Verse. 5577 (AR)

٧٥ - ٱلْقِيَامَة

75 - Al-Qiyama (AR)

كَلَّاۗ اِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ۝۲۶ۙ
Kalla itha balaghati alttaraqiya

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كلا» بمعنى ألا «إذا بلغت» النفس «التراقي» عظام الحلق.

26

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ } قال الزجاج: كلا ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة، كأنه قيل: لما عرفتم صفة سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء في الآخرة، وعلمتم أنه لا نسبة لها إلى الدنيا، فارتدعوا عن إيثار الدنيا على الآخرة، وتنبهوا على ما بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم، وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلدين، وقال آخرون: {كَلاَّ } أي حقاً إذا بلغت التراقي كان كذا وكذا، والمقصود أنه لما بين تعظيم أحوال الآخرة بين أن الدنيا لا بد فيها من الانتهاء والنفاد والوصول إلى تجرع مرارة الموت. وقال مقاتل: {كَلاَّ } أي لا يؤمن الكافر بما ذكر من أمر القيامة، ولكنه لا يمكنه أن يدفع أنه لا بد من الموت، ومن تجرع آلامها، وتحمل آفاتها. ثم إنه تعالى وصف تلك الحالة التي تفارق الروح فيها الجسد فقال: {إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد إذا بلغت النفس أو الروح، أخبر عما لم يجر له ذكر لعلم المخاطب بذلك، كقوله: [القدر: 1] والتراقي جمع ترقوة. وهي عظم وصل بين ثغرة النحر، والعاتق من الجانبين. واعلم أنه يكنى ببلوغ النفس التراقي عن القرب من الموت، ومنه قول دريد بن الصمة:شعر : ورب عظيمة دافعت عنها وقد بلغت نفوسهم التراقي تفسير : ونظيره قوله تعالى: {أية : فلولا إذا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ } تفسير : [الواقعة:83]. المسألة الثالثة: قال بعض الطاعنين: إن النفس إنما تصل إلى التراقي بعد مفارقتها عن القلب ومتى فارقت النفس القلب حصل الموت لا محالة، والآية تدل على أن عند بلوغها التراقي، تبقى الحياة حتى يقال فيه: من راق، وحتى تلتف الساق بالساق والجواب: المراد من قوله: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ } أي إذا حصل القرب من تلك الحالة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ } «كَلاَّ» رَدْع وزَجْر؛ أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة؛ ثم ٱستأنف فقال: {إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ} أي بلغت النفس أو الروح التراقي؛ فأخبر عما لم يجر له ذكر، لعلم المخاطب به؛ كقوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ } تفسير : [صۤ: 32]، وقوله تعالى: { أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ } تفسير : [الواقعة: 83] وقد تقدّم. وقيل: «كَلاَّ» معناه حقاً؛ أي حقًّا أن المساق إلى الله «إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ» أي إذا ٱرتقت النفس إلى التراقي. وكان ٱبن عباس يقول: إذا بلغت نفس الكافر التراقي. والتراقي جمع تَرْقُوة وهي العظام المكتنفة لنُقْرة النَّحر، وهو مقدّم الحلق من أعلى الصدر، موضع الحَشْرجة؛ قال دُرَيْد بن الصِّمّة. شعر : ورُبَّ عَظِيمةٍ دافَعْتَ عَنْهُمْ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّرَاقِي تفسير : وقد يكنى عن الإشفاء على الموت ببلوغ النفس التراقي، والمقصود تذكيرهم شدّة الحال عند نزول الموت. قوله تعالى: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} ٱختُلف فيه؛ فقيل: هو من الرقية؛ عن ٱبن عباس وعِكرمة وغيرهما. روى سِمَاك عن عِكرمة قال: مَن راقٍ يَرْقِي: أي يَشْفِي. وروى ميمون بن مِهران عن ٱبن عباس: أي هل من طبيب يَشْفِيه؛ وقاله أبو قِلابة وقتادة؛ وقال الشاعر: شعر : هَلْ لِلْفَتَى مِنْ بَناتِ الدَّهْر مِنْ وَاقِ أَمْ هَلْ لَه مِنْ حِمَام الْمَوْتِ مِنْ رَاقِ تفسير : وكان هذا على وجه الاستبعاد واليأس؛ أي من يقدر أن يَرْقِيَ من الموت. وعن ٱبن عباس أيضاً وأبي الجوزاء أنه من رَقِيَ يَرْقَى: إذا صَعِدَ، والمعنى: من يَرقَى بروحه إلى السماء؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقيل: إن مَلَك الموت يقول مَن راقٍ؟ أي من يَرْقَى بهذه النفس؛ وذلك أن نفس الكافر تكره الملائكة قربها، فيقول ملَكَ الموت: يا فلان ٱصعد بها. وأظهر عاصم وقوم النون في قوله تعالى: {مَنْ رَاقٍ} واللام في قوله: «بَلْ رَانَ» لئلا يشبه مَرَّاق وهو بائع المَرْقة، وبَرَّان في تثنية البرّ. والصحيح ترك الإظهار، وكسرة القاف في {مَنْ رَاقٍ} وفتحة النون في «بَلْ رَانَ» تكفي في زوالِ اللبس. وأمثل مما ذُكِر: قصد الوقف على «مَنْ» و«بَلْ»، فأظهرهما؛ قاله القشيريّ. قوله تعالى: {وَظَنَّ} أي أيقن الإنسان {أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ} أي فراق الدنيا والأهل والمال والولد، وذلك حين عاين الملائكة. وقال الشاعر: شعر : فرَاقٌ ليس يُشبهُهُ فِرَاقُ قد ٱنقطع الرجاءُ عن التَّلاَقِ تفسير : {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ } أي فٱتصلت الشدّة بالشدّة؛ شدّة آخر الدنيا بشدة أوّل الآخرة؛ قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. وقال الشعبي وغيره: المعنى ٱلتفت ساقا الإنسان عند الموت من شدّة الكرب. وقال قتادة: أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه على الأخرى. وقال سعيد بن المسيِّب والحسن أيضاً: هما ساقا الإنسان إذا التفّتا في الكفن. وقال زيد بن أسلم: ٱلتفت ساق الكفن بساق الميت. وقال الحسن أيضاً: ماتت رجلاه ويبست ساقاه فلم تحملاه، ولقد كان عليهما جوّالاً. قال النحاس: القول الأوّل أحسنها. وروى عليّ بن أبي طلحة عن ٱبن عباس: {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ } قال: آخرَ يوم من الدنيا وأوّل يوم من الآخرة، فتلتقي الشدّة بالشدّة إلا من رحمه الله؛ أي شدّة كرب الموت بشدّة هول المطلع؛ والدليل على هذا قوله تعالى: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ} وقال مجاهد: ببلاء ببلاء. يقول: تتابعت عليه الشدائد. وقال الضحاك وٱبن زيد: ٱجتمع عليه أمران شديدان: الناس يُجهِّزون جسده، والملائكة يُجهِّزون رُوحه، والعرب لا تذكر الساق إلا في المِحن والشدائد العظام؛ ومنه قولهم: قامت الدنيا على ساق، وقامت الحرب على ساق. قال الشاعر: شعر : وقامِت الحربُ بـنا على سـاق تفسير : وقد مضى هذا المعنى في آخر سورة {نۤ وَٱلْقَلَمِ}. وقال قوم: الكافر تُعَذِّب روحه عند خروج نفسه، فهذه الساق الأولى، ثم يكون بعدهما ساق البعث وشدائده: {إِلَىٰ رَبِّكَ} أي إلى خالقك {يَوْمَئِذٍ} أي يوم القيامة {ٱلْمَسَاقُ} أي المرجع. وفي بعض التفاسير قال: يسوقه مَلَكه الذي كان يحفظ عليه السيئات. والمَسَاق: المصدر من ساق يسوق، كالمقال من قال يقول.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَلاَّ } بمعنى ألا {إِذَا بَلَغَتِ } النفس {ٱلتَّرَاقِىَ } عظام الحلق.

