Verse. 5411 (AR)

٧٠ - ٱلْمَعَارِج

70 - Al-Ma'aarij (AR)

فَمَالِ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا قِبَلَكَ مُہْطِعِيْنَ۝۳۶ۙ
Famali allatheena kafaroo qibalaka muhtiAAeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فمال الذين كفروا قبلك» نحوك «مهطعين» حال، أي مديمي النظر.

36

Tafseer

الرازي

تفسير : المهطع المسرع وقيل: الماد عنقه، وأنشدوا فيه:شعر : بمكة أهلها ولقد أراهم بمكة مهطعين إلى السماع تفسير : والوجهان متقاربان، روى أن المشركين كانوا يحتفون حول النبي صلى الله عليه وسلم حلقاً حلقاً وفرقاً فرقاً يستمعون ويستهزئون بكلامه، ويقولون: إذا دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد: فلندخلنها قبلهم، فنزلت هذه الآية فقوله: {مُهْطِعِينَ } أي مسرعين نحوك مادين أعناقهم إليك مقبلين بأبصارهم عليك، وقال أبو مسلم: ظاهر الآية يدل على أنهم هم المنافقون، فهم الذين كانوا عنده وإسراعهم المذكور هو الإسراع في الكفر كقوله: {أية : لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ } تفسير : [المائدة:41].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} قال الأخفش: مسرعين. قال:شعر : بمكّةَ أهلُها ولقد أراهم إليه مهطعيـن إلى السمـاع تفسير : والمعنى: ما بالهم يُسرعون إليك ويجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم. وقيل: أي ما بالهم مسرعين في التكذيب لك. وقيل: أي ما بال الذين كفروا يُسْرِعون إلى السماع منك ليعيبوك ويستهزئوا بك. وقال عطيّة: مهطعين: معرضين. الكلبيّ: ناظرين إليك تعجّباً. وقال قتادة: عامدين. والمعنى متقارب؛ أي ما بالهم مسرعين عليك، مادّين أعناقهم، مدمني النظر إليك. وذلك من نظر العدوّ. وهو منصوب على الحال. نزلت في جمع من المنافقين المستهزئين، كانوا يحضرونه ـ عليه السلام ـ ولا يؤمنون به. و«قِبَلَكَ» أي نحوك. {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ} أي عن يمين النبيّ صلى الله عليه وسلم وشماله حِلَقاً حِلَقاً وجماعات. والعِزيِن: جماعات في تفرقة، قاله أبو عبيدة. ومنه حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث : أنه خرج على أصحابه فرآهم حِلَقاً فقال:«مالي أراكم عزين ألاَ تَصُفّون كما تَصُفّ الملائكة عند ربّها ـ قالوا: وكيف تَصُفّ الملائكة عند ربّها؟ قال ـ: يُتِمُّون الصفوفَ الأوَلَ ويَتراصُّونَ في الصّف» تفسير : خرّجه مسلم وغيره. وقال الشاعر:شعر : تَرَانا عندَهُ واللَّيْلُ داجٍ على أبوابه حِلَقاً عِزِينا تفسير : أي متفرقين. وقال الراعي:شعر : أخليفةَ الرحمن إنّ عشيرتي أمسى سَرَاتُهُم إليك عِزِينـا تفسير : أي متفرقين. وقال آخر:شعر : كأن الجماجـم من وقعها خناطيـل يهوين شَتَّى عِزِينـا تفسير : أي متفرقين. وقال آخر:شعر : فلما أن أتَيْـن على أُضَـاخٍ ضَرَحْـنَ حَصَاهُ أشْتَـاتاً عِزِينا تفسير : وقال الكُمَيْت:شعر : ونحنُ وجَنْدَلٌ بـاغٍ تَرَكْنَـا كَتَائـب جَنْدَلٍ شَتَّـى عِزِينـا تفسير : وقال عنترة:شعر : وقِرْنٍ قد تركتُ لِذِي وَليٍّ عليه الطير كالعُصَبِ العِزِين تفسير : وواحد عِزين عِزة، جُمع بالواو والنون ليكون ذلك عِوَضاً مما حُذِف منها. وأصلها عِزْهة، فاعتلّت كما اعتلّت سَنَة فيمن جعل أصلها سَنْهة. وقيل: أصلها عِزْوة، من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره. فكل واحد من الجماعات مضافة إلى الأخرى، والمحذوف منها الواو. وفي الصحاح: «والعِزة الفِرْقة من الناس، والهاء عوض من الياء، والجمع عِزًى ـ على فِعَل ـ وعزون وعُزون أيضاً بالضم، ولم يقولوا عِزات كما قالوا ثبات. قال الأصمعيّ: يقال في الدار عِزون، أي أصناف من الناس. و{عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ} متعلق بـ {مُهْطِعِينَ} ويجوز أن يتعلق بـ {عِزِينَ} على حد قولك: أخذته عن زيد. {أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} قال المفسرون: كان المشركون يجتمعون حول النبيّ صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه فيكذّبونه ويكذبون عليه، ويستهزئون بأصحابه ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنّها قبلهم، ولئن أعطوا منها شيئاً لنعطين أكثر منه، فنزلت: «أيَطْمَعُ» الآية. وقيل: كان المستهزئون خمسة أرهط. وقرأ الحسن وطلحة بن مُصَرِّف والأعرج «أنْ يَدْخُلَ» بفتح الياء وضم الخاء مسمّى الفاعل. ورواه المفضّل عن عاصم. الباقون «أنْ يُدْخَلَ» على الفعل المجهول. {كَلاَّ} لا يدخلونها. ثم ابتدأ فقال: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} أي إنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، كما خلق سائر جنسهم. فليس لهم فضل يستوجبون به الجنة، وإنما تُستوجَب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى. وقيل: كانوا يستهزئون بفقراء المسلمين ويتكبّرون عليهم. فقال: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} من القَذَر، فلا يليق بهم هذا التكبر. وقال قتادة في هذه الآية: إنما خُلِقْتَ يا ابن آدم من قذر فاتّق الله. وروي أن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير رأى المُهَلّب بن أبي صُفْرة يتبختر في مُطرَف خَزٍّ وجُبّة خزّ فقال له: يا عبد الله، ما هذه المِشْية التي يبغضها الله؟! فقال له: أتعرفني؟ قال نعم، أوّلك نطفةٌ مِذرة، وآخرك جيفةٌ قذِرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العَذِرة، فمضى المهلّب وترك مشيته. نظم الكلام محمود الورّاق فقال:شعر : عَجِبتُ من مُعْجَبٍ بصورته وكان في الأصـل نطفـةً مَذِرهْ وهو غَداً بعد حُسْن صورته يصيرُ في اللحد جيفةً قَذرهْ وهو على تيهه ونَخْوته ما بين ثوبيه يحمل العذرهْ تفسير : وقال آخر:شعر : هل في ابن آدم غيرَ الرأس مَكْرُمةٌ وهو بخمسٍ من الأوساخ مضروب أنْفٌ يسيل وأذْنٌ ريحها سَهِـكٌ والعين مُرْمَصَة والثغْر ملهوب يا بن التراب ومأكول التراب غداً قصِّر فإنك مأكول ومشـروب تفسير : وقيل: معناه من أجل ما يعلمون، وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب. كقول الشاعر وهو الأعشى:شعر : أأزْمَعْتَ من آل لَيْلى ابْتِكَارَا وشَطَّتْ علَى ذِي هَوًى أن تُزَارَا تفسير : أي من أجل لَيْلَى.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منكراً على الكفار الذين كانوا في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهم مشاهدون له، ولما أرسله الله به من الهدى، وما أيّده الله به من المعجزات الباهرات، ثم هم مع هذا كله فارون منه، متفرقون عنه، شاردون يميناً وشمالاً فرقاً فرقاً، وشيعاً شيعاً، كما قال تعالى: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } تفسير : الآية [المدثر: 49 ــــ 51]. وهذه مثلها؛ فإنه قال تعالى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} أي: فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد مهطعين؟ أي: مسرعين نافرين منك، كما قال الحسن البصري: مهطعين، أي: منطلقين، { عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ} واحدها عزة، أي: متفرقين، وهو حال من مهطعين، أي: في حال تفرّقهم واختلافهم؛ كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء: فهم مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب. وقال العوفي عن ابن عباس: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ}، قال: قبلك ينظرون، { عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ} قال: العزين: العصب من الناس، عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به، وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا أبو عامر، حدثنا قرة عن الحسن في قوله: { عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ} أي: متفرقين يأخذون يميناً وشمالاً يقولون: ما قال هذا الرجل؟ وقال قتادة: {مُهْطِعِينَ} عامدين { عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ} أي: فرقاً حول النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يرغبون في كتاب الله، ولا في نبيه صلى الله عليه وسلم. وقال الثوري وشعبة وعبثر بن القاسم وعيسى بن يونس ومحمد بن فضيل ووكيع ويحيى القطان وأبو معاوية، كلهم عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهم حلق، فقال: «حديث : ما لي أراكم عزين؟» تفسير : رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير من حديث الأعمش به، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم حلق فقال: «حديث : ما لي أراكم عزين؟» تفسير : وهذا إسناده جيد، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه. وقوله تعالى: { أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلاَّ} أي: أيطمع هؤلاء والحالة هذه من فرارهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفارهم عن الحق أن يدخلوا جنات النعيم؟ كلا بل مأواهم جهنم. ثم قال تعالى مقرّراً لوقوع المعاد والعذاب بهم، الذي أنكروا كونه، واستبعدوا وجوده، مستدلاً عليهم بالبداءة التي الإعادة أهون منها، وهم معترفون بها، فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} أي: من المني الضعيف؛ كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [المرسلات: 20] وقال: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ } تفسير : [الطارق: 5 ــــ 10] ثم قال تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ} أي: الذي خلق السموات والأرض، وجعل مشرقاً ومغرباً، وسخر الكواكب تبدو من مشارقها وتغيب في مغاربها. وتقدير الكلام: ليس الأمر كما تزعمون أن لا معاد ولا حساب، ولا بعث ولا نشور، بل كل ذلك واقع وكائن لا محالة، ولهذا أتى بلا في ابتداء القسم؛ ليدلّ على أن المقسم عليه نفي، وهو مضمون الكلام، وهو الرد على زعمهم الفاسد في نفي يوم القيامة. وقد شاهدوا من عظيم قدرة الله تعالى ما هو أبلغ من إقامة القيامة، وهو خلق السموات والأرض، وتسخير ما فيهما من المخلوقات من الحيوانات والجمادات وسائر صنوف الموجودات، ولهذا قال تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57]. وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [الأحقاف: 33] وقال تعالى في الآية الأخرى: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [يس: 81 ــــ 82] وقال ههنا: { فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ إِنَّا لَقَـٰدِرُونَ عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ} أي: يوم القيامة نعيدهم بأبدان خير من هذه؛ فإن قدرته صالحة لذلك، {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي: بعاجزين؛ كما قال تعالى: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ } تفسير : [القيامة: 3 ــــ 4] وقال تعالى: {أية : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [الواقعة: 60 ــــ 61] واختار ابن جرير {عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ} أي: أمة تطيعنا ولا تعصينا، وجعلها كقوله: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38] والمعنى الأول أظهر؛ لدلالة الآيات الأخر عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم قال تعالى: {فَذَرْهُمْ} أي: يا محمد {يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ} أي: دعهم في تكذيبهم وكفرهم وعنادهم {حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ} أي: فسيعلمون غب ذلك، ويذوقون وباله { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ} أي: يقومون من القبور إذا دعاهم الرب تبارك وتعالى لموقف الحساب ينهضون سراعاً، كأنهم إلى نصب يوفضون، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إلى علم يسعون، وقال أبو العالية ويحيى بن أبي كثير: إلى غاية يسعون إليها، وقد قرأ الجمهور: "إلى نَصْب" بفتح النون وإسكان الصاد، وهو مصدر بمعنى المنصوب، وقرأ الحسن البصري: "نُصُب" بضم النون والصاد، وهو الصنم، أي: كأنهم في إسراعهم إلى الموقف كما كانوا في الدنيا يهرولون إلى النصب إذا عاينوه، يوفضون: يبتدرون أيهم يستلمه أول. وهذا مروي عن مجاهد ويحيى بن أبي كثير ومسلم البطين وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وأبي صالح وعاصم بن بهدلة وابن زيد وغيرهم، وقوله تعالى: {خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ} أي: خاضعة {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: في مقابلة ما استكبروا في الدنيا عن الطاعة {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ}. آخر تفسير سورة سأل سائل، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ } نحوك {مُهْطِعِينَ } حال، أي مديمي النظر.

الماوردي

تفسير : {فما للذين كَفَروا قِبلَكَ مُهْطِعينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مسرعين، قاله الأخفش، قال الشاعر: شعر : بمكةَ دارُهم ولقد أراهم بمكةَ مُهطِعين إلى السماع تفسير : الثاني: معرضين، قاله عطية العوفي. الثالث: ناظرين إليك تعجباً، قاله الكلبي. {عن اليمين وعن الشِّمال عِزِينَ} فيه خمسة أوجه: أحدها: متفرقين، قاله الحسن، قال الراعي: شعر : أخليفةَ الرحمنِ إن عشيرتي أمسى سَراتُهُمُ إليك عِزينا. تفسير : الثاني: محتبين، قال مجاهد. الثالث: أنهم الرفقاء والخلطاء، قاله الضحاك. الرابع: أنهم الجماعة القليلة، قاله ابن أسلم. الخامس: أن يكونوا حِلقاً وفرقاً. روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم حِلَق فقال: "حديث : ما لي أراكم عزين"، تفسير : قال الشاعر: شعر : ترانا عنده والليل داج على أبوابه حِلقاً عِزينا. تفسير : {يوم يَخْرجون من الأجداثِ سِراعاً} يعني من القبور. {كأنهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} في " نصب" قراءتان: إحداهما بتسكين الصاد، والأخرى بضمها. وفي اختلافهما وجهان: أحدهما: معناهما واحد، قاله المفضل وطائفة، فعلى هذا في تأويله أربعة أوجه: أحدها: معناه إلى علم يستبقون، قاله قتادة. الثاني: إلى غايات يستبقون، قاله أبو العالية. الثالث: إلى أصنامهم يسرعون، قاله ابن زيد، وقيل إنها حجارة طوال كانوا يعبدونها. الرابع: إلى صخرة بيت المقدس يسرعون. والوجه الثاني من الأصل أن معنى القراءتين مختلف، فعلى هذا في اختلافهما وجهان: أحدهما: أن النُّصْب بالتسكين الغاية التي تنصب إليها بصرك، والنُّصُب بالضم واحد الأنصاب، وهي الأصنام، قاله أبو عبيدة ومعنى " يوفضون" يسرعون، والإيفاض الإسراع، ومنه قول رؤبة: شعر : يمشين بنا الجد على الإيفاض بقطع أجواز الفلا انفضاض.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُهْطِعِينَ} مسرعين أو معرضين أو ناظرين إليك تعجباً.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} الآيةُ نزلتْ بسببِ أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يصلي عندَ الكعبةِ أحياناً ويقرأ القرآن، فكان كثيرٌ من الكفَّارِ يَقُومُونَ من مجَالِسِهم مسرعينَ إليه يستمعون قراءَتَه، ويقول بعضهم لبعض: شاعِرٌ وكَاهِنٌ، ومفترٍ وغيرُ ذلك، و{قَبْلِكَ} معناه فيما يليكَ، والمُهْطِعُ الذي يمشي مُسْرِعاً إلى شيء قَدْ أَقْبَلَ ببصرِهِ عليه، و{عِزِينَ} جَمْعُ عِزَةٍ، والعِزَةُ: الجَمْعُ اليسيرُ كأَنَّهم كَانُوا ثلاثةً ثَلاَثَةً وأَرْبَعَةً أرْبَعَةً، وفي حديثِ أَبِي هريرة قال: «حديث : خَرَجَ النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم حَلَقٌ متفرقونَ، فقالَ: مالي أراكم عزين».

