Verse. 5429 (AR)

٧١ - نُوح

71 - Nouh (AR)

فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوْا رَبَّكُمْ۝۰ۭ اِنَّہٗ كَانَ غَفَّارًا۝۱۰ۙ
Faqultu istaghfiroo rabbakum innahu kana ghaffaran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فقلت استغفروا ربكم» من الشرك «إنه كان غفارا».

10

Tafseer

الرازي

تفسير : قال مقاتل: إن قوم نوح لما كذبوه زماناً طويلاً حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فرجعوا فيه إلى نوح، فقال نوح: استغفروا ربكم من الشرك حتى يفتح عليكم أبواب نعمه. واعلم أن الاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبواب الخيرات، ويدل عليه وجوه أحدها: أن الكفر سبب لخراب العالم على ما قال في كفر النصارى: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً } تفسير : [مريم: 90، 91] فلما كان الكفر سبباً لخراب العالم، وجب أن يكون الإيمان سبباً لعمارة العالم وثانيها: الآيات منها هذه الآية ومنها قوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ } تفسير : [الأعراف: 96] {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لاَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ } تفسير : [المائدة: 66] {أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّاء غَدَقاً } تفسير : [الجن: 16] {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } تفسير : [الطلاق: 2 ـ 3] {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ } تفسير : [طه: 132] وثالثها: أنه تعالى قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] فإذا اشتغلوا بتحصيل المقصود حصل ما يحتاج إليه في الدنيا على سبيل التبعية ورابعها: أن عمر خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فقيل له: ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء. المجدح ثلاثة كواكب مخصوصة، ونوءه يكون عزيزاً شبه عمر (الاستغفار) بالأنواء الصادقة التي لا تخطىء، وعن بكر بن عبدالله: أن أكثر الناس ذنوباً أقلهم استغفاراً، وأكثرهم استغفاراً أقلهم ذنوباً، وعن الحسن: أن رجلاً شكا إليه الجدب، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له بعض القوم: أتاك رجال يشكون إليك أنواعاً من الحاجة، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا له الآية، وههنا سؤالات: الأول: أن نوحاً عليه السلام أمر الكفار قبل هذه الآية بالعبادة والتقوى والطاعة، فأي فائدة في أن أمرهم بعد ذلك بالاستغفار؟ الجواب: أنه لما أمرهم بالعبادة قالوا له: إن كان الدين القديم الذي كنا عليه حقاً فلم تأمرنا بتركه، وإن كان باطلاً فكيف يقبلنا بعد أن عصيناه، فقال نوح عليه السلام: إنكم وإن كنتم عصيتموه ولكن استغفروه من تلك الذنوب، فإنه سبحانه كان غفاراً. السؤال الثاني: لم قال: {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } ولم يقل: إنه غفار؟ قلنا المراد: إنه كان غفاراً في حق كل من استغفروه كأنه يقول: لا تظنوا أن غفاريته إنما حدثت الآن، بل هو أبداً هكذا كان، فكأن هذا هو حرفته وصنعته.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السالفة بإخلاص الإيمان. {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} وهذا منه ترغيب في التوبة. وقد روى حُذَيفة بن اليمان: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الاستغفار ممحاة للذنوب»تفسير : . وقال الفُضيل: يقول العبد أستغفر الله، وتفسيرها أقِلْنِي. الثانية: قوله تعالى: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} أي يرسل ماء السماء، ففيه إضمار. وقيل: السماء المطر، أي يرسل المطر. قال الشاعر:شعر : إذا سقط السماءُ بأرضِ قوم عيناه وإن كانوا غِضاباً تفسير : و«مِدْراراً» ذَا غَيْث كثير. وجزم «يُرْسِل» جواباً للأمر. وقال مقاتل: لما كذَّبوا نوحاً زماناً طويلاً حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فهلكت مواشيهم وزروعهم، فصاروا إلى نوح عليه السلام واستغاثوا به. فقال: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} أي لم يزل كذلك لمن أناب إليه. ثم قال ترغيباً في الإيمان: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً}. قال قتادة: علم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أنهم أهل حرص على الدنيا فقال: «حديث : هَلُمّوا إلى طاعة الله فإن في طاعة الله درك الدنيا والآخرة».تفسير : الثالثة: في هذه الآية والتي في «هود» دليل على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار. قال الشعبيّ: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فأمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيتَ؟ فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: «اسْتَغْفِرُوا ربَّكُمْ إنه كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً». وقال الأوزاعيّ: خرج الناس يستسقون، فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: اللهم إنا سمعناك تقول: {أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} تفسير : [التوبة:91] وقد أقررنا بالإساءة، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟! اللهم اغفر لنا وٱرحمنا واسقنا! فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسُقُوا. وقال ابن صبيح: شكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال له: استغفر الله. وشكا آخر إليه الفقر فقال له: استغفر الله. وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولداً، فقال له: استغفر الله. وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر الله. فقلنا له في ذلك؟ فقال: ما قلت من عندي شيئاً، إن الله تعالى يقول في سورة «نوح»: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً }. وقد مضى في سورة «آل عمران» كيفية الاستغفار، وأن ذلك يكون عن إخلاص وإقلاع من الذنوب. وهو الأصل في الإجابة.

