٧٠ - ٱلْمَعَارِج
70 - Al-Ma'aarij (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
الرازي
تفسير : أولها ـ قوله: {إِلاَّ ٱلْمُصَلّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ } فإن قيل: قال: {عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ } ثم: {أية : عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } تفسير : [المعارج: 34] قلنا: معنى دوامهم عليها أن لا يتركوها في شيء من الأوقات ومحافظتهم عليها ترجع إلى الاهتمام بحالها حتى يؤتى بها على أكمل الوجوه، وهذا الاهتمام إنما يحصل تارة بأمور سابقة على الصلاة وتارة بأمور لاحقة بها، وتارة بأمور متراخية عنها، أما الأمور السابقة فهو أن يكون قبل دخول وقتها متعلق القلب بدخول أوقاتها، ومتعلق بالوضوء، وستر العورة وطلب القبلة، ووجدان الثوب والمكان الطاهرين، والإتيان بالصلاة في الجماعة، وفي المساجد المباركة، وأن يجتهد قبل الدخول في الصلاة في تفريغ القلب عن الوساوس والالتفات إلى ما سوى الله تعالى، وأن يبالغ في الاحتراز عن الرياء والسمعة، وأما الأمور المقارنة فهو أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، وأن يكون حاضر القلب عند القراءة، فاهماً للأذكار، مطلعاً على حكم الصلاة، وأما الأمور المتراخية فهي أن لا يشتغل بعد إقامة الصلاة باللغو واللهو واللعب، وأن يحترز كل الاحتراز عن الإتيان بعدها بشيء من المعاصي. وثانيها قوله تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ} دلّ على أن ما قبله في الكفار، فالإنسان اسم جنس بدليل الاستثناء الذي يعقبه، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ. إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : .[العصر:2-3] قال النخعيّ: المراد بالمصلّين الذين يؤدّون الصلاة المكتوبة. ابن مسعود: الذين يصلونها لوقتها، فأما تركها فكفر. وقيل: هم الصحابة. وقيل: هم المؤمنون عامة، فإنهم يغلبون فَرْطَ الجزع بثقتهم بربهم ويقينهم. {ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} أي على مواقيتها. وقال عقبة بن عامر: هم الذين إذا صلَّوْا لم يلتفتوا يميناً ولا شمالاً. والدائم الساكن، ومنه: نهي عن البول في الماء الدائم، أي الساكن. وقال ابن جريج والحسن: هم الذين يكثرون فعل التطوع منها. {وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} يريد الزكاة المفروضة، قاله قتادة وابن سيرين. وقال مجاهد: سوى الزكاة. وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: صلة رَحِم وحَمْل كَلٍّ. والأوّل أصح، لأنه وصف الحق بأنه معلوم، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، إنما هو على قدر الحاجة، وذلك يقِلّ ويكثر. {لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } تقدّم في «الذاريات». {وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} أي بيوم الجزاء وهو يوم القيامة. وقد مضى في سورة «الفاتحة» القول فيه. {وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} أي خائفون. {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} قال ابن عباس: لمن أشرك أو كَذّب أنبياءه. وقيل: لا يأمنه أحد، بل الواجب على كل أحد أن يخافه ويشفق منه. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} تقدم القول فيه في سورة: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [المؤمنون:1]. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} تقدم أيضاً. {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ} على من كانت عليه من قريب أو بعيد، يقومون بها عند الحاكم ولا يكتمونها ولا يغيّرونها. وقد مضى القول في الشهادة وأحكامها في سورة «البقرة». وقال ابن عباس: {بِشَهَادَاتِهِم} أن الله واحدٌ لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله. وقرىء «لأمَانَتِهِمْ» على التوحيد. وهي قراءة ابن كثير وابن مُحَيْصن. فالأمانة اسم جنس، فيدخل فيها أمانات الدِّين، فإن الشرائع أمانات ائتمن الله عليها عباده. ويدخل فيها أمانات الناس من الودائع، وقد مضى هذا كله مستوفًى في سورة «النساء». وقرأ عباس الدُّوري عن أبي عمرو ويعقوب {بِشَهَادَاتِهِم} جمعاً. الباقون {بِشَهَادَتِهِم} على التوحيد، لأنها تؤدّي عن الجمع. والمصدر قد يفرد وإن أضيف إلى جمع، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} تفسير : [لقمان:19]. وقال الفراء: ويدلّ على أنها {بِشَهَادَتِهِم} توحيداً قوله تعالى: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ} تفسير : [الطلاق:2]. {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} قال قتادة: على وضوئها وركوعها وسجودها. وقال ابن جُرَيج: التطوع. وقد مضى في سورة «المؤمنون». فالدوام خلاف المحافظة. فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها لا يُخِلُّون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملوها بسننها وآدابها، ويحفظوها من الإحباط باقتراب المأثم. فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات والمحافظة إلى أحوالها. {أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} أي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات.
