٧٢ - ٱلْجِنّ
72 - Al-Jinn (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } لفظة (من) في قوله: {مِن رَّسُولٍ } تبيين لمن ارتضى يعني أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي يكون رسولاً، قال صاحب «الكشاف»، وفي هذا إبطال الكرامات لأن الذين تضاف الكرامات إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وفيها أيضاً إبطال الكهانة والسحر والتنجيم لأن أصحابها أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط، قال الواحدي: وفي هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدله على ما يكون من حياة أو موت أو غير ذلك فقد كفر بما في القرآن. واعلم أن الواحدي يجوز الكرامات وأن يلهم الله أولياءه وقوع بعض الوقائع في المستقبل ونسبة الآية إلى الصورتين واحدة فإن جعل الآية دالة على المنع من أحكام النجوم فينبغي أن يجعلها دالة على المنع من الكرامات على ما قاله صاحب «الكشاف»، وإن زعم أنها لا تدل على المنع من الإلهامات الحاصلة للأولياء فينبغي أن لا يجعلها دالة على المنع من الدلائل النجومية، فأما التحكم بدلالتها على المنع من الأحكام النجومية وعدم دلالتها على الإلهامات الحاصلة للأولياء فمجرد التشهي، وعندي أن الآية لا دلالة فيها على شيء مما قالوه والذي تدل عليه أن قوله: {عَلَىٰ غَيْبِهِ } ليس فيه صيغة عموم فيكفي في العمل بمقتضاه أن لا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من غيوبه فنحمله على وقت وقوع القيامة فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا يظهر هذا الغيب لأحد فلا يبقى في الآية دلالة على أنه لا يظهر شيئاً من الغيوب لأحد، والذي يؤكد هذا التأويل أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية عقيب قوله: {أية : إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّى أَمَداً } تفسير : [الجن: 25] يعني لا أدري وقت وقوع القيامة، ثم قال بعده: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً } أي وقت وقوع القيامة من الغيب الذي لا يظهره الله لأحد، وبالجملة فقوله: {عَلَىٰ غَيْبِهِ } لفظ مفرد مضاف، فيكفي في العمل به حمله على غيب واحد، فأما العموم فليس في اللفظ دلالة عليه، فإن قيل: فإذا حملتم ذلك على القيامة فكيف قال: {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } مع أنه لا يظهر هذا الغيب لأحد من رسله؟ قلنا: بل يظهره عند القرب من إقامة القيامة، وكيف لا وقد قال: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً } تفسير : [الفرقان: 25] ولا شك أن الملائكة يعلمون في ذلك الوقت قيام القيامة، وأيضاً يحتمل أن يكون هذا الاستثناء منقطعاً، كأنه قال: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه المخصوص وهو قيام القيامة أحداً، ثم قال بعده: لكن من ارتضى من رسول: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } حفظة يحفظونه من شر مردة الإنس والجن، لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام جواباً لسؤال من سأله عن وقت وقوع القيامة على سبيل الاستهزاء به، والاستحقار لدينه ومقالته. واعلم أنه لا بد من القطع بأنه ليس مراد الله من هذه الآية أن لا يطلع أحداً على شيء من المغيبات إلا الرسل، والذي يدل عليه وجوه أحدها: أنه ثبت بالأخبار القريبة من التواتر أن شقاً وسطيحاً كانا كاهنين يخبران بظهور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل زمان ظهوره، وكانا في العرب مشهورين بهذا النوع من العلم، حتى رجع إليهما كسرى في تعرف أخبار رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فثبت أن الله تعالى قد يطلع غير الرسل على شيء من الغيب وثانيها: أن جميع أرباب الملل والأديان مطبقون على صحة علم التعبير، وأن المعبر قد يخبر عن وقوع الوقائع الآتية في المستقبل، ويكون صادقاً فيه وثالثها: أن الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن ملك شاه من بغداد إلى خراسان، وسألها عن الأحوال الآتية في المستقبل فذكرت أشياء، ثم إنها وقعت على وفق كلامها. قال مصنف الكتاب ختم الله له بالحسنى: وأنا قد رأيت أناساً محققين في علوم الكلام والحكمة، حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة أخباراً على سبيل التفصيل، وجاءت تلك الوقائع على وفق خبرها، وبالغ أبو البركات في كتاب المعتبر في شرح حالها، وقال: لقد تفحصت عن حالها مدة ثلاثين سنة حتى تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخباراً مطابقاً. ورابعها: أنا نشاهد (ذلك) في أصحاب الإلهامات الصادقة، وليس هذا مختصاً بالأولياء بل قد يوجد في السحرة أيضاً من يكون كذلك نرى الإنسان الذي يكون سهم الغيب على درجة طالعه يكون كذلك في كثير من أخباره وإن كان قد يكذب أيضاً في أكثر تلك الأخبار، ونرى الأحكام النجومية قد تكون مطابقة وموافقة للأمور، وإن كانوا قد يكذبون في كثير منها، وإذا كان ذلك مشاهداً محسوساً، فالقول بأن القرآن يدل على خلافه مما يجر الطعن إلى القرآن، وذلك باطل فعلمنا أن التأويل الصحيح ما ذكرناه، والله أعلم. أما قوله تعالى: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } فالمعنى أنه يسلك من بين يدي من ارتضى للرسالة، {وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } أي حفظة من الملائكة يحفظونه من وساوس شياطين الجن وتخاليطهم، حتى يبلغ ما أوحى به إليه، ومن زحمة شياطين الإنس حتى لا يؤذونه ولا يضرونه وعن الضحاك «ما بعث نبي إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين (الذين) يتشبهون بصورة الملك».
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ} «عَالِمُ» رفعا نعتاً لقوله «رَبِّي». وقيل: أي هو {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ} والغيب ما غاب عن العباد. وقد تقدّم بيانه في أوّل سورة «البقرة» {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً. إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه؛ لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن بعض الغائبات؛ وفي التنزيل: { أية : وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 49]. وقال ٱبن جُبيرُ: «إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَى مِنْ رَسُولٍ» هو جبريل عليه السلام. وفيه بعدٌ، والأوْلى أن يكون المعنى: أي لا يظهر على غيبه إلا من ٱرتضى أي ٱصطفى للنبّوة، فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه: ليكون ذلك دالا على نبوّته. الثانية: قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدّح سبحانه بعلم الغيب وٱستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحدٌ سواه، ثم ٱستثنى مَن ٱرتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزةً لهم ودلالةً صادقةً على نبوّتهم. وليس المنجّم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر بالطير ممن ٱرتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفترٍ عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان على ٱختلاف أحوالهم، وتباين رتبهم، فيهم الملك والسُّوقة، والعالم والجاهل، والغنيّ والفقير، والكبير والصغير، مع ٱختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات نجومهم؛ فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة؟ فإن قال المنجم قبحه الله: إنما أغرقهم الطالع الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك أن هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلها على ٱختلافها عند ولادة كل واحد منهم، ولم يبق إلا معاندة القرآن العظيم. وفيه ٱستحلال دمه على هذا التنجيم، ولقد أحسن الشاعر حيث قال: شعر : حَكم المنجِّمُ أن طالعَ مولِدِي يقضِي عليّ بِميتةِ الغَرِقِ قُلْ لِلْمُنَجِّمِ صَبْحَةَ الطُّوفَانِ هَلْ وُلِد الْجَمِيعُ بكَوْكَبِ الْغَرَقَ تفسير : وقيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم والقمر في العقرب؟ فقال رضي الله عنه: فأين قمرهم؟ وكان ذلك في آخر الشهر. فٱنظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من المبالغة في الردّ على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم. وقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين! لا تسر في هذه الساعة وسِرْ في ثلاث ساعات يمضين من النهار. فقال له علي رضي الله عنه: ولم؟ قال: إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت وظهرت وأصبت ما طلبت. فقال عليّ رضي الله عنه: ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم مُنَجِّم، ولا لنا من بعده ـ في كلام طويل يَحتجُّ فيه بآيات من التنزيل ـ فمن صدّقك في هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن ٱتخذ من دون الله نِدًّا أو ضدّاً، اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك. ثم قال للمتكلم: نكذبك ونخالفك ونسير في الساعة التي تنهانا عنها. ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلاّ ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر؛ وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، واللَّهِ لئن بلغني أنك تنظر في النجوم وتعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيتَ وبقيتُ، ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان. ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ولقي القوم فقتلهم وهي وقعة النَهْرَوَان الثابتة في الصحيح لمسلم. ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها وظفرنا وظهرنا لقال قائل سار في الساعة التي أمر بها المنجم، ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجّم ولا لنا مِن بعده، فتح الله علينا بلاد كِسرى وقيصر وسائر البُلدان ـ ثم قال: يا أيها الناس! توكلوا على الله وثِقوا به؛ فإنه يكفي ممن سواه. {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} يعني ملائكة يحفظونه عن أن يقرب منه شيطان؛ فيحفظ الوحي من ٱستراق الشياطين والإلقاء إلى الكهنة. قال الضحاك: ما بعث الله نبياً إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين عن أن يتشبهوا بصورة المَلَك، فإذا جاءه شيطان في صور المَلَك قالوا: هذا شيطان فٱحذره. وإن جاءه المَلَك قالوا: هذا رسول ربّك. وقال ٱبن عباس وٱبن زيد: «رَصَداً» أي حَفَظة يحفظون النبيّ صلى الله عليه وسلم من أمامه وورائه من الجنّ والشياطين. قال قتادة وسعيد بن المسيّب: هم أربعة من الملائكة حفظة. وقال الفراء: المراد جبريل؛ كان إذا نزل بالرسالة نزلت معه ملائكة يحفظونه من أن تستمع الجنّ الوحي، فيلقوه إلى كهنتهم، فيسبقوا الرسول. وقال السديّ: «رَصَداً» أي حفظة يحفظون الوحي، فما جاء من عند الله قالوا: إنه من عند الله، وما ألقاه الشيطان قالوا: إنه من الشيطان. و«رَصَداً» نصب على المفعول. وفي الصحاح: والرَّصَدَ القوم يرصُدون كالحرس، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث وربما قالوا أرصاداً. والراصد للشيء الراقب له؛ يقال: رَصَدَه يَرْصُده رَصْداً ورَصَداً. والتَّرصد الترقب والمَرْصَد موضع الرّصد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } ما غاب عن العباد {فَلاَ يُظْهِرُ } يُطلع {عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً } من الناس.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْغَيْبِ} السر "ع" أو ما لم تروه مما غاب عنكم أو القرآن أو القيامة وما يكون فيها.
البقاعي