البيضاوي

تفسير : {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } بالتوبة عن الكفر. {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } للتائبين وكأنهم لما أمرهم بالعبادة قالوا: إن كنا على حق فلا نتركه وإن كنا على باطل فكيف يقبلنا ويلطف بنا من عصيناه، فأمرهم بما يجب معاصيهم ويجلب إليهم المنح ولذلك وعدهم عليه ما هو أوقع في قلوبهم. وقيل لما طالت دعوتهم وتمادى إصرارهم حبس الله عنهم القطر أربعين سنة، وأعقم أرحام نسائهم فوعدهم بذلك على الاستغفار عما كانوا عليه بقوله: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء. و {ٱلسَّمَاء } تحتمل المظلة والسحاب، والمدرار كثير الدرور ويستوي في هذا البناء المذكر والمؤنث، والمراد بالـ {جَنَّـٰت } البساتين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } من الشرك {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً }.

ابن عبد السلام

تفسير : {اسْتَغْفِرُواْ} ترغيباً منه في التوبة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن سلمان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : أكثروا من الاستغفار، فإن الله لم يعلمكم الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا‏ً} ‏ قال‏:‏ رأى نوح عليه السلام قوماً تجزعت أعناقهم حرصاً على الدنيا فقال‏:‏ هلموا إلى طاعة الله فإن فيها درك الدنيا والآخرة‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ما لكم لا ترجون لله وقارا‏ً}‏ قال‏:‏ لا تعلمون لله عظمة‏.‏ وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ما لكم لا ترجون لله وقارا‏ً}‏ قال‏:‏ عظمة، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وقد خلقكم أطوارا‏ً} ‏ قال‏:‏ نطفة ثم علقة ثم مضغة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ما لكم لا ترجون لله وقارا‏ً} ‏ لا تعرفون لله حق عظمته‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ما لكم لا ترجون لله وقارا‏ً}‏ قال‏:‏ لا تخافون لله عظمة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ما لكم لا ترجون لله وقارا‏ً} ‏ قال‏:‏ لا تخشون له عقاباً ولا ترجون له ثوابا‏ً.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏{‏ما لكم لا ترجون لله وقارا‏ً} ‏ قال‏:‏ لا تخشون لله عظمة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول أبي ذؤيب‏:‏ شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عليّ بن أبي طالب ‏"‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ناساً يغتسلون عراة ليس عليهم أزر، فوقف فنادى بأعلى صوته ‏{‏ما لكم لا ترجون لله وقارا‏ً} "‏‏. تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏ما لكم لا ترجون لله وقاراً‏} ‏ قال‏:‏ لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مطر في قوله‏:‏ ‏ {‏وقد خلقكم أطواراً‏}‏ قال‏:‏ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً طوراً بعد طور وخلقاً بعد خلق‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة مثله‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏ما لكم لا ترجون لله وقارا‏ً}‏ قال‏:‏ لا تبالون لله عظمة ‏ {‏وقد خلقكم أطوارا‏ً} ‏ قال‏:‏ من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم ما ذكر حتى يتم خلقه‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن يحيى بن رافع في قوله‏:‏ {‏خلقكم أطواراً‏} قال‏:‏ نطفة ثم علقة ثم مضغة‏. أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏خلق سبع سماوات طباقا‏ً} ‏ قال‏:‏ بعضهن فوق بعض، بين‏‏ كل أرض وسماء خلق وأمر، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجا‏ً} ‏ قال‏:‏ وجوههما في السماء وظهورهما إليكم‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏وجعل القمر فيهن نورا‏ً} ‏ قال‏:‏ إنه يضيء نور القمر فيهن كلهن كما لو كان سبع زجاجات أسفل منها شهاب أضاءت كلهن فكذلك نور القمر في السموات كلهن لصفائهن‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ إن الشمس والقمر وجوههما قبل السماء وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقرأ بذلك عليكم آية من كتاب الله ‏ {‏وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجا‏ً}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن عطاء في قوله‏:‏ ‏ {‏وجعل القمر فيهن نورا‏ً}‏ قال‏:‏ يضيء لأهل السموات كما يضيء لأهل الأرض‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وجعل القمر فيهن نورا‏ً} ‏ قال‏:‏ وجهه يضيء السموات، وظهره يضيء الأرض‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب قال‏:‏ اجتمع عبد الله بن عمرو بن العاص وكعب الأحبار، وكان بينهما بعض العتب، فتعاتبا، فذهب ذلك، فقال عبد الله بن عمرو لكعب‏:‏ سلني عما شئت، ولا تسألني عن شيء إلا أخبرتك بتصديق قولي من القرآن، فقال له‏:‏ أرأيت ضوء الشمس والقمر أهو في السموات السبع كما هو في الأرض‏؟