Verse. 5472 (AR)

٧٢ - ٱلْجِنّ

72 - Al-Jinn (AR)

قُلْ اِنْ اَدْرِيْۗ اَقَرِيْبٌ مَّا تُوْعَدُوْنَ اَمْ يَجْعَلُ لَہٗ رَبِّيْۗ اَمَدًا۝۲۵
Qul in adree aqareebun ma tooAAadoona am yajAAalu lahu rabbee amadan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل إن» أي ما «أدري أقريب ما توعدون»؟ من العذاب «أم يجعل له ربي أمدا» غاية وأجلا لا يعلمه إلا هو.

25

Tafseer

الرازي

تفسير : قال مقاتل: لما سمعوا قوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً } تفسير : [الجن: 24] قال النضر بن الحرث: متى يكون هذا الذي توعدنا به؟ فأنزل الله تعالى: {قُلْ إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ } إلى آخره والمعنى أن وقوعه متيقن، أما وقت وقوعه فغير معلوم، وقوله: {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّى أَمَداً } أي غاية وبعداً وهذا كقوله: {أية : وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 109] فإن قيل: أليس أنه قال: «حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين» تفسير : فكان عالماً بقرب وقوع القيامة، فكيف قال: ههنا لا أدري أقريب أم بعيد؟ قلنا: المراد بقرب وقوعه هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى، فهذا القدر من القرب معلوم، وأما معنى معرفة القرب القريب وعدم ذلك فغير معلوم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس: إنه لا علم له بوقت الساعة، ولا يدري: أقريب وقتها أم بعيد؟ { قُلْ إِنْ أَدْرِىۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّىۤ أَمَداً} أي: مدة طويلة، وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه عليه الصلاة والسلام لا يؤلف تحت الأرض كذب لا أصل له، ولم نره في شيء من الكتب، وقد كان صلى الله عليه وسلم يُسأل عن وقت الساعة، فلا يجيب عنها، ولما تبدى له جبريل في صورة أعرابي، كان فيما سأله أن قال: يا محمد فأخبرني عن الساعة؟ قال: «حديث : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» تفسير : ولما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جهوري فقال: يا محمد متى الساعة؟ قال: «حديث : ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟» تفسير : قال: أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله، قال: «حديث : فأنت مع من أحببت» تفسير : قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفّى، حدثنا محمد بن حمير، حدثني أبو بكر بن أبي مريم عن عطاء بن أبي رباح عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا بني آدم إن كنتم تعقلون، فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إن ما توعدون لآت»تفسير : . وقد قال أبو داود في آخر كتاب الملاحم: حدثنا موسى بن سهل، حدثنا حجاج بن إبراهيم، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لن تعجز الله هذه الأمة من نصف يوم» تفسير : انفرد به أبو داود، ثم قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثني صفوان عن شريح بن عبيد عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «حديث : إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم» تفسير : قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: "خمسمئة عام". انفرد به أبو داود. وقوله تعالى: { عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} هذه كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} تفسير : [البقرة: 255] وهكذا قال ههنا: إنه يعلم الغيب والشهادة، وإنه لا يطلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا مما أطلعه تعالى عليه، ولهذا قال: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} وهذا يعمّ الرسول الملكي والبشري. ثم قال تعالى: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} أي: يخصه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله، ويساوقونه على ما معه من وحي الله، ولهذا قال: { لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَداً} وقد اختلف المفسرون في الضمير الذي في قوله: {لِّيَعْلَمَ} إلى من يعود؟ فقيل: إنه عائد على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي عن جعفر عن سعيد بن جبير في قوله: { عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل {لِّيَعْلَمَ} محمد صلى الله عليه وسلم{أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَداً}. ورواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به. وهكذا رواه الضحاك والسدي ويزيد بن أبي حبيب. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّهِمْ} قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلّغت عن الله، وأن الملائكة حفظتها ودفعت عنها، وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، واختاره ابن جرير، وقيل غير ذلك، كما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: { إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان، حتى يتبين الذي أرسل به إليهم، وذلك حين يقول: ليعلم أهل الشرك أن قد أبلغوا رسالات ربهم. وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّهِمْ} قال: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم، وفي هذا نظر. وقال البغوي: قرأ يعقوب: {لِيُعْلَمَ} بالضم، أي: ليعلم الناس أن الرسل قد بلغوا. ويحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى الله عز وجل، وهو قول حكاه ابن الجوزي في زاد المسير، ويكون المعنى في ذلك: أنه يحفظ رسله بملائكته؛ ليتمكنوا من أداء رسالاته، ويحفظ ما ينزله إليهم من الوحي؛ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ويكون ذلك كقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} تفسير : [البقرة: 143] وكقوله تعالى: {أية : وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ} تفسير : [العنكبوت: 11] إلى أمثال ذلك من العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعاً لا محالة، ولهذا قال بعد هذا: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَداً}. آخر تفسير سورة الجن، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ إِنْ } أي ما {أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ } من العذاب {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّى أَمَداً } غاية وأجلاً لا يعلمه إلا هو؟.

