٧٦ - ٱلْإِنْسَان
76 - Al-Insan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ } فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحمزة عاليهم بإسكان الياء والباقون بفتح الياء أما القراءة الأولى: فالوجه فيها أن يكون عاليهم مبتدأ، وثياب سندس خبره، والمعنى ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس، فإن قيل: عاليهم مفرد، وثياب سندس جماعة، والمبتدأ إذا كان مفرداً لا يكون خبره جمعاً، قلنا: المبتدأ، وهو قوله: {عَـٰلِيَهُمْ } وإن كان مفرداً في اللفظ، فهو جمع في المعنى، نظيره قوله تعالى: {أية : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ } تفسير : [المؤمنون: 67] كأنه أفرد من حيث جعل بمنزلة المصدر أما القراءة الثانية: وهي فتح الياء، فذكروا في هذا النصب ثلاثة أوجه الأول: أنه نصب على الظرف، لأنه لما كان عالي بمعنى فوق أجرى مجراه في هذا الإعراب، كما كان قوله: {أية : وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ } تفسير : [الأنفال:42] كذلك وهو قول أبي علي الفارسي والثاني: أنه نصب على الحال، ثم هذا أيضاً يحتمل وجوهاً أحدها: قال أبو علي الفارسي: التقدير: ولقاهم نضرة وسروراً حال ما يكون عاليهم ثياب سندس وثانيها: التقدير: وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً حال ما يكون عاليهم ثياب سندس وثالثها: أن يكون التقدير ويطوف على الأبرار ولدان، حال ما يكون الأبرار عاليهم ثياب سندس ورابعها: حسبتهم لؤلؤاً منثوراً، حال ما يكون عاليهم ثياب سندس، فعلى الاحتمالات الثلاثة الأول: تكون الثياب الأبرار، وعلى الاحتمال الرابع تكون الثياب ثياب الولدان الوجه الثالث: في سبب هذا النصب، أن يكون التقدير: رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب سندس. المسألة الثانية: قرأ نافع وعاصم: خضر واستبرق، كلاهما بالرفع، وقرأ الكسائي وحمزة: كلاهما بالخفض، وقرأ ابن كثير: خضر بالخفض، واستبرق بالرفع، وقرأ أبو عمرو وعبدالله بن عامر: خضر بالرفع، واستبرق بالخفض، وحاصل الكلام فيه أن خضراً يجوز فيه الخفض والرفع، أما الرفع فإذا جعلتها صفة لثياب، وذلك ظاهر لأنها صفة مجموعة لموصوف مجموعة، وأما الخفض فإذا جعلتها صفة سندس، لأن سندس أريد به الجنس، فكان في معنى الجمع، وأجاز الأخفش وصف اللفظ الذي يراد به الجنس بالجمع، كما يقال: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض إلا أنه قال: إنه قبيح، والدليل على قبحه أن العرب تجيء بالجمع الذي هو في لفظ الواحد فيجرونه مجرى الواحد وذلك قولهم: حصى أبيض وفي التنزيل {أية : مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ } تفسير : [يس:80] و{أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } تفسير : [القمر:20] إذ كانوا قد أفردوا صفات هذا الضرب من الجمع، فالواحد الذي في معنى الجمع أولى أن تفرد صفته، وأما استبرق فيجوز فيه الرفع والخفض أيضاً معاً، أما الرفع فإذا أريد به العطف على الثياب، كأنه قيل: ثياب سندس واستبرق وأما الخفض فإذا أريد إضافة الثياب إليه كأنه قيل: ثياب سندس واستبرق، والمعنى ثيابهما فأضاف الثياب إلى الجنسين كما يقال: ثياب خز وكتان، ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } تفسير : [الكهف:31] واعلم أن حقائق هذه الآية قد تقدمت في سورة الكهف. المسألة الثالثة: السندس ما رق من الديباج، والاستبرق ما غلظ منه، وكل ذلك داخل في اسم الحرير قال تعالى: {أية : وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } تفسير : [الحج:23] ثم قيل: إن الذين هذا لباسهم هم الولدان المخلدون، وقيل: بل هذا لباس الأبرار، وكأنهم يلبسون عدة من الثياب فيكون الذي يعلوها أفضلها، ولهذا قال: {عَـٰلِيَهُمْ } وقيل هذا من تمام قوله: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ } ومعنى {عَـٰلِيَهُمْ } أي فوق حجالهم المضروبة عليهم ثياب سندس، والمعنى أن حجالهم من الحرير والديباج. قوله تعالى: {وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ } وفيه سؤالات: السؤال الأول: قال تعالى في سورة الكهف: {أية : أُوْلَـئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } تفسير : [الكهف: 31] فكيف جعل تلك الأساور ههنا من فضة؟ والجواب: من ثلاثة أوجه أحدها: أنه لا منافاة بين الأمرين فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة أو على الجمع كما تفعل النساء في الدنيا وثانيها: أن الطباع مختلفة فرب إنسان يكون استحسانه لبياض الفضة فوق استحسانه لصفرة الذهب، فالله تعالى يعطي كل أحد ما تكون رغبته فيه أتم، وميله إليه أشد وثالثها: أن هذه الأسورة من الفضة إنما تكون للوالدان الذين هم الخدم وأسورة الذهب للناس. السؤال الثاني: السوار إنما يليق بالنساء وهو عيب للرجال، فكيف ذكر الله تعالى ذلك في معرض الترغيب؟ الجواب: أهل الجنة جرد مرد شباب فلا يبعد أن يحلوا ذهباً وفضة وإن كانوا رجالاً، وقيل: هذه الأسورة من الفضة والذهب إنما تكون لنساء أهل الجنة وللصبيان فقط، ثم غلب في اللفظ جانب التذكير، وفي الآية وجه آخر، وهو أن آلة أكثر الأعمال هي اليد وتلك الأعمال والمجاهدات هي التي يتوسل بها إلى تحصيل المعارف الإلهية والأنوار الصمدية، فتكون تلك الأعمال جارية مجرى الذهب والفضة التي يتوسل بهما إلى تحصيل المطالب، فلما كانت تلك الأعمال صادرة من اليد كانت تلك الأعمال جارية مجرى سوار الذهب والفضة، فسميت الأعمال والمجاهدات بسوار الذهب والفضة، وعبر عن تلك الأنوار الفائضة عن الحضرة الصمدية بقوله: {وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } وبالجملة فقوله: {وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ } إشارة إلى قوله: {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا } وقوله: {وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } إشارة إلى قوله: {أية : لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } تفسير : [العنكبوت:69] فهذا احتمال خطر بالبال، والله أعلم بمراده. قوله تعالى: {وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } الطهور فيه قولان: الأول: المبالغة في كونه طاهراً، ثم فيه على هذا التفسير احتمالات أحدها: أنه لا يكون نجساً كخمر الدنيا وثانيها: المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة يعني ما مسته الأيدي الوضرة، وما داسته الأقدام الدنسة وثالثها: أنها لا تؤول إلى النجاسة لأنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك القول الثاني: في الطهور أنه المطهر، وعلى هذا التفسير أيضاً في الآية احتمالان أحدهما: قال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة تنبع من ساق شجرة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد، وما كان في جوفه من قذر وأذى وثانيهما: قال أبو قلابة: يؤتون الطعام والشراب فإذا كان في آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون فتطهر بذلك بطونهم، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور، مطهراً لأنه يطهر باطنهم عن الأخلاق الذميمة، والأشياء المؤذية، فإن قيل: قوله تعالى: {وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ } هو عين ما ذكر تعالى قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور، والزنجبيل، والسلسبيل أو هذا نوع آخر؟ قلنا: بل هذا نوع آخر، ويدل عليه وجوه أحدها: دفع التكرار وثانيها: أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه، فقال: {وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ } وذلك يدل على فضل في هذا دون غيره وثالثها: ما روينا أنه تقدم إليهم الأطعمة والأشربة، فإذا فرغوا منها أتوا بالشراب الطهور فيشربون، فيطهر ذلك بطونهم، ويفيض عرقاً من جلودهم مثل ريح المسك، وهذا يدل على أن هذا الشراب مغاير لتلك الأشربة، ولأن هذا الشراب يهضم سائر الأشربة، ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب، وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقاً يفوح منه ريح كريح المسك، وكل ذلك يدل على المغايرة ورابعها: وهو أن الروح من عالم الملائكة، والأنوار الفائضة من جواهر أكابر الملائكة، وعظمائهم على هذه الأرواح مشبهة بالماء العذب الذي يزيل العطش ويقوي البدن، وكما أن العيون متفاوتة في الصفاء والكثرة والقوة، فكذا ينابيع الأنوار العلوية مختلفة، فبعضها تكون كافورية على طبع البرد واليبس، ويكون صاحبها في الدنيا في مقام الخوف والبكاء والانقباض، وبعضها تكون زنجبيلية على طبع الحر واليبس، فيكون صاحب هذه الحالة قليل الالتفات إلى ما سوى الله تعالى قليل المبالاة بالأجسام والجسمانيات، ثم لا تزال الروح البشرية منتقلة من ينبوع إلى ينبوع، ومن نور إلى نور، ولا شك أن الأسباب والمسببات متناهية في ارتقائها إلى واجب الوجود الذي هو النور المطلق جل جلاله وعز كماله، فإذا وصل إلى ذلك المقام وشرب من ذلك الشراب انهضمت تلك الأشربة المتقدمة، بل فنيت، لأن نور ما سوى الله تعالى يضمحل في مقابلة نور الله وكبريائه وعظمته، وذلك هو آخر سير الصديقين، ومنتهى درجاتهم في الإرتقاء والكمال، فلهذا السبب ختم الله تعالى ذكر ثواب الأبرار على قوله: {وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً }. واعلم أنه تعالى لما تمم شرح أحوال السعداء، قال تعالى:
المحلي و السيوطي
تفسير : {عَٰلِيَهُمْ } فوقهم فنصبه على الظرفية وهو خبر لمبتدأ بعده وفي قراءة بسكون الياء مبتدأ وما بعده خبره والضمير المتصل به للمعطوف عليهم {ثِيَابُ سُندُسٍ } حرير {خُضْرٌ } بالرفع {وَإِسْتَبْرَقٍ } بالجر ما غلظ من الديباج فهو البطائن والسندس الظهائر، وفي قراءة عكس ما ذكر فيهما، وفي أخرى برفعهما وفي أخرى بجرّهما {وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ } وفي موضع آخر (من ذهب) للإِيذان بأنهم يحلون من النوعين معاً ومفرقاً {وَسَقَٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } مبالغة في طهارته ونظافته بخلاف خمر الدنيا.
