٧١ - نُوح
71 - Nouh (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {وَإِنّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ }. اعلم أن نوحاً عليه السلام إنما دعاهم إلى العبادة والتقوى والطاعة لأجل أن يغفر لهم، فإن المقصود الأول هو حصول المغفرة، وأما الطاعة فهي إنما طلبت ليتوسل بها إلى تحصيل المغفرة، ولذلك لما أمرهم بالعبادة قال: {أية : يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } تفسير : [نوح: 4] فلما كان المطلوب الأول من الدعوة حصول المغفرة لا جرم قال: {وَإِنّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ } واعلم أنه عليه السلام لما دعاهم عاملوه بأشياء: أولها: قوله: {جَعَلُواْ أَصَـٰبِعَهُمْ فِى ءاذٰنِهِمْ } والمعنى أنهم بلغوا في التقليد إلى حيث جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا الحجة والبينة. وثانيها: قوله: {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ } أي تغطوا بها، إما لأجل أن لا يبصروا وجهه كأنهم لم يجوزوا أن يسمعوا كلامه، ولا أن يروا وجهه. وإما لأجل المبالغة في أن لا يسمعوا، فإنهم إذا جعلوا أصابعهم في آذانهم، ثم استغشوا ثيابهم مع ذلك، صار المانع من السماع أقوى. وثالثها: قوله: {وَأَصَرُّواْ } والمعنى أنهم أصروا على مذهبهم، أو على إعراضهم عن سماع دعوة الحق. ورابعها: قوله: {وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً } أي عظيماً بالغاً إلى النهاية القصوى.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ} أي إلى سبب المغفرة، وهي الإيمان بك والطاعة لك. {جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ} لئلا يسمعوا دعائي {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} أي غطّوا بها وجوههم لئلا يروه. وقال ابن عباس: جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامه. فاستغشاءُ الثياب إذاً زيادة في سدّ الآذان حتى لا يسمعوا، أو لتنكيرهم أنفسهم حتى يسكت، أو ليعرّفوه إعراضهم عنه. وقيل: هو كناية عن العداوة. يقال: لبس لي فلان ثياب العداوة. {وَأَصَرُّواْ} أي على الكفر فلم يتوبوا. {وَٱسْتَكْبَرُواْ} عن قبول الحق، لأنهم قالوا: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} تفسير : [الشعراء:111]. {ٱسْتِكْبَاراً} تفخيم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَٰبِعَهُمْ فِى ءَاذانِهِمْ } لئلا يسمعوا كلامي {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ } غطوا رؤوسهم بها لئلا ينظروني {وَأَصَرُّواْ } على كفرهم {وَٱسْتَكْبَرُواْ } تكبروا عن الإِيمان {ٱسْتِكْبَاراً }.
ابن عبد السلام
تفسير : {كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ} إلى الإيمان {لِتَغْفِرَ لَهُمْ} ما تقدم من الشرك سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ليوئسوه من إجابة ما لم يسمعوه وكان حليماً صبوراً {وَأَصَرُّواْ} أقاموا على الكفر أو الإصرار تعمد الذنب "ح" أو سكتوا على ذنوبهم فلم يستغفروا {وَاسْتَكْبَرُواْ} بترك التوبة "ع" أو بكفرهم بالله تعالى وتكذيبهم نوحاً عليه الصلاة والسلام.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً}[7] قال: الإصرار على الذنب يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، والتخطي في الباطل يورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. قيل: وما علامة المنافق؟ قال: يبصر الشيء عند مذكراته، فإذا قام من عنده كأنه لم يخطر على قلبه، قال الله تعالى: {أية : كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} تفسير : [البقرة:20].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً} [الآية: 7]. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار والاستكبار يورث الجهل والجهل يورث التخطى فى الباطل والتخطى فى الباطل يورث قساوة القلب وقساوة القلب تورث النفاق والنفاق يورث الكفر. قال بعضهم الإصرار هو المقام على الذنب من غير ندم ولا توبة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً} من اصر على المعصية ورثه التمادى فى الضلالة حتى يرى قبيح اعماله مستحسنا فاذا رأه مستحسنا يستكبر ويعلو بذلك على اولياء الله ولا يقبل بعد ذلك نصيحتهم اقل سهل الاصرار على الذنوب يورث الاستكبار والاستكبار يورث الجهل والجهل يورث التخطى فى الباطل والتخطى فى الباطل يورث قساوة القلب وقساوة القلب يورث النفاق والنفاق يورث الكفر.
