٧٢ - ٱلْجِنّ
72 - Al-Jinn (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن عبدالله هو النبي صلى الله عليه وسلم في قول الجميع، ثم قال الواحدي: إن هذا من كلام الجن لا من جملة الموحى، لأن الرسول لا يليق أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة وهذا غير بعيد، كما في قوله: {أية : يَوْمٍ يُحْشَرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً } تفسير : [مريم:85] والأكثرون على أنه من جملة الموحى، إذ لو كان من كلام الجن لكان ما ليس من كلام الجن. وفي خلل ما هو كلام الجن مختلاً بعيداً عن سلامة النظم وفائدة هذا الاختلاف أن من جعله من جملة الموحى فتح الهمزة في أن، ومن جعله من كلام الجن كسرها، ونحن نفسر الآية على القولين، أما على قول من قال: إنه من جملة الموحى فالضمير في قوله: {كَادُواْ } إلى من يعود؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها: إلى الجن، ومعنى {قَامَ... يَدْعُوهُ } أي قام يعبده يريد قيامه لصلاة الفجر حين أتاه الجن، فاستمعوا القراءة {كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً }، أي يزدحمون عليه متراكمين تعجباً مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به قائماً وراكعاً، وساجداً وإعجاباً بما تلا من القرآن، لأنهم رأوا مالم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا مثله والثاني: لما قدم رسول الله يعبد الله وحده مخالفاً للمشركين في عبادتهم الأوثان، كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه والثالث: وهو قول قتادة: لما قام عبدالله تلبدت الإنس والجن، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاء به ويطفئوا نور الله، فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من عاداه، وأما على قول من قال: إنه من كلام الجن، فالوجهان أيضاً عائدان فيه، وقوله: {لِبَداً } فهو جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض وارتكم بعضه على بعض، وكل شيء ألصقته بشيء إلصاقاً شديداً فقد لبدته، ومنه اشتقاق هذه اللبود التي تفرش ويقال: لبدة الأسد لما يتلبد من الشعر بين كتفيه، ومنه قول زهير:شعر : (لدى أسد شاكي السلاح مقذف) له لبد أظفاره لم تقلم تفسير : وقرىء: {لِبَداً } بضم اللام واللبدة في معنى اللبدة، وقرىء {لِبَداً } جمع لابد كسُجِّد وساجد. وقرىء أيضاً: {لِبَداً } بضم اللام والباء جمع لبود كصبر جمع صبور، فإن قيل: لم سمي محمداً بعبدالله، وما ذكره برسول الله أو نبي الله؟ قلنا: لأنه إن كان هذا الكلام من جملة الموحى، فاللائق بتواضع الرسول أن يذكر نفسه بالعبودية، وإن كان من كلام الجن كان المعنى أن عبدالله لما اشتغل بعبودية الله، فهؤلاء الكفار لم اجتمعوا ولم حاولوا منعه منه، مع أن ذلك هو الموافق لقانون العقل؟.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ} يجوز الفتح؛ أي أوحى الله إليه أنه. ويجوز الكسر على الاستئناف. و«عبد الله» هنا محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يصلّي ببطن نخلة ويقرأ القرآن، حَسْب ما تقدّم أوّل السورة. {يَدْعُوهُ} أي يعبده. وقال ٱبن جُريج: «يَدْعُوه» أي قام إليهم داعياً إلى الله تعالى. {كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} قال الزبير بن العوّام: هم الجنّ حين ٱستمعوا القرآن من النبيّ صلى الله عليه وسلم. أي كاد يركب بعضهم بعضاً ٱزدحاماً ويسقطون، حرصاً على سماع القرآن. وقيل: كادوا يركبونه حرصاً؛ قاله الضحاك. ٱبن عباس: رغبة في سماع الذكر. وروى بُرْد عن مكحول: أن الجنّ بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة وكانوا سبعين ألفاً، وفرغوا من بيعته عند ٱنشقاق الفجر. وعن ٱبن عباس أيضاً: إن هذا من قول الجنّ لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وٱئتمامهم به في الركوع والسجود. وقيل: المعنى كاد المشركون يركبون بعضهم بعضاً، حَرداً على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن وقتادة وٱبن زيد: يعني {لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ} محمد بالعدوة تَلبّدت الإنس والجنّ على هذا الأمر ليطفئوه، وأَبَى الله إلا أن ينصره ويتم نوره. وٱختار الطبريّ أن يكون المعنى: كادت العرب يجتمعون على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويتظاهرون على إطفاء النور الذي جاء به. وقال مجاهد: قوله «لِبَداً» جماعات وهو من تَلَبُّد الشيء على الشيء أي تجمع، ومنه اللِّبْد الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقاً شديداً فقد لبّدته، وجمع اللِّبدة لِبَد مثل قِربة وقِرب. ويقال للشَّعر الذي على ظهر الأسد لِبدة وجمعها لِبد؛ قال زهير: شعر : لَدى أَسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذّفٍ له لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لم تقَلَّمِ تفسير : يقال للجراد الكثير: لِبد. وفيه أربع لغات وقراءات؛ فتح الباء وكسر اللام، وهي قراءة العامة. وضم اللام وفتح الباء، وهي قراءة مجاهد وٱبن مُحَيْصن وهشام عن أهل الشام، واحدتها لُبْدة. وبضم