٧٦ - ٱلْإِنْسَان
76 - Al-Insan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه بين في أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم بقوله: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } تفسير : [الإنسان: 1] ثم بين أنه سبحانه خلقه من أمشاج، والمراد منه إما كونه مخلوقاً من العناصر الأربعة أو من الأخلاط الأربعة أو من ماء الرجل والمرأة أو من الأعضاء والأرواح أو من البدن والنفس أو من أحوال متعاقبة على ذلك الجسم مثل كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً، وعلى أي هذه الوجوه تحمل هذه الآية، فلذلك يدل على أنه لا بد من الصانع المختار جل جلاله وعظم كبرياؤه. ثم بين بعد ذلك أني ما خلقته ضائعاً عاطلاً باطلاً، بل خلقته لأجل الابتلاء والامتحان، وإليه الإشارة بقوله: {أية : نَّبْتَلِيهِ } تفسير : [الإنسان: 2] وههنا موضع الخصومة العظيمة القائمة بين أهل الجبر والقدر، ثم ذكر تعالى أني أعطيته جميع ما يحتاج إليه عند الابتلاء والامتحان، وهو السمع والبصر والعقل، وإليه الإشارة بقوله: {أية : فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً } تفسير : [الإنسان: 2] ولما كان العقل أشرف الأمور المحتاج إليها في هذا الباب أفرده عن السمع والبصر، فقال: {أية : إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ } تفسير : [الإنسان: 3] ثم بين أن الخلق بعد هذه الأحوال صاروا قسمين: منهم شاكر، ومنهم كفور، وهذا الإنقسام باختيارهم كما هو تأويل القدرية، أو من الله على ما هو تأويل الجبرية، ثم إنه تعالى ذكر عذاب الكفار على الاختصار، ثم ذكر بعد ذلك ثواب المطيعين على الاستقصاء، وهو إلى قوله: {أية : وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } تفسير : [الإنسان: 22] واعلم أن الاختصار في ذكر العقاب مع الإطناب في شرح الثواب يدل على أن جانب الرحمة أغلب وأقوى، فظهر مما بينا أن السورة من أولها إلى هذا الموضع في بيان أحوال الآخرة، ثم إنه تعالى شرع بعد ذلك في أحوال الدنيا، وقدم شرح أحوال المطيعين على شرح أحوال المتمردين. أما المطيعون فهم الرسول وأمته، والرسول هو الرأس والرئيس، فلهذا خص الرسول بالخطاب. واعلم أن الخطاب إما النهي وإما الأمر، ثم إنه تعالى قبل الخوض فيما يتعلق بالرسول من النهي والأمر، قدم مقدمة في تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإزالة الغم والوحشة عن خاطره، وإنما فعل ذلك، لأن الاشتغال بالطاعة والقيام بعهدة التكليف لا يتم إلا مع فراغ القلب ثم بعد هذه المقدمة ذكر نهيه عن بعض الأشياء، ثم بعد الفراغ عن النهي، ذكر أمره ببعض الأشياء، وإنما قدم النهي على الأمر، لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع، وإزالة مالا ينبغي مقدم على تحصيل ما ينبغي، ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك أحوال المتمردين والكفار على ما سيأتي تفصيل بيانه، ومن تأمل فيما ذكرناه علم أن هذه السورة، وقعت على أحسن وجوه الترتيب والنظام، فالحمد لله الذي نور عقل هذا المسكين الضعيف بهذه الأنوار، وله الشكر عليه أبد الآباد. ولنرجع إلى التفسير، فنقول: أما تلك المقدمة فهي، قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ تَنزِيلاً } واعلم أن المقصود من هذه الآية تثبيت الرسول وشرح صدره فيما نسبوه إليه من كهانة وسحر، فذكر الله تعالى أن ذلك وحي من الله، فلا جرم بالغ وكرر الضمير بعد إيقاعه اسماً، لأن تأكيداً على تأكيد أبلغ، كأنه تعالى يقول: إن كان هؤلاء الكفار يقولون: إن ذلك كهانة، فأنا الله الملك الحق أقول على سبيل التأكيد والمبالغة إن ذلك وحي حق وتنزيل صدق من عندي، وهذا فيه فائدتان: إحداهما: إزالة الوحشة المتقدمة الحاصلة بسبب طعن أولئك الكفار، فإن بعض الجهال وإن طعنوا فيه إلا أن جبار السموات عظمه وصدقه. والثانية: تقويته على تحمل التكليف المستقبل، وذلك لأن الكفار كانوا يبالغون في إيذائه، وهو كان يريد مقاتلتهم فلما أمره الله تعالى بالصبر على ذلك الإيذاء وترك المقاتلة، وكان ذلك شاقاً عليه، فقال له: {إِنَا نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ تَنزِيلاً } فكأنه قال له: إني ما نزلت عليك هذا القرآن مفرقاً منجماً إلا لحكمة بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين، ولقد اقتضت تلك الحكمة تأخير الإذن في القتال، فاصبر لحكم ربك الصادر عن الحكمة المحضة المبرأ عن العيب والعبث والباطل. ثم إنه تعالى لما قدم هذه المقدمة ذكر النهي فقال تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ تَنزِيلاً} ما ٱفتريتَه ولا جئتَ به من عندك، ولا من تلقاء نفسك، كما يدّعيه المشركون. ووجه ٱتصال هذه الآية بما قبلُ أنه سبحانه لما ذكر أصناف الوعد والوعيد، بيّن أن هذا الكتاب يتضمن ما بالناس حاجة إليه، فليس بسحر ولا كهَانة، ولا شِعر، وأنه حقّ. وقال ٱبن عباس: أنزل القرآن متفرّقاً: آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة؛ فلذلك قال «نَزَّلْنَا» وقد مضى القول في هذا مبيناً والحمد لله. قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي لقضاء ربك. وروى الضحاك عن ٱبن عباس قال: ٱصبر على أذى المشركين؛ هكذا قضيت. ثم نسخ بآية القتال. وقيل: أي ٱصبر لما حكم به عليك من الطاعات، أو ٱنتظر حكم الله إذا وعَدَك أنه ينصرك عليهم، ولا تستعجل فإنه كائن لا محالة. {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً} أي ذا إثم {أَوْ كَفُوراً} أي لا تطع الكفار. فروى مَعْمَر عن قتادة قال: قال أبو جهل: إن رأيتُ محمداً يُصلّي لأطأنّ على عنقه. فأنزل الله عز وجل: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً}. ويقال: نزلت في عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة، وكانا أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعرضان عليه الأموال والتزويج، على أن يترك ذكر النبوّة، ففيهما نزلت: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً}. قال مقاتل: الذي عرض التزويج عُتبة بن ربيعة؛ قال: إن بناتي من أجمل نساء قريش، فأنا أزوّجك ٱبنتي من غير مهر وٱرجع عن هذا الأمر. وقال الوليد: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل المال، فأنا أعطيك من المال حتى ترضى وٱرجع عن هذا الأمر؛ فنزلت. ثم قيل: «أو» في قوله تعالى: {آثِماً أَوْ كَفُوراً} أَوْكَد من الواو؛ لأن الواو إذا قلت: لا تطع زيداً وعمراً فأطاع أحدهما كان غير عاص؛ لأنه أمره ألا يطيع الاثنين، فإذا قال: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} فـ«ـأو» قد دلّت على أن كل واحد منهما أهل أن يُعصَى؛ كما أنك إذا قلت: لا تخالف الحسن أو ٱبن سيرين، أو ٱتبع الحسن أو ٱبن سيرين فقد قلت: هذان أهل أن يُتَّبعا وكل واحد منهما أهل لأن يُتَّبع؛ قاله الزجاج. وقال الفرّاء: «أو» هنا بمنزلة «لا» كأنه قال: ولا كفوراً؛ قال الشاعر: شعر : لاَ وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجَدْتُ وَلاَ وَجْدُ عَجُولٍ أَضَلَّهَا رُبَعُ أَوْ وَجْدُ شيخٍ أَضَلَّ ناقَتهُ يَوْمَ تَوافَى الحجيجُ فٱندفَعُوا تفسير : أراد ولا وجد شيخ. وقيل: الآثم المنافق، والكفور الكافر الذي يظهر الكفر؛ أي لا تطع منهم آثماً ولا كفوراً. وهو قريب من قول الفراء. قوله تعالى: {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي صلّ لربّك أول النهار وآخره، ففي أوّله صلاة الصبح وفي آخره صلاة الظهر والعصر. {وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ} يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة. {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} يعني التطوّع في الليل؛ قاله ٱبن جبيب. وقال ٱبن عباس وسفيان؛ كلّ تسبيح في القرآن فهو صلاة. وقيل: هو الذكر المطلق سواء كان في الصلاة أو في غيرها. وقال ٱبن زيد وغيره: إن قوله: {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً } منسوخ بالصلوات الخمس. وقيل: هو ندب. وقيل: هو مخصوص بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد تقدّم القول في مثله في سورة «المزمل» وقول ٱبن حبيب حسن. وجمع الأصيل: الأصائل والأُصُل؛ كقولك سَفَائن وسُفُن؛ قال: شعر : ولا بأحسـنَ منها إذ دنا الأُصُـلُ تفسير : وقال في الأصائل، وهو جمع الجمع: شعر : لَعَمْرِي لأَنْتَ البيتُ أُكْرِمَ أَهْلَهُ وأَقعدُ في أَفْيَائِهِ بِالأَصَائِلِ تفسير : وقد مضى هذا في آخر «الأعراف» مستوفًى. ودخلت «مِن» على الظرف للتبعيض، كما دخلت على المفعول في قوله تعالى: { أية : يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ } تفسير : [نوح: 4].
