٧٥ - ٱلْقِيَامَة
75 - Al-Qiyama (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى شرح كيفية عمله فيما يتعلق بأصول الدين وبفروعه، وفيما يتعلق بدنياه. أما ما يتعلق بأصول الدين فهو أنه ما صدق بالدين، ولكنه كذب به، وأما ما يتعلق بفروع الدين، فهو أنه ما صلى ولكنه تولى وأعرض، وأما ما يتعلق بدنياه، فهو أنه ذهب إلى أهله يتمطى، ويتبختر، ويختال في مشيته، واعلم أن الآية دالة على أن الكافر يستحق الذم والعقاب بترك الصلاة كما يستحقهما بترك الإيمان. المسألة الثانية: قوله: {فَلاَ صَدَّقَ } حكاية عمن؟ فيه قولان: الأول: أنه كناية عن الإنسان في قوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } تفسير : [القيامة: 3] ألا ترى إلى قوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى } تفسير : [القيامة: 36] وهو معطوف على قوله: {أية : يَسْـئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [القيامة: 6] والقول الثاني: أن الآية نزلت في أبي جهل. المسألة الثالثة: في يتمطى قولان: أحدهما: أن أصله يتمطط أي يتمدد، لأن المتبختر يمد خطاه، فقلبت الطاء فيه ياء، كما قيل: في تقصى أصله تقصص والثاني: من المطا وهو الظهر لأنه يلويه، وفي الحديث: «حديث : إذا مشت أمتي المطيطي» تفسير : أي مشية المتبختر. المسألة الرابعة: قال أهل العربية: {لا } ههنا في موضع لم فقوله: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ } أي لم يصدق ولم يصل، وهو كقوله: {أية : فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } تفسير : [البلد: 11] أي لم يقتحم، وكذلك ما روي في الحديث: «حديث : أرأيت من لا أكل ولا شرب، ولا استهل» تفسير : قال الكسائي: لم أر العرب قالت في مثل هذا كلمة وحدها حتى تتبعها بأخرى، إما مصرحاً أو مقدراً، أما المصرح فلا يقولون: لا عبدالله خارج حتى يقولون، ولا فلان، ولا يقولون: مررت برجل لا يحسن حتى يقولوا، ولا يجمل، وأما المقدر فهو كقوله: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } ثم اعترض الكلام، فقال: {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ } تفسير : [البلد: 12، 14] وكان التقدير لا فك رقبة، ولا أطعم مسكيناً، فاكتفى به مرة واحدة، ومنهم من قال التقدير في قوله: {فَلاَ ٱقتَحَمَ } أي أفلا اقتحم، وهلا اقتحم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ} أي لم يصدّق أبو جهل ولم يصلّ. وقيل: يرجع هذا إلى الإنسان في أوّل السورة، وهو ٱسم جنس. والأوّل قول ٱبن عباس. أي لم يصدّق بالرسالة «وَلاَ صَلَّى» ودعا لربِّه، وصلَّى على رسوله. وقال قتادة: فلا صدّق بكتاب الله، ولا صلَّى لله. وقيل: ولا صدّق بمال له، ذخراً له عند الله، ولا صلَّى الصلوات التي أمره الله بها. وقيل: فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه. قال الكسائي: «لاَ» بمعنى لم ولكنه يقرن بغيره؛ تقول العرب: لا عبدُ الله خارج ولا فلان، ولا تقول: مررت برجل لا مُحْسِن حتى يقال ولا مُجْمِل، وقوله تعالى: { أية : فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } تفسير : [البلد: 11] ليس من هذا القبيل؛ لأن معناه أفلا ٱقتحم؛ أي فهلا ٱقتحم، فحذف ألف الاستفهام. وقال الأخفش: {فَلاَ صَدَّقَ} أي لم يصدّق؛ كقوله: {فَلاَ ٱقتَحَمَ} أي لم يقتحم، ولم يشترط أن يُعْقِبه بشيء آخر، والعرب تقول: لا ذهب، أي لم يذهب، فحرف النفي ينفي الماضي كما ينفي المستقبل؛ ومنه قول زهير:شعر : فَلاَ هُوَ أَبْـدَاهَا وَلَمْ يَتَقَـدّمِ تفسير : قوله تعالى: {وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} أي كذب بالقرآن وتولى عن الإيمان {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ} أي يتبختر، ٱفتخاراً بذلك؛ قاله مجاهد وغيره. مجاهد: المراد به أبو جهل. وقيل: «يَتَمَطَّى» من المَطَا وهو الظَّهْر، والمعنى يَلْوِي مَطَاه. وقيل: أصله يتمطط، وهو التمدّد من التكسّل والتثاقل، فهو يتثاقل عن الداعي إلى الحق؛ فأبدل من الطاء ياء كراهة التضعيف، والتمطي يدل على قلة الاكتراث، وهو التمدّد، كأنه يمدّ ظهره ويلويه من التبختر. والمَطِيطة الماء الخاثر في أسفل الحوض؛ لأنه يتمطى أي يتمدّد؛ وفي الخبر: « حديث : إذا مشت أمّتي المُطَيْطَاءَ وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم »تفسير : . والمُطَيْطاء: التبختر ومدّ اليدين في المشي. قوله تعالى: {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ }: تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد، أي فهو وعيد أربعة لأربعة؛ كما روي أنها نزلت في أبي جهل الجاهِل بربّه فقال: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ * وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } أي لا صدّق رسول الله، ولا وقف بين يديّ فصلّى، ولكن كذّب رسولي، وتولّى عن التصلية بين يديّ. فتَرْك التصديق خَصْلة، والتكذيب خَصْلة، وترك الصلاة خَصْلة، والتولي عن الله تعالى خَصْلة؛ فجاء الوعيد أربعة مقابلة لترك الخصال الأربعة. والله أعلم. لا يقال: فإن قوله {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ } خَصْلَة خامسة؛ فإنّا نقول: تلك كانت عادته قبل التكذيب والتولّي، فأخبر عنها. وذلك بَيِّنٌ في قول قتادة على ما نذكره. وقيل: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد ذات يوم، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد، مما يلي باب بني مخزوم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فهزّه مرَّةً أو مرتين ثم قال: «أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى» فقال له أبو جهل: أتهددُني؟ فوالله إني لأَعَزُّ أهل الوادي وأكرمه. ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال لأبي جهلتفسير : . وهي كلمة وعيد. قال الشاعر: شعر : فَأَوْلَى ثم أَوْلَى ثم أَوْلَى وهَلْ لِلدَّرِّ يُحْلَبُ من مَرَدِّ تفسير : قال قتادة: حديث : أقبل أبو جهل بن هشام يتبختر، فأخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم بيده فقال: {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ }. فقال: ما تستطيع أنت ولا ربك لي شيئاً، إني لأعزُّ مَنْ بين جبليها. فلما كان يوم بَدْر أشرف على المسلمين فقال: لا يُعْبَد اللَّهُ بعد هذا اليوم أبداً. فضرب الله عنقه، وقتله شر قِتْلةتفسير : . وقيل: معناه: الويل لك؛ ومنه قول الخنساء: شعر : هَمَمْتُ بنفسيَ كُلَّ الهُمُومِ فَأْوْلَى لِنَفْسِيَ أَوْلَى لَهَا سَأَحْمِلُ نفسي على آلةٍ فإِمَّا عليها وإِمَّا لَهَا تفسير : الآلة: الحالة، والآلة: السرير أيضاً الذي يحمل عليه الميت؛ وعلى هذا التأويل قيل: هو من المقلوب؛ كأنه قيل: أَوْيَل، ثم أخر الحرف المعتل، والمعنى: الويل لك حيًّا، والويل لك ميتاً، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار؛ وهذا التكرير كما قال: شعر : لَكَ الْوَيْـلاَتُ إِنَّـكَ مُرْجِلِـي تفسير : أي لك الويل، ثم الويل، ثم الويل، وضعف هذا القول. وقيل: معناه الذم لك أولى من تركه، إلا أنه كثير في الكلام فحذف. وقيل: المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب. وقال أبو العباس أحمد بن يحيـى: قال الأصمعي: «أَوْلَى» في كلام العرب معناه مُقَاربة الهلاك، كأنه يقول: قد وَلِيتَ الهلاك، قد دَانَيْتَ الهلاكَ؛ وأصله من الوَلْي، وهو القُرْب؛ قال الله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } تفسير : [التوبة: 123] أي يَقرُبُون منكم؛ وأنشد الأصمعي: شعر : وَأَوْلَى أن يكون له الولاَءُ تفسير : أي قارب أن يكون له؛ وأنشد أيضاً: شعر : أَوْلَـى لِمَنْ هاجَتْ لَهُ أْنْ يَكْمَدَا تفسير : أي قددنا صاحبها من الكمد. وكان أبو العباس ثعلب يستحسن قول الأصمعيّ ويقول: ليس أحد يفسّر كتفسيرالأصمعي. النحاس: العرب تقول أولى لكَ: كِدتَ تَهلِك ثم أفْلَت، وكان تقديره أَوْلَى لك وأولى بك الهلكة. المهدويّ قال: ولا تكون أوْلَى (أَفْعَل منك)، وتكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: الوعيد أولى له من غيره؛ لأن أبا زيد قد حكى: أَوْلاَةُ الآن: إذا أوْعَدُوا. فدخول علامة التأنيث دليل على أنه ليس كذلك. و«لَكَ» خبر عن «أَوْلَى». ولم ينصرف «أَوْلَى» لأنه صار علماً للوعيد، فصار كرجل ٱسمه أحمد. وقيل: التكرير فيه على معنى ألزم لك على عملك السَّيىء الأوّل، ثم على الثاني، والثالث، والرابع، كما تقدّم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلاَ صَدَّقَ } الإِنسان {وَلاَ صَلَّىٰ } أي لم يصّدّق ولم يُصَلِّ.