اسماعيل حقي
تفسير : {وانى كلما دعوتهم} اى الى الايمان وفى التأويلات النجمية كلما دعوتهم بلسان الامر مجردا عن انضام الارادة الموجبة لوقوع المأمور فان الامر اذا كان مجردا عن الارادة لا يجب ان يقع المأمور به بخلاف ما اذا كان مقرونا بالارادة فانه لا بد حينئذ من وقوع المأمور به {لتغفر لهم} بسببه {جعلوا اصابعهم فى آذانهم} اى سدوا مسامعهم من استماع الدعوة فالجعل المذكور كناية عن هذا السد ولا مانع من الحمل على حقيقته بأن يدخلوا اصابعهم فى ثقب آذانهم قصدا الى عدم الاستماع {واستغشوا ثيابهم} الاستغشاء جامه بسر در كشيدن. كما فى تاج المصادر مأخوذ من الغشاء وهو الغطاء وفى الاصل اشتمال من فوق ولما كان فيه معنى الستر استعمل بمعناه واصل الاستغشاء طلب الغشى اى الستر لكن معنى الطلب هنا ليس بمقصود بل هو بمعنى التغطى والستر وانما جيئ بصيغته التى هى السين للمبالغة والثياب جمع ثوب سمى به لثوب الغزل اى رجوعه الى الحالة التى قدر لها والمعنى وبالغوا فى التغطى بثيابهم كأنهم طلبوا منها ان تغشاهم اى جميع اجزآء بدنهم آلة الابصار وغيرها لئلا يبصروه كراهة النظر اليه فان المبطل يكره رؤية المحق للتضاد الواقع بينهما وقس عليهما المتكبر والكافر والمبتدع بالنسبة الى المتواضع والمؤمن والسنى اولئلا يعرفهم فيدعوهم. يقول الفقير هذا الثانى ليس بشئ لان دعوته على ما سبق كانت عامة لجميع من فى الارض ذكورهم واناثهم والمعرفة ليست من شرط الدعوة واشتباه الكافر بالمؤمن مدفوع بأن المؤمن كان اقل القليل معلوما على كل حال على ان التغطى من موجبات الدعوة لان بذلك يعلم كونه من اهل الفرار اذ لم يكن فى ذلك الزمان حجاب وقال بعضهم ويجوز ان يكون التغطى مجازا عن عدم ميلهم الى الاستماع والقبول بالكلية لان من هذا شأنه لا يسمع كلامه غيره {وأصروا} اى اكبوا واقاموا على الكفر والمعاصى وفى قول القلوب الاصرار يكون بمعنى ان يعقد بقلبه انه متى قدر على الذنب فعله اولا يعقد الند ولا التوبة منه واكبر الاصرار السعى فى طلب الاوزار (وفى تاج المصادر) الاصرار برجيزى باستادن وكوش راست كردن است. يقال اصر الحمار على العانة وهى القطيع من حمر الوحش اذا ضم اذنيه الى رأسه واقبل عليها يكدمها ويطردها استعير للاقبال على الكفر والمعاصى والاكباب عليهما بتشبيه الاقبال المذكور باصرار الحمار على العانة يكدمها ويطردها ولو لم يكن فى ارتكاب المعاصى الا التشبيه بالحمار لكفى به مزجرة فكيف والتشبيه فى سوء حاله وهو حال الكدم والطرد للسفاد {واستكبروا} تعظموا عن اتباعى وطاعتى واخذتهم العزة فى ذلك {استكبارا} شديدا لانهم قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون قال بعض العارفين من اصر على المعصية اورثته التمادى فى الضلالة حتى يرى قبيح اعماله حسنا فاذا رآه حسنا يتكبر ويعلو بذلك على اولياء الله ولا يقبل بعد ذلك نصيحتهم قال سهل قدس سره الاصرار على الذنب يورث النفاق والنفاق يورث الكفر.