الشوكاني

تفسير : قوله: {كَلاَّ } ردع وزجر، أي: بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة، ثم استأنف، فقال: {إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ } أي: بلغت النفس أو الروح التراقي، وهي جمع ترقوة، وهي عظم بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت، ومثله قوله: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ } تفسير : [الواقعة: 83] وقيل: معنى {كَلاَّ }: حقاً، أي: حقاً أن المساق إلى الله إذا بلغت التراقي، والمقصود: تذكيرهم شدّة الحال عند نزول الموت. قال دريد بن الصمة:شعر : وربّ كريهة دافعت عنها وقد بلغت نفوسهم التراقي تفسير : {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } أي: قال من حضر صاحبها: من يرقيه ويشتفي برقيته؟. قال قتادة: التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئًا، وبه قال أبو قلابة، ومنه قول الشاعر:شعر : هل للفتى من بنات الموت من واقي أم هل له من حمام الموت من راقي تفسير : وقال أبو الجوزاء: هو من رقى يرقى إذا صعد، والمعنى: من يرقى بروحه إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقيل: إنه يقول ذلك ملك الموت، وذلك أن نفس الكافر تكره الملائكة قربها {وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ } أي: وأيقن الذي بلغت روحه التراقي أنه الفراق من الدنيا ومن الأهل والمال والولد. {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ } أي: التفت ساقه بساقه عند نزول الموت به. وقال جمهور المفسرين: المعنى تتابعت عليه الشدائد. وقال الحسن: هما ساقاه إذا التفتا في الكفن. وقال زيد بن أسلم: التفت ساق الكفن بساق الميت. وقيل: ماتت رجلاه ويبست ساقاه ولم تحملاه، وقد كان جوّالاً عليهما. وقال الضحاك: اجتمع عليه أمران شديدان: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه. وبه قال ابن زيد. والعرب لا تذكر الساق إلاّ في الشدائد الكبار والمحن العظام، ومنه قولهم: قامت الحرب على ساق. وقيل: الساق الأوّل تعذيب روحه عند خروج نفسه، والساق الآخر شدّة البعث وما بعده. {إِلَىٰ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ } أي: إلى خالقك يوم القيامة المرجع، وذلك جمع العباد إلى الله يساقون إليه. {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ } أي: لم يصدّقَ بالرسالة ولا بالقرآن، ولا صلى لربه، والضمير يرجع إلى الإنسان المذكور في أوّل هذه السورة. قال قتادة: فلا صدّق بكتاب الله ولا صلى لله. وقيل: فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه. قال الكسائي: لا بمعنى لم، وكذا قال الأخفش: والعرب تقول: لا ذهب، أي: لم يذهب، وهذا مستفيض في كلام العرب، ومنه:شعر : إن تغفر اللَّهم تغفر جما وأيّ عبد لك لا ألما تفسير : {وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } أي: كذّب بالرسول وبما جاء به، وتولى عن الطاعة والإيمان. {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ } أي: يتبختر ويختال في مشيته افتخاراً بذلك. وقيل: هو مأخوذ من المطي، وهو الظهر، والمعنى: يلوي مطاه. وقيل: أصله يتمطط، وهو التمدّد والتثاقل، أي: يتثاقل ويتكاسل عن الداعي إلى الحق {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ } أي: وليك الويل، وأصله: أولاك الله ما تكرهه، واللام مزيدة، كما في {أية : رَدِفَ لَكُم } تفسير : [النمل: 72]. وهذا تهديد شديد، والتكرير للتأكيد، أي: يتكرر عليك ذلك مرة بعد مرة. قال الواحدي: قال المفسرون: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد أبي جهل، ثم قال: {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ } فقال أبو جهل: بأيّ شيء تهدّدني، لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعزّ أهل هذا الوادي، فنزلت هذه الآية. وقيل معناه: الويل لك، ومنه قول الخنساء:شعر : هممت بنفسي بعض الهمو م فأولى لنفسي أولى لها تفسير : وعلى القول بأنه الويل. قيل: هو من المقلوب كأنه قيل: أويل لك، ثم أخر الحرف المعتل. قيل: ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات، والويل لك حياً، والويل لك ميتاً، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار. وقيل المعنى: إن الذمّ لك أولى لك من تركه. وقيل المعنى: أنت أولى وأجدر بهذا العذاب، قاله ثعلب. وقال الأصمعي: أولى في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك. قال المبرّد: كأنه يقول: قد وليت الهلاك وقد دانيته، وأصله من الولي، وهو القرب، وأنشد الفراء:شعر : فأولى أن يكون لك الولاء تفسير : أي: قارب أن يكون لك، وأنشد أيضاً:شعر : أولى لمن هاجت له أن يكمدا تفسير : {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى } أي: هملاً لا يؤمر ولا ينهى، ولا يحاسب ولا يعاقب. وقال السدي: معناه المهمل، ومنه إبل سدى، أي: ترعى بلا راع. وقيل المعنى: أيحسب أن يترك في قبره كذلك أبداً لا يبعث، وجملة: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مَّنِىّ يُمْنَىٰ } مستأنفة: أي: ألم يك ذلك الإنسان قطرة من منيّ يراق في الرحم، وسمي المنيّ منياً لإراقته، والنطفة: الماء القليل، يقال نطف الماء إذا قطر. قرأ الجمهور: {ألم يك} بالتحتية على إرجاع الضمير إلى الإنسان. وقرأ الحسن بالفوقية على الالتفات إليه توبيخاً له. وقرأ الجمهور أيضاً: {تمنى} بالفوقية على أن الضمير للنطفة. وقرأ حفص، وابن محيصن، ومجاهد، ويعقوب بالتحتية على أن الضمير للمنى، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو، واختارها أبو حاتم {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً } أي: كان بعد النطفة علقة، أي: دماً {فَخَلَقَ } أي: فقدّر بأن جعلها مضغة مخلقة {فَسَوَّىٰ }، أي: فعدّله وكمل نشأته، ونفخ فيه الروح. {فَجَعَلَ مِنْهُ } أي: حصل من الإنسان. وقيل: من المنيّ {ٱلزَّوْجَيْنِ } أي: الصنفين من نوع الإنسان. ثم بين ذلك فقال: {ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } أي: الرجل والمرأة. {أَلَيْسَ ذَلِكَ } أي: ليس ذلك الذي أنشأ هذا الخلق البديع وقدر عليه {بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } أي: يعيد الأجسام بالبعث كما كانت عليه في الدنيا، فإن الإعادة أهون من الابتداء، وأيسر مؤنة منه. قرأ الجمهور: {بقادر} وقرأ زيد بن عليّ: "يقدر" فعلاً مضارعاً، وقرأ الجمهور: {يحيي} بنصبه بأن. وقرأ طلحة بن سليمان، والفياض بن غزوان بسكونها تخفيفاً، أو على إجراء الوصل مجرى الوقف، كما مرّ في مواضع. وقد أخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } قال: تنتزع نفسه حتى إذا كانت في تراقيه. قيل: من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب. {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ } قال: التفت عليه الدنيا والآخرة، وملائكة العذاب أيهم يرقى به. وأخرج عبد بن حميد عنه: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } قل: من راق يرقى. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ } يقول: آخر يوم من أيام الدنيا وأوّل يوم من أيام الآخرة، فتلقى الشدّة بالشدّة إلاّ من رحم الله. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً {يَتَمَطَّىٰ } قال: يختال. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله: {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ } أشيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل من قبل نفسه، أم أمره الله به؟ قال: بل قاله من قبل نفسه، ثم أنزله الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {أَن يُتْرَكَ سُدًى } قال: هملاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن الأنباري عن صالح أبي الخليل قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ } قال: «حديث : سبحانك اللَّهم، وبلى»تفسير : وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: لما نزلت هذه الآية: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سبحانك ربي، وبلى»تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخه عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند قراءته لهذه الآية: «حديث : بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين»تفسير : وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ منكم: {وَٱلتّينِ وَٱلزَّيْتُونِ } [التين: 1]، فانتهى إلى آخرها: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ } [التين: 8] فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } [القيامة: 1]، فانتهى إلى قوله: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ } فليقل: بلى، ومن قرأ: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } [المرسلات: 1] فبلغ: {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } [الأعراف: 85] فليقل: آمنا بالله»تفسير : وفي إسناده رجل مجهول. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا قرأت {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فبلغت: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ } فقل: بلى».

