل والقول، أي الصدق في إرادة النفع بذلك. ووصف التوبة بالنصوح مجاز جعلت التوبة التي لا تردد فيها ولا تخالطها نية العودة إلى العمل المتوب منه بمنزلة الناصح لغيره ففي (نصوح) استعارة وليس من المجاز العقلي إذ ليس المراد نصوحاً صاحبها. وإنما لم تلحق وصف (نصوح) هاء التأنيث المناسبة لتأنيث الموصوف به لأن فعولاً بمعنى فاعل يلازم الإِفراد والتذكير. وقرأ الجمهور "نصوحاً" بفتح النون على معنى الوصف كما علمت. وقرأه أبو بكر عن عاصم بضم النون على أنه مصدر (نصح) مثل: القُعود من قعد. وزعم الأخفش أن الضم غير معروف والقراءة حجة عليه. ومن شروط التوبة تدارك ما يمكن تداركه مما وقع التفريط فيه مثل المظالم للقادر على ردّها. روي عن علي رضي الله عنه: يجمع التوبة ستة أشياء: الندامة على الماضي من الذنوب، وإعادة الفرائض. ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي. وتقوم مقام ردّ المظالم استحلال المظلوم حتى يعفو عنه. ومن تمام التوبة تمكين التائب من نفسه أن ينفذ عليها الحدود كالقود والضرب. قال إمام الحرمين: هذا التمكين واجب خارج عن حقيقة التوبة لأن التائب إذا ندم ونوى أن لا يعود صحت توبته عند الله وكان منَعه من تمكين نفسه معصية متجددة تستدعي توبة. وهو كلام وجيه إذ التمكين من تنفيذ ذلك يشق على النفوس مشقة عظيمة فلها عذر في الإِحجام عن التمكين منه. وتصح التوبة من ذنب دون ذنب خلافاً لأبي هاشم الجبائي المعتزلي، وذلك فيما عدا التوبة من الكفر. وأما التوبة من الكفر بالإِيمان فصحيحة في غفران إثم الكفر ولو بقي متلبساً ببعض الكبائر بإجماع علماء الإِسلام. والذنوب التي تجب منها التوبة هي الكبائر ابتداء، وكذلك الصغائر وتمييز الكبائر من الصغائر مسألة أخرى محلها أصول الدين وأصول الفقه والفقهُ. إلا أن الله تفضّل على المسلمين فغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، أخذ ذلك من قوله تعالى: {أية : الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش إلا اللمم}تفسير : وقد مضى القول فيه في تفسير سورة [النجم: 32]. ولو عاد التائب إلى بعض الذنوب أو جميعها ما عدا الكفر اختلف فيه علماء الأمة فالذي ذهب إليه أهل السنة أن التوبة تنتقض بالعودة إلى بعض الذنوب في خصوص الذنب المعود إليه ولا تنتقض فيما سواه. وأن العود معصية تجب التوبة منها. وقال المعتزلة: تنتقض بالعودة إلى بعض الذنوب فتعود إليه ذنوبه ووافقهم الباقلاني. وليس في أدلة الكتاب والسنة ما يشهد لأحد الفريقين. والرجاء المستفاد من فعل {عسى} مستعمل في الوعد الصادر عن المتفضل على طريقة الاستعارة وذلك التائب لا حق له في أن يعفى عنه ما اقترفه لأن العصيان قد حصل وإنما التوبة عزم على عدم العودة إلى الذنب ولكن ما لصاحبها من الندم والخوف الذي بعث على العزم دل على زكاء النفس فجعل الله جزاءه أن يمحو عنه ما سلف من الذنوب تفضلاً من الله فذلك معنى الرجاء المستفاد من {عسى}. وقد أجمع علماء الإِسلام على أن التوبة من الكفر بالإِيمان مقبولة قطعاً لكثرة أدلة الكتاب والسنة، واختلفوا في تعيُّن قبول توبة العاصي من المؤمنين، فقال جمهور أهل السنة: قبولها مرجوّ غير مقطوع، وممن قال به الباقلاني وإمام الحرمين وعن الأشعري أنه مقطوع به سمعاً، والمعتزلة مقطوع به عقلاً. وتكفير السيئات: غفرانها، وهو مبالغة في كَفَر المخفف المتعدي الذي هو مشتق من الكَفر بفتح الكاف، أي الستر. {يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}. {يوم} ظرف متعلق بـ{يدخلكم جنات} وهو تعليقُ تخلص إلى الثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه. وهو يوم القيامة وهذا الثناء عليهم بانتفاء خزي الله عنهم تعريض بأن الذين لم يؤمنوا معه يخزيهم الله يوم القيامة وذكر النبي صلى الله عليه وسلم مع الذين آمنوا لتشريف المؤمنين ولا علاقة له بالتعريض. والخزي: هو عذاب النار، وحكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام قوله: {أية : ولا تُخزِني يوم يبعثون}تفسير : [الشعراء: 87] على أن انتفاء الخزي يومئذٍ يستلزم الكرامة إذ لا واسطة بينهما كما أشعر به قوله تعالى: {أية : فمن زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز} تفسير : [آل عمران: 185]. وفي صلة {الذين آمنوا معه} إيذان بأن سبب انتفاء الخزي عنهم هو إيمانهم. ومعية المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم. صحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم و(مع) يجوز تعلقها بمحذوف حال من {الذين آمنوا} أي حال كونهم مع الشيء في انتفاء خزي الله عنهم فيكون عموم {الذين آمنوا} مخصوصاً بغير الذين يتحقق فيهم خزي الكفر وهم الذين ارتدوا وماتوا على الكفر. وفي هذه الآية دليل على المغفرة لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ويجوز تعلق (مع) بفعل {آمنوا} أي الذين آمنوا به وصحبوه، فيكون مراداً به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به ولم يرتدوا بعده، فتكون الآية مؤذنة بفضيلة للصحابة. وضمير {نورهم} عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه. وإضافة نور إلى ضمير هم مع أنه لم يسبق إخبار عنهم بنور لهم ليست إضافة تعريف إذ ليس المقصود تعريف النور وتعيينه ولكن الإِضافة مستعملة هنا في لازم معناها وهو اختصاص النور بهم في ذلك اليوم بحيث يميزه الناس من بين الأنوار يومئذٍ. وسعي النور: امتداده وانتشاره. شبه ذلك باشتداد مشي الماشي وذلك أنه يحفّ بهم حيثما انتقلوا تنويهاً بشأنهم كما تنشر الأعلام بين يدي الأمير والقائد وكما تساق الجياد بين يدي الخليفة. وإنما خص بالذكر من الجهات الأمامُ واليمين لأن النور إذا كان بين أيديهم تمتعوا بمشاهدته وشعروا بأنه كرامة لهم ولأن الأيدي هي التي تمسك بها الأمور النفيسة وبها بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإِيمان والنصر. وهذا النور نور حقيقي يجعله الله للمؤمنين يوم القيامة. والباء للملابسة، ويجوز أن تكون بمعنى (عن). وقد تقدم نظير هذا في سورة الحديد وما ذكرناه هنا أوسع. وجملة {يقولون ربنا أتمم لنا نورنا} إلى آخرها حال من ضمير {نورهم}، وظاهره أن تكون حالاً مقارنة، أي يقولون ذلك في ذلك اليوم، ودعاؤهم طلب للزيادة من ذلك النور، فيكون ضمير {يقولون} عائد إلى جميع الذين آمنوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ، أو يقول ذلك من كان نوره أقل من نور غيره ممن هو أفضل منه يومئذٍ فيكون ضمير {يقولون} على إرادة التوزيع على طوائف الذين آمنوا في ذلك اليوم. وإتمام النور إدامته أو الزيادة منه على الوجهين المذكورين آنفاً وكذلك الدعاء بطلب المغفرة لهم هو لطلب دوام المغفرة، وذلك كله أدب مع الله وتواضع له مثل ما قيل في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم سبعين مرة. ويظهر بذلك وجه التذييل بقولهم: {إنك على كل شيء قدير} المشعر بتعليل الدعاء كناية عن رجاء إجابته لهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً}. تقدمت الإحالة على كلام الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في بيان أنواع التوبة وشروط كونها نصوحاً على قوله تعالى: {أية : وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً}تفسير : [النور: 31]. قوله تعالى: {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ}. إلى آخر الآية، تقدم بيان هذا النور وحالتهم تلك للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الحديد عند قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم}تفسير : [الحديد: 12].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 8- يا أيها الذين آمنوا: ارجعوا إلى الله من ذنوبكم رجعة بالغة فى الإخلاص، عسى ربكم أن يمحو عنكم سيئاتكم، ويُدخلكم جنات تجرى من تحت قصورها وأشجارها الأنهار. يوم يرفع الله شأن النبى والذين آمنوا معه، نور هؤلاء يسير أمامهم وهم بأيمانهم، يقولون - تقرباً إلى الله -: يا سيدنا ومالك أمرنا، أتمم لنا نورنا، حتى نهتدى إلى الجنة، وتجاوز عن ذنوبنا إنك على كل شئ تام القدرة. 9- يا أيها النبى: جاهد الكفار الذين أعلنوا كفرهم، والمنافقين الذين أبطنوه بما تملكه من قوة وحُجة. واشتد على الفريقين فى جهادك، ومستقرهم جهنم، وبئس المآل مآلهم. 10- ذكر الله حالة عجيبة تعرف بها أحوال مماثلة للذين كفروا؛ هى امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عصمة عبدين من خالص عبادنا صالحين، فخانتاهما بالتآمر عليهما وإفشاء سرهما إلى قومهما، فلم يدفع هذان العبدان الصالحان عن زوجتيهما من عذاب الله شيئاً، وقيل للزوجين عند هلاكهما: ادخلا النار مع الداخلين. 11- وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت: رب ابن لى عندك - قريباً من رحمتك - بيتاً فى الجنة، وأنقذنى من سلطان فرعون وعمله، المسرف فى الظلم، وأنقذنى من القوم المعتدين.