الماوردي

تفسير : {عالِمُ الغيْب} فيه أربعة أوجه: أحدها: عالم السر، قاله ابن عباس. الثاني: ما لم تروه مما غاب عنكم، قاله الحسن. الثالث: أن الغيب القرآن، قاله ابن زيد. الرابع: أن الغيب القيامة وما يكون فيها، حكاه ابن أبي حاتم. {فلا يُظْهِرُ على غيْبه أَحَداً، إلا من ارتضى من رسول} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلا من ارتضى من رسول الله هو جبريل، قاله ابن جبير. الثاني: إلا من ارتضى من نبي فيما يطلعه عليه من غيب، قاله قتادة. {فإنه يَسْلُكُ مِن بَيْن يَدَيْه ومِنْ خَلْفه رَصَداً} فيه قولان: أحدهما: الطريق، ويكون معناه فإنه يجعل له إلى علم بعض ما كان قبله وما يكون بعده طريقاً، قاله ابن بحر. الثاني: أن الرصد الملائكة، وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم حفظة يحفظون النبي صلى الله عليه وسلم من الجن والشياطين من أمامه وورائه، قاله ابن عباس وابن زيد، قال قتادة: هم أربعة. الثاني: أنهم يحفظون الوحي فما جاء من الله قالوا إنه من عند الله، وما ألقاه الشيطان قالوا إنه من الشيطان، قاله السدي. الثالث: يحفظون جبريل إذا نزل بالوحي من السماء أن يسمعه الجن إذا استرقوا السمع ليلقوه إلى كهنتهم قبل أن يبلغه الرسول إلى أمته، قاله الفراء. {ليعْلَمَ أنْ قد أبْلَغوا رسالاتِ ربِّهم} فيه خمسة أوجه: أحدها: ليعلم محمد أن قد بلغ جبريل إليه رسالات ربه، قاله ابن جبير، وقال: ما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة من الملائكة. الثاني: ليعلم محمد أن الرسل قبله قد بلغت رسالات الله وحفظت، قاله قتادة. الثالث: ليعلم من كذب الرسل أن الرسل قد بلغت عن ربها ما أمرت به، قاله مجاهد. الرابع: ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما أنزل الله عليهم، ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم، قاله ابن قتيبة. الخامس: ليعلم الله أن رسله قد بلغوا عنه رسالاته، لأنبيائه، قاله الزجاج. {وأحاط بما لديهم} قال ابن جريج: أحاط علماً. {وأحْصى كُلَّ شيءٍ عَدَداً} يعني من خلقه الذي يعزب إحصاؤه عن غيره.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ} يعني عَذَابَهم الذي وُعِدُوا به، والأمدُ المُدَّةُ والغايةُ. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} معناه فإنه يُظْهِرُه عَلَى ما شَاءَ مما هو قليلٌ من كثير، [ثم] يَبُثُّ تعالى حَوْلَ ذلك الملَكِ الرَّسُولِ حَفَظَةً رَصَداً لإبليسَ وحِزْبِه من الجنِ والإنْس. وقوله تعالى: {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ...} الآية، قال ابنُ جُبَيْرٍ: لِيعْلَمَ محمدٌ أنَّ الملائِكَة الحَفَظَةَ الرَّصَد النازِلينَ بَيْنَ يدي جبريلَ وخَلْفَه قَدْ أبلغوا رسالاتِ رَبِّهم، وقال مجاهد: معناه لِيَعْلَمَ مَنْ كَذَّبَ أو أشْرَكَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ، وقيل: المعنى لِيَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى رُسُلَه مُبَلِّغَةً خَارِجَةً إلى الوُجُودِ، لأَنَّ عِلْمَه بكلِّ شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ، والضميرُ في {أَحَاطَ } و{أَحْصَىٰ} للَّه سبحانه لاَ غَيْر.