ابن عطية
تفسير : قرأ نافع وحمزة وأبان عن عاصم: " عاليهم " على الرفع بالابتداء وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة وابن محيصن وابن عباس بخلاف عنه، وقرأ الباقون وعاصم " عاليَهم " بالنصب على الحال، والعامل فيه {أية : لقاهم}تفسير : [الإنسان:11] أو {أية : جزاهم}تفسير : [الإنسان:12]، وهي قراءة عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن ومجاهد والجحدري وأهل مكة، وقرأ الأعمش وطلحة: " عاليتهم "، وكذلك هي في مصحف عبد الله، وقرأ أيضاً الأعمش " عاليَتهم " بالنصب على الحال، وقد يجوز في النصب في القراءتين أن يكون على الظرف لأنه بمعنى فوقهم، وقرأت عائشة رضي الله عنها "علتهم " بتاء فعل ماض، وقرأ مجاهد وقتادة وابن سيرين وأبو حيوة " عليهم " و " السندس ": رقيق الديباج والمرتفع منه، وقيل " السندس ": الحرير الأخضر، و " الاستبرق " والدمقس هو الأبيض، والأرجوان هو الأحمر، وقرأ حمزة والكسائي " خضر واستبرقٍ " بالكسر فيهما وهي قراءة الأعمش وطلحة، ورويت عن الحسن وابن عمر بخلاف عنه على أن " خضر" نعت للسندس، وجائز جمع صفة الجنس إذا كان اسماً مفرداً كما قالوا: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم الأبيض، وفي هذا قبح، والعرب تفرد اسم الجنس وهو جمع أحياناً فيقولون: حصى أبيض، وفي القرآن {أية : الشجر الأخضر} تفسير : [يس:80] و {أية : نخل منقعر} تفسير : [القمر:20] فكيف بأن لا يفرد هذا الذي هو صفة لواحد في معنى جمع " واستبرق " في هذه القراءة عطف على {سندس} ، وقرأ نافع وحفص عن عاصم والحسن وعيسى " خضرٌ واستبرقٌ" بالرفع فيهما، " خضرٌ " نعت لـ {ثياب} و " استبرق " عطف على الثياب. وقرأ أبو عمرو وابن عامر " خضرٌ" بالرفع صفة لـ {ثياب} ، " وإستبرق" خفضاً، عطف على {سندس} ، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر " خضرٍ " خفضاً " وإستبرقٌ " رفعاً فخفش " خضرٍ" على ما تقدم أولاً، " واستبرقٌ " على الثياب. والاستبراق غليظ الديباج، وقرأ ابن محيصن: " واستبرقَ " موصولة الألف مفتوحة القاف كأنه مثال الماضي من برق واستبرق وتجب واستعجب. قال أبو حاتم: لا يجوز، والصواب أنه اسم جنس لا ينبغي أن يحمل ضميراً، ويؤيد ذلك دخول اللام المعرفة عليه والصواب فيه الألف وإجراؤه على قراءة الجماعة، وقرأ أبو حيوة " عليهم ثيابٌ " بالرفع " سندسٌ خضرٌ واستبرقٌ " رفعاً في الثلاثة، وقوله تعالى: {وحلوا} أي جعل لهم حلي، و {أساور} جمع أسورة وأسورة جمع سوار وهي من حلي الذراع، وقوله تعالى: {شراباً طهوراً} قال أبو قلابة والنخعي معناه لا يصير بولاً بل يكون رشحاً من الأبدان أطيب من المسك، وهنا محذوف يقتضيه القول تقديره يقول الله لهم والملائكة عنه: {إن هذا كان لكم جزاء} الآية، وقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا} الآية تثبيت لمحمد عليه السلام وتقوية لنفسه على أفعال قريش وأقوالهم وحكم ربه هو أن يبلغ ويكافح ويتحمل المشقة ويصبر على الأذى ليعذر الله إليهم، وقوله تعالى: {آثماً أو كفوراً} هو تخيير في أن يعرف الذي ينبغي أن لا يطيعه بأي وصف كان من هذين لأن كل واحد منهم فهو آثم وهو كفور، ولم تكن الأمة حينئذ من الكثرة بحيث يقع الإثم على العاصي. قال القاضي أبو محمد: واللفظ أيضاً يقتضي نهي الإمام عن طاعة آثم من العصاة أو كفور من المشركين، وقال أبو عبيدة: {أو} بمعنى الواو وليس في هذا تخيير، ثم أمره تعالى بذكر ربه دأباً {بكرة وأصيلاً} ومن الليل بالسجود والتسبيح الذي هو الصلاة، ويحتمل أن يريد قول سبحان الله، وذهب قوم من أهل العلم إلى أن هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس منهم ابن حبيب وغيره، فالبكرة: صلاة الصبح، والأصيل: الظهر والعصر {ومن الليل} : المغرب والعشاء، وقال ابن زيد وغيره كان هذا فرضاً ونسخ فلا فرض إلى الخمس، وقال قوم هو محكوم على وجه الندب.
ابن عبد السلام
تفسير : {طَهُوراً} لا يبولون منه ولا يحدثون عنه بل عرق يفيض من أعراضهم كريح المسك أو لأنها طاهرة بخلاف خمر الدنيا أو ليس في أنهار الجنة نجاسة خلاف أنهار الدنيا.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}[21] قال سهل: نهى الله عباده عن نجاسة خمور الدنيا بما فرق بين الطاهر والطهور، وبين خمور الجنة وخمور الدنيا نجاسة، فإن خمور الدنيا نجسة تنجس شاربها بالآثام، وخمور الجنة طهور تطهر شاربها من كل دنس، وتصلحه لمجلس القدس ومشهد العز. وصلى سهل صلاة العتمة فقرأ قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}[21] فجعل يحرك فاه كأنما يمص شيئاً، فلما فرغ من صلاته قيل له: أتشرب في الصلاة؟ فقال: والله لو لم أجد لذته عند قراءته كأني عند شربه به ما فعلت ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} [الآية: 21]. قال سهل: فرَّق الله بهذه اللفظة بين الطهور والطهر وبين خمر الجنة وخمور الدنيا فخمور الدنيا نحبسه تنجس صاحبها وشاربها الآثام وخمر الجنة طهور تطهر شاربها من كل دنس وتصلحه لمجلس القدس ومشهد العز. قال بعضهم فى قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ...} الآية إنّ لله شرابًا طاهرًا شهيًا ادّخرها فى كنوز ربوبيته لأوليائه وأصفيائه يفجر لهم من ينبوع المعرفة فى أنهار المنة فسقاهم ربهم بكأس المحبة شرابًا طهورًا فإذا شربوا بقلوبهم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله سقاهم ذلك فى الدنيا فى ميدان ذكره بكأس محبته على منابر أنسه بمخاطبة الإيمان وسقاهم فى الآخرة فى ميدان قربه بكأس رؤيته على منابر النور بمخاطبة العيان سقاهم فى الدنيا الماء البارد العذب حظ أجسامهم وسقاهم فى الآخرة برؤية ما وعدهم من أنواع الكرامات. قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ}. قال جعفر: سقاهم التوحيد فى اسر فنأى هو عن جميع ما سواه فلم يفيقوا إلاَّ عند المعاينة ورفع الحجاب فيما بينهم وبينه وأخذ الشراب فيها أخذ عنه فلم يبق عليه منه باقية وحصله فى ميدان الحصول والقبضة. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت طيب الحمال يقول: صليت خلف سهل بن عبد الله العتمة فقرأ قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} فجعل يحرك فمه كأنه يمص شيئًا فلما فرغ من الصلاة قيل له: أتشرب أم تقرأ؟ قال: والله لو لم أجد لذته عند قراءته كالذى عند شربه ما قرأته. وقال فارس منهم من سقاهم شراب الهداية فهداه ومنهم من سقاه شراب التوحيد فيسره ومنهم من سقاه شراب الولاية فوالاه ومنهم من سقاه شراب المعرفة فقرّبه وأدناه. قال بعضهم: من ظهر الحق فى الدنيا سره عن رؤية السعايات بالموافقات والمخالفات وبردت الدنيا فى صدره سقاه الله فى الآخرة شرابًا طهورًا. وقال جعفر: بقوله: {شَرَاباً طَهُوراً} طهّرهم به عن كل ما سواه إذ لا طاهر من يدنس بشىءٍ من الأكوان. وقال أبو سليمان الرازى: سقاهم ربهم على حاشية بساط الود فأزواهم عن صحبة الخلق وأراهم رؤية الحق ثم أقعدهم على منابر القدس وحيّاهم بتحف المزيد وأمطر عليهم مطر التأييد فسالت عليهم أودية الشوق والقرب وكفاهم هموم الفرقة وحباهم بسرور القربة. وقال بعضهم فى قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} قال: صب على صدورهم ماء المحبة فشرحت صدورهم بنور المحبة ولانت بنور المعرفة وانفسحت جوارحهم بنور الطاعة وبردت ضمائرهم بنسيم الهيبة وأحيا أرواحهم بنور القربة فيا له من ساقى ويا لها من مسقى. وقال بعضهم فى هذه الآية: سقوا شراب المودة فى كأس المحبة فى دار الكرامة فسكروا بها فمشوا فى ميدان الشوق ولم يفيقوا لشىء غير الرؤية.