اللام والباء، وهي قراءة أبي حَيْوة ومحمد بن السَّمَيْقَع وأبي الأشهب العُقَيلي والجَحْدري واحدها لَبْد مثل سَقْفٍ ورَهْن ورُهُن. وبضم اللام وشدّ الباء وفتحها، وهي قراءة الحسن وأبي العالية والأعرج والجَحْدري أيضاً واحدها لابِد؛ مثل راكِع ورُكَّع، وساجِد وسُجَّد. وقيل: اللُّبَد بضم اللام وفتح الباء الشيء الدائم؛ ومنه قيل لنَسر لقمان لُبَد لدوامه وبقائه؛ وقال النابغة: شعر : أَخْنَـى عليها الذي أَخْنَـى على لُبَدِ تفسير : القشيريّ: وقرىء «لُبُدا» بضم اللام والباء، وهو جمع لَبِيد، وهو الجَوْلَق الصغير. وفي الصحاح: (وقوله تعالى) { أية : أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } تفسير : [البلد: 6] أي جَمًّا. ويقال أيضاً: الناس لُبَد أي مجتمعون، واللُّبَد أيضاً الذي لا يسافر ولا يبرح منزله. قال الشاعر: شعر : مِن ٱمرىءٍ ذِي سَماحٍ لا تَزالُ لَهُ بَزْلاءُ يَعْيَا بِها الجَثَّامَة اللبَدُ تفسير : ويروى: اللَّبِد. قال أبو عُبيد: وهو أشبه. والبزلاء: الرأي الجيّد. وفلان نهاض ببزلاء: إذا كان ممن يقوم بالأمور العظام؛ قال الشاعر: شعر : إنِّي إذا شَغَلَتْ قوماً فُرُوجُهُمُ رَحْبُ المَسَالِكِ نَهَّاضٌ بِبَزْلاَءِ تفسير : ولُبَد: آخر نسور لقمان، وهو ينصرف؛ لأنه ليس بمعدول. وتزعم العرب أن لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسقي لها، فلما أهلكوا خُيّر لقمان بين بقاء سبع بَعَرات سُمْر، مِن أَظْبٍ عُفْرٍ، لا يَمسها القَطْر؛ أو بقاء سبعة أنسر كلما هلك نَسر خلف بعده نَسر، فٱختار النُّسور، وكان آخر نُسوره يسمى لُبَدا، وقد ذكرته الشعراء؛ قال النابغة: شعر : أَضْحَت خَلاَءً وأَمْسَى أَهْلُها ٱحْتَمَلوا أَخْنَى عليها الّذي أَخْنَى على لُبَدِ تفسير : وَاللّبِيد: الجُوَالق الصغير؛ يقال: ألبدت القِربة جعلتها في لَبيد. ولبِيد: ٱسم شاعر من بني عامر. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي} أي قال صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي} {وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً} وكذا قرأ أكثر القرّاء «قَالَ» على ا لخبر. وقرأ حمزة وعاصم «قُلْ» على الأمر. وسبب نزولها أن كفار قريش قالوا له: إنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم فٱرجع عن هذا فنحن نجيرك؛ فنزلت. قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً} أي لا أقدر أن أدفع عنكم ضراً ولا أسوق لكم خيراً. وقيل: {لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً} أي كفراً {وَلاَ رَشَداً} أي هدًى، أي إنما عليّ التبليغ. وقيل: الضرَّ: العذاب، والرَّشد النعيم. وهو الأوّل بعينه. وقيل: الضر الموت، والرشد الحياة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَنَّهُ } بالفتح والكسر استئنافاً والضمير للشأن {لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ } محمد النبي صلى الله عليه وسلم {يَدْعُوهُ } يعبده ببطن نخلة {كَادُواْ } أي الجنّ المستمعون لقراءته {يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } بكسر اللام وضمها جميع لبدة كاللبد في ركوب بعضهم بعضاً ازدحاماً حرصاً على سماع القرآن.
ابن عبد السلام
تفسير : {عَبْدُ اللَّهِ} محمد صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة يدعو الله فيها وائتمّ به أصحابه عجبت الجن من ذلك أو قام إليهم داعياً لهم إلى الله {لِبَداً} أعواناً أو جماعات بعضها فوق بعض واللبد لاجتماع الصوف بعضه فوق بعض وهم المسلمون في اجتماعهم على الرسول صلى الله عليه وسلم أو الجن في استماع قراءته أو الجن والإنس لتعاونهم عليه في الشرك.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ} يحتملُ: أنْ يكونَ خِطَاباً مِنَ اللَّهِ تعالى، ويحتملُ: أنْ يَكُونَ إخباراً عَنِ الجِنِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ هو محمد صلى الله عليه وسلم، والضميرُ في {كَادُواْ} يحتملُ: أنْ يكونَ لكفارِ قريشٍ، وغيرِهم في اجتماعهم على رَدِّ أمرِهِ صلى الله عليه وسلم، وقيلَ: الضميرُ للجِنِّ، والمعنى أنهم كادوا يَتَقَصَّفُونَ عليه؛ لاسْتِماعِ القرآن، وقال ابن جبير: معنى الآيةِ أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لقومِهم؛ يحكُون لَهُم، والعَبْدُ محمدٌ ـــ عليه السلام ـــ، والضميرُ في {كَادُواْ} لأَصْحَابهِ الذينَ يُطِيعُونَ له ويَقْتَدُونَ بهِ في الصلاةِ فَهُمْ عليه لِبَدٌ، واللِبَدُ: الجماعاتُ شُبِّهَتْ بالشَّيءِ المُتَلبِّدِ، وقال البخاريُّ: قال ابن عباس: {لِبَداً} أعْوَاناً، انتهى،، و{يَدْعُوهُ} معناه: يَعْبُدُه، وقيل: عبدُ اللَّهِ في الآيةِ المرادُ به نوحٌ، وقرأ جمهور السبعة: «قَالَ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّي» وقرأ حمزةُ وعاصمٌ وأبو عمرو بخلافٍ عنه: «قُلْ» ثم أمَرَ اللَّهُ تعالى محمداً ـــ عليه السلام ـــ بالتَّبَرِّي مِنَ القُدْرَةِ، وأنَّه لاَ يَمْلِكُ لأَحَدٍ ضَرًّا ولا نفعاً، والملتَحَدُ: المَلْجَأُ الذي يُمَال إليه، ومنه الإلْحادُ وهو الميل.