ابن عادل

تفسير : قوله: {قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ}، يعني: قيام الساعة لا يعلمه إلاَّ اللَّهُ فهو غيب لا أعلم منه إلا ما يعلمنيه الله تعالى جلت قدرتهُ. قوله: {أَقَرِيبٌ}، خبرٌ مقدمٌ، و {مَّا تُوعَدُونَ} مبتدأ مؤخر، ويجوز أن يكون "قَرِيبٌ" مبتدأ لاعتماده على الاستفهام و "مَا تُوعَدُون" فاعل به، أي: أقريب الذي توعدون، نحو"أقَائِمٌ أبواك"، و "مَا" يجوز أن تكون موصولة فالعائد محذوف، وأن تكون مصدرية فلا عائد، و "أمْ" الظاهر أنها متصلة. وقال الزمخشريُّ: "فإن قلت: ما معنى قوله: {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً}، والأمد يكون قريباً وبعيداً، ألا ترى إلى قوله تعالى {أية : تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً}تفسير : [آل عمران: 30]، قلت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقرب الموعد، فكأنه قال: ما أدري أهو حالٌّ متوقع في كُلِّ ساعة، أم مؤجل ضربت له غاية؟". وقرأ العامة: بإسكان الياء من "ربِّي". وقرأ الحرميان وأبو عمرو: بالفتح. فصل في تعلق الآية بما قبلها قال مقاتل: لما سمعوا قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً}. قال النضر بن الحارث: متى يكون هذا الذي توعدنا به؟. فقال الله تعالى: {قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ} إلى آخره، والمعنى أنَّ وقوعه متيقن، وأما وقت وقوعه فغير معلوم. وقوله تعالى: {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً}، أي: غاية وبعداً، وهذا كقوله تعالى: {إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ}. فإن قيل: أليس حديث : أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "بُعثْتُ أنَا والسَّاعَةُ كهَاتيْنِ"تفسير : فكان عالماً بقُربِ وقُوعِ القيامةِ، فكيف قال - هاهنا -: لا أردي أقريب أم بعيد؟. فالجواب: أن المراد بقرب وقوعه، هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى فهذا القدر من القرب معلوم، فأما معرفة القرب المرتب وعدم ذلك فغير معلوم. قوله: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ}، العامة: على رفعه، إما بدلاً من "ربِّي" وإما بياناً له وإما خبراً لمبتدأ مضمر، أي هو عالم. وقرىء: بالنصب على المدح. وقرأ السديُّ: علم الغيب، فعلاً ماضياً ناصباً للغيب. قوله: "فلا يُظهرُ". العامة: على كونه من "أظْهَر"، و "أحَداً" مفعول به. وقرأ الحسنُ: "يَظْهرُ" بفتح الياء والهاء من "ظهر" ثلاثياً، و "أحد" فاعل به. فصل في تفسير الغيب الغيب ما غاب عن العباد. وقد تقدم الكلام عليه أول البقرة. قوله: {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}. يجوز أن يكون استثناء منقطعاً، أي لكن من ارتضاه فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه بالوحي و "مِنْ" في قوله: "مِنْ رسُولٍ" لبيان المرتضين وقوله: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} بيان لذلك. وقيل: هو متصل، و "رَصَداً" تقدم الكلام عليه. ويجوز أن تكون "مِنْ"، شرطية، أو موصولة مضمنة معنى الشرط، وقوله "فإنَّهُ" خبر المبتدأ على القولين؛ وهو من الاستثناء المنقطع أيضاً، أي: لكن، والمعنى: لكن من ارتضاه من الرسل، فإنَّه يجعل له ملائكة رصداً يحفظونه. فصل في الكرامات قال الزمخشريُّ: "في إهذه الآية إبطال الكرامات؛ لأن الذين تضاف إليهم الكرامات، وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خصَّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وفيها أيضاً إبطال الكهانة والتنجيم لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء، وأدخل في السخط". قال الواحديُّ: وفيها دليل على أن من ادعى أنَّ النجوم تدل على ما يكون من حياة، أو موت، أو غير ذلك فقد كفر بما في القرآن. قال ابن الخطيب: واعلم أن الواحديَّ يجوز الكرامات، وأن يلهم الله أولياءه وقوع بعد الوقائع في المستقبل ونسبة الآية في الصورتين واحدة فإن جعل الآية دالة على المنع من أحكام النجوم، فينبغي أن يجعلها دالة على المنع من الكرامات على ما قاله الزمخشريُّ، فإن جوَّز الكرامات لزمه تجويز علم النجوم وتفريقه بينهما تحكم محض. قال ابن الخطيب: وعندي لا دلالة في الآية على شيء مما قالوه، إذ لا صيغة عموم في عينه لأنه لفظ مفرد مضاف فيحمل على غيب واحد، وهو وقت القيامة لأنه واقع بعد قوله {أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ} الآية. فإن قيل: فما معنى الاستثناء حينئذ؟. قلنا: لعله إذا قربت القيامةُ يظهر، وكيف لا، وقد قال: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً}تفسير : [الفرقان: 25] فتعلم الملائكة حنيئذ قيام القيامة، أو هو استثناء منقطع أي: من ارتضاه من رسول يجعل من بين يديه، ومن خلفه حفظة يحفظونه بأمر الله من شر مردة الجنِّ والإنس، ويدل على أنه ليس المراد منه ألا يطلع أحد على شيء من المغيبات أنه ثبت بما يقارب التواتر أن "شقّاً وسطيحاً" كانا كاهنين وقد عرفا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره وكانا مشهورين بهذا العلم عند العرب حتَّى يرجع إليهما كسرى، وربيعة بن مضر، فثبت أن اللَّه تعالى قد يطلع غير الرسل على شيء من المغيبات، وأيضاً هل المللِ على أن معبر الرؤيا، يخبر عن أمور مستقبلة، ويكون صادقاً فيه، وأيضاً: قد نقل السلطان سنجر بن ملك شاه كاهنة من بغداد إلى خراسان وسألها عن أمور مستقبلة فأخبرته بها فوقعت على وفق كلامها. قال ابن الخطيب: وأخبرني أناس محققون في علم الكلام والحكمة أنها أخبرت عن أمور غائبة بالتفصيل فكانت على وفق خبرها. وبالغ أبو البركات في كتاب "المعتبر" في شرح حالها وقالت: تفحصت عن حالها ثلاثين سنة، فتحققت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخباراً مطابقاً، وأيضاً فإنّا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة، وقد يوجد ذلك في السحرة أيضاً، وقد ترى الأحكام النجومية مطابقة وإن كانت قد تتخلف، فإن قلنا: إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن فيكون التأويل ما ذكرناه. فصل في معنى الآية قال القرطبيُّ: المعنى {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه، لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن بعض الغائبات كما ورد في التنزيل في قوله: {أية : وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ}تفسير : [آل عمران: 49]. وقال ابن جبير: {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} هو جبريل - عليه السلام - وفيه بعد، والأولى أن يكون المعنى لا يظهر على غيبه إلا من ارتضى، أي: اصطفاه للنبوة فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه ليكون ذلك دالاً على نبوته. فصل في استئثار الله بعلم الغيب ذكر القرطبيُّ أن العلماء قالوا: لما تمدح الله سبحانه وتعالى بعلم الغيب واستأثره دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأعلمهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ومن يضرب بالحصى وينظر في الكواكب ويزجر بالطير من ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وبتخمينه وكذبه. قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان مختلفو الأحوال والرتب فيهم الملك، والسوقة، والظالم، والجاهل، والعالم والغني، والفقير، والكبير مع اختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات نجومهم، فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة، فإن قال: إنما أغرقهم الطالع الفلاني الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك أن هذا الطالع أبطل أحكام هذه الطوالع كلِّها على اختلافها عند ولادة كل واحد منهم، وما يقتضيه طالعه المخصوص به، فلا فائدة إذ ذاك في عمل المواليد، ولا دلالة فيها على شقي، ولا سعيد، ولم يبق إلا معاندة القرآن الكريم؛ ولقد أحسن القائل: [الكامل] شعر : 4917 - حَكَمَ المُنجِّمُ أنَّ طَالعَ مَولِدِي يَقْضِي عَليَّ بِمَيتَةِ الغَرقِ قُلْ للمُنَجِّمِ صِبْحَةَ الطُّوفانِ هَلْ وُلِدَ الجَمِيعُ بكَوكَبِ الغَرقِ؟ تفسير : وقيل لعلي - رضي الله عنه - لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم والقمر لفي العقرب؟ فقال: فأين قمرهم؟ وكان ذلك في آخر الشهر. فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من البلاغة في الرد على من يقول بالتنجيم، وقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين، لا تسرِ في هذه الساعة وسِرْ بعد ثلاث ساعاة يمضين من النهار، فقال له علي - رضي الله عنه -: ولم؟. قال: إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك، وأصاب أصحابك بلاءٌ، وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت، وظهرت وأصبت ما طلبت، فقال علي - رضي الله عنه -: ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه منجم، ولا لنا من بعده. ثم قال: فمن صدقك في هذا القول لن آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله نداً، وضداً، اللَّهُمَّ لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ثم قال للمتكلم: نكذبك، ونخالفك، ونسير في الساعة التي تنهاها عنها، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدوا به في ظلمات البر والبحر، إنما المنجم كافر، والكافر في النار، والمنجم كالساحر، والساحر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم، أو تعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيتُ، ولأحرمنَّك العطاء، ما كان لي سلطان، ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها فلقي القوم فقتلهم، وهو وقعة "النَّهروان" الثابتة في "صحيح مسلم"، ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها، وظفرنا، وظهرنا لقال: إنَّما كان ذلك تنجيمي وما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم، ولا لنا من بعده، وقد فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر وسائر البلدان، ثم قال: يا أيها الناسُ، توكلوا على الله وثقوا به، فإنه يكفي ممن سواه. قوله: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً}، يعني: ملائكة يحفظونه من أن يقرب منه شيطان، فيحفظ الوحي من استراق الشياطين والإلقاء إلى الكهنة. قال الضحاك: ما بعث الله نبياً إلى ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين، أن يتشبهوا له بصورة الملك فإذا جاءه شيطان في صورة الملك، قالوا: هذا شيطان فاحذره، وإن جاء الملك قالوا: هذا رسول ربِّك. وقال ابن عباس وابن زيد: "رَصَداً"، أي: حفظةُ يحفظون النبي صلى الله عليه وسلم من أمامه، وورائه من الجن، والشياطين. وقال قتادة وسعيد بن المسيِّب: هم أربعة من الملائكة حفظة يحفظون الوحي بما جاء من عند الله. وقال الفرَّاءُ: فالمراد جبريل كان إذا نزل بالرسالة نزل معه ملائكة يحفظونه من أن يستمع الجن الوحي، فيلقونه إلى كهنتهم، فيسبقوا به الرسول. وقال السديُّ: "رَصَداً" أي: حفظة يحفظون الوحي، مما جاء من عند الله، وما ألقاه الشيطان قالوا: إنه من الشيطان، و "رَصَداً" نصب على المفعول. قال الجوهريُّ: "والرَّصدُ: القوم يرصدون كالحرس، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكور والمؤنث وربما قالوا: أرصاد، والرّاصد للشيء: الراقب له، يقال: رصده يرصده رصْداً ورصَداً، والتَّرصُّد: الترقب، والمرصد: موضع الرصد". قوله: {لِّيَعْلَمَ}. متعلق بـ"يَسْلكُ". والعامة: على بنائه للفاعل، وفيه خلاف. أي: ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة، قاله مقاتل وقتادة. قال القرطبيُّ: "وفيه حذف تتعلق به اللام، أي: أخبرناه بحفظنا الوحي، ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حاله من التبليغ بالحق والصدق". وقيل: ليعلم محمد أن قد أبلغ جبريل ومن معه إليه رسالة ربه. قاله ابن جبير، قال: ولم ينزل الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة - عليهم السلام -. وقيل: ليعلم الرسول أن الرسل سواه بلغوا. وقيل: ليعلم الله، [أي: ليظهر علمه للناس أنّ الملائكة بلغوا رسالات ربهم. وقيل: ليعلم الرسول، أي رسولٍ كان أنَّ الرسل سواه بلغوا]. وقيل: ليعلم إبليس أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه واستراق أصحابه. وقال ابن قتيبة: أي: ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما أنزل إليهم، ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم. وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن المرسلين، قد بلغوا رسالات ربهم. وقيل: ليعلم الملائكة. وهذان ضعيفان، لإفراد الضمير. والضمير في "أبْلغُوا" عائد على "من" في قوله: "من ارْتضَى" راعى لفظها أولاً، فأفرد في قوله {مِن بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ}، ومعناها ثانياً، فجمع في قوله "أبْلَغُوا" إلى آخره. وقرأ ابن عباس ومجاهد وزيد بن علي وحميد ويعقوب ليعلم مبنياً للمفعول أي ليعلم الناس أن الرسل قد بلغوا رسالاته. وقرأ ابن أبي عبلة والزهري: لِيُعلم" - بضم الياء وكسر اللام - أي: ليعلم الله رسوله بذلك. وقرأ أبو حيوة: "رِسَالة" بالإفراد، والمراد الجمع. وقرأ ابن أبي عبلة: "وأحيط، وأحصي" مبنيين للمفعول، "كل" رفع بـ"أحصي". قوله: "عَدَداً"، يجوز أن يكون تمييزاً منقولاً من المفعول به، والأصل: أحصى عدد كل شيء، كقوله تعالى: {أية : وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً}تفسير : [القمر: 12]، أي: عيون الأرض على خلاف سبق. ويجوز أن يكون منصوباً على المصدر من المعنى، لأن "أحْصَى" بمعنى "عَد"، فكأنه قيل: وعد كل شيء عدداً. أو يكون التقدير: وأحصى كلَّ شيء إحصاء، فيرد المصدر إلى الفعل، أو الفعل إلى المصدر. ومنع مكي كونه مصدراً للإظهار، فقال: "عَدَداً" نصب على البيان، ولو كان مصدراً لأدغم. يعني: أن قياسه أن يكون على "فَعْل" بسكون العين؛ لكنه غير لازم، فجاء مصدره بفتح العين. ولما كان "لِيعْلمَ" مضمناً معنى "قَد عَلِمَ ذلِكَ" جاز عطف "وأحَاطَ" على ذلك المقدر. قال القرطبي: "عَدَداً"، نصب على الحال، أي: أحصى كل شيء. فصل في معنى الإحاطة في الآية. المعنى: أحاط علمه بما عند الرسل، وما عند الملائكة. وقال ابن جبيرٍ: المعنى ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بما لديهم، فيبلغوا رسالاته {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} أي: علم كل شيء وعرفه فلم يخف عليه منه شيء، وهذه الآية تدل على أنه تعالى عالم بالجزئيات، وبجميع الموجودات. روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورَةَ الجِنِّ أُعْطِيَ بعَددٍ كُلِّ جنِّي وشيْطانٍ صدَّق بمُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وكذَّب بِهِ عِتْقُ رَقبةٍ"تفسير : . والله تعالى أعلم بالصواب.