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} اخبر الله سبحانه عن سقيه ارواح اوليائه فى الازل شراب بحار رؤية انوار القدم حيث ظهر جلال ذاته وصفاته لها وذلك الشراب لظهور طهوريته تجلى قدس ذاته الذى ظهر تلك الارواح من شوب الامتحان والقهر والحرمان لا يتدنس اوقاتها بشئ من الحدثان بعد شربها اشربة افانين انوار الصفات قتلك الكائنات المروقات عن علل الحجاب والعتاب دارت عليها فى الدنيا حتى يرجع الى معادنها من الغيب ففى كل لمحة لهم شراب الوصال والكشف والجمال لا مقطوعة ولا ممنوعة ولتك الاشربة اثار السكر فى وجودهم من هجوم المواجيد عليهم حين سلبتهم جذبات وارادات الغيب عن رؤية الاكوان والحدثان سكرت ارواحهم بشراب رؤية القدم وسكرت اسرارهم بشراب رؤية البقاء وسكرت عقولهم برؤية الاكوان والحدثان سكرت ارواحهم بشراب رؤية القدم وسكرت اسرارهم بشراب رؤية البقاء وسكرت عقولهم برؤية الصفات وسكرت قلوبهم بشراب رؤية الذات وسكرت نفوسهم بشراب المداناة فى الخلواة والمانجاة ففى كل حال لهم من ذلك الشراب وقت وجدود ذوق وشوق وعشق ويهمان ووله وهيجان ليس لهم فى الكون سئول غير هذا الشراب ولا لهم مُنًى غير هذا الوصال به ادوى جروح قلوبهم من الالم المحبة لا بشئ دونه شعر : تداويت من ليلى بليلى من الهوى كما يتداوى شارب الخمر بالخمر تفسير : قال بعضهم ان الله شرابا صافيا طاهرا شهيا نقيا ذكرتها فى كنوز ربوبيته لاوليائه واصفيائه يفجر لهم من ينبوع المعرفة فى انهار المعرفة فسقاهم ربهم بكاس المحبة شرابا طهورا فاذا شربوا بقلوبهم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله سقاهم ذلك فى الدنيا فى ميدان ذكره بكاس محبة على منابر السنة بمخاطبة الايمان وسقاهم فى الأخرة في ميدان قربه بكاس رؤية على منابر النور بمخاطبته العيان قال سهل فرق الله بهذه اللفظة بين الطهور والطاهر وبين خمور الجنة الدنيا فان خمر الدنيا بخسة تخبس صاحبها وشاربها بالاثام وخمور الجنة طهور يطهر شاربها من كل دنس ويصلحه لمجالس القدس ومشهد العزة قال جعفر سقاهم التوحيد فى السرفتا هو عن جميع ما سواه فلم يفيقوا الا عند المعانية ورفع الحجاب فيما بينهم وبينه واخذ الشراب ففى اخذ عنه فلم يبق عليه منة باقية وحصله فى ميدان الحصول والقبضة وقال فارس منهم من سقاه شراب الهداية فهداه ومنهم من سقاه شراب الولاية فولاه ومنهم من سقاه شراب المعرفة فقربه وادناه ومنهم من سقاه شراب التوحيد فستره واوأه قال ابو سليمان اندارانى سقاهم ربهم على حاشية بساط الودّ فارواهم من صحت الخلق واراهم رؤية الحق ثم اقعدهم على منابر القدس حياهم بتحف المريد وامطر عليهم مطر التائيد فسالت عليهم اودية الشوق والقرب فكفاهم هموم الفرقة وحياهم بسرائر القربة وقيل سقوا شراب المودة فى كاس المحبة فى دار الكرامة فكسروا بها فمشوا فى ميدان الشوق ولم يقنعوا بشئ غير الرؤية وقال جعفر شرابا طاهرا مطرها صافيا ادخره فى كنوز ربوبيته ساقه اولياءه فى ميدان كرامته بكاس هيبته على منابر عزة فاذا شربوا سكروا واذا سكروا طاشوا واذا طاشوا اشتقاوا واذا شتاقوا طاروا واذا طاروا بلغوا واذا بلغوا وصلوا اذا وصلوا اتصلوا واذا اتصلوا فنوا واذا افنوا بقوا واذا بقوا صاروا ملوكا وسادة واحرارا وقادة.
اسماعيل حقي
تفسير : {عاليهم ثياب سندس خضر} عاليهم ظرف على انه خبر مقدم وثياب مبتدأ مؤخر والجملة حال من ضمير عليهم اى يطوف عليهم ولدان عاليا للمعطوف عليهم ثياب الخ اى فوقهم وعلى ظهورهم ثياب سندس وهو الديباج الرقيق الفاخر الحسن واضافة الثياب الى السندس كاضافة الخاتم الى الفضة وبالفارسية بربهشتيان يعنى لباس زبرين ايشان جامهاى ديباى نازك. ولم يرض الزجاج بكون عاليهم نصبا على الظرف بمعنى فوقهم لانه لم يعرف فى الظررف وخضر جمع أخضر صفة ثياب كقوله ويلبسون ثيابا خضرا فالضمير للابرار لمطوف عليهم لان المقام مقام تعداد نعيمهم وكرامتهم فالمناسب أن تكون الثياب الموصوفة من الحرير والديباج وهذا من علامات الملك {واستبرق} بالرفع عطفا على ثياب بحذف المضاف اى ثياب استبرق وهو معرب استبره. بمعنى الغليظ سبق بيانه فى سورة الرحمن وهو بقطع الهمزة لكونه اسما للديباج الغليظ الذى له بريق {وحلوا أساور من فضة} عطف على ويطوف عليهم وهو ماض لفظا ومستقبل معنى وأساور مفعول ثان لحلوا بمعنى ويحلون والتحليه التزيين بالحلى وبالفارسية باحلى زيور كردن. وفيه تعظيم لهم بالنسبة الى أن يقال وتحلوا وأساور جمع اسورة فى جمع سوار وسوار المرأة اصله دستواره وكان الملوك فى الزمان الاول يحلون بها ويسرون من يكرمونه ولا ينافى هذه الآية ما فى الكهف والحج من قوله من أساور من ذهب لا مكان الجمع بين السوار الذهب والسوار الفضة فى أيديهم كما تجمع نساء مدنيا بين انواع الحلى وما احسن المعصم اذ يكون فيه سوار ان من جنسين وزيادة كالذهب والفضة واللؤلؤ وايضا لا مكان المعاقبة فى الاوقات تارة يلبسون الذهب واخرى يلبسون الفضة وايضا لا مكان التبعيض بأن يكون البعض ذهبا والبعض فضة فان حلى اهل الجنة يختلف حسب اختلاف اعمالهم فللمقربين الذهب وللابرار الفضة وايضا يعطى كل احد ما يرغب فيه ويميل طبعه اليه فان الطباع مختلفة فرب انسان يكون استحسانه لبياض الفضة فوق استحسانه صفرة الذهب {وسقاهم} بياشاماندا ايشانرا {ربهم شرابا} هو ما يشرب {طهورا} هذا الشراب الطهور نوع آخر يفوق النوعين السالفين كما يرشد اليه اسناد سقيه الى رب العالمين ووصفه بالطهورية لانه يطهر باطنهم عن الاخلاق الذميمة والاشياء المؤذية كالغش والغل والحسد وينزع ما كان فى اجوافهم من قذر وأذى وبه تحصل الصفوة المهيئة لانكعاس نور الجمال الالهى فى قلوبهم وهى الغاية القاصية من منازل الصديقين فلذا ختم بها مقالة ثواب الابرار فالطهور بمعنى المطهر صيغة اسم الفاعل وقيل مبالغة الطاهر من حيث انه ليس بنجس كخمر الدنيا وما مسته الأيدى القذرة والاقدام الدنسة ولا يؤول الى أن يكون نجسا بل يرشح عرقا من ابدانهم له ريح كريح المسك (قال الكاشفى) يبايد دانست كه جوى كوثر دربهشت خاصه حضرت رسالة است وذكر آن درسوره كثور خواهد آمد وجهار جوى ديكر ازان متقايأنست آب وشيروخمر وعسل وشمه ازصفات اودرسوره محمد مرقوم رقم بيان شد ودوجشمه ازان اهل خشبت است فيهما عينان تجريان ودوجشمه ازان اهل يمين است فيهما عينان نضاختان واين جهار جشمه درسوورة الرحمن آمد ديكر جشمه رحيق ازان ابرارست وجشمه تسنيم ازان مقربان واين هردودرسوره مطففين مذكورند ودوجشمه ازان اهل بيت است كافور وزنجبيل كه آنرا سلسبيل خوانند وشراب طهور نيز از ايشانست ومحققان آنرا شراب شهود كوبندكه مرآت دل نوشنده را بلوامع انوار قدم روشن ساخته بذير اى نقوش عكوس ازل وابدكرداند ووقت وحال اورا جنان صافى سازدكه مطلقا شوآئب غيريه درمشارع وحدت نماند ورنك دوكانكى مبدل كردانيده جام مدامرا يك رنك سازد شعر : همه جامست ونيست كوبى مى يا مدامست ونيست كويى جام تفسير : عارفى كفته اكر فردابزم نشينان داربقارا براى آنكه سرور شراب طهور خواهند جشانيد امروزباده نوشان خمخانه افضل را بنقدازان نصيبى تمام داره اند شعر : ازسقاهم ربهم بين جمله ابرارمست درجمال لا يزال هفت وينج وجارمست تفسير : اى جوانمرد شراب آن شرابست كه دست غيب دهدرجام دل ريزدوعارف اورانوش كند قومى را شراب مست كرد وقومى راديدار شعر : وأسكر القوم دور كأس وكان سكرى من المدير تفسير : بزركى را بخواب نمودنهكه معروف كرخى رحمه الله كرد عرش طراف مى كردورب العزة فرشتكانرامى كفت اورا شناسيد كفتندنه كفت معروف كرخى است بمهرما مست شدة تاديده او برمانيايد هشيار نكردد هركرا امروز شراب محبت نيست فردا اورا شراب طهور نيست. قال بعضهم صليت خلف سهل بن عبد الله العتمة فقرأ قوله تعالى {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} فجعل يحرك فمه كأنه يمص فلما فرغ من صلاته قيل له أتقرأ ام تشرب قال والله لو لم اجد لذته عند قرآءته كلذتى عند شربه ما قرأته وفى التأويلات النجمية قوله عاليهم الخ يشير الى اتصاف اهل الجنة بملابس الصفات الالهية والاخلاق الربانية من خضر أى من الصفات الذاتية واستبرق اى من الصفات الاسمائية والى تحليهم بحلى أساور الاسماء الذاتية والصفاتية الزاهرة الباهرة وسقاهم ربهم بكأس الربوبية والتربية شراب المحبة الذاتية الطاهرة عن شوب كدورة رقبة الاغيار.
