Verse. 5427 (AR)

٧١ - نُوح

71 - Nouh (AR)

ثُمَّ اِنِّىْ دَعَوْتُہُمْ جِہَارًا۝۸ۙ
Thumma innee daAAawtuhum jiharan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم إني دعوتهم جهارا» أي بأعلى صوتي.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن هذه الآيات تدل على أن مراتب دعوته كانت ثلاثة، فبدأ بالمناصحة في السر، فعاملوه بالأمور الأربعة، ثم ثنى بالمجاهرة، فلما لم يؤثر جمع بين الإعلان والإسرار، وكلمة {ثُمَّ } دالة على تراخي بعض هذه المراتب عن بعض إما بحسب الزمان، أو بحسب الرتبة، لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الإسرار والجهار أغلظ من الجهار وحده، فإن قيل: بم انتصب {جِهَـٰراً }؟ قلنا: فيه وجوه أحدها: أنه منصوب بدعوتهم نصب المصدر، لأن الدعاء أحد نوعيه الجهار، فنصب به نصب القرفصاء بقعد لكونها أحد أنواع القعود وثانيها: أنه أريد بدعوتهم جاهرتهم وثالثها: أن يكون صفة لمصدر دعا بمعنى دعاء جهاراً، أي مجاهراً به ورابعها: أن يكون مصدراً في موضع الحال أي مجاهراً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً} أي مُظْهراً لهم الدعوة. وهو منصوب بـ«ـدعوتهم» نصب المصدر، لأن الدعاء أحد نوعيه الجهار، فنصب به نصب القرفصاء بقعد، لكونها أحد أنواع القعود، أو لأنه أراد بـ«ـدَعَوْتُهُمْ» جاهرتهم. ويجوز أن يكون صفة لمصدر دعاء، أي دعاء جهاراً، أي مجاهراً به. ويكون مصدراً في موضع الحال، أي دعوتهم مجاهراً لهم بالدعوة. {ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} أي لم أبق مجهوداً. وقال مجاهد: معنى أعلنت: صحت، «وأسررت لهم إسراراً». بالدعاء عن بعضهم من بعض. وقيل: {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ} أتيتهم في منازلهم. وكل هذا من نوح عليه السلام مبالغة في الدعاء لهم، وتلطُّف في الاستدعاء. وفتح الياء من {إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ} الحرميّون وأبو عمرو. وأسكن الباقون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً } أي بأعلى صوتي.