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ممتناً على رسوله صلى الله عليه وسلم بما أنزله عليه من القرآن العظيم تنزيلاً: {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي: كما أكرمتك بما أنزلت عليك، فاصبر على قضائه وقدره، واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره، {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً} أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك، بل بلغ ما أنزل إليك من ربك، وتوكل على الله؛ فإن الله يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر قلبه { وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي: أول النهار وآخره { وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} كقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} تفسير : [الإسراء: 79] وكقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً } تفسير : [المزمل: 1 ــــ 4] ثم قال تعالى منكراً على الكفار ومن أشبههم؛ في حب الدنيا، والإقبال عليها، والانصباب إليها، وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم: { إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} يعني: يوم القيامة، ثم قال تعالى: {نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني: خلقهم، {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلاً} أي: وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة، وبدلناهم فأعدناهم خلقاً جديداً، وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة. وقال ابن زيد وابن جرير: {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلاً} أي: وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم؛ كقوله تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِئَاخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً} تفسير : [النساء: 133] وكقوله تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} تفسير : [إبراهيم: 19 ــــ 20]. ثم قال تعالى: {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ} يعني: هذه السورة تذكرة، {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} أي: طريقاً ومسلكاً أي من شاء اهتدى بالقرآن؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} تفسير : الآية [النساء: 39]، ثم قال تعالى: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي: لا يقدر أحد أن يهدي نفسه، ولا يدخل في الإيمان، ولا يجر لنفسه نفعاً {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} أي: عليم بمن يستحق الهداية، فييسرها له، ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغواية، فيصرفه عن الهدى. وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} ثم قال: { يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ وَٱلظَّـٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي: يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فمن يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. آخر تفسير سورة الإنسان، و لله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا نَحْنُ } تأكيد لاسم إن أو فصل {نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ تَنزِيلاً } خبر إن أي فصلناه ولم ننزله جملة واحدة.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ تَنزِيلاً } أي: فرّقناه في الإنزال، ولم ننزله جملة واحدة. وقيل المعنى: نزلناه عليك، ولم تأت به من عندك، كما يدّعيه المشركون. {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ } أي: لقضائه، ومن حكمه، وقضائه تأخير نصرك إلى أجل اقتضته حكمته. قيل: وهذا منسوخ بآية السيف {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } أي: لا تطع كل واحد من مرتكب لإثم وغال في كفر، فنهاه الله سبحانه عن ذلك. قال الزجاج: إن الألف هنا آكد من الواو وحدها؛ لأنك إذا قلت: لا تطع زيداً، وعمراً، فأطاع أحدهما كان غير عاص؛ لأنه أمره أن لا يطيع الاثنين، فإذا قال: لا تطع منهم آثماً أو كفوراً دلّ ذلك على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى، كما أنك إذا قلت: لا تخالف الحسن أو ابن سيرين، فقد قلت إنهما أهل أن يتبعا، وكل واحد منهما أهل أن يتبع. وقال الفرّاء: «أو» هنا بمنزلة لا، كأنه قال: ولا كفوراً. وقيل المراد بقوله: {ءاثِماً } عتبة بن ربيعة، وبقوله: {أَوْ كَفُوراً } الوليد بن المغيرة؛ لأنهما قالا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ارجع عن هذا الأمر، ونحن نرضيك بالمال والتزويج. {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } أي: دم على ذكره في جميع الأوقات. وقيل المعنى: صلّ لربك أوّل النهار وآخره، فأوّل النهار صلاة الصبح، وآخره صلاة العصر. {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ } أي: صلّ المغرب والعشاء. وقيل: المراد الصلاة في بعضه من غير تعيين، ومن للتبعيض على كل تقدير {وَسَبّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً } أي: نزّهه عما لا يليق به، فيكون المراد: الذكر بالتسبيح سواء كان في الصلاة، أو في غيرها. وقيل: المراد التطوّع في الليل. قال ابن زيد، وغيره: إن هذه الآية منسوخة بالصلوات الخمس. وقيل: الأمر للندب. وقيل: هو مخصوص بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. {إِنَّ هَـٰؤُلاَء يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ } يعني: كفار مكة ومن هو موافق لهم. والمعنى: أنهم يحبون الدار العاجلة، وهي دار الدنيا، {وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً } أي: يتركون، ويدعون وراءهم، أي: خلفهم، أو بين أيديهم وأمامهم يوماً شديداً عسيراً، وهو يوم القيامة، وسمي ثقيلاً لما فيه من الشدائد والأهوال. ومعنى كونه يذرونه وراءهم: أنهم لا يستعدّون له، ولا يعبئون به، فهم كمن ينبذ الشيء وراء ظهره تهاوناً به، واستخفافاً بشأنه، وإن كانوا في الحقيقة مستقبلين له وهو أمامهم. {نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ } أي: ابتدأنا خلقهم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة إلى أن كمل خلقهم، ولم يكن لغيرنا في ذلك عمل ولا سعي لا اشتراكاً ولا استقلالاً {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ } الأسر: شدّة الخلق، يقال شدّ الله أسر فلان، أي: قوّى خلقه. قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، وغيرهم: شددنا خلقهم. قال الحسن: شددنا أوصالهم بعضاً إلى بعض بالعروق، والعصب. قال أبو عبيد: يقال فرس شديد الأسر، أي: الخلق. قال لبيد:شعر : ساهم الوجه شديد أسره مشرف الحارك محبوك القتد تفسير : وقال الأخطل:شعر : من كل مجتنب شديد أسره سلس القياد تخاله مختالا تفسير : وقال ابن زيد: الأسر القوّة، واشتقاقه من الإسار، وهو القدّ الذي تشدّ به الأقتاب، ومنه قول ابن أحمر يصف فرساً:شعر : يمشي بأوطفة شداد أسرها شمّ السبائك لا تفي بالجدجد تفسير : {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلاً } أي: لو شئنا لأهلكناهم، وجئنا بأطوع لله منهم. وقيل المعنى: مسخناهم إلى أسمج صورة، وأقبح خلقة. {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ } يعني: إن هذه السورة تذكير وموعظة {فَمَن شَاء ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً } أي: طريقاً يتوسل به إليه، وذلك بالإيمان، والطاعة. والمراد إلى ثوابه، أو إلى جنته. {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } أي: وما تشاءون أن تتخذوا إلى الله سبيلاً إلاّ أن يشاء الله، فالأمر إليه سبحانه ليس إليهم. والخير والشرّ بيده، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، فمشيئة العبد مجرّدة لا تأتي بخير ولا تدفع شرّاً، وإن كان يثاب على المشيئة الصالحة، ويؤجر على قصد الخير، كما في حديث: «حديث : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى»تفسير : قال الزجاج أي: لستم تشاءون إلاّ بمشيئة الله {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } في أمره ونهيه، أي: بليغ العلم والحكمة. {يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ } أي: يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها، أو يدخل في جنته من يشاء من عباده، قال عطاء: من صدقت نيته أدخله جنته {وَٱلظَّـٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } انتصاب الظالمين بفعل مقدّر يدل عليه ما قبله، أي: يعذب الظالمين، نصب الظالمين؛ لأن ما قبله منصوب، أي: يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين، أي: المشركين، ويكون أعدّ لهم تفسيراً لهذا المضمر، والاختيار النصب، وإن جاز الرفع، وبالنصب قرأ الجمهور، وقرأ أبان بن عثمان بالرفع على الابتداء، ووجهه أنه لم يكن بعده فعل يقع عليه. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس: {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ } قال: خلقهم. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ } قال: هي المفاصل.