تفسير : ولما نفى صلى الله عليه وسلم علمه عن نفسه الشريفة، نفى ذلك عن غيره على وجه عام لجميع الغيب جالٍ من عظمة مرسله ما تنقطع دونه الأعناق فقال واصفاً له: {عالم الغيب} أي كله وهو ما لم يبرز إلى عالم الشهادة فهو مختص سبحانه بعلمه، فلذلك سبب عنه قوله: {فلا يظهر} أي بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات {على غيبه} أي الذي غيبه عن غيره فهو مختص به {أحداً *} لعزة علم الغيب ولأنه خاصة الملك. ولما كان لا يعلم الغيب إلا ببروزه على عالم الشهادة، وكان لأول من يطلع عليه شرف ينبغي أن يعرف له قال: {إلا من ارتضى} أي عمل الله تعالى في كونه رضي عمل من يتعمد ذلك ويجتهد فيه، وبين "من" بقوله: {من رسول} أي من الملائكة ومن الناس فإنه يظهر عليه ذلك المرتضى الموصوف لا كل مرتضى بأن يظهره على ما شاء منه لأن الغيب جنس لا تحقق له إلا في ضمن أفراده، فإذا ظهر فرد منه فقد ظهر فيه الجنس لظهور حصة منه، وتارة يكون ذلك الرسول ملكاً، وتارة يكون بشراً يكلمه الله بغير واسطة كموسى عليه الصلاة والسلام في أيام المناجاة، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج في العالم الأعلى في حضرة قاب قوسين أو أدنى، وإذا ظهر عليه الرسول خرج عن كونه غيباً، وأوصله الرسول إلى من أذن له في إيصاله له تارة بالوحي للأنبياء وتارة بالنفث والإلهام للأولياء، وذلك عند تهييء نفوسهم بسكون قواها عن منازعة العقل بالشهوات والحظوظ كما يكون للنفوس عامة حين سكون القوى عن المنازعة بالنوم فتكون متهيئة للنفث فيها فمن أعرض عن جانب الحس وأقبل على جناب القدس فقده هيأ نفسه لنفث الملك في ورعه بعلم ما لم يكن يعلم وليس أحد من الناس إلا وقد علم من نفسه أنه إذا أقبل على شيء بكليته حدث له فيه أمور حدسية إلهامية بغتة من غير سابقة فكر وطلب، وعلى قدر التهيئة يكون النفث من قبل الله سبحانه وتعالى، وربما كان النفث شيطانياً بما تلقته الشياطين من الاستراقات من الملائكة إما من الأرض بعد نزولهم أو من السماء بالاستراق فيها - والله أعلم، ويجوز أن يكون للأولياء مشافهة من الملك كما كان لمريم عليها السلام من الملائكة، وقال جبريل عليه الصلاة والسلام عن بعضهم إنه لو سلم رد عليه. ولما دل هذا السياق على عزة علم الغيب وكانت عزته سبباً لحراسة من يطلع عليه ليؤديه إلى من أمر به كما أمر به، أعلم سبحانه وتعالى بذلك بقوله مؤكداً تمييزاً له من علم الكهان الذي أصله من الجان دالاًّ على إجلال الرسل وإعظامهم وتبجيلهم وإكرامهم: {فإنه} أي الله سبحانه وتعالى يظهر ذلك الرسول على ما يريد من الغيب. وذلك أنه إذا أراد إظهاره عليه {يسلك} أي يدخل إدخال السلك في الجوهرة في تقومه ونفوذه من غير أدنى تعريج إلى غير المراد. ولما كان الغرض يحصل بمن يقيمه سبحانه من جنوده للحراسة ولو أنه واحد من كل جهة بل وبغير ذلك، وإنما جعل هذا الإخراج للأمر على ما يتعارفه العباد، عبر بالجارّ دليلاً على عدم استغراق الرصد للجهات إلى منقطع الأرض مثلاً فقال: {من بين يديه} إلى الجهة التي يعلمها ذلك الرسول {ومن خلفه} أي الجهة التي تغيب عن علمه، فصار ذلك كفاية عن كل جهة، ويمكن أن يكون ذكر الجهتين دلالة على الكل وخصهما لأن العدو متى أعريت واحدة منهما أتى منها، ومتى حفظت لم يأت من غيرها، لأنه يصير بين الأولين والآخرين {رصداً *} أي حرساً من جنوده يحرسونه ويحفظونه بحفظ ما معه من الغيب من اختطاف الشياطين أو غيرهم لئلا يسترقوا شيئاً من خبره - قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وقال مقاتل وغيره رضي الله عنهما: يخبرونه بمن أنكره بأن يحذروه منه إن كان شيطاناً أو يأمروه بالسماع منه إن كان ملكاً، وذلك أن إبليس كان يأتي الأنبياء في صورة جبريل عليه السلام ولكن الله عصمهم منه. ولما كان هذا الدأب من الحفظ في كل رسول بين الغاية جامعاً تعييناً لما اقتضاه الجنس، وبياناً لأن الأفراد أولاً مراد به الجمع، وأنه ما عبر به إلا لتشمل الحراسة كل فرد منهم فقال: {ليعلم} أي الله علماً كائناً واقعاً على هذه الصفة التي تعلق بها علمه في الأزل قبل وجودها بما لا يعلمه إلا هو سبحانه أنها ستكون {أن} أي إن الرسل عليهم الصلاة والسلام {قد أبلغوا} أي إلى من أرسلوا إليه {رسالات ربهم} أي الذي أوجدهم ودبر جميع أمورهم واختارهم لرسالاته على ما هي عليه لم يشبها شائبة ولا لحقها غبر. ولما كان هذا ربما أوهم أنه محتاج في الحفظ إلى الرصد أزال ذلك بقوله: {وأحاط} أي فعل ذلك والحال أنه قد أحاط {بما لديهم} أي الرسل والمرسل إليهم من الملائكة والبشر على أدق الوجوه وأعظمها وأغربها بما أشار إليه التعبير بلدى، ولما كان هذا كافياً في المقصود، لكنه قاصر على محل الحاجة عم تعريفاً بالأمر على ما هو عليه، فقال حاملاً على شدة الوثوق بما تقوله الرسل عن ربهم وأنه لا لبس فيه ولا غائلة بوجه، مبيناً غاية البيان كذب حديث الغرانيق الذي ذكره بعض المفسرين وغيرهم في سورة والنجم: {وأحصى} أي الله سبحانه وتعالى {كل شيء} أي على العموم من غير استثناء أصلاً {عدداً *} أي من جهة العدد لكل ما يمكن عده ولو على أقل مقادير الذر فيما لم يزل وفيما لا يزال، فهو دليل قاطع على علمه تعالى بالجزئيات كعلمه بالكليات، وقد التقى أول السورة وآخرها وباطنها الغيبي وظاهرها، فدل آخرها على الأول المجمل، وأولها على الآخر المفصل، وذلك أن أول السورة بين عظمة الوحي بسبب الجن، ثم بين في أثنائها حفظه من مسترقي السمع، وختم بتأكيد حفظه وحفظ جميع كلماته واستمر في تأكيد أمره حتى بانت عظمة هذا القرآن، وظهرت عزة هذا الفرقان، على كل كتاب، بكل اعتبار وحساب، فافتتح المزمل بمثل ذلك وختمها بالأمر بقراءة ما تيسر منه، وذكر في المدثر طعن الطاعن فيه وما ناله بسبب ذلك الطعن من الخزي والعذاب في الدنيا والآخرة مع ضمان الحفظ منه، ثم نهى نبيه صلى الله عليه وسلم في سورة القيامة عن العجلة في أمره لئلا يختل حفظه، أو يزيغ أدنى زيغ لفظه، وتشريعاً لأمته في ترك الاستعجال، فإنه ليس من دأب الرجال، ثم أكد أمر تنزيله في الإنسان، وبين أن علة الإعراض عنه حب العاجلة التي هي عين النقصان، وختم المرسلات بنهاية ما تخيل الأوهام والظنون، فقال{أية : فبأي حديث بعده يؤمنون}تفسير : [الأعراف: 185] فسبحان من نظمه هذا النظام، وجعله أقصى المراد وغاية المرام، وصلى الله على من لا نبي بعده على الدوام.
السلمي
تفسير : قال بعضهم: أخفى الحق الغيب عن الخلق فلم يطلع عليه أحدًا من عباده إلاَّ الأولياء على طرف منه بإخبار صدق أو تلقف من الحق والأولياء الأمناء أصحاب الفراسة الصادقة فإنهم ينظرون بنور الغيب فيحكمون على الغيب. سئل الجنيد عن هذه الآية. فقال: هذا قولى فيه وأنشد يقول: شعر : تحيرت القلوب لذى علوم حقوق بيانها محو الصفات ستبدى ما توارى عن أناس ويخبر علمها قوم ثقـات فيا لك مغنهم فصل لوصل صفات لاحقات بالصفات فمـا لى علم مـاض على وما للحق رفعى فى الذوات تفسير : ثم قال: كل علم يشرح فهو عموم وكل عِمْم عُلِّم ولم يشرح فهو خصوص وذلك أن الأوامر مشروحة والحقائق معلومة لأن الأمر منقول والحق مشار إليه من جهة العموم وموجود من جهة الخصوص وهو سماء العموم وهو أرض الخصوص والإشارة وراء ذلك والكل صغير فيها.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}. فيطلعه بقَدْرِ ما يريده. {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً}. أرسل مع الوحي ملائكةً قُدَّامه وخَلْفه.. هم ملائكةٌ حَفَظَه، يحفظون الوحيَ من الكهنة والشياطين، حتى لا يزيدوا أو ينقصوا الرسالاتِ التي يحملها... واللَّه يعلم ذلك، وأحاط عِلْمُه به.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} ستر الله انوار غيبه من جميع الخلق الا من ارواح النبيين والمرسلين وعقول الصديقين وقلوب العارفين واسرار الموحدين هو مستشرقون بالله على غيب الله وهم اهل مكاشفات صحيحة وفراسات صادقة ومشاهدات واضحة قال بعضهم اخفى الحق الغيب عن الخلق فلم يطلع عليه احد من عباده الا الاولياء على طرق منه باخبار صدق او تلقف من الحق والاولياء والامناء اصحاب الفراسات الصادقة فانهم ينظرون بنور الغيب فيحكمون على الغيب.