الطوسي
تفسير : قرأ {عاليهم} باسكان الياء أهل المدينة وحمزة وعاصم - فى رواية حفص وأبان والمفضل - جعلوه اسماً لا ظرفاً كما تقول: فوقك واسع ومنزلك باب البرد، بأن يجعل الباب هو المنزل، وكذلك يجعل الثياب هي العالي. الباقون بالنصب على الظرف، لانه ظرف مكان. وهو الاحسن، لان الثاني غير الأول. وإنما يجوز فى مثل ما كان آخر الكلام هو الأول كقولهم: أمامك صدرك، وفوقك رأسك، فان قلت فوقك السقف وأمامك الأسد بالنصب لا غير. وقرأ نافع وحفص عن عاصم {خضر واستبرق} بالرفع فيهما. وقرأ حمزة والكسائي بالجر فيهما. وقرأ ابن كثير وعاصم - فى رواية أبي بكر {خضر} جراً {واستبرق} رفعاً. وقرأ ابن عامر وابو عمرو {خضر} رفعاً و {استبرق} جراً، من رفعهما جعل {خضر} نعتاً للثياب، وعطف عليه {واستبرق} ومن جرهما جعل {خضر} من نعت {سندس} وعطف عليه {استبرق} وتقديره عاليهم ثياب استبرق. ومن رفع الأول جعله من نعت الثياب وجر الثاني على انه عطف على {سندس} كأن عليهم ثياب سندس. ومن جعل {خضر} نعتاً لـ {سندس}، فلانه اسم جنس يقع على الجميع، فلذلك قال {خضر} ومن جعله نعتاً للثياب فعلى اللفظ. وقرأ ابن كثير وابو عمرو {وما يشاؤن} بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون بالتاء على الخطاب. لما قال الله تعالى على وجه التعظيم لشأن المؤمنين الذين وصفهم وعظم ما اعطوا من أنواع النعيم والولدان وأنواع الشراب وغير ذلك مما وصف، ووصف ذلك بأنه ملك كبير قال {عاليهم} وقيل معناه عالي حجالهم السندس. وفى نصب {عاليهم} قولان: قال الفراء: هو نصب على الظرف كقولك: فوقهم، وحكى إن العرب تقول: قومك داخل الدار. وانكر الزجاج ذلك، وقال نصبه لا يجوز إلا على الحال من الضمير فى {عاليهم} أو من ضمير الولدان في {رأيتهم} وإنما أنكر ذلك لأنه ليس باسم مكان كقولك هو خارج الدار وداخل الدار، وهذا لا يجوز على الظرف عند سيبويه، وما حكاه الفراء شاذ لا يعول عليه. ومن أسكن الياء أراد رفعه على الابتداء وخبره {ثياب سندس} والسندس الديباج الرقيق الفاخر الحسن وهو (فعلل) مثل برثن. وقوله {خضر} فمن جر جعله صفة لـ {سندس} خضر ووصف {سندس} بخضر وهو لفظ جمع، لان سندساً اسم جنس يقع على الكثير والقليل. ومن رفعه جعله نعتاً لـ {ثياب} كأنه قال: ثياب خضر من سندس. وقوله "واستبرق" من رفعه عطفه على "ثياب سندس" فكأنه قال عاليهم ثياب سندس، وعاليهم استبرق. ومن جره عطفه على "سندس" فكأنه قال: عاليهم ثياب سندس وثياب استبرق. والاستبرق الديباج الغليظ الذي له بريق، فهم يتصرفون فى فاخر اللباس كما يتصرفون فى لذيذ الطعام والشراب. وقيل الاستبرق له غلظ الصفاقة لا غلظ السلك كغلظ الديبقي، وإن كان رقيق السلك. وقوله {وحلوا أساور من فضة} فالتحلية الزينة بما كان من الذهب والفضة والتحلية تكون للانسان وغير الانسان كحلية السيف وحلية المركب والفضاضة الشفافة هي التي يرى ما وراءها كما يرى البلورة، وهي أفضل من الدرّ والياقوت، وهما افضل من الذهب فتلك الفضة افضل من الذهب، والفضة والذهب فى الدنيا هما أثمن الاشياء، وإن كان قد ثمن بغيرهما شاذاً. وقيل: يحلون الذهب تارة وتارة الفضة ليجمعوا محاسن الحلية، كماقال تعالى {أية : يحلون فيها من أساور من ذهب}تفسير : والفضة وإن كانت دنية فى الدنيا، فهي فى غاية الحسن خاصة إذا كانت بالصفة التي ذكرها والغرض فى الآخرة ما يكثر الالتذاذ والسرور به لا باكثر الثمن، لانه ليست هناك أثمان. وفى الناس من ترك صرف {استبرق} وهو غلط، لأن الاعجمي إذا عرب فى حال تنكيره انصرف، ودليله الاستبرق وهما مما يحكى عن ابن محيص. وقوله {وسقاهم ربهم شراباً طهوراً} قيل معناه يسقون شراباً طهوراً ليس كالذي يخالطه الانجاس من أنهار الدنيا. وإن قل ذلك وكان مغموراً. وقيل انه ليس كشراب الدنيا الذي قد نجسه الفساد الذي فيه، وهو السكر الداعي إلى القبائح، فقد طهره الله فى الجنة من ذلك لتخلص به اللذة، كما قال {أية : من خمر لذة للشاربين}تفسير : وقيل: شراباً طهوراً لا ينقلب إلى البول بل يفيض من أعراضهم كرشح المسك ذكره ابراهيم التيمي. وقوله {إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكوراً} اخبار من الله تعالى انه يقال للمؤمنين إذا فعل بهم ما تقدم من انواع اللذات وفنون الثواب: إن هذا كان لكم جزاء على طاعاتكم واجتناب معاصيكم فى دار التكليف، وإن سعيكم فى مرضات الله وقيامكم بما أمركم الله به كان مشكوراً أي جوزيتم عليه، فكأنه شكر لكم فعلكم. ثم اخبر تعالى عن نفسه فقال {إنا نحن نزلنا عليك} يا محمد {القرآن تنزيلاً} فيه شرف وتعظيم لك. ثم أمره بالصبر على ما أمره من تحمل اعباء الرسالة فقال {فاصبر} يا محمد {لحكم ربك ولا تطع منهم} يعني من قومه الذين بعث اليهم {آثماً أو كفوراً} وهو نهي عن الجمع والتفريق أي لا تطع آثماً ولا كفوراً، كما يقول القائل: لا تفعل معصية صغيرة او كبيرة أي لا تفعلهما ولا واحدة منهما. ثم امره بان يذكر الله بما يستحقه من الصفات والاسماء الحسنى، فقال {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا} والبكرة الغداة والاصيل العشي، وهو اصل الليل وجمعه آصال. وقوله {ومن الليل فاسجد} دخلت (من) للتبعيض بمعنى فاسجد له فى بعض الليل، لانه لم يأمره بقيام جميع الليل، كما قال {أية : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه}تفسير : والسجود وضع الجبهة على الارض على وجه الخضوع وأصله الانخفاض كما قال الشاعر: شعر : ترى الاكم فيها سجداً للحوافر تفسير : والسجود من العبادة التي اكد الله الأمر بها لما فيها من صلاح العباد. ثم قال {وسبحه ليلاً طويلاً} أي نزهه عما لا يليق به فى الليل الطويل. ثم قال {إن هؤلاء} يعني الكفار والذين يجحدون نبوتك {يحبون العاجلة} أي يؤثرون اللذات والمنافع العاجلة فى دار الدنيا من إرتكاب شهواتهم. والعاجلة المقدمة قبل الكرة الثانية {ويذرون} أي ويتركون {وراءهم} أي خلفهم {يوماً ثقيلاً} أي هو ثقيل على اهل النار أمره، وإن خف على اهل الجنة للبشارة التي لهم فيه. والثقيل ما فيه اعتمادات لازمة إلى جهة السفل على جهة يشق حمله. وقد يكون ثقيلا على انسان خفيفاً على غيره بحسب قدرته، فيوم القيامة مشبه بهذا. وقيل: معنى {وراءهم} أي خلف ظهورهم العمل للاخرة. وقيل {وراءهم} أمامهم الآخرة، وكلاهما محتمل، والاول أظهر. ثم قال تعالى {نحن خلقناهم} أي نحن الذين اخترعنا هؤلاء الخلائق {وشددنا أسرهم} قال ابن عباس الأسر الخلق، وهو من قولهم: أسر هذا الرجل فأحسن اسره أي خلق فأحسن خلقه أي شد بعضه إلى بعض أحسن الشد، وقال ابو هريرة: الاسر المفاصل. وقال ابن زيد: الاسر القوة. وقولهم: خذ بأسره أي بشده قبل ان يحل، ثم كثر حتى جاء بمعنى خذ جميعه قال الاخطل: شعر : من كل مجتلب شديد أسره سلس القياد تخاله مختالا تفسير : واصل الاسر الشد، ومنه قتب مأسور أي مشدود، ومنه الاسير، لانهم كانوا يشدونه بالقيد، وجاء فى التفسير وشددنا مفاصلهم. ثم قال {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} معناه إذا شئنا أهلكنا هؤلاء وأمثالهم وجئنا بقوم آخرين بدلهم نخلفهم ونوجدهم. وقوله {إن هذه تذكرة} قال قتادة: معناه إن هذه السورة تذكرة، والتذكرة دلالة تخص بها المعاني الحكمية، وكل موعظة تدعو إلى مكارم الاخلاق ومحاسن الافعال تذكرة {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً} أي اتخذ إلى رضا ربه طريقاً بأن يعمل بطاعته وينتهي عن معصيته، وذلك يدل على انه قادر على ذلك قبل ان يفعله بخلاف ما يقوله المجبرة. وقوله {وما تشاؤن إلا أن يشاء الله} أي وليس تشاؤن شيئاً من العمل بطاعته وبما يرضاه ويوصلكم الى ثوابه إلا والله يشاؤه ويريده لأنه يريد من عباده أن يطيعوه، وليس المراد أن يشاء كل ما يشاؤه العبد من المعاصي والمباحات، لان الحكيم لا يجوز أن يريد القبائح ولا المباح، لان ذلك صفة نقص ويتعالى الله عن ذلك. وقد قال الله تعالى {أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}تفسير : والمعصية والكفر من اعظم العسر فكيف يكون الله تعالى مشيئاً له وهل ذلك إلا تناقض ظاهر؟! وقوله {إن الله كان عليماً حكيماً} اخبار بأنه - عز وجل - كان عالماً بجميع المعلومات وبما يفعله عباده من الطاعة والمعصية {حكيماً} فى جميع ما يفعله ويأمر به. ثم قال {يدخل من يشاء في رحمته} من الجنة وثوابها اذا أطاعوه في عمل ما رغبهم فيه {والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً} نصب {الظالمين} على تقدير وعاقب الظالمين باعداد العذاب الأليم أي أعد للظالمين اعد لهم، وحذف لدلالة الثاني عليه ولا يظهر ذلك، لان تفسيره يغني عن إظهاره.