الماوردي
تفسير : {ولا تُطِعْ منهم آثِماً أو كَفوراً} قيل إنه عنى أبا جهل، يريد بالآثم المرتكب للمعاصي، وبالكفور الجاحد للنعم. {واذكُر اسمَ رَبِّك بُكرَةً وأصيلاً} يعني في أول النهار وآخره، ففي أوله صلاة الصبح، وفي آخره صلاة الظهر والعصر. {ومِنَ الليلِ فاسْجدْ له} يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة. {وسَبِّحْهُ ليلاً طويلاً} يعني التطوع من الليل. قال ابن عباس وسفيان: كل تسبيح في القرآن هو صلاة. {إنّ هؤلاءِ يُحِبّونَ العاجلةَ} يحتمل في المراد بهم قولين: أحدهما: أنه أراد بهم اليهود وما كتموه من صفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحة نبوّته. الثاني: أنه أراد المنافقين لاستبطانهم الكفر. ويحتمل قوله {يحبون العاجلة} وجهين: أحدهما: أخذ الرشا على ما كتموه إذا قيل إنهم اليهود. الثاني: طلب الدنيا إذا قيل إنهم المنافقون. {ويَذَرُونَ وراءَهم يوماً ثقيلاً} يحتمل وجهين: أحدهما: ما يحل بهم من القتل والجلاء إذا قيل إنهم اليهود. الثاني: يوم القيامة إذا قيل إنهم المنافقون. فعلى هذا يحتمل قوله " ثقيلاً" وجهين: أحدهما: شدائده وأحواله. الثاني: للقِصاص من عباده. {نحن خَلقْناهم وشَدَدْنا أَسْرَهم} في أسرهم ثلاثة أوجه: أحدها: يعني مفاصلهم، قاله أبو هريرة. الثاني: خلقهم، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة قال لبيد: شعر : ساهم الوجه شديد أسْرُه مشرف الحارك محبوك الكفل. تفسير : الثالث: أنه القوة، قاله ابن زيد، قال ابن أحمر في وصف فرس: شعر : يمشي لأوظفةٍ شدادٍ أسْرُها صُمِّ السنابِك لاتقى بالجَدْجَدِ. تفسير : ويحتمل هذا القول منه تعالى وجهين: أحدهما: امتناناً عليهم بالنعم حين قابلوها بالمعصية. الثاني: تخويفاً لهمن بسلب النعم. {وإذا شئنا بدّلْنا أمثالَهم تبديلاً} يحتمل وجهين: أحدهما: أمثال من كفر بالنعم وشكرها. الثاني: من كفر بالرسل بمن يؤمن بها. {إنّ هذه تَذْكِرةٌ} يحتمل بالمراد بـ " هذه " وجهين: أحدهما: هذه السورة. الثاني: هذه الخلقة التي خلق الإنسان عليها. ويحتمل قوله " تذكرة " وجهين: أحدهما: إذكار ما غفلت عنه عقولهم. الثاني: موعظة بما تؤول إليه أمورهم. {فَمَنْ شاءَ اتَخَذَ إلى ربِّه سَبيلاً} يحتمل وجهين: أحدهما: طريقاً إلى خلاصه. الثاني: وسيلة إلى جنته.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ...} الآية تثبيتٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لنفسه على أذى قريش، والآثم هنا هو الكفور، واللفظ أيضاً يقتضي نهيَ الإمام عن طاعة آثم من العُصَاةِ أو كفور باللَّه، ثم أمره تعالى بذكر ربه دأباً {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} {وَمِنَ ٱلَّيْلِ}: بالسجود والتسبيح الذي هو الصلاة، ويحتمل أنْ يريد قول: سبحانَ اللَّهِ، قال ابن زيد وغيره: كان هذا فرضاً ثم نُسِخَ، وقال آخرون: هو مُحْكَمٌ على وجه الندب، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه»: أَمَّا قوله تعالى: {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} فإنَّهُ عبارة عن قيام الليل، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله كما تقدم، وقد يحتمل أنْ يكون هذا خطاباً لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، والمراد الجميعُ، ثم نُسِخَ عَنَّا، وبَقِيَ عليه صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا}. يجوز أن يكون توكيداً لاسم "إن" وأن يكون فصلاً و "نَزَّلْنَا" على هذين الوجهين هو خبر "إن"، ويجوز أن يكون "نحن" مبتدأ، و "نَزَّلْنَا" خبره والجملة خبر "إنَّ". وقال مكي: "نَحْنُ" في موضع نصب على الصِّفة لاسم "إن" لأن الضمير يوصف بالمضمر؛ إذ هو بمعنى التأكيد لا بمعنى الغلبةِ، ولا يوصف بالمظهر؛ لأنه بمعنى التَّحلية والمضمر مستغن عن التحلية، لأنه لم يضمرْ إلا بعد أن عرف تحليته وعينه، وهو محتاج إلى التأكيد لتأكيد الخبر عنه. قال شهاب الدين: وهذه عبارة غريبة جدًّا، كيف يجعل المضمر موصوفاً بمثله، ولا نعلم خلافاً في عدم جواز وصف المضمر إلا ما نقل عن الكسائي أنه جوّز وصف ضمير الغائب بضمير آخر، فلا خرف في عدم جوازه، ثم كلامه يؤول إلى التأكيد فلا حاجة إلى العدول عنه. فصل في مناسبة اتصال الآية بما قبلها وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد بين أن هذا الكتاب يتضمن ما بالناس حاجةً إليه، فليس بسحرٍ ولا كهانةٍ ولا شعرٍ وأنه حقٌّ. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - أنزل القرآن متفرقاً آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة فلذلك قال: "نَزَّلْنَا". قال ابن الخطيب: المقصود من هذه الآية تثبيت الرسول وشرح صدره فيما نسبوه إليه من كهانة وسحر، فذكر تعالى أن ذلك وحي من الله تعالى ولا جرم بالغ في تكرار الضمير بعد إيقاعه تأكيداً على تأكيد فكأنه تعالى يقول: إن كان هؤلاء الكفار يقولون: إن ذلك كهانة فأنا الله الملك الحق، أقول على سبيل التأكيد: إن ذلك وحيٌ حقٌّ وتنزيلُ صدقٍ من عندي، وفي ذلك فائدتان: إحداهما: إزالة الوحشة الحاصلة بسبب طعن الكفار؛ لأن الله - تعالى - عظّمهُ وصدقه. والثانية: تقويته على تحمُّل مشاق التكليف، فكأنه - تعالى - يقول: إني ما نزلت عليك القرآن متفرقاً إلا لحكمة بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين، وقد اقتضت تلك الحكمة تأخير الإذن في القتال. {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي: لقضاء ربك. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: اصبر على أذى المشركين، ثم نسخ بآية القتال. وقيل: اصبرْ لما حكم به عليك من الطَّاعات، أو انتظر حكم الله إذ وعدك بالنصر عليهم ولا تستعجل فإنه كائن لا محالة، {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً} أي: ذا إثمٍ {أَوْ كَفُوراً} أي: لا تطع الكفار. روى معمر عن قتادة، قال: قال أبو جهل: إن رأيتُ محمداً لأطأنَّ على عنقه، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً}. وقيل: نزلت في عتبة بن أبي ربيعة والوليد بن المغيرة، وكانا أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضان عليه الأموال والتزويج على أن يترك ذكر النبوة ففيهما نزلت، وعرض عليه عتبة ابنته وكانت من أجمل النساء، وعرض عليه الوليد أن يعطيه من الأموال حتى يرضى، ويترك ما هو عليه، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات من أول "حم" السجدة، إلى قوله: {أية : فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} تفسير : [فصلت: 1-13]، فانصرنا عنه وقال أحدهما: ظننت أنَّ الكعبة ستقع عليَّ. قوله: {أَوْ كَفُوراً}. في "أوْ" هذه أوجه: أحدها: أنها على