٧٧ - ٱلْمُرْسَلَات
77 - Al-Mursalat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه الكلمات الخمس إما أن يكون المراد منها جنساً واحداً أو أجناساً مختلفة أما الاحتمال الأول: فذكروا فيه وجوهاً الأول: أن المراد منها بأسرها الملائكة فالمرسلات هم الملائكة الذين أرسلهم الله إما بإيصال النعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين، وقوله: {عُرْفاً } فيه وجوه: أحدها: متتابعة كشعر العرف يقال: جاؤا عرفاً واحداً وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه والثاني: أن يكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكرة فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة، فهذا المعنى فيهم ظاهر وإن كانوا لأجل العذاب فذلك العذاب، وإن لم يكن معروفاً للكفار، فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم. والثالث: أن يكون مصدراً كأنه قيل: والمرسلات أرسالاً أي متتابعة وانتصاب عرفاً على الوجه الأول على الحال، وعلى الثاني لكونه مفعولاً أي أرسلت للإحسان والمعروف وقوله: {فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } فيه وجهان الأول: يعني أن الله تعالى لما أرسل أولئك الملائكة فهم عصفوا في طيرانهم كما تعصف الرياح. والثاني: أن هؤلاء الملائكة يعصفون بروح الكافر يقال: عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه، يقال: ناقة عصوف، أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريح في السرعة، وعصفت الحرب بالقوم، أي ذهبت بهم، قال الشاعر:شعر : في فيلق شهباء ملمومة تعصف بالمقبل والمدبر تفسير : وقوله تعالى: {وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً } معناه أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض، أو نشروا الشرائع في الأرض، أو نشروا الرحمة أو العذاب، أو المراد الملائكة الذين ينشرون الكتب يوم الحساب، وهي الكتب التي فيها أعمال بني آدم، قال تعالى: {أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً } تفسير : [الإسراء:13] وبالجملة فقد نشروا الشيء الذي أمروا بإيصاله إلى أهل الأرض ونشره فيهم وقوله تعالى: {فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } معناه أنهم يفرقون بين الحق والباطل، وقوله: {فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } معناه أنهم يلقون الذكر إلى الأنبياء، ثم المراد من الذكر يحتمل أن يكون مطلق العلم والحكمة، كما قال: {أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ } تفسير : [النحل: 2] ويحتمل أن يكون المراد هو القرآن خاصة، وهو قوله: {أية : أألقي الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا } تفسير : [القمر:25] وقوله: {أية : وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ } تفسير : [القصص:86] وهذا الملقى وإن كان هو جبريل عليه السلام وحده، إلا أنه يجوز أن يسمى الواحد باسم الجماعة على سبيل التعظيم. واعلم أنك قد عرفت أن المقصود من القسم التنبيه على جلالة المقسم به، وشرف الملائكة وعلو رتبتهم أمر ظاهر من وجوه أحدها: شدة مواظبتهم على طاعة الله تعالى، كما قال تعالى: {أية : وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [النحل: 50] {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 27] وثانيها: أنهم أقسام: فمنهم من يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء، ومنهم من يرسل للزوم بني آدم لكتابة أعمالهم؛ طائفة منهم بالنهار وطائفة منهم بالليل، ومنهم من يرسل لقبض أرواح بني آدم، ومنهم من يرسل بالوحي من سماء إلى أخرى، إلى أن ينزل بذلك الوحي ملك السماء إلى الأرض، ومنهم الملائكة الذين ينزلون كل يوم من البيت المعمور إلى الكعبة على ما روي ذلك في الإخبار، فهذا مما ينتظمه قوله: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } ثم ما فيها من سرعة السير، وقطع المسافات الكثيرة في المدة اليسيرة، كقوله: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } تفسير : [المعارج:4] ثم ما فيها من نشر أجنحتهم العظيمة عند الطيران، ونشر العلم والحكمة والنبوة والهداية والإرشاد والوحي والتنزيل، وإظهار الفرق بين الحق والباطل بسبب إنزال ذلك الوحي والتنزيل، وإلقاء الذكر في القلب واللسان بسبب ذلك الوحي، وبالجملة فالملائكة هم الوسائط بين الله تعالى، وبين عباده في الفوز بجميع السعادات العاجلة والآجلة والخيرات الجسمانية والروحانية، فلذلك أقسم الله بهم. القول الثاني: أن المراد من هذه الكلمات الخمس بأسرها الرياح، أقسم الله برياح عذاب أرسلها عرفاً، أي متتابعة كشعر العرف، كما قال: {أية : يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ } تفسير : [الروم: 46] {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرّيَاحَ } تفسير : [الحجر: 22] ثم إنها تشتد حتى تصير عواصف ورياح رحمة نشرت السحاب في الجو، كما قال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } تفسير : [النمل: 63] وقال: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِى ٱلسَّمَاء } تفسير : [الروم: 48] ويجوز أيضاً أن يقال: الرياح تعين النبات والزرع والشجر على النشور والإنبات، وذلك لأنها تلقح فيبرز النبات بذلك، على ما قال تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرّيَاحَ لَوَاقِحَ } تفسير : [الحجر: 22] فبهذا الطريق تكون الرياح ناشرة للنبات وفي كون الرياح فارقة وجوه أحدها: أن الرياح تفرق بعض أجزاء السحاب عن بعض وثانيها: أن الله تعالى خرب بعض القرى بتسليط الرياح عليها، كما قال: {أية : وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ } تفسير : [الحاقة: 6] وذلك سبب لظهور الفرق بين أولياء الله وأعداء الله وثالثها: أن عند حدوث الرياح المختلفة، وترتيب الآثار العجيبة عليها من تموج السحاب وتخريب الديار تصير الخلق مضطرين إلى الرجوع إلى الله والتضرع على باب رحمته، فيحصل الفرق بين المقر والمنكر والموحد والملحد، وقوله: {فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } معناه أن العاقل إذا شاهد هبوب الرياح التي تقلع القلاع، وتهدم الصخور والجبال، وترفع الأمواج تمسك بذكر الله والتجأ إلى إعانة الله، فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر والإيمان والعبودية في القلب، ولا شك أن هذه الإضافة تكون على سبيل المجاز من حيث إن الذكر حصل عند حدوث هذه. القول الثالث: من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمسة على القرآن، وعندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن، فقوله: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ } المراد منها الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: {عُرْفاً } أي نزلت هذه الآيات بكل عرف وخير وكيف لا وهي الهادية إلى سبيل النجاة والموصلة إلى مجامع الخيرات {فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } فالمراد أن دولة الإسلام والقرآن كانت ضعيفة في الأول، ثم عظمت وقهرت سائر الملل والأديان، فكأن دولة القرآن عصفت بسائر الدول والملل والأديان وقهرتها، وجعلتها باطلة دائرة، وقوله: {وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً } المراد أن آيات القرآن نشرت آثار الحكمة والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً، وقوله: {فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } فذلك ظاهر، لأن آيات القرآن هي التي تفرق بين الحق والباطل، ولذلك سمي الله تعالى القرآن فرقاناً، وقوله: {فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } فالأمر فيه ظاهر، لأن القرآن ذكر، كما قال تعالى: {أية : ص وَٱلْقُرْءانِ ذِى ٱلذّكْرِ } تفسير : [صۤ: 1] {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44] {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ }تفسير : [الأنبياء: 50] وتذكرة كما قال: {أية : وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الحاقة: 48] وذكرى كما قال: {أية : ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنعام: 90] فظهر أنه يمكن تفسير هذه الكلمات الخمسة بالقرآن، وهذا وإن لم يذكره أحد فإنه محتمل. القول الرابع: يمكن حملها أيضاً على بعثة الأنبياء عليهم السلام {والمرسلات علافاً } هم الأشخاص الذين أرسلوا بالوحي المشتمل على كل خير ومعروف، فإنه لا شك أنهم أرسلوا بلا إله إلا الله، وهو مفتاح كل خير ومعروف {فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } معناه أن أمر كل رسول يكون في أول الأمر حقيراً ضعيفاً، ثم يشتد ويعظم ويصير في القوة كعصف الرياح {وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً } المراد منه انتشار دينهم ومذهبهم ومقالتهم {فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } المراد أنهم يفرقون بين الحق والباطل والتوحيد والإلحاد {فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } المراد أنهم يدعون الخلق إلى ذكر الله، ويأمرونهم به ويحثونهم عليه. القول الخامس: أن يكون المراد أن الرجل قد يكون مشتغلاً بمصالح الدنيا مستغرقاً في طلب لذاتها وراحاتها، ففي أثناء ذلك يرد في قلبه داعية الإعراض عن الدنيا والرغبة في خدمة المولى، فتلك الدواعي هي المرسلات عرفاً، ثم هذه المرسلات لها أثران أحدهما: إزالة حب ما سوى الله تعالى عن القلب، وهو المراد من قوله: {فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } والثاني: ظهور أثر تلك الداعية في جميع الجوارح والأعضاء حتى لا يسمع إلا الله، ولا يبصر إلا الله، ولا ينظر إلا الله، فذلك هو قوله: {وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً } ثم عند ذلك ينكشف له نور جلال الله فيراه موجوداً، ويرى كل ما سواه معدوماً، فذلك قوله: {فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } ثم يصير العبد كالمشتهر في محبته، ولا يبقى في قلبه ولسانه إلا ذكره، فذلك قوله: {فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً }. واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة، وإن كانت غير مذكورة إلا أنها محتملة جداً. وأما الاحتمال الثاني: وهو أن لا يكون المراد من الكلمات الخمس شيئاً واحداً، ففيه وجوه الأول: ما ذكره الزجاج واختيار القاضي، وهو أن الثلاثة الأول هي الرياح، فقوله: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } هي الرياح التي تتصل على العرف المعتاد {والعاصفات} ما يشتد منه، {وٱلنَّـٰشِرٰتِ } ما ينشر السحاب. أما قوله: {فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } فهم الملائكة الذين يفرقون بين الحق والباطل، والحلال والحرام، بما يتحملونه من القرآن والوحي، وكذلك قوله: {فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } أنها الملائكة المتحملة للذكر الملقية ذلك إلى الرسل، فإن قيل: وما المجانسة بين الرياح وبين الملائكة حتى يجمع بينهما في القسم؟ قلنا: الملائكة روحانيون، فهم بسبب لطافتهم وسرعة حركاتهم كالرياح القول الثاني: أن الاثنين الأولين هما الرياح، فقوله: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً * فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } هما الرياح، والثلاثة الباقية الملائكة، لأنها تنشر الوحي والدين، ثم لذلك الوحي أثران أحدهما: حصول الفرق بين المحق والمبطل والثاني: ظهور ذكر الله في القلوب والألسنة، وهذا القول ما رأيته لأحد، ولكنه ظاهر الاحتمال أيضاً، والذي يؤكده أنه قال: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً، فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } عطف الثاني على الأول بحرف الفاء، ثم ذكر الواو فقال: {وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً } وعطف الاثنين الباقيين عليه بحرف الفاء، وهذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة القول الثالث: يمكن أيضاً أن يقال: المراد بالأولين الملائكة، فقوله: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } ملائكة الرحمة، وقوله: {فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } ملائكة العذاب، والثلاثة الباقية آيات القرآن، لأنها تنشر الحق في القلوب والأرواح، وتفرق بين الحق والباطل، وتلقي الذكر في القلوب والألسنة، وهذا القول أيضاً ما رأيته لأحد، وهو محتمل، ومن وقف على ما ذكرناه أمكنه أن يذكر فيه وجوهاً، والله أعلم بمراده. المسألة الثانية: قال القفال: الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم، والواو في بعض مبني على الأصل، وهو أن عند أهل اللغة الفاء تقتضي الوصل والتعلق، فإذا قيل: قام زيد فذهب، فالمعنى أنه قام ليذهب فكان قيامه سبباً لذهابه ومتصلاً به، وإذا قيل: قام وذهب فهما خبران كل واحد منهما قائم بنفسه لا يتعلق بالآخر، ثم إن القفال لما مهد هذا الأصل فرع الكلام عليه في هذه الآية بوجوه لا يميل قلبي إليها، وأنا أفرع على هذا الأصل فأقول: أما من جعل الأولين صفتين لشيء والثلاثة الأخيرة صفات لشيء واحد، فالإشكال عنه زائل، وأما من جعل الكل صفات لشيء واحد، فنقول: إن حملناها على الملائكة، فالملائكة إذا أرسلت طارت سريعاً، وذلك الطيران هو العصف، فالعصف مرتب على الإرسال فلا جرم ذكر الفاء، أما النشر فلا يترتب على الإرسال، فإن الملائكة أول ما يبلغون الوحي إلى الرسل لا يصير في الحال ذلك الدين مشهوراً منتشراً، بل الخلق يؤذون الأنبياء في أول الأمر وينسبونهم إلى الكذب والسحر والجنون، فلا جرم لم يذكر الفاء التي تفيد بل ذكر الواو، بلى إذا حصل النشر ترتب عليه حصول الفرق بين الحق والباطل وظهور ذكر الحق على الألسنة فلا جرم ذكر هذين الأمرين بحرف الفاء، فكأنه والله أعلم قيل: يا محمد إني أرسلت الملك إليك بالوحي الذي هو عنوان كل سعادة، وفاتحة كل خير، ولكن لا تطمع في أن ننشر ذلك الأمر في الحالة، ولكن لا بد من الصبر وتحمل المشقة، ثم إذا جاء وقت النصرة أجعل دينك ظاهراً منتشراً في شرق العالم وغربه، وعند ذلك الانتشار يظهر الفرق فتصير الأديان الباطلة ضعيفة ساقطة، ودينك هو الدين الحق ظاهراً غالباً، وهنالك يظهر ذلك الله على الألسنة، وفي المحاريب وعلى المنابر ويصير العالم مملوأ من ذكر الله، فهذا إذا حملنا هذه الكلمات الخمس على الملائكة، ومن عرف هذا الوجه أمكنه ذكر ما شابهه في الرياح وسائر الوجوه، والله أعلم. أما قوله: {عُذْراً أَوْ نُذْراً } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: فيهما قراءتان التخفيف وهو قراءة أبي عمرو وعاصم من رواية حفص والباقون قرأوا بالتثقيل، أما التخفيف فلا نزاع في كونه مصدراً، والمعنى إعذاراً وإنذاراً، وأما التثقيل فزعم أبو عبيدة أنه جمع وليس بمصدر، وأما الأخفش والزجاج فزعما أنه مصدر، والتثقيل والتخفيف لغتان، وقرر أبو علي قول الأخفش والزجاج، وقال: العذر والعذير والنذر والنذير مثل النكر والنكير، ثم قال أبو علي: ويجوز في قراءة من ثقل أن يكون عذراً جمع عاذر كشرف وشارف، وكذلك النذر يجوز أن يكون جمع نذير، قال تعالى: {أية : هَـٰذَا نَذِيرٌ مّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ } تفسير : [النجم: 56]. المسألة الثانية: في النصب ثلاثة أوجه، أما على تقدير كونه مصدراً فوجهان أحدهما: أن يكون مفعولاً على البدل من قوله: ذكراً والثاني: أن يكون مفعولاً له، والمعنى والملقيات ذكراً للأعذار والإنذار، وأما على تقدير كونه جمعاً، فنصب على الحال من الإلقاء والتقدير فالملقيات ذكراً حال كونهم عاذرين ومنذرين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً } جمهور المفسرين على أن المرسلات الرياح. وروى مسروق عن عبد الله قال: هي الملائكة أرسلت بالمعروف من أمر الله تعالى ونهيه والخبر والوحي. وهو قول أبي هريرة ومقاتل وأبي صالح والكلبيّ. وقيل: هم الأنبياء أرسلوا بلا إلٰه إلا الله؛ قاله ٱبن عباس. وقال أبو صالح: إنهم الرسل تُرْسَل بما يُعْرَفون به من المعجزات. وعن ٱبن عباس وٱبن مسعود: إنها الرياح؛ كما قال تعالى: { أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ } تفسير : [الحجر: 22] وقال: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ } تفسير : [الأعراف: 57]. ومعنى «عُرْفاً» يتبع بعضها بعضاً كعرف الفرس؛ تقول العرب: الناس إلى فلان عُرْفٌ واحد: إذا توجهوا إليه فأكثروا. وهو نصب على الحال من {وَٱلْمُرْسَلاَتِ} أي والرياح التي أرسلت متتابعة. ويجوز أن تكون مصدراً أي تِباعاً. ويجوز أن يكون النصب على تقدير حرف الجر، كأنه قال: والمرسلات بالعُرْف، والمراد الملائكة أو الملائكة والرسل. وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالمرسلات السحاب، لما فيها من نعمة ونقمة، عارفة بما أرسلت فيه ومن أرسلت إليه. وقيل: إنها الزواجر والمواعظ. و«عرفاً» على هذا التأويل متتابعات كعرف الفرس؛ قاله ٱبن مسعود. وقيل: جاريات؛ قاله الحسن؛ يعني في القلوب. وقيل: معروفات في العقول. {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} الرياح بغير اختلاف؛ قاله المهدويّ. وعن ٱبن مسعود: هي الرياح العواصف تأتي بالعصف، وهو ورق الزرع وحُطَامه؛ كما قال تعالى: { أية : فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً } تفسير : [الإسراء: 69]. وقيل: العاصفات الملائكة الموكّلون بالرياح يعصفون بها. وقيل: الملائكة تعصف بروح الكافر؛ يقال: عصف بالشيء أي أباده وأهلكه، وناقة عَصُوف أي تعصف براكبها، فتمضي كأنها ريح في السرعة، وعصفت الحرب بالقوم أي ذهبت بهم. وقيل: يحتمل أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخسوف. {وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً} الملائكة الموكلون بالسحب ينشرونها. وقال ٱبن مسعود ومجاهد: هي الرياح يرسلها الله تعالى نشراً بين يدي رحمته؛ أي تنشر السحاب للغيث. وروي ذلك عن أبي صالح. وعنه أيضاً: الأمطار؛ لأنها تنشر النبات، فالنشر بمعنى الإحياء؛ يقال: نشر الله الميّت وأنشره أي أحياه. وروى عنه السديّ: أنها الملائكة تنشر كتب الله عزّ وجلّ. وروى الضحاك عن ٱبن عباس قال: يريد ما ينشر من الكتب وأعمال بني آدم. الضحاك: إنها الصحف تنشر على الله بأعمال العباد. وقال الربيع: إنه البعث للقيامة تنشر فيه الأرواح. قال: «وَالنَّاشِرَاتِ» بالواو؛ لأنه ٱستئناف قسم آخر. {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً} الملائكة تنزل بالفرق بين الحقّ والباطل؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد والضحاك وأبو صالح. وروى الضحاك عن ٱبن عباس قال: ما تفرق الملائكة من الأقوات والأرزاق والآجال. وروى ٱبن إبي نجيح عن مجاهد قال: الفارقات الرياح تفرق بين السحاب وتبدّده. وعن سعيد عن قتادة قال: {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً} الفرقان، فَرّق الله فيه بين الحق والباطل والحرام والحلال. وقاله الحسن وٱبن كيسان. وقيل: يعني الرسل فَرَقوا بين ما أمر الله به ونهى عنه أي بيّنوا ذلك. وقيل: السحابات الماطرة تشبيهاً بالناقة الفارق وهي الحامل التي تخرج وتَنِدّ في الأرض حين تضع، ونوق فَوارِقُ وفُرَّق. وربما شبهوا السحابة التي تنفرد من السحاب بهذه الناقة؛ قال ذو الرمّة: شعر : أَوْ مُزْنَةٌ فارقٌ يَجْلو غَوارِبَها تَبَوّجُ الْبَرْقِ والظَّلْمَاءُ عُلْجُومُ تفسير : {فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} الملائكة بإجماع؛ أي تلقى كتب الله عز وجل إلى الأنبياء عليهم السلام؛ قاله المهدوي. وقيل: هو جبريل وسمي بٱسم الجمع؛ لأنه كان ينزل بها. وقيل: المراد الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل الله عليهم؛ قاله قُطْرب. وقرأ ٱبن عباس «فَالملقيَّات» بالتشديد مع فتح القاف؛ وهو كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [النمل: 6]. {عُذْراً أَوْ نُذْراً}: أي تلقى الوحي إعذاراً من الله أو إنذاراً إلى خلقه من عذابه؛ قاله الفراء. وروي عن أبي صالح قال: يعني الرسل يُعذرون ويُنذرون. وروى سعيد عن قتادة «عَذْراً» قال: عذراً لله جلّ ثناؤه إلى خلقه، ونَذْراً للمؤمنين ينتفعون به ويأخذون به. وروى الضحاك عن ٱبن عباس. «عُذْراً» أي ما يلقيه الله جل ثناؤه من معاذير أوليائه وهي التوبة «أَوْ نُذْراً» ينذر أعداءه. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص «أَوْ نُذْراً» بإسكان الذال وجميع السبعة على إسكان ذال «عُذْراً» سوى ما رواه الجُعْفِيّ والأعشى عن أبي بكر عن عاصم أنه ضم الذال. وروي ذلك عن ٱبن عباس والحسن وغيرهما. وقرأ إبراهيم التَّيمي وقتادة «عُذْراً وَنُذُراً» بالواو العاطفة ولم يجعلا بينهما ألفاً. وهما منصوبان على الفاعل له أي للإعذار أو للإنذار. وقيل: على المفعول به، قيل: على البدل من «ذِكْراً» أي فالملقيات عذراً أو نذراً. وقال أبو علي: يجوز أن يكون العذُر والنذُر بالتثقيل على جمع عاذر وناذر؛ كقوله تعالى: { أية : هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ } تفسير : [النجم: 56] فيكون نصباً على الحال من الإلقاء؛ أي يلقون الذكر في حال العذر والإنذار. أو يكون مفعولاً لـ«ـذكراً» أي «فَالْمُلْقِيات» أي تُذَكِّر {عُذْراً أَوْ نُذْراً}. وقال المبرد: هما بالتثقيل جمع والواحد عَذير ونَذير. {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} هذا جواب ما تقدم من القسم؛ أي ما توعدون من أمر القيامة لواقع بكم ونازل عليكم. ثم بيّن وقت وقوعه فقال: {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ} أي ذهب ضوءها ومُحِي نورُها كطمس الكتاب؛ يقال: طَمَس الشيء إذا درس وطُمِس فهو مطموس، والريح تطمُس الآثار فتكون الريح طامسة والأثر طامساً بمعنى مطموس. {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ} أي فُتِحت وشُقَّت؛ ومنه قوله تعالى: { أية : وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً } تفسير : [النبأ: 19].وروى الضحاك عن ٱبن عباس قال: فُرجت للطيّ. {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ} أي ذهب بها كلها بسرعة؛ يقال: نَسفْتُ الشيءَ وأنسفته: إذا أخذته كله بسرعة. وكان ٱبن عباس والكلبيّ يقول: سُوِّيت بالأرض، والعرب تقول: فَرَس نَسُوف إذا كان يؤخر الحزام بمرفقيه؛ قال بِشْر: شعر : نَسُـوفٌ لِلحِـزَام بمرفقيهـا تفسير : ونَسَفت الناقةُ الكلأَ: إذا رعته. وقال المبرد: نُسِفت قُلِعت من موضعها؛ يقول الرجل للرجل يقتلع رجليه من الأرض: أَنْسَفت رجلاه. وقيل: النَّسْف تفريق الأجزاء حتى تذروها الرياح. ومنه نسف الطعام؛ لأنه يُحرَّك حتى يذهب الريح بعض ما فيه من التِّبْن. {وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ} أي جمعت لوقتها ليوم القيامة، والوقت الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه؛ فالمعنى: جعل لها وقت وأجل للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم؛ كما قال تعالى: { أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ } تفسير : [النساء: 109]. وقيل: هذا في الدنيا أي جمعت الرسل لميقاتها الذي ضرب لها في إنزال العذاب بمن كذبهم بأن الكفّار مُمْهَلون. وإنما تزول الشكوك يوم القيامة. والأوّل أحسن؛ لأن التوقيت معناه شيء يقع يوم القيامة، كالطمس ونَسْف الجبال وتشقيق السماء ولا يليق به التأقيت قبل يوم القيامة. قال أبو علي: أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتاً. وقيل: أُقِّتت وُعِدت وأُجِّلت. وقيل: {أُقِّتَتْ} أي أرسلت لأوقات معلومة على ما علمه الله وأراد. والهمزة في {أُقِّتَتْ} بدل من الواو؛ قاله الفراء والزجاج. قال الفراء: وكل واو ضُمَّت وكانت ضمتها لازمة جاز أن يبدل منها همزة؛ تقول: صلّى القوم إِحْدانا تريد وِحْدانا، ويقولون هذه وُجُوه حسان و أُجُوه. وهذا لأن ضمة الواو ثقيلة. ولم يجز البدل في قوله: «وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» لأن الضمة غير لازمة. وقرأ أبو عمرو وحميد والحسن ونصر. وعن عاصم ومجاهد «وُقِّتَتْ» بالواو وتشديد القاف على الأصل. وقال أبو عمرو: وإنما يقرى «أُقِّتَتْ» من قال في وُجُوه أجُوه. وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج «وُقِتَت» بالواو وتخفيف القاف. وهو فُعِلّت من الوقت ومنه «كِتَاباً مَوْقُوتاً». وعن الحسن أيضاً: «وُوِقِتَتْ» بواوين، وهو فُوعِلت من الوقت إيضاً مثل عُوهِدت. ولو قلبت الواو في هاتين القراءتين ألفاً لجاز. وقرأ يحيـى وأيوب وخالد بن إلياس وسلاَم «أُقِتَتْ» بالهمزة والتخفيف؛ لأنها مكتوبة في المصحف بالألف. {لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ}؟ أي أخرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم فهو ٱستفهام على التعظيم. أي {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ} أُجِّلت. وروى سعيد عن قتادة قال: يفصل فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة أو إلى النار. وفي الحديث: « حديث : إذا حشر الناس يوم القيامة قاموا أربعين عاماً على رؤوسهم الشمسُ شاخصةً أبصارهم إلى السماء ينتظرون الفصل » تفسير : . {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} أتبع التعظيم تعظيماً؛ أي وما أعلمك ما يوم الفصل؟ {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي عذاب وخزي لمن كذّب بالله وبرسله وكتبه وبيوم الفصل فهو وعيد. وكرره في هذه السورة عند كل آية لمن كذب؛ لأنه قسمه بينهم على قدر تكذيبهم، فإن لكل مكّذب بشيء عذاباً سوى تكذيبه بشيء آخر، ورُبّ شيء كذّب به هو أعظم جُرْماً من تكذيبه بغيره؛ لأنه أقبح في تكذيبه، وأعظم في الردّ على الله، فإنما يقسّم له من الويل على قدر ذلك، وعلى قدر وفاقه وهو قوله: {جَزَآءً وِفَاقاً}. وروي عن النعمان بن بشير قال: وَيْلٌ: وادٍ في جهنم فيه ألوان العذاب. وقاله ٱبن عباس وغيره. قال ٱبن عباس: إذا خَبَت جهنُم أُخذ من جمره فألقى عليها فيأكل بعضها بعضاً. وروي أيضاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : عُرضت عليّ جهنم فلم أَرَ فيها وادياً أعظم من الويْل » تفسير : وروي أنه مَجْمَع ما يسيل من قيح أهل النار وصديدهم، وإنما يسيل الشيء فيما سفل من الأرض وٱنفطر، وقد علم العباد في الدنيا أن شر المواضع في الدنيا ما ٱستنقع فيها مياه الأدناس والأقذار والغُسالات من الجيف وماء الحمامات؛ فذكر أن ذلك الوادي. مستنقع صديد أهل الكفر والشرك؛ ليعلم ذوو العقول أنه لا شيء أقذر منه قذارة، ولا أنتن منه نتْناً، ولا أشدّ منه مرارةً، ولا أشدّ سواداً منه؛ ثم وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما تضمن من العذاب، وأنه أعظم وادٍ في جهنم، فذكره الله تعالى في وعيده في هذه السورة.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها خمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } إقسام بطوائف من الملائكة أرسلهن الله تعالى بأوامره متتابعة. فعصفن عصف الرياح في امتثال أمره، ونشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى بالجهل بما أوحين من العلم، ففرقن بين الحق والباطل، فألقين إلى الأنبياء ذكراً عذراً للمحقين ونذراً للمبطلين، أو بآيات القرآن المرسلة بكل عرف إلى محمد عليه الصلاة والسلام، فعصفن سائر الكتب والأديان بالنسخ ونشرن آثار الهدى والحكم في الشرق والغرب، وفرقن بين الحق والباطل فألقين ذكر الحق فيما بين العالمين. أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها فعصفن ما سوى الحق ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، ففرقن بين الحق بذاته والباطل في نفسه فيرون كل شيء هالكاً إلا وجهه، فألقين ذكراً بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلا ذكر الله تعالى. أو برياح عذاب أرسلن فعصفن، ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو، ففرقن فألقين ذكراً أي تسببن له، فإن العاقل إذا شاهد هبوبها وآثارها ذكر الله تعالى وتذكر كمال قدرته، وعرفاً إما نقيض النكر وانتصابه على العلة أي أرسلن للإِحسان والمعروف، أو بمعنى المتتابعة من عرف الفرس وانتصابه على الحال. {عُذْراً أَوْ نُذْراً } مصدران لعذر إذا محا الإِساءة وأنذر إذا خوف، أو جمعان لعذير بمعنى المعذرة ونذير بمعنى الإِنذار، أو بمعنى العاذر والمنذر، ونصبهما على الأولين بالعلية أي {عُذْراً } للمحقين {أَوْ نُذْراً } للمبطلين، أو البدل من {ذِكْراً } على أن المراد به الوحي أو ما يعم التوحيد والشرك والإِيمان والكفر وعلى الثالث بالحالية، وقرأهما أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص بالتخفيف. {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوٰقِعٌ } جواب القسم ومعناه أن الذي توعدونه من مجيء القيامة كائن لا محالة. {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ } محقت أو أذهب نورها. {وَإِذَا ٱلسَّمَاء فُرِجَتْ } صدعت. {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ } كالحب ينسف بالمنسف. {وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقّتَتْ } عين لها وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على الأمم بحصوله، فإنه لا يتعين لهم قبله، أو بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره، وقرأ أبو عمرو «وقتت» على الأصل. {لأَيّ يَوْمٍ أُجّلَتْ } أي يقال لأي يوم أخرت، وضرب الأجل للجمع وهو تعظيم لليوم وتعجيب من هوله، ويجوز أن يكون ثاني مفعولي {أُقّتَتْ } على أنه بمعنى أعلمت. {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ } بيان ليوم التأجيل. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } أي بذلك، و {وَيْلٌ } في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعله عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات الهلك للمدعو عليه، و {يَوْمَئِذٍ } ظرفه أو صفته. {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ } كقوم نوح وعاد وثمود، وقرىء «نُهْلِكِ » من هلكه بمعنى أهلكه.