القشيري

تفسير : أَي: لا أَدْري ما تُوعَدون من العقوبة، ومن قيام الساعة أَقريب أم بعيد؟ فكونوا على حذرٍ. ويجب أنْ يتوقَّع العبدُ العقوبات أبداً مع مجاري الأنفاس ليَسلم من العقوبة.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ان ادرى} اى ما ادرى لان ان نافية {اقريب} غير مقدم لقوله {ما توعدون} ويجوز ان يكون ما توعدون فاعلا لقريب سادا مسد الخبر لوقوعه بعد الف الاستفهام وما موصولة والعائد محذوف اى اقريب الذى توعدونه نحو اقائم الزيدان {ام يجعل له ربى امدا} اى غاية تطول مدتها والامد وان كان يطلق على القريب ايضا الا ان المقابلة تخصصه بالبعيد والفرق بين الزمان والامد أن الامد يقال باعتبار الغاية والزمان عام فى المبدأ والغاية والمعنى ان الموعود كائن لا محالة واما وقته فما ادرى متى يكون لان الله لم يبينه لما رأى فى اخفاء وقته من المصلحة وهو رد لما قاله المشركون عند سماعهم ذلك متى يكون الموعود انكارا له واستهزآء فان قيل أليس قال عليه السلام حديث : بعثت أنا والساعة كهاتينتفسير : فكان عالما بقرب وقوع القيامة فكيف قال ههنا لا أدرى اقريب ام بعيد والجواب ان المراد بقرب وقوعه هو ان ما بقى من الدنيا اقل ممن انقضى فهذا القدر من القرب معلوم واما قربه بمعنى كونه بحيث يتوقع فى كل ساعة فغير معلوم على ان كل آت قريب ولذا قال تعالى أتى امر الله فلا تستعجلوه وقال كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار وذلك بالموت للمتقدمين ووقوع عين القيامة للمتأخرين كما اوعد نوح عليه السلام بالطوفان فلم يدركه بعضهم بل هلك قبله وغرق فى طوفان الموت وبحر البلاء قال بعض اهل المعرفة قل ان ادرى أقريب ما توعدون فى القيامة الصغرى من افناء الصورى والموت الطبيعى الاضطرارى والدخول فى نار الله الكبرى عند البعث لعدم الوقوف على قدر الله او فى الكبرى من الموت لارادى والفناء الحقيقى لعدم الوقوف على قوة الاستعداد فيقع عاجلا ام ضرب الله غاية واجلا.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ} ممّا ذكر {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً} اى مدّة وهو كناية عن البعد، قال القمّىّ: لمّا اخبرهم رسول الله (ص) بما يكون من الرّجعة قالوا: متى يكون هذا؟ - قال الله: قل يا محمّد (ص) {إِنْ أَدْرِي} (الآية).

الأعقم

تفسير : {قل} يا محمد {إن أدري أقريب ما توعدون} قيل: القيامة، وقيل: اراد القيامة، وقيل: أراد العذاب أي لا أعلم ذلك قريب يعجل {أم يجعل له ربي أمداً} أي أجلاً وغاية تطول مدتها {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً} أي لا يطلع على غيبه أحداً {إلاَّ من ارتضى من رسولٍ} أي من يصطفيه ويختاره فيعطيه ما يشاء من الغيب على ما يرى من المصلحة {فإنه يسلك من بين يديه} من ارتضى للرسالة {ومن خلفه رصداً} حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين يطردونهم عنه ويعصمونه من وساوسهم حتى يبلغ ما أوحي به اليه، وعن الضحاك: ما بعث نبي إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين إن يتشبهوا بصور الملائكة {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} كما هي محروسة من الزيادة والنقصان {وأحصى كل شيء عدداً} من القطر والرمل وورق الأشجار وزبد البحار، فكيف يحيط بما عند الرسول من وعيد وكلامه؟ وقيل: كان إذا نزل الوحي بعث الله جبريل ومعه ملائكة يحرسون الوحي فيحرسون النبي من كفار الإِنس والجن إلاَّ أن يؤدي ويبلغ إلى الخلق، وقيل: رصداً حفظة من الملائكة ليعلم، قيل: ليعلم محمد أن الرسل قبله أتوا رسالات ربهم وبلغوا، وقيل: الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم، وقيل: ليعلم الله ومعناه ليظهر من المعلوم ما كان الله عالم به.

الهواري

تفسير : {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ} أيها المشركون من مجيء الساعة. {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً}. وقال في آية أخرى (أية : وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ)تفسير : [الأنبياء:109]. {عَالِمُ الْغَيْبِ} والغيب ها هنا في تفسير الحسن: القيامة وخبر ما مضى وقال بعضهم: هو قوله تعالى: (أية : إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) تفسير : [لقمان:34]. وقال بعضهم: الغيب هنا هو الوحي. قال: {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} فإنه يظهره على ما أراده من الغيب. قال عز وجل: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي: يدي ذلك الرسول {وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} أي: من الملائكة يحفظونه حتى يبلغ عن الله رسالته. {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} أي: ليعلم ذلك الرسول أن الرسل قبله قد بلّغوا رسالات ربهم {وَأَحَاطَ} أي: أحاط الله {بِمَا لَدَيْهِمْ} أي: بما عندهم مما أرسلوا به، أي فلا يوصل إليهم حتى يُبلِّغوا عن الله الرسالة. {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ} من خلقه {عَدَداً}.

اطفيش

تفسير : {قُلْ إِنْ} اي ما *{أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ} قريب مبتدأ وما فاعل أغناه عن الخبر أو قريب خبر وما مبتدأ {أمْ} متصلة عطفت الفعلية على الاسمية {يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي} وقرأ غير نافع وابن كثير والي عمر وبإسكان الياء {أَمَداً} غاية غير قريبة لما سمعوا أن الإيعاد قالوا متى هذا الإيعاد فأجابهم بذلك أنه كائن لا محالة أما عاجلا وإما آجلا وإخفاء وقته لمصلحة.