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ}. روي أنَّ المشركين كانوا يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون كلامه، ويستهزئون به ويكذبونه، ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنَّة كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فلندخلنَّها قبلهم، فنزلت هذه الآية إلى قوله: {أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلاَّ}. وقال أبو مسلمٍ: ظاهر الآية يدل على أنهم هم المنافقون، فهم الذين كانوا عنده، وإسراعهم المذكور هو الإسراعُ في الكفر، لقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ}تفسير : [آل عمران: 176]. و"الإهْطَاعُ": الإسراعُ. قال الأخفش: "مُهْطعيْنَ"، أي: مُسرِعيْنَ، قال: [الوافر] شعر : 4867 - بِمكَّةَ أهْلُهَا ولقَدْ أرَاهُمْ إليْهِ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ تفسير : والمعنى: ما بالهُمْ يسرِعُونَ إليْكَ، ويجلسُونَ حولك، ويعملون بما تأمُرهُمْ. وقيل: ما بالهم يسرعون في التكذيب لك. وقيل: ما بالُ الذين كفروا يسرعون إلى السَّماع منك ليعيبوكَ ويستهزئوا بك. وقال عطيةُ: "مُهْطِعيْنَ": مُعْرضِيْنَ. وقال الكلبيُّ: ناظرين إليك تعجُّباً. وقال قتادةُ: مادّين أعناقهم مديمي النظر إليك، وذلك من نظر العدو، وهو منصوبٌ على الحال. قال القرطبيُّ: نزلت في جميع المنافقين المستهزئين، كانوا يحضرونه - عليه الصلاة والسلام - ولا يؤمنون به، و"قبلك"، أي: نحوك. قوله: {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ}. أي: عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وشماله حلقاً حلقاً وجماعات. قوله: "عِزيْنَ"، حالٌ من "الَّذين كَفرُوا". وقيل: حال من الضمير في "مُهْطعِينَ" فيكونُ حالاً متداخلة، و"عَن اليَميْنِ"، يجوز أن يتعلق بـ"عزين"؛ لأنَّه بمعنى متفرقين. قاله أبو البقاء. وأن يتعلق بـ"مُهْطِعيْنَ" أي: مسرعين عن هاتين الجهتين، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أي: كائنين عن اليمين. قاله أبو البقاء. و"عَزِيْنَ" جمع عزة، والعِزَة: الجماعة. قال مكيٌّ. قال مكيٌّ: "وإنما جمع بالواو والنون؛ لأنه مؤنث لا يعقل؛ ليكون ذلك عوضاً مما حذفَ منه". قيل: إن أصله: عزهة، كما أنَّ أصل سنة: سنهة، ثم حذفت الهاء، انتهى. قال شهاب الدين: قوله: لا يعقل سَهْو، لأن الاعتبار بالمدلولِ، ومدلوله - بلا شك - عقلاء. واختلفوا في لام "عِزَة" على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّها "واو" من: "عزوته أعزوه"، أي: نسبته، وذلك أنَّ المنسوبَ مضمومٌ إلى المنسوب إليه، كما أنَّ كلَّ جماعةٍ مضموم بعضها إلى بعض. الثاني: أنَّها "ياء"، إذ يقال "عَزيتُه" - بالياء - أعزيه بمعنى عزوته، فعلى هذا في لامها لغتانِ. الثالث: أنَّها هاءٌ، وتجمع تكسيراً على "عِزَهٍ" نحو كسرة وكِسَر، واستغني بهذا التكسير عن جمعها بالألف والتاء، فلم يقولوا: "عزات" كما لم يقولوا في "شفة وأمة: شفَات ولا أمات" استغناء بـ"شِفَاه وإماء". وقد كثر ورودُه مجموعاً بـ"الواو" والنون؛ قال الراعي: [الكامل] شعر : 4868 - أخَلِيفَـةَ الرَّحْمَـنِ إنَّ عَشِيرَتِي أمْسَـى سَرَاتُهُـم عِزيـنَ فُلُـولاَ تفسير : وقال الكميت: [الوافر] شعر : 4869 - ونَحْـنُ وجنْــدَلٌ بَــاغٍ تَركْنَــا كَتَائِـــبَ جَنْــدلٍ شتَّــى عِزينَــا تفسير : وقال عنترةُ: [الوافر] شعر : 4870 - وقِـرْنٍ قَدْ تَركْـتُ لِذِي ولـيٍّ عليْـهِ الطَّيْــرُ كالعُصَــبِ العِزيـنِ تفسير : وقال آخر: [الوافر] شعر : 4871 - تَرانَــا عِنْــدَهُ واللِّيــلُ دَاجٍ عَلـــى أبْوَابِــــهِ حِلقــــاً عِزينَـــا تفسير : وقال الشاعرُ: [الوافر] شعر : 4872 - فَلَمَّـا أن أتَيْـنَ علـى أضَاخٍ تَركْــنَ حَصـــاهُ أشْتَاتـــاً عِزينَـا تفسير : والعزة لغةً: الجماعة في تفرقة، قاله أبو عبيدة. ومنه حديثُ النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه خرج إلى أصحابه فرآهم حلقاً، فقال: "مَا لِي أراكُمْ عِزيْنَ، ألا تصفُّونَ كما تُصَفُّ المَلائِكةُ عِندَ ربِّهَا"، قالوا: وكيف تصف الملائكةُ؟ قال: "يتمون الصف الأول فيتراصون في الصف" ". تفسير : وقال الأصمعيُّ: العِزُونَ: الأصنافُ، يقال: في الدَّار عزون، أي: أصناف. وفي "الصِّحاح": "العِزَةُ" الفرقة من الناس. وقيل: العِزَة: الجماعةُ اليسيرةُ كالثلاثة والأربعة. وقال الراغبُ: "وقيل: هو من قولهم: عَزَا عزاء فهو عز إذا صبر، وتعزَّى: تصبَّر، فكأنَّها اسم للجماعة التي يتأسَّى بعضها ببعض". قال القرطبيُّ: ويقال: عِزُونَ، وعُزُون - بالضم - ولم يقولوا: عزات، كما قالوا: ثبات، قيل: كان المستهزئون خمسة أرهُطٍ. وقال الأزهريُّ: وأصلها من قولهم: عَزَا فلانٌ نفسه إلى بني فلانٍ يعزوها عزواً إذا انتمى إليهم، والاسم: "العَزْوَة"، كلُّ جماعةٍ اعتزوها إلى آخر واحد. قوله: {أَن يُدْخَلَ}. العامة: على بنائه للمفعول. وزيد بن علي، والحسن، وابن يعمر، وأبو رجاء، وعاصم في رواية، قال القرطبي: وطلحة بن مصرف، والأعرج على بنائه للفاعل. فصل في تعلق الآية بما بعدها لما قال المستهزئون: إن دخل هؤلاء الجنَّة كما يقولُ محمدٌ فلندخلنَّها قبلهم، أجابهم الله - تعالى - بقوله: {كَلاَّ} لا يدخلونها، ثم ابتدأ فقال: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} أي: أنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نُطفةٍ، ثم من علقة، ثم كما خلق سائر جنسهم، فليس لهم فضلٌ يستوجبون به الجنة، وإنما يستوجب بالإيمان، والعمل الصالح، ورحمة الله تعالى. وقيل: كانوا يستهزئون بفقراء المسلمينَ ويتكبرون عليهم، فقال: {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِّمَّا يَعْلَمُونَ}، أي: من القذر، فلا يليقُ بهم هذا التكبرُ. وقال قتادة في هذه الآيةِ: إنَّما خلقت يا ابن آدم من قذرٍ فاتَّقِ اللَّهَ. وروي أنَّ مطرف بن عبد الله بن الشِّخيرِ، رأى المهلَّب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خَزّ وجُبة خَزّ، فقال له: يا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله؟. فقال له: أتعرفني، قال: نعم، أوّلك نطفةٌ مذرةٌ، وآخرك جيفةٌ قذرةٌ، وأنت تحمل العذرةَ، فمضى المهلَّب وترك مشيته. قال ابن الخطيب: ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً: أحدها: لما احتج على صحة البعث دل على أنهم كانوا منكرين للبعث، فكأنه قيل لهم: كلا إنكم منكرون للبعث فمن أين تطمعون بدخولِ الجنَّة. وثانيها: أنَّ المستهزئين كانوا يستحقرون المؤمنين - كما تقدّم - فقال تعالى: إنَّ هؤلاء المستهزئين مخلوقون مما خلقوا، فكيف يليق بهم هذا الاحتقار؟. وثالثها: أنَّهم مخلوقون من هذه الأشياء المستقذرة، ولم يتصفوا بالإيمانِ، والمعرفةِ، فكيف يليق بالحكمة إدخالهم الجنة؟. وقيل: معنى قوله: {خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ}، أي: مراحل ما يعلمون وهو الأمر والنَّهي والثوابُ والعقابُ. كقول الأعشى: [المتقارب] شعر : 4873 - أأزْمَعْتَ من آلِ لَيْلَى ابْتِكَارا وشَطَّتْ على ذِي هَوَى أنْ تُزَارَا تفسير : أي: من أجل ليلى.