البيضاوي
تفسير : {إِلاَّ ٱلْمُصَلّينَ } استثناء للموصوفين بالصفات المذكورة بعد من المطبوعين على الأحوال المذكورة قبل لمضادة تلك الصفات لها من حيث إنها دالة على الاستغراق في طاعة الحق والإشفاق على الخلق والإيمان بالجزاء والخوف من العقوبة وكسر الشهوة وإيثار الآجل على العاجل وتلك ناشئة من الانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليها. {ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ } لا يشغلهم عنها شاغل. {وَٱلَّذِينَ فِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ } كالزكوات والصدقات الموظفة. {لَّلسَّائِلِ } الذي يسأل {وَٱلْمَحْرُومِ } الذي لا يسأل فيحسب نفسه غنياً فيحرم. {وَٱلَّذِينَ يُصَدّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدّينِ } تصديقاً بأعمالهم وهو أن يتعب نفسه ويصرف ماله طمعاً في المثوبة الأخروية ولذلك ذكر {ٱلدّينِ }. {وَٱلَّذِينَ هُم مّنْ عَذَابِ رَبّهِم مُّشْفِقُونَ } خائفون على أنفسهم. {إِنَّ عَذَابَ رَبّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ } اعتراض يدل على أنه لا ينبغي لأحد يأمن عذاب الله وإن بالغ في طاعته. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَاء ذٰلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ } سبق تفسيره في سورة «المؤمنين». {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ } حافظون وقرأ ابن كثير {لأمانتهم} يعني لا يخونون ولا ينكرون ولا يخفون ما علموه من حقوق الله وحقوق العباد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ } أي المؤمنين.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ} أي: إلا المؤمنينَ الذين أمْرُ الآخِرَةِ عليهم أوْكَدُ مِنْ أمْرِ الدنيا، والمعنى أن هذَا المعنى فِيهم يَقِلُّ لأنهم يُجَاهِدُونَه بالتقوى. وقوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ} أي: مواظِبُون، وقد قال ـــ عليه السلام ـــ «حديث : أَحَبُّ العَمَلِ إلَى اللَّه مَا دَامَ عليه صاحبُه»تفسير : . * ت *: وقد تقدم في سورةِ «قَدْ أَفْلَحَ» ما جَاءَ في الخشوعِ، قَالَ الغزاليُّ: فَيَنْبَغِي لك أنْ تفهمَ ما تقرؤه في صلاتِك ولاَ تَغْفُلَ في قراءَتِك عن أمْرِه سبحانَه، ونهيه، وَوَعْدِه، وَوَعِيده، ومواعظِه وأخبارِ أنبيائِه، وذِكْرِ مِنَّتِه وإحْسَانِه، فلكلِّ واحدٍ حَقٌّ؛ فالرجَاءُ حق الوَعْدِ، والخَوْفُ حقُّ الوعيد، والعَزْمُ حق الأمْرِ والنّهي، والإتِّعاظُ حقُّ الموعِظَة، والشكرُ حقُّ ذكر المِنَّةِ، والاعتبارُ حق ذِكْر أخبارِ الأنبياء،، قال الغزالي: وتكونُ هذه المعاني بِحَسَبِ دَرَجَاتِ الفَهْمِ، ويكونُ الفَهْمُ بِحَسَبِ وُفُورِ العلمِ. وصَفَاءِ القلب، ودَرَجَاتُ ذلكَ لاَ تَنْحَصِرُ، فهذا حقُّ القراءةِ وهُوَ حَقُّ الأَذْكَارِ، والتسبيحاتِ أيضاً، ثم يُرَاعى الهيئةَ في القراءةِ، فيرتِّلُ ولا يَسْرُدُ فإن ذلك أيْسَرُ للتأمُّلِ، ويُفَرِّقُ بَيْن نَغْمَاتِه في آياتِ الرحمةِ وآياتِ العذاب، والوعد والوعيد، والتحميدِ والتعظيمِ، انتهى من «الإحياء»، ورَوَى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا ابن لَهِيعَةَ عن يزيد بن أبي حَبِيبٍ أنَّ أبا الخير حدَّثَهُ قال: سَأَلْنَا عقبةَ بنَ عامرٍ الجهنيَّ عن قوله ـــ عز وجل ـــ: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ} أهُمُ الذين يصلُّون أبَداً؟ قال: لا، ولكنَّه الذي إذا صلى لم يلتفتْ عن يمينهِ، ولا عن شماله، ولا خَلْفَه، انتهى.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير: فهو يسارع في آثار ما جبل عليه ما يترتب على الجزع مما لا يجوز في الشرع ومما يترتب على المنع من ذلك أيضاً فيكون من أهل النار، وكان من القدرة البالغة أن يحفظ سبحانه من أراد من الخزي مع جبلته ويحمله على كسر نفسه مرة بعد أخرى حتى يتلاشى ما عنده من جبلة الشر وتبقى الروح على حالها عند الفطرة الأولى، فلا تزال تحثه على المبادرة إلى طاعته سبحانه وتعالى وحفظ حدوده، فكان لا كرامة أعظم من حفظ المكلف لحدود الشرع مع المنافاة لطبعه، فيكون جامعاً للإيمان بنصفيه: الصبر والشكر، لما جمع من هذه الأوصاف الثمان المعادة لأبواب الجنة الثمان، فكان أسباباً لها، استثنى من هذا النوع الهلوع ولذلك جمع فقال: {إلا المصلين *} أي المحافظين على الصلاة التي هي مواطن الافتقار، العريقين في هذا الوصف، فإنه لا يشتد هلعهم فلا يشتد جزعهم ولا منعهم، فيكونوا في أحسن تقويم معتدلين مسارعين فيما يرضي الرب، لأنه سبحانه قرن بما جبلهم عليه من الهلع من طهارة الجسد لطهارة طينته وزكاء روحه ما هيأه لتهذيب نفسه مما يسره له من أصدقاء الخير وأولياء المعروف وسماع المواعظ الحسان والإبعاد عن معادن الدنس من البقاع والأقران والكلام والأفعال وغير ذلك من سائر الأحوال، والملابسة بكل ما يحمل على المعالي من صالح الخلال حتى كانوا من أهل الكمال، ولذلك وصفهم بما يبين عراقتهم في الوصف لها فقال: {الذين هم} أي بكلية ضمائرهم وظواهرهم {على صلاتهم} أي التي هي معظم دينهم وهي النافعة لهم لا لغيرهم - بما أفادته الإضافة، والمراد الجنس الشامل لجميع الأنواع إلا أن معظم المقصود الفرض، ولذلك عبر بالاسم الدال على الثبات في قوله: {دائمون *} أي لا فتور لهم عنها ولا انفكاك لهم منها بل يلازمونها ملازمة يحكم بسببها أنها في حال الفراغ منه نصب أعينهم بدوام الذكر لها والتهيؤ لأدائها لأنها صلتهم بمعبودهم الذي لا خير عندهم إلا منه، فلم يكونوا ناسين لمساوئهم ولا آسين بمحاسنهم، وكفى بالصلاة بركة في دلالتها على النجاة من هذا الوصف الموجب لأسباب النار، وهي عبادة ذات شروط وأركان وأبعاض وهيئات وسنن وآداب مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وهي منقسمة إلى ذات ركوع وسجود، وإلى ذات سجود بلا ركوع كسجدة الشكر والتلاوة، وإلى ما لا ركوع فيها ولا سجود كصلاة الجنازة. ولما ذكر زكاة الروح، أتعبه زكاة عديلها المال، فقال مبيناً للرسوخ في الوصف بالعطف بالواو: {والذين في أموالهم} أي التي منَّ سبحانه بها عليهم {حق} ولما كان السياق هنا لأعم من المحسنين الذين تقدموا في الذاريات اقتصر على الفرض فقال: {معلوم *} أي من الزكوات وجميع النفقات الواجبة. ولما كان في السؤال من بذل الوجه وكسر النفس ما يوجب الرقة مع وقاية النفس مع المذمة، قدم قوله: {للسائل} أي المتكلف لسؤال الإنفاق المتكفف. ولما كان في الناس من شرفت همته وعلت رتبته على مهاوي الابتذال بذل السؤال من الإقلال بذب المقبل على الله للتفطن والتوسم لأولئك فقال: {والمحروم *} أي المتعفف الذي لا يسأل فيظن غنياً ولا مال