الجنابذي
تفسير : {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ} اى ما رقّ من الحرير وما غلظ {وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} يطهّرهم من كلّ ما كان منسوباً اليهم من الاموال والافعال والاوصاف والذّوات حتّى لا يبقى فيهم سوى محبوبهم فيصير لذّتهم خالصةً غير مشوبةٍ وغير محجوبةٍ، فى خبرٍ: يطهّرهم من الحسد ويسقط عن ابشارهم الشّعر، وفى خبر: يطهّرهم من كلّ شيءٍ سوى الله.
اطفيش
تفسير : {عَالِيَهُمْ} اسم فاعل مضاف للضمير مبتدأ أي الذي يعلوهم وهو لباسهم {ثِيَابُ سُنْدُسٍ} حرير واما رق من الديباج وقرأ غير نافع وحمزة بفتح الباء وضم الهاء نصبا على الظرفية وهو متعلق بمحذوف خبر والمبتدأ ثياب اي فوقهم ثياب أو نصبا على الحال من هاء عليهم قبله وعليه فثياب فاعل الحال وكذا ان جعل حالا من هاء حسبتهم او من مضاف يقدر قبل قوله ملكا اي أهل ملك وقرئ عاليتهم بفتح التاء على الحال بانواعها أو الظرفية وبضمها على أنه مبتدأ لثياب أو خبر له. قال ابن هشام قال ثعلب ان عاليهم ظرف مكان كفوقهم ورد بأن عالي الدار وداخلها وخارجها ونحو ذلك من الظروف المختصة فلا تنصب على الظرفية انتهى وأجيب بأنه مثل فوقك وأمامك فما كان جوابا له فهو جواب لثعلب وقرئ عليهم. *{خُضْرٌ} جمع اخضر نعت ثياب وقرأ ابن كثير وابو بكر بالجر نعتا لسندس لان السندس مراد به الجنس ويحتمل الجر على الجوار فيكون نعتا لثياب لكن صون القرآن عنه اولى {وَإِسْتَبْرَقٌ} ما غلظ من الحرير او من الديباج وروي ان الديباج حرير والعطف على ثياب وقرأ حمزة والكسائي بالجر عطفا على سندس فنافع وحفص رفعا خضر واستبرقا وابن كثير وابو بكر خفضا الاول ورفعا الثاني وابن عامر وابو عمرو رفعا الاول وخفضا الثاني وحمزة والكسائي خفضاهما وقرئ بوصل همزة إستبرق وفتح القاف استفعل من البريق جعل علما لهذا النوع من الثياب قال جار الله وليس بصحيح لانه معرب مشهور تعريبه وإن أصله استبرق وقرأ ابن محصن بقطع الهمزة وفتح القاف وعلى القولين فالفتح نائب عن الجر للعلمية على جنس هذه الثياب والعجمة وهو نكرة إذا لم يكن علما قابلة لال {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ} اي زينوا بها فالواو نائب الفاعل مفعول اول واسار مفعول ثان *{مِنْ فِضَّةٍ} لا ينافي اساور من ذهب في الآية الأخرى لصحة التزيين سوار فضة وسوار ذهب في وقت واحد كما تجمع نساء الدنيا بين انواع من الحلي وما أحسن معصما فيه سوار ذهب أو فضة ولصحة التزيين بواحد في وقت وباخرى في وقت ولصحة تحلية بعض في عضو أو باعضاء الذهب وبعض بالفضة على قدر اعمالهم والمراد أنوار يتفاوتون فيها تفاوت الذهب والفضة يقال لاهل الجنة ادخلوا الجنة برحمتي واقسموها باعمالكم قال بعضهم ليس أحد من أهل الجنة الا في يده ثلاثة اسورة سوار من فضة وسوار من ذهب وسوار من لؤلؤ والعطف على يطوف عليهم ولدان، أو الواو للحال وصاحب الحال ضمير عاليهم ومن منع قرن الماضي بواو الحال قد قدر او المبتدأ ويجوز رجوع الهاء والواو للوالدان وعليه فإذا كانت هذه ثيابهم وهذه أساورهم فما بالك بثياب وأساور المخدومين وقد قيل اسوران اساور الخدم من فضة واساور المخدومين من ذهب. {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} نوعا آخر من الشراب يقولون على ما مر من الشراب ولعظمته اسند سقيهم الى الله ووصفه بشدة الطهر حتى أن من يشربه يطهر عن الميل الى اللذات الحسنة والركون الى غير الحق يتجرد للطاعة لا كما زعم من زعم ان من شربه في الآخرة يميل عن لذتها ويتجرد للنظر الى ربه وان هذه منتهى درجات الصديقين ولذلك ختم به ثواب الابرار لأنا نقول وقولنا الحق أنه تعالى لا يرى دنيا ولا أخرى، وليس رجزا كخمر الدنيا فإن رجزها بالشرع. قال بعض وبالعقل وليست الآخرة دار تكليف وأيضاً خمر الآخرة لم تعصرها الأيدي أو الأرجل ولم تجعل في الأباريق التي لم يعين بتنظيفها فتدنس وأيضا لا تؤل الى النجاسة لانهم يشربونها وتهضم الطعام وتعود شهوته فترشح عرقا من ابدانهم له ريح أفضل من رائحة المسك الا ذفر، وقيل الشراب الطهور ماء عين على باب الجنة من شرب منه زال غله وجسده وغشه، والمشهور أن المراد الخمر قال سهل نبه الله عن نجاسة خمر الدنيا تنجس شاربها بالآثام وخمر الجنة تطهر شاربها من كل دنس وتصلحه لمجلس القدس ومشهد العز وصلى سهل العتمة وقرأ {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} فجعل يحرك فاه كأنه يمص شيئا ولما فرغ من صلاته قيل له الشرب في الصلاة فقال والله لو لم أجد لذته عند قراءته كاني عند شربه ما فعلت ذلك، ويقال لاهل الجنة بعد دخولهم فيها ومشاهدة نعيمها قال السيوطي سقي لما لا كلفة فيه واسقى لما فيه كلفة ولذا ذكر الاول في شراب اهل الجنة والثاني في شراب اهل الدنيا.