البقاعي
تفسير : ولما كان من يدعو سيده وينقطع إليه عاملاً للواجب عليه اللائق بأمثاله لا ينكر عليه ولا يعجب منه، إنما يعجب ممن دعا غير سيده أو مال إليه أدنى ميل فيسأل عن سببه، قال معجباً من القاسطين من الجن والإنس: {وأنه} أي أوحي إليّ أو قال الجن لمن أطاعهم من قومهم حاكين ما رأوا من صلاته صلى الله عليه وسلم وازدحام أصحابه عليه متعجبين من ذلك أن الشأن أو القصة العظيمة العجيبة {لما} قمت كادوا يكونون عليّ - هكذا كان الأصل ولكنه عبر بالعبد كما تقدم من أن من دعا سيده ولو كان ذلك السيد أحقر الموجودات لا يفعل به ذلك، فكيف إذا كان سيده مالك الملك وملك الملوك {قام عبد الله} أي عبد الملك الأعلى الذي له الجلال كله والجمال فلا موجود يدانيه بل كل موجود من فائض فضله {يدعوه} أي يدعو سيده دعاء عبادة من حيث كونه عبده ومن حيث كون سيده يسمع من دعاه ويجيبه. ولما كان القاسطون أكثر الناس بل الناس كلهم في ذلك الزمان جناً وإنساً، قال مبيناً لأنه يجوز على الأنبياء أن يؤذوا وينتقصوا رفعاً لدرجاتهم وتسلية لوراثهم وإن كانت رتبتهم تأبى ذلك، {كادوا} أي قرب القاسطون من الفريقين الجن والإنس {يكونون عليه} أي على عبد الله {لبداً *} أي متراكمين بعضهم على بعض من شدة ازدحامهم حتى كان ذلك جبلة لهم تعجباً مما رأوا منه من عبادته وإرادة لرده عن ذلك، وذلك أمر لا يعجب منه، وإنما العجب ما فعلوا هم من عبادتهم لغيره سبحانه وتعالى ومن تعجبهم من عبادة عبده له وإخلاصه في دعائه، وهو جمع لبد - بكسر اللام، وقرىء بضم اللام جمع لبدة بضمها، وهي ما تلبد بعضه على بعض. ولما استشرفت - على قراءة الكسر - نفس السامع إلى قوله صلى الله عليه وسلم لمن تراكموا عليه من ذلك، استأنف الجواب بقوله مبيناً لما يستحيل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من دعاء غير الله ومن ترك الدعاء إليه من مخالفة شيء من أمره قال، أو لما تاقت نفسه صلى الله عليه وسلم على قراءة الفتح إلى ما يدفع به ما رأى منهم، قال تعالى مرشداً له إلى ذلك: {قل} أي لمن ازدحم عليك عاداً لهم عداد الجاهلين بما تصنع لأنهم عملوا عمل الجاهل: {إنما أدعوا} أي دعاء العبادة {ربي} أي الذي أوجدني ورباني ولا نعمة عندي إلا منه وحده، لا أدعو غيره حتى تعجبوا مني فتزدحموا عليّ والظاهر المتبادر إلى الفهم أن المعنى: وأوحي إليّ أي لما قمت في الصلاة أعبد الله في بطن نخلة ورآني الجن الذين وجههم إبليس نحو تهامة وسمعوا القرآن ازدحموا عليّ حتى كادوا يغشونني ويكون بعضهم على بعض فسمعوا توحيدي لله وتمجيدي له وإفراده بالقدرة والعلم وجميع صفات الكمال آمنوا، وقيل: هو حكاية الجن لقومهم عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه وراءه في تراصهم في صلاتهم وحفوفهم به ووعظه وتعليمه لهم، ويحكى هذا القول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسعيد بن جبير فإن ذلك هيئة غريبة، يحكى أن ملك الفرس أرسل من دخل في المسلمين لما قصدوا بلاده فكان مما حكي له عنهم أن قال: إذا صلوا صفوا أنفسهم صفوفاً ويقدمهم رجل يقومون بقيامة ويسجدون بسجوده ويقعدون بقعوده ويفعلون كفعله، لا تخالف بينهم، فلما سمع الملك ذلك راعه وقال: ما لي ولهؤلاء، ما لي ولعمر، ونقل أبو حيان عن مكحول أنه بلغ من تابع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن سبعين ألفاً وفرغوا عند انشقاق الفجر. ولما كان الداعي لولي نعمته يمكن أن يكون أشرك غيره في دعائه ولو بأدنى وجوه الإشراك، ويكون الحصر باعتبار الأغلب فاستحق الإنكار عليه والازدحام، نفى ذلك بقوله تأكيداً لمعنى الحصر وتحقيقاً له: {ولا أشرك به} أي الآن ولا في مستقبل الزمان بوجه من الوجوه {أحداً *} من ود وسواع ويغوث وغيرها من الصامت والناطق. ولما كان السامع ربما قال: ما له هو لا يهلكهم أو يدعو ربه في دفع المتبلدين عليه عنه بالإهلاك أو التوبة والمتابعة، أمره بما يبين عظمة ربه وأنه لا يفعل إلا ما يريد بقوله مبيناً أنه يستحيل عليه الصلاة والسلام ما يستحيل على جميع الممكنات من أن يؤثر في شيء بنفسه أو يخالف ربه: {قل} أي لهؤلاء الذين خالفوك، وأكد فطماً لمن ربما اعتقد - لكثرة ما يرى من الكرامات - أنه مهما أراده فعله الله له: {إني لا أملك} أي الآن ولا بعد {لكم} بنفسي من غير إقدار الله لي لأنه لا مؤثر في شيء من الأشياء إلا الله سبحانه وتعالى. ولما كان المقام لدفع شرهم عنه، قال: {ضراً} فأفهم ذلك "ولا نفعاً ولا غياً" {ولا رشداً *} أي صواباً وسداداً. فالآية من الاحتباك وهو ظاهر على هذا التقدير، قال أبو حيان: فحذف من كل ما يدل مقابله عليه - انتهى. ويجوز أن يكون تقديره: لا أملك ضراً لأني لا أملك لكم إضلالاً ولا أملك لكم رشداً فلا أملك لكم نفعاً، فإنه لا نفع في غير الرشاد، ولا ضر في غير الضلال، فقبح الله ابن عربي الطائي الذي يقول في فصوصه: إن الضلال أهدى من الهدى، فلا أسخف عقلاً منه إلا من تبعه - عليهم لعنة الله وخزيه، فإن قالوا: إنه أراد غير ما يفهم من ظاهر اللفظ فقل: كذبتم فقد بين مراده إطباقكم على الفسق والفجور لا يكاد يجد منكم من يتهم بمذهبه وهو يتقيد بشرع، ولم تخرج الآية بهذا عن الاحتباك، فإن ذكر الضر أولاً دل على حذف النفع ثانياً، وذكر الرشد ثانياً دل على حذف الضلال أولاً. ولما أجاب من تشوف إلى علة صبره عن دفعهم عنه بما حاصله أنه لا شيء بيده، لأن إلهه من العظمة في إحاطة العلم والقدرة وأنه لا يخرج شيء عن مراده فلا يعجل في شيء بحيث لا يفعل إلا ما يريد سواء سئل أو لا، فكان ذلك ربما أوجب أن يظن منه صلى الله عليه وسلم موافقته لهم لئلا يضروه لأنهم يستعجلون في أذى من خالفهم، أجاب ما حاصله أنه بين ضررين أحدهما منهم إن خالفهم، والآخر منه سبحانه وتعالى إن أعرض عنه وهو سبحانه وتعالى يرد أذاهم إن أراد، وهم لا يقدرون على رد أذاه بوجه فقال: {قل} أي لمن يدعوك إلى موافقتهم، وأكد لما في ظن كثير من الناس من أن الأسباب لا تتخلف فقال: {إني} وزاد في التأكيد لأن ذلك في غاية الاستقرار في النفوس فقال: {لن يجيرني} أي فيدفع عني ما يدفع الجار عن جاره {من الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه {أحد *} أي كائناً من كان إن أرادني سبحانه بسوء. ولما كان من هو بهذه المثابة ربما هرب منه المطلوب قال مؤكداً: {ولن أجد} أي أصلاً. ولما كانت كل رتبة دون رتبته، وكانت الرتب التي دون رتبته كثيرة جداً لما له من العلو المطلق ولغيره من مراتب السفول التي لا تحد، قال مشيراً لذلك بالجارّ: {من دونه} أي الله تعالى {ملتحداً *} أي معدلاً وموضع ميل وركون ومدخلاً وملتجأ وحيلة، وإن اجتهدت كل الجهد لأن اللحد أصله الميل ولا يقال إلا في ميل من حق إلى باطل، والحد: جادل ومارى وركن.