ابن عطية
تفسير : قال جمهور المتأولين: هذه الآية كلها إنما نزلت في أبي جهل بن هشام. قال القاضي أبو محمد: ثم كادت هذه الآية أن تصرح له في قوله تعالى: {يتمطى} فإنها كانت مشية بني مخزوم، وكان أبو جهل يكثر منها، وقوله تعالى: {فلا صدق ولا صلى} تقديره فلم يصدق ولم يصل، وهذا نحو قول الشاعر [طرفة بن العبد]: [الطويل] شعر : فأي خميس فإنا لا نهابه وأسيافنا يقطرن من كبشه دما تفسير : وقول الآخر [أبي خيراش الهذلي]: [الرجز] شعر : إن تغفر اللهم تغفر جمّا وأي عبد لك لا ألمَّا تفسير : {فلا} في الآية عاطفة، و {صدق} معناه برسالة الله ودينه، وذهب قوم إلى أنه من الصدقة، والأول أصوب، و {يتمطى} معناه يمشي المطيطى وهي مشية بتبختر قال زيد بن أسلم: كانت مشية بني مخزوم، وهي مأخوذة من المطا وهو الظهر لأنه يتثنى فيها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا مشت أمتي المطيطى وخدمتهم الروم وفارس سلط بعضهم على بعض" تفسير : وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أبي جهل. وقوله تعالى: {أولى لك} وعيد ثان ثم كرر ذلك تأكيداً، والمعنى {أولى لك} الازدجار والانتهاء وهو مأخوذ من ولى، والعرب تستعمل هذه الكلمة زجراً، ومنه قوله تعالى: {أية : فأولى لهم طاعة} تفسير : [محمد:20]، وروي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبب أبا جهل يوماً في البطحاء وقال له: "إن الله يقول لك {أولى لك فأولى}" تفسير : ،فنزل القرآن على نحوها. وفي شعر الخنساء: [المتقارب] شعر : سئمت بنفسي كل الهموم فأولى لنفسي أولى لها تفسير : وقوله تعالى: {أيحسب} توقيف وتوبيخ، و {سدى} معناه مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، ثم قرر تعالى على أحوال ابن آدم في بدايته التي إذا تؤملت لم ينكر معها جواز البعث من القبور عاقل. وقرأ الجمهور: " ألم يك " بالياء من تحت، وقرأ الحسن: " ألم تك " بالتاء من فوق " و " النطفة ": القطعة من الماء. يقال ذلك للقليل والكثير، و " المني " معروف، وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو عمرو بخلاف وابن محيصن والجحدري وسلام ويعقوب: " يمنى " بالياء، يراد بذلك المني، ويحتمل أن يكون يمنى من قولك أمنى الرجل، ويحتمل أن يكون من قولك منى الله الخلق، فكأنه قال: من مني تخلق، وقرأ جمهور السبعة والناس. " تمنى " بالتاء، يراد بذلك النطفة، و " تمنى " يحتمل الوجهين اللذين ذكرت، و " العلقة ": القطعة من الدم، لأن الدم هو العلق، وقوله تعالى: {فخلق فسوى} معناه فخلق الله منه بشراً مركباً من أشياء مختلفة فسواه شخصاً مستقلاً، وفي مصحف ابن مسعود ": يخلق " بالياء فعلاً مستقبلاً، و {الزوجين} النوعين، ويحتمل أن يريد المزدوجين من البشر، ثم وقف تعالى توقيف التوبيخ وإقامة الحجة بقوله: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} وقرأ الجمهور بفتح الياء الأخيرة من " يحييَ"، وقرأ طلحة بن مصرف وسليمان والفياض بن غزوان بسكونها، هي تنحذف من اللفظ لسكون اللام من {الموتى}، ويروىحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحانك اللهم وبحمدك وبلى"،ويروى أنه كان يقول: "بلى" تفسير : فقط. نجز تفسير سورة {القيامة} والحمد لله رب العالمين.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَلا صَدَّقَ} كتاب الله تعالى {وَلا صَلَّى} لله عزّ وجلّ أو فلا صدق بالرسالة ولا آمن بالمرسل كذب الرسول صلى الله عليه وسلم وتولى عن المرسل أو كذب بالقرآن وتولى عن الطاعة نزلت في أبي جهل.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ} الآية: قال جمهور المتأولين: هذه الآية كلها إنَّما نزلت في أبي جهل؛ قال * ع *: ثم كادت هذه الآية أَنْ تُصَرِّحَ به في قوله: {يَتَمَطَّىٰ} فإنَّها كانت مشيته، وقوله: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ} تقديره فلم: يُصَدِّقْ ولم يُصَلِّ فـ«لا» في الآية: نفي لا عاطفة. * ص *: {فَلاَ صَدَّقَ} فيه دليل على أَنَّ «لا» تدخل على الماضي فتنفيه؛ كقوله الراجز: [من الرجز]شعر : إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِر جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لاَ أَلَمَّا تفسير : انتهى. و{صَدَّقَ} معناه: برسالة اللَّه ودينه، وذهب قوم إلى أَنَّه من الصَّدَقَةِ، والأول أصوب و{يَتَمَطَّىٰ} معناه: يمشي المَطيطاء، وهي مشية بتبختر، وهي مؤخوذة من المَطا وهو الظهر؛ لأَنَّهُ يتثنى فيها، زاد * ص *: وقيل: أصله يتمطط، أي: يتمدد في مشيه ومَدِّ مَنْكِبَيْهِ، انتهى.