٧٢ - ٱلْجِنّ
72 - Al-Jinn (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِ } ذكروا في هذا الاستثناء وجوهاً أحدها: أنه استثناء من قوله: {أية : لا أَمْلِكُ } تفسير : [الجن: 21] أي لا أملك لكم ضراً ولا رشداً إلا بلاغاً من الله، وقوله: {أية : قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى } تفسير : [الجن: 22] جملة معترضة وقعت في البين لتأكيد نفي الاستطاعة عنه وبيان عجزه على معنى: أنه تعالى إن أراد به سوءاً لم يقدر أحد أن يجيره منه، وهذا قول الفراء. وثانيها: وهو قول الزجاج: أنه نصب على البدل من قوله: {أية : مُلْتَحَدًا } تفسير : [الجن: 22] والمعنى: ولن أجد من دونه ملجأ إلا بلاغاً، أي لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به، وأقول هذا الاستثناء منقطع لأنه تعالى لما لم يقل ولن أجد ملتحداً بل قال: {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً }، والبلاغ من الله لا يكون داخلاً تحت قوله: {مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } لأن البلاغ من الله لا يكون من دون الله، بل يكون من الله وبإعانته وتوفيقه ثالثها: قال بعضهم: (إلا) معناه إن (لا) ومعناه: إن لا أبلغ بلاغاً كقولك: (إلا) قياماً فقعوداً، والمعنى: إن لا أبلغ لم أجد ملتحداً، فإن قيل: المشهور أنه يقال بلغ عنه قال عليه السلام: «حديث : بلغوا عني، بلغوا عني» تفسير : فلم قال ههنا: {بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ }؟ قلنا: (من) ليست (بصفة للتبلغ) إنما هي بمنزلة (من) في قوله: {أية : بَرَاءةٌ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة:1] بمعنى بلاغاً كائناً من الله. أما قوله تعالى: {وَرِسَـٰلَـٰتِهِ } فهو عطف على {بَلاَغاً } كأنه قال: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، والمعنى إلا أن أبلغ عن الله فأقول: قال الله كذا ناسباً القول إليه وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان. قوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } قال الواحدي إن مكسورة الهمزة لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء ولذلك حمل سيبويه قوله: {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } تفسير : [المائدة: 95] {أية : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ } تفسير : [البقرة: 126] {أية : فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ } تفسير : [الجن: 13] على أن المبتدأ فيها مضمر وقال صاحب «الكشاف» وقرىء: {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } على تقدير فجزاؤه أن له نار جهنم كقولك: {أية : فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } تفسير : [الأنفال: 41] أي فحكمه أن لله خمسه. ثم قال تعالى: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } حملاً على معنى الجمع في (من) وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: استدل جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن فساق أهل الصلاة مخلدون في النار وأن هذا العموم يشملهم كشموله الكفار، قالوا: وهذا الوعيد مشروط بشرط أن لا يكون هناك توبة ولا طاعة أعظم منها، قالوا: وهذا العموم أقوى في الدلالة على هذا المطلوب من سائر العمومات لأن سائر العمومات ما جاء فيها قوله: {أَبَدًا } فالمخالف يحمل الخلود على المكث الطويل، أما ههنا (فقد) جاء لفظ الأبد فيكون ذلك صريحاً في إسقاط الاحتمال الذي ذكره المخالف والجواب: أنا بينا في سورة البقرة وجوه الأجوبة على التمسك بهذه العمومات، ونزيد ههنا وجوهاً أحدها: أن تخصيص العموم بالواقعة التي لأجلها ورد ذلك العموم عرف مشهور، فإن المرأة إذا أرادت أن تخرج من الدار ساعة فقال الزوج إن خرجت فأنت طالق يفيد ذلك اليمين بتلك الساعة المعينة حتى إنها لو خرجت في يوم آخر لم تطلق، فههنا أجرى الحديث في التبليغ عن الله تعالى، ثم قال: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } يعني جبريل: {فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } أي من يعص الله في تبليغ رسالاته وأداء وحيه فإن له نار جهنم، وإذا كان ما ذكرنا محتملاً سقط وجه الاستدلال الوجه الثاني: وهو أن هذا الوعيد لا بد وأن يتناول هذه الصورة لأن من القبيح أن يذكر عقيب هذه الواقعة حكماً لا تعلق له بها، فيكون هذا الوعيد وعيداً على ترك التبليغ من الله، ولا شك أن ترك التبليغ من الله أعظم الذنوب، والعقوبة المترتبة على أعظم الذنوب، لا يجوز أن تكون مرتبة على جميع الذنوب، لأن الذنوب المتفاوتة في الصغر والكبر لا يجوز أن تكون متساوية في العقوبة، وإذا ثبت أن هذه العقوبة على هذا الذنب، وثبت أن ما كان عقوبة على هذا الذنب لا يجوز أن يكون عقوبة على سائر الذنوب، علمنا أن هذا الحكم مختص بهذا الذنب وغير متعد إلى سائر الذنوب الوجه الثالث: وهو أنه تعالى ذكر عمومات الوعيد في سائر آيات القرآن غير مقيدة بقيد الأبد، وذكرها ههنا مقيدة بقيد الأبد، فلا بد في هذا التخصيص من سبب، ولا سبب إلا أن هذا الذنب أعظم الذنوب، وإذا كان السبب في هذا التخصيص هذا المعنى، علمنا أن هذا الوعيد مختص بهذا الذنب وغير متعد إلى جميع الذنوب، وإذا ثبت أن هذا الوعيد مختص بفاعل هذا الذنب، صارت الآية دالة على أن حال سائر المذنبين بخلاف ذلك لأن قوله: {فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } معناه أن هذه الحالة له لا لغيره، وهذا كقوله: {لَكُمْ دِينَكُمْ } أي لكم لا لغيركم. وإذا ثبت أن لهم هذه الحالة لا لغيرهم، وجب في سائر المذنبين أن لا يكون لهم نار جهنم على سبيل التأبيد، فظهر أن هذه الآية حجة لنا عليهم. وعلى تمسكهم بالآية سؤال آخر، وهو أن قوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } إنما يتناول من عصى الله ورسوله بجميع أنواع المعاصي، وذلك هو الكافر ونحن نقول: بأن الكافر يبقى في النار مؤبداً، وإنما قلنا إن قوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } إنما يتناول من عصى الله بجميع أنواع المعاصي لأن قوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ } يصح استثناء جميع أنواع المعاصي عنه، مثل أن يقال ومن يعص الله إلا في الكفر وإلا في الزنا، وإلا في شرب الخمر، ومن مذهب القائلين بالوعيد أن حكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلاً تحت اللفظ وإذا كان كذلك، وجب أن يكون قوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ } متناولاً لمن أتى بكل المعاصي، والذي يكون كذلك هو الكافر، فالآية مختصة بالكافر على هذا التقدير، فسقط وجه الاستدلال بها. فإن قيل: كون الإنسان الواحد آتياً لجميع أنواع المعاصي محال، لأن من المحال أن يكون قائلاً بالتجسم، وأن يكون مع ذلك قائلاً بالتعطيل، وإذا كان ذلك محالاً فحمل الآية عليه غير جائز قلنا: تخصيص العام بدليل العقل جائز، فقولنا: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ } يفيد كونه آتياً بجميع أنواع المعاصي، ترك العمل به في القدر الذي امتنع عقلاً حصوله فيبقى متناولاً للآتي بجميع الأشياء التي يمكن الجمع بينها، ومن المعلوم أن الجمع بين الكفر وغيره ممكن فتكون الآية مختصة به. المسألة الثانية: تمسك القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية فقالوا: تارك المأمور به عاص لقوله تعالى: {أية : أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } تفسير : [طه: 93]، {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ } تفسير : [التحريم: 6]، {أية : لا أَعْصِى لَكَ أمْراً } تفسير : [الكهف: 69] والعاصي مستحق للعقاب لقوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً }.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلاَّ بَلَٰغَاً } استثناء من مفعول أملك، أي لا أملك لكم إلا البلاغ إليكم {مِنَ ٱللَّهِ } أي عنه {وَرِسَٰلَٰتِهِ } عطف على بلاغاً وما بين المستثنى منه والاستثناء اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في التوحيد فلم يؤمن {فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ } حال من ضمير من في «له» رعاية لمعناها، وهي حال مقدّرة، والمعنى يدخلونها مقدّراً خلودهم {فِيهَآ أَبَداً }.