ابن عبد السلام

تفسير : {جِهَاراً} مجاهرة يرى بعضهم بعضاً.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر دعاءه في جميع الأوقات مع إعراضهم، وكان هذا مؤيساً وموجباً للإقلاع عن الدعاء، وإن وجد الدعاء بعده في غاية البعد منه على إيجاده مع الاستغراق به لجميع الحالات كما استغرق جميع الأوقات، فعبر بأداة التراخي للدلالة على تباعد الأحوال فقال: {ثم} وأكد لنحو ما مضى من أن تجرد إقبالهم على دعائهم بعد ذلك لا يكاد يصدق فضلاً عن الإكثار منه فقال: {إني دعوتهم} أي إلى الإيمان ومنابذة الشيطان. ولما كان الجهر أحد نوعي الدعاء، نصبه به نصب المصدر فقال: {جهاراً *} أي مكاشفة في فخامة الصوت والتعميم لجماعتهم جليلهم وحقيرهم والإخلاص في ذلك والمداومة له حتى كاد بصري يكل من شدة التحديث إليهم والإقبال عليهم من غير احتجاب عنهم ولا ارتقاب منهم بل مباغتة، وكررت ذلك عليهم حتى أخرجت ما عندهم من الجواب، ولم أكف عند سد آذانهم واستغشائهم ثيابهم. ولما كان الجهر قد لا يشيع ولا ينشر في جماعاتهم، قال مشيراً إلى أنه أذاع ذلك، وأكد للإشارة إلى ما فيه من الشدة فقال: {ثم إني أعلنت} أي أظهرت وأشعت وشهرت ليعلموا أنه الحق من ربهم لكوني لست مستحيياً منه ولا مستهجناً له {لهم} أي خصصتهم بذلك، لم يكن فيه حظ نفس بوجه فإني كررت ذلك عليهم بعد أن سقط الوجوب عني، ولما قدم الجهر لأنه أقرب إلى عدم الاتهام، وكان السر أجدر بمعرفة الضمائر وأقرب إلى الاستمالة، أتبعه به فقال: {وأسررت لهم} أي دعوت كل واحد منهم على انفراده ليكون أدعى له وأجدر بقبوله النصيحة، وأدل على الإخلاص، وكل ذلك ما فعلته إلا لأجل نصيحتهم، لا حظ لي أنا في ذلك، ولما كان تحين الإنسان ليكون وحده ليس عنده أحد ولا هو مشتغل بصارف مما يعسر جداً فلا يكاد يصدق أكده فقال: {إسراراً *} وليدل بتأكيده على تأكيد ما قبله من الأفعال، والظاهر من حاله ومن هذا الترتيب مما صرح به من الاجتهاد أنه سار فيه على مقتضى الحكمة، فدعا أولاً أقرب الناس إليه وأشدهم به إلفاً، ثم انتقل إلى من بعدهم حتى عمهم الدعاء، وكانت هذه الدعوة سراً كل واحد منهم على حدته ليعلموا نصحه ولا يحمل أحد منهم ذلك على تبكيت ولا تقريع، جهر ليعلموا أنه ملجأ من الله إلى ذلك، وأنها عزمة إن قصروا فيها عن الأجابة عوقبوا، فلما أصروا جمع بين السر والعلن، فلما تمادوا وطال الأذى شكى، وعلى هذا فثم لبعد الرتب لا للترتيب في الزمان، ويمكن كونها للترتيب لأن الجهر أبعد عن الاتهام ثم الإعلان بعده أزيد بعداً. ولما أخبر بأنه بالغ في الدعوة إلى حد لا مزيد عليه، فلم يدع من الأوقات ولا من الأحوال شيئاً، سبب عنه بيان ما قال في دعوته وهو التسبب في السعادة كلها بدفع المضار وجلب المسار، فقال مقدماً لطلب الغفران بالتوبة عن الكفر ليظهروا فيكونوا قابلين للتحلية بالمحاسن الدينية بعد التخلية عن الأخلاق الدنية: {فقلت} أي في دعائي لهم: {استغفروا ربكم} أي اطلبوا من المحسن إليكم، المبدع لكم، المدبر لأموركم، أن يمحو ذنوبكم أعيانها وآثارها، بالرجوع عن عبادة غيره إلى الإخلاص في عبادته. ولما ذكر أنه استعطفهم أولاً ببيان أن رجوعهم ممكن، لئلا يقولوا: إنا قد بالغنا في المعاصي فلا نقبل، وأعلمهم أن الاستغفار باب الدخول إلى طاعة الجبار، أكد ذلك الاستعطاف بقوله معللاً للأمر ولجوابه بنحو: يغفر لكم، مؤكداً لأجل توقفهم: {إنه كان} أي أزلاً وأبداً ودائماً