القشيري

تفسير : والإهطاع أن يُقْبِلَ ببصره إلى الشيءِ فلا يرفعه عنه، وكذلك كانوا يفعلون عند النبي صلى الله عليه وسلم {عِزِينَ}: أي خَلْقاً خَلْقاً، وجماعةً جماعة.

اسماعيل حقي

تفسير : {فمال الذين} اى فمال بال الذين {كفروا} وحرموا من الاتصاف بالصفات الجليلة المذكورة وما استفهامية للانكار فى موضع رفع بالابتدآء والذين كفروا خبرها واللام الجارة كتبت مفصولة اتباعا لمصحف عثمان رضى الله عنه قال فى فتح الرحمن وقف ابو عمرو والكسائى بخلاف عنه على الالف دون اللام من قوله فمال هؤلاء فى النساء ومال هذا الكتاب فى الكهف ومال هذا الرسول فى الفرقان وفمال الذين فى سأل ووقف الباقون فى فمال على اللام اتباعا للخط بخلاف عن الكسائى قال ابن عطية ومنعه قوم جملةلانها حرف جرف فهى بعض المجرور هذا كله بحسب ضرورة وانقطاع نفس واما ان اختار احد الوقف فيما ذكرناه ابتدآء فلا انتهى {قبلك} حال من المنوى فى للذين كفروا اى فمالهم ثابتين حولك {مهطعين} حال من التكن فى قبلك من الاهطاع وهو الاسراع اى مسرعين نحوك مادى اعناقهم اليك مقبلين بابصارهم عليك.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فَمَالِ الذين كفروا}، وكُتب مفصولاً اتباعاً للمصحف، أي: أيُّ شيء حصل لهم حتى كانوا {قِبلك} أي: حولَك {مُهطِعينَ} مُسرعين، مادّين أعناقهم إليك، مقبلين بأبصارهم عليك، {عن اليمين وعن الشمال} أي: عن يمينك وشمالك {عِزينَ}؛ متفرقين فرقاً شتّى. جمع: عِزَة، وأصلها: عِزوة، من العزو، فعُوِّضت التاء من الواو، كأنّ كل فرقة تُعزى إلى غير مَن تُعزى إليه الأخرى. والعزة: الفرقة القليلة، ثلاثة أو أربعة. كان المشركون إذا رأوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الكعبة يقومون من مجالسهم مسرعين إليه، ويُحلِّقون حوله حِلقاً حِلقاً، وفِرقاً فِرقاً، يستمعون ويستهزئون بكلامه صلى الله عليه وسلم ويقولون: شاعر، كاهن، مفتر، ثم يقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد، فلندخلنها قبلهم، فنزلت: {أيَطْمَعُ كلُّ امرىءٍ منهم أن يُدخَلَ جنةَ نعيم} بلا أيمان. {كلاَّ}، ردع لهم عن ذلك الطمع الفارغ، وهو دخولهم الجنة بلا إيمان {إِنَّا خلقناهم مما يعلمون}، تعليل للردع، أي: إنَّا خلقناهم من نطفةٍ مَذِرة، فلا يستأهل الكرامة إلاَّ مَن تحلّى بالإيمان والطاعة، وكسا لوث بشريته بنور إيمانه، وحلّها بالتقوى، التي بها العز والشرف والارتفاع في أوج القُربى والكرامة التي محلها الجنة، إنما تكون بمخالفة الطبيعة، وغلبة الروح على الطينة الأرضية، والفرض لعدم ذلك منهم، فلا يطمعون في كرامات الروحانية، مع تمحُّض الطينة الجسمانية، فإنه محال بمقتضى الحكمة. قال أبو السعود: وقيل معناه: إنّا خلقناهم من نطفة مذرة، فمن أين يتشرّفون ويدّعون التقدُّم، ويقولون: لَندخلن الجنةّ قبلهم؟ والفرض أنهم مخلوقون من نطفة قذرة، لا تُناسب عالم القدس، فمَن لم يستكمل الإيمان والطاعة، ولم يتخلّق بأخلاق الملائكة، لم يتأهّل لدخولها. ثم قال: ولا يخفى ما في الكل من التمحُّل، والأقرب: أنه كلام مستأنف، سيق تمهيداً لِما بعده مِن بيان قدرته تعالى، على أن يهلكهم، لكفرهم بالبعث والجزاء، واستهزائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما نزل عليه من الوحي، وادعائهم دخول الجنة بطريقة السخرية، وينشىء بدلهم قوماً آخرين، فإنَّ قدرته على ما يعلمون من النشأة الأولى حجة بيِّنة على قدرته تعالى على ذلك، كما يُفصح عنه الفاء الفصيحة في قوله تعالى: {فلا أُقسم بربِّ المشارِق والمغاربِ}، والمعنى: إذا كان الأمر كما ذكرنا من أنّا خلقناهم مما يعلمون فأُقسم برب المشارق والمغارب {إِنَّا لقادِرون على أن نُبدِّل خيراً منهم} أي: نُهلكهم بالمرة، حسبما تقتضيه جنايتهم، ونأتي بدلهم بخلقٍ آخرين ليسوا على صفتهم. هـ. {وما نحن بمسبوقين}؛ بعاجزين، أو بمغلوبين إن أردنا ذلك، لكن مشيئتَنا المبنية على الحِكمة البالغة اقتضت تأخير عقوبتهم. {فَذَرْهم}؛ فدع المكذِّبين {يخوضوا} في باطلهم، التي من جملتها ما حكي عنهم، {ويلعبوا} في دنياهم {حتى يُلاقوا يومَهم الذي يوعدون}، وهو يوم البعث عند النفخة الثانية، يدل عليه قوله تعالى: {يوم يَخرجون من الأجدَاثِ}؛ القبور {سِراعاً}؛ جمع سريع، وهو حال من ضمير "يَخرجون" أي: مسرعين إلى الداعي {كأنهم إِلى نُصُبٍ}، وهو كل ما نُصب وعُبد من دون الله، وفيه السكون والفتح. {يُوفضون}؛ يُسرعون، {خاشعةً أبصارُهم}، ذليلة، لا يرفعونها خوفاً وذِلة، {ترهقهم ذِلةٌ}: يغشاهم هوان شديد، {ذلك} أي: الذي ذكر ما سيقع فيه من الأحوال الهائلة هو {اليومُ الذي كانوا يُوعَدون} في الدنيا، وهم يكذّبون به. الإشارة: فما لأهل الإنكار والغفلة قِبَلك أيها الداعي مسرعين، يُحبون الخصوصية بلا مجاهدة، أيطمع كل امرىءٍ منهم أن يُدخل جنةَ نعيم الأرواح، وهي جنة المعارف، كلاً، إنّا خلقناهم مما يعلمون من الطينة الأرضية، فلا يطمع أحدٌ في الخصوصية، حتى تستولي روحانيتُه على بشريته، ومعناه على حسه، وتخنس الطينية الطبيعية تحت أنوار الحقيقة القدسية. قال الورتجبي: امتنَّ اللهُ على أوليائه الصادقين أنه يلبغهم إلى جواره؛ لأنهم خُلقوا من تربة الجنة، وخُلقت أرواحهم من نور الملكوت، وإلى مواضعها ترجع، وللقائه خَلَقَهم، ومن نوره أوجدهم، وإنَّ أهل الخذلان خُلقوا من عالم الشهواني والشيطاني، ومنبعُهما النار، فيدخلون مواضعهم؛ لأنهم ليسوا من أهل جواره، ونحن لا ننظر إلى ما خلقنا منه من النطفة والطين، ولا نعتبر بهما، نحن نعتبر بالاصطفائية والخاصية في المعرفة، فإنَّ بهما نصل إلى جوار الله تعالى. هـ. قلت: والتحقيق أنّ البشرية كلها من الطين، والروح كلها من النور الملكوتي، فمَن غلب منهما فالحُكم له، فإنْ غلبت الروحُ تنوّرت البشرية بأنوار الهداية، وأشرق الباطن بأسرار المعارف، وإن غلبت البشرية تظلّمت الروح، فتارة يبقى لها شعاع الإيمان، وهو مقام أهل اليمين، وتارة ينطمس عنها، وهو مقام الكفر، والعياذ بالله. وقوله: لأنهم خُلقوا من تربة الجنة، أي: من التربة التي رش عليها من ماء الجنة، حتى أضيفت إليها، وقد تقدّم عن القشيري. والله تعالى أعلم. ثم أقسم تعالى على أنه قادر على تبديل الأشباح فيبدل الخبيث إلى الطيب، وبالعكس، على حسب مشيئته، ثم قال: فذر أهل الغفلة يخوضوا في بواطنهم مع الخواطر، ويلعبوا في ظواهرهم في أمور دنياهم، حتى يُلاقوا ما يُوعدون، فيقع الندم حيث لا ينفع. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد، وآله.