ابن عطية
تفسير : اختلف الناس في تأويل قوله {إلا بلاغاً}: فقال الحسن ما معناه أنه استثناء منقطع، والمعنى لن يجيرني من الله أحد {إلا بلاغاً}، فإني إن بلغت رحمني بذلك، والإجارة: للبلاغ مستعارة إذ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته، وقال بعض النحاة على هذا المعنى هو استثناء متصل. والمعنى لن أجد ملتحداً {إلا بلاغاً}، أي شيئاً أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع، فيجبرني الله. وقال قتادة: التقدير لا أملك {إلا بلاغاً} إليكم، فأما الإيمان أو الكفر فلا أملكه. وقال بعض المتأولين {إلا} بتقدير الانفصال، و "إن" شرط و "لا" نافية كأنه يقول: ولن أجد ملتحداً إن لم أبلغ من الله ورسالته، و {من} في قوله {من الله} لابتداء الغاية. وقوله تعالى: {ومن يعص الله} يريد الكفر بدليل الخلود المذكور. وقرأ طلحة وابن مصرف، "فإن له" على معنى فجزاؤه أن له، وقوله {حتى إذا رأوا}، ساق الفعل في صيغة الماضي تحقيقاً لوقوعه. وقوله تعالى: {من أضعف} يحتمل أن تكون {مَن} في موضع رفع على الاستفهام والابتداء و {أضعف} خبرها، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بـ {سيعلمون}، و {أضعف} خبر لابتداء مضمر، ثم أمره تعالى بالتبري من معرفة الغيب في وقت عذابهم الذي وعدوا به، والأمد: المدة والغاية، و {عالم} يحتمل أن يكون بدلاً من {أية : ربي}تفسير : [الجن: 20] ويحتمل أن يكون خبر ابتداء مضمر على القطع، وقرأ السدي: "عالم الغيب" على الفعل الماضي ونصب الباء، وقرأ الحسن: "فلا يَظهَر" بفتح الياء والهاء "أحدٌ" بالرفع. وقوله تعالى: {إلا من ارتضى من رسول} معناه فإنه يظهره على ما شاء مما هو قليل من كثير، ثم يبث تعالى حول ذلك الملك الرسول حفظة {رصداً} لإبليس وحزبه من الجن والإنس، وقوله تعالى: {ليعلم} قال قتادة معناه {ليعلم} محمد أن الرسل {قد أبلغوا رسالات ربهم} وحفظوا ومنع منهم. وقال سعيد بن جبير: معناه يعلم محمد أن الملائكة الحفظة، الرصد النازلين بين يديه جبريل وخلفه {قد أبلغوا رسالات ربهم}. وقال مجاهد {ليعلم} من كذب وأشرك أن الرسل قد بلغت. قال القاضي أبو محمد: وهذا العلم لا يقع لهم إلا في الآخرة، وقيل معناه {ليعلم} الله رسالته مبلغة خارجة إلى الوجود لأن علمه بكل شيء قد تقدم، وقرأ الجمهور: "ليَعلم" بفتح الياء أي الله تعالى. وقرأ ابن عباس: "ليُعلم" بضم الياء، وقرأ أبو حيوة: "رسالة ربهم" على التوحيد، وقرأ ابن أبي عبلة: "وأحيط" على ما لم يسم فاعله، وقوله تعالى: {وأحصى كل شيء} معناه كل شيء معدود، وقوله تعالى: {ليعلم} الآية، مضمنه أنه تعالى قد علم ذلك، فعلى هذا الفعل المضمر انعطف {وأحاط}، {وأحصى} والله المرشد للصواب بمنه.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلا بَلاغاً} لا أملك لكم ضرّاً ولا رشداً إلا أن أبلغكم رسالات ربي أو لن يجيرني منهم إن أحدٌ لم أبلغ رسالته.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {إِلاَّ بَلاَغاً} قال قتادة: التقدير: لا أمْلِكُ إلاَّ بَلاَغاً إلَيْكُمْ، فأمَّا الإيمانُ وَالكُفْرُ، فَلاَ أَمْلِكُهُ، وقال الحسن: ما معناه أَنَّه اسْتِثْنَاءٌ منْقَطِع، والمعنى: لَنْ يجيرَني مِنَ اللَّه أحَدٌ إلا بلاغاً فإنّي إنْ بَلَّغْتُ، رَحِمَنِي بذلك، أي: بِسَبَبِ ذلك. وقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ} يريدُ: بالكفر، بدليلِ تَأبِيدِ الخلود.
البقاعي
تفسير : ولما كان من المعلوم أن هذا شيء لا مثنوية فيه، وكانت الرتب التي دون شريف رتبته سبحانه كثيرة جداً لما له من العلو المطلق وكان ما يليها له حكم شرفها وحقيقها، وكان أول ذلك البلاغ منه سبحانه بلا واسطة ثم البلاغ بواسطة ملائكته الكرام منه، استثنى من "ملتحداً" على طريق لا ملجأً ولا منجى منك إلا إليك ففروا إلى الله فقال: {إلا بلاغاً} أي يبلغني كائناً {من الله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً، ولكنه لسعة رحمته يجري الأمور على ما يتعارفونه في أنه لا يأخذ أحداً إلا بحجة يعترفون بأنها حجة. ولما بين الرتبة الأولى التي هي أعلى، أتبعها