الطوسي
تفسير : لما حكى الله تعالى عن نوح أنه قال يا رب اني دعوت قومي الى طاعتك ليلا ونهاراً فلم يزدادوا عند دعائي إلا بعداً عن القبول قال {وإني كلما دعوتهم} إلى اخلاص عبادتك {لتغفر لهم} معاصيهم جزاء على ذلك {جعلوا أصابعهم في آذانهم} لئلا يسمعوا كلامي ودعائي {واستغشوا ثيابهم} أي طلبوا ما يستترون به من الثياب ويختفون به لئلا يرونه. وقال الزجاج: معناه إنهم كانوا يسدون آذانهم ويغطون وجوههم لئلا يسمعوا كلامه. فالاستغشاء طلب الغشى، فلما طلبوا التغشي بثيابهم فراراً من الداعي لهم، كانوا قد استغشوا {وأصروا} أي اقاموا على كفرهم ومعاصيهم عازمين على فعل مثله، فالاصرار الاقامة على الأمر بالعزيمة عليه فلما كانوا مقيمين على الكفر بالعزم عليه كانوا مصرّين. وقيل إن الرجل منهم كان يذهب بابنه إلى نوح، فيقول لأبنه: احذر هذا لا يغوينك، فان ابي قد ذهب بي اليه وأنا مثلك، فحذرني كما حذرتك، ذكره قتادة. وقوله {واستكبروا استكباراً} أي طلبوا بامتناعهم من القبول مني واخلاص عبادتك تجبراً في الارض وعلواً فيها. ثم حكى أنه قال {ثم إني دعوتهم جهاراً} أي اعلاناً {ثم إني أعلنت لهم} أي أظهرت الدعاء لهم الى عبادتك تارة {وأسررت لهم} أي وأخفيت لهم الدعاء الى مثل ذلك كرة أخرى {فقلت} لهم {واستغفروا ربكم} أي اطلبوا المغفرة على كفركم ومعاصيكم من الله تعالى {إنه كان غفاراً} لكل من طلب منه المغفرة ويغفر فيما بعد لمن يطلب منه ذلك ومتى فعلتم ذلك واطعمتوه ورجعتم عن كفركم ومعاصيكم {يرسل} الله تعالى {السماء عليكم مدراراً} أي كثيرة الدرور بالغيث والمطر، وقيل: إنهم كانوا قحطوا وأجدبوا وهلَكت اولادهم ومواشيهم، فلذلك رغبهم فى ترك ذلك بالرجوع الى الله، والدرور تجلب الشيء حالا بعد حال على الاتصال يقال: درّ درّاً ودروراً فهو دار، والمطر الكثير الدّرور مدراراً. وقيل: ان عمر لما خرج يستسقي لم يزد على الاستغفار وتلا هذه الآية. وقوله {ويمددكم بأموال وبنين} عطف على الجزاء. وتقديره إنكم متى اطعتموه وعبدتموه مخلصين أرسل عليكم المطر مدراراً وأمدكم بأموال وبنين، فالامداد إلحاق الثاني بالاول على النظام حالا بعد حال، يقال: أمده بكذا يمده امداداً، ومد النهر وأمده نهر آخر. والاموال جمع المال، وهو عند العرب النعم. والبنون جمع إبن، وهو الذكر من الولد {ويجعل لكم جنات} أى بساتين تجنها الأشجار {ويجعل لكم أنهاراً} وهو جمع نهر وهو المجرى الواسع للماء دون سعة البحر وفوق الجدول في الاتساع لان الجدول النهر الصغير يرى شدة جريه لضيقه ويخفى في النهر ضرباً من الخفاء لسعته ثم قال لهم على وجه التبكيت {ما لكم} معاشر الكفار {لا ترجون لله وقاراً} أي عظمة - في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك - والمراد - ههنا - سعة مقدوراته تعالى، وأصل الوقار ثبوت ما به يكون الشيء عظيماً من الحكم والعلم الذي يمتنع معه الخرق، ومنه قرّه في السمع ووعاه في القلب إذا ثبت في السمع وحفظه القلب. وقيل: معنى ترجون تخافون. قال أبو ذؤيب: شعر : اذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل تفسير : أي لم يخف، وكأنه قال: مالكم لا ترجون لله عاقبة عظيمة من الثواب بالخلود في النعيم أو تخافون عاقبة عصيانه بالدخول في عذاب النار {وقد خلقكم أطواراً} فالاطوار انتقال الأحوال حالا بعد حال. وقيل: معناه صبياً ثم شاباً ثم شيخاً ثم غير عاقل ثم عاقلا وضعيفاً ثم قوياً. وقال: ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد: نطفة ثم علقة ثم مضغة. وقيل: معناه على ألوان مختلفة بيضاء وسوداء وشقراء وصفراء.
الجنابذي
تفسير : {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ} اليك والى الايمان بك {لِتَغْفِرَ لَهُمْ} مساويهم اللاّزمة لذواتهم وشنائع اعمالهم {جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ} لئلاّ يسمعوا قولى {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} لئلاّ يرونى ادعوهم اليك، لجاجاً وتنفّراً عن الحقّ {وَأَصَرُّواْ} على الامتناع {وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً} عظيماً عن انقيادى وسماع قولى.
اطفيش
تفسير : {وَإِنِّى كُلَّمَا} كل ظرف زمان وما مصدرية والمصدر المسبوق مضافة اليه كل وهي متعلقة بجعلوا.{دَعَوْتُهُمْ} الى الايمان الطاعة. {لِتَغْفِرَ لَهُمْ} بسببهما {جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ} تقدم الكلام عليه في البقرة سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا قولي كما يفعل من يكره سماع كلام أشد كراهية وهم كذلك وقيل: لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم على الحقيقة ولكن كرهوا قوله ونفروا منه فكانوا بمنزلة من لا يسمع اما لسد سمعه ولصممه فذلك كناية. {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} غطوا رؤوسهم بها لئلا يبصروا الي لشدة كراهتهم لي لأجل دعوتي أو لئلا أعرفهم فأدعوهم أو غطوا وجوههم فقط ويقوي كون الاستغشاء لئلا يعرفهم فيدعوهم قوله إلا انهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه الا حين يستغشون ثيابهم وذلك لشدة كراهتهم من ينصحهم الله وقد كثر مثل هذا في هذه الامة الان والاستغشاء اما غشاة الامر ورد عليه او من غشيه ترضاه يقال استغشى ثوبه واستغشى بثوبه والتاء للطلب وكأنهم طلبوا من ثيابهم ان ترد عليهم او تغطيهم فهذه مبالغة او للتصيير أي صيروها غاشية وان قلت لم قال لتغفر لهم وهلا تركه قلت ذكره تقبيحا لهم بانهم اعرضوا عن حفظهم ونفعهم وهو الغفران في الجنة. {وَأًصَرُّوا} داموا على الكفر والمعاصي وحبسوا انفسهم فيها واعتقدوا انهم لا يرجعون عما هم فيه ويقال اصر الحمار على العانة وهي القطيع من بقر الوحش اذا اصر اذيته واقبل عليها يطردها ويضرها شبهوا به. {وَاسْتَكْبَرُوا} عن الايمان بك واتباعي {اسْتِكْبَاراً} توكيد لاستكبارهم او تنويع أي استكبارا عظيما.