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}. يعني: الكافر ما صدَّق اللَّهَ ولا صلَّى له، ولكن كذَّب وتولَّى عن الإيمان. وتدل الآيةُ على أنَّ الكفارَ مُخَاطَبون بتفصيل الشرائع. {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ}. أي: يتبختر ويختال. {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ}. العَربُ إذا دَعَتْ على أحدٍ بالمكروه قالوا: {أَوْلَىٰ لَكَ} وهنا أتبع اللفظَ اللفظَ على سبيل المبالغة. ويقال: معناه الويلُ لَكَ يومَ تَحيا. والويلُ لكَ يوم تَموت، والويلُ لكَ يومَ تُبْعَث، والويلُ لكَ يومَ تدخل النار. {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}. مُهمَلاً لا يُكلَّفُ!؟. ليس كذلك. {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}. {مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ} أي تُلْقى في الرَّحم {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً} أَي: دماً عبيطاً، فسوَّى أَعضاءَه في بطن أُمه، ورَكَّبَ أجزاءَه على ماهو عليه في الخِلْقَة، وجعل منه الزوجين: إن شاء خَلَقَ الذَّكَرَ، وإن شاء خَلَقَ الأنثى، وإن شاء كليهما. {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ}. أَليس الذي قدر على هذا كلِّه بقادر على إحياء الموتى؟ فهو استفهام في معنى التقرير.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلا صدق} الانسان ما يجب تصديقه من الرسول والقرءآن الذى نزل عليه اى لم يصدق فلا ههنا بمعنى لم وانما دخلت على الماضى لقوة التكرار يعنى حسن دخول لا على الماضى تكراره كما تقول لا قام ولا قعد وقلما تقول العرب لا وحدها حتى تتبعها اخرى تقول لا زيد فى الدار ولا عمرو أو فلا صدق ماله بمعنى لا زكاة فحينئذ يطلب وجه لترجيح الزكاة على الصلاة مع ان دأب القرءآن تقديم الصلاة ولعل وجهه ما كان كفار مكة عليه من منع المساكين وعدم الحض على طعامهم فى وقت الضرورة القوية وايضا على تأخير ولا صلى مراعاة الفواصل كما لا يخفى {ولا صلى} ما فرض عليه وفيه دلالة على ان الكفار مخاطبون بالفروع فى حق المؤاخذة يعنى ان الكافر يستحق الذم والعقاب بترك الصلاة كما يستحقها بترك الايمان وان لم يجب ادآؤها عليه فى الدنيا.
الجنابذي
تفسير : {فَلاَ صَدَّقَ} يجوز ان يكون هذه الجملة جواباً ويكون المعنى اذا بلغت التّراقى لا يكون له راحة لانّه لا صدّق {وَلاَ صَلَّىٰ} اى لا صدّق الانبياء والاولياء (ع) ولا صلّى.
فرات الكوفي
تفسير : [قوله تعالى]: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى* وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى* ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يَتَمطّى*أوْلَى لك فأوْلى 31-34} قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عتبة! الجعفي قال: حدثنا العلاء (خ ل: العلى) بن الحسن قال: حدثنا حفص بن حفص الثغري! قال: حدثنا عبد الرزاق عن سورة الأحول. ش:] عن عمار بن ياسر قال: كنت عند أبي ذر الغفاري رضي الله عنه في مجلس ابن [ش: لابن] عباس رضي الله عنه وعليه فسطاط وهو يحدث الناس إذ قام أبو ذر حتى ضرب بيده إلى عمود الفسطاط ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فقد أنبأته باسمي أنا جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري سألتكم بحق الله وحق رسوله أسمعتم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: حديث : ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء ذا لهجة أصدق من أبي ذرتفسير : ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أفتعلمون أيها الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمعنا يوم غدير خم ألف وثلاثماءة رجل وجمعنا يوم سمرات خمسمائة رجل كل ذلك يقول: حديث : اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه [وقال. ر]:اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذلهتفسير : . فقام رجل [ش: عمر] فقال [ر: وقال]: بخ بخٍ يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. فلما سمع ذلك معاوية بن أبي سفيان إتكأ على المغيرة بن شعبة وقام وهو يقول: لا نقر لعلي بولاية ولا نصدق محمداً في مقالة. فأنزل الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى} تهدداً من الله تعالى وانتهاراً. فقالوا: اللهم نعم. فرات قال: حدثني إسحاق بن محمد بن القاسم بن صالح بن خالد الهاشمي [قال: حدثنا أبو بكر الرازي محمد بن يوسف بن يعقوب بن [إسحاق بن] إبراهيم بن نبهان بن عاصم بن زيد بن ظريف مولى علي بن أبي طالب قال: حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن أبي مريم عن يونس بن حسان عن عطية. ش]: عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنت والله جالساً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد نزل بنا غدير خم وقد غص المجلس بالمهاجرين والأنصار فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قدميه فقال [ر: وقال] حديث : أيها الناس إن الله أمرني بأمر فقال: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} فقلت لصاحبي جبرئيل عليه السلام: يا خليلي إن قريشاً قالوا لي كذا وكذا، فأتى الخبر من ربي فقال: {والله يعصمك من الناس} ثم نادى علي بن أبي طالب عليه السلام فأقامه عن يمينه ثم قال: أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى [بكم. ن] منكم بأنفسكم [أ، ر: وأنفسكم]؟ قالوا: اللهم بلى. قال: من كنت مولاه فعلي [ر: فهذا علي] مولاه. فقال رجل من عرض المسجد: يا رسول الله ما تأويل هذا؟ [ب: قال] من كنت نبيه فعلي [ر: فهذا علي] أميره اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه وانصر من نصره و اخذل من خذله . تفسير : فقال حذيفة: فوالله لقد رأيت معاوية حتى! قام يتمطى وخرج مغضباً واضعاً يمينه على عبد الله بن قيس الأشعري ويساره على المغيرة بن شعبة ثم قام يمشي متمطياً وهو يقول: لا نصدق محمداً على [ب: في] مقالته ولا نقر لعلي بولايته. فأنزل الله [تعالى. أ، ر] على أثر كلامه: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى} فهمّ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرده فيقتله فقال جبرئيل {لا تحرك به لسانك لتعجل به}. فسكت النبي [عنه. ش].
الهواري
تفسير : قال تعالى: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى} [ أي: لم يصدق ولم يصل]، يعني أبا جهل بن هشام {وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} أي: كذب بكتاب الله وتولى عن طاعة الله. {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى} أي: يتبختر. وقال أبو جهل للنبي عليه السلام: ما بين هذين الجبلين أحد أعز مني، فاجتهد أنت وربك يا محمد جهدكما. فأنزل الله: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [وعيد بعد وعيد] فقتله الله يوم بدر، ثم صيّره إلى النار. قوله: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ} أي: المشرك. {أَن يُتْرَكَ سُدىً} أي: هملاً في تفسير الحسن وقال مجاهد: أن يترك باطلاً فلا يبعث ولا يحاسب بعد موته. {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى} وهي تقرأ على وجهين: يمنى و تمنى فمن قرأها يمنى، ذلك المني أي: مني الرجل، كقوله عز وجل: (أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ)تفسير : [الواقعة:58] ومن قرأها تمنى فهو يعني النطفة يمنيها الرجل. قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى} يعني خلق الإِنسان. يعني بقوله: (فَخَلَقَ) يعني نفسه. أي: خلقه الله فسواه مثل قوله: (أية : خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ) تفسير : [الإِنفطار: 7]. قال: {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} الذكر زوج والأنثى زوج. قال: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِي الْمَوْتَى}. يقوله على الاستفهام. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى على هذه الآية قال: سبحانك وبلى.
اطفيش
تفسير : {فَلاَ صَدَّقَ} ما يجب تصديقه كالقرآن والرسل والضمير للانسان السابق والعطف بالفاء على {يسأل إيان يوم القيامة} اي لا يؤمن بالبعث فلا صدق وأدخل لا على الماضي الخبري لتكررها، وقيل لا صدق ماله اي زكاه والأول أولى وقيل هذه في ابي جهل. ونسب للجمهور وقيل الانسان المذكور أبو جهل وأريد هنا أيضا أبو جهل ويصح أن يكون استئنافا والضمير للذي بلغت روحه الترقوتين جاء على طريق الدعاء على هذا الذي لم يتنبه حتى بلغت ترقوتيه *{وَلاَ صَلَّى} ما فرض عليه ولا تدخل لا النافية على الماضي الخبري إلا أن تكررت إلا ما شذ. ولا يقاس عليه على الصحيح.
اطفيش
تفسير : {فَلاَ صَدَّقَ} ما يجب التصديق به وهو الله تعالى ورسوله والوحى. {وَلاَ صَلَّى} فرضاً ولا نفلاً لا يعتبر بلا فرض والضميران على حد ما مر للإِنسان آنفاً أو ِإلى الإِنسان فى قوله {أيحسب الإِنسان} وعليه فالعطف قيل على يسأَل أيان الخ على أن هذا السؤال إِنكار للبعث فكأَنه قيل أنكر البعث فلم يصدق ولم يصل وذلك يتضمن التعجيب منه إِذ أنكر يوم القيامة ورتب على إِنكاره نفى التصديق والصلاة، وقيل من التصدق بالمال بمعنى لا أعطى الصدقة كزكى أعطى الزكاة فيكون كقوله لم نك نطعم المسكين... الخ، والأُولى العطف على التفت الساق على أن الفاء للترتيب الذكرى وفى الآية خطاب الكافر بالفروع إِذ عنف بترك الصلاة أوبترك الزكاة والصلاة وفى الاية تعظيم الصلاة بأَنَّها تلى التوحيد وأخبر الله سبحانه أن ذلك منه ليس توقفاً لشك بل جزم بالكفر بقوله تعالى: {وَلَكِن كَذَّبَ} بالحق. {وَتَوَلَّى} أعرض فلا يتكرر مع قوله تعالى {فَلا صدق ولا صلى}.