ابن كثير
تفسير : قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا زكريا بن سهل المروزي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أخبرنا الحسين بن واقد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة: { وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً} قال: الملائكة، وروي عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات، والسدي والربيع بن أنس مثل ذلك، وروي عن أبي صالح أنه قال: هي الرسل، وفي رواية عنه: أنها الملائكة، وهكذا قال أبو صالح في: العاصفات، والناشرات، والفارقات، والملقيات، أنها الملائكة. وقال الثوري عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن أبي العبيدين قال: سألت ابن مسعود عن المرسلات عرفاً، قال: الريح، وكذا قال في: { فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً وٱلنَّـٰشِرَٰتِ نَشْراً } إنها الريح، وكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية عنه، وتوقف ابن جرير في: { وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً} هل هي الملائكة إذا أرسلت بالعرف، أو كعرف الفرس يتبع بعضهم بعضاً، أو هي الرياح إذا هبت شيئاً فشيئاً؟ وقطع بأن العاصفات عصفاً الرياح؛ كما قاله ابن مسعود ومن تابعه، وممن قال ذلك في العاصفات عصفاً أيضاً علي بن أبي طالب والسدي، وتوقف في الناشرات نشراً، هل هي الملائكة، أو الريح؟ كما تقدم. وعن أبي صالح: أن الناشرات نشراً هي المطر، والأظهر أن المرسلات هي الرياح؛ كما قال تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} تفسير : [الحجر: 22] وقال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} تفسير : [الأعراف: 57] وهكذا العاصفات هي الرياح، يقال: عصفت الرياح، إذا هبت بتصويت، وكذا الناشرات هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب عز وجل. وقوله تعالى: { فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً } يعني: الملائكة. قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري، ولا خلاف ههنا؛ فإنها تنزل بأمر الله على الرسل، تفرق بين الحق والباطل، والهدى والغي، والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحياً فيه إعذار إلى الخلق، وإنذار لهم عقاب الله إن خالفوا أمره. وقوله تعالى: { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ} هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام، أي: ما وعدتم به؛ من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبعث الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، إن هذا كله لواقع، أي: لكائن لامحالة. ثم قال تعالى: { فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ} أي: ذهب ضوءُها كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} تفسير : [التكوير: 2] وكقوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} تفسير : [الانفطار: 2] { وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ} أي: انفطرت وانشقت، وتدلت أرجاؤها، ووهت أطرافها. { وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ} أي: ذهب بها، فلا يبقى لها عين ولا أثر؛ كقوله تعالى: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفاً} تفسير : [طه: 105] الآية. وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 47] وقوله تعالى: { وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ} قال العوفي عن ابن عباس: جمعت. وقال ابن زيد: وهذه كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} تفسير : [المائدة: 109] وقال مجاهد: {أُقِّتَتْ}: أجلت. وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم: {أُقِّتَتْ}: أوعدت، وكأنه يجعلها كقوله تعالى: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ وَجِـىءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 64]. ثم قال تعالى: { لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} يقول تعالى: لأي يوم أجلت الرسل، وأرجىء أمرها؟ حتى تقوم الساعة؛ كما قال تعالى: {أية : فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } تفسير : [إبراهيم: 47 ــــ 48] وهو يوم الفصل؛ كما قال تعالى: { لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ} ثم قال تعالى معظماً لشأنه: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } أي: ويل لهم من عذاب الله غداً. وقد قدمنا في الحديث: أن ويل: واد في جهنم، ولا يصح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلْمُرْسَلَٰتِ عُرْفاً } أي الرياح متتابعة كعرف الفرس يتلو بعضه بعضاً ونصبه على الحال.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } قال جمهور المفسرين: هي الرياح. وقيل: هي الملائكة، وبه قال مقاتل، وأبو صالح، والكلبي. وقيل: هم الأنبياء، فعلى الأوّل أقسم سبحانه بالرياح المرسلة لما يأمرها به، كما في قوله: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرّيَاحَ لَوَاقِحَ } تفسير : [الحجر: 23] وقوله: {أية : يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ } تفسير : [الروم: 48] وغير ذلك. وعلى الثاني أقسم سبحانه بالملائكة المرسلة بوحيه وأمره ونهيه. وعلى الثالث أقسم سبحانه برسله المرسلة إلى عباده لتبليغ شرائعه، وانتصاب {عُرْفاً } إما على أنه مفعول لأجله، أي: المرسلات لأجل العرف، وهو ضدّ النكر، ومنه قول الشاعر:شعر : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس تفسير : أو على أنه حال بمعنى متتابعة يتبع بعضها بعضاً كعرف الفرس، تقول العرب: سار الناس إلى فلان عرفاً واحداً: إذا توجهوا إليه، وهم على فلان كعرف الضبع: إذا تألبوا عليه، أو على أنه مصدر كأنه قال: والمرسلات إرسالاً، أي: متتابعة، أو على أنه منصوب بنزع الخافض، أي: والمرسلات بالعرف. قرأ الجمهور: {عرفاً} بسكون الراء. وقرأ عيسى بن عمر بضمها. وقيل: المراد بالمرسلات السحاب لما فيها من نعمة ونقمة: {فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } وهي الرياح الشديدة الهبوب. قال القرطبي بغير اختلاف: يقال عصف بالشيء: إذا أباده وأهلكه، وناقة عصوف، أي: تعصف براكبها، فتمضي كأنها ريح في السرعة، ويقال عصفت الحرب بالقوم إذا ذهبت بهم. وقيل: هي الملائكة الموكلون بالرياح يعصفون بها، وقيل: يعصفون بروح الكافر. وقيل: هي الآيات المهلكة كالزلازل، ونحوها {وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً } يعني: الرياح تأتي بالمطر، وهي تنشر السحاب نشراً، أو الملائكة الموكلون بالسحاب ينشرونها، أو ينشرون أجنحتهم في الجوّ عند النزول بالوحي، أو هي الأمطار لأنها تنشر النبات. وقال الضحاك: يريد ما ينشر من الكتب وأعمال بني آدم. وقال الربيع: إنه البعث للقيامة بنشر الأرواح، وجاء بالواو هنا لأنه استئناف قسم آخر: {فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } يعني: الملائكة تأتي بما يفرّق بين الحق والباطل. والحلال والحرام. وقال مجاهد: هي الريح تفرق بين السحاب فتبدّده. وروي عنه أنها آيات القرآن تفرق بين الحق والباطل، وقيل: هي الرسل فرقوا ما بين ما أمر الله به ونهى عنه، وبه قال الحسن: {فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } هي الملائكة. قال القرطبي بإجماع، أي: تلقي الوحي إلى الأنبياء. وقيل: هو جبريل، وسمي باسم الجمع تعظيماً له. وقيل: هي الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل الله عليهم، قاله قطرب. قرأ الجمهور: {فالملقيات} بسكون اللام، وتخفيف القاف اسم فاعل، وقرأ ابن عباس بفتح اللام، وتشديد القاف من التلقية وهي إيصال الكلام إلى المخاطب، والراجح أن الثلاثة الأول للرياح، والرابع والخامس للملائكة، وهو الذي اختاره الزجاج، والقاضي، وغيرهما. {عُذْراً أَوْ نُذْراً } انتصابهما على البدل من {ذكراً}، أو على المفعولية، والعامل فيهما المصدر المنوّن، كما في قوله: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً } تفسير : [البلد: 14، 15] أو على المفعول لأجله، أي: للإعذار والإنذار، أو على الحال بالتأويل المعروف، أي: معذرين أو منذرين. قرأ الجمهور بإسكان الذال فيهما. وقرأ زيد بن ثابت، وابنه خارجة بن زيد، وطلحة بضمهما. وقرأ الحرميان، وابن عامر، وأبو بكر بسكونها في عذراً وضمها في نذراً. وقرأ الجمهور: {عذراً أو نذراً} على العطف بـ"أو". وقرأ إبراهيم التيمي، وقتادة على العطف بالواو بدون ألف، والمعنى: أن الملائكة تلقي الوحي إعذاراً من الله إلى خلقه، وإنذاراً من عذابه، كذا قال الفرّاء. وقيل: عذراً للمحقين ونذراً للمبطلين. قال أبو عليّ الفارسي: يجوز أن يكون العذر والنذر بالتثقيل جمع عاذر وناذر كقوله: {أية : هَـٰذَا نَذِيرٌ مّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ } تفسير : [النجم: 56] فيكون نصباً على الحال من الإِلقاء، أي: يلقون الذكر في حال العذر والإنذار، أو مفعولان لذكراً، أي: تذكر عذراً أو نذراً. قال المبرد: هما بالتثقيل جمع، والواحد عذير ونذير. ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوٰقِعٌ } أي: إن الذي توعدونه من مجيء الساعة والبعث كائن لا محالة. ثم بيّن سبحانه متى يقع ذلك، فقال: {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ } أي: محي نورها، وذهب ضوؤها، يقال طمس الشيء: إذا درس وذهب أثره {وَإِذَا ٱلسَّمَاء فُرِجَتْ } أي: فتحت وشقت، ومثله قوله: {أية : وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوٰباً } تفسير : [النبأ: 19] {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ } أي: قلعت من مكانها بسرعة، يقال: نسفت الشيء وأنسفته: إذا أخذته بسرعة. وقال الكلبي: سوّيت بالأرض، والعرب تقول: نسفت الناقة الكلأ: إذا رعته. وقيل: جعلت كالحبّ الذي ينسف بالمنسف، ومنه قوله: {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً }تفسير : [الواقعة: 5] والأوّل أولى. قال المبرد: نسفت قلعت من مواضعها. {وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقّتَتْ } الهمزة في {أقتت} بدل من الواو المضمومة، وكل واو انضمت، وكانت ضمتها لازمة يجوز إبدالها بالهمزة، وقد قرأ بالواو أبو عمرو، وشيبة، والأعرج، وقرأ الباقون بالهمزة، والوقت: الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه، والمعنى: جعل لها وقت للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم، كما في قوله سبحانه: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ } تفسير : [المائدة: 109] وقيل: هذا في الدنيا، أي: جمعت الرسل لميقاتها الذي ضرب لها في إنزال العذاب بمن كذبها، والأوّل أولى. قال أبو عليّ الفارسي، أي: جعل يوم الدين والفصل لها وقتاً. وقيل {أقتت}: أرسلت لأوقات معلومة على ما علم الله به {لأَيّ يَوْمٍ أُجّلَتْ } هذا الاستفهام للتعظيم والتعجيب، أي: لأيّ يوم عظيم يعجب العباد منه لشدّته ومزيد أهواله ضرب لهم الأجل لجمعهم، والجملة مقول قول مقدر هو جواب لـ"إذا"، أو في محل نصب على الحال من الضمير في {أقتت}. قال الزجاج: المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم. ثم بيّن هذا اليوم فقال: {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ } قال قتادة: يفصل فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة والنار، ثم عظم ذلك اليوم فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } أي: وما أعلمك بيوم الفصل، يعني: أنه أمر بديع هائل لا يقادر قدره، و"ما" مبتدأ وأدراك خبره، أو العكس كما اختاره سيبويه. ثم ذكر حال الذين كذبوا بذلك اليوم فقال: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } أي: ويل لهم في ذلك اليوم الهائل، وويل أصل مصدر سادّ مسد فعله، وعدل به إلى الرفع للدلالة على الثبات، والويل الهلاك، أو هو اسم واد في جهنم، وكرّر هذه الآية في هذه السورة؛ لأنه قسم الويل بينهم على قدر تكذيبهم، فإن لكل مكذب بشيء عذاباً سوى تكذيبه بشيء آخر، وربّ شيء كذب به هو أعظم جرماً من التكذيب بغيره، فيقسم له من الويل على قدر ذلك التكذيب. ثم ذكر سبحانه ما فعل بالكفار من الأمم الخالية فقال: {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ } أخبر سبحانه بإهلاك الكفار من الأمم الماضية من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم. قال مقاتل: يعني: بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم. {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلأَخِرِينَ } يعني: كفار مكة، ومن وافقهم حين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم قرأ الجمهور: {نتبعهم} بالرفع على الاستئناف، أي: ثم نحن نتبعهم. قال أبو البقاء: ليس بمعطوف؛ لأن العطف يوجب أن يكون المعنى: أهلكنا الأولين ثم أتبعناهم الآخرين في الإهلاك. وليس كذلك؛ لأن إهلاك الآخرين لم يقع بعد. ويدل على الرفع قراءة ابن مسعود: (ثم سنتبعهم الآخرين) وقرأ الأعرج، والعباس عن أبي عمرو ونتبعهم بالجزم عطفاً على {نهلك}. قال شهاب الدين: على جعل الفعل معطوفاً على مجموع الجملة من قوله: {أَلَمْ نُهْلِكِ }. {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ } أي: مثل ذلك الفعل الفظيع نفعل بهم، يريد من يهلكه فيما بعد، والكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف، أي: مثل ذلك الإهلاك نفعل بكل مشرك إما في الدنيا أو في الآخرة: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } أي: ويل يوم ذلك الإهلاك للمكذبين بكتب الله ورسله. قيل: الويل الأوّل لعذاب الآخرة، وهذا لعذاب الدنيا. {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاء مَّهِينٍ } أي: ضعيف حقير، وهو النطفة {فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } أي: مكان حريز، وهو الرحم: {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ } أي: إلى مقدار معلوم وهو مدّة الحمل. وقيل: إلى أن يصوّر {فَقَدَرْنَا } قرأ الجمهور: {فقدرنا} بالتخفيف. وقرأ نافع، والكسائي بالتشديد من التقدير. قال الكسائي، والفرّاء: وهما لغتان بمعنى تقول: قدّرت كذا وقدرته {فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ } أي: نعم المقدّرون نحن. قيل المعنى: قدّرناه قصيراً أو طويلاً. وقيل: معنى {قدّرنا} ملكنا {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } بقدرتنا على ذلك. ثم بيّن لهم بديع صنعه، وعظيم قدرته ليعتبروا فقال: {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً } معنى الكفت في اللغة: الضم والجمع، يقال كفت الشيء: إذا ضمه وجمعه، ومن هذا يقال: للجراب والقدر كفت، والمعنى: ألم نجعل الأرض ضامة للأحياء على ظهرها، والأموات في باطنها تضمهم وتجمعهم. قال الفرّاء: يريد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم وتكفتهم أمواتاً في بطنها، أي: تحوزهم وهو معنى قوله: {أَحْيَاء وَأَمْوٰتاً } وأنشد سيبويه:شعر : كرام حين تنكفت الأفاعي إلى أجحارهنّ من الصقيع تفسير : قال أبو عبيدة: كفاتاً أوعية، ومنه قول الشاعر:شعر : فأنت اليوم فوق الأرض حي وأنت غداً تضمن في كفات تفسير : أي: في قبر، وقيل: معنى جعلها كفاتاً: أنه يدفن فيها ما يخرج من الإنسان من الفضلات. وقال الأخفش، وأبو عبيدة: الأحياء والأموات وصفان للأرض، أي: الأرض منقسمة إلى حيّ وهو الذي ينبت، وإلى ميت وهو الذي لا ينبت. قال الفرّاء: انتصاب أحياء، وأمواتاً بوقوع الكفات عليه، أي: ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات، فإذا نوّن نصب ما بعده. وقيل: نصباً على الحال من الأرض، أي: منها كذا ومنها كذا. وقيل: هو مصدر نعت به للمبالغة. وقال الأخفش: كفاتاً جمع كافتة، والأرض يراد بها الجمع، فنعتت بالجمع. وقال الخليل: التكفت تقليب الشيء ظهراً لبطن، أو بطناً لظهر، ويقال انكفت القوم إلى منازلهم، أي: ذهبوا. {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شَـٰمِخَـٰتٍ } أي: جبالاً طوالاً، والرواسي الثوابت، والشامخات الطوال، وكل عال فهو شامخ {وَأَسْقَيْنَـٰكُم مَّاء فُرَاتاً } أي: عذباً، والفرات الماء العذب يشرب منه ويسقى به. قال مقاتل: وهذا كله أعجب من البعث. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } بما أنعمنا عليهم من نعمنا التي هي من جملتها. وقد أخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن أبي هريرة: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } قال: هي الملائكة أرسلت بالعرف. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } قال: الريح {فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } قال: الريح {وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً } قال: الريح. وأخرج ابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب أنه جاء رجل إلى عليّ بن أبي طالب، فقال: ما العاصفات عصفاً؟ قال الرياح. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } قال: الريح {فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } قال: الريح {فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } قال: الملائكة {فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } قال: الملائكة. وأخرج ابن المنذر عنه: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } قال: الملائكة {فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } قال: الملائكة، فرقت بين الحق والباطل {فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } قال: بالتنزيل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن ابن مسعود قال: ويل واد في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار، فجعل للمكذبين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: {مّن مَّاء مَّهِينٍ } قال: ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه {كِفَاتاً } قال: كنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {رَوَاسِىَ شَـٰمِخَـٰتٍ } قال: جبالاً مشرفات، وفي قوله: {فُرَاتاً } قال: عذباً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {والمرسلات عُرْفاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الملائكة ترسل بالمعروف، قاله أبو هريرة وابن مسعود. الثاني: أنهم الرسل يرسلون بما يُعرفون به من المعجزات، وهذا قول أبي صالح. الثالث: أنها الرياح ترسل بما عرفها الله تعالى. ويحتمل رابعاً: أنها السحب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أرسلت فيه، ومن أرسلت إليه. ويحتمل خامساً: أنها الزواجر والمواعظ. وفي قوله " عُرْفاً " على هذا التأويل ثلاثة أوجه: أحدها: متتابعات كعُرف الفرس، قاله ابن مسعود. الثاني: جاريات، قاله الحسن يعني القلوب. الثالث: معروفات في العقول. {فالعاصِفاتِ عَصْفاً} فيه قولان: أحدهما: أنها الرياح العواصف، قاله ابن مسعود. الثاني: الملائكة، قاله مسلم بن صبيح. ويحتمل قولاً ثالثاً: أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخسوف. وفي قوله " عصفاً" وجهان: أحدهما: ما تذروه في جريها. الثاني: ما تهلكه بشدتها. {والنَّاشِراتِ نَشْراً} فيه خمسة أوجه: أحدها: أنها الرياح تنشر السحاب، قاله ابن مسعود. الثاني: أنها الملائكة تنشر الكتب، قاله أبو صالح أيضاً. الثالث: أنه المطر ينشر النبات، قاله ابو صالح أيضاً. الرابع: أنه البعث للقيامة تُنشر فيه الأرواح، قاله الربيع. الخامس: أنها الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد، قاله الضحاك. {فالفارِقات فَرقاً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: الملائكة التي تفرق بين الحق والباطل، قاله ابن عباس. الثاني: الرسل الذين يفرقون بين الحلال والحرام، قاله أبو صالح. الثالث: أنها الرياح، قاله مجاهد. الرابع: القرآن. وفي تأويل قوله " فَرْقاً" على هذا القول وجهان: أحدهما: فرقه آية آية، قاله الربيع. الثاني: فرق فيه بين الحق والباطل، قاله قتادة. {فالمُلْقِياتِ ذِكْراً} فيه قولان: أحدهما: الملائكة تلقي ما حملت من الوحي والقرآن إلى من أرسلت إليه من الأنبياء، قاله الكلبي. الثاني: الرسل يلقون على أممهم ما أنزل إليهم، قاله قطرب. ويحتمل ثالثاً: أنها النفوس تلقي في الأجساد ما تريد من الأعمال. {عُذْراً أو نُذْراً} يعني عذراً من الله إلى عباده، ونُذْراً إليهم من عذابه. ويحتمل ثانياً: عذراً من الله بالتمكن، ونذراً بالتحذير. وفي ما جعله عذراً أو نذراً ثلاثة أقاويل: أحدها: الملائكة، قاله ابن عباس. الثاني: الرسل، قاله أبو صالح. الثالث: القرآن، قاله السدي. {إنما تُوعَدُونَ لَواقعٌ} هذا جواب ما تقدم من القسم، لأن في أول السورة قسم، أقسم الله تعالى إنما توعدون على لسان الرسول من القرآن في أن البعث والجزاء واقع بكم ونازل عليكم. ثم بيّن وقت وقوعه فقال: {فإذا النجومُ طُمِسَتْ} أي ذهب ضوؤها ومحي نورها كطمس الكتاب. {وإذا السماءُ فُرِجَتْ} أي فتحت وشققت. {وإذا الجبالُ نُسِفَتْ} أي ذهبت، وقال الكلبي: سويت بالأرض. {وإذا الرّسُلُ أُقِّتَتْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني أُودت، قاله إبراهيم. الثاني: أُجلت، قاله مجاهد. الثالث: جمعت، قاله ابن عباس. وقرأ أبو عمرو " وقتت " ومعناها عرفت ثوابها في ذلك اليوم، وتحتمل هذه القراءة وجهاً آخر أنها دعيت للشهادة على أممها.