له يغنيه فهو يتلظى بناره في ليله ونهاره، ولا مفزع له بعد ربه المالك لعلانيته وإسراره إلا إلى إفاضة مدامعه بذله وانكساره، وهذا من الله تعالى حث على تفقد أرباب الضرورات ممن لا كسب له ومن افتقر بعد الغنى، وقد كان للسلف الصالح في هذا وأشباهه قصب السبق، حكي عن زين العابدين أنه لما مات وجد في ظهره آثار سود عند غسله كأنها السيور، فعجبوا منها، فلما كان بعد أيام قال نسوة أرامل: كان شخص يأتي إلينا ليلاً بقرب الماء وأجربة الدقيق على ظهره ففقدناه واحتجنا، فعلموا أنه هو وأن تلك السيور من ذلك، وحي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن شخصاً رآه ماشياً في زمن خلافته في الليل فتبعه حتى يعلم إلى أين يقصد، فلم يزل رضي الله عنه حتى جاء إلى بيت نسوة أرامل فقال: أعندكن ماء وإلا أملأ لكن، فأعطينه جرة فأخذها وذهب فملأها على كتفه وأتى بها إليهن، والحكايات عنهم في هذا الباب كثيرة شهيرة جداً. ولما كان المال قد يصرف لإصلاح الدنيا، بين أن النافع منه إنما هو المصدق للإيمان فقال: {والذين يصدقون} أي يوقعون التصديق لمن يخبرهم ويجددونه كل وقت {بيوم} ولما كان المقصود الحث على العمل لأجل العرض على الملك الأعلى عبر بقوله: {الدين *} أي الجزاء الذي ما مثله وهو يوم القيامة الذي يقع الحساب فيه والدينونة على النقير والقطمير والتصديق به حق التصديق الاستعداد له بالأعمال الصالحة، فالذين يعملون لذلك اليوم هم العمال، وأما المصدقون بمجرد الأقوال فلهم الوبال وإن أنفقوا أمثال الجبال. ولما كان الدين معناه الجزاء من الثواب والعقاب، وكان ربما صرفه صارف إلى الثواب فقط للعلم بعموم رحمته سبحانه، وأن رحمته غلبت غضبه، صرح بالعقاب فقال: {والذين هم} أي بجميع ضمائرهم {من عذاب ربهم} أي المحسن إليهم، لا من عذاب غيره، فإن المحسن أولى بأن يخشى ولو من قطع إحسانه، وإذا خيف مع تجليه في مقام الإحسان كان الخوف أولى عند اعتلائه في نعوت الجلال من الكبر والقهر والانتقام {مشفقون *} أي خائفون في هذه الدار خوفاً عظيماً هو في غاية الثبات من أن يعذبهم في الآخرة أو الدنيا أو فيهما، فهم لذلك لا يغفلون ولا يفعلون إلا ما يرضيه سبحانه. ولما كان المقام للترهيب، ولذلك عبر عن الرجاء على فعل الطاعات بالدين، فصار العذاب مذكوراً مرتين تلويحاً وتصريحاً، زاده تأكيداً بقوله اعتراضاً مؤكداً لما لهم من إنكاره: {إن عذاب ربهم} أي الذي رباهم وهم مغمورون بإحسانه وهم عارفون بأنه قادر على الانتقام ولو بقطع الإحسان {غير مأمون *} أي لا ينبغي لأحد أن يأمنه، بل يجوز أن يحل به وإن بالغ في الطاعة لأن الملك مالك وهو تام الملك، له أن يفعل ما يشاء - ومن جوز وقوع العذاب أبعد عن موجباته غاية الإبعاد ولم يزل مترجحاً بين الخوف والرجاء. ولما ذكر التحلي بتطهير النفس بالصلاة وتزكية المال بالصدقة، ندب إلى التخلي عن أمر جامع بين تدنيس المال والنفس وهو الزنا الحامل عليه شهوة الفرج التي هي أعظم الشهوات حملاً للنفس على المهلكات، فقال بعد ذكر التخويف بالعذاب إعلاماً بأنه أسرع إلى صاحب هذه القادورة وقوعاً من الذباب في أحلى الشراب فقال: {والذين هم} أي ببواطنهم الغالبة على ظواهرهم {لفروجهم} أي سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً {حافظون *} أي حفظاً ثابتاً دائماً عن كل ما نهى الله عنه.