سرمداً {غفاراً *} أي متصفاً بصفة الستر على من رجع إليه على أبلغ الوجوه وأعلاها، وإذا وقع الغفران دفع المضار كلها. ولما قرر أمر التوبة وبين قبولها وقدمه اهتماماً به لأنه أصل ما يبتنى عليه، ولأن التخلي قبل التحلي، ودرء المفاسد قبل جلب المصالح والفوائد، رغب فيها بما يكون عنها من الزيادة في الإحسان على أصل القبول، وينشأ عن الاستغفار من الآثار الكبار من الأفضال بجلب المسار بما هو مثال للجنة التي كان سبب الإخراج منها النسيان لأنهم أحب شيء في الأرباح الحاضرة والفوائد العاجلة لا سيما بما يبهج النفوس ويشرح الصدور لإذهابه البؤس، فقال مجيباً لفعل الأمر: {يرسل السماء} أي المظلة الخضراء أو السحاب أو المطر {عليكم} أي بالمطر وأنواع البركات {مدراراً *} أي حال كونها كثيرة الدورة متكررته، وهذا البناء يستوي فيه المذكر والمؤنث {ويمددكم} أظهر لأن الموضع لإرادة المبالغة والبسط والسعة {بأموال وبنين} وذلك يفهم أن من اكثر الاستغفار حباه الله ما يسره، وحماه ما يضره {ويجعل لكم} أي في الدارين {جنات} أي بساتين عظيمة، وأعاد العامل للتأكيد والبسط لأن المقام له فقال: {ويجعل لكم أنهاراً *} يخصكم بذلك عمن لم يفعل ذلك، فإن من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، روى أن عمر رضي الله عنه استسقى فلم يزد على الاستغفار فلما نزل قيل: يا أمير المؤمنين! ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي بها يستنزل القطر، ثم قرأ هذه الآية، وقال القشيري: من وقعت له إلى الله حاجة فلن يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار، وقال: إن عمل قوم نوح كان بضد ذلك، كلما ازداد نوح في الضمان ووجوه الخير والإحسان ازدادوا في الكفر والنسيان. ولما كان من رجا ملكاً عمل بما يرضيه. ومن خافة تجنب ما يسخطه، نبههم على ذلك بالإشارة إلى الجلال الموجب للتوقير والجمال بالإحسان إلى الخلق، مصرحاً لهم بالترغيب ملوحاً إلى الترهيب، فقال مستأنفاً في جواب من يقول منهم: هل بقي شيء من قولك؟: {ما} أي أيّ شيء يحصل {لكم} حال كونكم {لا ترجون} أي تكونون في وقت من الأوقات على حال تؤملون بها، وبين فاعل الوقار ومبدعه بتقديمه، فإنه لو أخره لكان لـ"وقاراً" فقال: {لله} أي الملك الذي له الأمر كله {وقاراً *} أي ثواباً يوقركم فيه ولو قل، فإن قليله أكثر من كثير غيره، ولا تخافون له إهانة بالعقاب بأن تعلموا أنه لا بد من أن يحاسبكم بعد البعث فيثيب الطائع ويعاقب العاصي، كما هي عادة كل أحد مع من تحت يده، فتوقروا رسله بتصديقهم فتؤمنوا وتعملوا، فإن من أراد من أحد أنه يوقره وقره وعظمه ليجازيه على ذلك، فإن الجزاء من جنس العمل، وذلك إنما يكون بمعرفة الله بما له من الجلال والجمال، والخلق إنما تفاضلوا بالمعرفة بالله، لا بالأعمال، إنما سبق أبو بكر رضي الله عنه الناس بشيء وقر في صدره، فإن بالمعرفة تزكو الأعمال وتصلح الأقوال، وإنما يصح تعظيمه سبحانه بأن لا ترى لك عليه حقاً، ولا تنازع له اختياراً، وتعظم أمره ونهيه، بعدم المعارضة بترخيص جاف أو تشديد غال أو حمل على توهم الانقياد، وتعظم حكمه بأن لا تبغي له عوجاً ولا تدافعه بعلم، ولا ينبغي له غرض وعلة، ولأجل أن المطلوب تحصيل الأعمال التي هي أسباب ظاهرية، عبر بالرجاء ليسرهم بأن أعمالهم مؤثرة، وعبر بالطمع في غير هذه الآية تنبيهاً على أنه لا سبب في الحقيقة إلا رحمة الله لحال دعاء إلى ذلك.