بابها، وهو قول سيبويه. قال أبو البقاء: وتفيد في النهي عن الجميع، لأنك إذا قلت في الإباحة: جالس الحسن أو ابن سيرين كان التقدير: جالس أحدهما، فأيهما كلمه كان أحدهما فيكون ممنوعاً منه، فكذلك في الآية، ويؤول المعنى إلى تقدير: ولا تطع منهما آثماً ولا كفوراً. قال الزمخشري رحمه الله: فإن قلت: معنى "أو" ولا تطع أحدهما، فهلا جيء بالواو لتكون نهياً عن طاعتهما جميعاً؟. قلت: لو قال: لا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما، وإذا قيل: لا تطع أحدهما علم أن الناهي عن طاعة أحدهما هو عن طاعتهما جميعاً أنهى، كما إذا نهي أن يقول لأبويه: "أفٍّ" علم أنه منهي عن ضربهما على طريق الأولى. الثاني: أنها بمعنى "لا" أي: لا تطع من أثم ولا من كفر. قال مكي: "وهو قول الفراء، وهو بمعنى الإباحة التي ذكرنا". الثالث: أنها بمعنى الواو، وقد تقدم أن ذلك قول الكوفيين. والكفور وإن كان يستلزم الإثم إلا أنه عطف لأحد أمرين: إما أن يكونا شخصين بعينهما كما تقدم فالآثم عتبة، والكفور الوليد. وإما لما قاله الزمخشري: "فإن قلت: كانوا كلهم كفرةً، فما معنى القسمة في قوله "آثماً او كفوراً"؟. قلت: معنا لا تطع منهم راكباً لما هو إثم داعياً إليه أو فاعلاً لما هو كفر داعياً لك إليه، لأنهم إمَّا أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم أو كفر، أو غير إثم ولا كفر، فنهي أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث". فصل قال ابن الخطيب: قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} يدخل فيه ألاَّ تطع فيه آثماً أو كفوراً، فكأن ذكره بعد ذلك تكرار؟. والجواب أن الأول أمر بالمأمورات، والثاني: نهي عن المنهيات، ودلالة أحدهما على الآخر بالالتزام لا بالتصريح، فيكون التصريح، فيكون التصريح منه مفيداً. فإن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم ما كان يطيع أحداً منهم، فما فائدة هذا النهي؟. فالجواب: أن المقصود بيان أن الناس محتاجون إلى مواصلة التنبيه والإرشاد لأجل ما تركب فيهم من الشهوة الداعية إلى الفساد، وأن أحداً لو استغنى عن توفيق الله - تعالى - وإرشاده لكان أحق الناس به هو الرسول المعصوم - عليه الصلاة والسلام - ومتى ظهر ذلك عرف كل مسلم أنه لا بدَّ من الرغبة إلى الله - تعالى - والتضرع إليه أن يصونه عن الشُّبهات والشَّهوات. فإن قيل: ما الفرقُ بين الآثم والكفور؟. فالجواب: أن الآثم هو الآتي بالمعاصي أيِّ معصيةٍ كانت، والكفُور: هو الجاحد للنعمة، فكل كفور آثم، وليس كل آثم كفوراً، لأن الإثم عام في المعاصي كلها، قال الله تعالى: {أية : وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 48]. فسمى الشرك آثماً، وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} تفسير : [البقرة: 283] وقال تعالى: {أية : وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} تفسير : [الأنعام: 120]، وقال تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} تفسير : [البقرة: 219]. قد نزلت هذه الآيات على أن الإثم جميع المعاصي. قوله تعالى: {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}. أي: صلِّ لربِّك أول النَّهار وآخره ففي أوله صلاة الصُّبح والظهر والعصر، وهو الأصيل، {وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ} يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة، {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} يعني التَّطوع فيه. قاله ابن حبيب. وقال ابن عباس وسفيان: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. وقيل: هو الذِّكْر المطلق، سواءٌ كان في الصَّلاة أو في غيرها. وقال ابن زيد وغيره: إنَّ قوله تعالى: {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} منسوخ بالصلوات الخمس. وقيل: هو ندب. وقيل: هو مخصوص بالنبي عليه الصلاة والسلام. وجمع الأصيل: الأصائل، والأصل، كقولك: سفائن وسفن، والأصائل: جمع الجمع، ودخلت "من" على الظرف للتبغيض، كما دخلت على المفعول في قوله تعالى: {أية : يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} تفسير : [الأحقاف: 31]. قوله: {وَسَبِّحْهُ} فيه دليل على عدم صحة قول بعض أهل المعاني والبيان، أن الجمع بين الحاء والهاء - مثلاً - يخرج الكلمَ عن فصاحتها، وجعلوا من ذلك قوله: [الطويل]. شعر : 5050- كريمٌ مَتَى أَمْدحْهُ والوَرَى مَعِي وإذَا ما لُمْتُهُ لُمْتُهُ وَحْدِي تفسير : البيت لأبي تمام، ويمكن أن يفرق بين ما أنشدوه وبين الآية بأن التكرار في البيت هو المخرج عن الفصاحة بخلاف الآية فإنه لا تكرار فيها.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر أنه بين للناس السبيل فانقسموا إلى مبصر شاكر وأعمى كافر، وأتبعه جزاء الكافرين والشاكرين، وختمه بالشراب الطهور الذي من شأنه أن يحيي ميت الأراضي كما أن العلم الذي منبعه القرآن يحيي ميت القلوب، وسكن القلوب بتأييد الجزاء، وختم الكلام بالشكر كما بدأه به، وكان نصب ما يهدي جميع الناس أمراً لا يكاد يصدق قال ذاكراً لما شرف به النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا قبل الآخرة، وجعل الشراب الطهور جزاء له لما بينهما من المناسبة على سبيل التأكيد، وأكده ثانياً بما أفاد التخصيص لما لهم من الإنكار ولتطمئن أنفس أتباعه بما حث عليه من الصبر إلى وقت الإذن في القتال: {إنا نحن} أي على ما لنا من العظمة التي لا نهاية لها، لا غيرها {نزلنا عليك} وأنت أعظم الخلق إنزالاً استعلى حتى صار المنزل خلقاً لك {القرآن} أي الجامع لكل هدى، الحافظ من الزيغ، كما يحفظ الطب للصحيح صحة المزاج، الشافي لما عساه يحصل من الأدواء بما يهدي إليه من العلم والعمل، وزاد في التأكيد لعظيم إنكارهم فقال: {تنزيلاً *} أي على التدريج بالحكمة جواباً للسائل ورفقاً بالعباد فدرجهم في وظائف الدين تدريجاً موافقاً للحكمة، ولم يدع لهم شبهة إلا أجاب عنها، وعلمهم جميع الأحكام التي فيها رضانا، وأتاهم من المواعظ والآداب والمعارف بما ملأ الخافقين وخصصناك به شكراً على سيرتك الحسنى التي كانت قبل النبوة، وتجنبك كل ما يدنس، فلما كان بتنزيلنا كان جامعاً للهدى لما لنا من إحاطة العلم والقدرة، فلا عجب في كونه جامعاً لهدى الخلق كلهم، لم يدع لهم في شيء من الأشياء لبساً، وهي ناظرة إلى قوله في القيامة{أية : لا تحرك به لسانك}تفسير : [القيامة: 16] الملتفتة إلى ما في المدثر من أن هذه تذكرة، الناظرة إلى {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} المشيرة إلى ما في سورة الجن من أمر القرآن، فالحاصل أن أكثر القرآن في تقرير عظمة القرآن، فإنه المقصود بالذات من أمر الآية الكبرى التي إذا ثبتت تبعها جميع