الطوسي

تفسير : قرأ {نصب} بضمتين أهل الشام، وحفص عن عاصم، وسهل، على انه جمع {نصب} مثل رهن ورهن - فى قول ابي عبيدة - وقال غيره: هما لغتان، مثل ضَعف وضُعف. الباقون بفتح النون خفيفة. والنصب الصنم الذي كانوا يعبدونه، سمي بذلك. وقيل: النصب نصب الصنم الذى كانوا يعبدونه. وقيل: معناه إلى علم يسبقون اليه قد نصب لهم. وقرأ الاعشى {يخرجون} بضم الياء. الباقون بفتحها أضافوا الخروج اليهم. يقول الله تعالى على وجه الانكار على الكفار {فما للذين كفروا} ومعناه أى شيء للذين كفروا بتوحيد الله وجحدوا نبوتك {قبلك مهطعين} أى نحوك مسرعين - في قول ابي عبيدة - وقال الحسن: معناه منطلقين. وقال قتادة: عامدين وقال ابن زيد: معناه لا يطرقون أى شاخصون. وجميع ذلك بمعنى الاسراع الى الشيء، فمرة بتشوقه ومرة بقصده ومرة بشخوصه. وقال الزجاج: المهطع المقبل ببصره على الشيء لا يزايله، وذلك من نظر العدو، وإنما أنكر عليهم الاسراع اليه لانهم أسرعوا اليه ليأخذوا الحديث منه ثم يتفرقون عزين بالتكذيب عليه - ذكره الحسن - وقيل: أسرعوا اليه شخوص المتعجب منه. وقيل: أسرعوا اليه لطلب عيب له. وقيل: معناه فما للذين كفروا مسرعين فى نيل الجنة مع الاقامة على الكفر والاشراك بالله فى العبادة. وقوله {عن اليمين وعن الشمال عزين} قال ابن عباس: عن اليمين والشمال معرضين يستهزؤن، ومعنى {عزين} جماعات فى تفرقة نحو الكراريس واحدهم عزة، وجمع بالواو والنون، لأنه عوض مما حذف منه، ومثله سنة وسنون. وأصل عزة عزوة من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره، وكل واحدة من هذه الجماعة مضافة إلى الاخرى، وقال الراعي: شعر : أخليفة الرحمن إن عشيرتي أمسى سوامهم عزين فلولا تفسير : وقوله {أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم} فمن ضم الياء، وهم أكثر القراء جعل الفعل لما لم يسم فاعله. وفتح الحسن الياء لانهم إذا أدخلوا فقد دخلوا. ومعنى الآية الانكار عليهم قولهم: إن دخل أصحاب محمد الجنة، فانا ندخلها قبلهم لا محالة، فقيل وأي شيء لكم عند الله يوجب هذا؟ ولم تحتقرون هؤلاء؟ وقد خلقناهم جميعاً مما يعلمون أي من تراب. وقوله {كلا إنا خلقناهم مما يعلمون} قال الحسن: خلقناهم من النطفة، وقال قتادة: إنما خلقت من قذر يا بن آدم فاتق الله. وقال الزجاج: أي من تراب، ثم من نطفة، فأي شيء لهم يدخلون به الجنة، وهم لك على العداوة، وهذا حجاج لأن خلقهم من ماء مهين يقتضى أنهم خلقوا للعبادة، فجعل فى خلقهم من هذا عبرة، ولولا ذلك لابتدأهم فى نعيم الجنة، ولم يكن لتنقلهم فى الصور والاحوال معنى فى الحكمة، وقال بعضهم: المعنى خلقناهم من الذين يعلمون أو من الخلق أو الجنس الذي يعلمون ويفقهون، وتلزمهم الحجة، ولم يخلقهم من الجنس الذى لا يفقه كالبهائم والطير، وإنما قال {مما يعلمون} فجمع، لأنه قال قبل ذلك {خلقناهم} فجمع {يعلمون} ووجه أخر وهو أنه خلقهم من أجل ما يعلمون من الثواب والعقاب والتكليف للطاعات تعريضاً للثواب، كما يقول القائل: غضبت عليك مما تعلم أى من أجل ما تعلم قال الاعشى: شعر : أأزمعت من آل ليلى ابتكاراً وشطت على ذى هوى أن تزاوا تفسير : على انه لم يزمع من عندهم، وإنما أزمع من أجلهم للمصير اليهم. وقوله {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} قسم من الله تعالى برب المطالع والمغارب، و (لا) مفخمة وقد بينا القول فى ذلك. وقال ابن عباس: الشمس لها ثلثمائة وستون مطلعاً كل يوم مطلع لا تعود اليه إلا إلى قابل. وقوله {إنا لقادرون} جواب القسم وفيه إخبار من الله تعالى بأنه قاد {على أن نبدل} بالكفار {خيراً منهم} فالتبديل تصبير الشيء موضع غيره، بدله تبديلا وأبدله إبدالا، والبدل الكائن فى موضع غيره. وقوله {وما نحن بمسبوقين} عطف على جواب القسم، ومعناه إن هؤلاء الكفار لا يفوتون بأن يتقدموا على وجه يمنع من لحاق العذاب بهم فلم يكونوا سابقين، ولا العقاب مسبوقاً منهم، فالسبق نقدم الشيء في وقت قبل وقت غيره. والتقدير وما نحن بمسبوقين بفوت عقابنا إياهم، وَكأنه لوفاتهم عقابنا لكنا قد سبقنا، وما نحن بمسبوقين. وقيل: معناه وما أهل سلطاننا بمسبوقين. وقيل: وما نحن بمغلوبين بالفوت. ثم قال على وجه التهديد لهم بلفظ الامر للنبي صلى الله عليه وآله {فذرهم} أي اتركهم {يخوضوا ويلعبوا} فان وبال ذلك عائد عليهم والعقاب المستحق على كفرهم حال بهم، واللعب عمل للترويج عن النفس بما هو حقير في العقل، كلعب الصبيان ومن جرى مجراهم من ناقصي العقل، ولا يجوز من الحكيم أن يفعل اللعب لغيره، لانه عمل وضيع في الحكمة {حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون} ومعناه حتى يروا اليوم الذي يوعدون فيه بالعقاب على المعاصي والثواب على الطاعات ثم بين صفة ذلك اليوم، فقال {يوم يخرجون من الأجداث} يعني من القبور وأحدها جدث وجدث. ونصب {سراعاً} على الحال، ومعناه مسرعين {كأنهم إلى نصب يوفضون} شبههم في اسراعهم من قبورهم إلى أرض المحشر بمن نصب له علم أو صنم يستبقون اليه، والايفاض الاسراع أوفض يوفض ايفاضاً إذا أسرع قال رؤبة. شعر : يمشي بنا الجد على أوفاض تفسير : إى على عجلة. والنصب نصب الصنم الذى كانوا يعبدونه. وقيل اسم الصنم نصب وجمعه نصب مثل رهن ورهن - في قول ابي عبيدة - وأنشد الفراء في الايفاض: شعر : لأنعتن نعامة ميفاضا خرجاء ظلت تطلب الافاضا تفسير : فخرجاء ذات لو نبن، ويقال للقميص المرقع برقعة حمراء أخرج، لانه خرج عن لونه، والافاض طلب ملجأ يلجأ اليه، وقال بشر بن ابي حازم: شعر : أهاجك نصب أم بعينك منصب تفسير : وقال الاعشي: شعر : وذا النصب المنصوب لا تنسكنه لعافية والله ربك فاعبدا تفسير : وقوله {خاشعة أبصارهم} أى ذليلة خاضعة {ترهقهم ذلة} أى يغشاهم ويركبهم ذل وصغار وخزي لما يرون نفوسهم مستحقة للعقاب واللعن من الله. ثم قال تعالى {ذلك هو اليوم الذي كانوا يوعدون} به في دار التكليف فلا يصدقون به ويجحدونه، وقد شاهدوه في تلك الحال. وقوله {إنا لقادرون على أن نبدل خيراً منهم} لا يدل على أنه تعالى قادر على ان يبدل بالكفار من هو خيراً منه ولم يخلقهم، فيكون قد أخل بالاصلح لأنه اخبر عن انه قادر على خير منهم وقد خلق قوماً آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وبذلوا نفوسهم وأموالهم.