اطفيش
تفسير : {عَاِليَهُم ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ} مبتدأ فخبر أى الذى يعلوهم من اللباس ثياب الخ، وقيل عاليهم خبر مقدم وثياب مبتدأ لأَن إِضافته للحال فهى لفظية فى منزلة العدم لأَنه فى نية التنوين ونصب ما بعده والسندس ما رق من الديباج نوع من الحرير وعبارة بعض مَا رَقَّ من ثياب الحرير وذكر بعض أن الديباج ضرب من الحرير المنسوخ يتلون ألواناً، وقيل السندس ضرب من البزيون يحذ من المرعز وهو معرب، وقيل أصله سندى لأَنه يجلب من السند أبدلت الياء سيناً كما يقال فى سادس سادى ولا دليل عليه والاستبرق ما غلظ من ثياب الحرير، وقيل الديباج الغليظ الحسن، وقال ابن دريد ثياب حرير نحو الديباج، وعن ابن عبادة بردة حمراء وقيل المنسوخ من الذهب وهو معرب من الفارسية أصله استبره، وقيل معرب استروه وهو قول لابن دريد إِلا أنه قال سريانى، وقيل استفره بالباء الفارسية وقيل عربى من البريق كما يجمع بحذف الزوائد إِلا الهمزة على أبارق ويصغر على البرق وهو نكرة أو علم جنس مصروف أو ممنوع وصلى الهمزة أو قطعيها والصحيح قراءة نافع. {وَحُلُّوا أسَاوِرَ} جمع سوار وهو عربى وزعم بعض أنه معرب دستواره والواو نائب الفاعل مفعول أول لأَنهم الفاعلون فى المعنى وهم المتزينون المتحلون عطف على يطوف الخ والمضارع للتجدد فى الطواف والمضى لأَن التحلية ليست على التجديد ولو كان تجديدها ممكناً أو واقعاً. {مِن فِضَّة} فضة الجنة وفى آية أساور من ذهب ويجمع بأَنهم يحلون من الفضة ومن الذهب بمرة أو تارة من فضة وأُخرى من ذهب أو بعض السوار ذهب وبعضه فضة خلقة كذلك بلا رقع أو بعض بالذهب وبعض بالفضة وهم دونهم بالأَعمال ولا يخطر بقلبهم نقص بل علو أو الفضة للخدم كالملك والولدان والذهب للمخدوم، وعن سعيد بن المسيب لا أحد من أهل الجنة إِلا وفى يده ثلاثة اساور واحد من فضة وآخر من ذهب والثالث من لؤلؤ وإِنما ناسب ذلك الرجال والنساء معاً لأَن الله عز وجل يطبع الرجال فى الجنة على التلذذ بالحلى كمايتلذذون فى الدنيا بحسن شعورهم وثيابهم وخواتمهم وكما تتلذذ الملوك بتزيين أعضائهم وتيجانهم وصدورهم بالحلى ولا سيما أنهم جرد أبناء ثلاثين وأما ما قيل الأَساور للنساء والصبيان وغلبن فخلاف الظاهر. {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} نوع آخر يفوق الشرابين الممزوج بالكافور والممزوج بالزنجبيل ولذلك أسند إِلى ربهم وزيد وصفه بالطهور وهو شراب بعد طعام وشراب يطهر بطونهم وقلوبهم ويفيض عرقاً كالمسك، كذا قيل عن أبى قلابة من التابعين ومعنى تطهير قلوبهم وبطونهم يدل أن الطعام الأَول والشراب الأَول يعقبه هذا الشراب الطهور ولذلك قال سقاهم لا يسقيهم بصيغة التجدد ويناسب هذا ما روى عن مقاتل هو ماء عين على باب الجنة من ساق شجرة من شراب منه نزع الله عنه ما كان فى قلبه من غش وأذى وحسد وما كان فى جوفه من أذى فيكون الطهور آلة كالوضوء والسحور بالفتح وعبر بعض بأَنه بمعنى مطهر والمتبادر إِبقاؤه على ظاهره من المبالغة فى طهارته سواء قلنا هو ماء أو قلنا خمر ولا وسخ فى ماء الجنة ولا قذى ولا سكر فى خمرها ولا فى آنية خمرها ولا يستحيل شرابها بولاً ونبرأ إِلى الله تعالى بتفسير الأَساور بالأَنوار تفيض على أهل الجنة بحسب أعمالهم كتفاوت الذهب والفضة، ومن تفسير الشراب الطهور بتجل ربانى مسكر ونحو ذلك مما يخالف الظاهر.
الالوسي
تفسير : {عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ } قيل {عَـٰلِيَهُمْ} ظرف بمعنى فوقهم على أنه خبر مقدم و{ثِيَابُ} مبتدأ مؤخر والجملة حال من الضمير المجرور في {عَـٰلِيَهُمْ} فهي شرح لحال الأبرار المطوف عليهم وقال أبو حيان: إن عالي نفسه حال من ذلك الضمير وهو اسم فاعل و{ثِيَابُ} مرفوع على الفاعلية به ويحتاج في إثبات كونه ظرفاً إلى أن يكون منقولاً من كلام العرب عاليك ثوب مثلاً ومثله فيما ذكر عالية وقيل حال من ضمير {أية : لَقَّاهُمْ}تفسير : [الإنسان: 11] أو من ضمير {أية : جَزَاهُمْ}تفسير : [الإنسان: 12] وقيل من الضمير المستتر في {أية : مُّتَّكِئِينَ}تفسير : [الإنسان: 13] والكل بعيد. وجوز كون الحال من مضاف مقدر قبل {نَعِيماً} أو قبل {أية : مُلْكاً}تفسير : [الإنسان: 20] أي رأيت أهل نعيم أو أهل ملك عاليهم الخ وهو تكلف غير محتاج إليه وقيل صاحب الحال الضمير المنصوب في {أية : حَسِبْتَهُمْ}تفسير : [الإنسان: 19] فهي شرح لحال الطائفين ولا يخفى بعده لما فيه من لزوم التفكيك ضرورة أن ضمير {سقاهم} فيما بعد كالمتعين عوده على الأبرار وكونه من التفكيك مع القرينة المعينة وهو مما لا بأس به ممنوع. واعترض أيضاً بأن مضمون الجملة يصير داخلاً تحت الحسبان وكيف يكون ذلك وهم لابسون الثياب حقيقة بخلاف كونهم لؤلؤاً فإنه على طريق التشبيه المقتضى لقرب شبههم باللؤلؤ أن يحسبوا لؤلؤاً وأجيب بأن الحسبان في حال من الأحوال لا يقتضي دخول الحال تحت الحسبان ورفع {خضر} على أنه صفة {ثِيَابُ} و{وَإِسْتَبْرَقٌ} على أنه عطف على {ثِيَابُ} والمراد وثياب إستبرق. والسندس قال ثعلب ما رق من الديباج وقيل ما رق من ثياب الحرير والفرق أن الديباج ضرب من الحرير المنسوج يتلون ألواناً. وقال الليث هو ضرب من البزيون يتخذ من المرعز وهو معرب بلا خلاف بين أهل اللغة على ما في «القاموس» وغيره. وزعم بعض أنه مع كونه معرباً أصله سندي بياء النسبة لأنه يجلب من السند فأبدلت الياء سيناً كما قال في سادي سادس وهو كما ترى. والإستبرق قيل ما غلظ من ثياب الحرير وقال أبو إسحاق الديباج الصفيق الغليظ الحسن وقال ابن دريد ثياب حرير نحو الديباج وعن ابن عبادة هو بردة حمراء وقيل هو المنسوج من الذهب وهو اسم أعجمي معرب عند جمع أصله بالفارسية استبره وفي «القاموس» معرب استروه وحكي ذلك عن ابن دريد وأنه قال إنه سرياني وقيل معرب استفره وما في صورة الفاء ليست فاء خالصة وإنما هي بين الفاء والباء وقيل عربـي وافقت لغة العرب فيه لغة غيرهم واستصوبه الأزهري. وكما اختلفوا فيه هل هو معرب أو عربـي اختلفوا هل هو نكرة أو علم جنس مبني أو معرب أو ممنوع من الصرف وهمزته همزة قطع أو وصل والصحيح على ما قال الخفاجي أنه نكرة معرب مصروف مقطوع الهمزة كما يشهد به القراءة المتواترة وسيعلم إن شاء الله تعالى حال ما يخالفها. وفي «جامع التعريب» أن جمعه أبارق وتصغيره أبيرق حذفت السين والتاء في التكسير لأنهما زيدتا معاً فأجري مجرى الزيادة الواحدة وفي المسألة خلاف أيضاً مذكور في محله. ولم يذكر لون هذا الإستبرق وأشار ناصر الدين إلى أنه الخضرة فخضر وإن توسط بين المعطوف والمعطوف عليه فهو لهما وعلى كل حال هذه الثياب لباس لهم وربما تشعر الآية بأن تحتها ثياباً أخرى وقيل على وجه الحالية من ضمير {أية : مُّتَّكِئِينَ}تفسير : [الإنسان: 13] أن المراد فوق حجالهم المضروبة عليهم ثياب سندس الخ وحاصله أن حجالهم مكللة بالسندس والإستبرق. وقرأ ابن عباس بخلاف عنه والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن محيصن ونافع وحمزة {عاليهم} بسكون الياء وكسر الهاء وهي رواية أبان عن عاصم فهو مرفوع بضمة مقدرة على الياء على أنه مبتدأ و{ثِيَابُ} خبره وعند الأخفش فاعل سد مسد الخبر وقيل على أنه خبر مقدم و{ثِيَابُ} مبتدأ مؤخر وأخبر به عن النكرة لأنه نكرة وإضافته لفظية وهو في معنى الجماعة كما في {أية : سَامِراً تَهْجُرُونَ}تفسير : [المؤمنون: 67] على ما صرح به مكي ولا حاجة إلى التزامه على رأي الأخفش وقيل هو باق على النصب والفتحة مقدرة على الياء وأنت تعلم / أن مثله شاذ أو ضرورة فلا ينبغي أن يخرج عليه القراءة المتواترة. وقرأ ابن مسعود والأعمش وطلحة وزيد بن علي {عاليتهم} بالياء والتاء مضمومة