التستري
تفسير : {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ}[22] أي العارفين بمقادير الأشياء، فلا يكون لهم بغير الله فرح، ولا إلى غيره سكون، ولا من غيره فرح، فراقه جزع كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} تفسير : [المعارج:27]. وقد حكي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من خيار أمتي فيما نبأني الملأ الأعلى في الدرجات العلى قوم يضحكون جهراً من سعة رحمة ربهم، ويبكون سراً من خوف شدة عذاب ربهم، ويذكرون ربهم بالغداة والعشي في بيوته الطيبة، ويدعونه بألسنتهم رغباً ورهباً ويسألونه بأيديهم خفضاً ورفعاً، ويشتاقون إليه بقلوبهم عوداً وبدءاً، مؤونتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة، يدبون على الأرض بأقدامهم دبيب النمل بغير فرح ولا بذخ ولا ميل"تفسير : ، الحديث بطوله.
البقلي
تفسير : قال الله تعالى {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ} يعنى العارفين بالله الساكنين تحت جريان مقاديره المستقيمين به عند امتحانه قال سهل هلوعا منقلبا فى حركات الشوات واتباع الهوى قال ابن عطا الهلوع الذى عند الموجود يرضى وعند المقصود يسخط وقال فى قوله الا المصلين العارفين بمقادير الاشياء لا يكون لهم لغير الله فرح ولا الى غيره سكون وقال سهل اذا افتقر جزع واذا اثر منع الا المصلين ----------------------------من القسمة واما المنع فهو من صفة المنافقين.
اسماعيل حقي
تفسير : {الا المصلين} استثناء من الانسان لانه فى معنى الجمع للجنس وهذا الاستثناء باعتبار الاستمرار أى ان المطبوعين على الصفات الرذيلة مستمرون عليها الا المصلين فانهم بدلو تلك الطبائع واتصفوا باضدادها.
الجنابذي
تفسير : {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ} قد مضى فى اوّل البقرة بيان الصّلاة ومراتبها.
اطفيش
تفسير : {إِلا المُصَلِّينَ} استثناء للمؤمنين الذين جاهدوا انفسهم وحملوها على المكاره وعقلوها عن الشهوات حتى لم يكونوا جازعين ولا مانعين ولا هالعين نفي عنهم هذه الصفات إلا ما يكون بغير اختيار واثبت لهم غيرها من الصفات الدالة على الاستغراق في الطاعة من دوام الصلاة واخرج حق المال وغير ذلك.
اطفيش
تفسير : الخ استثناء متصل أى إِلا هؤلاء المصلين فإِنهم لا يجزعون ولا يمنعون بل يغالبون الجزع والمنع وإِن زلوا رجعوا والذم والعقاب على عدم العلاج، وقيل الاستثناء منفصل أى لكن المصلون لا يدبرون ولا يتولون بل يدومون على التوحيد والعبادات فهم فى مقابلة من أدبر وتولى فى عملهم وجزائهم.
الالوسي
تفسير : الخ وقد وصفهم سبحانه بما ينبىء عن كمال تنزههم عن الهلع من الاستغراق في طاعة الحق عز وجل والإشفاق على الخلق والإيمان بالجزاء والخوف من العقوبة وكسر الشهوة وإيثار الآجل على العاجل فقال عز من قائل: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ}.