اطفيش

تفسير : {قُلْ إِنْ أدْرِي أقريبٌ مَّا تُوعَدُونَ} حال متوقع فى كل ساعة أو له أجل كما قال {أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَداً} أى زماناً بعيداً بدليل جعله مقابلاً لقوله: أقريب. وإِلا فالأَمد يستعمل فى القريب والبعيد، ويحتملها وإِذا أُريد التخصيص نصب الدليل كالمقابلة هنا وكوصفه بالبعيد فى قوله عز وجل "أية : تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً" تفسير : [آل عمران: 30] ويقال أمد قريب.

الالوسي

تفسير : {قُلْ إِنْ أَدْرِى } أي ما أدري {أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّى أَمَداً } رد لما قاله المشركون عند سماعهم ذلك، ومقتضى حالهم أنهم قالوا إنكاراً واستهزاء متى يكون ذلك الموعود، بل روي عن مقاتل أن النضر بن الحرث قال ذلك فقيل قل إنه كائن لا محالة وأما وقته فما أدري متى يكون، والأحرى بسؤالهم وهذا الجواب إرادة ما في يوم القيامة المنكرين له أشد الإنكار والخفي وقته عن الخلائق غاية الخفاء. والمراد بالأمد الزمان البعيد بقرينة المقابلة بالقريب وإلا فهو وضعاً شامل لهما ولذا وصف ببعيداً في قوله تعالى: {أية : تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا}تفسير : [آل عمران: 30] وقيل إن معنى القرب ينبـىء عن مشارفة النهاية فكأنه قيل لا أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم هو مؤجل ضرب له غاية والأول أولى وأقرب.