‏ قال‏:‏ نعم ألم تروا إلى قول الله‏:‏ ‏ {‏خلق سبع سماوات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه عن ابن عباس ‏ {‏وجعل القمر فيهن نورا‏ً}‏ قال‏:‏ وجهه في السماء إلى العرش وقفاه إلى الأرض‏.‏ وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس {‏وجعل القمر فيهن نوراً‏} ‏ قال‏:‏ خلق فيهن حين خلقهن ضياء كأهل الأرض وليس في السماء من ضوئه شيء‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} بالتوبةِ عن الكفرِ والمَعَاصِي {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} للتائبـينَ كأنَّهُم تعللُوا وقالُوا إنْ كُنَّا على الحقِّ فكيفَ نتركهُ وإنْ كُنَّا على الباطلِ فكيفَ يقبلنا بعدَ ما عكفنَا عليهِ دَهْراً طويلاً فأمرهم بما يمحقُ ما سلفَ منهم من المَعَاصِي ويجلبُ إليهم المنافعَ ولذلكَ وعدهُم بما هُو أوقعُ في قلوبِهِم وأحبُّ إليهِم من الفوائدِ العاجلةِ، وقيل لما كذَّبُوه بعدَ تكريرِ الدعوةِ حبسَ الله تعالَى عنهم القطرَ وأعقمَ أرحامَ نسائِهِم أربعينَ سنةً وقيلَ سبعينَ سنةً فوعدَهُم أنَّهم إنْ آمنُوا أنْ يرزقَهُم الله تعالَى الخِصْبَ ويدفَع عنْهُم ما كانُوا فيهِ {يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً} أي كثيرَ الدرورِ، والمرادُ بالسماءِ المظلةُ أو السحابُ {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ} بساتينَ {وَيَجْعَل لَّكُمْ} فيهَا {أَنْهَاراً} جاريةً {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} إنكارٌ لأنْ يكونَ لهُم سببٌ ما في عدمِ رجائِهِم لله تعالَى وقاراً على أنَّ الرجاءَ بمَعْنَى الاعتقادِ، ولا ترجونَ حالٌ من ضميرِ المخاطبـينَ والعاملُ فيهَا مَعْنَى الاستقرارِ في لكُم على أنَّ الإنكارَ متوجهٌ إلى السببِ فَقَطْ مع تحققِ مضمونِ الجملةِ الحاليةِ لا إليهِما معاً كما في قولِهِ تعالَى: {أية : وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى } تفسير : [سورة يس، الآية 22] ولله متعلقٌ بمضمرٍ وقعَ حالاً مِنْ وقاراً ولو تأخرَ لكانَ صفةً لهُ أيْ أيُّ سببٍ حصلَ لكُم حالَ كونِكُم غيرَ معتقدينَ لله تعالَى عظمةً موجبةً لتعظيمِهِ بالإيمانِ بهِ والطاعةِ لهُ {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} أي والحالُ أنكم على حالٍ منافيةٍ لما أنتُم عليهِ بالكليةِ وهيَ أنكم تعلمونَ أنَّه تعالَى خلقَكُم تاراتٍ عناصرَ ثم أغذيةً ثم أخلاطاً ثم نُطفاً ثم علَقاً ثم مُضَغاً ثم عظاماً ولحوماً ثم أنشأ كم خلقاً آخرَ فإن التقصيرَ في توقيرِ مَنْ هذهِ شؤونُهُ في القدرةِ القاهرةِ والإحسانِ التامِّ مع العلمِ بها مِمَّا لا يكادُ يصدرُ عن العاقلِ. هَذا وقد قيلَ الرجاءُ بمعنى الأملِ أي ما لكُم لا تُؤمِّلُونَ لهُ تعالَى توقيراً أي تعظيماً لمن عبدَهُ وأطاعَهُ ولا تكونونَ على حالٍ تُؤمِّلُونَ فيها تعظيمَ الله تعالَى إيَّاكُم في دارِ الثوابِ، ولله بـيانٌ للموقّرِ ولو تأخرَ لكانَ صلةً للوقارِ والأولُ هو الذي تستدعيهِ الجزالةُ التنزيليةُ فإن اللائقَ بحالِ الكفرةِ استبعادُ أنْ لا يعتقدُوا وقاراً لله تعالَى وعظمتِهِ مع مشاهدَتِهِم لآثارِهَا وأحكامِهَا الموجبةِ للاعتقادِ حَتْماً، وأمَّا عدمُ رجائِهِم لتعظيمِ الله إيَّاهُم في دارِ الثوابِ فليسَ في حيزِ الاستبعادِ والإنكارِ معَ أنَّ في جعلِ الوقارِ بمَعْنَى التوقيرِ من التعسفِ، وفي قولِهِ ولله بـيانٌ للموقَّرِ ولو تأخرَ لكانَ صلةً للوقارِ من التناقضِ ما لا يَخْفى فإنَّ كونَهُ بـياناً للموقِّرِ يقتضِي أنْ يكونَ التوقيرُ صادراً عنْهُ تعالَى والوقارَ وصفاً للمخاطبـينَ وكونُهُ صلةً للوقارِ يوجبُ كونَ الوقارِ وصفاً لهُ تعالَى وقيلَ ما لكُم لا تخافونَ لله عظمةً وقدرةً على أخذِكُم بالعقوبةِ أيْ أيُّ عُذرٍ لكُم في تركِ الخوفِ منهُ تعالَى. وعن سعيدِ بنِ جُبـيرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا ما لكُم لا تخشُونَ لله عقاباً ولاترجونَ منْهُ ثَواباً، وعن مجاهدٍ والضحَّاكِ ما لكُم لا تُبالونَ لله عظمةً، قال قُطْربٌ هيَ لغةٌ حجازيةٌ يقولونَ لم أَرْجُ أيْ لم أبالِ.