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود قال: حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى نواحي مكة فخط لي خطاً وقال: "لا تحدثن شيئاً حتى آتيك"، ثم قال: "لا يهولنك شيء تراه". فتقدم شيئاً ثم جلس فإذا رجال سود كأنهم رجال الزطّ، وكانوا كما قال الله تعالى: {كادوا يكونون عليه لبداً} . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً} قال: لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلوا القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه {قل أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الزبير بن العوام مثله. وأخرج عبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً} قال: لما أتى الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده فعجبوا من طواعية أصحابه له، فقالوا لقومهم: {لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً} . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} أي يدعو إليه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً} قال: لما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم تلبدت الإِنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من ناوأه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} قال: لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا إله إلا الله، ويدعو الناس إلى ربهم كادت العرب تلبد عليه جميعاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كادوا يكونون عليه لبداً} قال: أعواناً. وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي بكر عن أبي عاصم أنه قرأ {يكونون عليه لبداً} بكسر اللام ونصب الباء وفي {لا أقسم بهذا البلد} {مالاً لبداً} [البلد:6] برفع اللام ونصب الباء، وفسرها أبو بكر فقال: (لبداً) كثيراً و (لبداً) بعضها على بعض. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {قل إنما أدعو ربي} بغير ألف. وأخرج ابن جرير عن حضرمي. قال: ذكر لنا أن جنياً من الجن من أشرافهم ذا تبع قال: إنما يريد محمد أن نجيره وأنا أجيره فأنزل الله {قل إني لن يجيرني من الله أحد} الآية. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن حتى أتى الحجون فخط علي خطاً ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيدهم، يقال له وردان: الا أرجلهم عنك يا رسول الله؟ قال: {إني لن يجيرني من الله أحد} . وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: {ولن أجد من دونه ملتحداً} قال: ملجأ. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {ولن أجد من دونه ملتحداً} قال: ملجأ ولا نصيراً إلا بلاغاً من الله ورسالاته. قال: هذا الذي يملك بلاغاً من الله ورسالاته، وفي قوله: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول} قال: فإنه إذا ارتضى الرسول اصطفاه، وأطلعه على ما شاء من غيبه وانتخبه. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول} قال: أعلم الله الرسل من الغيب الوحي وأظهرهم عليه فيما أوحي إليهم من غيبه وما يحكم الله فإنه لا يعلم ذلك غيره. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً} قال: هي معقبات من الملائكة يحفظونه من الشيطان حتى يبين الذي أرسل إليهم به، وذلك حين يقول أهل الشرك قد أبلغوا رسالات ربهم. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: {إلا من ارتضى من رسول} قال: جبريل. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ما أنزل الله على نبيه آية من القرآن إلا ومعها أربعة من الأملاك يحفظونها حتى يؤدوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قرأ {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً} يعني الملائكة الأربعة ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {إلا من ارتضى من رسول} قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقى الشيطان في أمنيته يدنون منه فلما ألقى الشيطان في أمنيته أمرهم أن يتنحوا عنه قليلاً ليعلم أن الوحي إذا نزل من عند الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير في قوله: {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً} قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل ليعلم محمد {أن قد أبلغوا رسالات ربهم} قال: وما جاء جبريل إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة. وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله: {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً} قال: الملائكة يحفظونه من الجن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله: {إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً} قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه نفراً من الملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه أن يتشبه الشيطان على صورة الملك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {إلا من ارتضى من رسول} قال: يظهره من الغيب على ما شاء إذا ارتضاه وفي قوله: {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً} قال: من الملائكة وفي قوله: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله وأن الله حفظها ودفع عنها. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: {ليعلم} قال: ليعلم ذلك من كذب الرسل {أن قد أبلغوا رسالات ربهم} .