ابن عطية
تفسير : قال كثير من المفسرين: {المرسلات} ، الرسل إلى الناس من الأنبياء كأنه قال: والجماعات المرسلات، وقال أبو صالح ومقاتل وابن مسعود: {المرسلات} الملائكة المرسلة بالوحي، وبالتعاقب على العباد طرفي النهار، وقال ابن مسعود أيضاً وابن عباس ومجاهد وقتادة: {المرسلات} ، الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: {المرسلات} السحاب و {عرفاً} معناه على القول الأول {عرفاً} من الله وإفضالاً على عباده ببعثه الرسل. ومنه قول الشاعر: [الحطيئة]: [البسيط] شعر : من يفعل الخير لا يعدمْ جوازيَهُ لا يذهب العرف بين الله والناس تفسير : ويحتمل أن يريد بقوله {عرفاً} أي متتابعة على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: الناس إلى فلان عرف واحد إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد بالعرف أي بالحق، والأمر بالمعروف، وهذه الأقوال في عرف تتجه في قول من قال في {المرسلات} إنها الملائكة، ومن قال إن {المرسلات} الرياح اتجه في العرف القول الأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة وبها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا فقه فيه، ويكون الصنف الآخر من الرياح في قوله {فالعاصفات عصفاً} ويحتمل أن يكون بمعنى {والمرسلات} الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي {العاصفات} ،ويحتمل أن يريد بالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب هب عرف من ريح، والقول في العرف مع أن {المرسلات} هي الرياح يطرد على أن {المرسلات} السحاب، وقرأ عيسى " عُرفاً " بضم الراء، و {العاصفات} من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره، واختلف الناس في قولهم {والناشرات} فقال مقاتل والسدي هي الملائكة تنشر صحف العباد بالأعمال، وقال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: {الناشرات} الرمم الناشرات في بعث يوم القيامة يقال نشرت الميت، ومنه قول الأعشى: [السريع] شعر : يا عجباً للميت الناشر تفسير : وقال آخرون: {الناشرات} التي يجيء بالأمطار تشبه بالميت ينشر، وقال أبو صالح: {الناشرات} الأمطار التي تحيي الأرض، وقال بعض المتأولين: {الناشرات} طوائف الملائكة التي تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث فكأنهم يحيونهم، و {الفارقات} قال ابن عباس وابن مسعود وأبو صالح ومجاهد والضحاك: هي الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتادة والحسن وابن كيسان: {الفارقات} ،آيات القرآن، وأما {الملقيات ذكراً} فهي في قول الجمهور الملائكة. قال مقاتل جبريل وقال آخرون هي الرسل، وقرأ جمهور الناس: " فالملْقيات " بسكون اللام أي تلقيه من عند الله أو بأمره إلى الرسل. وقرأ ابن عباس فيما ذكر المهدوي، " فالملَقَّيات " بفتح اللام والقاف وشدها، أي تلقيه من قبل الله تعالى، وقرأ ابن عباس أيضاً " فالملَقَّيات " بفتح اللام وشد القاف وكسرها، أي تلقيه هي الرسل، و " الذكر " الكتب المنزلة والشرائع ومضمناتها. واختلف القراء في قوله تعالى: {عذراً أو نذراً} ، فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو جعفر وشيبة بسكون الذال في " عذْر" وضمها في " نذُر "، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وإبراهيم التيمي بسكون الذال فيهما، وقرأ طلحة وعيسى والحسن بخلاف، وزيد بن ثابت وأبو جعفر وأبو حيوة والأعمش عن أبي بكر عن عاصم بضمها فيهما فإسكان الذال على أنهما مصدران يقال عذْر وعذير ونذْير كنكر ونكير، وضم الذال يصح معه المصدر، ويصح أن يكون جمعاً لنذير وعاذر للذين هما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قوله {عذراً أو نذراً} فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من الذكر، ويصح أن يكون على المفعول للذكر كأنه قال {فالملقيات} أن يذكر {عذراً} ويصح أن يكون {عذراً} مفعولاً لأجله أي يلقي الذكر من أجل الإعذار، وأما إذا كان {عذراً أو نذراً} جمعاً فالنصب على الحال. وقرأ إبراهيم التيمي " عذراً أو نذراً " بواو بدل {أو} وقوله تعالى: {إن ما توعدون لواقع} هو الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و "طمس النجوم ": إزالة ضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و " فرج السماء ": هو بانفطارها حتى يحدث فيها فروج، و " نسف الجبال ": هو بعد التسيير وقيل كونها هباء وهو تفريقها بالريح. وقرأ جمهور القراء: " أقّتت " بالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمزة عيسى وخالد، وقرأ أبو عمرو وحده " وقتت " بالواو، وأبو الأشهب وعيسى وعمرو بن عبيد، قال عيسى هي لغة سفلى مضر، وقرأ أو جعفر بواو واحدة خفيفة القاف وهي قراءة ابن مسعود والحسن، وقرأ الحسن بن أبي الحسن " ووقت " بواوين على وزن فوعلت، والمعنى جعل لها وقت منتظر فجاء وحان. والواو في هذا كله الأصل والهمزة بدل. وقوله تعالى: {لأي يوم أجلت} تعجيب على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فسر تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله {ليوم الفصل} يعني بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الأحكام ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم تعالى يوم الفصل بقوله: {وما أدراك ما يوم الفصل} على نحو قوله تعالى: {أية : وما أدراك ما الحاقة} تفسير : [الحاقة:2] وغير ذلك، ثم أثبت الويل {للمكذبين} في ذلك اليوم، والمعنى {للمكذبين} به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و " الويل ": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير وعمار بن ياسر أن وادياً في جهنم اسمه " ويل ".
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالْمُرْسَلاتِ} الملائكة ترسل بالمعروف أو الرسل ترسل بما يعرفون به من المعجزات أو الرياح ترسل بما عرفها الله تعالى {عُرْفاً} متتابعات كعرف الفرس أو جاريات "ح" في القلوب أو معروفات في العقول.
النسفي
تفسير : مكية وهي خمسون آية بسم الله الرحمٰن الرحيم {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً * فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً * وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً * فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً * فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً * عُذْراً أَوْ نُذْراً } أقسم سبحانه وتعالى بطوائف من الملائكة أرسلهن بأوامره فعصفن في مضيهن، وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي، أو نشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أو حين ففرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكراً إلى الأنبياء عليهم السلام عذراً للمحقين أو نذراً للمبطلين. أو أقسم برياح عذاب أرسلهن فعصفن، وبرياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله {أية : ويجعله كِسَفًا }تفسير : [الروم: 48] فألقين ذكراً إما عذراً للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها، واما نذراً للذين لا يشكرون وينسبون ذلك إلى الأنواء، وجعلن ملقيات للذكر باعتبار السببية. {عُرْفاً } حال أي متتابعة كعرف الفرس يتلو بعضه بعضاً، أو مفعول له أي أرسلن للإحسان والمعروف. و {عَصْفاً } و {نَشْراً } مصدران. {أَوْ نُذْراً } أبو عمرو وكوفي غير أبي بكر وحماد. والعذر والنذر مصدران من عذر إذا محا الإساءة، ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر والشكر. وانتصابهما على البدل من {ذِكْراً } أو على المفعول له. {إِنَّمَا تُوعَدُونَ } إن الذي توعدونه من مجيء يوم القيامة {لَوَاقِعٌ } لكائن نازل لا ريب فيه، وهو جواب القسم ولا وقف إلى هنا لوصل الجواب بالقسم {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ } محيت أو ذهب بنورها وجواب {فَإِذَا } محذوف والعامل فيها جوابها وهو وقوع الفصل ونحوه، و {ٱلنُّجُومُ } فاعل فعل يفسره {طُمِسَتْ } {وَإِذَا ٱلسَّمَاءُ فُرِجَتْ } فتحت فكانت أبواباً {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ } قلعت من أماكنها {وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ } أي وقتت كقراءة أبي عمرو أبدلت الهمزة من الواو، ومعنى توقيت الرسل تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم {لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ } أخرت وأمهلت، وفيه تعظيم لليوم وتعجيب من هوله والتأجيل من الأجل كالتوقيت من الوقت {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ } بيان ليوم التأجيل وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } تعجيب آخر وتعظيم لأمره {وَيْلٌ } مبتدأ وإن كان نكرة لأنه في أصله مصدر منصوب ساد مسد فعله ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ونحوه {أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [الرعد: 24] {يَوْمَئِذٍ } ظرفه {لّلْمُكَذِّبِينَ } بذلك اليوم خبره. {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ } الأمم الخالية المكذبة {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ } مستأنف بعد وقف، وهو وعيد لأهل مكة أي ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بالأولين لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم. {كَذٰلِكَ } مثل ذلك الفعل الشنيع {نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ } بكل من أجرم {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ } بما أوعدنا {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاءٍ مَّهِينٍ } حقير وهو النطفة {فَجَعَلْنَـٰهُ } أي الماء {فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } مقر يتمكن فيه وهو الرحم ومحل {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ } الحال أي مؤخر إلى مقدار من الوقت معلوم قد علمه الله وحكم به وهو تسعة أشهر أو ما فوقها أو ما دونها {فَقَدَّرْنَا } فقدرنا ذلك تقديراً {فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ } فنعم المقدرون له نحن أو فقدرنا على ذلك فنعم القادرون عليه نحن، والأول أحق لقراءة نافع وعلي بالتشديد، ولقوله {أية : مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ }تفسير : [عبس: 19] {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ } بنعمة الفطرة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والمرسلات عرفاً فالعاصفات عصفاً والناشرات نشراً فالفارقات فرقاً فالملقيات ذكراً عذراً أو نذراً} اعلم أن المفسرين ذكروا في هذه الكلمات الخمس وجوهاً: الأول: أن المراد بأسرها الّرياح ومعنى المرسلات عرفاً الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس، وقيل عرفاً أي كثيراً {فالعاصفات عصفاً} يعني الرّياح الشّديدة الهبوب، {والناشرات نشراً}. يعني الرياح اللّينة. وقيل هي الرياح التي أرسلها نشراً بين يدي رحمته، وقيل هي الرّياح التي تنشر السحاب، وتأتي بالمطر فالفارقات فرقاً يعني الرياح التي تفرق السحاب، وتبدده فالملقيات ذكراً يعني أن الرياح إذا أرسلت عاصفة شديدة قلعت الأشجار، وخربت الديار، وغيرت الآثار. فيحصل بذلك خوف للعباد في القلوب، فيلجؤون إلى الله تعالى ويذكرونه، فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر، والمعرفة في القلوب عند هبوبها. الوجه الثاني: أن المراد بأسرها الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى ومعنى والمرسلات عرفاً. الملائكة الذين أرسلوا بالمعروف من أمر الله، ونهيه وهذا القول رواية عن ابن مسعود فالعاصفات عصفاً يعني الملائكة تعصف في طيرانهم، ونزولهم كعصف الرياح في السرعة، والناشرات نشراً يعني أنهم إذا نزلوا إلى الأرض نشروا أجنحتهم، وقيل هم الذين ينشرون الكتب، ودواوين الأعمال يوم القيامة فالفارقات فرقاً. قال ابن عباس: يعني الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل، فالملقيات ذكراً يعني الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء، وقيل يجوز أن يكون الذكر هو القرآن خاصة فعلى هذا يكون الملقى هو جبريل وحده، وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم. الوجه الثالث: أن المراد بأسرها آيات القرآن، ومعنى المرسلات عرفاً آيات القرآن المتتابعة في النزول على محمد صلى الله عليه وسلم بكل عرف وخير فالعاصفات عصفاً يعني آيات القرآن تعصف القلوب بذكر الوعيد حتى تجعلها كالعصف وهو النبت المتكسر، والناشرات نشراً يعني آيات القرآن تنشر أنوار الهداية والمعرفة في قلوب المؤمنين. فالفارقات فرقاً يعني آيات القرآن تفرق بين الحق والباطل فالملقيات ذكراً يعني آيات القرآن هي الذّكر الحكيم الذي يلقى الإيمان والنور في قلوب المؤمنين.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {فالملقيات ذكراً} بتشديد الذال للإدغام: أبو عمرو وحمزة في رواية عنهما {عذراً} بضم الذال: الشموني والبرجمي {أو نذراً} بالسكون: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد: {وقتت} بالتشديد والواو: أبو عمرو ويعقوب. وبالتخفيف: ويزيد. وفي رواية بإبدال الواو همزة كقولهم " أجوه " في " وجوه ". الباقون: بالإبدال وبالتشديد {ألم نخلقكم} مظهراً روى النقاش عن ابن ربيعة عن أصحابه والحلواني عن قالون وحفص والنجاري وعن ورش {فقدرنا} مشدداً: أبو جعفر عن نافع وعلي، {انطلقوا إلى ظل} بفتح اللام: رويس: {جمالة} على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وحفص {وجمالات} بضم الجيم مجموعة: يعقوب. الآخرون: بالكسر مجموعاً. الوقوف: {عرفاً} ه لا {عصفاً} ه لا {نشراً} ه لا {فرقاً} ه لا {ذكراً} ه لا {نذراً} ه لا {لواقع} ه ط {طمست} ه لا {فرجت} ه لا {نسفت} ه لا {أقتت} ه لا بناء على أن عامل " إذا " محذوف أي إذا كانت هذه الأمور يفصل بين الخلق {أجلت} ه ط للفصل بين الجواب والسؤال {الفصل} ج {للمكذبين} ه {الأولين} ه ط لأن ما بعده مستأنف أي ثم نحن نتبعهم {الآخرين} ه {بالمجرمين} ه {مهين} ه لا {معلوم} ه لا {فقدرنا} ه {القادرون} ه {كفاتا} ه لا {وأمواتاً} ه لا {فراتا} ه لا {للمكذبين} ه {تكذبون} ه ج للتكرار مع الآية ووجه الوقف لمن قرأ بفتح اللام أوضح لأنه ابتداء إخبار عن موجب عملهم بما أمروا به {شعب} ه لا {اللهب} ه ط {كالقصر} ه ج لأن ما بعده وصف لشرر لا للقصر {صفر} ه ط {للمكذبين} ه {لا ينطقون} ه لا {فيعتذرون} ه {للمكذبين} ه {الفصل} ه ج لاحتمال ما بعده الإستئناف والحال أي أشير إلى يوم مجموعاً فيه {والأولين} ه {فكيدون} ه {للمكذبين} ه {يشتهون} ه {تعملون} ه {المحسنين} ه {للمكذبين} ه {مجرمون} ه {للمكذبين} ه {لا يركعون} ه {للمكذبين} ه {يؤمنون} ه. التفسير: الكلمات الخمس في أول هذه السورة يحتمل أن يكون المراد بها جنساً واحداً أو أجناساً مختلفة. أما الإحتمال الأول فذكروا فيه وجوهاً الأول: أنها الملائكة أقسم رب العزة بطوائف الملائكة الذين أرسلهم بأوامره حال كونهن عرفاً أي متتابعة كشعر العرف. يقال: جاؤا عرفاً واحداً وهم عليه كعرف الضبع إذا اجتمعوا عليه، ويجوز أن يكون العرف خلاف النكر أي أرسلهن للاحسان والمعروف، فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة فمعنى الإحسان حينئذ ظاهر، وإن كانوا قد بعثوا لأجل العذاب فذلك إن لم يكن معروفاً للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله من الكفار لأجلهم. ومعنى الفاء في {فالعاصفات} أنهن عقيب الأمر عصفن في مضيهن كما عصفت الرياح بدراً إلى امتثال الأمر. قيل: هو من قولهم " عصفت الحرب بالقوم " أي ذهبت بهم وأهلكتهم. ويقال " ناقة عصوف " أي عصفت براكبها فمضت كأنها ريح من السرعة فالمراد أنهن حين أرسلن للعذاب طرن بروح الكافر. ثم أقسم بطوائف من الملائكة نشرن أجنحتهن في الجو عن انحطاطهن بالوحي أو نشرن الشرائع في الأرض. أو أحيين النفوس الميتة بما أوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكراً إلى الأنبياء {عذراً} للمحقين {أو نذراً} للمبطلين. قال الأخفش والزجاج: هما بالسكون مصدران كالشكر والكفر، والضم لغة في كل منهما كالنكر والنكر، والمعنى إعذاراً أو إنذاراً وكل منهما بدل من {ذكر} أو مفعول له. وقال أبو عبيد: بالثقل جمع عذير بمعنى المعذرة وجمع نذير بمعنى الإنذار أو بمعنى العاذر والمنذر فيكونان حالين من الإلقاء أي عاذرين أو منذرين الوجه الثاني أنها الرياح أقسم الله سبحانه برياح عذاب أرسلهن متتابعة فعصفن عصفاً ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله {أية : ويجعله كسفاً}تفسير : [الروم: 48] فألقين ذكراً إي صرن سبباً في حصول الذكر لأن الإنسان العاقل إذا شاهد تلك الرياح إلتجأ إلى ذكر الله والتضرع إليه فيكون عذراً للذين يعتذرون إلى الله عز وجل بالتوبة والإستغفار، وإنذاراً للذين يغفلون عن الله ويغفلون عن شكره إذ ينسبونها إلى الأنواء. والوجه الثالث إنها القرآن وآياته أرسلت متتابعة أو بكل معروف وخير فعصفت أي قهرت سائر الملل والأديان والكتب أي إبتدأن بالقهر والنسخ عقيب الإرسال، ونشرن بعد ذلك بالتدريج آثار الحكم وأنوار الهداية في قلوب العالمين ففرقت بين الحق والباطل وألقت الذكر والشرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأمته كما قال {أية : وإنه لذكر لك ولقومك}تفسير : [الزخرف: 44] الرابع أنها طوائف الأنبياء أرسلوا بالوحي المستعقب لكل خير ومفتاحه " لا إله إلا الله" فأخذ أمرهم في العصوف والاشتداد إلى أن بلغ غايته وانتشرت دعوتهم ففرقوا بين المؤمن والكافر، والمقر والجاحد، وألقوا الذكر والتوحيد إلى الناس كافة أو إلى طائفة معينين. الخامس وهو بالتأويل أشبه أن المرسلات هي الدواعي والإلهامات الربانية أرسلت فأخذت في العصوف والاشتداد بحيث أزالت عن القلب حب ما سوى الله وانبثت آثارها في سائر الأعضاء والجوارح، فلا يسمع إلا بالله ولا يبصر إلا بالله، وكذا البطش والمشي وسائر الحركات والسكنات، ففرقت بين الوجود المجازي وهو وجود سوى الله وبين الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله، وألقت الذكر على كل الجوارح فلم يذكر غير الله. وأما الإحتمال الثاني ففيه وجوه أيضاً أحدها: وهو المنقول عن الزجاج واختاره القاضي أن الثلاث الأول هي الرياح كما في الوجه الثاني من الوجوه المتقدمة، والباقيتان الملائكة كما مر في الوجه الأول منها. ووجه الجمع بين الرياح والملائكة هو اللطافة وسرعة الحركة. وثانيها أن الأولين هما الرياح والثلاثة الأخيرة هي الملاكة لأنها تنشر الوحي، ثم يعقبه أثران ظهور الفرق بين أولياء الله وأعدائه ودوران ذكر الله على القلوب والألسن. وقد يتأيد هذا الوجه بعطف الثانية على الأولى بفاء الوصل المنبيء عن التعقيب والتسبيب. ثم التنسيق بالواو وعطف الباقيين عليها بالفاء وثالثها أن الأولى ملائكة العذاب والباقية آيات القرآت على منوال ما سبق. قوله{إنما توعدون لواقع} جواب القسم ومعناه على ما قال الكلبي: كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع. والأكثرون يخصونه بمجيء القيامة بدليل ذكر أماراتها بعده وهو قوله {فإذا النجوم طمست} أي أزيلت عن أماكنها بالإنتثار وأذهب ضوءها بالإنكدار وقد ورد كل منهما {أية : وإذا الكواكب انتثرت}تفسير : [فاطر: 2] {أية : وإذا النجوم انكدرت} تفسير : [التكوير: 2] فذكروا في وجه الجمع بينهما أنه يجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر بمحوق النور. وفسر الانتثار في الكشاف بمحق الذوات وفيه بعد لأن الانتثار غير الانعدام وإن أراد بالمحق غير هذا فعليه بالبيان قوله {وإذا السماء فرجت} أي فتحت السماء فكانت أبوابا {وإذا الجبال نسفت} أي سيرت أجزاؤها في الهواء كالحب إذا نسف بالمنسف وقد مر في " طه " في قوله {أية : ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً}تفسير : [طه: 105] قال مجاهد والزجاج: المراد بأقتت الرسل تعيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم، وكان هذا الوقت مبهماً عليهم قبل ذلك وقريب منه قول جار الله: إن معنى وقتت بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة. ثم عجب العباد هول ذلك اليوم فقال {لأي يوم أجلت} الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل وهي تعذيب من كذبهم وتعظيم من صدقهم وظهور ما كانوا يوعدون الأمم إليه ويخوفونهم به من العرض والحساب ونشر الدواوين ووضع الموازين. ثم أجاب بأنهم أجلوا {ليوم الفصل} بين الخلائق، ثم عظم ذلك اليوم ثانياً فقال {وما أدراك ما يوم الفصل} وأي شيء شدته ومهابته. ثم عقبه بتهويل ثالث فقال {ويل يومئذ} أي يوم إذا كان كذا وكذا من الأهوال {للمكذبين} وإعرابه كإعراب {أية : سلام عليك} تفسير : [مريم: 47] وقد سبق. وقد كرر هذا التهويل في تسعة مواضع أخر لمزيد التأكيد والتقرير كما مر في سورة الرحمن. ثم هددهم بقوله {ألم نهلك الأولين} كعاد وثمود وغيرهما إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم {ثم نتبعهم الآخرين} وهم كفار مكة أهلكهم الله يوم بدر وغيره من المواطن قوله {كذلك} أي مثل ذلك الإهلاك الفظيع {نفعل} بكل مجرم. ثم وبخهم بتعديد النعم وآثار القدرة عليهم فقال {ألم نخلقكم من ماء مهين} حقير لا يعبأ به وهو النطفة {فجعلناه في قرار مكين} وهو الرحم وهو أنه يتمكن فيه ما يتكون منه الولد {إلى قدر معلوم} أي إلى مقدار معلوم من الزمان المقدر ولهذا قال {فقدرنا} بالتشديد {فنعم القادرون} أي فنعم المقدرون له نحن. ومن قرأ بالتخفيف فبمعنى التقدير أيضاً