الالوسي
تفسير : {فَلاَ صَدَّقَ } أي ما يجب تصديقه من الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي أنزل عليه {وَلاَ صَلَّىٰ } ما فرض عليه أي لم يصدق ولم يصل فلا داخلة على الماضي كما في قوله: شعر : إن تغفر اللهم تغفر جماً وأي عبد لك لا ألما تفسير : والضمير في الفعلين للإنسان المذكور في قوله تعالى {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ}تفسير : [القيامة: 3] والجملة عطف على قوله سبحانه{أية : يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [القيامة: 6] على ما ذهب إليه الزمخشري، فالمعنى بناء على ما علمت من أن السؤال سؤال استهزاء واستبعاد استبعد البعث وأنكره فلم يأت بأصل الدين وهو التصديق بما يجب تصديقه به ولا بأهم فروعه وهو الصلاة ثم أكد ذلك بذكر ما يضاده بقوله تعالى: {وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على قوله: {أية : يسأل أيان يوم القيامة}تفسير : [القيامة: 6]. فالضمير عائد إلى الإِنسان في قوله: {أية : أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه}تفسير : [القيامة: 3] أي لجهله البعث لم يستعد له. وحذف مفعول {كذّب} ليشمل كلَّ ما كذب به المشركون، والتقدير: كذب الرسولَ والقرآنَ وبالبعث، وتولى عن الاستجابة لشرائع الإِسلام. ويجوز أن يكون الفاء تفريعاً وعطفاً على قوله: {أية : إلى ربك يومئذٍ المساق}تفسير : [القيامة: 30]، أي فقد فارق الحياة وسيق إلى لقاء الله خالياً من العُدّة لذلك اللقاء. وفي الكلام على كلا الوجهين حذف يدل عليه السياق تقديره: فقد علم أنه قد خسر وتندم على ما أضاعه من الاستعداد لذلك اليوم. وقد ورد ذلك في قوله تعالى: {أية : إذا دُكّت الأرض دكاً دكاً وجاء ربك والملَك صفاً صفاً وجيء يومئذٍ بجهنم يومئذٍ يتذكر الإِنسان وأنّى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي}تفسير : [الفجر: 21 ــــ 24]. وفعل {صَدَّق} مشتق من التصديق، أي تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن وهو المناسب لقوله: {ولكن كذّب}. والمعنى: فلا ءامن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبَعض المفسرين فَسَّر {صدَّق} بمعنى أعطى الصَّدَقة، وهو غير جار على قياس التصريف إذ حقه أن يقال: تَصَدق، على أنه لا يساعد الاستدراك في قوله: {ولكن كذب}. وعُطف {ولا صلّى} على نفي التصديق تشويهاً له بأن حاله مبائن لأحْوَال أهل الإِسلام. والمعنى: فلم يؤمن ولم يسلم. و{لا} نافية دخلت على الفعل الماضي والأكثر في دخولها على الماضي أن يعطف عليها نفي آخر وذلك حين يقصد المتكلم أمرين مثل ما هنا وقول زهير: شعر : فَلا هو أخفاها ولم يتقدم تفسير : وهذا معنى قول الكسائي «(لا) بمعنى (لَم) ولكنه يقرن بغيره يقول العرب: لا عبدُ الله خارج ولا فلان، ولا يقولون: مررت برجل لاَ محسنٍ حتى يقال: ولا مجمل» اهـ فإذا لم يعطف عليه نفي آخر فلا يؤتى بعدها بفعل مُضِيَ إلاّ في إرادة الدعاء نحو: «لا فُضَّ فُوك» وشذ ما خالف ذلك. وأما قوله تعالى: {أية : فَلاَ اقْتَحَمَ العقَبَةَ}تفسير : [البلد: 11] فإنّه على تأويل تكرير النّفي لأنّ مفعول الفعل المنفي بحرف {لا} وهو العقبة يتضمن عدة أشياء منفية بيَّنها قوله: {أية : وما أدراك ما العقبة فكّ رقبة أو إطعام} تفسير : إلى قوله: {أية : من الذين ءامنوا}تفسير : [البلد: 12 ــ 17]. فلما كان ذلك متعلق الفعل المنفي كان الفعل في تأويل تكرير النفي كأنه قيل: فَكَّ رقبة ولا أطعَم يتيماً ولا أطعم مسكيناً ولا آمن. وجملة {ولكن كذب} معطوفة على جملة {فلا صدّق}. وحرف {لكن} المخفف النون بالأصالة أي الذي لم يكن مُخفَّفَ النون المشددة أختَ (إنّ) هو حرف استدراك، أي نقض لبعض ما تضمنته الجملة التي قبله إِما لمجرد توكيد المعنى بذكر نقيضه مثل قوله تعالى: {أية : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم}تفسير : [الأحزاب: 5]، وإما لبيان إجمال في النفي الذي قبله نحو {أية : ما كان محمدٌ أبَاً أحد من رجالكم ولكن رسولَ الله}تفسير : [الأحزاب: 40]. وحرف {لكن} المخفف لا يعمل إعراباً فهو حرف ابتداء ولذلك أكثر وقوعه بعد واو العطف وجُملة {ولكن كذب وتولى} أفادت معنيين: أحدهما توكيد قوله {فلا صدَّق} بقوله: {كَذب}، وثانيهما زيادة بيان معنى {فَلا صدق} بأنه تولَّى عمداً لأنّ عدم التصديق له أحوال، ونظيره في غير الاستدراك قوله تعالى: {أية : إلاّ إبليس أبى واستكبر}تفسير : [البقرة: 34]. والتكذيب: تكذيبه بالبعث وبالقرآن وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم والتولي: الإِعراض عن دعوته إلى النظر والتدبر في القرآن. وفاعل {صَدق} والأفعال المذكورة بعده ضمائر عائدة على الإِنسان المتقدم ذكره. و {يتمطّى}: يمشي المُطَيْطَاءَ (بضم الميم وفتح الطاء بعدها ياء ثم طاء مقصورة وممدودة) وهي التبختر. وأصل {يتمطى}: يتمطط، أي يتمدد لأن المتبختر يمُدّ خطاه وهي مشية المعجب بنفسه. وهنا انتهى وصف الإِنسان المكذب. والمعنى: أنه أهمل الاستعداد للآخرة ولم يعبأ بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وذهب إلى أهله مزدهياً بنفسه غير مفكر في مصيره. قال ابن عطية: قال جمهور المتأولين: هذه الآية كلها من قوله: {فَلا صدّق ولا صلّى} نزلت في أبي جهل بن هشام، قال: ثم كادت هذه الآية تصرح به في قوله تعالى: {يتمطى} فإنها كانت مشية بني مخزوم وكان أبو جهل يكثر منها اهـ. وفيه نظر سيأتي قريباً. فقوله: {أولَى لك} وعيد، وهي كلمة تَوعُّد تجري مَجرى المَثَل في لزوم هذا اللفظ لكن تلحقه علامات الخطاب والغيبة والتكلم، والمراد به ما يراد بقولهم: ويل لك، من دعاء على المجرور باللام بعدها، أي دعاء بأن يكون المكروه أدنى شيء منه. {فأوْلى}: اسم تفضيل من وَلي، وفاعله ضمير محذوف عائد على مقدر معلوم في العرف، فيقدره كل سامع بما يدل على المكروه، قال الأصمعي: معناه: قاربكَ ما تَكره، قالت الخنساء:شعر : همَمْتُ بنفسيَ كُلَّ الهموم فأولى لنفسيَ أولى لها تفسير : وكان القانص إذا أفلتَه الصيدُ يخاطب الصيد بقوله: {أولى لك}وقد قيل: إن منه قوله تعالى: {فأولى لهم} من قوله: {أية : فأولى لهم طاعة وقول معروف}تفسير : في سورة القتال (20، 21) على أحد تأويلين يجعل طاعة وقول معروف} مستأنفاً وليس فاعلاً لاسم التفضيل، وذهب أبو علي الفارسي إلى أن {أولى} عَلم لمعنى الوَيل وأن وزنه أفْعل من الويل وهو الهلاك، فأصل تصريفه أوْيَل لك، أي أشدُّ هلاكاً لك فوقع فيه القلب (لطلب التخفيف) بأن أخرت الياء إلى آخر الكلمة وصار أوْلَى بوزن أفلَحَ، فلما تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله قلب ألفاً فقالوا: أولى في صورة وزن فَعْلى. والكاف خطاب للإِنسان المصرح به غير مرة في الآيات السابقة بطريق الغيبة إظهاراً وإضماراً، وعدل هنا عن طريق الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات لمواجهة الإِنسان بالدعاء لأن المواجهة أوقع في التوبيخ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: أولَى له. وقوله: {فأولى} تأكيد لـ {أَوْلى لك}جيء فيه بفاء التعقيب للدلالة على أنه يدعي عليه بأن يعقبه المكروه ويعقب بدعاء آخر. قال قتادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد فاستقبله أبو جهل على باب بني مخزوم فأخذ رسول الله فلبَّبَ أبا جهل بثيابه وقال له {أولى لك فأولى ثم أولَى لك فأولى} قال أبو جهل: يتهددني محمد (أي يستعمل كلمة الدعاء في إرادة التهديد) فوالله إني لأَعَزُّ أهلِ الوادي. وأنزل الله تعالى {أولى لك فأولى} كما قَال لأبي جهل. وقوله: {ثم أولى لك فأولى} تأكيد للدعاء عليه ولتأكيده السابق. وجيء بحرف {ثم} لعطف الجملة دلالة على أن هذا التأكيد ارتقاء في الوعيد، وتهديد بأشدَّ مما أفاده التهديد الأول وتأكيدُه كقوله تعالى: {أية : كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون}تفسير : [التكاثر: 3، 4]. وأحسب أن المراد: كُلُّ إنسان كافر كما يقتضيه أول الكلام من قوله {أية : أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه}تفسير : [القيامة: 3] إلى قوله: {أية : بل الإِنسان على نفسه بصيرة}تفسير : [القيامة: 14]، وما أبو جهل إلاّ مِن أولهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم توعده باللفظ الذي أنزله الله تهديداً لأمثاله. وكلمات المتقدمين في كون الشيء سبب نزول شيء من القرآن كلمات فيها تسامح.