القشيري
تفسير : لما قام عبد الله يعني محمداً عليه السلام يدعو الخَلْقَ إلى الله كاد الجنُّ والإنس يكونون مجتمعين عليه، يمنعونه عن التبليغ. قل يا محمد: {قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً}.
اسماعيل حقي
تفسير : {وانه} من جملة الموحى به اى واوحى الى ان الشان {لما قام عبد الله} اى النبى عليه السلام ولذا جعلو فى اسمائه لانه هو العبد الحقيقى فى الحقيقة المضاف الى اسم الله الاعظم فرقا وان كان هو المظهر له جمعا. ودر آثار آمده كه آن حضرت را عليه السلام هيج نام ارين خوشتر نيامده جه شريطه عبادت وعبوديت بروجهى كه آن حضرت قيام هيجكس را قدرت براقامت بران نبوده لا جرم دروقت عروج آن حضرت برمنازل ملكى باين اسم مذكور شد كه سبحان الذى اسرى بعبده وبهنكام نزول قرآن از مدارج فلكى اورا يهمين نام ميكندكه تبارك الذى نزل الفرقان على عبده شعر : آن بننده شعار بندكى دوست كزجمله بندكان كزين اوست دادند ببند كيش راهى كانراكنديده هيج شاهى تفسير : وايراده عليه السلام بلفظ ا لعبد للاشعار بما هو المقتضى لقيامه وعبادته وهو العبودية اى كونه عبدالله وللتواضع لانه واقع موقع كلامه عن نفسه اذا التقدير وأوحى الى انى لما قمت وهذا على قرآءة الفتح واما على قرآءة نافع وأبى بكر فيتعين كونه للاشعار بالمتقضى وفيه تعريض لقريش بانهم سمعوا عبد ود وعبد يعوث وعبد مناف وعبد شمس ونحوها لا عبد الله وان من سمى منهم بعبد الله فانما هى من قبيل التسمية المجردة عن معانيها {يدعوه} حال من فاعل قام اى يعبده وذلك قيامه لصلاة الفجر بنخلة كما سبق {كادوا} اى قرب الجن {يكونون عليه لبدا} جمع لبدة بالكسر نحو قربة وقرب وهى ما تلبد بعضه على بعد اى تراكب وتلاصق ومنها لبدة الاسد وهى الشعر المتراكب بين كتفيه والمنى متراكبين يركب بعضهم بعضا ويقع من ازد حامهم على النبى عليه السلام تعجبا مما شاهدوا من عبادته وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره وعلى قرآءة الكسر اذا جعل مقول الجن فضمير كادوا لاصحابه عليه السلام الذين كانوا مقتدين به فى الصلاة. يقول الفقير فى هذا المقام اشكال على القرءآتين جميعا لان المراد ان كان ما ذهب اليه ابن عباس رضى الله عنهما على ما ذهب اليه المفسرون فلا معنى للازدحام اذ كان الجن بنخلة نفرا سبعة او تسعة ولا معنى لازدحام النفر القليل مع سعة المكان وقرب القارى وانما وقع الازدحام فى الحجون بعد العود من نخلة على ما رواه ابن مسعود رضى الله عنه ولا مخلص الا بأن يقال لم يزالوا يدنون من جهة واحدة حتى كادوا يكونون عليه لبدا او بأن يتجوز فى النفر وحينئذ يبقى تعيين العدد على ما فعله بعضهم بلا معنى وان كان المراد ما ذهب اليه ابن مسعود رضى الله عنه ففيه ان ذلك كان بطريق المشاهدة على ما اسفلناه فى الاحقاف ولا معنى لاخباره بطريق الوحى على ما مضى فى اول السورة وايضا انه لم يكن معه عليه السلام اذ ذاك الانفر قليل من اصحابه بل لم يكن الا زيد ابن حارثة رضى الله عنه على ما فى انسان العيون فلا معنى للازدحام والله اعلم بمراده.
الجنابذي
تفسير : {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ} يعنى محمّداً (ص) {يَدْعُوهُ} اى يعبده، او يدعوه بلسانه، او يقول: لا اله الاّ الله او يقرأ القرآن، او يدعو اليه وهو من جملة ما اوحى اليه (ص)، او هو من قول الجنّ بعضهم لبعضٍ {كَادُواْ} يعنى الجنّ لاستماع دعائه او اصحابه لاستماع القرآن واحاديثه، او قريشاً لمنعه وردعه {يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} اللّبدة بالكسرة والسّكون وبالضّمّ والسّكون الصّوف المتراكم بعضه على بعضٍ، واللّبد بالكسر او الضّمّ والفتح، وقرئ بهما جمع لهما، وقرئ لبّداً بالضّمّ والتّشديد جمع لابد ولبداً بالضّمّتين.