التي تليها فقال: {ورسالاته} التي أوحي إليّ بها بواسطة الملك فإني أتلقى ذلك حق تلقيه بحفظه والعمل به فيكون، ذلك عاصماً من كل سوء في الدنيا والآخرة. ولما كان التقدير لبيان أن الله شرف الرسل بأن أعطاهم عظمة من عظمته فجعل عصيانهم عصيانه، فيكون جزاء من عصاهم هو جزاء من عصاه سبحانه وتعالى لأنهم إنما يتكلمون بأمره، فمن يطع الله ورسوله فإن له جنة نعيم يكونون فيها مدى الدهر سعداء، عطف عليه قوله: {ومن يعص الله} أي الذي له العظمة كلها {ورسوله} الذي ختم به النبوة والرسالة فجعل رسالته محيطة بجميع خلقه في التوحيد أو غيره على سبيل الجحد {فإن له} أي خاصة {نار جهنم} أي التي تلقاه بالعبوسة والغيظ، ولما عبر بالإفراد نظراً إلى لفظ "من" لأنه أصرح في كل فرد، عبر بالجمع حملاً على معناها لأنه أدل على عموم الذل فقال: {خالدين فيها} وأكد المعنى وحققه لقول من يدعي الانقطاع فقال: {أبداً *} وأما من يدعي أنها تحرق وأن عذابها عذوبة فليس أحد أجنّ منه إلا من يتابعه على ضلاله وغيه ومحاله، وليس لهم دراء إلا السيف في الدنيا والعذاب في الآخرة بما سموه عذوبة وهم صائرون إليه وموقوفون عليه. ولما ذكر تلبدهم عليه وقدم ما هو الأهم من أمره من كشف غمومهم بإعلامهم أن ذلك الذي أنكروه عليه هو الذي يحق له، ومن أنه مع ضعفه عن مقاواتهم هو عن الإعراض عن الله أضعف لأن الله أقوى من كل شيء وأنه لا يسعه إلا امتثال أمره، وأشار إلى أنهم عاجزون عن سطواته سبحانه بعدم القدرة على الإجارة عليه، صرح بذلك مهدداً لهم، فقال مغيياً لتلبدهم عليه: {حتى إذا رأوا} أي بأبصارهم فيه {ما} أي الشيء الذي. ولما كان المنكي من الوعيد بروكه على كل من كان لأجله الوعيد لا كونه من معين قال: {يوعدون} أي ما حصل الإيعاد في الدنيا أو في الآخرة أما في الآخرة فواضح، وأما في الدنيا فمثل إخراج النبي صلى الله عليه وسلم مع اجتماع المشركين على المكر به لقتله واجتهادهم في ذلك ثم سراياه وغزواته مثل غزوة بدر وغيرها من أيام الله التي ملأت الأرض نوراً وأهل الحق سروراً وحبوراً، وأهل الباطل خسراً وبوراً ورعباً وهلاكاً وقبوراً {فسيعلمون} أي من ذلك اليوم الذي يكون فيه تأويله بوعد لا خلف فيه ولا طولاً لأمده {من أضعف ناصراً} أي من جهة الناصر أنا وإن كنت في هذا الوقت وحيداً مستضعفاً أو هم {وأقل عدداً *} وإن كانوا الآن بحيث لا يحصيهم عدداً إلا الله سبحانه، فيا لله ما أعظم كلام الرسل حيث يستضعفون أنفسهم من حيث هي، ويذكرون قوتهم من جهة مولاهم الذي بيده الملك وله جنود السماوات والأرض بخلاف أهل الإلحاد فإنه لا كلام لهم إلا في تعظيم أنفسهم وازدراء من سواهم، وإذا حاققت أحداً من أتباع أحد منهم قال هذا على لسان النبوة - ونحو هذا من مخادعاتهم. ولما كان من المعلوم أنهم إذا سمعوا هذا الوعيد قالوا استهزاء وعمى عن طريق الصواب واستعلاء: متى يكون عجل به، استأنف قوله جواباً لهم جواب من لا يستخفه عجلة ولا ضجر لأنه لا يخاف الفوت ولا يلحقه ضرر ببقاء العدو واجتهادهم في أذى أوليائه ميبناً ما يجوز على الرسل من أنه يخفى عليهم ما على البشر ويطلعهم الله تعالى ما يخفي على غيرهم: {قل} أي في جوابهم إن كذبوا بإتيانهم العذاب وسألوا استهزاء منه عن وقت وقوعه أما كونه فلا بد منه لأنه قد برز الوعيد به ممن لا يخلف الميعاد، وأما تعيين وقته فقد أخفاه سبحانه لأنه أقعد في التهديد وهو معنى قوله: {إن} أي ما {أدري} بوجه من الوجوه وإن عالجت ذلك وتسببت فيه، وزاد في تقرير خفائه وأنه لا يزال في حيز ما يسأل عنه بصيغة الاستفهام فقال مقدماً ما يخفيهم: {أقريب ما توعدون} أي يكون الآن أو قريباً من هذا الأوان بحيث يتوقع عن قرب {أم} بعيد {يجعل له} أي لهذا الوعي. ولما كان التأخير ربما أفهم تهاوناً بالولي. فقال دافعاً لذلك: {ربي} أي المحسن إليّ إن قدمه أو أخره {أمداً *} أي أجلاً مضروباً عظيماً بكل اعتبار حتى في البعد لا يتأتى مع ذلك أن يكون الآن ولا أن يتوقع دون ذلك الأمد، فهو في كل حال متوقع فكونوا على غاية الحذر لأنه لا بد من وقوعه فوقوعه لا كلام فيه، وإنما الكلام في تعيين وقته.