الجنابذي

تفسير : {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعنى اذا كان هذا حال المنافقين الّذين ادبروا عن الولاية ولم يقبلوها وذلك حال من اقبل على الولاية وباع البيعة الخاصّة فما للّذين كفروا بالولاية؟! فانّ الآية كما فى الاخبار نزلت فى المنافقين الّذين لم يقبلوا ولاية علىٍّ (ع) {قِبَلَكَ} يعنى فما لهم عندك {مُهْطِعِينَ} مسرعين اليك، او مقبلين عليك، او ناظرين اليك.

اطفيش

تفسير : فنزل {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ} جهتك ونحوك وهو ظرف متعلق بما بعده ما مبتدأ استفهامية واللام حرف جر كتبت منفصلة في كتاب عثمان متعلقة بمحذوف. خبر ابو عمرو وقف على ما والكسائي عليها وعلى اللام وجهان والباقون على اللام اتباعاً للرسم. {مُهْطِعِينَ} حال من الذين أي مسرعين مادين اعناقهم وابصارهم اليك وروي انه كان يصلي عند الكعبة احيانا ويقرا القرآن فكان كثير من الكفار يقومون من مجالسهم مسرعين اليه يستمعون قراءته ويقول بعض لبعض شاعر او كاهن أو مفتر وغير ذلك والاستفهام توبيخ وانكار اصابة فعلهم ومتعلق التوبيخ والانكار عدم الانتفاع بما يسمعون واسراعهم للتكذيب لا للايمان.

اطفيش

تفسير : {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ} فى الجهة التى تليك واللام حرف جر كتبت منفصلة فى الأَمام وما مبتدأ استفهامية تعجبية والذين خبر وقبلك ظرف متعلق بمحذوف حال من الذين، {مُهْطِعِين} حال ثانية أو حال من المستتر فى الحال قبله بمعنى مسرعين إِليك ليسمعوا شيئاً يهزءون به ويمنعون من ينضم إِليه فى حاله.

الالوسي

تفسير : {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ } أي في الجهة التي تليك {مُهْطِعِينَ } مسرعين نحوك مادي أعناقهم إليك مقبلين بأبصارهم عليك ليظفروا بما يجعلونه هزؤاً.

ابن عاشور

تفسير : فرع استفهام إنكاري وتعجيبي من تجمع المشركين إلى النبي صلى الله عليه وسلم مستهزئين بما يسمعون من وعد المؤمنين بالجنة ووعيد المشركين بعذاب جهنم. فرع ذلك على ما أفاده في قوله: {أية : أولئك في جنات مكرمون}تفسير : [المعارج: 35]. والمعنى: أن الذين كفروا لا مطمع لهم في دخول الجنة فماذا يحاولون بتجمعهم حولك بملامح استهزائهم. وهذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم فالمقصود به إبلاغه إليهم فيما يتلو عليهم من القرآن فهو موجه إليهم في المعنى كما يدل عليه تنهيته بحرف الردع فهو لا يناسب أن يكون إعلاماً للنبي صلى الله عليه وسلم لذلك لأنه شيء مقرر في علمه. ومعنى {فما للذين كفروا}: أيُّ شيء ثبت للذين كفروا في حال كونهم عندك، أو في حال إهطاعهم إليك. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا }تفسير : في سورة البقرة (246). وتركيب ما لَه لا يخلو من حال مفردة، أو جملة بعد الاستفهام تكون هي مصبَّ الاستفهام. فيجوز أن تكون الحال المتوجه إليها الاستفهام هنا الظرف، أي {قِبَلَك} فيكون ظرفاً مستقراً وصاحب الحال هو {للذين كفروا}. ويجوز أن تكون {مهطعين}، فيكون {قِبَلَك} ظرفاً لغْواً متعلقاً بـ {مهطعين}. وعلى كلا الوجهين هما مثار التعجيب من حالهم فأيهما جعل محل التعجيب أجري الآخَر المُجرى اللائق به في التركيب. وكتب في المصحف اللام الداخلة على {الذين} مفصولة عن مدخولها وهو رسم نادر. والإِهطاع: مد العنق عند السير كما تقدم في قوله تعالى: {أية : مهطعين إلى الداع}تفسير : في سورة القمر (8). قال الواحدي والبغوي وابن عطية وصاحب الكشاف: كان المشركون يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه ويكذبونه ويستهزئون بالمؤمنين، ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم. فأنزل الله هذه الآية. وقِبَل: اسم بمعنى (عند). وتقديم الظرف على {مهطعين} للاهتمام به لأن التعجيب من حالهم في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم أقوى لما فيهم من الوقاحة. وموقع قوله: {عن اليمين وعن الشمال} مثل موقع {قبلك} وموقع {مهطعين}. والمقصود: كثرة الجهات، أي واردين إليك. والتعريف في {اليمين} و {الشمال} تعريف الجنس أو الألف واللام عوض عن المضاف إليه. والمقصود من ذكر اليمين والشمال: الإِحاطة بالجهات فاكتفي بذكر اليمين والشمال، لأنهما الجهتان اللتان يغلب حلولهما، ومثله قول قَطَريّ بن الفُجَاءَةِ:شعر : فلقد أراني للرماح دَريئَةً مِن عَنْ يميني مَرّة وأَمامي تفسير : يريد: من كل جهة. و {عزِين} حال من {الذين كفروا}. و {عزين}: جمع عِزَة بتخفيف الزاي، وهي الفِرقة من النّاس، اسم بوزن فِعْلَة. وأصله عِزوة بوزن كِسوة، وليست بوزن عِدَة. وجرى جمع عِزة على الإِلحاق بجمع المذكر السالم على غير قياس وهو من باب سَنَة من كل اسم ثلاثي حذفت لاَمه وعُوض عنها هاء التأنيث ولم يكسّر مثل عِضَة (للقطعة). وهذا التركيب في قوله تعالى: {فما للذين كفروا قِبَلك مهطعين} إلى قوله {جنة نعيم} يجوز أن يكون استعارة تمثيلية شبه حالهم في إسراعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحال من يُظن بهم الاجتماع لطلب الهدى والتحصيل على المغفرة ليدخلوا الجنة لأن الشأن أن لا يلتف حول النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ طالبوا الاهتداء بهديه. والاستفهام على هذا مستعمل في أصل معناه لأن التمثيلية تجري في مجموع الكلام مع بقاء كلماته على حقائقها. ويجوز أن يكون الكلام استفهاماً مستعملاً في التعجيب من حال إسراعهم ثم تكذيبهم واستهزائهم. وجملة {أيطمع كل امرىء منهم أن يُدخل جنة نعيم} بدل اشتمال عن جملة {فما للذين كفروا قِبلك مهطعين} الآية، لأنّ التفافهم حول النبي صلى الله عليه وسلم شأنه أن يكون لطلب الهدى والنجاة فشبه حالهم بحال طالبي النجاة والهدى فأُورد استفهام عليه. وحكى المفسرون أن المشركين قالوا مستهزئين: نحن ندخل الجنة قبل المسلمين، فجاز أن يكون الاستفهام إنكاراً لتظاهرهم بالطمع في الجنة بحمل استهزائهم على خلاف مرادهم على طريقة الأسلوب الحكيم، أو بالتعبير بفعل {يَطمع} عن التظاهر بالطمع كما في قوله تعالى: {أية : يحذر المنافقون أن تُنزل عليهم سُورة تنبئهم بما في قلوبهم}تفسير : [التوبة: 64] أي يتظاهرون بأنهم يحذرون. وأُسند الطمع إلى {كل امرىء منهم} دون أن يقال: أيطمعون أن يدخلوا الجنة، تصويراً لحالهم بأنها حال جماعة يريد كل واحد منهم أن يدخل الجنة لتساويهم، يرون أنفسهم سواء في ذلك، ففي قوله: {كل امرىء منهم} تقوية التهكم بهم. ثم بني على التهكم ما يبطل ما فرض لحالهم بما بني عليه التمثيل التهكمي بكلمة الردع وهي {كلا} أي لا يكون ذلك. وذلك انتقال من المجاز إلى الحقيقة ومن التهكم بهم إلى توبيخهم دفعاً لتوهم من يتوهم أن الكلام السابق لم يكن تهكماً. وهُنا تمّ الكلام على إثبات الجزاء.