القشيري

تفسير : ليعلمَ العالِمون: أَنًَّ الاستغفار قَرْعُ أبوابِ النعمة، فمن وقعت له إلى اللَّهِ حاجةُ فلن يَصِلَ إلى مرادِه إلاّ بتقديم الاستغفار. ويقال: مَنْ أراد التَّفَضُّل فعليه بالعُذْرِ والتنصُّل. قوله: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ}: كان نوح عليه السلام كلمّا ازداد في بيان وجوه الخير والإحسان زادوا هم في الكفر والنسيان.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم انى دعوتهم} دعوة {جهارا} اى اظهرت لهم الدعوة يعنى آشكارا در محافل ايشان. والجهر ظهور الشئ بافراط لحاسة البصر أو حاسة السمع.

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً} تفصيل لدعائه ليلاً ونهاراً ولذلك عطف بثمّ، وجهاراً مفعول مطلق نوعىّ من غير لفظ الفعل.

الهواري

تفسير : قال تعالى: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً} أي مجاهرة {ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُم إِسْرَاراً} [أي: خلطت دعاءهم في العلانية بدعاء السرّ] {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} أي: من شرككم وآمنوا به {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} أي: لمن تاب {يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} أي: تدرّ عليكم بالمطر. ذكروا عن الأعمش عن رجل عن عبد الله بن مسعود قال: يحمل السحاب الماءَ ثم يرسل الله الريح فتمري السحاب كما تُمرَى اللقحة حتى تدرّ ثم تمطر. قال تعالى: {وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} [قيل إنهم قد أجابوا فأعلمهم أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا]. قال تعالى: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} أي: لا تخافون لله عظمة وتفسير مجاهد: لا تبالون لله عظمة. {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} أي: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظماً، ثم لحماً. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} أي: بعضها فوق بعض؛ وبين كل سماءين مسيرة خمسائة عام. وقال تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} أي: لأهل الارض. ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: الشمس والقمر وجوههما إلى السماء وأقفيتهما إلى الأرض يضيئان في السماء كما يضيئان في الأرض، ثم تلا هذه الآية: {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً...} الآية. قال تعالى: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً} ذكروا عن يزيد بن حفص قال: قلت لعبد الله بن عمر: ما بال الشمس تصلانا أحياناً وتبرد أحياناً؟ قال: أما في الصيف فهي في السماء الخامسة، وأما في الشتاء فهي في السماء السابعة. قلت ما كنا نراه إلا في هذه السماء الدنيا. قال: لو كانت في السماء الدنيا لم يقم لها شيء. والذي في أيدينا أنها تُدنَى في الشتاء لأهل الأرض فينتفعون بها، وترفع في الصيف لكي لا يتأذوا بها. ذكروا أن الشمس والقمر والنجوم ليس شيء منها لازقاً بالسماء، وأنها تجري في فلك دون السماء، وهو تفسير الحسن. وقال: مثل الطاحونة دون السماء. ولو كانت ملتزقة لم تجر.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتَهُمْ جِهَاراً} مفعول مطلق مؤكد على ان دعوتهم مستعمل في معنى جاهرتهم او نوعي على ابقاء الدعاء على اصله أي دعاء جهارا فحذف المضاف أو دعاء جهارا فحذف المنعوت أي مجهارا به لفتح الهاء او ذا جهار او حال أي مجاهرا بكسرها او ذا جهار والجهار مصدر جاهر وهو اعلاء الصوت وكذا الاعلان ولكن عطف عليه بثم لانه دعاهم بالجهر مدة ما شاء الله. وبعد ذلك جمع بينه وبين الاسرار كما قال.