المراد من الشريعة وتفريق تقرير شأنه أتقن ما يكون في إحكام أمره، وذلك أن الحكيم إذا اهتم بشيء افتتح الكلام به، فإذا رأى من ينكره انتقل إلى غيره على قانون الحكمة، ثم يصير يرمي به في خلال ذلك، رمياً كأنه غير قاصد له، ولا يزال يفعل ذلك حتى يتقرر أمره غاية التقرير ويثبت في النفس من حيث لا يشعر. ولما تقرر أن من الناس من ترك الهدى الذي هو البيان، فعمي عنه لإعراضه عنه، سبب عن هذا الإنزال وذاك الضلال قوله منبهاً على أمراض القلوب، ومرشداً إلى دوائها: {فاصبر لحكم ربك} أي المحسن إليك بتخصيصه لك بهذه النعمة على ضلال من حكم بضلاله، وعلى كل ما ينوبك وأطعه في التعبد له بجميع ما أمرك به من الرفق إلى أن يأمرك بالسيف، واستعن على مر الصبر باستحضار أن المربي الشفيق يربي بما يشاء من المر والحلو على حسب علمه وحكمته، والصبر: حبس النفس وضبطها على مقاومة الهوى لئلا تنقاد إلى شيء من قبائح اللذات. ولما أمره سبحانه بالصبر، وكان الأمر به مفهماً وجوده للمخالف، وكان المخالفون له صلى الله عليه وسلم هم القسم المضاد للشاكر وهم الكفرة، وكان ما يدعونه إليه تارة مطلق إثم، وأخرى كفراً وتارة غير ذلك، ذكر النتيجة ناهياً عن القسمين الأولين ليعلم أن المسكوت عنه لا نهي فيه فقال: {ولا تطع منهم} أي الكفرة الذين هم ضد الشاكرين {آثماً} أي داعياً إلى إثم سواء كان مجرداً عن مطلق الكفر أو مصاحباً له {أو كفوراً *} أي مبالغاً في الكفر وداعياً إليه وإن كان كبيراً وعظيماً في الدنيا فإن الحق أكبر من كل كبير، وذلك أنهم كانوا مع شدة الأذى له صلى الله عليه وسلم يبذلون له الرغائب من الأموال، والتمليك والتزويج لأعظم نسائهم على أن يتبعهم على دينهم ويكف عما هو عليه والنهي عن الأحد المبهم نهي عن كل منهما، فإن كلاًّ منهما في أنه يجب اجتنابه في رتبة واحدة {أية : وذروا ظاهر الإثم وباطنه}تفسير : [الأنعام: 120] وكذا الانتهاء عنه لا يتحقق إلا بالانتهاء عن كل منهما، ولو عطف بالواو لم يفد ذلك لأن نفي الاثنين لا يستلزم نفي كل منهما، وأفهم ترتيب النهي على الوصفين أنه إذا دعاه الكفار إلى ما لا يتعلق به إثم ولا كفر جاز له قبوله. ولما نهى عن طاعتهما القاطعة عن الله، أمر بملازمة الموصل إلى الله وهو الذكر من غير عائق الذي هو دواء لما عساه يلحق من الأدواء لمجرد رؤية الآثم أو الكفور لأرباب القلوب الصافية، والذكر مقدم على كل عبادة وإن وضع العباد لما كان طلباً للتوصل إلى نيل معرفة الله سبحانه، وكان التصور بحسب الاسم أول مراتب التصور طبعاً بدأ به وضعاً، وذلك لأن النفس تحب السفول لما لها من النقائص، فاحتاجت إلى سبب مشوق لها إلى الأعلى فوضعت لها العبادات، وأجلها العبادة المشفوعة بالفكر، لأنه السبب الموصل إلى المقصود ولا تفيد العبادة بدونه فقال: {واذكر} أي بلسانك {اسم ربك} أي المحسن إليك بكل جميل {بكرة} عند قيامك من منامك الذي هو الموتة الصغرى وتذكرك أنه يحيي الموتى ويحشرهم جيمعاً {وأصيلاً *} عند انقراض نهارك وتذكرك انقراض دنياك وطي هذا العالم لأجل إيجاد يوم الفصل، وفي ذكر الوقتين أيضاً إشارة إلى دوام الذكر، وذكر اسمه لازم لذكره، ويجوز أن يكون أمراً بالصلاة لأنها أفضل الأعمال البدنية لأنها أعظم الذكر لأنها ذكر اللسان والجنان والأركان فوظفت فيها أذكار لسانية وحركات وسكنات على هيئة مخصوصة من عادتها ألا تفعل إلا بين أيدي الملوك، فكان تنبيهها على وجود الصانع والاعتراف بإلهيته وتفرده أكثر فكانت أفضل، فيكون هذا على هذا أمراً بصلاتي الصبح والعصر، فإنه لم يكن أمر في أول الإسلام بغيرهما وبهما أمر من كان قبلنا، وهما أفضل الصلوات وكانتا ركعتين ركعتين، ويجوز أن يكون أمراً بصلاتي الصبح والظهر والعصر فإن الأصيل يتناول وقتيهما لأنه مطلق العشي، وأما المغرب والعشاء ونافلة الليل فدخلت في قوله: {ومن الّيل} أي بعضه والباقي للراحة بالنوم {فاسجد له} أي فصل له صلاتي المغرب والعشاء، وذكرهما بالسجود تنبيهاً على أنه أفضل الصلاة، فهو إشارة إلى أن الليل موضع الخضوع، وتقديم الظرف لما في صلاة الليل من مزيد الكلفة والخلوص ومزيد الفضيلة لأن الالتفات فيه إلى جانب الحق أتم لزوال الشاغل للحواس من حركات الناس وأصواتهم وسائر الأحوال الدنيوية، فكان أبعد عن الرياء فكان الخشوع فيه واللذة التامة بحلاوة العبادة أوفى {وسبحه} أي بالتهجد {ليلاً طويلاً *} نصفه أو أكثر منه أو أقل، ولعله سماه تسبيحاً لأن مكابدة القيام فيه وغلبة النوم تذكر بما لله من العظمة بالتنزه عن كل نقيصة، ولأنه لا يترك محبوبه من الراحة بالنوم إلا من كان الله عنده في غاية النزاهة، وكان له في غاية المحبة. ولما أنهى أمره بلازم النهي، علل النهي بقوله محقراً بإشارة القريب مؤكداً لما لهم من التعنت بالطعن في كل ما يذكره صلى الله عليه وسلم: {إن هٰؤلاء} أي الذين يغفلون عن الله من الكفرة وغيرهم فاستحقوا المقت من الله {يحبون} أي محبة تتجدد عندهم زيادتهم في كل وقت {العاجلة} أي ويأخذون منها ويستخفون لما حفت به من الشهوات زمناً قليلاً لقصور نظرهم وجمودهم على المحسوسات التي الإقبال عليها منشأ البلادة والقصور، ومعدن الأمراض للقلوب التي في الصدور، ومن تعاطى أسباب المرض مرض وسمي كفوراً، ومن تعاطى ضد ذلك شفي وسمي شاكراً، ويكرهون الآخرة الآجلة {ويذرون} أي يتركون منها على حالة هي من أقبح ما يسوءهم إذا رأوه {وراءهم} أي أمامهم أي قدامهم على وجه الإحاطة بهم وهم عنه معرضون كما يعرض الإنسان عما وراءه، أو خلفهم لأنه يكون بعدهم لا بد أن يدركهم {يوماً} أي منها. ولما كان ما أعيا الإنسان وشق عليه ثقيلاً قال: {ثقيلاً *} أي شديداً جداً لا يطيقون حمل ما فيه من المصائب بسبب أنهم لا يعدون له عدته، فالآية من الاحتباك: ذكر الحب والعاجلة أولاً دلالة على ضدهما ثانياً، والترك والثقل ثانياً دلالة على ضدهما أولاً، وسر ذلك أن ما ذكره أدل على سخافة العقل بعدم التأمل للعواقب.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا نحن نزلنا عليك القرءآن تنزيلا} اى مفرقا منجما لحكم بالغة مقتضية له لا غيرنا كما يعرب عنه تكرير الضمير مع ان فكأنه تعالى يقول ان هؤلاء الكفار يقولون ان ذلك كهنة وسحر فانا الملك الحق أقول على سبيل التأكيد ان ذلك وحى حق وتنزيل صدق من عندى فلا تكترث بطعهنم فانك أنت النبى الصادق المصدق.