الشنقيطي

تفسير : مهطعين: أي مسرعين نافرين، وعزين جمع عزة، وهم الجماعة، أي ما بال أولئك الكفار المنصرفين عنك متفرقين، وعليه قول الكميت: شعر : ونحن وجندل باغ تركنا كتائب جندل شتى عزين تفسير : وكذلك هنا فهم متفرقون عنه صلى الله عليه وسلم جماعات من كل جهة عن اليمين وعن الشمال. تفرقت بهم الأهواء وأخذتهم الحيرة كقوله تعالى: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ}تفسير : [المدثر: 49-51]. ونقل ابن كثير عن أحمد رحمه الله في أهل الأهواء، فهم مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قبلك مهطعين؟: أي نحوك مديمي النظر إليك. عزين: أي جماعات حلقا حلقا يقولون في استهزاء بالمؤمنين لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلها قبلهم. إنا خلقناهم مما يعلمون: أي من منيّ قذر وإنما يستوجب دخول الجنة بالطاعات المزكية للنفوس. على أن نبدل خيرا منهم: أي إنا لقادرون على أن نهلكهم ونأتي بأناسٍ خير منهم. وما نحن بمسبوقين: أي بعاجزين على إيجاد ما ذكرنا من إهلاك القوم والإِتيان بخير منهم. يوم يخرجون من الأجداث: أي من القبور مسرعين إلى المحشر. سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون: أي كأنهم في إسراعهم إلى المحشر إلى نصب أي شيء منصوب كراية أو علم يسرعون. ترهقهم ذلة: أي تغشاهم ذلة. ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون: أي يوعدون بالعذاب فيه وهو يوم القيامة. معنى الآيات: قوله تعالى فما للذين كفروا قبلك مهطعين يخبر تعالى مقبحا سلوك المشركين إزاء رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول ما للذين كفروا من كفار مكة قبلك أي جهتك حيث كنت في المسجد الحرام مهطعين أو مسرعين مديمي النظر إليك عن اليمين وعن الشمال عزين أي عن يمينك وعن شمالك عزين جمع عزة أي جماعة فهم حلق حلق يستمعون إلى قراءتك بحثا عن كلمة يمكنهم أن يشنعوا بها عليك ويجعلونها مطعنا في دعوتك أي سخرية يسخرون بها وبك ويقولون استهزاء بالمؤمنين لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنها قبلهم فرد تعالى عليهم منكرا طمعهم الفارغ بقوله {أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} أي بستان إكرام وتنعم كلا لن يتم هذا لهم ولن يكون وهم أنجاس الأرواح بالشرك والمعاصي، ولفت النظر إلى أصل الخلقة وهي المنيّ القذر والقذر لا يدخل دار السلام فمن أراد الجنة فليزك نفسه وليطهرها بالإِيمان والعمل الصالح مبعداً لها عما يُدَسّيها من الشرك والمعاصي وهو ما تضمنه قوله تعالى {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} وقوله عز وجل {فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ} أي فلا الأمر كما يتصورون من أنهم لا يبعثون بعد موتهم أقسم برب المشارق الثلاثمائة والستين مشرقا ومغربا حيث الشمس تطلع كل يوم في مطلع وتغرب في آخر لا تعود إليه إلاَّ بعد سنة في مثل ذلك اليوم فأقسم تعالى بنفسه، والمقسم عليه قوله {إِنَّا لَقَٰدِرُونَ} أي على أن نهلكهم ونأتي بخير منهم {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي عاجزين عن ذلك فكيف إذاً لا نعيدهم أحياء بعد موتهم يوم القيامة {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} أي أمر تعالى رسوله أن يتركهم وما يخوضون فيه من اللهو واللعب والباطل في القول والعمل، وهو تهديد خفي لهم {حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ} على ما هم عليه من أدران الشرك وأوضار المعاصي يومهم الذي يوعدون بالعذاب فيه وهو يوم القيامة وشرح حال اليوم فقال يوم يخرجون من الأجداث أي القبور جمع جدث سراعاً أي مسرعين كأنهم إلى نصب أي شيء منصوب من راية أو علم أو تذكار يوفضون أي يحشرون مسرعين حال كون أبصارهم خاشعة أي ذليلة من الفزع والخوف ترهقهم ذلة أي تغشاهم ذلة عجيبة عظيمة. وقوله تعالى {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} أي هذا هو اليوم الذي كانوا يوعدون بالعذاب فيه وهو يوم القيامة الذي أنكروه وكذبوا به ها هو ذا قد حصل فليتجرعوا غصص الندم وألوان العذاب. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان الحال التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة بين ظهراني قريش وما كان يلاقي من أذاهم. 2- بيان أن الجنة تدخل بالطهارة الروحية من قذر الشرك والمعاصي وإلاّ فأصل الناس واحد المنيّ القذر باستثناء آدم وحواء وعيسى فآدم أصله الطين وحواء خلقت من ضلع آدم، وعيسى كان بنفخ روح القدس في كم درع مريم فكان بكلمة الله تعالى ومن عدا الثلاثة فمن ماء مهين ونطفة قذرة. 3- الاستدلال بالنشأة الأولى على إمكان الثانية. 4- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 5- بيان أن حياة أهل الكفر مهما تراءى لهم ولغيرهم أنها حياة مدنية سعيدة لم تَعد كونها باطلا ولهوا ولعباً.