اطفيش
تفسير : {وَإِنَّي كُلَّمَا دَعَوتُهُمْ} إِلى العبادة والاتقاء والإِطاعة، وأُجيز عدم التقدير بمعنى كلما صدر منى الدعاء والمرجع إِلى الأَول وما مصدرية والمصدر ظرف زمان أُضيف إِليه كل فكان كل ظرف زمان متعلق بجعل وهذا وما بعده كلام مستقل لا تفصيل مجمل {لِتَغْفِرَ لَهُمْ} بسبب العبادة والاتقاء والإِطاعة {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} أطراف أصابعهم كل واحد يجعل طرف إِصبعين من أصابعه فى خرقى أُذنيه لئلا يسمعوا ذلك حقيقة، أو المراد عدم قبول ما سمعوا حتى كأَنهم لم يسمعوا كما لا يسمع من سد أُذنيه بإِصبعيه {واسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} بالغوا فى الاستتار عنه بثيابهم بجعلها غاشية لهم مغطية مبالغة فى عدم السمع وزيادة أن لا تراه أعينهم وذلك حقيقة، أو المراد مزيد الفرار وقيل حقيقة لكن لئلا يعرفهم فيدعوهم وذلك أن يدعو أكابرهم بحسب نظره ويدعو العامة كذلك ويدعو من لا يعاجله بالأَذى حتى يتم كلامه وكل بحسب مقامه فى الدعاء فكان من يظن أن نوحاً يدعوه يستر نفسه وهو ضعيف ينافى قوله كلما دعوتهم، وتقدير كلما أردت دعاءهم إِلغاء للظاهر إِلى الباطن بلا داع {وَأصَرُّوا} على الكفر من الصر على الشئ بمعنى الشد عليه أى صاروا ذوى صر أى ملازمة للكفر، ومن العجيب ما قيل من جعله من اصر الحمار على الأَتان إِذا رفع أُذنيه وسواهما يتبعها للسفاد تشبيها لحالهم فى الكفر بحال الحمار مبالغة فى ذمهم وأعجب من قائله من يستحسنه {وَاسْتَكْبَرُوا} عن اتباعى {اسْتِكْبَاراً} عظيماً وقيل نوعاً من الاستكبار غير معهود ولا يصح لأَن التنكير يدل على التعظيم أو التحقير لا على النوع والاستكبار دعوى أن له كبراً وليس له.
الالوسي
تفسير : {وَإِنّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ } أي إلى الإيمان، فمتعلق الفعل محذوف، وجوز جعله منزلاً منزلة اللازم. والجملة عطف على ما قبلها وليس ذلك من عطف المفصل على المجمل كما توهم حتى يقال إن الواو من الحكاية لا من المحكي {لِتَغْفِرَ لَهُمْ } أي بسبب الإيمان {جَعَلُواْ أَصَـٰبِعَهُمْ فِى ءاذٰنِهِمْ } / أي سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة فهو كناية عما ذكر ولا منع من الحمل على الحقيقة. وفي نسبة الجعل إلى الأصابع وهو منسوب إلى بعضها وإيثار الجعل على الإدخال ما لا يخفى {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ } أي بالغوا في التغطي بها كأنهم طلبوا من ثيابهم أن تغشاهم لئلا يروه كراهة النظر إليه من فرط كرهة الدعوة، ففي التعبير بصيغة الاستفعال ما لا يخفى من المبالغة وكذا في تعميم آلة الإبصار وغيرها من البدن بالستر مبالغة في إظهار الكراهة، ففي الآية مبالغة بحسب الكيف والكم. وقيل بالغوا في ذلك لئلا يعرفهم عليه السلام فيدعوهم وفيه ضعف فإنه قيل عليه إنه يأباه ترتبه على قوله {كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ} اللهم إلا أن يجعل مجازاً عن إرادة الدعوة وهو تعكيس للأمر وتخريب للنظم. {وَأَصَرُّواْ } أي أكبوا على الكفر والمعاصي وانهمكوا وجدوا فيها، مستعار من أصر الحمار على العانة إذا أصر أذنيه أي رفعهما ونصبهما مستويين وأقبل عليها يكدمها ويطردها، وفي ذلك غاية الذم لهم. وعن جار الله لو لم يكن في ارتكاب المعاصي إلا التشبيه بالحمار لكفى به مزجرة كيف والتشبيه في أسوء أحواله وهو حال الكدم والسفاد. وما ذكر من الاستعارة قيل في أصل اللغة وقد صار الإصرار حقيقة عرفية في الملازمة والانهماك في الأمر. وقال الراغب ((الإصرار التعقد في الذنب والتشديد فيه والامتناع من الإقلاع عنه وأصله من الصر أي الشد)) ولعله لا يأبـى ما تقدم بناء على أن الأصل الأول الشد والأصل الثاني ما سمعت أولاً. {وَٱسْتَكْبَرُواْ } من اتباعي وطاعتي {ٱسْتِكْبَاراً } عظيماً وقيل نوعاً من الاستكبار غير معهود. والاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق له.