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا نحن نزَّلنا عليك القرآن تنزيلا} أي: مفرّقاً منجماً، شيئاً فشيئاً، لحِكَم بالغة مقتضية لتفريقه، لا غيرنا، كما يُعرب عنه تكرير الضمير مع "إن"، فهو تأكيد لاسم إن، أو: ضمير فصل لا محل له {فاصبر لِحُكم ربك} في تأخير نصرك، فإنّ له عاقبة حميدة، أو: اصبر لتبليغ الرسالة، وتحمل الأذى؛ فإن العاقبة لك، {ولا تُطِعْ منهم آثماً أو كفوراً} أي: لا تُطع الآثم في إثمه، ولا الكافر في كفره، أي: لا تُطع كل واحد من مرتكب الإثم الداعي لك إليه، أو من الغَالي في الكفر الداعي إليه، و"أو" للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان والاستقلال به، باعتبار ما يدعون إليه، فإنَّ ترتيب الوصف على الوصفين مشعر بعليتهما، فلا بد أن يكون النهي عن الإطاعة في الإثم والكفر، لا فيما ليس بإثم ولا كفر. وقيل: الآثم: عُتبة، فإنه كان ركّاباً متعاطياً لأنواع الفسوق، والكفور: الوليد، فإنه كان غالياً في الكفر, شديد الشكيمة في العتو. والظاهر: أنّ المراد كل آثم وكافر، اي: لا تُطع أحدهما، وإذا نهى عن طاعة أحدهما لا بعينه، فقد نهى عن طاعتهما معاً، ولو كان بالواو لجاز أن يُطيع أحدهما؛ لأن الواو للجمع، فيكون منهياً عن طاعتهما، لا عن طاعة أحدهما. {واذكر اسمَ ربك بُكرةً وأصيلا} اي: دُم على ذكره في جميع الأوقات. وتخصيص الوقتين لشرفهما. قيل: لمّا نهى حبيبه عن طاعة الآثم والكفور، وحَثه على الصبر على آذاهم وإفراطهم في العداوة؛ عقّب ذلك بالأمر باستغراق أوقاته في ذكره وعبادته، فهو كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَكَ يَضِيقُ صَدْرَكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ...} تفسير : [الحجر:97، 98] الآية، وفي إقباله راحة له من وحشته؛ لجهلهم بأنسه بربه، وقرّة عينه به. وفي ذلك أمُره بالإفراد لربه بطاعته، دون مَن يدعوه، لخلاف ذلك من ألإثم والكفور. هـ. من الحاشية. أو: بكرة: صلاة الفجر، وأصيلاً: الظهر والعصر، {ومن الليل فاسجدْ له}؛ وبعض الليل فصلِّ صلاة العشاءين، {وسبِّحه ليلاً طويلاً} أي: تهجّد له قِطْعاً من الليل طويلاً؛ ثلثه أو نصفه أو ثلثيه. وتقديم الظرف في (مِن الليل) لِما في صلاة الليل من مزيد كلفة وخلوص. {إِنّ هؤلاء} الكفرة {يُحبون العاجلةَ} وينهمكون في لذاتها الفانية، ويؤثرونها على الآخرة، فلا يلتفتون إلى ذكرٍ ولا صلاة، {ويذرون وراءهم}؛ قدّامهم، فلا يستعدُّون له، أو: ينبذونه وراء ظهورهم، {يوماً ثقيلاً}؛ شديداً لا يعبؤون به، وهو يوم القيامة؛ لأنّ شدائده تثقل على الكفار. ووصفه بالثقل لتشبيه شدته وهوله بثقل شيء فادح، وهو كالتعليل لِما أمر به ونَهَى عنه. {نحن خلقناهم} لا غيرنا، {وشَدَدْنا أسْرَهُم} أي: قوّينا خِلقتهم حتى صاروا أقوياء, يُقال: رجل حسن الأسر: الخلق، وفرس شديد الأسر، أي: الخلقة، ومنه قوله لبيد: شعر : ساهِمُ الوجه شديدٌ أسْرُهُ مُشرِفُ الحاركِ محبوكُ الكَتَدْ تفسير : أو: أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب، أو: أخذنا ميثاقهم على الإقرار، {وإِذا شئنا بدّلنا أمثالهم تبديلاً} أي: إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم وبدّلنا أمثالهم في الخلقة ممن يطيع ولا يعصي. أو: بدلنا أمثالهم تبديلاً بديعاً لا ريب فيه، وهو البعث كما ينبىء عنه كلمة (إذا) لدلالتها على تحقُّق القدرة وقوة الداعية. {إِنَّ هذه تَذْكِرةُ}، الإشارة إلى السورة، أو الآيات القريبة, أي: هذه موعظة بليغة، {فمَن شاء اتخذ إِلى ربه سبيلاً} بالتقرُّب إليه بالطاعة واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، {وما تشاؤون} اتخاذَ السبيل إلى الله، أو: مايشاء الكفرة {إِلاّ أن يشاء الله}، وهو تحقيق للحق، ببيان أنَّ مجرد مشيئَتهم غير كافية في اتخاذ السبيل، ولا يقدرون على تحصيله في وقت من الأوقات، إلاَّ وقت مشيئته في تحصيله لهم، إذ لا دخل لمشيئة العبد إلاّ في الكسب، وإنما التأثير لمشيئة الله تعالى، {إِنَّ الله كان عليماً حكيماً}؛ عليماً بما يكون منهم من الأحوال، حكيماً مصيباً في الأقوال والأفعال، وهو بيان لكون مشيئته تعالى مبنية على أساس العلم والحكمة، أي: هو تعالى مبالغ في العلم والحكمة، فيعلم ما يستأهله كل أحد، فلا يشاء لهم إلاّ ما يستدعيه علمه وتقضيه حكمته. وقوله تعالى: {يُدخل من يشاء في رحمته}، بيان لأحكام مشيئته، المترتبة على علمه وحكمته، أي: يُدخل في رحمته مَن يشاء أن يدخله فيها، وهو الذي يصرف مشيئته نحو اتخاذ سبيل الله تعالى، حيث يوفقه لما يؤدي إلى دخول الجنة من الإيمان والطاعة. {والظالمين} وهم الذين صرفوا مشيئَتهم إلى خلاف ما ذكر {أعدَّ لهم عذاباً أليماً} متناهياً في الإيلام، و"الظالمين" منصوب بمضمر يُفسره معنى ما بعده، أي: أهان الظالمين أعدّ لهم عذاباً أليماً. الإشارة: إنّا أنزلنا عليك أيها الخليفة القرآن، أي: الجمع على ربك في قلبك وسرك, تنزيلاً مترتباً شيئاً فشيئاً على حسب التهذيب والتدريب، فاصبرْ لحُكم ربك، أي: ما حَكَم به عليك من قهرية الجلال، وارتكاب الأهوال، ومقاسات الأحوال، فإنَّ العاقبةَ شهودُ الكبير المتعالي، وبذلُ المُهج والأرواح قليل في حقه، ولا تُطع في حال سيرك آثماً يريد أن يميلك عن قصد السبيل، أو كفوراً بطريق الخصوص يريد أن يصرفك عنها، واذكر اسم ربك، أي: استغرق أنفاسك في ذكر اسمه الأعظم، وهو الاسم المفرد؛ الله الله، فتكثر منه بكرة وأصيلاً، وآناء الليل والنهار, ومن الليل فاسجدْ له وسبَّحه ليلاً طويلاً، أي: ومن أجل ليل القطيعة اخضع وتضرَّع وسَبِّح في الأسحار، خوفاً من أن يقطعك عنه، فيظلم عليك ليل وجودك، فتحجب به عن ربك, إنَّ هؤلاء المحجوبين بوجودهم وحظوظِ نفوسهم، يُحبون العاجلة، فيؤثرون هواهم على محبة مولاهم، ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً، يوم يُساق أهل التخفيف من المريدين إلى مقعد صدق زُمراً، ويتخلّف أهل النفوس في موقف الحساب. إنَّ هذه تذكرة لمَن فتحت بصيرته وأبصر الحق وأهله، فمَن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً، بإيثار صحبته أهل الحق والتحقيق، حتى يردون به حضرة التحقُّق، لكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله، فمَن شاء عنايته أدخله في رحمة هدايته، ومَن شاء خذلانه سلك به مسلك الضلالة، والعياذ بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
اطفيش
تفسير : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً} لاغيري وقد عرفتني حكيما فكل ما فيه هو حكمة ولا يفعل الا حكمة ولا يقول الا صدقا فمن الحكمة امري اياك بالصبر الآن وامري اياك بعد حين بالقتال ولذلك اكد قوله نزلنا بتنزيلا وبان وبنحن سواء جعلنا نحن توكيدا لاسم ان او مبتدأ وقيل تنزيلا معناه تنزيلا مخصوصا وهو تنجيم القرآن وتفريقه لحكمة تخصيص كل شيء بوقته وتثبيت قلبه وإزالة الوحشة من اذى الكفار من قلبه وعليه ابن عباس.
الالوسي
تفسير : أي أنزلناه مفرقاً منجماً في نحو ثلاث وعشرين سنة لحكم بالغة مقتضية له لا غيرنا كما يعرب عنه تكرير الضمير مع {إِنَّ} سواء كان المنفصل تأكيداً أو فصلاً أو مبتدأ.