الماوردي

تفسير : {كلا إذا بَلَغَتِ التّراقِيَ} يعني بلوغ الروح عند موته إلى التراقي، وهي أعلى الصدر، واحدها ترقوه. {وقيلَ مَنْ راقٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قال أَهْله: من راقٍ يرقيه بالرُّقى وأسماء الله الحسنى، قاله ابن عباس. الثاني: مَنْ طبيبٌ شافٍ، قاله أبو قلابة، قال الشاعر: شعر : هل للفتى مِن بنات الدهرِ من واقى أم هل له من حمامِ الموتِ من راقي تفسير : الثالث: قال الملائكة: مَن راقٍ يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. {وظَنَّ أنّه الفِراق} أي تيقن أنه مفارق الدنيا. {والْتَفّتِ الساقُ بالساقِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: اتصال الدنيا بالآخرة، قاله ابن عباس. الثاني: الشدة بالشدة والبلاء بالبلاءِ، وهو شدة كرب الموت بشدة هول المطلع، قاله عكرمة ومجاهد، ومنه قول حذيفة بن أنس الهذلي: شعر : أخو الحرب إن عضّت به الحربُ عضّها وإن شمّرتْ عن ساقها الحرب شمّرا. تفسير : الثالث: التفّت ساقاه عند الموت، وحكى ابن قتيبة عن بعض المفسرين أن التفاف الساق بالساق عند الميثاق، قال الحسن: ماتت رجلاه فلم تحملاه وقد كان عليهما جوّالاً. الرابع: أنه اجتمع أمران شديدان عليه: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه، قاله ابن زيد. {إلى ربِّك يومئذٍ المساقُ} فيه وجهان: أحدهما: المنطلق، قاله خارجة. الثاني: المستقر، قاله مقاتل. {فلا صَدَّقَ ولا صَلَّى} هذا في أبي جهل، وفيه وجهان: أحدهما: فلا صدّق بكتاب الله ولا صلّى للَّه، قاله قتادة. الثاني: فلا صدّق بالرسالة ولا آمن بالمرسل، وهو معنى قول الكلبي. ويحتمل ثالثاً: فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه. {ولكن كَذَّبَ وتَوَلَّى} فيه وجهان: أحدهما: كذب الرسول وتولى عن المرسل. الثاني: كذب بالقرآن وتولى عن الطاعة. {ثم ذَهَبَ إلى أَهْلِه يَتَمَطَّى} يعني أبا جهل، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: يختال في نفسه، قاله ابن عباس. الثاني: يتبختر في مشيته، قال زيد بن أسلم وهي مشية بني مخزوم. الثالث: أن يلوي مطاه، والمطا: الظهر، وجاء النهي عن مشية المطيطاء وذلك أن الرجل يلقي يديه مع الكفين في مشيه. {أوْلَى لك فأوْلَى * ثم أوْلَى لك فأوْلَى} حكى الكلبي ومقاتل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل ببطحاء مكة وهو يتبختر في مشيته، فدفع في صدره وهمزه بيده وقال: " أوْلى لك فأولى" فقال أبو جهل: إليك عني أوعدني يا ابن أبي كبشة ما تستطيع أنت ولا ربك الذي أرسلك شيئاً، فنزلت هذه الآية. وفيه وجهان: أحدهما: وليك الشر، قال قتادة، وهذا وعيد على وعيد. الثاني: ويل لك، قالت الخنساء: شعر : هَممْتُ بنفسي بعض الهموم فأوْلى لنَفْسيَ أوْلَى لها. سأحْمِلُ نَفْسي على آلةٍ فإمّا عليها وإمّا لها. تفسير : الآلة: الحالة، والآلة: السرير أيضاً الذي يحمل عليه الموتى. {أيَحْسَبُ الإنسانُ أنْ يُتْرَك سُدىً} فيه أربعة أوجه: أحدها: فهل لا يفترض عليه عمل، قاله ابن زيد. الثاني: يظن ألا يبعث، قاله السدي. الثالث: ملغى لا يؤمر ولا ينهى، قاله مجاهد. الرابع: عبث لا يحاسب ولا يعاقب، قال الشاعر: شعر : فأُقسِم باللَّه جهدَ اليمين ما ترك اللَّه شيئاً سُدى تفسير : {ألمْ يكُ نُطْفةً مِنْ مَنيٍّ يُمْنَى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن معنى يُمنى يراق، ولذلك سميت منى لإراقة الدماء فيها. الثاني: بمعنى ينشأ ويخلق، ومنه قول يزيد بن عامر: شعر : فاسلك طريقك تمشي غير مختشعٍ حتى تلاقيَ ما يُمني لك الماني. تفسير : الثالث: أنه بمعنى يشترك أي اشتراك ماء الرجل بماء المرأة. {ثم كان عَلَقَةً} يعني أنه كان بعد النطفة علقة. {فخَلَقَ فسوَّى} يحتمل وجهين. أحدهما: خلق من الأرحام قبل الولادة وسوي بعدها عند استكمال القوة وتمام الحركة. الثاني: خلق الأجسام وسواها للأفعال، فجعل لكل جارحة عملاً، والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَلَغَتِ} الروح {التَّرَاقِىَ} وهي أعلى الصدر جمع ترقوة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ...} زجر وتذكير أيضاً بموطن من مواطن الهول، وهي حالة الموت الذي لا مَحِيدَ عنه، و{بَلَغَتِ} يريد: النفس و{ٱلتَّرَاقِىَ} جمع تَرْقُوَةٍ، وهي عظام أعلى الصدر، ولكل أحد تَرْقُوَتَانِ، لكن جُمِعَ من حيثُ أَنَّ النفس المرادةَ اسمُ جنس، والتراقي هي موارية للحلاقيم، فالأمر كله كناية عن حال الحَشْرَجَةِ ونزع الموت ـــ يَسَّرَهُ اللَّه علينا بِمَنِّهِ، وجعله لنا راحةً من كل شَرٍّ ـــ واخْتُلِفَ في معنى قوله تعالى: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} فقال ابن عباس وجماعة: معناه: مَنْ يُرْقِي، ويَطُبُّ، ويَشْفِي، ونحو هذا مِمَّا يتمناه أهل المريض، وقال ابن عباس أيضاً، وسليمانُ التَّيْمِيُّ، ومقاتل: هذا القول للملائكة، والمعنى: مَنْ يرقى بروحه، أي: يصعد بها إلى السماء أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب. {وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ} أي: أيقن، وهذا يقين فيما لم يَقَعْ بعد؛ ولذلك اسْتُعْمِلَتْ فيه لَفْظَةُ الظن. وقوله تعالى: {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ} قال ابن المُسَيِّبِ، والحسن: هي حقيقة، والمراد: ساقا المَيِّتِ عند تكفينه، أي: لَفَّهُمَا الكَفَنُ، وقيل: هو التفافهما من شدة المرض، وقيل غير هذا.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ} "كَلاَّ" ردْعَ وزَجْر، أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة، ثم استأنف فقال: {إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ} أي: بلغت النفس والروح التراقي فأخبر بما لم يجر له ذكر لعلم المخاطب به كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ}تفسير : [ص: 32] وقوله: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ}تفسير : [الواقعة: 83]. وقيل: "كَلاّ" معناه "حقّاً" إن المساق إلى الله تعالى إذا بلغت التراقي، أي إذا ارتفعت النفس إلى التراقي. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إذا بلغت نفس الكافر التراقي. و"التراقي": مفعول "بلغت" والفاعل مضمر، أي: النفس وإن لم يجرِ لها ذكر، كقول حاتم: [الطويل] شعر : 5004 - أمَاوِيَّ ما يُغنِي الثَّراءُ عن الفَتَى إذَا حَشْرجتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ تفسير : أي: حشرجت النفس. وقيل: في البيت: إن الدال على النفس ذكر جملة ما اشتمل عليها وهو الفتى فكذلك هنا ذكر الإنسان دال على النفس، والعامل في "إذَا بَلغت" معنى قوله تعالى: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ} [القيامة: 30]، أي: إذ بلغت الحلقوم رفعت إلى الله تعالى، ويكون قوله: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} [القيامة: 27] معطوف على "بلغت". و "التراقي": جمع "ترقوة"، أصلها: "تراقو" قلبت واوها ياء لانكسار ما قبلها. والترقوة: أحد عظام الصدر. قاله أبو حيان، والمعروف غير ذلك. قال الزمخشري: ولكل إنسان ترقوتان، فعلى هذا يكون من باب: غليظ الحواجب وعريض المناكب. وقال القرطبي: "هي العظام المكتنفة لنُقْرة النحر، وهو مقدم الدّلق من أعلى الصدر، وهو موضع الحَشْرجة". قال دريدُ بن الصمَّةِ: [الوافر] شعر : 5005 - ورُبَّ عَظِيمةٍ دَافعْتُ عَنْهَا وقَدْ بَلغَتْ نُفوسُهُمُ التَّراقِي تفسير : وقال الراغب: "التَّرْقُوة":عظم وصل ما بين نُقرة النحر والعاتق انتهى. وقال الزمخشري: العظام المكتنفة لنقرة النحر عن يمين وشمال. ووزنها: "فَعْلُوة" فالتاء أصل والواو زائدة، يدل عليه إدخال أهل اللغة إياها في مادة "ترق". وقال أبو البقاء والفراء: جمع تَرْقُوَة،وهي "فَعْلُوة"، وليست بـ"تَفْعلَة"، إذ ليس في الكلام "رقو". وقرىء: "التراقي" بسكون، وهي كقراءة زيد: {أية : تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} تفسير : [المائدة: 89] وقد تقدم توجيهها. وقد يكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت والمقصود تذكيرهم شدة الحال عند نزول الموت. فصل في الرد على من طعن في الآية قال ابن الخطيب: قال بعض الطَّاعنين: إن النفس إنما تصل إلى التراقي بعد مفارقتها للقلب ومتى فارقت النفس القلب حصل الموت لا محالة، والآية تدل على أن عند بلوغها التراقي تبقى الحياة حتى يقال فيه: من راق وحتى تلتف الساق بالساق، والجواب: أن المراد من قوله: {حتَّى إذَا بَلَغَت التَّرَاقِي}، أي: إذا حصل بالقرب من تلك الحالة. قوله: {مَن رَاقٍ} مبتدأ وخبر، وهذه الجملة هي القائمة مقام الفاعل، وأصول البصريين تقتضي ألا يكون؛ لأن الفاعل عندهم لا يكون جملة، بل القائم مقامه ضمير المصدر وقد تقدم تحقيق هذا في البقرة. وهذا الاستفهام يجوز أن يكون على بابه، وأن يكون استبعاداً وإنكاراً. فالأولى مروي عن ابن عباس وعكرمة وغيرهما، قالوا: هو من الرقية. وروى سماك عن عكرمة قال: "من راق" يرقي ويشفي. والثاني رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس أيضاً: هل من طبيب يشفيه، وهو قول أبي قلابة وقتادة. وقال الشاعر: [البسيط] شعر : 5006 - هَلْ لِلفَتَى مِنْ بنَاتِ الدَّهْرِ من وَاقِ؟ أمْ هَلْ لَهُ مِن حَمامِ المَوتِ مِنْ رَاقِ؟ تفسير : وكان هذا على وجه الاستبعاد واليأس، أي من يقدر أن يرقي من الموت. وعن ابن عباس أيضاً وأبي الجوزاء: أنه من رقي يرقى: إذا صعد. والمعنى: من يرقى بروحه إلى السماء؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقيل: إن ملك الموت يقول: "مَن راقٍ" أي: من يرقى بهذه النفس. قال شهاب الدين: و "راقٍ" اسم فاعل إما من "رقى يرقي" من الرقية، وهو كلام معد للاستشفاء يرقى به المريض ليشفى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ومَا أدْراكَ أنَّها رُقْيَة"تفسير : يعني الفاتحة، وهو اسم من أسمائها، وإما من "رَقِيَ يرقَى" من الرَّقْي وهو الصعود أي أن الملائكة لكراهتها في روحه تقول: من يصعد بهذه الروح يقال: "رَقَى - بالفتح - من الرُّقية، وبالكسر من الرَّقْي"، ووقف حفص على نون "من" سكتة لطيفة، وقد تقدم تحقيق هذا في أول الكهف. وذكر سيبويه أن النون تدغم في الراء وجوباً بغنة وبغيرها نحو "من راشد". قال الواحدي: إن إظهار النون عند حروف الفم لحن فلا يجوز إظهار نون "من" في قوله: "من راق". وروى حفص عن عاصم: إظهار النون واللام في قوله: "من راق" و "بل ران". قال أبو علي الفارسي: "ولا أعرف وجه ذلك". قال الواحدي: والوجه أن يقال: قصدوا الوقف على "من" و "بل"، فأظهروهما ثم ابتدأوا بما بعدهما، وهذا غير مرضي من القراءة. قوله: {وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ}، أي: أيقن الإنسان أنه الفراق، أي: فراق الدنيا، والأهل والمال والولد، وذلك حين يعاين الملائكة، وسمي اليقين هنا بالظن؛ لأن الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه فإنه يطمع في الحياة لشدة حبه لهذه الحياة العاجلة، ولا ينقطع رجاؤه عنها، فلا يحصل له يقين الموت، بل الظن الغالب مع رجاء الحياة، أو لعله سماه بالظن الغالب تهكماً. قال ابن الخطيب: وهذه الآية تدل على أن الروح جوهر قائم بنفسه باقٍ بعد موت البدنِ؛ لأن الله - تعالى - سمى الموت فراقاً، والفراق إنما يكون إذا كانت الروح باقية، فإن الفراق والوصال صفة، والصفة تستدعي وجود الموصوف. قوله تعالى: {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ}. الالتفاف هو الاجتماع، قال تعالى: {أية : جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً}تفسير : [الإسراء: 104] ومعنى الكلام: اتصلت الشدة بالشدة، شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة. قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. وقال الشعبي وغيره: التفت ساقا الإنسان عند الموت من شدة الكربِ. قال قتادة: أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب برجله على الأخرى. وقال سعيد بن المسيب والحسن أيضاً: هما ساقا الإنسان إذا التفتا في الكفنِ. وقال زيد بن أسلم: التفت ساق الكفن بساق الميت. قال النحاس: القول الأول أحسنها، لقول ابن عباس: هو آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحم الله، والعرب لا تذكر الساق إلا في الشدائد والمحنِ العظام، ومنه قولهم: قامت الحرب على ساقٍ. قال أهل المعاني: إن الإنسان إذا دهمته شدة شمَّر لها عن ساقيه، فقيل للأمر الشديد: ساق، قال الجعديُّ: [الطويل] شعر : 5007 - أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّهَا وإنْ شَمَّرتْ عَنْ سَاقهَا الحَرْبُ شَمَّرَا تفسير : قوله تعالى: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ}. أي: إلى خالقك يومئذ، أي: يوم الساق، أي: المرجع، و "المساق" "مفعل" من السوق وهو اسم مصدر. قال القرطبي: "المساق": مصدر ساق يسوق، كالمقال من قال يقول. قوله: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ} "لا" هنا دخلت على الماضي، وهو مستفيض في كلامهم بمعنى: لم يصدق ولم يصل. قال: [الرجز] شعر : 5008 - إنْ تَغْفِر اللَّهُمَّ تَغفِرْ جَمَّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألمَّا تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 5009 - وأيُّ خَمِيسٍ، لا أتَانَا نِهَابُهُ وأسْيَافُنَا مِنْ كَبْشِهِ تَقطرُ الدِّمَا تفسير : وقال مكيٌّ: "لا" الثانية نفي، وليست بعاطفة، ومعناه: فلم يصدق ولم يصل. قال شهاب الدين: "وكيف يتوهم العطف حتى ينفيه". وجعل الزمخشري {فلا صدق وصلى} عطفاً على الجملة من قوله: {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ} قال: وهو معطوف على قوله: "يسأل أيان" أي لا يؤمن بالبعث فلا صدق بالرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم. واستبعده أبو حيان. وقال الكسائي: "لا" بمعنى "لم" ولكنه يقرن بغيره، تقول العرب: لا عبد الله خارج ولا فلان، ولا تقول: مررت برجل لا محسن حتى يقال ولا مجمل، وقوله: {أية : فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ}تفسير : [البلد: 11] ليس من هذا القبيل؛ لأن معناه: فهلا اقتحم، بحذف حرف الاستفهام. وقال الأخفش: "فلا صدّق" أي: لم يصدق، كقوله تعالى: "فَلا اقْتَحَمَ" أي: لم يقتحم، ولم يشترط أن يعقبه بشيء آخر، والعرب تقول: لا ذهب، أي: لم يذهب، فحرف النفي ينفي الماضي كما ينفي المستقبل، ومنه قول زهير: [الطويل] شعر : 5010 -................... فَلاَ هُوَ أبْداهَا ولمْ يتقدَّمِ تفسير : فصل في معنى الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه لم يصدق بالرسالة، "ولا صلى" أي: دعا لربه - عز وجل - وصلى على رسوله عليه الصلاة والسلام. وقال قتادة: "فلا صدق" بكتاب الله "ولا صلى" لله تعالى. [وقيل: لا صدق بمالٍ ذخراً له عند الله تعالى "ولا صلى" الصلوات التي أمر الله بها. وقيل: فلا آمن بقلبه] ولا عمل ببدنه. قيل: المراد أبو جهل. وقيل: الإنسان المذكور في قوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ}تفسير : [القيامة: 3]. قوله: {وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} الاستدراك هنا واضح؛ لأنه لا يلزم من نفي التصدق والصلاة، التكذيب والتولي لأن كثيراً من المسلمين كذلك فاستدرك ذلك بأن سببه التكذيب والتولي، ولهذا يضعف أن يحمل نفي التصديق على نفي تصديق الرسول - عليه الصلاة والسلام - لئلا يلزم التكرار فتقع "لكن" بين متوافقين، وهو لا يجوز. قال القرطبي: ومعناه كذب بالقرآن، وتولى عن الإيمان. قوله تعالى: {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ}. أي: يتبختر افتخاراً بذلك. قاله مجاهد وغيره. "يتَمطَّى" جملة حالية من فاعل" ذهب"، ويجوز أن يكون بمعنى شرع في التمطِّي، كقوله: [الطويل] شعر : 5011 - فَقامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسْيفهِ تفسير : وتمطى - هنا - فيه قولان: أحدهما: أنه من "المَطَا" وهو الظهر، ومعناه: يَتبختَرُ أي يمد مطاه ويلويه تبختراً في مشيته. الثاني: أن أصله "يتمطّط" أي يتمدّد، ومعناه: أنه يتمدد في مشيته تبختراً، ومن لازم التبختر ذلك فهو يقرب من معنى الأول، ويفارقه في مادته، إذ مادة "المطا": "م ط و"، ومادة الثاني: "م ط ط"، وإنما أبدلت الطاء الثانية ياء كراهية اجتماع الأمثال نحو: تطيبت، وقصيت أظفاري، وقوله: [الراجز] شعر : 5012 - تَقَضِّيَ البَازِي إذا البَازِي كَسَرْ تفسير : والمطيطاء: التبختر ومد اليدين في المشي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المُطَيْطَاءِ وخدَمتهُمْ من فَارِس والرَّومِ كان بَأسهُمْ بَيْنَهُمْ ". تفسير : و "المطيط": الماء الخاثر أسفل الحوض؛ لأنه يتمطّط، أي: يمتدّ فيه. وقال القرطبي: التمطط: هو التمدد من التكسُّل، والتثاقل فهو متثاقل عن الداعي إلى الحق، والتمطي يدل على قلة الاكتراث. قوله: {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ} تقدم الكلام عليه في أول سورة القتال، وإنما كررها هنا مبالغة في التهديد والوعيد، فهو تهديد بعد تهديد ووعيد بعد وعيد؛ قالت الخنساء: [المتقارب] شعر : 5013 - هَمَمْتُ بنَفْسِيَ كُلَّ الهُمومِ فأولَى لِنفْسِيَ أوْلَى لَهَا تفسير : وقال أبو البقاء هنا: "وزن" أولى فيه قولان: أحدهما: "فَعْلَى" والألف فيه للإلحاق لا للتأنيث. والثاني: هو "أفعل"، وهو على القولين هنا "علمٌ"، ولذلك لم ينون، ويدل عليه ما حكى أبو زيد في "النوادر": هو أولاة - بالتاء - غير مصروف، لأنه صار علماً للوعيد، فصار كرجل اسمه أحمد، فعلى هذا يكون أولى مبتدأ، و "لك" الخبر. والثاني: أن يكون اسماً للفعل مبنياً، ومعناه: وليك شر بعد شر، و "لك" تبيين. فصل في نزول الآية قال قتادة ومقاتل والكلبي: حديث : خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ المَسْجدِ ذَاتَ لَيْلةٍ فاسْتقَبلهُ أبُو جَهْل على بَابِ المَسْجدِ ممَّا يلي باب بني مَخْزُوم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فهزه مرة أو مرتين ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوْلَى لَكَ فأوْلَى، ثُمَّ أوْلَى لَكَ فأوْلَى" فقال أبو جهلٍ: أتُهدِّدنِي؟ فواللَّهِ إنِّي لأعزُّ أهل هذا الوَادِي وأكْرمهُ، ولا تَسْتطِيعُ أنْتَ ولا ربُّكَ أن تَفْعَلا بِي شَيْئاً ثُمَّ انسَلَّ ذَاهِباًتفسير : ، فأنزل الله - تعالى - كما قال الرسول الله عليه الصلاة والسلام. ومعنى أوْلَى لَكَ يعني ويل لك؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 5014 - فأوْلَى ثُمَّ أوْلَى ثُمَّ أوْلَى وهَلْ لِلدَّرِّ يُحْلَبُ مِنْ مَرَدِّ؟ تفسير : وقيل: هو من المقلوب، كأنه قيل: "ويل" ثم أخر الحرف المعتل، والمعنى: الويل لك يوم تدخل النار؛ وهذا التكرير كقوله: [الطويل] شعر : 5015 -........................ لَكَ الوَيْلاتُ إنَّكَ مُرْجِلِي تفسير : أي لك الويل ثم الويل. وقيل: معناه الذم لك أولى من تركه. وقيل: المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: قال الأصمعي "أولى" في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك كما تقول: قد وليت الهلاك، أي دانيت الهلاك، وأصله من "الولي" وهو القرب، قال تعالى: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ}تفسير : [التوبة: 123] أي: يقربون منكم. قال القرطبي: "وقيل: التكرير فيه على معنى من ألزم لك على عملك السيّىء الأول ثم الثاني والثالث والرابع".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله‏:‏ {‏إذا بلغت التراقي‏} ‏ قال‏:‏ الحلقوم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏وقيل من راق‏} قال‏:‏ من طبيب شاف‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي قلابة رضي الله عنه ‏{‏وقيل من راق‏}‏ قال‏:‏ التمسوا الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئاً ‏ {‏وظن أنه الفراق‏} ‏ قال‏:‏ استيقن أنه الفراق ‏{‏والتفت الساق بالساق‏}‏ قال‏:‏ ماتت ساقاه فلم تحملاه، وكان عليهما جوّالاً‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏وقيل من راق‏} ‏ قال‏:‏ هو الطبيب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏وقيل من راق‏}‏ قال‏:‏ من راق يرقي‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وقيل من راق‏}‏ قيل‏:‏ تنتزع نفسه حتى إذا كانت في تراقيه قيل من يرقى بروحه‏؟‏ ملائكة الرحمة، أو ملائكة العذاب ‏{‏والتفت الساق بالساق‏}‏ قال‏:‏ التفت عليه الدنيا والآخرة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي العالية في قوله‏:‏ ‏ {‏وقيل من راق‏} ‏ قال‏:‏ يختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب أيهم يرقى به‏؟‏‏. وأخرج ابن جرير عن أبي الجوزاء رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وقيل من راق‏} ‏ قال‏:‏ قالت الملائكة بعضهم لبعض من يصعد به أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب‏؟‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ‏:‏ ‏"‏وأيقن أنه الفراق‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏والتفت الساق بالساق‏} ‏ يقول‏:‏ آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فتلقى الشدة بالشدة إلا من رحم الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ‏ {‏والتفت الساق بالساق‏} ‏ قال‏:‏ التف أمر الدنيا بأمر الآخرة عند الموت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ‏ {‏والتفت الساق بالساق‏} ‏ قال‏:‏ لفت ساق الآخرة بساق الدنيا، وذكر قول الشاعر‏:‏ شعر : وقامت الحرب بنا على ساق تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والربيع وعطية والضحاك مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏والتفت الساق بالساق‏} ‏ قال‏:‏ بلاء ببلاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه‏ {والتفت الساق بالساق‏}‏ قال‏:‏ اجتمع فيه الحياة والموت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه ‏ {‏والتفت الساق بالساق‏}‏ قال‏:‏ تلف ساقاه عند الموت للنزع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ‏ {‏والتفت الساق بالساق‏} ‏ قال‏:‏ التفت ساقاه عند الموت‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏والتفت الساق بالساق‏} ‏ قال‏:‏ أما رأيت إذا حضر ضرب برجله رجله الأخرى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏والتفت الساق بالساق‏} ‏ قال‏:‏ الناس مجهزون بدنه والملائكة مجهزون روحه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أنه سئل عن قوله‏:‏ ‏ {‏والتفت الساق بالساق‏}‏ قال‏:‏ هما ساقاه إذا التفتا في الأكفان‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏إلى ربك يومئذ المساق‏}‏ قال‏:‏ في الآخرة‏.‏ أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فلا صدق‏}‏ قال‏:‏ بكتاب الله ‏ {‏ولا صلى ولكن كذب‏} ‏ بكتاب الله ‏{‏وتولى‏}‏ عن طاعة الله ‏{‏ثم ذهب إلى أهل يتمطى‏}‏ قال‏:‏ يتبختر، وهو أبو جهل بن هشام كانت مشيته‏.‏ ذكر لنا أن نبي الله أخذ بمجامع ثوبه فقال‏:‏ ‏{‏أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى‏}‏ وعيداً على وعيد، فقال‏:‏ ما تستطيع أنت ولا ربك لي شيئاً وإني لأعز من مشى بين جبليها، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏"‏حديث : إن لكل أمة فرعوناً وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏ثم ذهب إلى أهله يتمطى‏} ‏ قال‏:‏ يتبختر، وهو أبو جهل‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏يتمطى‏} ‏ قال‏:‏ يختال‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال‏:‏ سألت ابن عباس عن قول الله‏:‏ ‏ {‏أولى لك فأولى‏} ‏ أشيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل من قبل نفسه، أم أمره الله به‏؟‏ قال‏:‏ بلى. قاله من قبل نفسه، ثم أنزله الله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏أن يترك سدى‏}‏ قال‏:‏ هملا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏أن يترك سدى‏} ‏ قال‏:‏ باطلاً لا يؤمر ولا ينهى‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ‏ ‏حديث : عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏أن يترك سدى‏}‏ قال‏:‏ أن يهمل، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏}‏ قال‏:‏ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأها‏: "‏سبحانه وبلى"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن صالح أبي الخليل قال‏:‏‏ ‏حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية ‏ {‏أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏} ‏ قال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏"سبحان ربي وبلى‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ‏ {‏أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏} ‏ قال‏:‏ "‏سبحانك اللهم وبلى"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه عن أبي أمامة قال‏:‏ ‏حديث : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حجته فكان يكثر من قراءة ‏ {‏لا أقسم بيوم القيامة‏}‏ فإذا قال ‏ {‏أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏} ‏ سمعته يقول‏:‏ "‏بلى وأنا على ذلك من الشاهدين"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والبيهقي في سننه عن موسى بن أبي عائشة قال‏:‏ كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ ‏{‏أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏} ‏ قال‏:‏ سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك فقال‏:‏ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من قرأ منكم ‏{‏والتين والزيتون‏}‏ فانتهى إلى آخرها ‏{‏أليس الله بأحكم الحاكمين}‏ [التين: 8] فليقل‏:‏ بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين‏.‏ ومن قرأ ‏{‏لا أقسم بيوم القيامة‏}‏ فانتهى إلى ‏{‏أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏}‏ فليقل‏:‏ بلى، ومن قرأ ‏{والمرسلات‏}‏ فبلغ ‏{فبأي حديث بعده يؤمنون‏} فليقل‏:‏ آمنا بالله ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إذا قرأت ‏{‏لا أقسم بيوم القيامة‏}‏ فبلغت ‏{‏أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏}‏ فقل‏:‏ بلى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ إذا قرأت ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏} فقل‏:‏ سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأت ‏{‏أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏}‏ فقل‏:‏ سبحانك وبلى‏.‏