ابن عاشور
تفسير : استثناء منقطع ناشىء عن الوعيد المبتدأ به من قوله: {أية : يودّ المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذٍ}تفسير : [المعارج: 11] الآية. فالمعنى على الاستدراك. والتقدير: لكن المصلين الموصوفين بكَيْت وكَيْتِ أولئك في جنات مكرمون. فجملة {أولئك في جنات مكرمون} حيث وقعت بعد {إلاَّ} المنقطعة وهي بمعنى (لكنَّ) فلها حكم الجملة المخبر بها عن اسم (لكنَّ) المشددة أو عن المبتدأ الواقع بعد (لكنْ) المخففة وهو ما حققه الدماميني، وإن كان ابن هشام رأى عدّ الجملة بعد الاستثناء المنقطع في عداد الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب. والكلام استئناف بياني لمقابلة أحوال المؤمنين بأحوال الكافرين، ووعدهم بوعيدهم على عادة القرآن في أمثال هذه المقابلة. وهذه صفات ثمان هي من شعار المسلمين، فعدل عن إحضارهم بوصف المسلمين إلى تعداد خصال من خصالهم إطناباً في الثناء عليهم لأن مقام الثناء مقام إطناب، وتنبيهاً على أن كلّ صلة من هذه الصلات الثمان هي من أسباب الكون في الجنات. وهذه الصفات لا يشاركهم المشركون في معظمها بالمرة، وبعضها قد يتصف به المشركون ولكنهم لا يراعونه حق مراعاته باطراد، وذلك حفظ الأمانات والعهد، فالمشرك يحفظ الأمانة والعهد اتقاء مذمة الخيانة والغدْر، ومع أحلافه دون أعدائِه، والمشرك يشهد بالصدق إذا لم يكن له هوى في الكذب، وإذا خشي أن يوصم بالكذب. وقد غدر المشركون بالمسلمين في عدة حوادث، وغدر بعضهم بعضاً، فلو علم المشرك أنه لا يطلع على كذبه وكان له هوى لم يؤد الشهادة. ولما كان وصف {المصلين} غلب على المسلمين كما دل عليه قوله تعالى: {أية : ما سلككم في سقَر قالوا لم نك من المصلين}تفسير : الآية [المدثر: 42، 43]، أتبع وصف المصلين في الآية هذه بوصف {الذين هم على صلاتهم دائمون} أي مواظبون على صلاتهم لا يتخلفون عن أدائها ولا يتركونها. والدوام على الشيء: عدم تركه، وذلك في كل عمل بحسب ما يعتبر دواماً فيه، كما تقرر في أصول الفقه في مسألة إفادة الأمر التكرار. وفي إضافة (صلاة) إلى ضمير {المصلين} تنويه باختصاصها بهم، وهذا الوصف للمسلمين مُقابل وصف الكافرين في قوله: {أية : بعذاب واقع للكافرين}تفسير : [المعارج: 1، 2]. ومجيء الصلة جملةً اسمية دون أن يقال: الذين يدومون، لقصد إفادتها الثبات تقوية كمفاد الدوام. وإعادة اسم الموصول مع الصِّلات المعطوفة على قوله {الذين هم على صلاتهم دائمون} لمزيد العناية بأصحاب تلك الصِّلات. وتسمية ما يعطونه من أموالهم من الصدقات باسم {حق} للإِشارة إلى أنهم جعلوا السائل والمحروم كالشركاء لهم في أموالهم من فرط رغبتهم في مواساة إخوانهم إذ لم تكن الصدقة يومئذٍ واجبة ولم تكن الزكاة قد فرضت. ومعنى كون الحق معلوماً أنه يعلمه كل واحد منهم ويحسبونه، ويعلمه السائل والمحروم بما اعتاد منهم. ومجيء الصلة جملة اسمية لإِفادة ثبات هذه الخصلة فيهم وتمكنها منهم دفعاً لتوهم الشح في بعض الأحيان لما هو معروف بين غالب الناس من معاودة الشحّ للنفوس. والسائل: هو المستعطي، و {المحروم}: الذي لا يَسأل الناس تعففاً مع احتياجه فلا يتفطن له كثير من الناس فيبقى كالمحروم. وأصل المحروم: الممنوع من مرغوبه، وتقدم في سورة الذاريات (19) في قوله: {أية : وفي أموالهم حق للسائل والمحروم}. تفسير : وهذه الصفة للمؤمنين مضادة صفة الكافرين المتقدمة في قوله: {أية : وجمَع فأوعَى}تفسير : [المعارج: 18]. والتصديق بيوم الدين هو الإِيمان بوقوع البعث والجزاءِ، و {الدينُ}: الجزاء. وهذا الوصف مقابل وصف الكافرين بقوله: {أية : إنهم يرونه بعيداً}تفسير : [المعارج: 6]. ولما كان التصديق من عمل القلب لم يتصور أن يكون فيه تفاوت أُتي بالجملة الفعلية على الأصل في صلة الموصول، وأوثر فيها الفعل المضارع لدلالته على الاستمرار. ووصفهم بأنهم {من عذاب ربهم مشفقون} مقابل