ابن عاشور

تفسير : كان المشركون يكثرون أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : متى هذا الوعد}تفسير : [النمل: 71]، و{أية : عن الساعة أيان مرساها}تفسير : [الأعراف: 187]، وتكررت نسبة ذلك إليهم في القرآن، فلما قال الله تعالى: {أية : حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً}تفسير : [الجن: 24] الآية علِم أنهم سيعيدون ما اعتادوا قوله من السؤال عن وقت حلول الوعيد فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعيد عليهم ما سبق من جوابه. فجملة {قل إن أدري أقريب ما توعدون} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن القول المأمور بأن يقوله جواب لسؤالهم المقدر. والأمد: الغاية وأصله في الأمكنة. ومنه قول ابن عمر في حديث «الصحيحين»: «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقَ بين الخيل التي لم تُضَمَّر وجعل أمدَها ثنيةَ الوداع» تفسير : (أي غاية المسابقة). ويستعار الأمد لمدة من الزمان معينة قال تعالى: {أية : فطال عليهم الأمد}تفسير : [الحديد: 16] وهو كذلك هنا. ومقابلته بـ «قريب» يفيد أن المعنى أم يجعل له أمداً بعيداً. وجملة {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً} في موضع العلة لجملة {إن أدري أقريب ما توعدون} الآية. و {عالم الغيب}: خبر مبتدأ محذوف، أي هو عالم الغيب والضمير المحذوف عائد إلى قوله {ربي}. وهذا الحذف من قبيل حذف المسند إليه حذفاً اتُّبع فيه الاستعمال إذا كان الكلام قد اشتمل على ذكر المسند إليه وصفاته كما نبه عليه السكاكي في «المفتاح». و {الغيب}: مصدر غاب إذا استتر وخفي عن الأنظار وتعريفه تعريف الجنس. وإضافة صفة {عالم} إلى {الغيب} تفيد العلم بكل الحقائق المغيبة سواء كانت ماهيات أو أفراداً فيشمل المعنى المصدري للغيب مثل علم الله بذاته وصفاته، ويشمل الأمور الغائبة بذاتها مثل الملائكة والجن. ويشمل الذوات المغيبة عن علم الناس مثل الوقائع المستقبلة التي يخبر عنها أو التي لا يخبر عنها، فإيثار المصدر هنا لأنه أشمل لإِحاطة علم الله بجميع ذلك. وتقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : الذين يؤمنون بالغيب}تفسير : في سورة البقرة (3). وتعريف المسند مع تعريف المسند إليه المقدر يفيد القصر، أي هو عالم الغيب لا أنا. وفرع على معنى تخصيص الله تعالى بعلم الغيب جملة فلا يُظْهر على غيبه أحداً}، فالفاء لتفريع حكم على حكم والحكم المفرع إتمام للتعليل وتفصيل لأحوال عدم الاطلاع على غيبه. ومعنى {لا يظهر على غيبه أحداً}: لا يُطلع ولا ينبىء به، وهو أقوى من يطلع لأن {يظهر} جاء من الظهور وهو المشاهدة ولتضمينه معنى: يطلع، عدي بحرف {على}. ووقوع الفعل في حيّز النفي يفيد العموم، وكذلك وقوع مفعوله وهو نكرة في حيّزه يفيد العموم. وحرف {على} مستعمل في التمكن من الاطلاع على الغيب وهو كقوله تعالى {أية : وأظهره الله عليه}تفسير : [التحريم: 3] فهو استعلاء مجازي. واستثنى من هذا النفي من ارتضاه ليطلعه على بعض الغيب، أي على غيب أراد الله إظهاره من الوحي فإنه من غيب الله، وكذلك ما أراد الله أن يؤيد به رسوله صلى الله عليه وسلم من إِخبار بما سيحدث أو إطلاع على ضمائر بعض الناس. فقوله: {ارتضى} مستثنى من عموم {أحداً}. والتقدير: إلاّ أحداً ارتضاه، أي اختاره للاطلاع على شيء من الغيب لحكمة أرادها الله تعالى. والإِتيان بالموصول والصلة في قوله: {إلاّ مَن ارتضَى مِن رسول} لقصد ما تؤذن به الصلة من الإِيماء إلى تعليل الخبر، أي يطلع الله بعض رسله لأجل ما أراده الله من الرسالة إلى النّاس، فيُعْلم من هذا الإِيمان أن الغيب الذي يطلع الله عليه الرسل هو من نوع ما له تعلق بالرسالة، وهو غيب ما أراد الله إبلاغه إلى الخلق أن يعتقدوه أو أن يفعلوه، وما له تعلق بذلك من الوعد والوعيد من أمور الآخرة، أو أمور الدنيا، وما يؤيد به الرسل عن الإِخبار بأمور مغيبة كقوله تعالى: {أية : غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين}تفسير : [الروم: 2ــ 4]. والمراد بهذا الإِطلاعُ المحقق المفيد علماً كعلم المشاهدة. فلا تشمل الآية ما قد يحصل لبعض الصالحين من شرح صدر بالرؤيا الصادقة، ففي الحديث: «حديث : الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوءة، أو بالإِلهام»تفسير : . قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : قد كان يكون في الأمم قبلكم محدِّثون فإن يَكُنْ في أمتِي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم»تفسير : رواه مسلم. قال مسلم: قال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهِمون. وقد قال مالك في الرؤيا الحسنة: أنها تسرُّ ولا تغرُّ، يريد لأنها قد يقع الخطأ في تأويلها. و {مِن رسول} بيان لإِبهام {مَنْ} الموصولة، فدل على أن مَا صْدَقَ {مَن} جماعةٌ من الرسل، أي إلاّ الرسل الذين ارتضاهم، أي اصطفاهم. وشمل {رسول} كلّ مرسل من الله تعالى فيشمل الملائكة المرسلين إلى الرسل بإبلاغ وحي إليهم مثل جبريل عليه السلام. وشمل الرسل من البشر المرسلين إلى الناس بإبلاغ أمر الله تعالى إليهم من شريعة أو غيرها مما به صلاحهم. وهنا أربعة ضمائر غيبة: الأول ضمير {فإنه} وهو عائد إلى الله تعالى. والثاني الضمير المستتِر في {يَسلك} وهو لا محالة عائد إلى الله تعالى كما عاد إليه ضمير {فإنه}. والثالث والرابع ضميرَا {من بين يديه ومن خلفه}، وهما عائدان إلى {رسول} أي فإن الله يسلك أي يرسل للرسول رصَداً من بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم ومن خلفه رصداً، أي ملائكة يحفظون الرسول صلى الله عليه وسلم من إلقاء الشياطين إليه ما يخلط عليه ما أطلعه الله عليه من غيبه. والسّلْك حقيقته: الإِدخال كما في قوله تعالى: {أية : كذلك نسْلكه في قلوب المجرمين}تفسير : في سورة الحجر (12). وأطلق السَّلك على الإِيصال المباشر تشبيهاً له بالدخول في الشيء بحيث لا مصرف له عنه كما تقدم آنفاً في قوله:{أية : ومن يعرض عن ذكر ربه نسلكه عذاباً صعَدَاً}تفسير : [الجن: 17] أي يرسل إليه ملائكة متجهين إليه لا يبتعدون عنه حتى يَبْلُغَ إليه ما أُوحي إليه من الغيب، كأنّهم شبه اتصالهم به وحراستهم إياه بشيء داخل في أجزاء جسم. وهذا من جملة الحفظ الذي حفظ الله به ذكره في قوله: { أية : إنا نحن نزلنا الذّكر وإنا له لحافظون}تفسير : [الحجر: 9]. والمراد بـ {مِن بين يديه ومن خلفه} الكناية عن جميع الجهات، ومن تلك الكناية ينتقل إلى كناية أخرى عن السلامة من التغيير والتحريف. والرصد: اسم جمع كما تقدم آنفاً في قوله: {أية : يجد له شهاباً رصداً}تفسير : [الجن: 9]. وانتصب {رصداً} على أنه مفعول به لفعل {يسلك}. ويتعلق {ليعلم} بقوله: {يسلك}، أي يفعل الله ذلك ليبلّغ الغيب إلى الرسول كما أرسل إليه لا يخالطه شيء مما يلبس عليه الوحي فيعلم الله أن الرسُل أبلغوا ما أوحي إليه كما بعثَه دون تغيير، فلما كان علم الله بتبليغ الرسول الوحي مفرعاً ومسبباً عن تبليغ الوحي كما أنزل الله، جعل المُسَبب علّة وأقيم مقام السَّبب إيجازاً في الكلام لأن علم الله بذلك لا يكون إلاّ على وفق ما وقع، وهذا كقول إياس بن قبيصة: شعر : وأقبلتُ والخطّيُّ يخطِر بيننَا لأعلَمَ مَنْ جَبَانُها مِن شجاعها تفسير : أي ليظهر من هو شجاع ومن هو جبان فأعلمَ ذلك. وهذه العلة هي المقصد الأهم من اطلاع من ارتضى من رسول على الغيب، وذكر هذه العلة لا يقتضي انحصار علل الاطلاع فيها. وجيء بضمير الإِفراد في قوله: {من بين يديه ومن خلفه} مراعاة للفظ {رَسول}، ثم جيء له بضمير الجمع في قوله: {أن قد أبلغُوا} مراعاة لمعنى رسول وهو الجنس، أي الرسل على طريقة قوله تعالى السابق آنفاً {أية : فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً}تفسير : [الجن: 23]. والمراد: ليَعلم الله أن قد أبلغوا رسالات الله وأدوا الأمانة علماً يترتب عليه جزاؤهم الجزيل. وفهم من قوله: {أن قد أبلغوا رسالات ربهم} أن الغيب المتحدث عنه في هذه الآية هو الغيب المتعلق بالشريعة وأصولها من البعثِ والجزاء، لأن الكلام المستثنى منه هو نفي علم الرسول صلى الله عليه وسلم بقرب ما يوعدون به أو بعده وذلك من علائق الجزاء والبعث. ويلحق به ما يوحى به إلى الأنبياء الذين ليسوا رسلاً لأن ما يوحى إليهم لا يخلو من أن يكون تأييداً لشرع سابق كأنبياء بني إسرائيل والحواريين أو أن يكون لإِصلاح أنفسهم وأهليهم مثل آدم وأيوب. واعلم أن الاستثناء من النفي ليس بمقتض أن يثبت للمستثنى جميع نقائض أحوال الحكم الذي للمستثَنى منه، بل قصارى ما يقتضيه أنه كالنقض في المناظرة يحصل بإثبات جزئي من جزئيات ما نفاه الكلام المنقوص، فليس قوله تعالى: {إلاّ من ارتضى من رسول} بمقتض أن الرسول يطلع على جميع غيب الله، وقد بين النوع المطلع عليه بقوله: {ليَعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم}. وقرأ رويس عن يعقوب {ليُعلم} بضم الياء وفتح اللام مبنياً للمفعول على أنّ {أنْ قد أبلغوا} نائب عن الفاعل، والفاعل المحذوف حذف للعلم به، أي ليعلَم الله أن قد أبلغوا. الواو واو الحال أو اعتراضية لأن مضمونها تذييل لجملة {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم}، أي أحاط بجميع ما لدى الرسل من تبليغ وغيره، وأحاط بكل شيء مما عدا ذلك، فقوله: {وأحاط بما لديهم} تعميم بعد تخصيص ما قبله بعلمِه بتبليغهم ما أرسل إليهم، وقوله: {وأحصى كل شيء عدداً} تعميم أشمل بعد تعميمٍ مَّا. وعبر عن العلم بالإِحصاء على طريق الاستعارة تشبيهاً لعلم الأشياء بمعرفة الأعداد لأن معرفة الأعداد أقوى، وقوله: {عدداً} ترشيح للاستعارة. والعدد: بالفك اسم لمعدود وبالإدغام مصدر عَدّ، فالمعنى هنا: وأحصى كل شيء معدوداً، وهو نصب على الحال، بخلاف قوله تعالى: {أية : وعدَّهم عَدَّا}تفسير : [مريم: 94]. وفرق العرب بين المصدر والمفعول لأن المفعول أوغل في الاسمية من المصدر فهو أبعد عن الإِدغام لأن الأصل في الإِدغام للأفعال.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قل إن أدري: أي قل ما أدري. ما توعدون: أي من العذاب. أمدا: أي غاية وأجلا لا يعلمه إلا هو. فلا يظهر: أي لا يطلع. من ارتضى من رسول: أي فإِنه يطلعه. رصدا: أي ملائكة يحفظونه حتى يبلغه مع الوحي الذي يبلغه لكافة الناس. ليعلم: أي الله عِلمَ ظهور أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم. أحصى كل شيء عددا: أي أحصى عدد كل شيء. معنى الآيات: قوله تعالى {قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ} أمر تعالى رسوله أن يقول للمشركين المطالبين بالعذاب استخفافا وعناداً وتكذيباً أمره أن يقول لهم ما أدري أقريب ما وعدكم ربكم به من العذاب بحيث يحل بكم عاجلا أم يجعل له ربي أمدا أي غاية وأجلا بعيدا يعلمه هو ولا يعلمه غيره. عالم الغيب إذ هو عالم الغيب وحده فلا يظهر علي غيبه أي لا يطلع على غيبه أحدا من عباده إلا من ارتضى من رسول أي رضيه أن يبلغ عنه فإِنه يطلعه مع الاحتياط الكافي حتى لا يتسرب الخبر الغيب إلى الناس {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} الرسول المرتضى ومن خلفه رصداً من الملائكة ثم يطلعه ضمن الوحي الذي يوحي إليه. وذلك ليعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الرسل قبله قد بلغت رسالات ربها لما أحاطها تعالى به من العناية حتى أنه إذا جاءه الوحي كان معه أربعة ملائكة يحمونه من الشياطين حتى لا يسمعوا خبر السماء فيبلغوه أولياءهم من الإِنس، فتكون فتنة في الناس وقوله {وَأَحَاطَ} أي الله جل جلاله {بِمَا لَدَيْهِمْ} أي بما لدى الملائكة والرسل علما {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} أي وأحصى عدد كل شيء فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- استئثار الله تعالى بعلم الغيب فلا يعلم الغيب إلا الله. 2- قد يطلع الله تعالى من ارتضى أن يطلعه من الرسل على غيب خاص ويتم ذلك بعد حماية كاملة من الشياطين كيلا ينقلوه إلى أوليائهم فيفتنوا به الناس. 3- بيان إحاطة علم الله بكل شيء واحصائه تعالى لكل شيء عدَّا.