د. أسعد حومد
تفسير : (31) - وَحِينَمَا يُسَاقُ المَرْءُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، يَجِدُ عَمَلَهُ مُحْضَراً فِي صَحِيفَتِهِ، فَأَمَّا الكَافِرُ فَإِنَّهُ يَجِدُ فِيهَا أَنَّهُ لاَ صَدَّقَ بِوُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَوحْدَانِيَّتِهِ، وَلاَ أَدَّى مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ صَلَوَاتٍ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ} [القيامة: 31]؛ يعني: القوى الجاهلة الكاذبة لا صدقت اللطيفة المبلغة، ولا صلت في دار الكسب بالقالب، {وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} [القيامة: 32]؛ يعني: كذبت الوارد وتولت عن صاحب الوارد، {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ} [القيامة: 33]؛ يعني: ثم ذهب إلى القوى القالبية والنفسية تنجر من حصول شهواتها العاجلة، واستيفاء حظوظها عن القوى العلوية على وفق هواها. {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ} [القيامة: 34] التفاف الساق إلى الساق في هذه اليوم، {ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ} [القيامة: 35] يسود الوجه وبالملك بمشاهدته {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36]؛ أي: ظن الإنسان الغافل عن الله تعالى ركبه من جميع المفردات العلوية والسفلية، وجعله مختاراً في إرادته في الدنيا أن يتركه جهلاً، وكان خلقه عبثاً، {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ} [القيامة: 37]؛ يعني: في بدء خلقته كان نطفة من مني يمنى من القوة الفاعلة الملقية إلى القوة القابلة، {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ} [القيامة: 38] في تعليق النطفة المنتشرة في القوة القابلة حتى صارت مستحقة لنفخ الروح فيها، فلما نفخ فيها وتمت خلقته {فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} [القيامة: 39] من هذه النطفة التي صارت خلقته علقة، ثم صارت مضغة مخلقة وغير مخلقة لنفخ الروح، فاستوت خلقتها وتمت بينتها، فخلقنا من هذه القوى الفاعلة والقابلة ليظهر منها المشايخ الباقية المدركة المتنعمة والمتألمة، وجعلناها مظاهر لطفنا وقهرنا. {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ} [القيامة: 40] أليس الذي عمل هذه الأعمال في النطفة، وخلق صاحب النطفة بإرادته كما شاء مما يشاء يقدر أن يحيي القوى الميتة القالبية والنفسية غير المدركة بنتائجها الباقية وبما كسبت من الآلام الدائمة، بلى قادر على أن يحيي الموتى في الدنيا قبل نزع الآلات والأدوات منها لتعذر عن السيئات، وتتوب إلى خالق السماوات والأرض، وتحيا بعد نزع الآلات حياة طيبة أبد الآباد، وقادر على أن يحيي الموتى العقبى بعد نزع الاستعدادات لتشقى في الآخرة أبد الآباد ونحدد على ذلك؛ لأنا شاهدنا في أنفسنا وفي أنفس غيرنا مما أرسلهم الله إلينا لنداويهم فداويناهم وأحياهم الله تعالى، وشاهدوا كل الذي كتب في هذه السورة مشاهدة إيقان عيان عن غير ظن وحسبان، وصار إيمانهم الغيبي الذي يخبر الله عنهم في كلامه بقوله تعالى: {أية : يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [البقرة: 3] أيماناً شهودياً وعيانياً ذوقياً أظهر من فلق الصبح. ونسأل الله الثبات على هذه الطريقة النفسية الصفية المنسوبة إلى الصوفية حق الممات، وأن يحشرنا يوم القيامة تحت لواء سيد السادات صلى الله عليه وسلم وعلى آله أصحاب الكرامات، وأصحابه أهل المدرجات، والتابعين لهم بإحسان السالكين جميع المقامات الشاهدين في كل مقام من المقامات آياته البينات صلاة غير منقطعة أبد الآباد آمين آمين آمين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):