الهواري
تفسير : {وَاَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {يَدْعُوهُ} أي: يدعو الله {كَادُواْ} أي كاد المشركون {يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} أي: تظاهروا عليه حتى كادوا يقتلونه، في تفسير الحسن. وقال الكلبي: حتى كاد يركب بعضهم بعضاً، أي: من الحرد عليه. قال عز وجل: {قُل}: [أي: قال النبي عليه السلام]: {إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلآ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً}. قال تعالى: {قُلْ إِنِّي لآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً} أي أن أدخلكم في الكفر {وَلاَ رَشَداً} أي: أن أكرهكم على الإِيمان. {قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي} أي: لن يمنعني {مِنَ اللهِ أَحَدٌ} أي: إن عصيته عذبني. كقوله عز وجل: {أية : إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الأنعام: 15] {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي: ملجأ ألجأ إليه، أي: يمنعني من عذاب الله، في تفسير الحسن وغيره. وقال بعضهم: {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} {إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللهِ وَرِسَالاَتِهِ} أي: إلا أن أبلغ عن الله الرسالة فإن ذلك يمنعني. { وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} أي: عذاب جهنم، يعني المشركين {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً} أي: إنكم أيها المشركون أضعف ناصراً من محمد عليه السلام وأصحابه، أي: إنه لا ناصر لكم {وَأَقَلُّ عَدَداً} [أي سيفرد كل إنسان بعمله].
اطفيش
تفسير : {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ} النبي صلى الله عليه وسلم وذكره بلفظ العبد تعظيماً له إذ أضافه لنفسه ولا مقام أشرف من مقام العبودية أو ذكره بلفظ العبد تواضعاً من النبي صلى الله عليه وسلم فإن هذا الكلام واقع موقع وكلامه عن نفسه أو ذكره بلفظ العبد ليشعر بأن موجب قيامه عبادة الله وإن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر حتى يكونوا عليه لبدا وما ذكرت من أنه واقع موقع كلامه عن نفسه إنما هو على كسر الهمزة وأما على فتحها فكلامه تحقيقاً أى واوحي اليّ أنه لما قال عبد الله وقيل أن هذا من كلام الجن يحكونه لمن يحضر للسمع وهو تفسير ابن جبير *{يَدْعُوهُ} حال من عبد أي يعبده بنخلة أى الجن *{كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} جمع لبدة بكسر اللام وهى ما تلبد بعضه على بعض ومنها لبدة الأسد وهي الشعر المتراكم بين كتفيه ازدحموا حرصاً على سماع القرآن قاله ابن عباس أو يزدحم الجن المؤمن السمع والجن الكافر للوسوسة واللغو لكيلا يسمع المؤمنون القرآن. وعن قتادة تلبدت الأنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله الا أن يتمه أو قال الجن ذلك بكسر الهمزة لاصحابهم لما راوا ازدحام اصحابه عليه صلى الله عليه وسلم واقتدائهم به فى الصلاة وطاعتهم له وزعم بعضهم أن المراد بعبد الله نوح انكره قومه وقيل لبد معناه أعوان وهو مروي عن ابن عباس أيضاً أو قرأ ابن عامر لبدا بضم اللام جمع لبدة كذلك في رواية عنه والمشهور أن هذه قراءة هشام وهى لغة، وقرئ لبدا بضم اللام وتشديد الباء جمع لابد كساجد وسجد، وقريء لبدا بضم اللام والباء بلا تشديد جمع لبود بفتح اللام وضم الباء كصبور وصبر.
اطفيش
تفسير : {وَأنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ} محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {يَدْعُوهُ} يعبده بصلاة الفجر فى نخلة، والجملة حال من عبد وعبر بالعبد لذكره - صلى الله عليه وسلم - نفسه بلفظ التواضع يقول إِنى عبد الله ورسوله لأَن الآية على لسانه وأيضاً لينبه الله الجن على أن العبادة من العبد لا تستبعد إِذ تعجبوا من صلاته وصلاة أصحابه بصلاته معه. {كَادُوا} أى الجن {يَكُونُونَ عَلَيْهِ} متعلق بيكون أو بمحذوف حال من قوله {لِبَداً} أى متضامين بالزحام ليشاهدوا ما هو عليه من القيام والركوع والسجود والقراءة بمن معه، ولم يروا مثله قبل ذلك فتعجبوا، واللبد جمع لبدة كسدرة وسدر وهى الشئ المتلبد الملتصق بعضه ببعض وذلك استعارة أو تشبيه بليغ وقيل الواوان لكفار قريش والعرب وقيل الجن والإِنس، والمعنى على هذين القولين الاجتماع على عداوته ومخالفته وإِطفاء نوره لما قام يدعوهم إِلى توحيده وما يتعلق به من العبادة وأبى الله إِلا نصره وتهديد لبدهم.