وعن الأعمش أيضاً وأبان عن عاصم فتح التاء الفوقية وتخريجهما كتخريج {عاليهم} بالسكون والنصب وقرأ ابن سيرين ومجاهد في رواية وقتادة وأبو حيوة وابن أبـي عبلة والزعفراني وأبان أيضاً (عليهم) جاراً ومجروراً فهو خبر مقدم و{ثِيَابُ} مبتدأ مؤخر. وقرأت عائشة (علتهم) بتاء التأنيث فعلاً ماضياً فثياب فاعل. وقرأ ابن أبـي عبلة وأبو حيوة (ثياب سندس) بتنوين ثياب ورفع سندس على أنه وصف لها وهذا كما يقول ثوب حرير تريد من هذا الجنس. وقرأ العربيان ونافع في رواية (واستبرق) بالجر عطفاً على (سندس) وقرأ ابن كثير وأبو بكر بجر (خضر) صفة لسندس وهو في معنى الجمع وقد صرحوا بأن وصف اسم الجنس الذي يفرق بينه وبين واحده بتاء التأنيث بالجمع جائز فصيح وعليه {أية : وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ}تفسير : [الرعد: 12]{أية : وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ}تفسير : [ق: 10] وقد جاء سندسة في الواحدة كما قاله غير واحد. وجوز كونه صفة لثياب وجره للجوار وفيه توافق القراءتين معنى إلا أنه قليل. وقرأ الأعمش وطلحة والحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما وحمزة والكسائي (خضر واستبرق) بجرهما. وقرأ ابن محيصن {واستبرق} بوصل الألف وفتح القاف كما في عامة كتب القراآت ويفهم من «الكشاف» أنه قرأ بالقطع والفتح وأن غيره قرأ بما تقدم وهو خلاف المعروف وخرج الفتح على المنع من الصرف للعلمية والعجمة وغلط بأنه نكرة يدخله حرف التعريف فيقال الاستبرق وقيل إن ذاك كذا والوصل مبني على أنه عربـي مسمى باستفعل من البريق يقال برق واستبرق كعجب واستعجب فهو في الأصل فعل ماض ثم جعل علماً لهذا النوع من الثياب فمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل دون العجمة. وتعقب بأن كونه معرباً مما لا ينبغي أن ينكر وقيل هو مبني منقول من جملة فعل وضمير مستتر وحاله لا يخفى. واختار أبو حيان أن استبرق على قراءة ابن محيصن فعل ماض من البريق كما سمعت وأنه باق على ذلك لم ينقل ولم يجعل علماً للنوع المعروف من الثياب وفيه ضمير عائد على السندس أو على الأخضر الدال عليه (خضر) كأنه لما وصف بالخضرة وهي مما يكون فيها لشدتها دهمة وغبش أخبر أن في ذلك اللون بريقاً وحسناً يزيل غبشه فقيل (واستبرق) أي برق ولمع لمعاناً شديداً ثم قال معرضاً بمن غلطه كأبـي حاتم والزمخشري وهذا التخريج أولى من تلحين قارىء جليل مشهور بمعرفة العربية وتوهيم ضابط ثقة قد أخذ عن أكابر العلماء انتهى وقيل الجملة عليه معترضة أو حال بتقدير قد أو بدونه. {وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ } جمع سوار وهو معروف وذكر الراغب أنه معرب دستواره {مِن فِضَّةٍ } هي فضة لائقة بتلك الدار والظاهر أن هذا عطف على {أية : وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ}تفسير : [الإنسان: 19] واختلافهما بالمضي والمضارعة لأن الحالية مقدمة على الطواف المتجدد ولا ينافي ما هنا قوله تعالى: {أية : أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ }تفسير : [فاطر: 33] لإمكان الجمع بتعدد الأساور لكل والمعاقبة بلبس الذهب تارة والفضة أخرى والتبعيض بأن يكون أساور بعض ذهباً وبعض فضة لاختلاف الأعمال. وقيل هو حال من ضمير {عَـٰلِيَهُمْ} بإضمار قد أو بدونه فإن كان الضمير للطائفين على أن يكون (عاليهم) حالاً من ضمير {أية : حَسِبْتَهُمْ}تفسير : [الإنسان: 19] جاز أن يقال الفضة للخدم والذهب للمخدومين. وجوز أن يكون المراد بالأساور الأنوار الفائضة على أهل الجنة المتفاوتة لتفاوت الأعمال تفاوت الذهب والفضة والتعبير عنها بأساور الأيدي لأنه جزاء ما عملته أيديهم ولا يخفى أن هذا مما لا يليق بالتفسير وحري أن يكون من باب الإشارة. ثم إن التحلية إن كانت للولدان فلا كلام ويكونون على القول الثاني في {أية : مُّخَلَّدُونَ}تفسير : [الإنسان: 19] مسورين مقرطين وهو من الحسن بمكان، وإن كانت لأهل الجنة المخدومين فقد استشكل بأنها لا تليق بالرجال وإنما تليق بالنساء والولدان. وأجيب بأن ذلك مما يختلف باختلاف العادات والطبائع، ونشأة الآخرة غير هذه النشأة ومن المشاهد في الدنيا أن بعض ملوكها يتحلون بأعضادهم وعلى تيجانهم وعلى صدورهم ببعض أنواع الحلى مما هو / عند بعض الطباع أولى بالنساء والصبيان ولا يرون ذلك بدعاً ولا نقصاً كل ذلك لمكان الألف والعادة فلا يبعد أن يكون من طباع أهل الجنة في الجنة الميل إلى الحلي مطلقاً لا سيما وهم جرد مرد أبناء ثلاثين. وقيل إن الأساور إنما تكون لنساء أهل الجنة والصبيان فقط لكن غلب في اللفظ جانب التذكير، وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى. {وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } هو نوع آخر يفوق النوعين السابقين وهما ما مزج بالكافور وما مزج بالزنجبيل كما يرشد إليه إسناد سقيه إلى رب العالمين ووصفه بالطهورية قال أبو قلابة يؤتون بالطعام والشراب فإذا كان آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور فيطهر بذلك قلوبهم وبطونهم ويفيض عرقاً من جلودهم مثل ريح المسك. وعن مقاتل هو ماء عين على باب الجنة من ساق شجرة من شرب منه نزع الله تعالى ما كان في قلبه من غش وغل وحسد وما كان في جوفه من قذر وأذى أي إن كان فالطهور عليهما بمعنى المطهر وقد تقدم في ذلك كلام فتذكر. وقال غير واحد أريد أنه في غاية الطهارة لأنه ليس برجس كخمر الدنيا التي هي في الشرع رجس لأن الدار ليست دار تكليف أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة وتدوسه الأقدام الدنسة ولم يجعل في الدنان والأباريق التي لم يعن بتنظيفها أو لأنه لا يؤل إلى النجاسة لأنه يرشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك. وقيل أريد بذاك الشراب الروحاني لا المحسوس وهو عبارة عن التجلي الرباني الذي يسكرهم عما سواه: شعر : صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ونور ولا نار وروح ولا جسم تفسير : ولعل كل ما ذكره ابن الفارض في خمريته التي لم يفرغ مثلها في كأس إشارة إلى هذا الشراب وإياه عنى بقوله: شعر : سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا جبال حنين ما سقوني لغنت تفسير : ويحكى أنه سئل أبو يزيد عن هذه الآية فقال سقاهم شراباً طهرهم به عن محبة غيره ثم قال إن لله تعالى شراباً ادخره لأفاضل عباده يتولى سقيهم إياه فإذا شربوا طاشوا وإذا طاشوا طاروا وإذا طاروا وصلوا وإذا وصلوا اتصلوا فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وحمل بعضهم جميع الأشربة على غير المتبادر منها فقال إن الأنوار الفائضة من جواهر أكابر الملائكة وعظمائهم عليهم السلام على هذه الأرواح مشبهة بالماء العذب الذي يزيل العطش ويقوي البدن وكما أن العيون متفاوتة في الصفاء والكثرة والقوة فكذا ينابيع الأنوار العلوية مختلفة فبعضها كافورية على طبع البرد واليبس ويكون صاحب ذلك في الدنيا في مقام الحزن والبكاء والانقباض وبعضها يكون زنجبيلياً على طبع الحر واليبس ويكون صاحبه قليل الالتفات إلى السوى قليل المبالات بالأجسام والجسمانيات ثم لا يزال الروح البشري منتقلاً من ينبوع إلى ينبوع ومن نور إلى نور ولا شك أن الأسباب والمسببات متناهية في ارتقائها إلى واجب الوجود الذي هو النور المطلق جل جلاله فإذا وصل إلى ذلك المقام وشرب ذلك الشراب انهضمت تلك الأشربة المتقدمة بل فنيت لأن نور ما سوى الله يضمحل في مقابلة نور جلال الله سبحانه وكبريائه وذلك آخر سير الصديقين ومنتهى درجاتهم في الارتقاء والكمال ولهذا ختم الله تعالى ذكر ثواب الأبرار بقوله جل وعلا {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}.