اسماعيل حقي
تفسير : {الا بلاغا من الله} استثناء متصل من قوله لا املك اى من مفعوله فان التبليغ ارشاد ونفع وما بينهما اعتراض مؤكد لنفى الاستطاعة عن نفسه فلا يضر طول الفصل بينهما وفائدة الاستثناء المبالغة فى توصيف نفسه بالتبليغ لدلالته على انه لا يدع التبليغ الذى يستطيعه لتظاهرهم على عداوته وقوله من الله صفة بلاغا اى بلاغا كائنا منه وليس متعلقا بقوله بلاغا لان صلة التبليغ فى المشهور انما هى كلمة عن دون من وبلاغا واقع موضع التبليغ كما يقع السلام والكلام موقع التسليم والتكليم او استثناء من قوله ملتحدا اى لن اجد من دونه تعالى منجى الا ان ابلغ عنه ما ارسلنى به فهو حينئذ منقطع فان البلوغ ليس ملتحدا من دون الله لانه من الله وباعانته وتوفيقه {ورسالاته} عطف على بلاغا باضمار المضاف وهو البلاغ اى لا املك لكم الا تبليغا كائنا منه تعالى وتبليغ رسالاته التى ارسلنى بها يعنى الآن ابلغ عن الله وقول قال الله كذا ناسبا للمقالة اليه وان ابلغ رسالاته التى ارسلنى بها من غير زيادة ولا نقصان وقال سعدى المفتى لعل المراد من بلاغا من الله ما هو ما يأخذه منه تعالى بلا واسطة ومن رسالاته ما هو بها انتهى والمراد بالرسالة هو ما ارسل الرسول به من الامور والاحكام والاحوال لا معنى المصدر والظاهر أن المراد الا التبليغ والرسالة من الله تعالى وجمع الرسالة باعتبار تعدد ما ارسل هو به {ومن يعص الله ورسوله} فى الامر بالتوحيد بأن لا يمتثل امرهما به ودعوتهما اليه فيشرك به اذ الكلام فيه وهو يصلح ان يكون مخصصا للعموم فلا متمسك للمعتزلة فى الآية على تخليد عصاة المؤمنين فى النار {فان له نار جهنم خالدين فيها} اى فى النار أو فى جهنم والجمع باعتبار المعنى {ابدا} بلا نهاية فهو دفع لان يراد بالخلود المكث الطويل.
الجنابذي
تفسير : {إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ} اى تبليغاً من جانب الله او بلوغ الوحى من الله الىّ وهو استثناء من ملتحداً او من احداً وضرّاً او رشداً، روى عن الكاظم (ع) انّه قال الاّ بلاغاً من الله ورسالاته فى علىٍّ (ع)، قيل: هذا تنزيل؟ - قال: نعم {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فى ولاية علىٍّ (ع) كما عن الكاظم (ع) {فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} من العذاب او من الحساب او من كون علىٍ (ع) قسيم الجنّة والنّار، او من الموت، او القائم (ع) وانصاره، او علىّ (ع) فى الرّجعة {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً} كما يقولون: نحن اقوياء واكثر عدداً من علىٍّ (ع).
اطفيش
تفسير : {إِلاَّ بَلاَغاً} استثناء من ملتحداً أي لن أجد مانعاً من عذابه إلا البلاغ وقيل استثناء من قوله لا أملك لكم اي الا البلاغ اليكم فإن التبلغ ارشاد وما بينهما معترض مؤكد لنفي الاستطاعة أو الإستثناء منقطع أي لكن أبلغ بلاغاً وعلى الإستثناء من ملتحداً يصح كونه بدلا هو أولى وقيل أن الشرطية أدغمت في لا النافية والشرط محذوف أي أن لا أبلغ بلاغاً وجوابها محذوف دل عليه ما قبله أي فلن أجد من دونه ملتحدا كقولك من يمنعني من عذابه إن لم أطعه وفيه حذف فعل الشرط وحذف الجواب والإدغام وذلك خلاف الأصل وفيه حذف الجواب مع أن الشرط مضارع غير مقرون بلم والمشهور اختصاص هذا بالضرورة وسهل الحذف للجواب والشرط معا كون بعض جملة الشرط باقيا وهو لا النافية والمصدر المفعول المطلق *{مِنَ اللهِ} نعت بلاغا ومتعلق به وعليه فمن للمجاوزة ويصح الابتداء *{وَرِسَالاَتِهِ} عطف على بلاغا كأنه قيل لا أملك لكم الا التبليغ والرسالات فالبلاغ اسم مصدر بمعنى التبليغ *{وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ} بأن لم يؤمن أو امن وعصي ولم يتب *{فَإِنَّ لَهُ نَارُ جَهَنَّمَ} وقرئ بالفتح المهمزة فالمبتدأ محذوف أي فجزاؤه أن له نار جهنم. {خَالِدِينَ} حال مقدرة جاءت على معنى من أي يدخلونها مقدراً خلودهم *{فِيهَا أَبَداً} فالخلود للمشرك وعصاة الموحدين كما يدل عليه عموم ومن يعصي الله ورسوله وكون الكلام السابق في التوحيد لا يوجب أن يكون المراد بالمعصية الشرك كما قيل ليختص الخلود به سلمنا أن المراد بها الشرك بدليل ما فيه الكلام وهو التوحيد لكن لنا أدلة من خارج على خلود العصاة.