ابن عاشور
تفسير : من هنا يبتدىء ما لا خلاف في أنه مكي من هذه السورة. وعلى كلا القولين فهذا استئناف ابتدائي، ويجيء على قول الجمهور أن السورة كلها مكية وهو الأرجح، أنه استئناف للانتقال من الاستدلال على ثبوت البعث بالحجّة والترهيب والوعيد للكافرين به والترغيب والوعد للمؤمنين به بمرهبّات ومرغّبات هي من الأحوال التي تكون بعد البعث، فلمّا استوفى ذلك ثُنِي عِنانُ الكلام إلى تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم والربطِ على قلبه لِدفاع أن تلحقه آثارُ الغمّ على تصلب قومه في كفرهم وتكذيبهم بما أُنزل عليه مما شأنه أن يوهن العزيمة البشرية، فذكَّره الله بأنه نزل عليه الكتاب لئلا يعبأ بتكذيبهم. وفي إيراد هذا بعد طُول الكلام في أحوال الآخرة، قضاء لحق الاعتناء بأحوال الناس في الدنيا فابتدىء بحال أشرف الناس وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ثم بحال الذين دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم بين من { أية : يحبون العاجلة}تفسير : [الإنسان: 27] ومن {أية : اتخذ إلى ربه سبيلاً}تفسير : [الإنسان: 29] فأدخلهم في رحمته. وتأكيد الخبر بـ (إنَّ) للاهتمام به. وتأكيد الضمير المتصل بضمير منفصل في قوله: {إنا نحن} لتقرير مدلول الضمير تأكيداً لفظياً للتنبيه على عظمة ذلك الضمير ليفضي به إلى زيادة الاهتمام بالخبر إذ يتقرر أنه فِعْلُ من ذلك الضميرَانِ له لأنه لا يفعل إلا فعلاً منوطاً بحكمة وأقصى الصواب. وهذا من الكناية الرمزية، وبعدُ فالخبر بمجموعه مستعمل في لازم معناه وهو التثبيت والتأييد فمجموعُه كناية ومزية. وإيثار فعل {نزّلنا} الدال على تنزيله منجماً آياتٍ وسُوراً تنزيلاً مفرقاً إدماجٌ للإِيماء إلى أن ذلك كان من حكمة الله تعالى التي أومأ إليها تأكيد الخبر بـ (إن) وتأكيدُ الضمير المتصل بالضمير المنفصل، فاجتمع فيه تأكيد على تأكيد وذلك يفيد مُفاد القصر إذ ليس الحصر والتخصيصُ إلاّ تأكيداً على تأكيد كما قال السكاكي، فالمعنى: ما نزَّل عليك القرآن إلاّ أنا. وفيه تعريض بالمشركين الذين قالوا: {أية : لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدة}تفسير : [الفرقان: 32] فجعلوا تنزيله مفرقاً شبهة في أنه ليس من عند الله. والمعنى: ما أنزله منجّماً إلاّ أنا واقتضت حكمتي أن أنزله عليك منجّماً. وفرع على هذا التمهيد أمره بالصبر على أعباء الرسالة وما يلقاه فيها من أذى المشركين، وشدُّ عزيمته أن لا تخور. وسمى ذلك حكماً لأن الرسالة عن الله لا خيرة للمرسَل في قبولها والاضطلاعِ بأمورها، ولأن ما يحفّ بها من مصاعب إصلاح الأمة وحملِها على ما فيه خيرها في العاجل والآجل، وتلقي أصناف الأذى في خلال ذلك حتى يتمّ ما أمر الله به، كالحكم على الرسول بقبولِ ما يبلغ منتهى الطاقة إلى أجلٍ معين عند الله. وعدي فعل (اصبر) باللام لتضمن الصبر معنى الخضوع والطاعة للأمر الشاق، وقد يعدّى بحرف (على) كما قال تعالى: {أية : واصبر على ما يقولون}تفسير : [المزمل: 10]. ومناسبة مقام الكلام ترجح إحدى التعديتين كما تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : ولربك فاصبر}تفسير : في سورة المدثر (7). ولما كان من ضروب إِعراضهم عن قبول دعوته ضربٌ فيه رغبات منهم مثل أن يَترك قرعهم بقوارع التنزيل من تأفين رأيهم وتحقير دينهم وأصنامهم، وربما عرضوا عليه الصِهْر معهم، أو بذْلَ المال منهم، أُعقب أمره بالصبر على ما هو من ضروب الإِعراض في صلابة وشدة، بأن نهاه عن أن يطيعهم في الضرب الآخر من ضروب الإِعراض الواقع في قالَب اللين والرغبة. وفي هذا النهي تأكيد للأمر بالصبر لأن النهي عنه يشمل كل ما يرفع موجبات الصبر المراد هنا. والمقصود من هذا النهي تأييسهم من استجابته لهم حين يقرأ عليهم هذه الآية لأنهم يحسبون أن ما عرضوه عليه سيكون صارفاً له عما هو قائم به من الدعوة إِذْ هم بُعَداء عن إدراك ماهية الرسالة ونزاهة الرسول. والطاعة: امتثال الطلب بفعل المطلوب وبالكف عن المنهي عنه فقد كان المشركون يعمدون إلى الطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما يرغبون، مثل طرد ضعفاء المؤمنين من المجلس، والإِتيان بقرآن غير هذا أو تبديله بما يشايع أحوالهم، وأن يكف عما لا يريدون وقوعه من تحقير آلهتهم، والجهرِ بصلاته، فحذره الله من الاستماع لقولهم وإياسهم من حصول مرغوبهم. ومقتضى الظاهر أن يقول: ولا تطعهم، أو ولا تطع منهم أحداً، فعدل عنه إلى {آثماً أو كفوراً} للإِشارة بالوصفين إلى أن طاعتهم تفضي إلى ارتكاب إثم أو كفر، لأنهم في ذلك يأمرونه وينهونه غالباً فهم لا يأمرون إلاّ بما يلائم صفاتهم. فالمراد بالآثم والكفور: الصنفان من الموصوفين وتعليق الطاعة المنهي عنها بهذين النوعين مُشعر بأن الوصفين علة في النهى. والآثِم والكفُور مُتَلازِمَانِ فكان ذكر أحد الوصفين مغنياً عن الآخر ولكن جُمع بينهما لتشويه حال المتصف بهما قال تعالى: {أية : والله لا يحب كل كفّار أثيم}تفسير : [البقرة: 276]. وفي ذكر هذين الوصفين إشارة أيضًا إلى زعيمين من زعماء الكفر والعناد وهما عُتبة ابن ربيعة، والوليد بن المغيرة، لأن عتبة اشتهر بارتكاب المآثم والفسوق، والوليد اشتهر بشدة الشكيمة في الكفر والعتوّ. وقد كانا كافرَيْن فأشير إلى كل واحد منهما بما هو علَم فيه بين بقية المشركين من كثرة المآثم لأولهما. والمبالغةُ في الكفر لثانيهما، فلذلك صيغت له صيغة المبالغة (كَفور). قيل عرض عتبة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن دعوة الناس إلى الإسلام ويزوجه ابنته وكانت من أجمل نساء قريش. وعرض الوليد عليه أن يعطيه من المال ما يرضيه ويرجع عن الدعوة، وكان الوليد من أكثر قريش مالاً وهو الذي قال الله في شأنه: {أية : وجعَلْتُ له مالاً ممدوداً}تفسير : [المدثر: 12]. فيكون في إيثار هذين الوصفين بالذكر إدماج لذمهما وتلميح لقصتهما. وأيَّامَّا كان فحرف {أو} لم يعْدُ أصل معناه من عطف تشريك أحد شيئين أو أشياء في خبر أو طَلب، وهذا التشريك يفيد تخييراً، أو إباحةً، أو تقسيماً، أو شكاً، أو تشكيكاً بحسب المواقع وبحسب عوامل الإِعراب، لتدخل {أو} التي تُضمر بعدها (أنْ) فتنصبُ المضارع. وكون المشرَّك بها واحداً من متعدد مُلازم لمواقعها كلها. فمعنى الآية نهي عن طاعة أحد هذين الموصوفين ويعلم أن طاعة كليهما منهي عنها بدلالة الفحوى لأنه إذا أطاعهما معاً فقد تحقق منه طاعة أحدهما وزيادة. وموقع {منهم} موقعُ الحال من {آثماً} فإنه صفة {آثماً} فلما قدمت الصفة على الموصوف صارت حالاً. و (مِنْ) للتبعيض. والضمير المجرور بها عائد للمشركين، ولم يتقدم لهم ذكر لأنهم معلومون من سياق الدعوة أو لأنهم المفهوم من قوله: {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً} أي لا كما يزعم المشركون أنك جئت به من تلقاء نفسك، ومن قوله: {فاصبر لحكم ربك}، أي على أذى المشركين. ويؤول المعنى: ولا تطع أحداً من المشركين.