د. أسعد حومد

تفسير : (25) - أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبِ فِيهَا، وَلَكِنَّ وَقْتَهَا لاَ يَعْلَمُهُ إِلاَّ اللهُ، وَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي إِنْ كَانَ وَقْتُهَا قَرِيباً أَوْ بَعِيداً. أَمَداً - زَمَاناً بَعِيداً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً} [الجن: 25]؛ يعني: قل لا أدري إن ذلك قريب أم بعيد {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ} [الجن: 26]، ربنا وهذا من علوم الغيب، {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً} [الجن: 26]؛ يعني: لا يظهر ربنا ولا يكشف على أحد علم غيبه المخصوص به {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} [الجن: 27]، يستثني ويقول الله، إلا من يصطفيه بالرسالة فإنه محرم لسره وأمين على وحيه لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم، إللا بأمر المولى {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} [الجن: 27]؛ يعني: يجعل له حرساً من خواطر السكينة محرسة ورصداً من نور الجذبة يرصده؛ لئلا تقدر القوى الخبيثة النفسية على استراق السمع والاطلاع على الوارد القدسي، ويدفعون الشياطين على إلقاء خاطر في نفسه؛ لتتكلم اللطيفة المرسلة به ظناً بأنه من الوارد؛ {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} [الجن: 28]؛ يعني اللطيفة المرسلة أن الخواطر التي جاءت من عند السكينة، أبلغوا رسالات ربهم من غير شوب بالخواطر الشيطانية. {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} [الجن: 28]؛ ويعني: أحاط علم الله بما عند الرسل من أبراره {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} [الجن: 28]؛ يعني: أحصى نعمه ومعارفه التي أنعم على اللطيفة، وعدها عدداً تذكره اللطيفة، واشتغل بأداء شكره، ولا يمكن لأحد أن يشكر ربه حق شكره أبد الآباد؛ لاعتراف من إذا حق شكره، فإن اعترافه بالعجز عن أداء حق شكره غاية شكر لربه، اللهم اجعلنا عارفين نعمك معترفين بالعجز عن أداء حق شكرك بمحمد صلى الله عليه وسلم.