ابن عاشور
تفسير : {كلما} مركبة من كلمتين كلمةِ (كل) وهي اسم يدل على استغراق أفراد ما تضاف هي إليه، وكلمة (ما) المصدرية وهي حرف يفيد أن الجملة بعده في تأويل مصدر. وقد يراد بذلك المصدر زمَانُ حصوله فيقولون (مَا) ظرفية مصدرية لأنها نائبة عن اسم الزمان. والمعنى: أنهم لم يظهروا مخِيلةً من الإِصغاء إلى دعوته ولم يتخلفوا عن الإِعراض والصدود عن دعوته طَرفة عَيْن، فلذلك جاء بكلمة {كلما} الدالة على شمول كلّ دعوة من دعواته مقترنةً بدلائل الصد عنها، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : كلما أضاء لهم مشوا فيه}تفسير : [البقرة: 20]. وحُذف متعلق {دَعَوْتُهم} لدلالة ما تقدم عليه من قوله: {أية : أن اعبدوا الله}تفسير : [نوح: 3]. والتقدير: كلما دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي فيما أمرتهم به. واللام في قوله: {لتغفر} لام التعليل، أي دعوتهم بدعوة التوحيد فهو سبب المغفرة، فالدعوة إليه معللة بالغفران. ويتعلق قوله: {كلما دعوتهم} بفعل {جعلوا أصابعهم} على أنه ظرف زمان. وجملة {جعلوا أصابعهم} خبر (إن) والرابط ضمير {دعوتهم}. وجَعْل الأصابع في الآذَان يمنع بلوغ أصوات الكلام إلى المسامع. وأطلق اسم الأصابع على الأنامل على وجه المجاز المرسل بعلاقة البعضية فإن الذي يُجعل في الأذن الأنملة لا الأصبع كلّه فعُبر عن الأنامل بالأصابع للمبالغة في إرادة سد المسامع بحيث لو أمكن لأدخلوا الأصابع كلها، وتقدم في قوله تعالى: {أية : يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق}تفسير : في سورة البقرة (19). واستغشاء الثياب: جَعْلُها غِشاء، أي غِطاء على أعينهم، تعْضيداً لسد آذانهم بالأصابع لئلا يسمعوا كلامه ولا ينظروا إشاراته. وأكثر ما يطلق الغشاء على غطاء العينين، قال تعالى: {أية : وعلى أبصارهم غشاوة}تفسير : [البقرة: 7]. والسين والتاء في {استغشوا} للمبالغة. فيجوز أن يكون جعل الأصابع في الآذان واستغشاءُ الثياب هنا حقيقة بأن يكون ذلك من عادات قوم نوح إذا أراد أحد أن يظهر كراهية لكلام من يتكلم معه أن يجعل أصبعيه في أذنيه ويجعل من ثوبه ساتراً لعينيه. ويجوز أن يكون تمثيلاً لحالهم في الإِعراض عن قبول كلامه ورؤية مقامه بحال من يَسُكُّ سمعه بأنملتيْه ويحجب عينيه بطرف ثوبه. وجعلت الدعوة معللة بمغفرة الله لهم لأنها دعوة إلى سبب المغفرة وهو الإِيمان بالله وحده وطاعةُ أمره على لسان رسوله. وفي ذلك تعريض بتحميقهم وتعجب من خُلُقهم إذ يعرضون عن الدعوة لما فيه نفعهم فكان مقتضى الرشاد أن يسمعوها ويتدبروها. والإِصرار: تحقيق العزم على فعلٍ، وهو مشتق من الصَّر وهو الشد على شيء والعقدُ عليه، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ولم يصرّوا على ما فعلوا }تفسير : في سورة آل عمران (135). وحذف متعلق {أصَروا} لظهوره، أي أصروا على ما هم عليه من الشرك. {واستكبروا} مبالغة في تكبروا، أي جعلوا أنفسهم أكبر من أن يأتمروا لواحد منهم {أية : ما نراك إلاّ بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلاّ الذين هم أراذلِنُا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل}تفسير : [هود: 27]. وتأكيد {استكبروا} بمفعوله المطلق للدلالة على تمكن الاستكبار. وتنوين {استكباراً} للتعظيم، أي استكباراً شديداً لا يَفله حدُّ الدعوة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً}. بين تعالى الغرض من جعل الأصابع في الآذان لعدم السماع، كما في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ}تفسير : [فصلت: 26] وإصرارهم واستكبارهم إنما هو عن اتباع ما دعاهم إليه نوح عليه السلام. كما قالوا: {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ}تفسير : [هود: 27]، وقريب منه قوله تعالى: {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}تفسير : [الشورى: 13].