الشنقيطي
تفسير : نزلنا وتنزيلاً يدل على التكرار بخلاف أنزلنا، وقد بين تعالى أنه أنزل القرآن في ليلة القدر في سورة القدر {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1]، وهنا إثبات التنزيل. وقد بين تعالى كيفية التنزيل في قوله تعالى: {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}تفسير : [الإسراء: 106]. وقد بين تعالى الحكمة في هذا التفريق على مكث في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}تفسير : [الفرقان: 32]، وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان هذه المسألة في سورة الفرقان، والإحالة فيها على بيان سابق.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: نزلنا عليك القرآن تنزيلا: أي شيئا فشيئا ولم ننزله جملة واحدة لحكمة بالغة. فاصبر لحكم ربك: أي عليك بحمل رسالتك وإبلاغها إلى الناس. ولا تطع منهم آثما أو كفورا: الآثم هنا عتبة بن ربيعة والكفور الوليد بن المغيرة. واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا: أي صل الصبح والظهر والعصر. ومن الليل فاسجد له: أي صل صلاة المغرب والعشاء. وسبحه ليلا طويلا: أي تهجد بالليل نافلة لك. يحبون العاجلة: أي الدنيا. ويذرون وراءهم يوما ثقيلا: أي يوم القيامة. وشددنا أسرهم: أي قوينا أعضاءهم ومفاصلهم. وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا: أي جعلنا أمثالهم في الخلقة بدلا منهم بعد أن نهلكهم. إن هذه تذكرة: أي عظة للناس. اتخذ إلى ربه سبيلا: أي طريقا إلى مرضاته وجواره بالإِيمان والعمل الصالح وترك الشرك والمعاصي. في رحمته: أي الجنة. أعد لهم عذابا أليما: أي في النار والأليم ذو الألم الموجع. معنى الآيات: لقد عرض المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضا مفاده أن يترك دعوة الله تعالى إلى عبادته وتوحيده ويعبد ربّه وحده ويترك المشركين فيما هم فيه وله مقابل ذلك مال أو أزواج أو رئاسة وما إلى ذلك فأبى الله تعالى له ذلك وأنزل قوله {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ تَنزِيلاً فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} على تحمل رسالتك وتبليغها إلى الناس {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ} أي من مشركي قريش {ءَاثِماً} كأبي جهل وعتبة بن ربيعة {أَوْ كَفُوراً} كالوليد بن المغيرة أي لا تطعهما فيما طلبا إليك وعرضا عليك، وواصل دعوتك واستعن بالصلاة والتسبيح والذكر والدعاء، وفي قوله تعالى {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} إشارة إلى صلاة الصبح والظهر والعصر، وفي قوله {وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ} إشارة إلى صلاة المغرب والعشاء، وقوله {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} صريح في أنه التهجد إذ الصلاة نعم العون للعبد ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة وقوله تعالى {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} أي الدنيا يعني بهم كفار قريش يحبون الدنيا وسميت بالعاجلة لأنها ذاهبة مسرعة، {وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} هو يوم القيامة فلم يؤمنوا ولم يعملوا بما يسعدهم فيه ويذكرهم تعالى بأنه خالقهم وقادر على تبديلهم بغيرهم فيقول {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ} أي أوجدناهم من العدم {وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ} أي قوينا ظهورهم وأعضاءهم ومفاصلهم {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} أي جعلنا أمثالهم في الخلقة بدلا عنهم وأهلكناهم ولو شاء تعالى ذلك لكان ولكنه لم يشأ مع أنه في كل قرن يبدل جيلا بجيل هذا يميته وهذا يحييه وهو على كل شيء قدير. وفي خاتمة هذه السورة المشتملة على أنواع من الهدايات الكثيرة يقول تعالى {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ} أي هذه السورة موعظة {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} طريقا إلى رضاه أولا ثم مجاورته في الملكوت الأعلى ثانيا، ولما أعطى تعالى المشيئة قيدها بأن يشاء الله ذلك المطلوب أولا، ومن هنا وجب الافتقار إلى الله تعالى بدعائه والضراعة إليه وهو قوله {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} إن الله كان عليما بخلقه وبما يصلحهم أو يُفسدهم حكيما في تدبيره لأوليائه خاصة ولباقي البشرية عامة فله الحمد وله المنة. وقوله {يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} إنه بهذا يدعو كافة البشرية إلى الافتقار إليه ليغنيهم وإلى عبادته ليزكيهم وإلى جواره فيطهرهم ويرفعهم هؤلاء أولياؤه من أهل الإِيمان والتقوى {وَٱلظَّالِمِينَ} أي المشركين {أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي أهانهم لكفرهم به وشركهم في عبادته فأعد لهم عذابا مؤلما موجعا نعوذ بالله من عذابه وشديد عقابه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة طاعة ذوي الإِثم وأهل الكفر في حال الاختيار. 2- على المؤمن أن يستعين بالصلاة والذكر والدعاء فإِنها نعم العون. 3- استحباب نافلة الليل. 4- مشيئة الله عز وجل قبل فوق كل مشيئة. 5- القرآن تذكرة للمؤمنين.
القطان
تفسير : آثما: فاجرا مجاهرا بالمعاصي. كفورا: مشركا. بكرة وأصيلا: صباحا ومساء. فاسجد له: صلّ له. وسبّحه: تهجّد له. ويذرون وراءهم: لا يهتمون به. يوماً ثقيلا: يوم القيامة. شددنا أسرهم: أَحكمنا خَلقهم. إنا نحن انزلنا عليك يا محمد القرآن من عندنا، وهو حقٌّ لا ريب فيه لِتذكِّرَ الناسَ بما فيه من الوعد والوعيد، وتعلّمهم وتهذّبهم، {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} من مقاساة الشدائد في تبليغ الرسالة، فان العاقبة والنصر لك. {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} أي من المشركين، مهما أغْرَوْكَ به من متاع الدنيا، ودُم على ذكر ربك، فصلّ الصلواتِ في الصباح والمساء، وأكثِر السجودَ في الليل وتهجّد به وسبّحه ليلاً طويلا مستغرقا في صلواتك ومناجاة ربك. ثم أنكر الله تعالى على الكفار حُبَّ الدنيا والإقبال عليها، وإهمالَهم الآخرةَ ونسيانها فقال: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً}. إن هؤلاء المشركين يحبون الدنيا وتُعجِبُهم زينَتُها فهم يؤثرونها على الآخرة، وينسَون ان أمامهم يوماً شديدا فيه الحساب والجزاء. ثم نعى عليهم شِركهم، وغفلتهم عن طاعة الله فقال: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً}. نحن خلقناهم وأحكمنا خَلقهم في أحسنِ تقويم، واذا شئنا اهلكناهم وأتينا بخير منهم بدلاً منهم. ثم ارشد الله تعالى الى ان هذا الذِكر تذكرةٌ وموعظة للناس، لمن أراد ان يتعظ ويُقبلَ على الله فقال: {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً}. ان هذه الآيات بما فيها من ترتيب بديع، ومعنى لطيف - لهي تذكرة للعقلاء المتبصرين، فمن شاء اتخذ بالإيمان والتقوى الى ربه طريقا يوصله الى مغفرته وجنّته، فبابُه مفتوح دائما، ومغفرته وسعت كل شيء. {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}. وما تشاؤون ان تتخذوا الى الله سبيلا الا ان يشاء الله، فالأمرُ اليه سبحانه، والخير والشر بيده، لا مانع لما أعطى ولا معطيَ لما منع.. ان الله عليم بأحوالكم، حكيم فيما يشاء ويختار، يُدخل من يشاء في جنته، فدخولُها بفضله ورحمته. {وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} في الآخرة هو عذاب جهنم وبئس المصير. قراءات قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر: وما تشاؤون بالياء، والباقون وما تشاؤون بالتاء. انتهت سورة الانسان نسأل الله تعالى ان يجعلنا من الأبرار، والمقربين الأخيار ويجعل سعينا لديه مشكورا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقُرْآنَ} (23) - إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ - يَا مُحَمَّدُ - القُرْآنَ مُنَجَّماً بِحَسَبِ الحَوَادِثِ وَالوَقَائِعِ، لِيَكُونَ أَسْهَلَ فَهْماً، وَأَكْثَرَ تَثْبِيتاً لِلْمُؤْمِنِينَ. تَنْزِيلاً - شَيْئاً فَشَيئاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):