اسماعيل حقي
تفسير : {عالم الغيب} وحده وهو خبر مبتدأ محذوف اى هو عالم لجميع ما غاب عن الحس على ان اللام للاستغراق والجملة استئناف مقرر لما قبله من عدم الدراية {فلا يظهر} آكاه نكند {على غيبه احدا} الفاء لترتيب عدم الاظهار على تفرده تعالى بعلم الغيب على الاطلاق اى فلا يطلع على غيبه اطلاعا كاملا ينكشف به جلية الحال انكشافا تاما موجبا لعين اليقين احد من خلقه.
الجنابذي
تفسير : {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ} اى عالِم عالَم الغيب او عالم ما هو الغيب عن الابصار والاسماع {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} عن الرّضا (ع) فرسول الله (ص) عند الله مرتضى، ونحن ورثة ذلك الرّسول (ص) الّذى اطلعه الله على من يشاء من غيبه، فعلمنا ما كان وما يكون الى يوم القيامة، وقد مضى وجه عدم المنافاة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل:65]، وانّ المطّلعين على الغيب ليس اطّلاعهم الاّ بلطيفةٍ الهيّة {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} سلك زيد المكان وفى المكان، وسلك زيد عمراً لازم ومتعدٍّ، واسم انّ راجع الى الرّسول (ص)، او الى الله، وهكذا فاعل يسلك وهو لازم او متعدٍّ، ورصداً مصدر، او جمع للرّاصد والمعنى انّ الله لا يظهر على غيبه احداً الاّ من ارتضاه من رسولٍ بشرىٍّ او ملكىٍّ لانّ الرّسول (ص) يسلك من بين يدى نفسه اى الآخرة ومن خلفه اى الدّنيا مترقّباً لامورهما، او للاطّلاع على اسرارهما، او هو مفعول مطلق نوعىّ او يجعل رصّاداً ومترقّبين من بين يديه ومن خلفه من قواه الدّرّاكة والملائكة الموكّلة عليه حتّى يعلّموه اخبار الدّنيا واسرار الآخرة، او يسلك الله بمظاهره الّذين هم ملائكته الموكّلة على الرّسول مترقّباً للاخبار واعلام الرّسول (ص) او يجعل الله رصّاداً له لاعلامه.
اطفيش
تفسير : {عَالِمُ الْغَيْبِ} نعت ربي مراعاة لعلمه السابق للحالي أو الاستقبالي فإن علمه مستمر وإلا لم يكن نعتا لان إضافته حينئذ لفظية أو خبر لمحذوف أي هو عالم الغيب وهو ما غاب عن العباد وقال الحسن يوم القيامة وما مضى فى السلف وقيل الوحي وقيل ما في قوله أن الله عنده علم الساعة الخ *{فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحَداً} من الناس وكلما ظهر لمخلوق فليس من الغيب الذي استأثر الله به ولكن المراد هنا ما لم يظهر للعامة بدليل قوله {إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى} اصطفى {مِنْ رَسُولٍ} فإنه يظهره على بعض غيبه ليكون له معجزة ومن للبيان وإستدل جار الله بالآية على أبطال كرامات الأولياء لأنهم ليسوا برسل ولو كانوا مرتضين وعلى أبطال الكهانة والتنجيم لان أصحابهما ابعد شيء عن الارتضاء وأدخله في السخط ولا سيما الكاهن فإنه أشد كفراً ممن ادعى اطلاعاً على غيب من حياة أو موت أو غيرهما فقد كفر بما في القرآن وأقول كأنه أراد أن كرامات الأولياء ليست على سبيل القطع حين أخبروا غيرهم على اي حالة فإنها محتملة لأنها ظن منهم أو الهام غير متحقق إنه من الله وإذا وقع ما أخبروا به تحققناه بوقوعه ولا نجزم بأن أخباره قيل الوقوع كان جزماً لأنه لم يكن بواسطة ملك كما يكون للانبياء