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {آمَنُواْ} {بِأَيْمَانِهِمْ} (8) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً صَادِقَةً جَازِمَةً تَمْحُو مَا سَبَقَهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ. (حديث : وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ فَقَالَ: هُوَ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ حِينَ يَفْرُطُ مِنْكَ، فَتَسْتَغْفِرُ اللهَ بِنَدَامَتِكَ مِنْهُ عِنْدَ الحَاضِرِ، ثُمَّ لاَ تَعُودُ إِليهِ أَبداً)تفسير : . (أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ). ثُمَّ يُبَيِّنُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ إِنْ تَابُوا تَوْبَةً نَصُوحاً تَابَ اللهُ عَليهِمْ، وَغَفَرَ لَهُمْ، وَأَدْخَلَهُمْ بِرَحْمَتِهِ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا فِي يَوْمِ القِيَامَةِ. وَهُوَ اليومُ الذِي يَرْفَعُ اللهُ فِيهِ قَدْرَ رَسُولِهِ الكَرِيمِ، وَقَدْرَ المُؤْمِنينَ مَعَهُ. وَيَجْعَلُ نُورَهُمْ فِي ذَلِكَ اليَومِ يَسْعَى بَينَ أَيْدِيهِمْ، حِينَ يَمْشُونَ وَكُتُبُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يُبْقِي لَهُمْ نُورَهُمْ، فَلا يَطْفِئُهُ حَتَّى يجُوزُوا الصِّرَاطَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِم السَّالِفَةِ، وََيَقُولُونَ: رَبَّنَا العَظِيمَ إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَلاَ يُعْجِزُكَ شَيءٌ. تَوْبَةً نَصُوحاً - تَوْبَةً خَالِصَةً صَادِقَةً - أَوْ مَقْبُولَةً. لاَ يُخْزِي اللهُ - لاَ يُذِلُّ، بَلْ يُعِزُّ رَسُولَهُ وَيَكْرِمُهُ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} معناه أَن يَتوبَ من الذَنبِ ثُمَّ لا يعود إليهِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} [التحريم: 8]، يا أيتها القوى المؤمنة توبوا من الذنوب واللمم - التي [هي من] خاصية بشريتكم - إلى الله توبة خالصة، ناصحة بحيث ينصح صاحبها بأن لا يعود إليها أبداً ولو قطع إرباً إرباً، {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [التحريم: 8]، يعني: إذا رجعتم إلى الله بالإخلاص، وأعقدتم بأن لا تعودوا إلى مخالفته أبداً يكفر الله عنكم سيئاتكم السالفة، {وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [التحريم: 8]، يعين: يدخلكم جنات القلب تجري من تحتها أنهار المعرفة {يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8]، يعني: ذلك اليوم،، وهو: يوم التجلي، لا يخزي الله اللطيفة المبالغة، ولا يخزيه والذين آمنوا معه من القوى المؤمنة النفسية والقالبية، نور ذكرهم وإيمانهم {يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} بتوجههم الصادق إلى الحق بإيمانهم، وبالأعمال الصادرة عنهم، على يمين وبركة، {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} يعني: نور أعمالنا بنور أفضالك، وأعطنا نوراً من أنوارك، حتى نشاهد وجهك الكريم بنورك، {وَٱغْفِرْ لَنَآ} أي الخطرات التي تخطر؛ فنأمن ظلمات عالم الفناء والضلال، {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} [التحريم: 9]، يعني: يا أيتها اللطيفة الخفية جاهدي كفار قوى القالب المظلم، ومنافقي قوى النفس الأمارة {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم: 9]، ولا ترفق بهم {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [التحريم: 9]، بعد مجاهدتهم في دار الكسب بجهادك إياهم والغلظة عليهم {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [التحريم: 9]، أي: بئس المرجع جهنم لهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : قد أمر الله بالتوبة النصوح في هذه الآية، ووعد عليها بتكفير السيئات، ودخول الجنات، والفوز والفلاح، حين يسعى المؤمنون يوم القيامة بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه، ويتمتعون بروحه وراحته، ويشفقون إذا طفئت الأنوار، التي لا تعطى المنافقين، ويسألون الله أن يتمم لهم نورهم فيستجيب الله دعوتهم، ويوصلهم ما معهم من النور واليقين، إلى جنات النعيم، وجوار الرب الكريم، وكل هذا من آثار التوبة النصوح. والمراد بها: التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها، التي عقدها العبد لله، لا يريد بها إلا وجهه والقرب منه، ويستمر عليها في جميع أحواله.
همام الصنعاني
تفسير : 3257- عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، أنه سمع النعمان بن بشير، يقُولُ في قوله تعالى: {تَوْبَةً نَّصُوحاً}: [الآية: 8]، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: التوبة النصوح أَنْ يجتنب الرجل عمل السوء كان يعمله، ويتوب إلى الله فلا يعود إليه أبداً، فتلك التوبة النصوح.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):