اطفيش

تفسير : هذا تعميم لوجوه الدعوة وقوله ليلاً ونهاراً تعميم للأَوقات، وثم للتراخى الرتبى فى الموضعين فإِن الجهار أشد من الإِسرار وأغلظ والجمع بينهما أغلظ من الإِفراد أو للتراخى الزمانى على الأَصل باعتبار مبدأ كل من الإِسرار والجهار ومنتهاه وباعتبار منتهى الجمع بينهما لئلا ينافى عموم الأَوقات المذكورة وقد قدم لهم الإِسرار لأَنه أجلب فالحاصل تقدم الإِسرار ويليه الجهار ثم الجمع بينهما فى مقام واحد فلا تكرار بين الجهار والإِعلان والجهار مصدر جاهر والنصب على المفعولية المطلقة لأَن الجهار نوع من الدعاء كقعدت القرفصاء أو لأَن دعوتهم مستعمل فى معنى جاهرتهم كقمت وقوفاً أو لتقدير مضاف أى دعاء جهار والجهار يستعمل فى الدعاء وغيره أو حال لتأَويله باسم الفاعل أى مجاهر أو لتقدير مضاف أى مصاحب جهار أو مبالغة كأَنه نفس الجهار وفى لفظ الجهار مفاعلة فهو يجهر لهم بالدعاء وهم يجهرون له بالرد والإِنكار.

الالوسي

تفسير : أي دعوتهم مرة بعد مرة وكرة غب كرة على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة وهو تعميم لوجوه الدعوة بعد تعميم الأوقات وقوله {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً} يشعر بمسبوقية الجهر بالسر وهو الأليق بمن همه الإجابة لأنه أقرب إليها لما فيه من اللطف بالمدعو فثم لتفاوت الوجوه وإن الجهار أشد من الإسرار والجمع بينهما أغلظ من الإفراد. وقال بعض الأجلة ليس في النظم الجليل ما يقتضي أن الدعوة الأولى كانت سراً فقط فكأنه أخذ ذلك من المقابلة ومن تقديم قوله {أية : لَيْلاً}تفسير : [نوح: 5] وذكرهم بعنوان قومه وقوله {أية : فِرَاراً}تفسير : [نوح: 6] فإن القرب ملائم له. وجوز كون (ثم) على معناها الحقيقي وهو التراخي الزماني لكنه باعتبار مبدأ كل من الإسرار والجهار ومنتهاه وباعتبار منتهى الجمع بينهما لئلا ينافي عموم الأوقات السابق ويحسن اعتبار ذلك وإن اعتبر عمومها عرفياً كما في «لا يضع العصا عن عاتقه». و{جِهَاراً} منصوب بدعوتهم على المصدرية لأنه أحد نوعي الدعاء كما نصب القرفصاء في قعدت القرفصاء عليها لأنها أحد أنواع القعود أو أريد بدعوتهم جاهرتهم أو صفة لمصدر محذوف أي دعوتهم دعاء جهاراً أي مجاهراً - بفتح الهاء - به أو مصدر في موقع الحال أي مجاهراً بزنة اسم الفاعل.