قوله في حق الكافرين {أية : سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين}تفسير : [المعارج: 1، 2] لأن سؤالهم سؤال مستخف بذلك ومحيله. والإِشفاق: توقع حصول المكروه وأخذُ الحذر منه. وصوغ الصلة بالجملة الاسمية لتحقيق وثبات اتصافهم بهذا الإِشفاق لأنه من المغيبات، فمن شأن كثير من الناس التردد فيه. وجملة {إن عذاب ربهم غير مأمون} معترضة، أي غير مأمون لهم، وهذا تعريض بزعم المشركين الأمْنَ منه إذ قالوا: {أية : وما نحن بمعذبين}تفسير : [الشعراء: 138]. ووصفُهم بأنهم {لفروجهم حافظون} مقابل قوله في تهويل حال المشركين يوم الجزاء بقوله: {أية : ولا يَسْأل حميم حميماً}تفسير : [المعارج: 10] إذ أخص الأحِمَّاء بالرجل زوجه، فقصد التعريض بالمشركين بأن هذا الهول خاص بهم بخلاف المسلمين فإنهم هم وأزواجهم يحبرون لأنهم اتقوا الله في العفة عن غير الأزواج، قال تعالى: {أية : الأخلاَّءُ يومئذٍ بعضهم لبعض عدوّ إلاّ المتقين}تفسير : [الزخرف: 67]. وتقدم نظير هذا في سورة المؤمنين، أي ليس في المسلمين سفاح ولا زنا ولا مخالّة ولا بغاء، ولذلك عقب بالتفريع بقوله: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}. والعادي: المفسد، أي هم الذين أفسدوا فاختلطت أنسابهم وتطرقت الشكوك إلى حصانة نسائهم، ودخلت الفوضى في نظم عائلاتهم، ونشأت بينهم الإِحن من الغيرة. وذكرُ رعي الأمانات والعهد لمناسبة وصف ما يودّ الكافر يوم الجزاء أن يفتديه من العذاب بفصيلته التي تؤويه فيذهب منه رعي العهود التي يجب الوفاء بها للقبيلة. وحسبك من تشويه حاله أنه قد نكث العهود التي كانت عليه لقومه من الدفاع عن حقيقتهم بنفسه وكان يفديهم بنفسه، والمسلم لما كان يرعى العهد بما يمليه عليه دينه جازاه الله بأن دفع عنه خزي ودادة فدائه نفسه بمواليه وأهل عهده. والقول في اسمية الصلة كالقول في الذي قبله. والرعي: الحفظ والحراسة. وأصله رعي الغنم والإِبل. وقرأ الجمهور {لأماناتهم} بصيغة الجمع. وقرأه ابن كثير {لأمانتهم} بالإِفراد والمراد الجنس. وقوله: {والذين هم بشهادتهم قائمون} ذكر لمناسبة ذكر رعي الأمانات إذ الشهادة من جملة الأمانات لأن حق المشهود له وديعة في حفظ الشاهد فإذا أدى شهادته فكأنه أدى أمانة لصاحب الحق المشهود له كانت في حفظ الشاهد. ولذلك كان أداء الشهادة إذا طولب به الشاهد واجباً عليه، قال تعالى: {أية : ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا}تفسير : [البقرة: 282]. والقيام بالشهادة: الاهتمام بها وحفظها إلى أن تؤدى، وهذا قيام مجازي كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : ويقيمون الصلاة}تفسير : في سورة البقرة (3). وباء {بشهادتهم} للمصاحبة، أي يقومون مصاحبين للشهادة ويصير معنى الباء في الاستعارة معنى التعدية. فذكر القيام بالشهادة إتمام لخصال أهل الإِسلام فلا يُتطلب له مقابل من خصال أهل الشرك المذكورة فيما تقدم. والقول في اسمية جملة الصلة للغرض الذي تقدم لأن أداء الشهادة يشق على الناس إذ قد يكون المشهود عليه قريباً أو صديقاً، وقد تثير الشهادة على المرء إِحْنَة منه وعداوة. وقرأ الجمهور {بشهادتهم} بصيغة الإِفراد، وهو اسم جنس يعم جميع الشهادات التي تحملوها. وقرأ حفص ويعقوب "بشهاداتهم" بصيغة الجمع. وذلك على اعتبار جمع المضاف إليه. وقوله: {والذين هم على صلاتهم يحافظون} ثناء عليهم بعنايتهم بالصلاة من أن يعتريها شيء يخل بكمالها، لأن مادة المفاعلة هنا للمبالغة في الحفظ مثل: عافاه الله، وقاتله الله، فالمحافظة راجعة إلى استكمال أركان الصلاة وشروطها وأوقاتها. وإيثار الفعل المضارع لإِفادة تجدد ذلك الحفاظ وعدم التهاون به، وبذلك تعلم أن هذه الجملة ليست مجرد تأكيد لجملة {الذين هم على صلاتهم دائمون} بل فيها زيادة معنى مع حصول الغرض من التأكيد بإعادة ما يفيد عنايتهم بالصلاة في كلتا الجملتين. وفي الأخبار النبوية أخبار كثيرة عن فضيلة الصلاة، وأن الصلوات تكفر الذنوب كحديث «حديث : مَا يُدريكم ما بَلَغتْ به صلاته»تفسير : . وقد حصل بين أخرى هذه الصلات وبين أولاها محسن رد العجز على الصدر. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: {والذين هم على صلاتهم يحافظون} يفيد تقوية الخبر مع إفادة التجدد من الفعل المضارع. ولما أُجريت عليهم هذه الصفات الجليلة أخبر عن جزائهم عليها بأنهم مُكرمون في الجنة. وجيء باسم الإشارة للتنبيه على أنهم استحقوا ما بعد اسم الإشارة من أجْل ما سبَق قبل اسم الإشارة كما تقدم في قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : في سورة البقرة (5). والإِكرام: التعظيم وحسن اللقاء، أي هم مع جزائهم بنعيم الجنات يكرمون بحسن اللقاء والثناء، قال تعالى: {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}تفسير : [الرعد: 23، 24] وقال {أية : ورضوان من الله أكبر}تفسير : [التوبة: 72]. وهذا يقتضي أن يكون قوله: {في جنات} خبراً عن اسم الإِشارة وقوله {مكرمون} خبراً ثانياً.
الشنقيطي
تفسير : وصف الله تعالى من استثناهم من الإنسان الهلوع بتسع صفات. اثنتان منها تختص بالصلاة، وهما الأولى والأخيرة مما يدل على أهمية الصلاة، ووجوب شدة الاهتمام بها. وهذا من المسلمات في الدين لمكانتها من الإسلام، وفي وصفهم هنا بأنهم على صلاتهم دائمون، وفي الأخير، على صلاتهم يحافظون. قال في الكشاف: الدوام عليها المواظبة على أدائها لا يخلون بها، ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل. وذكر حديث عائشة مرفوعاً "أحب الأعمال إلى الله أدومها ولو قل". ويشهد لهذا الذي قاله قوله تعالى: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً}تفسير : [النور: 36-37] وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ}تفسير : [الجمعة: 9]. قال: والمحافظة عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها، ويقيموا أركانها ويكملوها بسننها وآدابها، وهذا يشهد له قوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}تفسير : [المؤمنون: 1-2]. وحديث المسيء صلاته، حيث قال له صلى الله عليه وسلم: "حديث : ارجع فصل فإنك لم تصل"تفسير : ، فنفى عنه أنه صلى الله مع إيقاعه الصلاة أمامه، وذلك لعدم الحفاظ عليها بتوفيتها حقها. وقد بدأ الله أولئك المستثنين وختمهم بالصلاة مما يفيد أن الصلاة أصل لكل خير، ومبدأ لهذا المذكور كله لقوله تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}تفسير : [البقرة: 45] فهي عون على كل خير. ولقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [العنكبوت: 45]، فهي سياج من كل منكر، فجمعت طرفي المقصد شرعاً، وهما العون على الخير والحفاظ من الشر أي جلب المصالح ودرء المفاسد، ولذا فقد عني بها النَّبي صلى الله عليه وسلم كل عنايتها، كما هو معلوم، إلى الحد الذي جعلها الفارق والفيصل بين الإسلام والكفر في قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من ترك الصلاة فقد كفر ". تفسير : واتفق الأئمة رحمهم الله على قتل تاركها. وكلام العلماء على أثر الصلاة على قلب المؤمن وروحه وشعوره وما تكسبه من طمأنينة وارتياح كلام كثير جداً توحي به كله معاني سورة الفاتحة.
د. أسعد حومد
تفسير : (22) - وَلاَ يَسْتَثْنِي اللهُ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِ الإِنْسَانِ الذَمِيمَةِ، التِي تَتَمَثَّلُ بِالهَلَعِ وَالجَزَعِ وَالمَنْعِ، إِلاَّ المُؤْمِنِينَ الذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ إِلَى الخَيْرِ، وَهُمْ المُصَلُّونَ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} معناه الصَّلواتُ المكتوباتُ يُديمون عَلَى أَدائِها في مَواقِيتِها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):