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 7- وإنى كلما دعوتهم إلى الإيمان بك لتغفر لهم وضعوا أصابعهم فى آذانهم حتى لا يسمعوا دعوتى، وتغطوا بثيابهم حتى لا يروا وجهى، وأقاموا على كفرهم، وتعظموا عن إجابتى تعظماً بالغاً. 8، 9- ثم إنى دعوتهم إليك بصوت مرفوع، ثم إنى جهرت بالدعوة فى حال، وأخفيتها إخفاء فى حال أخرى، حتى أجرب كل خطة. 10، 11، 12- فقلت لقومى: اطلبوا مغفرة الكفار والعصيان من ربكم، إنه لم يزل غفاراً لذنوب مَن يرجع إليه، يرسل السماء عليكم غزيرة الدر بالمطر، ويمدكم بأموال وبنين هما زينة الحياة الدنيا، ويجعل لكم بساتين تنعمون بجمالها وثمارها، ويجعل لكم أنهاراً تسقون منها زرعكم ومواشيكم. 13، 14- ما لكم لا تعظِّمون الله حق عظمته حتى ترجو تكريمكم بإنجائكم من العذاب، وقد خلقكم كَرَّاتٍ متدرجة، نطفاً ثم علقاً ثم مضغاً ثم عظاماً ولحما؟. 15، 16- ألم تنظروا كيف خلق الله سبع سموات بعضها فوق بعض، وجعل القمر فى هذه السموات نوراً ينبعث منها، وجعل الشمس مصباحاً يبصر أهل الدنيا فى ضوئه ما يحتاجون إلى رؤيته.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَصَابِعَهُمْ} {ۤ آذَانِهِمْ} (7) - وَإِنَّنِي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ إِلَى الإِقْرَارِ بِوَحْدَانِيَّتِكَ، وَإِلَى العَمَلِ بِمَا يُرْضِيكَ، لِتَغْفِرَ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، سَدُّوا آذَانَهُمْ بِأَصَابِعِهِمْ لِكَيْلاَ يَسْمَعُوا مَا أَقُولُهُ لَهُمْ مِنْ دَعْوَةِ الحَقِّ، وَتَغَطَّوْا بِثِيَابِهِمْ، لِكَيْلاَ يَنْظُرُوا إِلَيَّ كُرْهاً وَمَقْتاً، وَاسْتَرْسَلُوا فِي الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، وَاسْتَكْبَرُوا عَنِ الإِذْعَانِ لِلْحَقِّ، وَقَبُولِ مَا دَعَوْتُهُمْ إِلَيهِ مِنَ النَّصْحِ. اسْتَغْشَوا ثِيَابَهُمْ - بَالَغُوا فِي التَّغَطِّي بِهَا. أَصَرُّوا - تَشَدَّدُوا وَانْهَمَكُوا فِي الكُفْرِ.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قالَ: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} معناه غَطُّوا بهَا رُءوسَهُمْ. وقوله تعالى: {وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً} وأصروا: معناه وأقاموا عليه واستكبروا: معناه تعظموا وتجبروا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ} [نوح: 7]؛ يعني: أصابع الغفلة في آذانهم؛ لئلا يسمعون دعائي وإنذاري {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} [نوح: 7]؛ يعني: ثياب الجهل؛ لئلا يصل إليهم برد تعليمي إياهم {وَأَصَرُّواْ} [نوح: 7] ظلماً من غاية ظلام وجودهم وكثافة استعدادهم المكدرة، و{وَٱسْتَكْبَرُواْ} [نوح: 7] بالكبر والكفر {ٱسْتِكْبَاراً} [نوح: 7] عن قبول الحق. {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً} [نوح: 8]؛ يعني: الآثار الظاهرة والموعظة الحسنة {ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ} [نوح: 9]؛ يعني: أعلمتهم ودللتهم على الأفعال بالمجادلة والمباحثة، {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} [نوح: 9]؛ يعني: بينت لهم حقائق الصفات بالحكمة؛ {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} [نوح: 10-11]، يرسل بلطفه في سماء صدركم مطر الرحمة؛ لينبت في أراضي بشريتكم نبات المعرفة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):