التستري

تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ}[26] يعني الحلقوم.

اسماعيل حقي

تفسير : {كلا} ردع عن ايثار العاجلة عن الآخرة اى ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا لما بين ايديكم من الموت الذى ينقطع عنده ما بينكم وبين العاجلة من العلاقة {اذا بلغت التراقى} الضمير للنفس وان لم يجر لها ذكر لان الكلام الذى وقعت فيه يدل عليها وتقول العرب ارسلت يريدون جاء المطر ولا تكاد تسمعهم يذكرون السماء اى اذا بلغت النفس الناطقة وهى الروح الانسانى أعالى الصدر وهى العظام المكتنفة لثغره النحر عن يمين وشمال فاذا بلغت اليها يكون وقت الغرغرة وبالفارسية جون برسد روح باستخوا نهاى سينه وكردن. وفى كشف الاسرار وقت كه جان بجنبر كردن رسد. جمع ترقوة بفتح التاء والواو وسكون الرآء وضم القاف قال فى القاموس الترقوة ولا تضم تاؤه العظم بين ثغرة النحر والعاتق انتهى. والعاتق موضع الردآء من المنكب قال بعضهم لكل احد ترقوتان ولكن جمع التراقى باعتبار الافراد وبلوغ النفس التراقى كناية عن عدم الاشفاء يعنى بكناره اورسيدن ونزديك شدن. والعامل فى اذا بلغت معنى قوله الى ربك يومئذ المساق اى اذا بلغت النفس الحلقوم رفعت وسيقت الى الله اى الى موضع امر الله ان ترفع اليه.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر وحفص ورويس {من مني يمنى} بالياء على التذكير ردّوه إلى المني. الباقون بالتاء حملا على النطفة. يقول الله تعالى {كلا إذا بلغت} يعني النفس أو الروح، ولم يذكر لدلالة الكلام عليه كما قال {أية : ما ترك على ظهرها}تفسير : يعني على ظهر الأرض. وإنما لم يذكر لعلم المخاطب به، و {التراقي} جمع ترقوة وهي مقدم الحلق من أعلى الصدر، تترقى اليه النفس عند الموت، واليها يترقى البخار من الجوف، وهناك تقع الحشرجة، وقوله {وقيل من راق} فالراق طالب الشفاء يقال: رقاه يرقيه رقية إذا طلب له شفاء باسماء الله الجليلة وآيات كتابه العظيمة. وأما العوذة فهي رفع البلية بكلمات الله تعالى. وقال ابو قلابة والضحاك وابن زيد وقتادة: معنى {راق} طبيب شاف. أي اهله يطلبون له من يطببه ويشفيه ويداويه فلا يجدونه. وقال ابن عباس وابو الجوزاء: معناه قالت الملائكة: من يرقا بروحه أملائكة الرحمة أم ملائكة العقاب. وقال الضحاك: أهل الدنيا يجهزون البدن، وأهل الآخرة يجهزون الروح. وقوله {وظن أنه الفراق} معناه علم عند ذلك انه فراق الدنيا والاهل والمال والولد. والفراق بعاد الالاف وهو ضد الوصال يقال: فارقه يفارقه فراقاً. وقد صار علماً على تفرق الاحباب وتشتت الالاف. وقوله {والتفت الساق بالساق} قال ابن عباس ومجاهد: معناه التفت شدة أمر الآخرة بأمر الدنيا. وقال الحسن: التفت حال الموت بحال الحياة. وقال الشعبي وابو مالك: التفت ساقا الانسان عند الموت - وفي رواية أخرى عن الحسن - انه قال: إلتفات الساقين في الكفن. وقيل: ساق الدنيا بساق الآخرة. وهو شدة كرب الموت بشدة هول المطلع. وقال الحسن: معناه التفت شدة أمر الدنيا بشدة أمر الآخرة. وقيل: معناه اشتداد الأمر عند نزع النفس حتى التفت ساق على ساق عند تلك الحال، يقولون: قامت الحرب على ساق عند شدة الأمر قال الشاعر: شعر : فاذا شمرت لك عن ساقها فويهاً ربيع ولا تسأم تفسير : وقوله {إلى ربك يومئذ المساق} معناه إن الخلائق يساقون إلى المحشر الذي لا يملك فيه الأمر والنهي غير الله. والمساق مصدر مثل السوق. وقوله {فلا صدق ولا صلى} قال الحسن: معناه لم يتصدق ولم يصل {ولكن كذب} بالله {وتولى} عن طاعته. وقال قوم {فلا صدق} بربه {ولا صلى} وقال قتادة: معناه فلا صدق بكتاب الله ولا صلى لله {ولكن كذب} به {وتولى} عن طاعته. وقال قوم: معناه {فلا صدق} بتوحيد الله، ولا نبيه بل كذب به. والصدقة العطية للفقراء والزكاة الصدقة الواجبة على المال المعلق بنصاب مخصوص. والصلاة عبادة أولها التكبير وآخرها التسليم، وفيها قراءة وأركان مخصوصة. والتولي هو الاعراض عن الشيء، فلما كان هذا الجاهل معرضاً عن الحق بتركه الى خلافه من الباطل لزمه الذم بهذا الوصف. وقوله {ثم ذهب إلى أهله يتمطى} فالتمطي تمدد البدن من الكسل إما كسل مرض او كسل تثاقل عن الامر. والذم بكسل التثاقل عن الداعي الى الحق. وقال مجاهد وقتادة: معنى يتمطى بتختر. وقيل: الأصل فى يتمطى يلوي مطاه، والمطاء الظهر، ونهي عن مشية المطيطيا، وذلك ان يلقي الرجل بدنه مع التكفي فى مشيه. وقيل: نزلت الآية في أبي جهل بن هشام بن المغيرة المخزومي. وقوله {أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى} قال قتادة: هو وعيد على وعيد. وقيل معنى {أولى لك} وليك الشر يا أبا جهل، وقيل: معناه الذم اولى لك من تركه إلا انه حذف، وكثر في الكلام حتى صار بمنزلة الويل لك. وصار من المتروك المحذوف الذي لا يجوز اظهاره. وقيل أولى لك، فاولى لك على الاول والذم لك على الثاني والثالث. والأولى في العقل هو الاحق بالقرب من داعي العقل، كأنه أحق بوليه. ثم قال على وجه الوعيد والتهديد للكفار {أيحسب الإنسان} ومعناه أيظن الانسان الكافر بالبعث والنشور الجاحد لنعم الله {أن يترك سدى} ومعناه أن يترك مهملا عن الأمر والنهي، فالسدى همل من غير أمر يؤخذ به، ويكون فيه تقويم له، واصلاح لما هو أعود عليه في عاقبة أمره واجمل به في دنياه وآخرته. وقال ابن عباس ومجاهد: معنى {أن يترك سدى} أي هملا لا يؤمر ولا ينهى. وقيل: أيحسب الانسان أن يترك مهملا فلا يؤمر ولا ينهى مع كمال عقله وقدرته. ثم قال على وجه التنبيه على أن الله خلقه للتكليف والعبادة، وعلى انه قادر على اعادته واحيائه بعد موته {ألم يك نطفة من مني يمنى} فالمني نطفة الذكر التي يجيئ منها الولد {ثم كان علقة} أي قطعة من الدم المنعقد جامدة لا تجري فخلق الله منها هذا الانسان الذي هو في احسن تقويم، فسبحان من قدر على ذلك. وقوله {فخلق فسوى} أي خلق من العلقة خلق سويا شق له السمع والبصر. وقال الفراء: معنى {فسوى} فسواه {فجعل منه} من ذلك المني {الزوجين الذكر والأنثى} فمن قدر على ذلك لا يقدر على ان يحيي الموتى بعد ان كانوا أحياء؟! بلى والله قادر على ذلك، لان جعل النطفة علقة وخلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظماً وكسو العظم لحماً ثم إنشاؤه خلقاً آخر حياً سليماً مركباً فيه الحواس الخمس كل واحدة منها يصلح لما لا يصلح له الاخرى، وخلق الذكر والانثى اللذين يصح منهما التناسل على ما قدره الله أعجب وابدع من اعادة الميت إلى ما كان من كونه حياً، فمن قدر على الأول أولى بأن يكون قادراً على الثاني، فالاحياء ايجاد الحياة، والاماتة ايجاد الموت عند من قال أن الموت معنى، ومن قال: ليس بمعنى، قال: هو نقض بنية الحي على وجه الاختراع. وقوله {فجعل منه} قيل يعني من الانسان {الزوجين الذكر والأنثى} وقيل من المني {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا ختم السورة، يقول:حديث : سبحانك الله بلىتفسير : ، وهو المروي عن أبي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام. وفي الآية دلالة على صحة القياس العقلي، وهو أن من قدر على احياء الانسان قادر على احيائه بعد الاماتة، وقال الفراء: يجوز في العربية يحيي الموتى بالادغام بأن ينقل الحركة الى الحاء وتدغم احدى اليائين في الاخرى وانشد: شعر : وكأنها بين النساء سبيكة تمشي بسدة بيتها بتعيّ