لتتوافق القراءتان. قال الفراء: قدر وقدّر بالتخيف والتشديد لغتان، ويجوز أن يكون المخفف من القدرة أي فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا فنعم أصحاب القدرة نحن حيث خلقناهم في أحسن تقويم. وفي قوله {ويل يومئذ للمكذبين} وتوبيخ وتخويف من وجهين أحدهما: أن النعمة كلما كانت أعظم كان كفرانها أفحش. والثاني أن القادر على الابداء أقدر على الإعادة فالمنكر لهذا الدليل الواضح يستحق غاية التوبيخ. ثم عد عليهم نعم الآفاق بعد ذكر الأنفس. والكفات اسم ما يكفت أي يضم ويجمع، ويجوز أن يكون اسماً لما يكفت به مبيناً للمفعول كالشداد لضمام يشد به رأس القرورة. وانتصب {أحياء وأمواتاً} بفعل مضمر دل عليه هذا الاسم أي تكفت أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها. والتنكير للتفخيم أي أحياء وأمواتاً لا تعد ولا تحصى. وجوز انتصابهما على الحال والضمير الذي هو ذو الحال محذوف للعلم به أي تكفتكم في حال حياتكم وفي حال مماتكم. وقيل: معنى كونها كفاتاً أنها تجمع ما ينفصل منهم من المستقذرات وقيل: معناه أنه جامعة لما يحتاجون إليه في التعيش. وقيل: هما راجعان إلى الأرض يعني ما ينبت وما لا ينبت. والكل بتكلف. والوجه هو الأول. وباقي الآية ظاهر مما سلف مراراً. ثم أخبر عما يقال للمكذبين في قوم الفصل فقال {انطلقوا} أي يقال لهم انطلقوا لما كذبتم به من العذاب. ثم بين ما أجمل بقوله {انطلقوا} يروى أن الشمس تقرب يوم القيامة لرؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم، ويحمي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظلاله فهناك يقولون {أية : فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} تفسير : [الطور: 25] ويقال للمكذبين {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون} من عذاب الله وعقابه {انطلقوا إلى ظل} قال الحسن: ما أدري ما هذا الظل ولا سمعت فيه بشيء فقال قوم: سمى النار بالظل مجازاً. وشعبها الثلاث كونها من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم. وعن قتادة: هو الدخان شعبة عن يمينهم وأخرى عن يسارهم والثالثة من فوق، تظلم حتى يفرغ من حسابهم والمؤمنون في ظل العرش. وقال في الكشاف: هو عبارة عن عظم الدخان. فالدخان العظيم تراه يتفرق ذوائب وقال أهل التأويل: الشعب الثلاث هي القوة الغضبية ومنشؤها القلب في الجانب الأيسر، والشهوية ومنشؤها الكبد في الجانب الأيمن، والشيطانية ومنشؤها الدماغ من فوق، فيتولد من اتباع هذه الثلاثة ثلاثة أنواع من الظلمات. وقال أبو مسلم: هي الأوصاف الثلاثة التي ذكرها الله تعالى عقيبه وهي {لا ظليل ولا يغني من اللهب أنّها ترمي بشرر كالقصر} وفيه تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين أي ذلك الظل غير مانع حر الشمس وغير مغن من حرّ اللهب شيئاً أي لا روح كما قال في الواقعة {أية : لا بارد ولا كريم}تفسير : [الآية: 44] يقال أغن عني وجهك أي أبعده لأن الغني عن الشيء يباعده كما أن المحتاج إليه يقاربه. وإنما عدي في الآية بـ " من " لأنه أراد أن ابتداء الإغناء منه، وعن قطرب ان اللهب ههنا هو العطش. ثم شبه الشرر وهو ما يتطاير من النار متبدداً في كل جهة بالقصر. والأكثرون على أنه واحد القصور. وعن سعيد بن جبير ومقاتل والضحاك أنه الغليظ من أصول الشجر العظام الواحدة قصرة كجمرة وجمر. وروي عن ابن عباس أنه سئل عن القصر فقال: خشب كنا ندخره للشتاء. ثم زاد في البيان أن أتبعه تشبيهاً آخر قائلاً {كأنه جمالات صفر} وهي جمع جمالة بمعنى جمل. ويجوز أن يكون جمع جمال كرجالات وقال أبو علي: التاء في {جمالة} لتأكيد الجمع كحجر وحجارة. أما الجمالة بالضم فهي قلوس سفن البحر أي حبالها كما مر في قوله {أية : حتى يلج الجمل في سم الخياط}تفسير : [الأعراف: 40] وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس أنها قطع النحاس. ومعظم أهل اللغة لا يعرفونه. وقال الفراء: يجوز أن يكون الجمالات بالضم من الشيء المجمل. يقال: أجملت الحساب وجاء القوم جملة أي مجتمعين: والمعنى أن هذه الشرر ترتفع كأنها شيء مجموع غليظ أصفر والأكثرون على أن المراد بهذه الصفرة سواد يعلوه صفرة. قال الفراء: لا ترى أسود في الليل إلا وهو مشرب صفرة والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كأنه أشبه شيء بالجمل الأسود الذي يشوبه شيء من الصفرة. وقال آخرون: الشرر إنما يسمى شرراً ما دام مرتفعاً وحينئذ يكون ناراً وإذا كان ناراً كان أصفر فاقعاً. واعلم أنه عز اسمه شبه الشرر في العظم والارتفاع بالقصر ثم شبهه مع ذلك في اللون والكثرة والتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر. ثم نقل عن ابن عباس أنه قال: هذا التشبيه إنما ورد على ما هو معتاد في بلاد العرب. وقصورهم قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة. فسمع أبو العلاء ذلك فشبه الشرر بالطراف وهو الخيمة من الأديم قال: شعر : حمراء ساطعة الذوائب في الد جى ترمي بكل شرارة كطراف تفسير : فزعم صاحب الكشاف أنه أراد معارضة المعجز. قال الإمام فخر الدين الرازي: كان الأولى بصاحب الكشاف أن لا يذكر ذلك لأنه أخذ مقتبساً تابعاً، والمعجز أظهر حالاً وأجل منصباً من أن يتصدى لمعارضته أحد بعد استقرار أمره ويلتفت إلىالمعارض، وإذ قد ذكر صاحب الكشاف ذلك فلنذكر التفاوت بين القرآن وبين كلام أبي العلاء وذلك من وجوه الأول: قيل: إن لون الأديم قريب من لون الشرارة إلا أن الجمالات متحركة كالشرارة دون الخيمة. الثاني أن القصر موضع الأمن وتشبيه الشرارة به إشارة إلى أن الكافر إنما يعذب بآفة من الموضع الذي يتوقع منه الأمن وهو دينه وملته التي ظن أنه منها على شيء، وليست الخيمة موضع الأمن الكلي الثالث أن الشرر متتابعة كالجمال ولا كذلك الطراف الرابع أن العرب اعتقدوا أن الجمال في ملك الجمال وتمام النعم في حصول النعم. ففي الآية إشارة إلى أنكم كنتم تعدون الجمال فخذوا هذه الشرارات التي هي كالجمالات وهذا التهكم غير موجود في الشعر. الخامس أن الإبل إذا نفرت وشردت متتابعة نال من وقع فيما بينهما بلاء شديد. فتشبيه الشرر بها يفيد كمال الضرر والطراف ليس كذلك. السادس أن القصر يكون أعظم غالباً من الطراف والجمالات وهي جمع الجمع تكون أكثر عدداً من الطراف والغرض التوكيد فيكون تشبيه القرآن أبلغ في المعنى المقصود. السابع أن التشبيه بشيئين كالقصر والجمالات في إثبات الوصفين كالعظم والصفرة أقوى في ثبوت الوصفين من التشبيه بشيء واحد للوصفين بعينهما، لأن الأول كالمبين المفصل، والثاني كالمجمل المبهم إذ يحتمل أن يكون وجه التشبيه واحداً منهما فقط. الثامن أن الإنسان إنما يكون طيب العيش إذا كان وقت الانطلاق راكباً ووقت النزول راقداً في الظل فكأنه قيل في الآية على سبيل التهكم مركوبكم هذه الجمالات من الشرر وظلكم في مثل هذا القصر ولو شبه بالطرف لم يحصل هذا المقصود. التاسع أن تطاير القصر وهو من اللبن والحجر والخشب في الهواء أغرب من تطاير الخيمة وهي خفيفة الحجم. العاشر أن سقوط القصر أفظع وأهول من سقوط الطراف هذه خلاصة كلام الإمام في هذا المقام أوردناها لئلا يكون كتابنا خالياً من فوائد تفسيره. قوله {هذا يوم لا ينطقون} يروى أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الجمع بين هذه الآية وبين نحو قوله {أية : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}تفسير : [الزمر: 31] فأجاب بتغاير الزمانين وتباين الموطنين. وقال الحسن: أراد لا ينطقون بحجة صحيحة وعذر واضح فكأنهم لم ينطقوا ولم يعتذروا. قوله {ولا يؤذن} إنما لم يقل " فيعتذروا " بسقوط النون للنصب كقوله {أية : لا يقضي عليهم فيموتوا}تفسير : [فاطر: 36] لأنه لو نصب لأوهم أنهم إنما لم يعتذروا لأجل أنهم لم يؤذوا في الإعتذار ولولا المنع لاعتذروا وهذا غير جائز، ولكن المراد أن لا عذر لهم في نفس الأمر كما لا إذن فالفاء لمطلق النسق لا للتسبب. هذا مع أنه فيه رعاية الفاصلة وهي من جملة الفصاحة اللفظية، ولهذا لم يقرأ في سورة " اقتربت " {أية : إلى شيء نكر}تفسير : [الآية: 6] لا مثقلاً. وقريء قوله في آخر " الكهف " و " الطلاق " {أية : عذاباً نكراً} تفسير : [الآية: 8] بالوجهين قالوا: وإنما لم يؤذن لهم في الاعتذار لأنه سبحانه أزاح الاعتذار في الدنيا بتقديم الإنذار بدليل قوله {فالملقيات ذكراً عذراً ونذراً} ولهذا قال في آخر هذا الأخبار {ويل يومئذ للمكذبين} ثم أشار لمزيد التهديد والتوبيخ إلى اليوم المذكور بقوله {هذا يوم الفصل} ثم أوضح هذه الجملة بقوله {جمعناكم} أيها المتأخرون {والأولين} لأن الفصل بين الخلائق لا يجوز إلا بإحضار الكل. وقد يستدل به على عدم جواز القضاء على الغائب. ثم عجزهم وحقر أمرهم بقوله {فإن كان لكم كيد فكيدون} وقد علم أنه لا حيلة لهم في رفع البلاء عن أنفسهم يومئذ كما كانوا يحتالون في الدنيا يؤذون بذلك أنبياء الله وأولياءه، وهذا التعجيز والتخجيل من جنس العذاب الروحاني فلهذا عقبه بقوله {ويل يومئذ للمكذبين} ثم زاد في حسرتهم وغمهم بتعديد ما أعد للمطيعين المتقين من الظلال والعيون والفواكه بدل ظلالهم التي لا روح فيها ولا تغني عن الحر والعطش، استقروا في تلك النعم مقولاً لهم {كلوا واشربوا} وهو أمر إكرام لا أمر تكليف وهذا أيضاً من جنس العذاب الروحاني بالنسبة إلى الكافرين حين يرون الذين اتقوا الشرك في النعيم المقيم ولذا أردفه بقوله {ويل يومئذ للمكذبين} ثم ذكر أن هذا الويل ثابت لهم في حال ما يقال في الآخرة {كلوا وتمتعوا} قال جار الله: هذا في طريقة قول القائل: شعر : إخوتي لا تبعدوا أبداً وبلى والله قد بعدوا تفسير : أي كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بهذا، وفيه توبيخ وتذكير بحالهم السمجة وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم، وعلل ذلك بكونهم مجرمين إيعاداً لكل مجرم، وجوز أن يكون {كلوا وتمتعوا} كلاماً مستأنفاً خطاباً للمكذبين في الدنيا. ثم ذمهم على ترك الخشوع والتواضع لله بقبول وحيه. وقيل: ما كان على العرب أشد من الركوع والسجود. يروى أن وفد ثقيف أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فقالوا: لا ننحني أي لا نركع ولا نسجد فإنها مسبة علينا. فقال صلى الله عيله وسلم: لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود. وأنزل الله الآية. ثم ختم السورة بالتعجب من حال الكفار وإصرارهم على جهالاتهم وضالاتهم بعد القرآن وبياناته وقد مر في أول " الجاثية " نظيره والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً} يعني: الرياح يَتْبَعُ بعضُها بعضاً، قاله ابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد، وقتادة، وقيل: المرسلات: الملائكة، وقيل: جماعات الأنبياء، و{عُرْفاً} معناه: إفضالاً من اللَّه تعالى، ويحتمل أنْ يريدَ بقوله: {عُرْفاً} أي: متتابعةً، ويحتمل أنْ يريد بالأمر المعروف، ويحتمل أنْ يكونَ {عُرْفاً}، بمعنى، والمرسلات: الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عَقَّبَ بذكر الصنف الضَّارِّ منها، وهي العاصفات الشديدة القاصفة للشجر وغيره، واخْتُلِفَ في قوله: {وٱلنَّـٰشِرٰتِ} فقال ابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وقتادة: هي الرياح تَنْشُرُ رحمة اللَّه ومطره، وقيل: الملائكة، وقيل غير هذا، والفارقات قال ابن عباس وغيره: هي الملائكة تَفْرُقُ بين الحَقِّ والباطل والحلال والحرام، وقيل: هي آيات القرآن، وأَمَّا الملقيات ذكراً فهي في قول الجمهور الملائكة، وقال آخرون: هي الرسل، والذكر: الكتب المُنَزَّلَةُ والشرائع ومضمناتها، والمعنى: أَنَّ الذكر يلقى بإعذار وإِنذار.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} في "عرفاً" ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مفعول من أجله، أي: لأجل العرف، وهو ضد النُّكْر، فإن الملائكة إن كانوا بعثُوا للرحمة، فالمعنى فيه ظاهر، وإن كانوا بعثوا للعذاب فذلك العذاب وإن لم يكن معروفاً للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين، والمراد بالمرسلات، إما الملائكة، وإما الأنبياء، وإما الرياح، أي: والملائكة المرسلات، أو والأنبياء المرسلات، أو والرياح المرسلات. و "العرف" المعروف، والإحسان، قال: [البسيط] شعر : 5054- مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدمْ جَوازِيَهُ لا يَذهبُ العُرْفُ بيْنَ اللهِ والنَّاسِ تفسير : وقد يقال: كيف جمع صفة المذكر العاقل بالألف والتاء، وحقه أن يجمع بالواو والنون, نقول: الأنبياء المرسلون, ولا نقول: المرسلات؟. والجواب: أن المرسلات جمع مرسلة, ومرسلة: صفة لجماعة من الأنبياء، والمرسلات: جمع مرسلة الواقعة صفة لجماعة، لا جمع مرسل مفرد. والثاني: أن ينتصب على الحال بمعنى متتابعة، من قولهم: جاءوا كعرف الفرس، وهم على فلان كعرف الضبع، إذا تألبُّوا عليه. قال ابن الخطيب: يكون مصدراً، كأنه قيل: والمرسلات إرسالاً، أي متتابعة. الثالث: أن ينتصب على إسقاط الخافض، أي: المرسلات بالعرف، وفيه ضعف، وقد تقدم الكلام على العرف في الأعراف. والعامة: على تسكين رائه، وعيسى: بضمها، وهو على تثقيل المخفف، نحو: "بكّر" في "بكَر"، ويحتمل أن يكون هو الأصل، والمشهور مخففة منه، ويحتمل أن يكونا وزنين مستقلين. فصل في المراد بالمرسلات جمهور المفسرين على أن "المرسلات" هي الرياح. وروى مسروق عن عبد الله قال: هي الملائكة أرسلت بالعرف من أمر الله ونهيه والخبر والوحي، وهو قول أبي هريرة ومقاتل وأبي صالح والكلبي. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الأنبياء أرسلوا بلا إله إلا الله. وقال أبو صالحٍ: الرسل ترسل بما يعرفون به من المعجزات. وعن ابن عباس وابن مسعود: أنها الرياح، كما قال تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ} تفسير : [الحجر: 22]، وقال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ} تفسير : [الأعراف: 57]، ومعنى "عُرْفاً" أي: يتبع بعضها بعضاً كعرف الفرس، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالمرسلات: السحاب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أرسلت إليه ومن أرسلت إليه. وقيل: إنها الزَّواجر والمواعظ، و "عُرْفاً" على هذا التأويل: متتابعات كعرف الفرس، قاله ابن عبَّاس. وقيل: جاريات، قاله الحسن، يعني في القلوب. وقيل: معروفات في العقول. قوله تعالى: {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً}. هذا المصدر مؤكد لاسم الفاعل. والمراد بالعَاصفاتِ: الرياح. قاله المهدوي. وقال ابن عباسٍ: هي الرياح العواصف تأتي بالعصف، وهو ورق الزرع وحطامه. وقال: العاصفات الملائكة شبهت بسرعة جريها في أمر الله - تعالى - بالرياح، وكذلك "نَشْراً، وفَرْقاً" انتصابهما على المصدر. وقيل: الملائكة تعصف برُوح الكَافرِ، يقال: عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه، وناقة عصوف، أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريحٌ في السرعة، وعصفت الحرب بالقوم، أي: ذهبت بهم. وقيل: يحتمل أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخوف. قوله تعالى: {وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً}. هي الملائكة المُوكَّلُون بالسحاب ينشرونها. وقال ابن مسعود ومجاهد: هي الرياح يرسلها الله تعالى نشراً بين يدي رحمته ينشر السحاب للغيث، وهو مروي عن أبي صالح. وعنه أيضاً: هي الأمطار لأنها تنشر النبات، فالنَّشر بمعنى الإحياء، يقال: نشر الله الميت وأنشره، بمعنى أحياهُ، قال تعالى: {أية : ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} تفسير : [عبس: 22]. وروي عن السديِّ: أنها الملائكة تنشر كتب الله تعالى، وروى الضحاك عن ابن عباس قال: يريد ما ينشر من الكتب، وأعمال بني آدم، وروى الضحاك: أنها الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد. وقال الربيع: إنه البعث للقيامة تنشر فيه الأرواح. وقال تعالى: {وٱلنَّاشِرَاتِ} - بالواو - لأنه استئنافُ قسم آخر. قوله: {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً}: هي الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل. قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وأبو صالح. وروى الضحاك عن ابن عباس، قال: ما تفرق الملائكة من الأقوات والأرزاق والآجال، وروى أنس عن مجاهد قال: "الفارقات" الرياح تفرق بين السحاب وتبدده. وروى سعيد عن قتادة قال: {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً}، الفرقان فرق الله بين الحق والباطل والحلال والحرام، وهو قول الحسن وابن كيسان. وقيل: هم الرسل فرقوا بين ما أمر الله - تعالى - به، ونهى عنه؛ أي بينوا ذلك. وقيل: السحابات الماطرة تشبيهاً بالنَّاقة الفارقة، وهي الحامل التي تخرج وتندّ في الأرض حين تضع، ونوق فوارق وفُرَّق. قوله تعالى: {فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً}. هي الملائكة، أي: تلقي كتب الله إلى الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قاله المهدوي. وقيل: هو جبريل - عليه الصلاة والسلام - وسمي باسم الجمع تعظيماً لأنه كان ينزل بها وقيل: المراد الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل عليهم. قاله قطرب. وقوله تعالى: {ذِكْراً} مفعول به, ناصبه "المُلْقِيَاتِ". وقرأ العامة: "فالملقيات" - بسكون اللام وتخفيف القاف - اسم فاعل. وقرأ ابن عباس: بفتح اللام وتشديد القاف، اسم مفعول من التلقية، وهي إيصال الكلام إلى المخاطب. وروى عنه المهدوي أيضاً: فتح القاف، أي: يلقيه من قِبَل الله تعالى، كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [النمل: 6]. قوله: {عُذْراً أَوْ نُذْراً}. فيهما أوجه: أحدها: أنهما بدلان من "ذِكْراً". الثاني: أنهما منصوبان به على المفعولية، وإعمال المصدر المنون جائز، ومنه {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً} تفسير : [البلد: 14، 15]. الثالث: أنهما مفعولان من أجلهما، والعامل فيهما، إما "المُلقيَات"، وإما "ذِكراً"؛ لأن كُلاًّ منهما يصلح أن يكون معلولاً بأحدهما. وحينئذ يجوز في "عُذْراً"، ونذراً" وجهان: أحدهما: أن يكونا مصدرين - بسكون العين - كالشُّكْر والكُفْر. والثاني: أن يكونا جمع عذير، ونذير، المراد بهما المصدر، بمعنى الإعذار والإنذار، كالنكير بمعنى الإنكار. الثالث: أنهما منصوبان على الحال من "الملقيات" أو من الضمير فيها، وحينئذ يجوز أن يكونا مصدرين واقعين موقع الحال، بالتأويل المعروف في أمثاله، وأن يكونا جمع "عذير ونذير" مراداً بهما المصدر، أو مراداً بهما اسم الفاعل بمعنى المعذر والمنذر، أي: معذرين، أو منذرين. وقرأ العامة: بسكون الذَّال من {عُذْراً أَوْ نُذْراً}. وقرأ زيد بن ثابت، وابن خارجة، وطلح: بضمها. والحرميَّان، وابن عامر، وأبو بكر، بسكونها في "عُذْراًَ" وضمها في "نُذْراً"، والسكون والضم - كما تقدم - في أنه يجوز أن يكون كل منهما أصلاً للآخر، وأن يكونا أصلين، ويجوز في كل من المثقّل والمخفّف أن يكون مصدراً، وأن يكون جمعاً سكنت عينه تخفيفاً. وقرأ إبراهيم التيمي: "عُذْراً ونُذْراً" بواو العطف موضع "أو"، وهي تدل على أن "أو" بمعنى الواو. فصل في معنى الآية والمعنى: يلقي الوحي إعذاراً من الله تعالى وإنذاراً إلى خلقه من عذابه. قاله الفراء. وروي عن أبي صالحٍ قال: يعني الرسل يعذرون وينذرون. وروى سعيد عن قتادة: "عُذْراً" قال: عذراً لله - تعالى - إلى خلقه، ونذراً للمؤمنين ينتفعون به ويأخذون به، وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "عُذْراً" أي: ما يقبله الله - تعالى - من معاذير أوليائه، وهي التوبة "أو نُذْراً" ينذر أعداءه. فصل في المراد بهذه الكلمات الخمس قال ابن الخطيب: اعلم أن هذه الكلمات الخمس، إما أن يكون المراد منها جنساً واحداً، أو أجناساً مختلفة، فالأول فيه وجوه: أحدها: أن المراد بها الملائكة والمرسلات هي الملائكة الذين أرسلهم الله - تعالى - إما لإيصال النِّعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين، وقوله تعالى: "عُرْفاً" إما أن يكون العُرْف هو الذي ضد النُّكر، فإن كانوا الملائكة المبعوثين للرحمة، فالمعنى فيهم ظاهر وإن بعثوا للعذاب فذلك العذاب وإن لم يكن معروفاً للكفَّار فإنه معروف للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والمؤمنين، أو يكون العرف التَّتابع، وقوله تعالى: {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} فمعناه أن الملائكة عصفوا في طيرانهم كعصف الرياح، أو يعصفون بروح الكافرِ، يقال: عصف بالشيء إذا أباده، وقوله تعالى: {وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً} أي: أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض، أو نشروا الرحمة والعذاب، أو المراد الملائكة الذي ينشرون الكتب التي فيها أعمال بني آدم يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، وقوله تعالى: {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً} أي: أنهم يفرقون بين الحق والباطل، وقوله: {فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} أي أنهم يلقون الذِّكرَ إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والمراد بالذكر إما العلم والحكمة أو القرآن، لقوله تعالى: {أية : أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [القمر: 25]، وهذا المُلْقي وإن كان جبريل وحده إلا أنه سمِّي باسم الجمع تعظيماً له. واعلم أن الملائكة أقسام: قسمٌ يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء، وقسمٌ يرسل لكتابة اعمل بني آدم، وقسم يرسل لقبض الأرواح، وقسم يرسل بالوحي من سماءٍ إلى سماءٍ. الوجه الثاني: أن المراد بهذه الكلمات الخمس: الرياح، أقسم الله - تعالى - بالرياح عند إرسالها عُرْفاً، أي: متتابعة، كشعر العرف، ثم إنها تشتدّ حتى تصير عواصف ورياح رحمة تنشر السحاب في الجو، قال الله تعالى: {أية : يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} تفسير : [الأعراف: 57]، وهو المراد بقوله تعالى: {وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً} أي: أنها تنشر السحاب، أو أنها تلقح الأشجار والنبات، فتكون ناشرة، وقوله تعالى: {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً} أي: أنها تفرق بين أجزاء السحاب، أو أنها تخرب بعض القرى، وذلك يصير سبباً لظهور الفرق بين أولياء الله وأعدائه، أو أنها عند هبوبها تفرّق الخلق فمن مقرّ خاضع، ومن منكر جاحد. وقوله تعالى: {فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} أي: أن العاقل إذا شاهد هبوب تلك الرياح التي تقلع القِلاَع وتهدم الصخور والجبال، وترفع أمواج البحار تمسَّك بذكر الله - تعالى - والتجأ إلى إعانة الله - تعالى - فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذِّكر والإيمان والعبودية في القلب. الوجه الثالث: قال ابن الخطيب: من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمس على القرآن، وعندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن، فقوله تعالى: {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} المراد منه الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {عُرْفاً} أي هذه الآيات نزلت بكل عرف وخير، كيف لا وهي الهادية إلى سبيل النجاة الموصلة إلى مجامع الخيرات، والمراد بـ "العاصفات عصفاً" أن دولة الإسلام والقرآن إن كانت ضعيفةً في أولها، ثم عظُمت وقهرت سائر الملل والأديان، فكأن دولة القرآن عصفت سائر الدُّول والملل والأديان وقهرتها، وجعلتها باطلة دائرة. والمراد بـ "النَّاشِرات نَشْراً"، أن آيات القرآن نشرت الحِكَم والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً. والمراد بـ "الفارقات فرقاً" أن آيات القرآن نشرت الحِكَم والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً. والمراد بـ "الفارقات فرقاً" أن آيات القرآن فرَّقت بين الحقِّ والباطل، ولذلك سمِّي القرآن فرقاناً، والمراد بـ "الملقيات ذكراً" أن القرآن ذكر، قال تعالى: {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} تفسير : [ص: 1] {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف: 44] {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} تفسير : [الأنبياء: 50] {أية : وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الحاقة: 48]. الوجه الرابع: قاله ابن الخطيب: ويمكن حملها أيضاً على بعثة الرُّسل، فالمراد بـ "المرسلات عرفاً" هم المُرسَلُون بالوَحْي المشتمل على كُلِّ خير ومعروف، {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} أن كل أمر لكل رسول يكون في أول أمره حقيراً ضعيفاً، ثم يشتدّ ويعظم ويصير في القوة كعصف الرياح {وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً} انتشار دينهم، {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً} أنهم يفرقون بين الحق والباطل، {فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} أنهم يأمرونهم بالذكر ويحثُّونهم عليه. الاحتمال الثاني: وهو ألاَّ يكون المراد من هذه الكلمات الخمس شيئاً واحداً، وفيه وجوه: أحدها: قال الزجاج، واختاره القاضي: أن الثلاثة الأول هي الرياح، فقوله تعالى: {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} هي الرياح التي تتصل على العرف المعتاد، والعاصفات: ما اشتدّ عنها، والنَّاشرات: ما ينشر السحاب، وقوله تعالى: {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً} هم الملائكة الذي يُفرِّقُون بين الحقِّ والباطل والحلال والحرام بما يتحمَّلونه من القرآن والوحي، وكذا قوله: {فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} أنها الملائكة المتحمِّلون للذِّكر الذي يلقونه إلى الرسل. فإن قيل: ما المجانسة بين الريح وبين الملائكة حتى جمع بينهما في القسمِ؟. قلت: الملائكة روحانيّون فهم سبب طاقاتهم وسرعة حركاتهم كالرياح. وثانيها: أن الآيتين الأوليين هما الرياح، والثلاثة الباقية منهم الملائكة؛ لأنها تنشر الوحي والدين، ثم لذلك الوحي أثران: الأول: حصول الفرق بين المحق والمبطل. والثاني: ظهر الله في القلوب والألسنة، ويؤكد هذا أنه قال: {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً}، ثم عطف الثاني على الأول بحرف الواو، فقال: "والنَّاشِرَاتِ" وعطف الاثنين الباقيين عليه بحرف الفاء، وهذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة. قال ابن الخطيب: ويمكن أن يكون المراد بالأولين الملائمكة، فقوله تعالى: {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} ملائكة الرَّحمة، وقوله تعالى: {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} ملائكة العذاب، والثلاثة الباقية آيات القرآن؛ لأنها تنشر الحق في القلوب والأرواح، وتفرّق بين الحق والباطل، وتلقي الذكر في القلوب والألسنة. فصل في وجه دخول الفاء والواو في جواب القسم قال القفالُ: الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم، والواو في بعض مبنيّ على أصل، وهو أن عند أهل اللغة أن الفاء تقتضي الوصل والتعلُّق، فإذا قيل: قام زيد فذهب، فالمعنى: أنه قام ليذهب، فكان قيامه سبباً لذهابه ومتصلاً به، فإذا قيل: قام وذهب، فهما خبران، وكل واحد منهما قائم بنفسه، لا يتعلق بالآخر. ثم إن القفال رحمه الله لما مهد هذا الأصل، فرع عليه الكلام في هذه الآية بوجوه. قال ابن الخطيب: وتلك الوجوه لا يميل القلب إليها، وأنا أنوع على هذا الأصل فأقول: أما من جعل الأولين صفة لشيءٍ، والثلاثة الأخيرة صفاتٍ لشيء واحدٍ، فنقول: إن حملناها على الملائكة فالملائكة إذا أرسلت طارت سريعاً، وذلك الطيران هو العصف، فالعصف مرتب على الإرسال، فإن الملائكة أول ما يلقون الوحي إلا الرُّسل لا يصير في الحال ذلك الدين مشهوراً منتشراً، بل الخلق يردون الأنبياء في أول الأمر فيكذبونهم وينسبونهم إلى السحر والجنون، فلا جرم أن يذكر الفاء التي تفيد التعقيب، بل ذكر الواو، وإذا حصل النشر ترتب عليه حصول الفرق بين الحق والباطل وظهور ذلك الحق على الألسنة فلا جرم ذكر هذين الأمرين بحرف الفاء، فكأنه - والله أعلم - قال: يا محمد، أنا أرسلت إليك الملك بالوحي الذي هو عنوان كل سعادة وخير، ولكن لا تطمع في أن ينتشر ذلك الأمر في الحال، ولكن لا بد من الصَّبر وتحمل المشقة، ثم إذا جاء وقت النصرة اجعل دينك ظاهراً منتشراً في شرق العالم وغربه، وعند ذلك الانتشار يظهر الفرق، فتصير الأديان باطلة، ضعيفة، ساقطة، ودينك الحق ظاهراً عالياً، وهنالك يظهر ذكر الله على الألسنة، وفي المحاريب وعلى المنابر، ومن عرف هذا الوجه أمكنه ذكر مناسبة سائر الوجوه. قوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ}. هذا جوابُ القسم، وقوله: "والمُرسَلاتِ" وما بعده معطوف عليه، وليس قسماً مستقلاً، لما تقدم في أول الكتاب، لوقوع الفاء هنا عاطفة؛ لأنها لا تكون للقسم، و "ما" موصولة بمعنى "الذي" هي اسم إن و "تُوعَدُون" صلتها، والعائد محذوف، أي إن الذي توعدونه، و "لواقع" خبرها، وكان من حق "إن" أن تكون منفصلة عن "ما" الموصولة، ولكنهم كتبوها متصلة بها. فصل في الموعود به إنما توعدون من أمر القيامة لواقع بكم ونازل عليكم ثم لذكره علامات القيامة بعده. وقال الكلبي: المراد أن كل ما توعدون به من الخير والشَّر لواقع بكم.
البقاعي
تفسير : لما ختمت سورة الإنسان بالوعد لأوليائه والوعيد لأعدائه، وكان الكفار يكذبون بذلك، افتتح هذه بالإقسام على أن ذلك كائن فقال: {والمرسلات} أي من الرياح والملائكة {عرفاً *} أي لأجل إلقاء المعروف من القرآن والسنة وغير ذلك من الإحسان، ومن إلقاء الروح والبركة وتيسير الأمور في الأقوات وغيرها، أو حال كونها متتابعة متكاثرة بعضها في أثر بعض، من قول العرب: الناس إلى فلان عرف واحد - إذا توجهوا إليه فأكثروا، ويقال: جاؤوا عرفاً واحداً، وهم عليه كعرف الضبع - إذا تألبوا عليه. ولما كان العصوف للعواصف يتعقب الهبوب، عطف بالفاء تعقيباً وتسبيباً فقال: {فالعاصفات} أي الشديدات من الرياح عقب هبوبها ومن الملائكة عقب شقها للهواء بما لها من كبر الأجسام والقوة على الإسراع التام {عصفاً *} أي عظيماً بما لها من النتائج الصالحة. ولما كان نشر الرياح للسحاب متراخياً عن هبوبها ومتباطئاً في الثوران وكذا نشر الملائكة لأجنحتها كما يفعل الطائر القوي في طيرانه، عطف بالواو الصالحة للمعية والتعقب بمهلة وغيرها قوله: {والناشرات} أي للسحاب والأجنحة على وجه اللين في الجو وللشرائع التي تنشر العدل بين الناس {نشراً *} وإذا راجعت أول الذاريات ازددت في هذا بصيرة. ولما كان السحاب يجتمع بعد الثوران من مجال البخارات ويتكاثف ثم يحمل الماء، وكان ذلك - مع كونه معروفاً - قد تقدم في الذاريات والروم وغيرهما ثم بعد الحمل تضغط السحاب حتى يتحامل بعضه على بعض فتنفرق هناك فُرَج يخرج منها، طوى ذلك وذكر هذا فقال بالفاء الفصيحة: {فالفارقات فرقاً *} أي للسحاب حتى يخرج الودق من خلاله وللأجنحة وبين الحق والباطل والحب والنوى - وغير ذلك من الأشياء. ولما كانت السحاب عقب الفرق ينزل منها ما في ذلك السحاب من ماء أو ثلج أو برد أو صواعق أو غير ذلك مما يريده الله مما يبعث على ذكر الله ولا بد والملائكة تلقي ما معها من الروح المحيي للقلوب، قال معبراً بفاء التعقيب والتسبيب: {فالملقيات ذكراً *} أطلق عليه الذكر لأنه سببه إن كان محمول السحاب أو محمول الملائكة، وقد يكون محمول الملائكة ذكر الله حقيقة، ولا يخفى أنهما سبب لإصلاح الدين والدنيا. ولما ذكر هذه الأقسام عللها بقوله: {عذراً أو نذراً *} وهما منصوبان على الحال جمعان لعذر بمعنى المعذرة أو العاذر، والنذير بمعنى الإنذار أو المنذر، أي كانت هذه منقسمة إلى عذر إن كانت ألقت مطراً نافعاً مريئاً مريعاً غير ضار كان بعد قحط فإنه يكون كأنه اعتذار عن تلك الشدة، وإن كانت الملائكة ألقت بشائر فهي واضحة في العذر لا سيما إن كانت بعد إنذار، وإلى نذر إن كانت ألقت صواعق أو ما هو في معناها من البرد الكبار ونحوها، وكذا الملائكة، والكل سبب لذكر الله هو سبب لاعتذار ناس بالتوبة، وسبب لعذاب الذين يغفلون عن الشكر، ويستقبلون ذلك بالمعاصي أو ينسبون ذلك إلى الأنواء. ولما تمت هذه الأقسام مشتملة على أمور عظام منبهة على أن أسبابها من الرياح والمياه كانت مع الناس وهم لا يشعرون بها كما أنه يجوز أن تكون القيامة كذلك سواء بسواء، قال ذاكراً للمقسم عليه مؤكداً لأجل إنكارهم: {إنما} أي الذي {توعدون} أي من العذاب في الدنيا والآخرة، ومن قيام الساعة ومن البشائر لأهل الطاعة، وبناه للمفعول لأنه المرهوب لا كونه من معين مع أنه معروف أنه مما توعد به الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم {لواقع *} أي كائن لا بد من وقوعه وأسبابه عتيدة عندكم وإن كنتم لا ترونها كما في هذه الأشياء التي أقسم بها وما تأثر عنها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة المرسلات بمكة. وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:حديث : بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى إذ نزلت عليه سورة والمرسلات عرفاً، فإنه يتلوها وإني لألقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذا وثبت عليه حية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتلوها فابتدرناها فذهبت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وقيت شركم كما وقيتم شرها . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "حديث : نزلت {والمرسلات عرفاً} نحو ليلة الحية. قالوا وما ليلة الحية؟ قال: خرجت حية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتلوها، فتغيبت في حجر. فقال: دعوها فإن الله وقاها شركم كما وقاكم شرها ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار فنزلت عليه {والمرسلات} فأخذتها من فيه وإن فاه لرطب بها فلا أدري بأيها ختم {فبأي حديث بعده يؤمنون} أو {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} . وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ {والمرسلات عرفاً} فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب. وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد العزيز أبي سكين قال: أتيت أنس بن مالك فقلت: أخبرني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا الظهر وقرأ قراءة همساً بالمرسلات والنازعات وعم يتساءلون ونحوها من السور. أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه {والمرسلات عرفاً} قال: هي الملائكة، أرسلت بالمعروف. وأخرج ابن جرير من طريق مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنه {والمرسلات عرفاً} قال: الملائكة. وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وأربع منها رحمة، فالعذاب منها العاصف والصرصر والعقيم والقاصف، والرحمة منها الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات. فيرسل الله المرسلات فتثير السحاب، ثم يرسل المبشرات فتلقح السحاب، ثم يرسل الذاريات فتحمل السحاب، فتدر كما تدر اللقحة، ثم تمطر، وهي اللواقح، ثم يرسل الناشرات فتنشر ما أراد ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أبيّ العبيدين أنه سأل ابن مسعود {والمرسلات عرفاً} قال: الريح {فالعاصفات عصفاً} قال: الريح {والناشرات نشراً} قال: الريح {فالفارقات فرقاً} قال: حسبك. وأخرج ابن راهويه وابن المنذر وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب والحاكم وصححه عن خالد بن عرعرة رضي الله عنه قال: قام رجل إلى عليّ فقال: ما العاصفات عصفاً. قال: الرياح. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {والمرسلات عرفاً} قال: الريح {فالعاصفات عصفاً} قال: الريح {فالفارقات فرقاً} قال: الملائكة {فالملقيات ذكراً} قال: الملائكة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما {والمرسلات عرفاً} قال: الملائكة {فالفارقات فرقاً} قال: الملائكة، فرقت بين الحق والباطل {فالملقيات ذكراً} قال: الملائكة بالتنزيل. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {والمرسلات عرفاً} قال: الريح {فالعاصفات عصفاً} قال: الريح {والناشرات نشراً} قال: الريح. وأخرج عبد الرزاق وعبد حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {والمرسلات عرفاً} قال: هي الريح {فالعاصفات عصفاً} قال: هي الريح {فالفارقات فرقاً} يعني القرآن ما فرق الله به بين الحق والباطل {فالملقيات ذكراً} هي الملائكة تلقي الذكر على الرسل، وتلقيه الرسل على بني آدم عذراً أو نذراً. قال: عذراً من الله ونذراً منه إلى خلقه. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {والمرسلات عرفاً فالعاصفات عصفاً والناشرات نشراً فالفارقات فرقاً فالملقيات ذكراً} قال: الملائكة. وأخرج ابن جرير عن مسروق {والمرسلات عرفاً} قال: الملائكة. وأخرج عبد بن حميد وابن الشيخ في العظمة وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه {والمرسلات عرفاً} قال: هي الرسل ترسل بالمعروف {فالعاصفات عصفاً} قال: الريح {والناشرات نشراً} قال: المطر {فالفارقات فرقاً} قال: الرسل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن أبي صالح {والمرسلات عرفاً} قال: الملائكة يجيئون بالأعارف {فالعاصفات عصفاً} قال: الريح العواصف {والناشرات نشراً} قال: الملائكة ينشرون الكتب {فالفارقات فرقاً} قال: الملائكة يفرقون بين الحق والباطل {فالملقيات ذكراً} قال: الملائكة يجيئون بالقرآن والكتاب عذراً من الله أو نذراً منه إلى الناس وهم الرسل يعذرون وينذرون. وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أنزل القرآن بالتفخيم. قال عمار بن عبد الملك: كهيئته عذراً ونذراً والصدفين وألا له الخلق والأمر وأشباه هذا في القرآن ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {فإذا النجوم طمست} قال: تطمس فيذهب نورها. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله: {وإذا الرسل أقتت} قال: وعدت. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {أقتت} قال: أجلت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس {أقتت} قال: جمعت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {ليوم الفصل} قال: يوم يفصل الله فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة وإلى النار {وما أدراك ما يوم الفصل} قال: يعظهم بذلك {ويل يومئذ للمكذبين} قال: ويل لهم والله ويلاً طويلاً. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود قال: ويل واد في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار فجعل للمكذبين والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : مكية وآيُها خمسون {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً * فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً * وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً * فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً * فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً} إقسامٌ من الله عزِّ وجلَّ بطوائفَ من الملائكةِ أرسلهنَّ بأوامرِه فعصَفنَ في مُضيّهنَّ عصفَ الرياحِ مسارعةً في الامتثالِ بالأمرِ وبطوائفَ أُخرى نشرْن أجنحتَهنَّ في الجوِّ عندَ انحطاطِهنَّ بالوَحي أو نشرن الشرائعَ في الأقطارِ أو نشرن النفوسَ المَوْتى بالكُفرِ والجهلِ بَما أوحين ففرقن بـينَ الحقِّ والباطل فألقينَ ذِكْراً إلى الأنبـياءِ {عُذْراً} للمحقِّينَ {أَوْ نُذْراً} للمبطلينَ. ولعلَّ تقديمَ نشرِ الشرائعِ ونشرِ النفوسِ والفَرقِ على الإلتقاءِ للإيذان بكونها غايةً للإلقاء حقيقةً بالاعتناء بَها أو للإشعارِ بأنَّ كُلاً من الأوصافِ المذكورةِ مُستقلٌّ بالدلالةِ على استحقاق الطوائفِ الموصوفةِ بها للتفخيم والإجلال بالإقسام بهنَّ ولو جِىء بها على ترتيب الوقوعِ لربَّما فُهمَ أنَّ مجموعَ الإلقاءِ والنشرِ والفرقِ هو الموجبُ لما ذكِرَ من الاستحقاقِ أو إقسامٌ برياحِ عذابٍ أرسلهنَّ فعصفنَ وبرياحِ رحمةٍ نشرنَ السحابَ في الجوِّ ففرقنَ بـينَهُ كقولِه تعالى: { أية : وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} تفسير : [سورة الروم، الآية 48] أو بسحائبَ نشرنَ المواتَ ففرقنَ كلَّ صنفٍ منها عن سائرِ الأصنافِ بالشكلِ واللونِ وسائرِ الخواصَّ، أو فرقنَ بـينَ من يشكرُ الله تعالَى وبـينَ من يكفرُ بهِ فألقينَ ذكراً أما عُذراً للمعتذرينَ إلى الله تعالى بتوبتهم واستغفارِهم عند مشاهدتِهم أثارَ رحمتِه تعالى في الغيث ويشكرونها، وإما إنذارٌ للذين يكفرونَها وينسبونها إلى الأنواءِ، وإسنادُ إلقاءِ الذكرِ إليهنَّ لكونِهن سبباً في حصوله إذَا شكرت النعمة فيهن أو كفرت أو إقسامٌ بآياتِ القُرآنِ المرسلةِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فعصفنَ سائرَ الكتبِ بالنسخِ ونشرنَ آثارَ الهُدى من مشارق الأرضِ ومغاربِها وفرقنَ بـين الحقِّ والباطلِ فألقينَ ذكرَ الحقِّ في أكناف العالمينَ والعُرفُ إمَّا نقيضُ النُّكرِ وانتصابُه على العلةِ أي أرسلنَا للإحسانِ والمعروفِ فإنَّ إرسالَ ملائكةِ العذابِ معروفٌ للأنبـياءِ عليهم السَّلامُ والمؤمنينَ أو بمَعْنى المتابعةِ من عُرفِ الفرسِ وانتصابُه على الحاليَّةِ. والعُذرُ والنُّذرُ مصدرانِ من عَذَرَ إذا مَحَا الإساءةَ ومن أنذَرَ إِذَا خَوَّفَ وانتصابُهما على البدليةِ من ذِكراً، أو عَلى العِليِّةِ وقُرِئَا بالتثقيلِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً}[1] يعني الملائكة أرسلوا بالمعروف من أمره. قال: وباطنها أرواح المؤمنين ترسل إلهاماً موافقاً للكتاب والسنة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً}. {وَٱلْمُرْسَلاَتِ}: الملائكة {عُرْفاً} أي: أرسلوا بالمعروف من الأمر، أو كثيرين كعُرْفِ الفَرس. {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً}. الرياحُ الشديدة (العوصف تأتي بالعصف وهو ورق الزرع وحطامه). {وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً}. الأمطار (لأنها تنشر النبات. فالنشر بمعنى الإحياء). ويقال السُّحُبُ تنشر الغيث. ويقال: الملائكة. {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً}. الملائكة؛ تفرق بين الحلال والحرام. {فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً}. الملائكة: تُلقِي الوحيَ على الأنبياء عليهم السلام؛ إعذاراً وإنذاراً. وجوابُ القَسَم: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ}. فأقسم بهذه الأشياء: إنَّ القيامة لحقُّ. قوله جلّ ذكره: {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ}. إنما تكون هذه القيامة. و{طُمِسَتْ}: ذهب ضَوؤُها.
البقلي
تفسير : {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} اقسم الله سبحانه بالمرسلات من رياح العناية المتتابعة من شمال قربه وبساطين غيب مشاهدته والعاصفات من رياح تجلى العظمة الكبرياء التى تفنى قلوب الموحدين فى سطواتها.