والا فكرامات الأولياء إنكارها رأساً مكابرة لما هو واضح كالشمس ولا نقدر أن نحصي ما ألهم الله به بعض أولياه قال صلى الله عليه وسلم حديث : لكل أمة محدَّث ومروَّع فإن يك فيكم فعمر تفسير : أي من يلقي الحديث في روعه وهو القلب وفي رواية حديث : لقد كان في من قبلكم من الأمم ناس محدثون من غير أن يكونوا أنبياء وأن يكن في أمتي أحد فإنه عمرتفسير : قال ابن وهب محدثون بمعنى ملهمون ودال محدث وواو مروع مفتوحان قال يخصص الله الرسل بالملك والاظهار بما يكون بغير واسطة وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون تلقيا عن الملائكة كاطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء عليهم الصلاة والسلام انتهى قيل الفارق بين معجزة النبي وكرامة الولى أن المعجزة أمر خارق العادة مع عدم المعارضة مقرون بالتحدي ولا يجوز للولي أن يدعى خرق العادة مع التحدي إذ لو أدعاه لكفر من ساعته. وقد يظهر خارق على يده من غير دعواه وهذا أيضاً هو دليل على صحة نبوة النبي فإن الكرامة ممن تبعه ولو لم تصح نبوته لم يظهر الخارق على يد تابعه وليس الكاهن متابعاً للرسول *{فَإِنَّهُ يَسْلُكُ} يجعل ويسير *{مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} اي الرسول {وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} ملائكة يحفظوه حتى يبلغ الوحي ويحرسونه من اختلاط الشياطين واختلافهم إليه وعن الضحاك ما بعث الله نبياً إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين ان يتشبهوا بصورة الملك قيل إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة ملك يخبره فيبعث الله بين يديه ومن خلفه رصداً من الملائكة يحرسونه ويطردون الشيطان عنه فإذا جاءه شيطان في صورة ملك أخبروه بأنه شيطان وإذا جاءه ملك أخبروه بأن هذا رسول ربك ويحفظونه من أن يسترق الشياطين السمع من الملائكة فيخبروا به الكهان فيخبر الكهان به الناس قبل الرسول.
اطفيش
تفسير : {عَالِمُ الْغَيْبِ} نعت ربى أو خبر لمحذوف، أى هو عالم الغيب وال للاستغراق أى عالم كل غيب أو للعهد، والمعهود الغيب المستغرق. {فَلاَ يُظْهِرُ} إِظهاراً تاماً وإِذا أظهر على غيبه أحداً فليس بالكنه ليثبت تفرد الله عز وجل بعلم الغيب. {عَلَى غَيْبِهِ أحَداً} الإِضافة للعهد الاستغراقى أى غيبه كله لا يطلع الله أحداً على غيب ما منه، فالعموم للسلب الكلى ولو تقدم السلب على مفيد العموم، أو الإِضافة للاختصاص والمختص به العموم المستغرق وأظهر ولم يضمر لتأَكيد شأْنه والفاء لتفريع على تفرده تعالى بعلم الغيب وللأَولياء كرامات ولا مانع من أن يخبر الله تعالى أحداً بإِلهام أو ملك على غير طريق النبوءة أو بغير ذلك وبالجن تسمع من الملائكة، وإِنما الممنوع أن يعلم بلا إِخبار من الله تعالى. قال أبو هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لقد كان فيمن قبلكم من الأُمم ناس محدثون من غير أن يكونوا أنبياء فإِن يكن فى أُمتى أحد فعمر بن الخطاب"تفسير : ، والمُحَدَّث بفتح الدال مشددة من يلقى فى قلبه وذلك واقع وجائز ولو كان أمراً خارقاً للعادة وليس فيه التباس بالنبوءة لأَن صاحبه لا يدعى النبوءة، وأحكام النجوم لا تفيد القطع.