ابن عاشور
تفسير : هذه الأشياء من شعار الملوك في عرف الناس زَمانَئِذ، فهذا مرتبط بقوله {أية : ومُلكاً كبيراً}تفسير : [الإنسان: 20]. وقرأ نافع وحمزة وأبو جعفر {عَاليهم} بسكون الياء على أن الكلام جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لجملة {أية : رأيْتَ نعيماً ومُلْكاً كبيراً}تفسير : [الإنسان: 20]، فـ {عاليهم} مبتدأ و {ثياب سندس} فاعلُه سادٌّ مسدّ الخبر وقد عمل في فاعله وإن لم يكن معتمداً على نفي أو استفهام أو وصف، وهي لغة خَبير بنو لهب وتكون الجملة في موضع البيان لجملة: {أية : رأيت نعيماً}تفسير : [الإنسان: 20]. وقرأ بقية العشرة {عَاليَهم} بفتح التحتية على أنه حال مفرد لـ {أية : الأبرار} تفسير : [الإنسان: 5]، أي تلك حالة أهل الملك الكبير. وإضافة {ثياب} إلى {سندس} بيانية مثل: خَاتَم ذَهَبِ، وثَوْبِ خَزٍّ، أي منه. والسندس: الديباج الرقيق. والإستبرق: الديباج الغليظ وتقدما عند قوله تعالى: {أية : ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق}تفسير : في سورة الكهف (31) وهما معرَّبان. فأما السندس فمعرب عن اللغة الهندية وأصله (سندون) بنون في آخره، قيل: إن سبب هذه التسمية أنه جلب إلى الإِسكندر، وقيل له: إن اسمه (سندون) فصيره للغة اليونان سندوس (لأنهم يكثرون تنهية الأسماء بحرف السين) وصيّره العرب سُندساً. وفي اللسان: أن السندس يتخذ من المِرْعِزَّى (كذا ضبطه مصححه) والمعروف المِرْعِز كما في «التذكرة» و«شفاء الغليل». وفي «التذكرة» المِرْعز: ما نَعُم وطال من الصوف اهـ. فلعله صوف حيوان خاص فيه طول أو هو من نوع الشعَر، والظاهر أنه لا يكون إلاّ أخضر اللون لقول يزيد بن حذاق العبدي يصف مرعى فَرسه:شعر : وداوَيْتُها حتى شَتَتْ حَبَشِيَّةً كأنَّ عليها سُندساً وسُدُوساً تفسير : أي في أرض شديدة الخضرة كلون الحَبشي. وفي «اللسان»: السدوس الطيلسان الأخضر. ولقول أبي تمَّام يرثي محمد بن حميد النبهاني الطوسي:شعر : تَرَدَّى ثيَابَ الموتِ حُمْراً فما أتَى لها الليلُ إلاَّ وهْيَ من سُندس خُضْرُ تفسير : وأما الإِستبرق فنسج من نسج الفرس واسمه فارسي، وأصله في الفارسية: استقره. والمعنى: أن فوقهم ثياباً من الصنفين يلبسون هذا وذاك جمعاً بين محاسن كليهما، وهي أفخر لباس الملوك وأهل الثروَة. ولون الأخضر أمتع للعين وكان من شعار الملوك، قال النابغة يمدح ملوك غسان:شعر : يَصونُون أجْساداً قديما نعيمها بخَالصةِ الأردَان خُضْر المَنَاكِب تفسير : والظاهر أن السندس كان لا يصبغ إلاّ أخضر اللون. وقرأ نافع وحفص "خضرٌ" بالرفع على الصفة لـ {ثياب}. و "إستبرقٌ" بالرفع أيضاً على أنه معطوف على {ثياب} بقيد كونها من سندس فمعنى عاليهم إستبرق: أن الإِستبرق لباسُهم. وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم "خُضْرٍ" بالجر نعتاً لـ {سندس}، و "إستبرق" بالرفع عطفاً على {ثياب}. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب "خُضْرٌ" بالرفع و "إستبرقٍ" بالجر عطفاً على {سندس} بتقدير: وثياب إستبرق. وقرأ حمزة والكسائي {خُضرٍ} بالجر نعتاً لـ {سندسٍ} باعتبار أنه بيان للثياب فهو في معنى الجمع. وقرأ و {إستبرقٍ} بالجر عطفاً على {سندس}. والأساور: جمع سِوار وهو حَلي شكله اسطواني فارغ الوسط يلبسه النساء في معاصمهن ولا يلبسه الرجال إلاّ الملوك، وقد ورد في الحديث ذكر سواري كسْرى. والمعنى: أن حال رجال أهل الجنة حال الملوك ومعلوم أن النساء يتحلّيْنَ بأصناف الحلي. ووصفت الأساور هنا بأنها {من فضة}. وفي سورة الكهف (31) بأنها {أية : من ذهب}تفسير : في قوله: يُحلَّون فيها من أساور من ذهب، أي مرة يحلَّون هذه ومرة الأخرى، أو يحلونهما جميعاً بأن تجعل متزاوجة لأن ذلك أبْهج منظراً كما ذكرناه في تفسير قوله: {أية : كانت قواريرا قواريرا من فضة}تفسير : [الإنسان: 15، 16]. {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} هذا احتراس مما يوهمه شُربهم من الكأس الممزوجة بالكافور والزنجبيل من أن يكون فيها ما في أمثالها المعروفة في الدنيا ومن الغَوْل وسوءِ القول والهذيان، فعبر عن ذلك بكون شرابهم طَهوراً بصيغة المبالغة في الطهارة وهي النزاهة من الخبائث، أي منزهاً عما في غيره من الخباثة والفساد. وأسند سقيه إلى ربهم إظهاراً لكرامتهم، أي أمر هو بسقيهم كما يقال: أطعَمهم ربُّ الدار وسقاهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}. وهذا وصف شراب الجنة، والشراب هنا هو الخمر، وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان هذا المفهوم من أن شراب خمر الدنيا ليس طهوراً، لأن أحوال الجنة لها أحكامها الخاصة، ويشهد لهذا ما تقدم في قوله تعالى: {أية : وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ}تفسير : [الإنسان: 15] مع أن أواني الفضة محرمة في الدنيا لحديث: "حديث : الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم"تفسير : ، ومع ذلك فإن أهل الجنة ينعمون بها. وكذلك ينعمون بخمر الجنة، وكل أوصافها في الجنة عكس أوصافها في الدنيا كما تقدم، لا يصدعون عنها ولا ينزفون، كما أوضحه الشيخ رحمة الله تعالى عيلنا وعليه عند قوله تعالى {أية : لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ}تفسير : [الواقعة: 19] في سورة الواقعة.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَالِيَهُمْ} {سَقَاهُمْ} (21) - وَيَلْبَسُ أَهْلُ الجَنَّةِ الرَّفِيعَ مِنَ الحَرِيرِ، مِمَّا يَلِي أَبْدَانَهُمْ كَالقُمْصَانِ وَنَحْوِهَا، وَيَلْبَسُونَ الثِّيَابَ التِي لَهَا لَمَعَانٌ وَبَرِيقٌ، مِمَّا يَلِي الخَارِجَ، وَيَتَحَلَّوْنَ بِأَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ، وَيَسْقِيهِمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً يُطَهِّرُ بَاطِنَ شَارِبِهِ مِنَ الحَسَدِ، وَالحِقْدِ، وَالغِلِّ، وَرَدِيءِ الأَخْلاَقِ. السُّنْدُسُ - الرَّفِيعُ مِنْ نَسْجِ الحَرِيرِ. الإِسْتَبْرَقُ - الثِّيَابُ التِي لَهَا لَمَعَانٌ وَبَرِيقٌ أَوْ هِيَ الدِّيبَاجُ الغَلِيظُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ} [الإنسان: 21] نصب على الظرف {خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ} [الإنسان: 21]، صفة الثياب وإشارته إلى قوله: {عَالِيَهُمْ} [الإنسان: 21] أشارة إلى: علو همتهم في الدنيا، وتركهم للباس الفاخر تذليلاً لأنفهسم، وتواضعاً لربهم في مقام العبودية، وإشارة إلى لون الخضرة إشارة إلى حصول حياتهم الطيبة والخضرة لون الحياة، وهي أحب الألوان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، {وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} [الإنسان: 21]؛ لأنهم ما دنسوا في الدنيا أيديهم بأخذ الحرام والإعطاء بالباطل رياء وسمعة والسؤال من غير الحق؛ فصارت هذه الصفات لهم أساور في الدار الباقية الأخروية، {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} [الإنسان: 21] جزاء لا يمدوا أيديهم إلى الخمر الحرام في الدنيا يسقيهم ربهم في العقبى شراب المعرفة طهوراً من الشك والوهم والظن، فمن شربه لم يبق في قلبه غش وغل وحقد وحسد؛ يعني: يطهر القلب من هذه الصفات المكدرة ماذا رأيت قلبك اليوم على هذه الصفة، فبشر نفسك بشرب من شراب الطهور غداً، ومن لا يلتفت إلى غير الحق في الدنيا، فيبشر نفسه بأن يسقيه ربه على يد لطفه شراب معرفته {إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً} [الإنسان: 22]؛ أي: جزاء ما علمتم في الدنيا، {وَكَانَ سَعْيُكُم} [الإنسان: 22] في دار الدنيا {مَّشْكُوراً} [الإنسان: 22] عند الله بأنكم كنتم شاكرين نعمة الله، فإذا شكرت نعمة الله فاعلم أنك عند الله، {مَّشْكُوراً} [الإنسان: 22] وإن رضيت عنه، فاعلم أنه راض عنك فانظر قدر الله في قلبك فعلى قدر ذلك يكون قدرك عند الرب، أيها المسكين الغافل أما تقرأ القرآن، وأما تعلمه {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}تفسير : [الحديد: 4] والله أنت الجنة، وأنت النار، وأنت الدنيا، وأنت العقبى، ومعك ما تشتهي وتتمنى من العقاب والثواب، ولو لم تقرأ كتابك فما تنفعك قراءة الكتاب، وسماع الخطاب، وعتاب رب الأرباب {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ تَنزِيلاً} [الإنسان: 23]؛ أي: نجماً نجماً ليثبت به فؤادك، ولو أنزلناه جملة واحدة ما كنت تحمله، {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الإنسان: 24] على الأحكام المحددة النازلة عليك على سبيل الخواطر، وترك مشتهيات النفس {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً} [الإنسان: 24]؛ يعني: لا تطع القوة الآثمة القالبية والقوة الكافرة النفسية في ترك الصبر، والاشتغال بالشهوات العاجلة، {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الإنسان: 25] ذكر الرب في بكرة الروحانية، وأصيل الجسمانية بدفع كيد القوة الآثمة الكافرة {وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ} [الإنسان: 26]؛ يعني: إذا أسدل ليل النكرة ذيله على وجه نهار المعرفة تواضع للرب {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} [الإنسان: 26] ونزهه عن معرفتك له في طول ليل النكرة؛ لأن ليل النكرة يسدل ذيله على وجه نهار المعرفة حينما لرؤية المعارف مخوفاً إياه، ووقتاً لتسكين القلب عند استيلاء أنوار المعرفة بحيث يريد أن يذهب ببصر عقل المعارف إن لم يسدل ليل النكرة ذيله على وجهه، وفي ليل النكرة للمعارف استراحة وسكون، وربما يكون لتربية ثمرة المعرفة، ففي كل حال ينبغي أن يتواضع فيه للرب، ويسبحه بأمره فسبح.
همام الصنعاني
تفسير : 3439- عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان، عن أبي قلابة، في قوله: {شَرَاباً طَهُوراً}: [الآية: 21]، قال إذا أكلوا وشربوا ما شاء الله من الطعام والشراب، دعوا بالشراب والطهور فيشربون فيطهرهم، فيكون ما أكلوا وشربوا جشاء ورشج مسك يفيض من جلودهم، وتَضْمر لذَلِكَ بطونهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):