اسماعيل حقي
تفسير : {والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا} الواو للقسم والمرسلات بمعنى الطوآئف المرسلات جمع مرسلة بمعنى طائفة مرسلة باعتبار ان ملائكة كل يوم او كل عام او كل حادثة طائفة وعرفا بمعنى متتابعة من عرف الفرس وهو الشعرات المتتابعة فوق عنقه فهو من باب التشبيه البليغ بأن شبهت الملائكة المرسلون فى تتابعهم بشعر عرف الفرس وانتصابه على الحالية اى جاريات بعضها اثر بعض كعرف الفرس والعرف بمعنى المعروف والاحسان نقيض النكر بمعنى المنكر اى الشئ القبيح فانهم ان ارسلوا للرحمة فظاهر وان ارسلوا لعذاب الكفار فذلك معروف للانبياء والمؤمنين يعنى ان عذاب الاعدآء احسان للاولياء فانتصابه على العلية وعصفت الريح اشتدت وعصفا مصدر مؤكد وكذا نشرا وفرقا والفاء للدلة على اتصال سرعة جريهن فى نزولهن وهبوطهن بالارسال من غير مهلة وهى لعطف الصفة على الصفة اذ الموصوف متحد والنشر بمعنى البسط والعدول الى الواو فى الناشرات لانها غير المرسلات فالقسم الاول وصفهم الله بوصفين يتعقب احدهما على الآخر والقسم الثانى وصفهم بثلاثة اوصاف كذلك والفرق الفصل والالقاء هنا بمعنى الايصال والانزال لا الطرح وذكرا بمعنى الوحى مفعول الملقيات وترتيب الالقاء على ما قبله بالفاء ينبغى ان يكون لتأويله بارادة النشر والفرق وسيأتى تمامه اقسم الله بطوآئف من الملائكة ارسلهن بأوامره بنحو التدبير وايصال الارزاق بالتصرف فى الامطار والرياح وكتابة اعمال العباد بالليل والنهار وقبض الارواح فعصفهن فى مضيهن يعنى سخت رفتند. عصف الرياح مسارعة فى الامتثال بالامر وبطوآئف اخرى نشرن اجنحتهن فى الجو عند انحطاطهن بالوحى او نشرن الشرآئع فى الاقطار اى فرقن واشعن او نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل اى احيين بما اوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكرا الى الانبياء.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والمُرسلاتِ} أي: والملائكة المرسلات {عُرْفاً} أي: بالمعروف من الأمر والنهي، وانتصابه بإسقاط الخافض، أو: فضلاً وإنعاماً، فيكون نقيض المنكر، وانتصابه على العلة، أي: أرسلهن للإنعام والإحسان، أو: متتابعة، وانتصابه على الحال، أي: يتلو بعضها بعضاً، وفي القاموس: عُرفاً، أي: بعضٌ خلف بعض. هـ. {فالعاصفاتِ عَصْفاً} أي: تعصفن في مُضِيهنّ عصف الرياح، {والناشراتِ} أجنحتها في الجو {نَشْراً} عند انحطاطها بالوحي، أو: الناشرات للشرائع نشراً في الأقطار، أون: الناشرات للنفوس الميتة بالكفر والجهل بما أوحين من الإيمان والعلم. {فالفارقات} بين الحق والباطل {فرقاً}، {فالملقيات}، إلى الأنبياء {ذِكْراً عُذْراً} للمحقّين {أو نُذْراً} للمبطلين، ولعل تقديم النشر على الإلقاء؛ للإيذان بكونه غاية للإلقاء، فهو حقيق بالاعتناء به. أو: والرياح المرسلات متتابعة، فتعصف عصفاً، وتنشر السحاب في الجو نشراً، وتفرّق السحاب فرقاً على المواضع التي أراد الله إن يُمطر عليها، فيلقين ذكراً، أي: موعظة وخوفاً عند مشاهدة آثار قدرته تعالى، إمّا عذراً للمعتذرين إلى الله تعالى برهبتهم وتوبتهم، وإمّا نُذراً للذين يكفرونها وينسبونها إلى الأنواء. أو يكون تعالى أقسم بآيات القرآن المرسلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعصفن سائر الكتب بالنسخ، ونشرن آثار الهدى في مشارق الأرض ومغاربها, وفرقن بين الحق والباطل، فألقين الحق في أكناف العالمين، عذراً للمؤمنين، ونُذراً للكافرين. قال ابن جزي: والأظهر في المرسلات والعاصفات: أنها الرياح؛ لأنَّ وصف الريح بالعصف حقيقة، والأظهر في الناشرات والفارقات: أنها الملائكة؛ لأنَّ الوصف بالفارقات أليق بهم، ولذلك عطف المتجانسين بالفاء، ثم عطف ما ليس من جنسهما بالواو. هـ مختصراً. ثم ذكر المُقْسَم عليه، فقال: {إِنَّ ما تُوعدون} أي: إن الذي تُوعدونه من مجيء يوم القيامة ونزول العذاب بكم {لواقع} لا محالة. الإشارة: أقسم تعالى بنفوس العارفين، المرسَلة إلى كل عصر، بما يُعرف ويُستحس شرعاً وطبعاً، من التطهير من الرذائل والتحلية بالفضائل، فعصفت البدعَ والغفلة من أقطار الأرض عصفاً، ونشرت الهداية في أقطار البلاد، وحييت بهم العباد، ففرقت بين الحق والباطل، وبين أهل الغفلة واليقظة، وبين أهل الحجاب وأهل العيان، فألقت في قلوب مَن صَحبها ذكراً حتى سرى في جميع أركانها، فأظهرت عُذراً للمنتسبين الذاكرين، ونُذراً للمنكرين، الغافلين. قال البيضاوي: أو أقسم بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها، فعصفن ما سوى الحق، ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، وفرقن بين الحق بذاته، والباطل في نفسه، فرأوا كل شيء هالكاً إلاّ وجهه، وألقين ذكراً، بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلاّ ذكر الله تعالى. هـ. ثم ذكر وقت ما أقسم عليه، فقال: {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ {عذراً} مثقل ابو جعفر والبرجمي وقرأ {أو نذراً} خفيف أهل الكوفة غير ابي بكر وأبي عمرو. من ثقل الأول فلأن الثاني مثقل، ومن خفف الثاني فلأن الأول مخفف. والعذر بالتخفيف والنذر بمعنى الاعذار والانذار. ومن ثقل {نذراً} أراد جمع نذير. والعذر والمعذرة والتعذير بمعنى قال ابو علي النحوي: النذر بالتثقيل والنذير مثل النكر والنكير جميعاً مصدران، ويجوز فى النذر أمران: احدهما - ان يكون معناه المنذر. والثاني - أن يكون مصدراً. وقرأ ابو عمرو وحده "وقتت" بالواو على الأصل، وافقه ابو جعفر فى ذلك إلا انه خفف الواو. الباقون "أقتت" بالهمزة أبدلوها من الواو كراهة الضمة على الواو، كما قالوا فى (وحد) وقال الشاعر: شعر : يحل أخيذه ويقال ثعل بمثل تمول منه افتقار تفسير : هذا قسم من الله تعالى بالمرسلات، كما اقسم بصاد وقاف ويس وغير ذلك وقال قوم: تقديره ورب المرسلات، لانه لا يجوز القسم إلا بالله. وقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وابو صالح: المرسلات - ها هنا - الرياح، وفى رواية اخرى عن ابن مسعود وأبي صالح إنها الملائكة. وقال قوم {والمرسلات عرفاً} الانبياء جاءت بالمعروف. والارسال نقيض الامساك ومثله الاطلاق ونقيضه التقييد والارسال ايضاً إنفاذ الرسول. وقوله {عرفاً} أي متتابعة كعرف الفرس. وقيل: معروفا إرسالها. وإرسال الرياح اجراء بعضها فى أثر بعض {فالعاصفات عصفاً} يعني الرياح الهابة بشدة. والعصوف مرور الريح بشدة، عصفت الريح تعصف عصفاً وعصوفاً إذا اشتدت هبوبها، فعصوف الريح شدة هبوبها. وقوله {والناشرات نشراً} قال ابن مسعود ومجاهد وقتادة وابو صالح: هي الرياح، لانها تنشر السحاب للغيث، كما تلحقه للمطر. وقال ابو صالح - في رواية - هي الملائكة تنشر الكتب عن الله. وفي رواية اخرى عن ابي صالح إنها الأمطار لانها تنشر النبات. وقيل الرياح تنشر السحاب في الهواء. وقوله {فالفارقات فرقاً} قال ابن عباس وابو صالح: هي التي تفرق بين الحق والباطل، وهي الملائكة وقال قتادة: هي آيات القرآن. وقال الحسن: هي آي القرآن تفرق بين الهدى والضلال {فالملقيات ذكراً} قال ابن عباس وقتادة هم الملائكة. والالقاء طرح الشيء على غيره، والالقاء ايقاع الشيء على غيره، فالذكر يلقى بالبيان والافهام وهو من صفة الملائكة فيما تلقيه إلى الانبياء، ومن صفة الانبياء فيما تلقيه إلى الامم، ومن صفة العلماء فيما تلقيه إلى المتعلمين وقيل لما جمعت الاوصاف للرياح لاختلاف فوائدها. وقال بعضهم {والمرسلات عرفاً} الانبياء جاءت بالمعروف {فالعاصفات عصفاً} الرياح {والناشرات نشراً} الامطار نشرت النبات {فالفارقات فرقاً} آي القرآن {فالملقيات ذكراً} الملائكة تلقي كتاب الله تعالى إلى الانبياء. وقوله {عذراً أو نذراً} يحتمل نصبه وجهين: احدهما - على انه مفعول له أي للاعذار والانذار. والثاني - مفعول به أي ذكرت العذر والنذر. واختار ابو علي أن يكون بدلا من قوله {ذكراً} وقيل معناه اعذاراً من الله وانذاراً الى خلقه ما القته الملائكة من الذكر إلى أنبيائه والعذر أمر في امر ظهوره دفع اللوم بأنه لم يكن يستحق لاجل تلك الحال مع وقوع خلاف المراد. فالعقاب على القبيح بعد الانذار يوجب العذر في وقوعه. وإن كان بخلاف مراد العبد الذي استحقه. قال الحسن {عذراً} معناه يعتذر به الى عباده في العقاب أنه لم يكن الا على وجه الحكمة. والنذر والانذار وهو الاعلام بموضع المخافة ليتقى. ومن خفف {عذراً} كره توالى الضمتين. وقوله {إنما توعدون لواقع} جواب القسم ومعناه إن الذي وعدكم الله به من البعث والنشور والثواب والعقاب: كائن لا محالة. وقيل: الفرق بين الواقع والكائن أن الواقع لا يكون إلا حادثاً تشبيهاً بالحائط الواقع، لانه من أبين الاشياء في الحدوث، والكائن أعم منه لانه بمنزلة الموجود الثابت يكون حادثاً وغير حادث. وقوله {فإذا النجوم طمست} معناه محيت آثارها وذهب نورها. والطمس محو الاثر الدال على الشيء فالطمس على النجوم كالطمس على الكتاب، لانه يذهب نورها والعلامات التي كانت تعرف بها {وإذا السماء فرجت} أي شققت وصدعت {وإذا الجبال نسفت} نسف الجبال إذهابها حتى لا يبقى لها في الارض أثر، والنسف تحريك الشيء بما يخرج ترابه وما اختلط به مما ليس منه، ومنه سمي المنسف ونسف الحبوب كلها تجري على هذا الوجه، وقوله {نسفت} من قولهم: أنسفت الشيء اذا اخذته بسرعة. وقوله {وإذا الرسل أقتت} أي أعلمت وقت الثواب ووقت العقاب، فالتوقيت تقدير الوقت لوقوع الفعل، ولما كانت الرسل عليهم السلام قد قدر أرسالها لاوقات معلومة بحسب صلاح العباد فيها كانت قد وقتت لتلك الأوقات بمعنى اعلمت وقت الثواب ووقت العقاب. وقال مجاهد وابراهيم وابن زيد: أقتت بالاجتماع لوقتها يوم القيامة قال تعالى {أية : يوم يجمع الله الرسل}تفسير : والمواقيت الآجال ومثله {أية : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج}تفسير : وقيل: معنى اقتت اجلت لوقت ثوابها، وهو يوم الفصل. وقيل: معناه أجلت فيما بينها وبين أمتها {ليوم الفصل} ثم بين تعالى فقال {لأي يوم أجلت} أي أخرت إلى اجل فالتأجيل التأخير الى أجل، فالرسل قد أجلت بموعودها الى يوم الفصل، وهو يوم القيامة وسمي يوم الفصل، لانه يفصل فيه بين حال المهتدي والضال بما يعلم الله لاحدهما من حال الثواب بالاجلال والاكرام، وللاخر من حال العقاب بالاستخفاف والهوان بما لا يخفى على انسان. وقيل: الوجه فى تأجيل الموعود إلى يوم الفصل تحديد الامر للجزاء على جميع العباد فيه بوقوع اليأس من الرد إلى دار التكليف، لان في تصور هذا ما يتأكد به الدعاء الى الطاعة والانزجار عن المعصية. وقوله {ويل يومئذ للمكذبين} تهديد ووعيد لمن جحد يوم القيامة وكذب بالثواب والعقاب، وإنما خص الوعيد في الذكر بالمكذبين لأن التكذيب بالحق يتبعه كل شيء، فخصال المعاصي تابعة له وإن لم يذكر معه، مع أن التكذيب قد يكون في القول والفعل المخالف للحق، ومنه قولهم: حمل فما كذب حتى لقي العدو فهزمه.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} قد فسّرت بالملائكة المرسلة المتتابعة لتعذيب اهل الدّنيا وجحيم النّفس او الملائكة المرسلة للمعروف والاحسان الى العباد بتعذيب اهل الشّرّ والفساد.
الأعقم
تفسير : {والمرسلات} الرياح {عرفاً} متابعة الهبوب يتبع بعضها بعضاً، وقيل: المرسلات الملائكة أرسلت بالعرف من أمر الله ونهيه، وقيل: الأنبياء جاءت بالعرف {فالعاصفات عصفاً} يعني الرياح {والناشرات نشراً} قيل: الرياح لأنها تنشر السحاب للغيث، وقيل: الملائكة تنشر الكتب {فالفارقات فرقاً} قيل: الملائكة تفرق بين الحق والباطل، وقيل: آيات القرآن فرقت بين الحلال والحرام والهدى والضلال {فالملقيات ذكراً} قيل: الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء والأنبياء تلقيه إلى الأمم، والعلماء تلقيه إلى الناس {عذراً أو نذراً} قيل: أعذاراً أو إنذاراً {إنما توعدون لواقع} يعني ما توعدون من أمر القيامة والبعث والحساب لواقع كائن لا محالة، وذلك جواب القسم في أول السورة {فإذا النجوم طمست} أي ضوؤها {وإذا السماء فرجت} أي شقت وصدعت فصارت فيها فجوج {وإذا الجبال نسفت} قيل: قلعت من أماكنها، وقيل: دكها {وإذا الرسل أقّتت} أي جمعت وأحضرت للموقف الذي كان الله وعد إحضارهم وجمعهم فيها شهداء على الناس {لأي يوم أجّلت} قيل: إنما قال لأي تعظيماً لذلك، أجلّت: أخرت {ليوم الفصل} بين العباد {وما أدراك} أيها الانسان {ما يوم الفصل} أي يوم القضاء مجازاة المحسن والمسيء وانتصاف المظلوم من الظالم {ويل يومئذ للمكذبين} العذاب يومئذ لمن كذب بالرسل وبذلك اليوم {ألم نهلك الأولين} قيل: الأمم المكذبة قوم نوح وعاد وثمود {ثم نتبعهم الآخرين} قيل: قوم ابراهيم وقوم لوط وقوم فرعون، وقيل: الآخرين هم الذين تقوم عليهم القيامة.
الهواري
تفسير : تفسير سورة المرسلات، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} يعني الملائكة ترسل بالمعروف إلى الرسل، فتبلغ الرسلُ العبادَ. وتفسير الحسن: إنها الرياح. قال: عرفها: جريها. قال تعالى: {فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} أي: الرياح إذا عصفت، أي: اشتدت {وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً} يعني الرياح. كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) تفسير : [الأعراف:57] أي: بين يدي المطر. قال: {فَالْفَرِقَاتِ فَرْقاً} يعني الملائكة التي تنزل بالوحي، أي: بكتب الله التي فرق فيها بين الكفر والإِيمان وبين الحلال والحرام. قال: {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} يعني الملائكة تلقى الذكر، وهو كتب الله على الأنبياء، فيوحيه جبريل إلى النبيين. وقد قال في آية أخرى: (أية : وَمَا كُنتَ تَرْجُواْ أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الكِتَابُ) تفسير : [القصص:86] أي: أن ينزل عليك. قال: {عُذْراً} أي تنزل به الملائكة يعذر به الله إلى خلقه {أَوْ نُذْراً} أي: ينذرهم بعذابه. وهذا قسم كله من أول هذه السورة إلى هذه الموضع، أقسم به {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} يعني المشركين، ما يوعدون به من عذاب الله لواقع بهم.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْمُرْسَلاَتِ} الرياح التي يرسلها الله *{عُرْفاً} حال اي متتابعات كعرف الفرس يتلوا بعضه بعضا يقال جاءوا عرفا واحدا وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه وقيل عرفا كثيرا وهو حال وقرئ عرفا كنكر بضمتين.
اطفيش
تفسير : {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً} قسم جوابه قوله تعالى {إِنما توعدون لواقع}، {فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} طائفتان من الملائكة أرسلهم الله بإِنفاذ أمره على الكفرة نصرة للأَنبياء فعصفن أى أسرعن بإِيقاع العذاب عليهم كالريح العاصفة استعارة من عصف الريح بمعنى إِهلاكها من أرسلت إِليه استعارة كذلك والتجوز إِرسالى على حد إِطلاق المشفر على شفة الإِنسان بطريق الاستعارة أو الإِطلاق والتقييد، روى محبوب عن الربيع عن ابى عبيدة رحمهم الله عن ابن عباس رضى الله عنهما سمعتنى أُم الفضل بنت الحارث وهى والدة عبد الله ابن عباس أقرأ والمرسلات عرفاً قالت يا بنى لقد ذكرتنى بقراءتك هذه السورة، إِنها لآخر ما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها فى المغرب، وعن ابن مسعود عرفا المعروف من أمر الله ونهيه.
الالوسي
تفسير : قيل أقسم سبحانه بمن اختاره من الملائكة عليهم السلام على ما أخرجه عبد بن حميد عن مجاهد فقيل المرسلات والعاصفات طوائف، والناشرات والفارقات والملقيات طوائف أخرى، فالأولى طوائف أرسلت بأمره تعالى وأمرن بإنفاذه فعصفن في المضي وأسرعن كما تعصف الريح تخففاً في امتثال الأمر وإيقاع العذاب بالكفرة إنقاذاً للأنبياء عليهم السلام ونصرة لهم والثانية طوائف نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكراً إلى الأنبياء عليهم السلام، ولعل من يلقي الذكر لهم غير مختص بجبريل عليه السلام بل هو رئيسهم، ويرشد إلى هذا حديث الرصد وفي بعض الآثار «نزل إليَّ ملك بألوكة من ربـي فوضع رجلاً في السماء وثنى الأخرى بين يدي» فالمرسلات صفة لمحذوف والمراد وكل طائفة مرسلة وكذا الناشرات. ونصب {عُرْفاً} على الحال والمراد متتابعة وكأن الأصل والمرسلات متتابعة كالعرف وهو عرف الدابة كالفرس والضبع أعني الشعر المعروف على قفاها فحذف متتابعة لدلالة التشبيه عليه ثم حذف أداة التشبيه مبالغة، ومن هذا قولهم جاؤوا عرفاً واحداً إذا جاؤوا يتبع بعضهم بعضاً وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه. ويؤخذ من كلام بعض أن العرف في الأصل ما ذكر ثم كثر استعماله في معنى التتابع فصار فيه حقيقة عرفية أو على أنه مفعول له على أنه بمعنى العرف الذي هو نقيض النكر أي والمرسلات للإحسان والمعروف ولا يعكر على ذلك أن الإرسال لعذاب الكفار لأن ذلك إن لم يكن معروفاً لهم فإنه معروف للأنبياء عليهم السلام والمؤمنين الذين انتقم الله تعالى لهم منهم وعطف (الناشرات) على ما قبل الواو ظاهر للتغاير بالذات بينهما وعطف (العاصفات) على (المرسلات) و(الفارقات) على (الناشرات) وكذا ما بعد بالفاء لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذات كما في قوله: شعر : يا لهف زيَّابة للحارث الصابح فالغانم فالآيب تفسير : وهي للدلالة على ترتيب معاني الصفات في الوجود أي الذي صبح فغنم فآب. وترتيب مضي الأمر على / الإرسال به والأمر بانقاذه ظاهر وأما ترتيب إلقاء الذكر إلى الأنبياء عليهم السلام على الفرق بين الحق والباطل مع ظهور تأخر الفرق عن الإلقاء فقيل لتأويل الفرق بإرادته فحينئذٍ يتقدم على الإلقاء. وقيل لتقدم الفرق على الإلقاء من غير حاجة إلى أن يؤول بإرادته لأنه بنفس نزولهم بالوحي الذي هو الحق المخالف للباطل الذي هو الهوى ومقتضى الرأي الفاسد وإنما العلم به متأخر ومن هذا يظهر ترتيب الفرق على نشر الأجنحة إذ الحاصل عليه نشرن أجنحتهن للنزول فنزلن فألقين وهو غير ظاهر على ما قبله لأن إرادة الفرق تجامع النشر وكذا إرادته إذا أول أيضاً بحسب الظاهر بل ربما يقال إن تلك الإرادة قبل. وقيل إن الفاء في ذلك للترتيب الرتبـي ضرورة أن إرادة الفرق أعلى رتبة من النشر وقيل إنها فيه وفيما بعده لمجرد الإشعار بأن كلاً من الأوصاف المذكورة أعني النشر والفرق مستقل بالدلالة على استحقاق الطوائف الموصوفة بها للتفخيم والإجلال بالإقسام بهن فإنه لو جيء بها على ترتيب الوقوع لربما فهم أن مجموع الثلاثة المترتبة هو الموجب لما ذكر من الاستحقاق واستعمال العاصفات بمعنى المسرعات سرعة الريح مجاز على سبيل الاستعارة ولا يبعد أن يراد بالعاصفات المذهبات المهلكات بالعذاب الذي أرسلن به من أرسلن إليه على سبيل الاستعارة أيضاً أو المجاز المرسل. وعذراً ونذراً في قوله تعالى: {عُذْراً أَوْ نُذْراً}.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة حادة الملامح، عنيفة المشاهد، شديدة الإيقاع، كأنها سياط لاذعة من نار. وهي تقف القلب وقفة المحاكمة الرهيبة، حيث يواجه بسيل من الاستفهامات والاستنكارات والتهديدات، تنفذ إليه كالسهام المسنونة! وتعرض السورة من مشاهد الدنيا والآخرة، وحقائق الكون والنفس، ومناظر الهول والعذاب ما تعرض. وعقب كل معرض ومشهد تلفح القلب المذنب لفحة كأنها من نار: {ويل يومئذ للمكذبين}! ويتكرر هذا التعقيب عشر مرات في السورة. وهو لازمة الإيقاع فيها. وهو أنسب تعقيب لملامحها الحادة، ومشاهدها العنيفة، وإيقاعها الشديد. وهذه اللازمة تذكرنا باللازمة المكررة في سورة "الرحمن" عقب عرض كل نعمة من نعم الله على العباد: {أية : فبأي آلاء ربكما تكذبان؟}.. تفسير : كما تذكرنا باللازمة المكررة في سورة "القمر" عقب كل حلقة من حلقات العذاب: {أية : فكيف كان عذابي ونذر؟}..تفسير : وتكرارها هنا على هذا النحو يعطي السورة سمة خاصة، وطعماً مميزاً.. حاداً.. وتتوالى مقاطع السورة وفواصلها قصيرة سريعة عنيفة، متعددة القوافي. كل مقطع بقافية. ويعود السياق أحياناً إلى بعض القوافي مرة بعد مرة. ويتلقى الحس هذه المقاطع والفواصل والقوافي بلذعها الخاص، وعنفها الخاص. واحدة إثر واحدة. وما يكاد يفيق من إيقاع حتى يعاجله إيقاع آخر، بنفس العنف وبنفس الشدة. ومنذ بداية السورة والجو عاصف ثائر بمشهد الرياح أو الملائكة: {والمرسلات عرفاً. فالعاصفات عصفاً. والناشرات نشراً فالفارقات فرقاً. فالملقيات ذكراً، عذراً أو نذراً}.. وهو افتتاح يلتئم مع جو السورة وظلها تمام الالتئام. وللقرآن في هذا الباب طريقة خاصة في اختيار إطار للمشاهد في بعض السور من لون هذه المشاهد وقوتها.. وهذا نموذج منها، كما اختار إطاراً من الضحى والليل إذا سجى لمشاهد الرعاية والحنان والإيواء في "سورة الضحى" وإطاراً من العاديات الضابحة الصاخبة المثيرة للغبار لمشاهد بعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور في سورة "والعاديات".. وغيرها كثير. وكل مقطع من مقاطع السورة العشرة بعد هذا المطلع، يمثل جولة أو رحلة في عالم، تتحول السورة معه إلى مساحات عريضة من التأملات والمشاعر والخواطر والتأثرات والاستجابات.. أعرض بكثير جداً من مساحة العبارات والكلمات، وكأنما هذه سهام تشير إلى عوالم شتى! والجولة الأولى تقع في مشاهد يوم الفصل. وهي تصور الانقلابات الكونية الهائلة في السماء والأرض، وهي الموعد الذي تنتهي إليه الرسل بحسابها مع البشر: {فإذا النجوم طمست. وإذا السمآء فرجت. وإذا الجبال نسفت. وإذا الرسل أقّتت. لأي يوم أجلت؟ ليوم الفصل. ومآ أدراك ما يوم الفصل؟ ويل يومئذ للمكذبين!}. والجولة الثانية مع مصارع الغابرين، وما تشير إليه من سنن الله في المكذبين: {ألم نهلك الأولين؟ ثم نتبعهم الآخرين؟ كذلك نفعل بالمجرمين. ويل يومئذ للمكذبين!}.. والجولة الثالثة مع النشأة الأولى وما توحي به من تقدير وتدبير: {ألم نخلقكم من مآء مهين؟ فجعلناه في قرار مكين؟ إلى قدر معلوم؟ فقدرنا فنعم القادرون. ويل يومئذ للمكذبين!}.. والجولة الرابعة في الأرض التي تضم أبناءها إليها أحياء وأمواتاً، وقد جهزت لهم بالاستقرار والماء المحيي: {ألم نجعل الأرض كفاتاً؟ أحيآء وأمواتاً، وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم مآء فراتاً؟ ويل يومئذ للمكذبين!}.. والجولة الخامسة مع المكذبين وما يلقونه يوم الفصل من عذاب وتأنيب: {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون. انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب! لا ظليل ولا يغني من اللهب. إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر. ويل يومئذ للمكذبين!}.. والجولة السادسة والسابعة استطراد مع موقف المكذبين، ومزيد من التأنيب والترذيل: {هـذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون. ويل يومئذ للمكذبين! هـذا يوم الفصل جمعناكم والأولين. فإن كان لكم كيد فكيدون. ويل يومئذ للمكذبين!}.. والجولة الثامنة مع المتقين، وما أعد لهم من نعيم: {إن المتقين في ظلال وعيون، وفواكه مما يشتهون. كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون. إنا كذلك نجزي المحسنين. ويل يومئذ للمكذبين!}.. والجولة التاسعة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التأنيب: {كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون. ويل يومئذ للمكذبين!}.. والجولة العاشرة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التكذيب: {وإذا قيل لهم: اركعوا لا يركعون. ويل يومئذ للمكذبين!}.. والخاتمة بعد هذه الجولات والاستعراضات والوخزات والإيقاعات: {فبأي حديث بعده يؤمنون؟}.. وهكذا يمضي القلب مع سياق السورة السريع، وكأنه يلهث مع إيقاعها وصورها ومشاهدها. فأما الحقائق الموضوعية في السورة فقد تكرر ورودها في سور القرآن ـ والمكية منها بوجه خاص ـ ولكن الحقائق القرآنية تعرض من جوانب متعددة، وفي أضواء متعددة، وبطعوم ومذاقات متعددة، وفق الحالات النفسية التي تواجهها، ووفق مداخل القلوب وأحوال النفوس التي يعلمها منزل هذا القرآن على رسوله، فتبدو في كل حالة جديدة، لأنها تستجيش في النفس استجابات جديدة. وفي هذه السورة جدة في مشاهد جهنم. وجدة في مواجهة المكذبين بهذه المشاهد. كما أن هناك جدة في أسلوب العرض والخطاب كله. ومن ثم تبرز شخصية خاصة للسورة. حادة الملامح. لاذعة المذاق. لاهثة الإيقاع! والآن نستعرض السورة في سياقها القرآني بالتفصيل: {والمرسلات عرفاً. فالعاصفات عصفاً. والناشرات نشراً. فالفارقات فرقاً. فالملقيات ذكراً: عذرا أو نذراً.. إنما توعدون لواقع}.. القضية قضية القيامة التي كان يعسر على المشركين تصور وقوعها؛ والتي أكدها لهم القرآن الكريم بشتى المؤكدات في مواضع منه شتى. وكانت عنايته بتقرير هذه القضية في عقولهم، وإقرار حقيقتها في قلوبهم مسألة ضرورة لا بد منها لبناء العقيدة في نفوسهم على أصولها، ثم لتصحيح موازين القيم في حياتهم جميعاً. فالاعتقاد باليوم الآخر هو حجر الأساس في العقيدة السماوية، كما أنه حجر الأساس في تصور الحياة الإنسانية. وإليه مرد كل شيء في هذه الحياة، وتصحيح الموازين والقيم في كل شأن من شؤونها جميعاً.. ومن ثم اقتضت هذا الجهد الطويل الثابت لتقريرها في القلوب والعقول. والله سبحانه يقسم في مطلع هذه السورة على أن هذا الوعد بالآخرة واقع. وصيغة القسم توحي ابتداء بأن ما يقسم الله به هو من مجاهيل الغيب، وقواه المكنونة، المؤثرة في هذا الكون وفي حياة البشر. وقد اختلف السلف في حقيقة مدلولها. فقال بعضهم: هي الرياح إطلاقاً. وقال بعضهم هي الملائكة إطلاقاً. وقال بعضهم: إن بعضها يعني الرياح وبعضها يعني الملائكة.. مما يدل على غموض هذه الألفاظ ومدلولاتها. وهذا الغموض هو أنسب شيء للقسم بها على الأمر الغيبي المكنون في علم الله. وأنه واقع كما أن هذه المدلولات المغيبة واقعة ومؤثرة في حياة البشر. {والمرسلات عرفاً}.. عن أبي هريرة أنها الملائكة. وروي مثل هذا عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات، والسدي والربيع بن أنس، وأبي صالح في رواية (والمعنى حينئذ هو القسم بالملائكة المرسلة أَرسالاً متوالية، كأنها عرف الفرس في إرسالها وتتابعها). وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات.. إنها الملائكة. وروي عن ابن مسعود.. المرسلات عرفاً. قال: الريح. (والمعنى على هذا أنها المرسلة متوالية كعرف الفرس في امتدادها وتتابعها) وكذا قال في العاصفات عصفاً والناشرات نشراً. وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية. وتوقف ابن جرير في المرسلات عرفاً هل هي الملائكة أو الرياح. وقطع بأن العاصفات هي الرياح. وكذلك الناشرات التي تنشر السحاب في آفاق السماء. وعن ابن مسعود: {فالفارقات فرقاً فالملقيات ذكراً، عذراً أو نذراً} يعني الملائكة. وكذا قال: ابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري بلا خلاف. فإنها تنزل بأمر الله على الرسل، تفرق بين الحق والباطل. وتلقي إلى الرسل وحياً فيه إعذار إلى الخلق وإنذار. ونحن نلمح أن التهويل بالتجهيل ملحوظ في هذه الأمور المقسم بها كالشأن في الذاريات ذرواً. وفي النازعات غرقاً.. وأن هذا الخلاف في شأنها دليل على إبهامها. وأن هذا الإبهام عنصر أصيل فيها في موضعها هذا. وأن الإيحاء المجمل في التلويح بها هو أظهر شيء في هذا المقام. وأنها هي بذاتها تحدث هزة شعورية بإيحاء جرسها وتتابع إيقاعها، والظلال المباشرة التي تلقيها. وهذه الانتفاضة والهزة اللتان تحدثهما في النفس هما أليق شيء بموضوع السورة واتجاهها.. وكل مقطع من مقاطع السورة بعد ذلك هو هزة، كالذي يمسك بخناق أحد فيهزه هزاً، وهو يستجوبه عن ذنب، أو عن آية ظاهرة ينكرها، ثم يطلقه على الوعيد والتهديد: {ويل يومئذ للمكذبين}.. بعد ذلك تجيء الهزة العنيفة بمشاهد الكون المتقلبة في يوم الفصل الذي هو الموعد المضروب للرسل لعرض حصيلة الرسالة في البشرية جميعاً: {فإذا النجوم طمست، وإذا السمآء فرجت، وإذا الجبال نسفت، وإذا الرسل أقّتت. لأي يوم أجلت؟ ليوم الفصل. ومآ أدراك ما يوم الفصل؟ ويل يومئذ للمكذبين}.. يوم تطمس النجوم فيذهب نورها، وتفرج السماء أي تشق، وتنسف الجبال فهي هباء.. وقد وردت مشاهد هذا الانقلاب الكوني في سور شتى من القرآن. وكلها توحي بانفراط عقد هذا الكون المنظور، انفراطاً مصحوباً بقرقعة ودوي وانفجارات هائلة، لا عهد للناس بها فيما يرونه من الأحداث الصغيرة التي يستهولونها ويروعون بها من أمثال الزلازل والبراكين والصواعق.. وما إليها.. فهذه أشبه شيء ـ حين تقاس بأهوال يوم الفصل ـ بلعب الأطفال التي يفرقعونها في الأعياد، حين تقاس إلى القنابل الذرية والهيدروجينية! وليس هذا سوى مثل للتقريب. وإلا فالهول الذي ينشأ من تفجر هذا الكون وتناثره على هذا النحو أكبر من التصور البشري على الإطلاق! وإلى جانب هذا الهول في مشاهد الكون، تعرض السورة أمراً عظيماً آخر مؤجلاً إلى هذا اليوم.. فهو موعد الرسل لعرض حصيلة الدعوة. دعوة الله في الأرض طوال الأجيال.. فالرسل قد أقتت لهذا اليوم وضرب لها الموعد هناك، لتقديم الحساب الختامي عن ذلك الأمر العظيم الذي يرجح السماوات والأرض والجبال. للفصل في جميع القضايا المعلقة في الحياة الأرضية، والقضاء بحكم الله فيها، وإعلان الكلمة الأخيرة التي تنتهي إليها الأجيال والقرون.. وفي التعبير تهويل لهذا الأمر العظيم، يوحي بضخامة حقيقته حتى لتتجاوز مدى الإدراك: {وإذا الرسل أقّتت. لأي يوم أجلت؟ ليوم الفصل. وما أدراك ما يوم الفصل؟}.. وظاهر من أسلوب التعبير أنه يتحدث عن أمر هائل جليل. فإذا وصل هذا الإيقاع إلى الحس بروعته وهوله، الذي يرجح هول النجوم المطموسة والسماء المشقوقة والجبال المنسوفة. ألقى بالإيقاع الرعيب، والإنذار المخيف: {ويل يومئذ للمكذبين!}.. وهذا الإنذار من العزيز الجبار، في مواجهة الهول السائد في الكون، والجلال الماثل في مجلس الفصل بمحضر الرسل. وهم يقدمون الحساب الأخير في الموعد المضروب لهم.. هذا الإنذار في هذا الأوان له طعمه وله وزنه وله وقعه المزلزل الرهيب.. ويعود بهم من هذه الجولة في أهوال يوم الفصل، إلى جولة في مصارع الغابرين: الأولين والآخرين.. {ألم نهلك الأولين؟ ثم نتبعهم الآخرين؟ كذلك نفعل بالمجرمين. ويل يومئذ للمكذبين!}. هكذا في ضربة واحدة تتكشف مصارع الأولين وهم حشود. وفي ضربة واحدة تتكشف مصارع الآخرين وهم حشود. وعلى مد البصر تتبدى المصارع والأشلاء. وأمامها ينطلق الوعيد ناطقاً بسنة الله في الوجود: {كذلك نفعل بالمجرمين}! فهي السنة الماضية التي لا تحيد.. وبينما المجرمون يتوقعون مصرعاً كمصارع الأولين والآخرين، يجيء الدعاء بالهلاك، ويجيء الوعيد بالثبور: {ويل يومئذ للمكذبين}.. ومن الجولة في المصارع والأشلاء، إلى جولة في الإنشاء والإحياء، مع التقدير والتدبير، للصغير وللكبير: {ألم نخلقكم من مآء مهين؟ فجعلناه في قرار مكين؟ إلى قدر معلوم؟ فقدرنا فنعم القادرون. ويل يومئذ للمكذبين}.. وهي رحلة مع النشأة الجنينية طويلة عجيبة، يجملها هنا في لمسات معدودة. ماء مهين. يودع في قرار الرحم المكين. إلى قدر معلوم وأجل مرسوم. وأمام التقدير الواضح في تلك النشأة ومراحلها الدقيقة يجيء التعقيب الموحي بالحكمة العليا التي تتولى كل شيء بقدره في إحكام مبارك جميل: {فقدرنا فنعم القادرون} وأمام التقدير الذي لا يفلت منه شيء يجيء الوعيد المعهود: {ويل يومئذ للمكذبين}.. ثم جولة في هذه الأرض، وتقدير الله فيها لحياة البشر، وإيداعها الخصائص الميسرة لهذه الحياة: {ألم نجعل الأرض كفاتاً؟ أحيآء وأمواتاً؟ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم مآء فراتاً؟ ويل يومئذ للمكذبين}.. ألم نجعل الأرض كفاتا تحتضن بنيها أحياء وأمواتاً. {وجعلنا فيها رواسي شامخات} ثابتات سامقات، تتجمع على قممها السحب، وتنحدر عنها مساقط الماء العذب. أفيكون هذا إلا عن قدرة وتقدير، وحكمة وتدبير؟ أفبعد هذا يكذب المكذبون؟: {ويل يومئذ للمكذبين!}.. وعندئذ ـ بعد عرض تلك المشاهد، وامتلاء الحس بالتأثرات التي تسكبها في المشاعر ـ ينتقل السياق فجأة إلى موقف الحساب والجزاء. فنسمع الأمر الرهيب للمجرمين المكذبين، ليأخذوا طريقهم إلى العذاب الذي كانوا به يكذبون، في تأنيب مرير وإيلام عسير: {انطقلوا إلى ما كنتم به تكذبون. انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب. لا ظليل ولا يغني من اللهب. إنها ترمي بشرر كالقصر. كأنه جمالة صفر. ويل يومئذ للمكذبين!}.. اذهبوا طلقاء بعد الارتهان والاحتباس في يوم الفصل الطويل. ولكن إلى أين؟ إنه انطلاق خير منه الارتهان.. {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون}.. فها هو ذا أمامكم حاضر مشهود. {انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب}.. إنه ظل لدخان جهنم تمتد ألسنته في ثلاث شعب. ولكنه ظل خير منه الوهج: {لا ظليل ولا يغني من اللهب}.. إنه ظل خانق حار لافح. وتسميته بالظل ليست إلا امتداداً للتهكم، وتمنية بالظل تتكشف عن حر جهنم! انطلقوا. وإنكم لتعرفون إلى أين! وتعرفونها هذه التي تنطلقون إليها. فلا حاجة إلى ذكر اسمها.. {إنها ترمي بشرر كالقصر. كأنه جماله صفر}.. فالشرر يتتابع في حجم البيت من الحجر. (وقد كان العرب يطلقون كلمة القصر على كل بيت من حجر وليس من الضروري أن يكون في ضخامة ما نعهد الآن من قصور) فإذا تتابع بدا كأنه جمال صفر ترتع هنا وهناك! هذا هو الشرر فكيف بالنار التي ينطلق منها الشرر؟! وفي اللحظة التي يستغرق فيها الحس بهذا الهول، يجيء التعقيب المعهود: {ويل يومئذ للمكذبين!}. ثم يأخذ في استكمال المشهد بعد عرض الهول المادي في صورة جهنم، بعرض الهول النفسي الذي يفرض الصمت والكظم.. {هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون}.. فالهول هنا يكمن في الصمت الرهيب، والكبت الرعيب، والخشوع المهيب، الذي لا يتخلله كلام ولا اعتذار. فقد انقضى وقت الجدل ومضى وقت الاعتذار: {ويل يومئذ للمكذبين}!.. وفي مشاهد أخرى يذكر حسرتهم وندامتهم وحلفهم ومعاذيرهم.. واليوم طويل يكون فيه هذا ويكون فيه ذاك ـ على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما ـ ولكنه هنا يثبت هذه اللقطة الصامته الرهيبة، لمناسبة في الموقف وظل في السياق. {هـذا يوم الفصل جمعناكم والأولين. فإن كان لكم كيد فكيدون. ويل يومئذ للمكذبين!}.. هذا يوم الفصل لا يوم الاعتذار. وقد جمعناكم والأولين أجمعين. فإن كان لكم تدبير فدبروه، وإن كان لكم قدرة على شيء فافعلوه! ولا تدبير ولا قدرة. إنما هو الصمت الكظيم، على التأنيب الأليم.. {ويل يومئذ للمكذبين!}.. فإذا انتهى مشهد التأنيب للمجرمين، اتجه الخطاب بالتكريم للمتقين: {إن المتقين في ظلال وعيون، وفواكه مما يشتهون. كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون. إنا كذلك نجزي المحسنين. ويل يومئذ للمكذبين!}.. إن المتقين في ظلال.. ظلال حقيقية في هذه المرة! لا ظل ذي ثلاث لا ظليل ولا يغني من اللهب! وفي عيون من ماء لا في دخان خانق يبعث الظمأ الحرور: {وفواكه مما يشتهون}.. وهم يتلقون فوق هذا النعيم الحسي التكريم العلوي على مرأى ومسمع من الجموع: {كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون. إنا كذلك نجزي المحسنين} ويا لطف هذا التكريم من العلي العظيم {ويل يومئذ للمكذبين!}.. يقابل هذا النعيم والتكريم! وهنا تعرض في خطفة سريعة رقعة الحياة الدنيا التي طويت في السياق. فإذا نحن في الأرض مرة أخرى. وإذا التبكيت والترذيل يوجهان للمجرمين! {كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون. ويل يومئذ للمكذبين!}.. وهكذا تختلط الدنيا بالآخرة في فقرتين متواليتين، وفي مشهدين معروضين كأنهما حاضران في أوان، وإن كانت تفرق بينهما أزمان وأزمان. فبينما كان الخطاب موجهاً للمتقين في الآخرة، إذا هو موجه للمجرمين في الدنيا. وكأنما ليقال لهم: اشهدوا الفارق بين الموقفين.. وكلوا وتمتعوا قليلاً في هذه الدار، لتحرموا وتعذبوا طويلاً في تلك الدار.. {ويل يومئذ للمكذبين!}. ثم يتحدث معجباً من أمر القوم وهم يدعون إلى الهدى فلا يستجيبون: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. ويل يومئذ للمكذبين!}.. مع أنهم يبصرون هذا التبصير، وينذرون هذا النذير.. {فبأي حديث بعده يؤمنون؟}.. والذي لا يؤمن بهذا الحديث الذي يهز الرواسي، وبهذه الهزات التي تزلزل الجبال، لا يؤمن بحديث بعده أبداً. إنما هو الشقاء والتعاسة والمصير البائس، والويل المدخر لهذا الشقي المتعوس! إن السورة بذاتها، ببنائها التعبيري، وإيقاعها الموسيقي، ومشاهدها العنيفة، ولذعها الحاد.. إنها بذاتها حملة لا يثبت لها قلب، ولا يتماسك لها كيان. فسبحان الذي نزل القرآن، وأودعه هذا السلطان!
ابن عاشور
تفسير : قسَم بِمخلوقات عظيمة دالّةٍ على عظيم علم الله تعالى وقدرته. والمقصود من هذا القسم تأكيد الخبر، وفي تطويل القَسَم تشويقُ السامع لتلقي المقسم عليه. فيجوز أن يَكون المراد بموصوفات هذه الصفات نوعاً واحداً، ويجوز أن يكون نوعين أو أكثر من المخلوقات العظيمة. ومشى صاحب «الكشاف» على أن المقسم بها كلهم ملائكة. ولم يختلف أهل التأويل أن {المُلْقِيات ذِكراً} للملائكة. وقال الجمهور: العاصفات: الرياح ولم يحك الطبري فيه مخالفاً. وقال القرطبي: قيل العاصفات: الملائكة. و {الفارقات} لم يحك الطبري إلاّ أنهم الملائكةُ أو الرسلُ. وحكى القرطبي عن مجاهد: أنها الرياح. وفيما عدا هذه من الصفات اختَلَف المتأوّلون فمنهم من حملوها على أنها الملائكة ومنهم من حمل على أنها الرياح. فـ {المرسَلات} قال ابن مسعود وأبو هريرة ومقاتل وأبو صالح والكلبي ومسروق: هي الملائكة. وقال ابن عباس وقتادة: هي الرياح، ونقل هذا عن ابن مسعود أيضاً ولعله يجيز التأويلين وهو الأوفق بعطفها بالفاء. و {الناشرات} قال ابن عباس والضحاك وأبو صالح: الملائكة. وقال ابن مسعود ومجاهد: الرياح وهو عن أبي صالح أيضاً. ويتحصل من هذا أن الله أقسَم بجنسين من مخلوقاته العظيمة مثل قوله: {أية : والسماءِ ذات البروج واليوم الموعود}تفسير : [البروج: 1، 2]، ومثله تكَرَّر في القرآن. ويتجه في توزيعها أن الصفات التي عطفت بالفاء تابعة لجنس مَا عطفت هي عليه، والتي عطفت بالواو يترجح أنها صفاتُ جنس آخر. فالأرجح أن المرسلات والعاصفات صفتان للرياح، وأن ما بعدها صفات للملائكة، والواو الثانية للعطف وليست حرف قَسَم. ومناسبة الجمع بين هذين الجنسين في القسم أن كليهما من الموجودات العلوية لأن الأصل في العطف بالواو أن يكون المعطوف بها ذاتاً غير المعطوف عليه. وما جاء بخلاف ذلك فهو خلاف الأصل مثل قول الشاعر أنشده الفراء.شعر : إلى الملك القِرْم وابنِ الهُمام وليثِ الكتيبةِ في المزْدَحَم تفسير : أراد صفات ممدوح واحد. ولنتكلم على هذه الصفات: فأما {المرسلات} فإذا جعل وصفاً للملائكة كان المعنيُّ بهم المرسلين إلى الرسل والأنبياء مثل جبريل في إرساله بالوحي، وغيره من الملائكة الذين يبعثهم الله إلى بعض أنبيائه بتعليم أو خبر أو نصر كما في قوله تعالى عن زكرياء: {أية : فنادَتْه الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب}تفسير : الآية [آل عمران: 39]، أو {المرسلات} بتنفيذ أمر الله في العذاب مثل المرسلين إلى قوم لوط، و {عُرْفاً} حال مفيدة معنى التشبيه البليغ، أي مثل عرف الفرس في تتابع الشعر بعضه ببعض، يقال: هم كعرف الضبع، إذا تألبوا، ويقال: جاءوا عرفاً واحداً. وهو صالح لوصف الملائكة ولوصف الريح. وفسر {عُرفاً} بأنه اسمٌ، أي الشعرَ الذي على رقبة الفرس ونصبه على الحال على طريقة التشبيه البليغ، أي كالعُرف في تتابع البعض لبعض، وفسر بأنه مصدر بمعنى المفعول، أي معرُوف (ضد المنكَر)، وأن نصبه على المفعول لأجله، أي لأجل الإِرشاد والصلاح. {فالعاصفات} تفريع على {المرسلات}، أي ترسل فتعصف، والعصف يطلق على قوة هبوب الريح فإن أريد بالمرسلات وصف الرياح فالعصف حقيقة، وإن أريد بالمرسلات وصفُ الملائكة فالعصف تشبيه لنزولهم في السرعة بشدة الريح وذلك في المبادرة في سرعة الوصول بتنفيذ ما أمروا به. و {عَصْفاً} مؤكد للوصف تأكيداً لتحقيق الوصف، إذ لا داعي لإِرادة رفع احتمال المجاز. والنشر: حقيقته ضد الطي ويكثر استعماله مجازاً في الإِظهار والإِيضاح وفي الإِخراج. فـ {الناشرات} إذا جعل وصفاً للملائكة جاز أن يكون نشرَهم الوحي، أي تكرير نزولهم لذلك، وأن يكون النشر كناية عن الوضوح، أي بالشرائع البينة. وإذا جعل وصفاً للرياح فهو نشر السحاب في الأجواء فيكون عطفه بالواو دون الفاء لتنبيه على أنه معطوف على {المرسلات} لا على {العاصفات} لأن العصف حالة مضرة والنشر حالة نفع. والقول في تأكيد {نشراً} وتنوينه كالقولِ في {عَصْفاً}. والفَرْق: التمييز بين الأشياء، فإذا كان وصفاً للملائكة فهو صالح للفرق الحقيقي مثل تمييز أهلِ الجنة عن أهل النار يوم الحساب، وتمييز الأمم المعذبة في الدنيا عن الذين نجاهم الله من العذاب، مثل قوم نوح عن نوح، وعادٍ عن هود، وقومِ لوط عن لوط وأهله عدا امرأته، وصالح للفرق المجازي، وهو أنهم يأتون بالوحي الذي يفرق بين الحق والباطل، وبين الإِيمان والكفر. وإنْ جُعل وصفاً للرياح فهو من آثار النشر، أي فَرقُها جماعات السحب على البلاد. ولتفرع الفرق بمعنييه عن النشر بمعانيه عطف {الفارقات} على {الناشرات} بالفاء. وأكد بالمفعول المطلق كما أكد مَا قبله بقوله: {عصفاً} و {نشراً}، وتنوينه كذلك. والملقيات: الملائكة الذين يبلغون الوحي وهو الذِكْر. والإِلقاء مستعار لتبليغ الذكر من العالم العلوي إلى أهل الأرض بتشبيهه بإلقاء شيء من اليد إلى الأرض. وإلقاء الذكر تبليغ المواعظ إلى الرسل ليبلغوها إلى الناس وهذا الإِلقاء متفرع على الفرق لأنهم يخصّون كل ذكر بمن هو محتاج إليه، فذكر الكفار بالتهديد والوعيد بالعذاب، وذكر المؤمنين بالثناء والوعد بالنعيم. وهذا معنى {عُذْراً أوْ نُذُراً}. فالعُذر: الإِعلام بقبول إيمان المؤمنين بعد الكفر، وتوبةِ التائبين بعد الذنب. والنّذُر: اسم مصدر أنذر، إذا حَذر. و {عُذراً} قرأه الجمهور بسكون الذال، وقرأه رَوْح عن يعقوب بضمها على الإِتباع لحركة العين. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب {نُذُراً} بضم الذال وهو الغالب فيه. وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلفٌ بإسكان الذال على الوجهين المذكورين في {عُذراً}، وعلى كلتا القراءتين فهو اسم مصدر بمعنى الإِنذار. وانتصب {عذراً أو نذراً} على بدل الاشتمال من {ذِكْراً} و {أو} في قوله: {أو نذراً} للتقسيم. وجملة {إن ما توعدون لواقع} جواب القسم وزيدت تأكيداً أنَّ لتقوية تحقيق وقوع الجواب. و {إنَّما} كلمتان هما (إنَّ) التي هي حرف تأكيد و (ما) الموصولة وليست هي (إِنَّما) التي هي أداة حصر، والتي (ما) فيها زائدة. وقد كتبت هذه متصلة (إِنَّ) بـ (ما) لأنهم لم يكونوا يفرقون في الرسم بين الحالتين، والرسم اصطلاح، ورسم المصحف سُنة في المصاحف ونحن نكتبها مفصولة في التفسير وغيره. و {ما توعدون}: هو البعث للجزاء وهم يعلمون الصلة فلذلك جيء في التعبير عنه بالموصولية. والخطاب للمشركين، أي ما تَوعَّدكم الله به من العقاب بعد البعث واقع لا محالة وإن شككتم فيه أو نفيتموه. والواقع: الثابتُ. وأصل الواقع الساقط على الأرض فاستعير للشيء المحقق تشبيهاً بالمستقر.