السلمي

تفسير : سئل بعضهم ما أفضل ما يعطى العبد؟ قال: أن يلهم الاستغفار عند التقصير والشكر عند النعمة. وقال بعضهم الاستغفار أو طلب التوبة.

البقلي

تفسير : كان الله فى الازل غفار الذنوب عباده فدعاهم الى رؤية غفرانه الازلى بنعت الافتقار اليه ورؤية التقصير فى العبودية والندم على ما ضاع من ايامهم بالغفلة عن الله قال بعضهم الاستغفار اوايل طلب التوبة.

اسماعيل حقي

تفسير : {فقلت} لهم عقيب الدعوة عطف على قوله دعوت {استغفروا ربكم} اطلبعوا المغفرة منه لأنفسكم بالتوبة عن الكفر والمعاصى قبل الفوت بالموت {انه} تعالى {كان غفارا} للتائبين بجعل ذنوبهم كأن لم تكن والمراد من كونه غفارا فى الازل كونه مريدا للمغفرة فى وقتها المقدر وهو وقت وجود المغفور له وفى كشف الاسرار كان صلة اليه ورؤية التقصير فى العبودية الندم على ما ضاع من ايامهم بالغفلة عن الله وفى الحديث "حديث : من اعطى الاستغفار لا يمنع المغفرةتفسير : لانه تعالى قال استغفروا ربكم انه كان غفارا ولذا كان على رضى الله عنه يقول ما ألهم الله عبدا الاستغفار وهو يريد ان يعذبه وعن بعض العلماء قال الله تعالى ان أحب عبادى الى المتحابون بحبى والمعلقة قلوبهم بالمساجد والمستغفرون بالاسحار اولئك الذين اذا اردت اهل الارض بعقوبة ذكرتهم فتركتهم وصرفت العقوبة عنهم والغفار ابلغ من الغفور وهو من الغافر واصل الغفر الستر والتغطية ومنه قيل لجنة الرأس مغفر لانه يستر الرأس والمغفرة من الله ستره للذنوب وعفوه عنها بفضله ورحمته لا بتوبة العباد وطاعتهم وانما التوبة والطاعة للعبودية وعرض الافتقار وفى بعض الاخبار عبدى لو أتيتنى بقراب الارض ذنوبا لغفرتها لك ما لم تشرك بى (حكى) ان شيخا حج مع شاب فلما احرم قال لبيك اللهم لبيك فقيل له لا لبيك فقال الشاب للشيخ ألا تسمع هذا الجواب فقال كنت اسمع هذا الجواب منذ سبعين سنة قال فلاى شئ تتعب نفسك فبكى الشيخ فقال فالى اى باب التجئ فقيل له قد قبلناك شعر : همه طاعت آرند ومسكين نياز بياتا بدركاه مسكين نواز جوشاخ برهنه برآريم دست كه بى برك ازين بيش نتوان نشست