الالوسي
تفسير : {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سبحانه عالم الغيب، وجوز أبو حيان كونه بدلاً من {أية : رَبِّي}تفسير : [الجن: 25] وغيره أيضاً كونه بياناً له ويأبـى الوجهين الفاء في قوله تعالى: {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً } إذ يكون النظم حينئذٍ أم يجعل له عالم الغيب أمداً فلا يظهر على غيبه أحداً، وفيه من الاختلال ما لا يخفى. وإضافة (عالم) إلى (الغيب) محضة لقصد الثبات فيه، فيفيد تعريف الطرفين التخصيص وتعريف الغيب للاستغراق. وفي الرضي أن اسم الجنس أعني الذي يقع على القليل والكثير بلفظ الواحد إذا استعمل ولم تقم قرينة تخصصه ببعض ما يصدق عليه فهو في الظاهر لاستغراق الجنس / أخذاً من استقراء كلامهم، فمعنى التراب يابس والماء بارد كل ما فيه هاتان الماهيتان حاله كذا، فلو قلت في قولهم النوم ينقض الطهارة، النوم مع الجلوس لا ينقضها لكان مناقضاً لذلك اللفظ انتهى وهو يؤيد إرادة ذلك هنا لأن الغيب كالماء يقع على القليل والكثير بلفظ واحد، ولا يضر في ذلك جمعه على غيوب كما لا يضر فيه جمع الماء على مياه وكذا المراد بغيبه جميع غيبه، وقد نص عليه عزمي زاده معللاً له بكون اسم الجنس المضاف بمنزلة المعرف باللام سيما إذا كان في الأصل مصدراً وعزى إلى «شرح المقاصد» ما يقتضيه، وربما يقال يفهم ذلك أيضاً من اعتبار كون الإضافة للعهد وأن المعهود هو الغيب المستغرق أو من اعتبارها للاختصاص وأن الغيب المختص به تعالى بمعنى المختص علمه سبحانه به هو كل غيب، واعتناء بشأن الاختصاص جيء بالمظهر موضع المضمر. والجملة استئناف لدفع توهم نقص من نفي الدراية. والفاء لترتيب عدم الإظهار على تفرده تعالى بعلم الغيب. والمراد بالإظهار المنفي الاطلاع الكامل الذي تنكشف به جلية الحال على أتم وجه كما يرشد إليه حرف الاستعلاء فكأنه قيل ما عليَّ إذا قلت ما أدري قرب ذلك الموعد الغيب ولا بعده فالله سبحانه وتعالى عالم كل غيب وحده فلا يطلع على ذلك المختص علمه به تعالى إطلاعاً كاملاً أحداً من خلقه ليكون أليق بالتفرد وأبعد عن توهم مساواة علم خلقه لعلمه سبحانه وإنما يطلع جل وعلا إذا أطلع من شاء على بعضه مما تقتضيه الحكمة التي هي مدار سائر أفعاله عز وجل وما نفيت عني العلم به مما لم يطلعني الله تعالى عليه لما أن الإطلاع عليه مما لا تقتضيه الحكمة التشريعية التي يدور عليها فلك الرسالة بل هو مخل بها، وإن شئت فاعتبر الجملة واقعة موقع التعليل لنفي الدراية السابقة. ولما كان مساق الكلام ما قد يتوهمون منه أنه عليه الصلاة والسلام لم يطلع على شيء من الغيب، عَقَّبَ عز وجل الكلام بالاستثناء المنقطع كما روي في «البحر» عن ابن عباس الذي هو بمعنى الاستدراك لدفع ذلك على أبلغ وجه حيث عمم الأمر في الرسل المرتضين وأقام كيفية الإظهار مقام الإظهار مع الإشارة إلى البعض الذي أطلعوا عليه المناسب لمقام الدعوة فقال عز من قائل: {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ...}.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَالِمُ} (26) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي يَعْلَمُ مَا غَابَ عَنْ أَبْصَارِ خَلْقِهِ فَلَمْ يَرَوْهُ، وَلاَ يُطْلِعُ عَلَى غَيبِهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):