الجنابذي

تفسير : {كَلاَّ} ردع عن اختيار الدّنيا او ردع عن ظنّ النّجاة بصاحبى تلك الوجوه {إِذَا بَلَغَتِ} النّفس {ٱلتَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} رافع لك عن هذه المهالك؟ قيل: ذلك على سبيل التّحسّر، او يقول الملائكة: من يرفعه بروحه، ملائكة الرّحمة او ملائكة العذاب؟ او من يشفيه بأسماء الله تعالى من الرّقية وهو طلب الشّفاء بأسماء الله تعالى.

اطفيش

تفسير : {كَلاَّ} ردع عما يوجب الفاقرة من ايثار العاجلة على الاجلة او بمعنى حقا او بمعنى الا *{إِذَا بَلَغَتِ} اي النفس بدليل السياق قال حاتم: شعر : أماوي يغني الثراء عن الفتي إذا حشرجت نفس وضاق بها الصدر تفسير : أي ترددت في الحلق {التَّرَاقِيَ} أعالي الصدر وهي عظام مكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال موارية للحلاقيم والمفرد ترقوة ولكل احد ترقوقان ولكنه جمع باعتبار الجنس في النفس او يقدر الفاعل جمعا اي بلغت النفوس او اقل الجمع اثنان تحقيقا او مجازا وجواب إذا محذوف يقدر بعد المعطوفات اي تيقن ان الامر ما قلنا او أعلم جزاءه أو سيق الى ربها، والآية كناية عن حشرجة النفس ونزاع الموت يسره الله علينا بمنه وجعله لنا راحة من كل شر ذكرهم الله صعوبة الموت الذي هو أول مداخلة الآخرة حين تبلغ الروح التراقي ودنا زهوقها.

اطفيش

تفسير : {كَلاَّ} ارتدعوا عن حب العاجلة فإِنها تقطعون عنها بالموت الذى هو باب الجزاء على الأَعمال. {إِذا} جوابها مقدر بعد المساق أى كان مالا يفئ به الكلام أو كان ما كان أو انكشفت حقيقة الأَمر أو حضر للإِنسان ما فعل. {بَلَغَتِ} أى الروح أو النفس دل عليها ما تقدم من الكلام فى شأن الآخرة وقوله من راق الخ كقول حاتم: شعر : أماوى لا يغنى الثراء عن الفتى إِذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر تفسير : وكقول العرب أرسلت يريدون أرسلت السماء المطر. {التَّرَاقِيَ} عظام الصدر من الجانبين والمفرد ترقوة بوزن فعلوة بإِسكان العين وضم اللام.

الالوسي

تفسير : {كَلاَّ } ردع عن إيثار العاجلة على الآخرة كأنه قيل ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا لما بين أيديكم من الموت الذي تنقطع عنده ما بينكم وبين العاجلة من العلاقة {إِذَا بَلَغَتِ } أي النفس أو الورح الدال على سياق الكلام كما في قول حاتم: شعر : أماوى ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر تفسير : ونحو قول العرب أرسلت يريدون جاء المطر ولا تكاد تسمعهم يقولون أرسلت السماء. نعم قد يصرح فيما هنا بالفاعل فيقال بلغت النفس {ٱلتَّرَاقِىَ } أي أعالي الصدر وهي العظام المكتنفة ثغرة النحر عن يمين وشمال جمع ترقوة وأنشدوا لدريد بن الصمة: شعر : ورب عظيمة دافعت عنهم وقد بلغت نفوسهم التراقي