الالوسي
تفسير : {وَأَنَّهُ } بفتح الهمزة عند الجمهور على أنه عطف على{أية : أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ}تفسير : [الجن: 1] كالذي قبله فهو من كلامه تعالى أي وأوحي إليَّ أن الشأن {لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ } أي النبـي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {يَدْعُوهُ } حال من {عَبْدُ} أي لما قام عابداً له عز وجل وذلك قيامه عليه الصلاة والسلام لصلاة الفجر بنخلة كما مر {كَادُواْ } أي الجن كما قال ابن عباس والضحاك {يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } متراكمين من ازدحامهم عليه تعجباً مما شاهدوا من عبادته وسمعوا من قراءته واقتداء أصحابه به قياماً وركوعاً وسجوداً لأنهم رأوا ما لم يروا مثله وسمعوا ما لم يسمعوا نظيره. وهذا كالظاهر في أنهم كانوا كثيرين لا تسعة ونحوها. وإيراده عليه الصلاة والسلام بلفظ العبد دون لفظ النبـي أو الرسول أو الضمير إما لأنه مقول على لسانه صلى الله عليه وسلم لأنه أمر أن يقول أوحي كذا فجيء به على ما يقتضيه مقام العبودية والتواضع أو لأنه تعالى عدل عن ذلك تنبيهاً على أن العبادة من العبد لا تستبعد. ونقل عليه الصلاة والسلام كلامه سبحانه كما هو رفعاً لنفسه عن البين فلا وجود للأثر بعد العين. وحيث كان هذا العدول منه جل وعلا إما لكذا أو لكذا لا أنه تصرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمتنع كما قال بعض الأجلة الجمع بين الحسنيين. وقال الحسن وقتادة ضمير (كادوا) لكفار قريش والعرب فيراد بالقيام القيام بالرسالة وبالتلبد التلبد للعداوة والمعنى وأنه لما قام عبد الله بالرسالة يدعو الله تعالى وحده ويذر ما كانوا يدعون من دونه كادوا لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه متراكمين. وجوز أن يكون الضمير على هذا للجن والإنس، وعن قتادة أيضاً ما يقتضيه قال تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفؤه فأبـى الله تعالى إلا أن ينصره ويظهره على من ناوأه. وفي «البحر» أبعد من قال عبد الله هنا نوح عليه السلام كاد قومه يقتلونه حتى استنقذه الله تعالى منهم قاله الحسن، وأبعد منه قول من قال إنه عبد الله بن سلام اهـ ولعمري إنه لا ينبغي القول بذلك ولا أظن له صحة بوجه من الوجوه. وقرأ نافع وأبو بكر كما قدمنا وابن هرمز وطلحة كما في «البحر» {وإنه} بكسر الهمزة وحمل على أن الجملة استئنافية من كلامه عز وجل، وجوز أن تكون من كلام الجن معطوفة على جملة{أية : إِنَّا سَمِعْنَا}تفسير : [الجن: 1] حكوا فيها لقومهم لما رجعوا إليهم ما رأوا من صلاته صلى الله عليه وسلم وازدحام أصحابه عليه في ائتمامهم به، وحكي ذلك عن ابن جبير، وجوز نحو هذا على قراءة الفتح بناء على ما سمعت عن أبـي حاتم أو بتقدير ونخبركم بأنه أو نحوه هذا. وفي «الكشف» الوجه على تقدير أن يكون {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ} من جملة الموحى أن يكون{أية : فَلاَ تَدْعُواْ}تفسير : [الجن: 18] خطاباً للجن محكياً إن جعل قوله تعالى {وإن لما قام} على قراءة الكسر من مقول الجن لئلا ينفك النظم لو جعل ابتداء قصة ووحياً آخر منقطعاً عن حكاية الجن، وكذلك لو جعل ضمير {كَادُواْ} للجن على قراءة الفتح أيضاً، والأصل أن المساجد لله فلا تدعوا أيها الجن مع الله أحداً فقيل قل يا محمد لمشركي مكة أوحي إليَّ كذا وإذا كان كذلك فيجىء في ضمن الحكاية إثبات هذا الحكم بالنسبة إلى المخاطبين أيضاً لاتحاد العلة وأما لو جعل خطاباً عاماً فالوجه أن يكون ضمير {كَادُواْ} راجعاً إلى المشركين أو إلى الجن والإنس وأن يكون على قراءة الكسر جملة استئنافية ابتداء قصة منه جل شأنه في الإخبار عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تمهيد لما يأتي من بعد وتوكيد لما ذكر من قبل فكأنه قيل قل لمشركي مكة ما كان من حديث الجن وإيمان بعضهم وكفر آخرين منهم ليكون حكاية ذلك لطفاً لهم في الانتهاء عما كانوا فيه وحثاً على الإيمان ثم قيل وأنه لما قام عبد الله يدعوه ويوحده كاد الفريقان من كفرة الجن والإنس يكونون عليه لبداً دلالة على عدم ارتداعهم مع هذه الدلائل الباهرة والآيات النيرة وما أحسن التقابل بين قوله تعالى{أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}تفسير : [الجن: 18] وبين هذا القول كأنهم نهوا كلهم عن الإشراك ودعوا إلى التوحيد فقابلوا ذلك بعداوة من يوحد الله / سبحانه ويدعوه ولم يرضوا بالاباء وحده وهذا من خواص الكتاب الكريم وبديع أسلوبه إذا أخذ في قصة غب قصة جعلهما متناصفتين فيما سيق له الكلام وزاد عليه التآخي بينهما في تناسب خاتمة الأولى وفاتحة الثانية ولعل هذا الوجه من الوجاهة بمكان، وأما لو فسر بما حكي عن الخليل ولأن المساجد لله فلا تدعوا الخ فالوجه أن يكون استطراداً ذكر عقيب وعيد المعرض والحمل على هذا على الأعضاء السبعة أظهر لأن فيه تذكيراً لكونه تعالى المنع بها عليهم وتنبيهاً على أن الحكمة في خلقها خدمة المعبود من حيث العدول عن لفظ الأعضاء وأسمائها الخاصة إلى المساجد ودلالة على أن ذلك ينافي الإشراك وحينئذ لا يبقى إشكال في ارتباط ما بعده بما قبله على القراءتين والأوجه والله تعالى أعلم اهـ فتأمل. واللبد بكسر اللام وفتح الباء كما قرأ الجمهور جمع لبدة بالكسر نحو كسرة وكسر وهي الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض ويقال للجراد ومنه كما قال الجبائي قول عبد مناف بن ربع الهذلي: شعر : صافوا بستة أبيات وأربعة حتى كأن عليهم جابياً لبدا تفسير : وقرأ مجاهد وابن محيصن وابن عامر بخلاف عنه (لبداً) بضم اللام جمع لبدة كزبرة وزبر، وعن ابن محيصن أيضاً تسكين الباء وضم اللام. وقرأ الحسن والجحدري وأبو حيوة وجماعة عن أبـي عمرو بضمتين جمع لبد كرهن ورهن أو جمع لبود كصبور وصبر. وقرأ الحسن والجحدري أيضاً بخلاف عنهما (لبداً) بضم اللام وتشديد الباء جمع لا بد وأبو رجاء بكسرها وشد الباء المفتوحة.