اطفيش
تفسير : {إِلاَّ بَلاغاً مِّنَ اللهِ وَرِسالاتَهِ} استثناء متصل من قوله لا أملك والفصل بما بينهما ولو طال لا يضر لأَنه بمناسب وتأكيد وإِن فسرنا الضر والرشاد بالغى والصلاح كان الاستثناء منقطعاً أو من تأَكيد المدح بما يشبه الذم فيرجع إِلى الاتصال كقوله: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وذلك بالنظر إِلى ضراً أى لا أملك لكم ضراً إِلا بلاغاً إِلخ، وإِن استثنى من ملتحداً كان منقطعاً لأَن البلاغ والرسالات ليست من الملتحد. وعن الحسن أن الاستثناء منقطع، أى لن يجيرنى أحد لكن إِن بلغت رحمنى ربى، وقيل المعنى لن أجد شيئا أعتصم به إِلا إِن أبلغ فهو متصل ومن للابتداء أوبمعنى عن كما قال - صلى الله عليه وسلم - حديث : بلغوا عني ولو آيةتفسير : ، وما تقدم أولى والمعنى لا أملك لكم إِلا تبليغاً منه أو عنه ورسالاته التى أرسلنى بها الله عز وجل، وقيل رسالات معطوف على لفظ الجلالة أى إِلا إِن أبلغ عن الله وعن رسالاته. {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ} بالإِشراك أو بالكبيرة مصراً عليهاز {فَإِنَّ لَهُ} للعاصى واللام للاستحقاق. {نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ} حال مقدرة من ضمير الاستقرار والجمع لمعنى من {فِيها أبَداً} بلا نهاية.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ } استثناء من مفعول{أية : لاَ أَمْلِكُ}تفسير : [الجن: 21] كما يشير إليه كلام قتادة، وما بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة فلا اعتراض بكثرة الفصل المبعدة لذلك، فإن كان المعنى لا أملك أن أضركم ولا أنفعكم كان استثناء متصلاً كأنه قيل لا أملك شيئاً إلا بلاغاً وإن كان المعنى لا أملك أن أقسركم على الغي والرشد كان منقطعاً أو من باب: شعر : لا عيب فيهم/ غير أن سيوفهم تفسير : كما في «الكشف». وظاهر كلام بعض الأجلة أنه إما استثناء متصل من {أية : رَشَداً}تفسير : [الجن: 21] فإن الإبلاغ إرشاد ونفع والاستثناء من المعطوف دون المعطوف عليه جائز وإما استثناء منقطع من {أية : مُلْتَحَداً}تفسير : [الجن: 22] قال الرازي: لأن البلاغ من الله تعالى لا يكون داخلاً تحت قوله سبحانه {مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} لأنه لا يكون من دون الله سبحانه بل منه جل وعلا وبإعانته وتوفيقه. وفي «البحر» قال الحسن هو استثناء منقطع أي لن يجيرني أحد لكن إن بلغت رحمني بذلك. والإجارة مستعارة للبلاغ اذ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته سبحانه. وقيل هو على هذا المعنى استثناء متصل والمعنى لن أجد شيئاً أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيرني فيجوز نصبه على الاستثناء من {مُلْتَحَداً} أو على البدل وهو الوجه لأن قبله نفياً وعلى البدل خرجه الزجاج انتهى والأظهر ما تقدم وقيل أن (إلا) مركبة من إن الشرطية و(لا) النافية والمعنى أن لا أبلغ بلاغاً وما قبله دليل الجواب فهو كقولك إلا قياماً فقعوداً وظاهره ان المصدر سد مسد الشرط كمعمول كان، ولهم في حذف جملة الشرط مع بقاء الأداة كلام والظاهر أن اطراد حذفه مشروط ببقاء لا كما في قوله: شعر : فطلقها فلست لها بكفء وإلا يعل مفرقك الحسام تفسير : ما لم يسد مسده شيء من معمول أو مفسر كـ {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ}تفسير : [التوبة: 6] والناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير وهذا الوجه خلاف المتبادر كما لا يخفى. وقوله تعالى: {وَرِسَـٰلَـٰتِهِ } عطف على {بَلاَغاً} و{مِّنَ ٱللَّهِ} متعلق بمحذوف وقع صفة له أي بلاغاً كائناً من الله وليس بصلة له لأنه يستعمل بعن كما في قوله صلى الله عليه وسلم:((حديث : بلغوا عني ولو آية)) تفسير : والمعنى على ما علمت أولاً في الاستثناء لا أملك لكم إلا تبليغاً كائناً منه تعالى ورسالاته التي أرسلني عز وجل بها. وفي «الكشف» في الكلام إضمار أي بلاغ رسالاته، وأصل الكلام الإ بلاغ رسالات الله فعدل إلى المنزل ليدل على التبليغين مبالغة وأن كلاً من المعنيين أعني كونه من الله تعالى وكونه بلاغ رسالاته يقتضي التشمر لذلك انتهى. وفي عبارة «الكشاف» رمز ما إليه لكن قيل عليه لا ينبغي تقدير المضاف