ابن عاشور

تفسير : ردع ثان على قول الإِنسان {أية : أيَّانَ يومُ القيامة} تفسير : [القيامة: 6]، مؤكِّد للردع الذي قبله في قوله: {أية : كَلاَّ بل تحبّون العاجلة}تفسير : [القيامة: 20]. ومعناه زجر عن إحالة البعث فإنه واقع غير بعيد فكل أحد يشاهده حين الاحتضار للموت كما يؤذن به قوله: {إلى ربك يومئذٍ المَساق} أُتبع توصيف أشراط القيامة المباشرة لحلوله بتوصيف أشراط حلول التهيُّؤِ الأول للقائه من مفارقة الحياة الأولى. وعن المغيرة بن شعبة يقولون: القيامة القيامةُ، وإنما قيامة أحدهم موته، وعن علقمة أنه حضر جنازة فلما دفن قال: «أمَّا هذا فقد قامت قيامته»، فحالة الاحْتضار هي آخر أحوال الحياة الدنيا يَعقبها مصير الروح إلى تصرف الله تعالى مباشرةً. وهو ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة كأنه قيل: ارتدعوا وتنبهوا على ما بَيْن أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة وتنتقلون إلى الآجلة، فيكون ردعاً على محبة العاجلة وترك العناية في الآخرة، فليس مؤكداً للردع الذي في قوله: {أية : كلا بل تحبون العاجلة}تفسير : [القيامة: 20] بل هو ردع على ما تضمنه ذلك الردع من إيثار العاجلة على الآخرة. و {إذا بلغت التراقي} متعلق بالكون الذي يُقدر في الخبر وهو قوله: {إلى ربك}. والمعنى: المساق يكون إلى ربك إذا بلغت التراقي. وجملة {إلى ربك يومئذٍ المساق} بيان للردع وتقريب لإِبطال الاستبعاد المحكي عن منكري البعث بقوله: {أية : يسأل أيّان يوم القيامة}تفسير : [القيامة: 6]. و {إذا} ظرف مضمن معنى الشرط، وهو منتصب بجوابه أعني قوله: {إلى ربك يومئذٍ المساق}. وتقديم {إلى ربك} على متعلقه وهو {المساق} للاهتمام به لأنه مناط الإِنكار منهم. وضمير {بلغت} راجع إلى غير مذكور في الكلام ولكنه معلوم من فعل {بلغَتْ} ومن ذكر {التراقي} فإن فعل {بلغت التراقي} يدل أنها روح الإنسان. والتقدير: إذا بلغت الروحُ أو النفس. وهذا التقدير يدل عليه الفعل الذي أسند إلى الضمير بحسب عرف أهل اللسان، ومثله قول حاتم الطائي:شعر : أمَاوِيَّ ما يغني الثَّراء عن الفتى إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاق بهَا الصدر تفسير : أي إذا حشرجت النفس. ومن هذا الباب قول العرب «أرْسَلَتْ» يريدون: أرسلت السماء المطر، ويجوز أن يقدر في الآية ما يدل عليه الواقع. والأنفاسُ: جمع نفَس، بفتح الفاء، وهو أنسب بالحقائق. و {التراقي}: جمع تَرْقُوة (بفتح الفوقية وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو مخففة وهاء تأنيث) وهي ثُغرة النحر، ولكل إنسان ترقوتان عن يمينه وعن شماله. فالجمع هنا مستعمل في التثنية لقصد تخفيف اللفظ وقد أُمِن اللبس، لأن في تثنية ترقوة شيئاً من الثقل لا يناسب أفصح كلام، وهذا مِثل ما جاء في قوله تعالى: {أية : فقد صغت قلوبكما }تفسير : في سورة [التحريم: 4]. ومعنى {بلغتْ التراقي}: أن الروح بلغت الحُنْجُرة حَيث تخرج الأنفاس الأخيرة فلا يسمع صوتها إلاّ في جهة الترقوة وهي آخر حالات الاحتضار، ومثله قوله تعالى: {أية : فلولا إذا بلغت الحُلقوم }تفسير : الآية [الواقعة: 83]. واللام في {التراقي} مثل اللام في المساق فيقال: هي عوض عن المضاف إليه، أي بلغت روحه تَرَاقِيَه، أي الإِنسانِ. ومعنى {وقيل مَنْ رَاقٍ} وقال قائل: من يَرْقِي هذا رُقْيَات لشفائه؟ أي سأل أهلُ المريض عن وِجْدَانِ أحد يرقي، وذلك عند توقع اشتداد المرض به والبحث عن عارف برقية المريض عادة عَربية ورد ذكرها في حديث السَرِيَّة الذين أَتَوْا على حيّ من أحياء العرب إذْ لُدغ سيد ذلك الحي فعَرض لهم رجل من أهل الحي، فقال: هل فيكم مِن راق؟ إن في الماء رجلاً لديغاً أو سليماً. رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس في الرقيا بفاتحة الكتاب. والرقيا بالقصر، ويقال بهاء تأنيث: هي كلام خاص معتقَد نفعه يقوله قائل عند المريض واضعاً يده في وقت القراءة على موضع الوَجَع من المريض أو على رأس المريض، أو يكتبه الكاتب في خرقة، أو ورقة وتعلق على المريض، وكانت من خصائص التطبب يزعمون أنها تشفي مِن صَرَع الجنون ومن ضُر السموم ومن الحُمَّى. ويختص بمعرفتها ناس يزعمون أنهم يتلقونها من عارفين فلذلك سَمَّوا الراقي ونحوه عَرَّافاً، قال رؤبة بن العجاج: شعر : بَذَلْتُ لعَرَّاف اليَمامة حُكْمَهُ وعَرَّافِ نجدٍ إِنْ هُمَا شَفَيَانِي فما تركَا من عُوذَة يعرفانها ولا رُقْيَةٍ بهَا رَقَيَاني تفسير : وقال النابغة يذكر حالةَ من لدغته أفعى:شعر : تناذرها الراقُون من سُوء سمعها تُطلقه طَوْراً وطَوراً تُراجع تفسير : وكانَ الراقي ينفث على المَرْقِيّ ويتفُل، وأشار إليه الحريري في المقامة التاسعة والثلاثين بقوله: «ثم إنه طَمَس المكتوب على غَفلة، وتَفَلَ عليه مِائَةَ تَفْلَة». وأصل الرقية: ما ورثه العرب من طلب البركة بأهل الصلاح والدعاء إلى الله، فأصلها وارد من الأديان السماوية، ثم طرأ عليها سوء الوضع عند أهل الضلالة فألحقوها بالسحر أو بالطب، ولذلك يخلطونها من أقوالٍ ربما كانت غير مفهومة، ومن أشياءَ كأحجار أو أجزاء من عظم الحيوان أو شعره، فاختلط أمرها في الأمم الجاهلة، وقد جاء في الإِسلام الاستشفاء بالقرآن والدعوات المأثورة المتقبلة من أربابها وذلك من قبيل الدعاء. والضمير المستتر في {ظَنَّ} عائد إلى الإِنسان في قوله: {أية : بل يريد الإِنسان}تفسير : [القيامة: 5] أي الإِنسان الفاجر. والظن: العلم المقارب لليقين، وضمير {أنه} ضمير شأن، أي وأيقن أنه، أي الأمر العظيم الفراقُ، أي فراق الحياة. وقوله: {والتفَّت الساقُ بالساق} إن حمل على ظاهره، فالمعنى التفافُ ساقَي المحْتضر بعد موته إذ تُلَفُّ الأَكفان على ساقيْه ويُقرن بينهما في ثوب الكفن فكُلُّ ساق منهما ملتفة صحبةَ الساق الأخرى، فالتعريف عوض عن المضاف إليه، وهذا نهاية وصف الحالة التي تهيَّأ بها لمصيره إلى القبر الذي هو أول مراحل الآخرة. ويجوز أن يَكون ذلك تمثيلاً فإن العرب يستعملون الساق مثلاً في الشدة وجِدّ الأمر تمثيلاً بساق الساعي أو الناهض لعمل عظيم، يقولون: قامت الحرب على ساق. وأنشد ابنُ عباس قولَ الراجز:شعر : صبراً عَنَاقُ إنه لَشِرْبَاقْ قد سَنَّ لي قومُك ضَرْبَ الأعناق وقَامتْ الحربُ بِنا على سَاقْ تفسير : وتقدم في قوله تعالى: {أية : يوم يُكشف عن ساق} تفسير : في سورة القلم (42). فمعنى {والتفَّت الساق بالساق} طَرأت مصيبة على مصيبة. والخطاب في قوله: {إلى ربك} التفات عن طريق خطاب الجماعة في قوله: {أية : بل تحبّون العاجلة}تفسير : [القيامة: 20] لأنه لما كان خطاباً لغير معيّن حسن التفنن فيه. والتعريف في {المساق} تعريف الجنس الذي يعم الناس كلهم بما فيهم الإِنسان الكافر المردود عليه. ولك أن تعبر عن اللام بأنها عوض عن المضاف إليه، أي مساق الإِنسان الذي يَسأل: {أية : أيَّان يوم القيامة}تفسير : [القيامة: 6]. و {المساق}: مصدر ميمي لـ (سَاقَ)، وهو تسيير ماشٍ أمام مُسَيِّره إلى حيث يريد مُسَيِّرُه، وضده القَوْد، وهو هنا مجاز مستعمل في معنى الإِحْضار والإِيصال إلى حيث يلقى جزاء ربه. وسُلك في الجمل التي بعد {إذَا} مسلكُ الإِطناب لتهويل حالة الاحْتضار على الكافر وفي ذلك إيماء إلى أن الكافر يَتراءى له مصيره في حالة احْتضاره وقد دل عليه حديث عبادة بن الصامت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كَره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا نكره الموت. قال: ليس ذاكِ ولكن المؤمن إذا حضره الموتُ بُشِّر برضوان الله وكرامته فليسَ شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضِر بُشّر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه.»

الشنقيطي

تفسير : لم يبين ما هي التي بلغت التراقي ولكنه معلوم أنها الروح، كما في قوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنُظرُونَ}تفسير : [الواقعة: 83-84] - إلى قوله - {أية : تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [الواقعة: 87]، فهذه حالات النزع والروح تبلغ الحلقوم وتبلغ التراقي. وقد يترك التصريح للعلم كما في قوله تعالى: {أية : إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ}تفسير : [ص: 32] أي الشمس، وهكذا هنا فلمعرفتها بالقرائن ترك التصريح بالروح أو النفس، وقد صرح تعالى بذلك في قوله: {أية : وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ}تفسير : [الأنعام: 93] الآية. وقوله تعالى: {وَقِيلَ مَن رَاقٍ}. اختلف في معنى راق هذه، فقيل من الرقية أي قال من حوله: من يرتقيه هل من طبيب يرقيه؟ أي حالة اشتداد الأمر عليه رجاء لشفاه أو استبعاداً بأنه لا ينفعه، وقيل: من الرقى أن تقول الملائكة من الذي سيرقى بروحه أملائكة العذاب أم ملائكة الرحمة؟ ولكن في الآية آية قرينة على أن الأول أرجح، لأن قول الملائكة يكون في حق الشخص المتردد في أمره، وهذا هنا ليس موضع تردد لأن نهاية السياق فيه {أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}تفسير : [القيامة: 31-32] إلى ما بعده. وقال أبو حيان: على أنه من قول الملائكة من يرقى بروحه، يكون ذلك كراهية. منهم أن يصعدوا بها، وفي هذا نظر، لأن الله تعالى جعل ملائكة للمشركين وهم ملائكة العذاب، وملائكة للمؤمنين، وهم ملائكة الرحمة. ولا يستكره فريق منهما أن يصعد بما تخصص له، بل قد لا يسمح للآخر بما يخصه. كما في حديث الذي قتل مائة نفس، وأدركته الوفاة في منتصف الطريق، فحضرته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب يختصمون أيهم يصعد بروحه، كل يريد أن يتولى قبض روحه أولئك يقولون: إنه قتل مائة نفس ولم يعمل خيراً قط، وأولئك يقولون: إنه خرج تائباً إلى الله تعالى. وهذا كما تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه من ترجيح أحد المعنيين المختلف فيهما بين المفسرين لوجود قرينة في الآية. وقد وجدت القرينة وهي ما في آخر الآية والسياق من أنه ليس موضع تردد {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ} الآية. والله تعالى أعلم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إذا بلغت: أي النفس. التراقي: جمع ترقوة أي عظام الحلق. وقيل من راق: أي وقال من حوله من عواده أو ممرضيه هل هناك من يرقيه ليشفى؟ وظن أنه الفراق: أي أيقن أنه الفراق للدنيا لبلوغ الروح الحلقوم. والتفت الساق بالساق: أي التقت إحدى ساقيه بالأخرى أو التفت شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة وما فيها من أهوال. إلى ربك يومئذ المساق: أي إذا بلغت الروح الحلقوم تساق إلى ربها وخالقها لتلقى جزاءها. فلا صدق ولا صلى: أي الإِنسان الذي يحسب أن لن يجمع الله عظامه ما صدق ولا صلى. ولكن كذب: أي بالقرآن. وتولى: أي عن الإِيمان. يتمطى: أي يتبختر في مشيته إعجابا بنفسه. أولى لك: أي وليك المكروه أيها المعجب بنفسه المكذب بلقاء ربه. فأولى: أي فهو أولى بك. ثم أولى لك فأولى: أي وليك المكروه مرة ثانية فأولى فهو أولى بك أيضا. أن يترك سدى: أي مهملا لا يكلف في الدنيا ولا يحاسب ويجزى في الآخرة. تمنى: أي تصب في الرحم. فخلق فسوى: أي خلق الله منها الإِنسان فسواه بتعديل أعضائه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقوله تعالى {كَلاَّ} أي ليس الأمر كما تحسب أيها الإِنسان أن الله لا يجمع عظامك ولا يحييك ولا يجزيك انظر إليك وأنت على فراش الموت إلى أين يكون مساقك إذا بلغت روحك التراقي من عظام حلقك وقال عوادك وممرضوك هل من راق يرقيك أو طبيب يداويك وأيقنت أنه الفراق لدنياك وأهلك وذويك، والتفت ساقك اليمنى باليسرى وشدة فراقك الدنيا بشدة إقبالك على الآخرة هنا انظر إلى أين يذهب بك أما جسمك فإِلى مقره في الأرض تواريك، وأما روحك فإِلى ربك ليحكم فيك. وقد كذبت بآياته وكفرت بآلائه. فلا صدقت ولا صليت، ولكن كذبت وتوليت كان هذا نصيبك من دينك، وأما دنياك، فقد كنت تتمطى استكبارا وتتبختر إعجابا. إذاً {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ} أي وليك الهلاك في الدنيا {ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ} أي وليك العذاب في الأخرى وعودة إلى تقريعك وتوبيخك يا من كفرت ربك وتنكرت لأصلك اسمع ما يُقال لك أحسبت أنك تترك سدى، تعيش سبهللا، لا تؤمر ولا تنهى، لا يؤخذ منك ولا تُعطى كلا ألم تك قبل كفرك وجحودك نطفة قطرة ماء من منيّ تمنى قل بلى أو أولى لك فأولى، ثم كنت علقة فخلقك الله جل جلاله منها فسوىّ خلقك بتعديل أعضائك فجعل من نوعك الذكر والأنثى. قل لي بربك هل تنكر ذلك فإِن قلت لا. قلنا أليس الله بقادر على أن يحيى الموتى؟ سبحانك اللهم بلى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية الرقية إذا كانت بالقرآن أو الكلم الطيب. 2- التنويه بشأن الزكاة والصلاة فرائض ونوافل. 3- تحريم العجب والكبرياء والتبختر في المشي. 4- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 5- الإِنسان لم يخلق عبثا والكون كله كذلك. 6- مشروعية قول سبحانك اللهم بلى لمن قرأ هذه الآية أو سمعها إماماً كان أو مأموماً وهي {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ}.