ابن عاشور

تفسير : ارتقى في شكواه واعتذاره بأنَّ دعوته كانت مختلفة الحالات في القول من جهر وإسرار، فعَطْف الكلام بـ {ثم} التي تفيد في عطفها الجمل أن مضمون الجملة المعطوفة أهم من مضمون المعطوف عليها، لأن اختلاف كيفية الدعوة ألصق بالدعوة من أوقات إلقائها لأن الحالة أشد ملابسة بصاحبها مِن ملابسة زمانه. فذَكَر أنه دعاهم جهاراً، أي علناً. وجِهار: اسم مصدر جهر، وهو هنا وصف لمصدر {دَعَوْتُهم}، أي دعوةً جهاراً. وارتقى فذكر أنه جمع بين الجهر والإِسرار لأن الجمع بين الحالتين أقوى في الدعوة وأغلظ من إفراد إحداهما. فقوله: {أعلنت لهم} تأكيد لقوله: {دعوتهم جهاراً} ذكر ليبنى عليه عطف {وأسررت لهم إسراراً}. والمعنى: أنه توخى ما يظنه أوْغَل إلى قلوبهم من صفات الدعوة، فجهر حين يكون الجهر أجدى مثلُ مجامع العامة، وأسَرَّ للذين يظنهم متجنبين لَوْم قومهم عليهم في التصدّي لسماع دعوته وبذلك تكون ضمائر الغيبة في قوله {دعوتهم}، وقوله: {أعلنت لهم وأسررت لهم} موزعة على مختلفِ الناس. وانتصب {جهاراً} بالنيابة عن المفعول المطلق المبيّن لنوع الدعوة. وانتصب {إسراراً} على أنه مفعول مطلق مفيد للتوكيد، أي إسراراً خفياً. ووجه توكيد الإسرار أن إسرار الدعوة كان في حال دعوته سادتهم وقادتهم لأنهم يمتعضون من إعلان دعوتهم بمسمع من أتباعهم. وفصَّل دعوته بفاء التفريع فقال {فقلت استغفروا ربكم} فهذا القول هو الذي قاله لهم ليلاً ونهاراً وجهاراً وإسراراً. ومعنى {استغفروا ربكم}، ءامنوا إيماناً يكون استغفاراً لذنبكم فإنكم إن فعلتم غفر الله لكم. وعلّل ذلك لهم بأن الله موصوف بالغفران صفة ثابتة تعهد الله بها لعباده المستغفرين، فأفاد التعليل بحرف (إنَّ) وأفاد ثبوت الصفة لله بذكر فعل {كان} وأفاد كمال غفرانه بصيغة المبالغة بقوله {غفّاراً}. وهذا وعد بخير الآخرة ورتب عليه وعداً بخير الدنيا بطريق جواب الأمر، وهو {يُرسل السماء عليكم} الآية. وكانوا أهل فلاحة فوعدهم بنزول المطر الذي به السلامة من القحط وبالزيادة في الأموال. و {السماء}: هنا المطر، ومن أسماء المطر السماء. وفي حديث «الموطأ» و «الصحيحين» حديث : عن زيد بن خالد الجهني: أنه قال: "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحُدَيْبِيَة على إِثْر سَمَاءٍ كانت من الليْل"تفسير : الحديث. وقال معاوية بن مالك بن جعفر: شعر : إذا نزل السماءُ بأرض قوم رَعَيْنَاهُ وإن كانوا غِضابا تفسير : والمدرار: الكثيرة الدُّر والدُّرور، وهو السيلان، يُقال: درت السماء بالمطر، وسماء مدرار. ومعنى ذلك: أن يَتْبع بعض الأمطار بعضاً. ومِدرار، زنة مبالغة، وهذا الوزن لا تلحقه علامة التأنيث إلاّ نادراً كما في قول سهل بن مالك الفزاري:شعر : أصبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَة تفسير : فلذلك لم تلحق التاء هنا مع أن اسم السماء مؤنث. والإِرسال: مستعار للإِيصال والإِعطاء، وتعديته بـ {عليكم} لأنه إيصال من علوّ كقوله: {أية : وأرسل عليهم طيراً أبابيل}تفسير : [الفيل: 3]. و {أموال}: جمع مال وهو يشمل كل مكسب يبذله المرء في اقتناء ما يحتاج إليه. والمراد بالجنات في قوله: {ويجعل لكم جنات} النخيل والأعناب، لأن الجنات تحتاج إلى السقي. وإعادة فعل يَجْعل بعد واو العطف في قوله: {ويجعل لكم أنهاراً} للتوكيد اهتماماً بشأن المعطوف لأن الأنهار قوام الجنات وتسقي المزارع والأنعام. وفي هذا دلالة على أن الله يجازي عباده الصالحين بطيب العيش قال تعالى: {أية : مَن عمِل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنُحْيِيَنَّه حياة طيبة}تفسير : [النحل: 97] وقال {أية : ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض} تفسير : [الأعراف: 96] وقال: {أية : وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً}تفسير : [الجنّ: 16].

د. أسعد حومد

تفسير : (8) - وَقَدْ كُنْتُ أَدْعُوهُمْ إِلَى الإِيْمَانِ بِكَ يَا رَبِّ، جِهَاراً وَعَلاَنِيَةًً.