فيه أعني بلاغ فإنه يكون العطف حينئذٍ من عطف الشيء على نفسه إلا أن يوجه بأن البلاغ من الله تعالى فيما أخذه عنه سبحانه بغير واسطة والبلاغ للرسالات فيما هو بها وهو بعيد غاية البعد فافهم. واستظهر أبو حيان عطفه على الاسم الجليل فقال الظاهر عطف {رِسَـٰلَـٰتِهِ} على {ٱللَّهِ} أي إلا أن أبلغ عن الله وعن رسالاته. وظاهره جعل (من) بمعنى عن وقد تقدم منه أنها لابتداء الغاية. وقرىء (قال لا أملك) أي قال عبد الله للمشركين أو للجن وجوز أن يكون من حكاية الجن لقومهم. هذا ووجه ارتباط الآية بما قبلها قيل بناء على أن التلبد للعداوة أنهم لما تلبدوا عليه صلى الله عليه وسلم متظاهرين للعداوة قيل له عليه الصلاة والسلام {أية : قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً}تفسير : [الجن: 21] أي ما أردت إلا نفعكم وقابلتموني بالإساءة وليس في استطاعتي النفع الذي أردت ولا الضر الذي أكافؤكم به إنما ذاك إلى الله تعالى، وفيه تهديد عظيم وتوكيل إلى الله جل وعلا وأنه سبحانه هو الذي يجزيه بحسن صنيعه وسوء صنيعهم ثم فيه مبالغة من حيث إنه لا يدع التبليغ لتظاهرهم هذا فإن الذي يستطيعه عليه الصلاة والسلام هو التبليغ ولا يدع المستطاع ولهذا قال {إِلاَّ بَلاَغاً} وجعله بدلاً من {أية : مُلْتَحَداً}تفسير : [الجن: 22] شديد الطباق على هذا والشرط قريب منه وأما إن كان الخطاب للجن والتلبد للتعجب فالوجه أنهم لما تلبدوا لذلك قيل له عليه الصلاة والسلام قل لهم ما لكم ازدحمتم عليَّ متعجبين مني ومن تطامن أصحابـي على العبادة اني ليس إليَّ النفع والضر إنما أنا مبلغ عن الضار النافع فأقبلوا أنتم مثلنا على العبادة ولا تقبلوا على التعجب فإن العجب ممن يعرض عن المنعم المنتقم الضار النافع ولعل اعتبار قوة الارتباط يقتضي أولوية كون التلبد كان للعداوة ومعصية الرسول عليه الصلاة والسلام. {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي في الأمر بالتوحيد إذ الكلام فيه فلا يصح استدلال المعتزلة ونحوهم بالآية / على تخليد العصاة في النار. وجوز أن يراد بالرسول رسول الملائكة عليهم السلام دون رسول البشر فالمراد بعصيانه أن لا يبلغ المرسل إليه ما وصل إليه كما وصل وهو خلاف الظاهر. {فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } أي في النار أو في جهنم وجمع (خالدين) باعتبار معنى (من) كما أن الإفراد قبل باعتبار لفظها ولو روعي هنا أيضاً لقيل خالداً. {أَبَدًا } بلا نهاية. وقرأ طلحة (فأن) بفتح الهمزة على أن التقدير كما قال ابن الأنباري وغيره فجزاءه أن له الخ وقد نص النحاة على أن أن بعد فاء الشرط يجوز فيها الفتح والكسر فقول ابن مجاهد ما قرأ به أحد وهو لحن لأنه بعد فاء الشرط ناشىء من قلة تتبعه وضعفه في النحو.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 23- لكن أملك تبليغاً عن الله ورسالاته التى بعثنى بها، ومن يعص الله ورسوله فأعرَضَ عن دين الله فإن له نار جهنم باقياً فيها أبداً. 24- حتى إذا أبصروا ما يوعدونه من العذاب، فسيعلمون - عند حلوله بهم - من أضعف ناصراً وأقل عدداً أهم أم المؤمنون؟. 25- قل: ما أدرى - أيها الكافرون - أقريب ما توعدون من العذاب، أم يجعل له ربى غاية بعيدة؟! 26، 27- هو عالم الغيب، فلا يطلع على غيبه أحداً من خلقه، إلا رسولاً ارتضاه لعلم بعض الغيب، فإنه يدخل من بين يدى الرسول ومن خلفه حفظة من الملائكة تحول بينه وبين الوساوس. 28- ليعلم الله - وعلمه كائن ومحيط - أن الأنبياء قد أبلغوا رسالات ربهم، وقد علم تفصيلا بما عندهم، وعلم عدد الموجودات كلها، لا يغيب عنه شئ منها.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَلاَغاً} {رِسَالاَتِهِ} {خَالِدِينَ} (23) - وَلَكِنَّنِي إِنْ بَلَّغْتُ رِسَالَةَ اللهِ، وَقُمْتُ بِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَبِّي، فَإِنَّهُ تَعَالَى يُجِيرُنِي، وَيَحْمِينِي مِنْ كُلِّ سُوءٍ. وَمَنْ يَعْصِ اللهَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَيُكَذِّبُ رَسُولَهُ وَآيَاتِهِ، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا، وَيَبْقَى فِيهَا خَالِداً أَبداً، لاَ مَخْرَجَ لَهُ مِنْهَا وَلاَ مَهْرَبَ.