د. أسعد حومد

تفسير : (26) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حَالَةِ الاحْتِضَارِ، وَمَا تُعَانِيهِ النَّفْسُ مِنْ شَدَائِدَ حِينَ الإِشْرَافِ عَلَى المَوْتِ، فَيَقُولُ تَعَالَى لِلإِنْسَانِ: ارْتَدِعْ عَنْ حُبِّ الدُّنْيَا (كَلاَّ) فَإِنَّ الرُّوحَ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَهِيَ خَارِجَةٌ، فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ لاَ تُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَلاَ بِقُدْرَةِ اللهِ عَلَى البَعْثِ والحَشْرِ وَالحِسَابِ. التَّرَاقِيَ - جَمْعُ تَرْقُوةٍ مِنْ عِظَامِ أَعْلَى الصَّدْرِ.

الجيلاني

تفسير : {كَلاَّ} أي: كيف تحبون وتختارون اللذة الفانية العاجلة على الباقية الآجلة؟! أمَا تتذكرون {إِذَا بَلَغَتِ} النفس، وعزمت على التوديع والخروج {ٱلتَّرَاقِيَ} [القيامة: 26] أي: عالم الصدر قريب المخرج؟! {وَقِيلَ} حينئذٍ في حقه؛ أي: الملائكة الموكلون على الموت، مستفهمين فيما بينهم على سبيل المشورة: {مَنْ} من {رَاقٍ} [القيامة: 27] منَّا، قابض روحه، أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟. {وَ} حينئذٍ {ظَنَّ} بل جزم المختصر {أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ} [القيامة: 28] والافتراق عن الدنيا، وما فيها من عموم اللذات والشهوات المحبوبة فيها. {وَ} بعدما جزم بفراق الأحبة {ٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ} [القيامة: 29] أي: التولت ساقه باسقه من كمال ضجرته وأسفه، فلا يقدر حركتها وتحريكها. وبالجملة: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ} [القيامة: 30] أي: سوقه إليه، ورجوعه نحوه، وحكمه عنده، وحسابه عليه. وبالجملة: إذا سُئل الإنسان حينئذٍ عمَّا أُمر له ونهي عنه في النشأة الأولى، كيف يجيب، مع أنه {فَلاَ صَدَّقَ} على من أُمر بتصديقه، ولا قَبِل منه ما هو صلاحه في دينه {وَلاَ صَلَّىٰ} [القيامة: 31] ومال إلى الله في الأوقات المكتوبة المقدَّرة للتوجه والرجوع نحوه سبحانه؟! {وَلَـٰكِن} عكس الأمر؛ إذ {كَذَّبَ} على من أُمر بتصديقه {وَتَوَلَّىٰ} [القيامة: 32] أي: انصرف وأعرض عن الطاعات المأمورة به. {ثُمَّ} بعد انصرافه وإعراضه عن المرشد الدَّاعي {ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ} [القيامة: 33] يتبختر فرحاناً مسروراً، مباهياً بفعلته، مفتخراً بشأنه. قيل له حينئذٍ من قِبَل الحق مخاطباً إياه بالويل والهلاك؛ بسبب فعله هذا ومباهاته: {أَوْلَىٰ} وأليق {لَكَ} وبحالك في شأنك هذا الويل والهلاك {فَأَوْلَىٰ} [القيامة: 34] لك وبحالك الويل والهلاك. {ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ} كذلك {فَأَوْلَىٰ} القيامة: 35] لك كذلك تأكيداً على ذلك، وتشديداً على عذابك، ووخامة حالك ومآلك، أيها المسرف المفرط، المباهي بالإعراض والانصراف عن الإيمان والطاعات؛ المراد منه: أبو جهل، عليه اللعنة. ثمَّ قال سبحانه على سبيل التوبيخ التهديد: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ} المصرّ على الكفران والطغيان {أَن يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] مهملاً لا يكلف، ولا يحاسب بعد التكليف، ولا يجازى ولا يعاقب على أفعاله، مع أنه إنم جُبل على فطرة التكليف والمعرفة، وبمقتضى حسبانه هذا أنكر البعث والجزاء، وخرج عن مقتضى الأوامر والنواهي الواردة عليه في نشأة الأختبار، مصراً على كفره وكفرانه؟! ومن أين يتأتى له الخروج عن ربقة العبودية {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً} مهينة مرذولة، حاصلة {مِّن مَّنِيٍّ} مهين مرذول {يُمْنَىٰ} [القيامة: 37] ويصب في الرحم المرذول؟! {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً} قذرة في الرحم، كسائر الأقذار {فَخَلَقَ} أي: قدَّر سبحانه أعضاءه وجوارحه منها، وبعدما قدَّره وصوَّره {فَسَوَّىٰ} [القيامة: 38] أي: عَدَله وقوَّمه سبحانه بحوله وقوته، فصار جسداً ذا حس وحركة، وقوَّاه فأقامه. {فَجَعَلَ} وخلق بكمال قدرته، ومتانة حكمته وصنعته لمصلحة التناسل والتكاثر {مِنْهُ} أي: من ماء الإنسان ونطفته {ٱلزَّوْجَيْنِ} الصنفين {ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} [القيامة: 39] تتميماً للحكمة البالغة المتقنة. ثمَّ قال سبحانه موبخاً مقرعاً على وجه الاستبعاد عن كفران الإنسان، وإصراره على إنكار البعث والحشر، وإعادة الأموات أحياءً كما كان: {أَلَيْسَ ذَلِكَ} القادر المقتدر الذي قدر على خلق هذه الصور المهينة الخبيثة وتبديلها، صوّرها عجيبة بديعة، قابلة لفيضان أنواع الكمالات، لائقة للخلافة والنيابة الإلهية {بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ} [القيامة: 40] مرة بعد أخرى، مع أن الإعادة أهون من الإبداء؟! بلى، لك الإعادة والإبداء أيها القادر المقتدر على خلق الأشياء، أنت تفعل ما تشاء، وتحكم ما تريد لا تُسأل عن فعلك، إنك حميد مجيد. خاتمة السورة عليك أيها الموحد المتحقق بحيطة الحق وشموله، واستقلاله في تصرفات ملكه وملكوته، وجبروته ولاهوته أن تعتقد أن قدرته الكاملة لا يعتريها كلال، ولا يعرضها فطرة ولا زوال، بل له أن يظهر ويوجد بمقتضى قدرته جميع ما ثبت وتحقق في حضرة علمه، ولوح قضائه من الصور البديعة التي لا يخطر ببالك مطلقاً، فله أن يكون ويوجد من كل ذرة عوالم ما شاء الله، وكذا يدرج العوالم الغير المحصورة في كل ذرة من ذرائر الكائنات. وبالجملة: من وصل إلى سعة قلب الإنسان، وساحة صدره ظهر عنده أنه لا يمتنع، ولا يستحيل في جنب قدرته سبحانه وإرادته شيء من مقدوراته ومراداته مطلقاً. فهيهات هيهات لو نظرت إلى أجزاء العالم بنظر العبرة والاستبصار، بل إلى نفسك ورقائق أعضائك وجوارحك، ودفعت الألفة والعادة عن البين، لرأيت من كل شيء وفي كل ذرة من ذرائر العالم عجائب وغرائب، لا تُعدّ ولا تُحصى. غاية ما في الباب: إن ألفك حجبك عن هذا الإدراك، وعادتك عاقتك عن رؤية البدائع الإلهية، ولو تنوَّر بصر بصيرتك، ونظر سرك وسريرتك بكحل الاستبصار والاعتبار، لرأيت من عجائب قدرة الله، وبدائع صنعه وحكمته في كل طرفة ولمحة ما بجنبه أمر الحشر والنشر، وإعادة الأموات أحياء سهل يسير. حققنا بحقيتك وقيوميتك يا ذا القوة المتين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يعظ تعالى عباده بذكر حال المحتضر عند السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب، ويطلب كل وسيلة وسبب، يظن أن يحصل به الشفاء والراحة، ولهذا قال: { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } أي: من يرقيه من الرقية لأنهم انقطعت آمالهم من الأسباب العادية، فلم يبق إلا الأسباب الإلهية. ولكن القضاء والقدر، إذا حتم وجاء فلا مرد له، { وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ } للدنيا. { وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ } أي: اجتمعت الشدائد والتفت، وعظم الأمر وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن ولم تزل معه، فتساق إلى الله تعالى، حتى يجازيها بأعمالها، ويقررها بفعالها. فهذا الزجر، [الذي ذكره الله] يسوق القلوب إلى ما فيه نجاتها، ويزجرها عما فيه هلاكها. ولكن المعاند الذي لا تنفع فيه الآيات، لا يزال مستمرا على بغيه وكفره وعناده. { فَلا صَدَّقَ } أي: لا آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره { وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ } بالحق في مقابلة التصديق، { وَتَوَلَّى } عن الأمر والنهي، هذا وهو مطمئن قلبه، غير خائف من ربه، بل يذهب { إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى } أي: ليس على باله شيء، توعده بقوله: { أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى } وهذه كلمات وعيد، كررها لتكرير وعيده، ثم ذكر الإنسان بخلقه الأول، فقال: { أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } أي: معطلا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب؟ هذا حسبان باطل وظن بالله بغير ما يليق بحكمته. { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ } بعد المني { عَلَقَةً } أي: دما، { فَخَلَقَ } الله منها الحيوان وسواه أي: أتقنه وأحكمه، { فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ } الذي خلق الإنسان [وطوره إلى] هذه الأطوار المختلفة { بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } بلى إنه على كل شيء قدير. تم تفسير سورة القيامة، ولله الحمد والمنة، وذلك في 16 صفر سنة 1344. المجلد التاسع من تيسير الكريم الرحمن في تفسير القرآن لجامعه الفقير إلى الله: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين آمين.