الجنابذي

تفسير : {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} بيانٌ لكيفيّة دعائه يعنى انّى دعوتهم ووعدتهم على مقتضى اهويتهم ليكون دعائى سبباً لميلهم الى المدعوّ ولا سبباً لنفرتهم {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} لمن يستغفره.

الأعقم

تفسير : {فقلت استغفروا ربكم} أي اطلبوا منه المغفرة بالإِيمان {إنه كان غفاراً} لمن تاب وآمن {يرسل السماء عليكم مدراراً} متتابعاً حالاً بعد حال {ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جناتٍ} بساتين {ويجعل لكم أنهاراً} جارية، وقيل: كان الله ابتلى قوم نوح بالقحط وأعقم أرحام النساء أربعين عاماً فضمن نوح لهم أنهم إن آمنوا أصلح الله أحوالهم، وروي أن عمراً (رضي الله عنه) خرج للاستسقاء فما زاد على الاستغفار وتلا هذه الآية، وروي أن رجلاً أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة فقال: استغفروا الله، وأتاه آخر فشكا اليه الفقر فقال: استغفر الله، وأتاه آخر فقال: ادعوا الله أن يرزقني ولداً فقال: استغفر الله، فقيل له في ذلك فتلا الآية، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استسقى ودعا ولم يصل {ما لكم لا ترجون لله وقاراً}، قيل: ما لكم لا تعتقدون باثبات الله إلهاً لكم، والوقار الثبات، وقيل: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته، وقيل: ما لكم لا تعرفون الله حقاً {وقد خلقكم أطواراً} تارات حالاً بعد حال، قيل: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم خلقاً سويَّاً، وقيل: صبيَّاً ثم شابَّاً ثم شيخاً وضعيفاً وقوياً، وقيل: غنيَّاً وفقيراً وصحيحاً ومريضاً {ألم تروا} يحتمل الرؤية بالنظر، ألم تنظروا السماوات كيف خلقناها ويحتمل العلم أي {كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً} أي بعضها فوق بعض {وجعل القمر فيهن نوراً} قيل: في السماوات السبع، وقيل: أن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماء وظهورهما مما يلي الأرض، وقيل: في ناحيتين، وقيل: في سماء الدنيا، وهذا كما يقال: أتت بنو تميم وإنما أتى بعضهم، وقيل: الشمس في السماء الرابعة، وروي في الغرائب والعجائب أنه إجماع أن الشمس في السماء الرابعة {والله أنبتكم من الأرض نباتاً} قيل: الكِبَر بعد الصِغر والإِطالة بعد القصر وذلك هو الإِخراج من حال الطفولية إلى الشباب، وقيل: أراد الخلق الأول وهو خلق آدم من الأرض، وقيل: رباكم بالأغذية التي من الأرض {ثم يعيدكم فيها} أي في الأرض أمواتاً {ويخرجكم} منها عند البعث {إخراجاً} {والله جعل لكم الأرض بساطاً} أي مهاداً مستوية {لتسلكوا منها} من الأرض {سبلاً فجاجاً} طرقاً مختلفة، وقيل: سبلاً في الصحارى وفجاجاً في الجبال {قال نوح رب إنهم عصوني} فيما دعوتهم إليه {واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً} أي هلاكاً وهم القادة والأشراف تقليداً {ومكروا مكراً} أي دبروا في أمر نوح تدبيراً {كباراً} عظيماً، قيل: بقي فيهم ثلاثة قرون كل قرن ثلاثمائة سنة كل قرن يوصي الآخر ألا يقبل منه.