ابن عاشور
تفسير : قرأ نافع وحده وأبو بكر عن عاصم بكسر الهمزة. وقرأه بقية العشرة في رواياتهم المشهورة بالفتح. ومآل القراءتين سواء في كون هذا خارجاً عما صدر عن الجن وفي كونه مما أوحى الله به. فكَسْر الهمزة على عطف الجملة على جملة {أية : أُوحي إليَّ}تفسير : [الجن: 1]، والتقدير: وقل إِنه لما قام عبد الله يدعوه لأن همزة (إِنَّ) إذا وقعت في محكي بالقول تكسر، ولا يليق أن يجعل من حكاية مقالة الجن لأن ذلك قد انقضى وتباعد ونُقَل الكلام إلى أغراض أخرى ابتداء من قوله: {أية : وأن المساجد لله}تفسير : [الجن: 18]. وأما الفتح فعلى اعتباره معطوفاً على جملة {أنه استمع نفر} [الجن: 1]، أيْ وأوحي إلي أنه لما قام عبد الله، أي أوحى الله إليَّ اقتراب المشركين من أن يكونوا لُبَداً على عبد الله لما قام يدعو ربَّه. وضمير {إنه} ضمير الشأن وجملة {لما قام عبد الله} إلى آخرها خبره. وضمير {كادوا يكونون} عائدان إلى المشركين المنبى عنهم المقام غيبة وخطاباً ابتداء من قوله: {أية : وألو استقاموا على الطريقة}تفسير : [الجن: 16] إلى قوله: {أية : فلا تدعوا مع الله أحداً}تفسير : [الجن: 18]. و {عبد الله} هو محمد صلى الله عليه وسلم وضع الاسم الظاهر موضع المضمر إذ مقتضى الظاهر أن يقال: وأنه لما قمتَ تدعو الله كادوا يكونون عليك، أو لما قمتُ أدعو الله، كادوا يكونون عليَّ. ولكن عدل إلى الاسم الظاهر لقصد تكريم النبي صلى الله عليه وسلم بوصف {عبد الله} لما في هذه الإِضافة من التشريف مع وصف {عبدِ} كما تقدم غير مرة منها عند قوله: {أية : سبحان الذي أسرى بعبده}تفسير : [الإسراء: 1]. {ولِبَداً} بكسر اللام وفتح الموحدة اسم جمع: لِبْدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض، ومنه لِبْدَة الأسد للشعر المتراكم في رقبته. والكلام على التشبيه، أي كاد المشركون يكونون مثل اللَبد متراصين مقتربين منه يستمعون قراءته ودعوته إلى توحيد الله. وهو التفاف غيظ وغضب وهمٍ بالأذى كما يقال: تأَلبوا عليه. ومعنى {قام}: اجتهد في الدعوة إلى الله، كقوله تعالى: {أية : إذ قاموا فقالوا ربّنا ربّ السماوات والأرض} تفسير : في سورة الكهف (14)، وقال النابغة: شعر : بأن حِصنا وحيّاً من بني أسد قَاموا فقالوا حمانا غير مقروب تفسير : وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ويقيمون الصلاة}تفسير : في أول سورة البقرة (3). ومعنى قيام النبي إعلانه بالدعوة وظهور دعوته قال جَزْءٌ بنُ كليب الفقعسي: شعر : فلا تبغينها يا بنَ كُوز فإنه غذَا الناسُ مُذ قام النبي الجواريا تفسير : أي قام يعبدُ الله وحده، كما دل عليه بيانه بقوله بعده: {قال إنما أدعو ربّي ولا أشرك به أحداً}، فهم لما لم يعتادوا دعاء غير الأصنام تجمعوا لهذا الحدث العظيم عليهم وهو دعاء محمد صلى الله عليه وسلم لله تعالى. وجملة {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً} بيان لجملة {يدعوه}. وقرأ الجمهور {قال} بصيغة الماضي. وقرأه حمزة وعاصم وأبو جعفر {قل} بدون ألف على صيغة الأمر، فتكون الجملة استئنافاً. والتقدير: أوحي إلي أنه لما قام عبد الله إلى آخره قل إنما أدعو ربي، فهو من تمام ما أوحي به إليه. و {إنما أدعو ربي}، يفيد قصراً، أي لا أدعو غيره، أي لا أعبد غيره دونه. وعطف عليه {ولا أشرك به أحداً} تأكيداً لمفهوم القصر، وأصله أن لا يعطف فعطفه لمجرد التشريك للعناية باستقلاله بالإِبلاغ.
د. أسعد حومد
تفسير : (19) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّ الجِنَّ لَمَّا سَمِعُوا عَبْدَ اللهِ مُحَمَّداً يَتْلُوا القُرْآنَ كَادُوا يَكُونُونَ حَوْلَهُ جَمَاعَاتٍ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضاً تَعَجُّباً، مِمَا سَمِعُوا مِنْ تِلاَوَتِهِ. لِبَداً - طَبَقَاتٍ مِثْلَ اللّبَدِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} أي جماعاتٍ واحدُها لِبْدَةٌ.
همام الصنعاني
تفسير : 3357- قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لِبَداً}: [الآية: 19]، قال: لما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم، تلبدت الجن والإنس، فحرصُوا علَى أنْ يطفئوا هَذا النُّور الذي أَنْزَلَ الله. 3358- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، عن عمرو بن دينار قال، قال الزبير، كانَ ذلك بنخلة والنبي صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في العشاءِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):