الجيلاني
تفسير : {إِلاَّ بَلاَغاً} وتبليغاً {مِّنَ ٱللَّهِ} ما أوحى إليَّ {وَ} سوى أداء {رِسَالاَتِهِ} التي أرسلني بها، وما لي سوى الإبلاغ والتبليغ {وَ} من جملة ما أُوحي ليَّ: إنه {مَن يَعْصِ ٱللَّهَ} ويعرض عنه وعن عبادته من عباده {وَ} لم يصدق {رَسُولَهُ} المستخلف منه، القائم بأمره {فَإِنَّ لَهُ} أي: حق وثبت له {نَارَ جَهَنَّمَ} في النشأة الأخرى، وبالجملة: صار العاصون المعرضون {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [الجن: 23] لا نجاة لهم منها أصلاً. وهم لا يزالون لى عصيانهم بالله، مستظهرين بما معهم من الجاه والثروة، وكثرة الأموال والأولاد في نشأتهم الأولى {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} في النشأة الأخرى {فَسَيَعْلَمُونَ} حينئذٍ {مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً} [الجن: 24] النبي وأتباعه، أم المشركون ومن معهم؟. وبعدما سمع المشركون: {إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} قالوا على سبيل الإنكار الاستبعاد: متى يكون؟ فقيل من قِبَل الحق: {قُلْ} يا أكمل الرسل: إنه كائن لا محالة، لكن وقته مفوض إلى علم الله {إِنْ أَدْرِيۤ} أي: ما أعلم {أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ} أي: وقوعه وقيامه {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ} ولوقوعه {رَبِّيۤ أَمَداً} [الجن: 25] بعيداً، وأجلاً طويلاً؛ إذ هو من جملة الغيوب التي استأثر الله بها؟. إذ هو {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ} حسب حكمته {فَلاَ يُظْهِرُ} ولا يطلع {عَلَىٰ غَيْبِهِ} المختص به {أَحَداً} [الجن: 26] من خلقه. {إِلاَّ} أي: يطلع من بعض غيوبه على {مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} مأمور على غيبه، له قابلية الخلافة والنيابة عنه سبحانه {فَإِنَّهُ} يطلعه من غيبه على سبيل الوحي والإلهام حين {يَسْلُكُ} ويوكل سبحانه؛ لحفظه وحراسته {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي: بين يدي المرتضى {وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} [الجن: 27] حراساً من الملائكة يحرسونه من استراق الشياطين، واختطافهم وتخليطهم. وإنما فعل كذللك عند إطلاعه ووحيه إلى رسوله {لِّيَعْلَمَ} الرسول الموحى إليه {أَن} أي: إنه {قَدْ أَبْلَغُواْ} أي: حاملو الوحي مطلقاً {رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} على وجهها مصونة محروسة عن اختطاف الشياطين، وتخليطاتهم المغيرة لها {وَ} الحال إنه سبحانه قد {أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} أي: لدى لارسل والملائكة جميعاً علماً وحضوراً، بل {وَ} قد {أَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ} دخل في حيطة الوجود {عَدَداً} [الجن: 28] بحيث لاي يعزب عن حيطة علمه وإحاطته شيء مما لمع عليه برق الوجود. خاتمة السورة عليك أيها المحقق المنكشف بإحاطة العلم الإلهي ولوح قضائه، وقلم تصويره وتخطيطه أن تعتقد وتذعن أن عمومم ما رجى في ملكه وملكوته إنما هو بأمره ووحيه، ونفوذ قضائه ومضاء حكمه على حسب الحضور، بحيث يجتمع عند حضوره الأزل والأبد، والأولى والأخرى، والغيب والشهادة؛ إذ لا انقضاء دونه، ولا انصرام ولا تجدد لديه، ولا انخرام، بل الكل بالنسبة إلى قدرته وإرادته على سواء بلا تفاوت وتخالف. جعلنا الله من المنكشفين بحضور الحق وشهوده، مع كل شيء ودونه بمنِّه وجوده.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):