اطفيش

تفسير : {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} من الشرك والمعاصي بالتوبة {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} للمستغفرين التائبين كأنهم قالوا ان لم نكن على الحق فكيف يقبلنا فامرهم بالاسلام القاطع للمعاصي الموجب المقبول وخير الآجلة من الجنة والعاجلة من الماء وغيره ترغيبا في الايمان وتوقيفا على بركته من خير الاخرة كما اشار اليه. خير الدنيا كما قال.

اطفيش

تفسير : {فَقُلْتُ} بعد قولى آمنوا بالله وحده واعبدوه وحده {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} من إِشراككم ومعاصيكم وذكر الله سبحانه وتعالى نفسه بالربوبية لأَنها أدعى إِلى الاستغفار فإِن من ملكك وأنعم عليك يحق أن تشكره ولا تكفره {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} كثير المغفرة وعظيمها فإِنهم كثيرو المعاصى وعظيموها ومقيمون عليها زماناً طويلاً ومع ذلك يغفرها بتوحيد ساعة وزاد على المغفرة الإِحسان إِليهم بما يرغبون فيه من إِدرار المطر والإِمداد بالأَموال والبنين والجنات والأَنهار فى الدنيا مع ما لهم فىالاخرة، قد قطع الله عز وجل عنهم المطر وأعقم نساءهم أربعين عاماً أو سبعين لكفرهم بنوح عليه السلام فوعدهم بما ذكر من المطر وما ذكر معه أن آمنوا وذلك قوله عز وجل: {يُرسِلِ السَّمَاءَ} المطر {عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} من جهة السماء أو من السحاب وكل ما أظلك فهو سماء لك وسقف البيت سماء، والدرار كثيرة الدرور أى السيلان، ولم تلحقه التاء لأَن صفات المبالغة لا تلحقها التاء التى للتأَنيث.

الالوسي

تفسير : {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } بالتوبة عن الكفر والمعاصي فإنه سبحانه لا يغفر أن يشرك به وقال ربكم تحريكاً لداعي الاستغفار {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } دائم المغفرة كثيرها للتائبين كأنهم تعللوا وقالوا إن كنا على الحق فكيف نتركه وإن كنا على الباطل فكيف يقبلنا ويلطف بنا جل وعلا بعد ما عكفنا عليه دهراً طويلاً، فأمرهم بما يمحق ما سلف منهم من المعاصي ويجلب إليهم المنافع ولذلك وعدهم على الاستغفار بأمور هي أحب إليهم وأوقع في قلوبهم من الأمور الأخروية أعني ما تضمنه{أية : يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ}تفسير : [نوح: 11] الخ وأحبيتهم لذلك لما جبلوا عليه من محبة الأمور الدنيوية: شعر : والنفس مولعة بحب العاجل تفسير : قال قتادة: كانوا أهل حب للدنيا فاستدعاهم إلى الآخرة من الطريق التي يحبونها وقيل لما كذبوه عليه الصلاة والسلام بعد تكرير الدعوة حبس الله تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة وقيل سبعين سنة فوعدهم أنهم إن آمنوا يرزقهم الله تعالى الخصب ويدفع عنهم ما هم فيه وهو قوله: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً}.

الشنقيطي

تفسير : رتب إرسال السماء عليهم مدراراً على استغفارهم، وهذا يدل على أن الاستغفار والتوبة والعمل الصالح قد يكون سبباً في تيسير الرزق. وقد أشار النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في الحديث: "حديث : من أراد أن ينسأ له في عمره ويوسع له في رزقه فليصل رحمه ". تفسير : وقد تكلم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه على هذه المسألة في سورة هود عند قوله تعالى: {أية : وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً}تفسير : [هود: 3] الآية. كما دلت الآية الأخرى في هذه السورة على أن المعصية سبب للهلاك في قوله: {أية : مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً}تفسير : [نوح: 25].

د. أسعد حومد

تفسير : (10) - وَقُلْتُ لَهُمْ: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ وَاسْأَلُوهُ العَفْوَ عَنْ ذُنُوبِكُمْ، وَمَا فَرطَ مِنْكُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ والآثَامِ، فَرَبُّكُمْ غَفَّارٌ لِذُنُوبِ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ مُخْلِصاً مُنِيباً.