القطان

تفسير : قبلك: بكسر القاف وفتح الباء، نحوك جهتك، في الجهة التي تليك. مهطعين: مسرعين، والفعل أهطع: يأتي بمعنى نظر في ذلٍّ وخشوع، وبمعنى أسرع. عِزين: جماعات مفردها عِزَة بكسر العين وفتح الزاي. بمسبوقين: بمغلوبين. الأجداث: القبور، واحدها جَدَث بفتح الجيم والدال. النصُب: كل ما نصب للعبادة من دون الله، كالأصنام وما شابهها. يوفضون: يسرعون. خاشعة أبصارهم: أبصارهم ذليلة. ترهَقُهم: تغشاهم. ما بالُ هؤلاء الّذين كذّبوا برسالتك مسرِعينَ إليك، يجلِسُون حوالَيْك جماعاتٍ جماعات، ليسمعوا ما تتلوه عليهم من آياتِ الله، ثم يردّدونها فيما بينَهم ساخرين!! ولا يعون ما تُلقيه عليهم من رحمة الله وهدْيه! ومثله قوله تعالى: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر: 49]. ثم بين مآلهم وأنهم لا يدخلون الجنةَ أبداً فقال: {أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ}. أيطمعَ هؤلاء في ان يدخلوا الجنةَ، وقد كذّبوك ايُّها الرسول ولم يؤمنوا برسالتك، وهم معرِضون عن سماع الحق!! كلا: لا مطمعَ لهم في ذلك ولا نصيب. وكيف يطمعون في دخولِ الجنة، وهم يكذّبون بالبعث والجزاء؟ وقد خلقناهم من ماء مهين. ثم أَوعدهم بأنهم إن لم يؤمنوا ويرجعوا عن كفرهم - أهلكَهم واستبدلَ بهم قوماً غيرهم خيراً منهم فقال: {فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ}. لقد أقسَم الله تعالى بربِّ المشارقِ والمغارب (وهي مشارقُ الشمس ومغاربها) وببقية النجوم والكواكب، فهي تُشرق كل يومٍ من مكان، وتغرب كذلك (فمشارقُ الشمس متعدّدة وكذلك مغاربها) إنه لَقادر على ان يُهلكَهم ويأتي بخلْقٍ خيرٍ منهم، وما هو بعاجز عن هذا التبديل. ثم سلّى جلّ جلالُه رسولَه الكريم عما يقولون ويسخرون بأنهم سيلاقون يومهم الذي وعدَهم الله، وهناك سيلقون جزاءهم. في ذلك اليوم يَخرجون من قبورهم مسرعين إلى الداعي كأنهم يهرولون الى النُصُب التي كانوا يعبدونها في الدنيا، ولكنّ حالَهم مختلفٌ، فإنهم يأتون وأبصارُهم خاشعة أذلاَّء تعلو وجوهَهم الكآبة والحزن. {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} ذلك اليوم هو يوم القيامة وما فيه من أهوال عظام هو موعدُهم، وفيه ينالون جزاءَهم، وبئس المصير. قراءات: قرأ حفص وابن عامر: نُصُب بضم النون والصاد. وقرأ الباقون: نَصَب بفتح النون والصاد، وهما لغتان. او ان النصب بضم النون والصاد جمع نصب بفتح النون وسكون الصاد. والله اعلم.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَمَالِ الَّذِينَ} (36) - فَمَا لِهَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ الذِينَ عِنْدَكَ يَا مُحَمَّدُ يَنْطَلِقُونَ نَافِرِينَ مِنْكَ مُسْرِعِينَ؟. قِبَلَكَ - الذِينَ فِي زَمَنِكَ، أَو الذِينَ عِنْدَكَ. مُهْطِعِينَ - مُسْرِعينَ وُهُمْ يَمُدُّونَ أَعْنَاقَهُمْ.

الثعلبي

تفسير : {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ} فما بالهم كقوله سبحانه: {أية : فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} تفسير : [النساء: 88] وقوله سبحانه: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر: 49]. {قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} مقبلين مسرعين عليك مادّي أعناقهم مديمي النظر إليك متطلّعين نحوك. وقد مرّ تفسير الإهطاع وهو نصب على الحال {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ} حلقاً وفرقاً عصبة عصبة وجماعة جماعة متفرقين، والعزين: جماعات في تفرقة، واحدتها عزة ونظيرها في الكلام ثبته وثبتين وكره وكرين وقله وقلين، قال عنترة: شعر : وقرن قد تركت لذي ولي عليه الطير كالعضب العزين تفسير : وقال الراعي: شعر : أخليفة الرحمن إنّ عشيرتي أمسى سوائمهم عزين فلولا تفسير : وقال آخر: شعر : كأن الجماجم من وقعها خناطيل يهون شتى عزينا تفسير : وأخبرني عقيل أن المعافى أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا بكار قال: حدّثنا مؤمل قال: حدّثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم حلق حلق فقال: "ما لي أراكم عزين ". تفسير : قال المفسّرون: كان المشركون يجتمعون حول النبيّ صلى الله عليه وسلم ويتسمعون كلامه ولا ينتفعون به، بل يكذبونه ويكذبون عليه ويستهزؤون به وبأصحابه، ويقولون: دخل هؤلاء الجنّة كما يقول محمد، فلندخلها قبلهم وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم فأنزل الله سبحانه: {أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} قرأ الحسن وطلحة بفتح الياء وضم الخاء، ومثله روى المفضل عن عاصم، الباقون ضده {كَلاَّ} لايدخلونها ثمّ ابتدأ فقال: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} أي من نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة فلا يستوجب الجنّة أحد منهم بكونه شريفاً؛ لأنّ مادة الخلق واحدة بل يستوجبونها بالطاعة، قال قتادة في هذه: إنّما خلقت يابن آدم من قذر فاتق إلى الله. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن برزة قال: حدّثنا محمد بن سليمان ابن الحرث الباغندي قال: حدّثنا عارم أبو النعمين السدوسي، قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك، قال: كان أبو بكر الصديق إذا خطبنا ذكر مناتن ابن آدم فذكر بدء خلقه أنّه يخرج من مخرج البول مرتين، ثمّ يقع في الرحم نطفة، ثمّ علقة، ثمّ مضغة، ثمّ يخرج من بطن أمه فيتلوث في بوله وخراه حتّى يقذر أحدنا نفسه. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد بن عليّ، قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير عن بسر بن جحاش قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبصق يوماً في كفه ووضع عليها أصبعه فقال: "يقول عزّوجلّ بني آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتّى إذا سوّيتك وعدّلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتّى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدّق وأنى أوان الصدقة ". تفسير : وقيل: إنّا خلقناهم من أجل ما يعلمون وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب فحذف أجل، كقول الشاعر: شعر : أأزمعت من آل ليلى احتكاراً وشطّت على ذي هوى أن تزارا تفسير : أي من أجل آل ليلى. وقيل: {مَآ} بمعنى من، مجازه: إنا خلقناهم ممن يعلمون ويعقلون لا كلبهائم. {فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ} قرأ أبو حيوة برب المشرق والمغرب {إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} نظيره في سورة الواقعة. {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ} في باطلهم {وَيَلْعَبُواْ} ويلهوا في دنياهم {حَتَّىٰ يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} نسختها آية القتال {يَوْمَ يَخْرُجُونَ} قراءة العامّة بفتح الياء وضم الراء، وروى الأعشى عن أبي بكر عن عاصم بضم الياء وفتح الراء {مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} القبور {سِرَاعاً} إلى إجابة الداعي {كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ} قراءة العامّة بفتح النون وجزم الصاد يعنون إلى شيء منصوب، يقال: فلان نصب عيني. قال ابن عباس: يعني إلى غاية وذلك حين سمعوا الصيحة الأخيرة. الكلبي: إلى علم وزواية، وقال أبو العلاء: سمعت بعض العرب يقول: النصب الشبكة التي يقع فيها الصيد فيتسارع إليها صاحبها مخافة أن يفلت الصيد منها، وقرأ زيد بن ثابت وأبو رجاء وأبو العالية ومسلم البطين والحسن وأشهب العقيلي وابن عامر {إِلَىٰ نُصُبٍ} بضم النون والصاد، وهي رواية حفص عن عاصم واختيار أبي حاتم. قال مقاتل والكسائي: يعني إلى أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. وقال الفراء والأخفش: النُصُب جمع النُصْب مثل رُهُن، والأنصاب جمع النُصُب فهي جمع الجمع. وقيل: النُصُب والأنصاب واحد. {يُوفِضُونَ} يسرعون. قال الشاعر: شعر : فوارس ذبيان تحت الحديد كالجن يوفضن من عبقر تفسير : وقال ابن عباس وقتادة: يسعون، وقال أبو العالية ومجاهد: يستبقون، ضحاك: يطلعون. الحسن يبتدرون. القرظي يشتدون {خَاشِعَةً} ذليلة خاضعة {أَبْصَارُهُمْ} بالعذاب، قال قتادة: سواد الوجوه {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} يغشاهم هوان، ومنه غلام مراهق إذا غشى الإحتلام {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} وهو يوم القيامة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} معناه مُسرعونَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى، مبينا اغترار الكافرين: { فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ } أي: مسرعين. { عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ } أي: قطعا متفرقة وجماعات متوزعة، كل منهم بما لديه فرح. { أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ } بأي: سبب أطمعهم، وهم لم يقدموا سوى الكفر، والجحود برب العالمين، ولهذا قال: { كلا } [أي:] ليس الأمر بأمانيهم ولا إدراك ما يشتهون بقوتهم. { إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ } أي: من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب، فهم ضعفاء، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.