الشنقيطي
تفسير : يقسم تعالى بهذه المسمّيات، واختلف في {وَٱلْمُرْسَلاَتِ}، {فَٱلْعَاصِفَاتِ}، {وٱلنَّاشِرَاتِ}. فقيل: هي الرِّياح، وقيل: الملائكة أو الرُّسل، وعرفاً أي متتالية كعرف الفرس، واختار كونها الرياح ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة. واختار كونها الملائكة أبو صالح عن أبي هريرة والربيع بن أنس. وعن أبي صالح: أنها الرسل قاله ابن كثير، واختار الأول وقال توقف ابن جرير، والواقع أن كلام ابن جرير يفيد أنه لا مانع عنده من إرادة الجميع، لأن المعنى محتمل ولا مانع عنده. واستظهر ابن كثير أنها الرياح لقوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}تفسير : [الحجر: 22] وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}تفسير : [الأعراف: 57]. وهذا هو الذي اختاره الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة الإملاء، أما الفارقات، فقيل الملائكة، وقيل: آيات القرآن، ورجح الشيخ الأول، وأما الملقيات ذكراً عذراً أو نذراً. فقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيانها في سورة الصافات عند قوله تعالى: {أية : فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً}تفسير : [الصافات: 3]. وفي مذكرة الإملاء. قوله: {عُذْراً}: اسم مصدر بمعنى الإعذار، ومعناه قطع العذر. ومنه المثل: من أعذر فقد أنذر، وهو مفعول لأجله والنذر اسم مصدر بمعنى الإنذار، وهو مفعول لأجله أيضاً، والإنذار الإعلام المقترن بتهديد، وأو في قوله: {أَوْ نُذْراً} بمعنى الواو أي لأجل الإعذار والإنذار: ومجيء أو بمعنى الواو، كمجيء ذلك في قول عمرو بن معد يكرب: شعر : قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ما بين ملجم مهره أو سافع تفسير : أي وسافع.
الواحدي
تفسير : {والمرسلات عرفاً} أي: الرِّياح التي أُرسلت مُتتابعةً كعُرْف الفرس. {فالعاصفات عصفاً} أي: الرِّياح الشَّديدة الهبوب. {والناشرات نشراً} الرِّياح التي تأتي بالمطر. {فالفارقات فرقاً} يعني: آي القرآن فرَّقت بين الحلال والحرام. {فالملقيات ذكراً} أي: الملائكة التي تنزل بالوحي. {عذراً أو نذراً} للإِعذار والإِنذار من الله تعالى. {إنَّ ما توعدون} من البعث والثَّواب والعقاب {لواقع}. {فإذا النجوم طمست} مُحي نورها. {وإذا السماء فُرِجَتْ} شُقَّت.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7- أقسم بالآيات المرسلة على لسان جبريل إلى محمد للعرف والخير، فالآيات القاهرات لسائر الأديان الباطلة تنسفها نسفاً، وبالآيات الناشرات للحكمة والهداية فى قلوب العالمين نشراً عظيماً، فالفارقات بين الحق والباطل فرقاً واضحاً، فالملقيات على الناس تذكرة تنفعهم - إعذاراً لهم وإنذاراً - فلا تكون لهم حُجة: إن الذى توعدونه من مجئ يوم القيامة لنازل لا ريب فيه. 8، 9، 10، 11- فإذا النجوم مُحقت ذواتها، وإذا السماء شُقَّت، وإذا الجبال فُتِّتت ونسفتها الرياح نسفاً، وإذا الرسل عُيِّن لهم الوقت الذى يحضرون فيه للشهادة على الأمم. 12، 13، 14، 15- لأى يوم أُخِّرت هذه الأمور العظيمة؟ ليوم يكون فيه الفصل بين الخلائق، وما أعلمك ما شأن يوم الفصل؟ هلاك دائم يومئذٍ للمكذبين بما أوعدهم به الرسل.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: والمرسلات عرفا: المرسلات الرياح الطيبة والعرف المتتابعة. فالعاصفات عصفا: فالرياح الشديدة الهبوب المضرة لشدتها. والناشرات نشرا: الرياح تنشر المطر وتفرقه في السماء نشرا. فالملقيات ذكرا: أي فالملائكة تلقى بالوحي على الأنبياء للتذكير به. عذرا أو نذرا: أي للأعذار بالنسبة إلى أقوام أو إنذار بالنسبة إلى آخرين. إنما توعدون لواقع: أي إنما توعدون أيها الناس لكائن لا محالة. فإذا النجوم طمست: أي محى نورها وذهبت. وإذا السماء فرجت: أي انشقت وتصدعت. وإذا الجبال سيرت: أي نسفت فإِذا هي هباء منبث مفرق هنا وهناك. وإذا الرسل أُقتت: أي جمعت لوقت حدد لها لتحضر فيه. ليوم الفصل: أي اليوم الذي يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} هذا بداية قسم الله تعالى أقسم فيه بعدة أشياء من مخلوقاته ولله أن يقسم بما شاء، والحكمة من الإِقسام أن تسكن النفوس للخبر وتطمئن إلى صدق المخبر فيه وبذلك يحصل الغرض من إلقاء الخبر على السامعين والمقسم به هنا المرسلات وهي الرياح المتتابعة الطيبة العذبة والعاصفات منها وهي الشديدة الهبوب التي قد تعصف بالأشجار وتقتلعها وبالمباني وتهدمها والناشرات نشرا وهي الرياح المعتدلة التي تنشر السحاب وتفرقه أو تسوقه للإمطار وإِنزال المطر والفارقات فرقا وهي آيات القرآن الكريم تفرق بين الحق والباطل والملقيات ذكرا عذرا أو نذرا وهي الملائكة تلقى بالوحي على من اصطفى الله تعالى من عباده للاعذار والانذار أي تعذر أناسا وتنذر آخرين هذا هو القسم والمقسم هو الله والمقسم عليه هو قوله جل ذكره إن ما توعدون أيها الناس من خير أو شر لواقع أي كائن لا محالة وعليه فأصلحوا أعمالكم بعد تصحيح نياتكم فإِن الجزاء واقع لا يتخلف أبدا ولا يتغير ولا يتبدل ومتى يقع هذا الموعود الكائن لا محالة والجواب يقع في يوم الفصل إذاً فما هو يوم الفصل والجواب يوم يحضر الله الشهود من الملائكة والرسل ويفصل بين الناس ومتى يكون يوم الفصل والجواب إذا النجوم طمست أي ذهب نورها ومحى وإذا السماء فرجت أي انشقت وتصدعت وإذا الجبال نسفت أي فتت وإذا الرسل أقتت أي حدد لها وقت معين تحضر فيه وهو يوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل تفخيم لشانه وإعلام بهوله وقوله تعالى {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ} أي يوم يقع الفصل العذاب الهائل الكبير {لِّلْمُكَذِّبِينَ} بالله وبآياته ولقائه ورسوله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه وليس للعبد أن يقسم بغير خالقه عز وجل. 3- علامات القيامة وظاهرة الانقلاب الكوني العام وهي انطماس ضوء النجوم وانفراج السماء ونسف الجبال. 4- الوعيد الشديد بالويل الذي هو واد في جهنم تستغيث جهنم من حره للمكذبين بما يجب التصديق به من أركان الإِيمان الستة، والوعد والوعيد الإِلهيين.
القطان
تفسير : المرسَلات: الملائكة. عُرفا: للعرف والخير. العاصفات: الرياح الشديدة، عصفت الريح عصفا وعصوفا اشتد هبوبها. الناشرات: تنشر الرياح السحب في الفضاء. فالفارقات: بين الحق والباطل. فالملقيات ذِكرا: الملقيات العلم والحكمة الى الأنبياء. عُذراً او نُذرا: للإعذار والانذار. طمست: محيت وذهب نورها. فُرجت: شقت. نسفت: اقتلعت من اماكنها. أُقتت: عين لها وقت. أُجلت: اخِّرت. ليوم الفصل: يوم القيامة الذي يفصل فيه بين العباد. ماء مهين: نطفة صغيرة. في قرار مكين: في الرحم. الى قدر معلوم: مدة الحمل. فقدرنا: على كل شيء. كفاتا: جامعة للأحياء والأموات. كَفَتَ الشيءَ: ضمه وجمعه. رواسي: جبالا ثوابت. شامخات: مرتفعات. فراتا: عذبا. أقسم اللهُ تعالى بطوائف من الملائكة، منهم المرسَلون الى الأنبياء بالإحسان والمعروف والخير ليبلغوها للناس، ومنهم الذين يعصِفون ما سوى الحق ويُبعدونه كما تُبعِد العواصف التراب وغيره، ومنهم الذين ينشرون آثار رحمة الله في النفوس الحية، ومنهم الذين يفرقون بين الحق والباطل، ومنهم الملقونَ العلمَ والحكمة لينذروا الناس. اقسم بكل ما تقدم بأنّ يوم القيامة الذي توعدون به لواقعٌ آتٍ لا ريب فيه. وذلك حين تُمحقُ النجوم ويذهب نورها، وتتشقق السماءُ، وتُنسف الجبال، ويُعيَّن للرسُل الوقت الذي يشهدون فيه على أُممهم. {وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ} ليوم القيامة، اليوم الذي يكون فيه الفصل بين الخلائق. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ}. ما أعلَمك يا محمد بيوم الفصل وشدّته وهوله، ما الذي تعرفه عن ذلك اليوم العظيم؟ {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}. الهلاك والويل في ذلك اليوم للذين كفروا وكذّبوا رسُلَهم. وبعد ان حذّر الكافرين وخوّفهم وأنذَرهم بأن يوم الفصل آتٍ لا ريب فيه، اردف ذلك بإعلامهم بانه أهلكَ الكفارَ من الأمم الأولين المكذبين. {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ} {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ}. ثم نحن نفعل ذلك بأمثالهم من الآخرين.. فاذا سلكتم سبيلهم فستكون عاقبتكم كعاقبتهم، وستُعذَّبون في الدنيا والآخرة. {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ}. الذين كذّبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وبكل مجرم كذّب وكفر بالله واليوم الآخر. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}. هلاك لكل مكذّب وجاحد في ذلك اليوم الشديد. ثم ذكّرهم بجزيل نعمه عليهم في خَلقهم وايجادهم بهذه الصورة الحسنة في أحسن تقويم. {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ}. الم نخلقكم أيها الناس من ماءٍ حقير من تلك النطفة، فجعلنا هذا الماءَ المهينَ في مكان حريز في الرحم، الى زمنٍ معلوم محدّد، فقدَرنا على خلْقِه وتصويره في احسن تقويم، فنعم القادرون والخالقون. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} بنعمة الله تعالى وبقدرته على كل شيء. وبعد ان ذكّرهم بالنِعم التي أنعم بها عليهم في الأنفس ذكّرهم بما أنعم عليهم في الآفاق فقال: {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَآءً وَأَمْواتاً وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً}. ألم نجعل الأرضَ ضامَّةً على ظهرها أحياءً لا يُعدّون، وفي بطنها امواتا لا يحصرون، وجعلنا فيها جبالا ثوابت شامخاتٍ عاليات، وأسقيناكم ماء عذباً سائغا تشربون منه، وتسقون دوابكم وزروعكم!؟ {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}. قراءات: قرأ الجمهور: عُذرا ونُذرا بإسكان الذال فيهما. وقرأ الحرميان وابن عامر وابو بكر: عذرا باسكان الذال، ونُذُرا بضمها.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُرْسَلاَتِ} (1) - يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِالرِّيَاحِ التِي تَهُبُّ شَيْئاً فَشَيئاً، وَكَاَنَّهَا عُرْفُ الفَرَسِ. (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ المُرْسَلاَتِ هُم المَلاَئِكَةُ الذِينَ يُرْسِلُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالإِحْسَانِ وَالمَعْرُوفِ إِلَى خَلْقِهِ). عُرْفُ الفَرَسِ - شَعْرُ رَقَبَتِهَا.
الثعلبي
تفسير : {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} يعني الرياح بعضها بعضاً كعرف الفرس، وقيل كثيراً. يقول العرب: الناس إلى فلان عرف واحد إذا توجهوا إليه فأكثروا، وهذا معنى قول مجاهد وقتادة، ورواية أبي العبيد عن ابن مسعود، والعوفي عن ابن عباس، وقال أبو صالح ومقاتل: يعني الملائكة التي أرسلت بالمعروف اسم واحد من أمر الله ونهيه، وهي رواية مسروق عن ابن مسعود. {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} يعني الرياح الشديدات الهبوب. {وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً} يعني الرياح اللينة وقال أبو صالح هي المطرق. قال الحسن: هي الرياح يرسلها الله نشراً بين يدي رحمته اقسم الله بالرياح ثلاث مرات، مقاتل: هم الملائكة ينشرون الكتب. {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً} قال ابن عباس وأبو صالح ومجاهد والضحاك: يعني الملائكة التي تفرّق بين الحقّ والباطل، وقال قتادة والحسن وابن كيسان: يعني آي القرآن فرّقت بين الحلال والحرام، وقيل: يعني السحابات الماطرة تشبيهاً بالناقة الفارق، وهي الحامل التي تجزع حين تضع، ونوق فراق. {فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} يعني الملائكة التي تنزل بالوحي نظيره قوله سبحانه: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} تفسير : [القدر: 4]. {عُذْراً أَوْ نُذْراً} يعني الأعذار والإنذار واختلف القرّاء فيهما فخففهما الأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي واختاره أبو عبيد قال: لأنهما في موضع مصدرين أنما هو الأعذار والإنذار وليس بجمع فيثقّلا، وثقلهما الحسن، وهي رواية الأعشى والجعفي عن أبي بكر عن عاصم، والوليد عن أهل الشام، وروح عن يعقوب الياقوت بتثقيل النذر وتخفيف العذر وهما لغتان، وقرأ إبراهيم التيمي وقتادة {عُذْراً أَوْ نُذْراً} بالواو العاطفة ولم يجعلا ألف بينهما. {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ * فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ} محي نورها، {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ} شقت {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ} قلعت من أماكنها، {وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ} جمعت لميقات يوم معلوم، واختلف القراء فيه فقرأ ابو عمرو "وُقِّتَتْ" بالواو وتشديد القاف وعلى الأصل، وقرأ أبو جعفر بالواو والتخفيف، وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: اقتت بالألف وتخفيف القاف، وقرأ الآخرون بالألف والتشديد وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، والعرب تعاقب بين الواو والهمزة كقولهم وكّدت واكّرت وورّخت الكتاب وأرّخته وودّشت من القوم وأرّشت ووشاح وأشاح وأكاف ووكاف ووسادة وأسادة، وقال النخعي: رعدت. {لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} أي وقتت من الأجل وقيل: أخّرت {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ} {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ} من الأمم المكذّبين في قديم الدهر {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ} السالكين سبيلهم في الكفر والتكذيب، وقرأ الأعرج نتبعهم بالجزم وقرأ ابن مسعود سنتبعهم. {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} وهو وقت الولادة {فَقَدَرْنَا} قرأ عليّ والحسن والسلمي وطلحة وقتادة وأبو إسحاق وأهل المدينة وأيوب بالتشديد من التقدير وهي اختيار الكسائي، وقرأ الباقون بالتخفيف من القُدرة واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله {فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ} ويجوز أن يكون التشديد والتخفيف بمعنى واحد كقوله سبحانه وتعالى {أية : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ} تفسير : [الواقعة: 60] فهي بالتخفيف والتشديد، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً} وعاء {أَحْيَآءً وَأَمْواتاً} تجمعهم أحياء على ظهرها فإذا ماتوا ضمتهم إليها في بطنها وقال [بنان الصفّار]: خرجنا في جبانة مع الشعبي فنظر إلى الجبانة فقال: هذه الأموات، ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الأحياء. وأصل الكفت: الجمع والضمّ، وكانوا يسمّون بقيع الغرقد كفتة لأنه مقبرة تضمّ الموتى، ومثلّه قول النبي (عليه السلام) "حديث : خمروا آنيتكم وأوّكوا أسقيتكم وأجيفوا الأبواب واطفئوا المصابيح واكفتوا صبيانكم فإنَّ للشيطان انتشاراً وخطفة" تفسير : يعني بالليل، ويقال للأرض: كافتة. {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً} عذباً {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} ثم أخبر أنه يقال لهم يوم القيامة: {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} في الدنيا {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} يعني دخان جهنم إذا ارتفع أشعب، وقيل: أنها عنق يخرج من النار فينشعب ثلاث شعب فأمّا النور فيقف على رؤوس المؤمنين والدخان يقف على رؤس المنافقين واللهب الصافي يقف على رؤس الكافرين، وقال مقاتل: هو السرادق والظل من يحموم. {لاَّ ظَلِيلٍ} لا كنين {وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ} إنّها يعني جهنم {تَرْمِي بِشَرَرٍ}، وهي ما تطاير من النار إذا التهبت واحدتها شررة {كَٱلْقَصْرِ} وقرأ عيسى بشرار وهي لغة تميم وأحدها شرارة. {كَٱلْقَصْرِ} وقرأه العامّة بسكون الصاد، وقال ابن مسعود: يعني الحصون والمدائن وهو واحد القصر وهي رواية الوالي عن ابن عباس قال: كالقصر العظيم، وقال القرظي: إنّ على جهنم سوراً فما خرج من وراء السور مما يرجع إليه في عظم القصر ولون النار. وروى سعيد عن عبدالرحمن بن عابس قال: سألت ابن عباس عن قوله سبحانه: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ} قال هي الخشب العظام المقطعة وكنا نعمد إلى الخشب فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه ندّخره للشتاء فكنّا نسمّيها القصر، وقال مجاهد: هي حزم الشجر، وقال سعيد ابن جبير والضحاك: هي أصول النخل والشجر العظام واحدتها قصرة مثل تمرة وتمر وجمر وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس: كالقصر بفتح الصاد أراد أعناق النخل، والقصرة العنق وجمعها قصر وقصرات، وقرأ سعيد بن جبير كالقصر بكسر القاف وفتح الصاد قال أبو حاتم: ولعله لغة ونظيرها في الكلام حاجة وحوج، كأنه ردّ الكناية إلى اللفظ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا المسعودي عن سلمة بن كهيل، عن أَبي العبيدين قال: سأَلت ابن مسعود عن { وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} [الآية: 1]. قال: الريح. فقلت {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} [الآية: 2]. فقال: الريح. فقلت {وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً} [الآية: 3]. قال: الريح. فقلت: {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً} [الآية: 4]. قال حسبك. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة قال: سمعت علي بن أَبي طالب، عليه السلام، في قوله: عز وجل: {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} [الآية: 2]. قال: يعني الريح.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {فُرِجَتْ} فتحت وشقت يقال: فرجت الشيء فانفرج أي فتحته فانفتح {كِفَاتاً} الكفت في اللغة: الضمُّ والجمع قال الشاعر: شعر : فأنت اليوم فوق الأرض حيٌّ وأنت غداً تضمُّك في كفات تفسير : {شَامِخَاتٍ} عاليات مرتفعات، يقال: شمخ بأنفه إِذا رفعه كبراً {فُرَاتاً} عذباً شديد الحلاوة {بِشَرَرٍ} الشَّرر: ما تطاير من النار وتفرق جمع شررة. التفسِير: {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} أي أُقسم بالرياح حين تهبُّ متتابعة، يقفوا بعضها إِثر بعض، قال المفسرون: هي رياح العذاب التي يهلك الله بها الظالمين {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} أي وأُقسم بالرياح الشديدة الهبوب، إِذا أُرسلت عاصفة شديدة، قلعت الأشجار، وخربت الديار، وغيَّرت الآثار {وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً} أي وأٌقسم بالملائكة الموكلين بالسحب يسوقونها حيث شاء الله، لتنشر رحمة الله - المطر - فتحيي به البلاد والعباد {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً} أي وأقسم بالملائكة التي تفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام {فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} أي وأقسم بالملائكة تنزل بالوحي، وتلقي كتب الله تبارك وتعالى إِلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام {عُذْراً أَوْ نُذْراً} أي تلقي الوحي إِعذاراً من الله للعباد لئلا يبقى لهم حجة عند الله، أو إِنذاراً من الله للخلق بالنقمة والعذاب {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} هذا هو جواب القسم أي إِنَّ ما توعدون به من أمر القيامة، وأمر الحساب والجزاء، كائن لا محالة قال المفسرون: أقسم تعالى بخمسة أشياء، تنبيهاً على جلالة قدر المقسم به، وتعظيماً لشأن المقسم عليه، فأقسم بالرياح الي تحمل الرحمة والعذاب، وتسوق للعباد الخير أو الشر، وبالملائكة الأبرار، الذين يتنزلون بالوحي للإِعذار والإِنذار، أقسم على أن أمر القيامة حق لا شك فيه، وأن ما أوعد الله تعالى به المكذبين، من مجيء الساعة والثواب والعقاب، كائن لا محالة، فلا ينبغي الشك والامتراء.. ثم بيَّن تعالى وفصَّل وقت وقوع ذلك فقال {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ} أي محيت النجوم وذهب نورها وضياؤها {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ} أي شقت السماء وتصدَّعت {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ} أي تطايرت الجبال وتناثرت حتى أصبحت هباءً تذروه الرياح كقوله تعالى {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً}تفسير : [طه: 105] {وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ} أي جعل للرسل وقتٌ وأجل، للفصل بينهم وبين الأمم، وهو يوم القيامة كقوله تعالى {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ}تفسير : [المائدة: 109]؟ وأصل {أُقِّتَتْ} وُقِّتت من الوقت أي جعل لها وقت محدد، قال الطبري: أي أُجّلت للاجتماع لوقتها يوم القيامة وقال مجاهد: هو الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم {لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ}؟ استفهامٌ لتعظيم ذلك اليوم، والتعجيب لما يقع فيه من الهول والشدة أي لأي يومٍ عظيم أُخرت الرسل؟ ثم قال {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ} أي ليوم القضاء والفصل بين الخلائق، يوم يفصل الله بين الأنبياء وأممهم المكذبين بحكمه العادل {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ}؟ استفهام للتعظيم والتهويل أي وما أعلمك أيها الإِنسان بيوم الفصل وشدته وهوله؟ فإِن ذلك اليوم أعظم من أن يعرف أمره إِنسان، أو يحيط به عقل أو وجدان، ووضع الظاهر {مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} مكان الضمير "ما هو" لزيادة تفظيع وتهويل أمره قال الإِمام الفخر: عجَّب العباد من تعظيم ذلك اليوم فقال: لأي يومٍ أُجّلت الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل، وهي تعذيب من كذَّبهم، وتعظيم من آمن بهم، وظهور ما كانوا يدعون الخلق إلى الإِيمان به، من الأهوال والعرض والحساب، ثم إِنه تعالى بين ذلك فقال {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ} وهو يوم يفصل الرحمن بين الخلائق، ثم أتبع ذلك تعظيماً ثانياً فقال {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} أي وما أعلمك ما هو يوم الفصل وشدته ومهابته؟ وجواب الشرط {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ} الخ محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: وقع ما توعدون به، وجرى ما أخبركم به الرسل من مجيء القيامة، والحذف على هذه الصورة من أساليب الإِيجاز البياني الذي امتاز به القرآن {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك عظيم وخسار كبير في ذلك اليوم لأولئك المكذبين بهذا اليوم الموعود قال المفسرون: كرَّر هذه الجملة {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} في هذه السورة عشر مرات لمزيد الترغيب والترهيب، وفي كل جملة وردت إِخبارٌ عن أشياء عن أحوال الآخرة، وتذكير بأحوال الدنيا، فناسب أن يذكر الوعيد عقيب كل جملة منها بالويل والدمار للكفرة الفجار، ولما كان - في سورة الإِنسان السابقة - ذكر بعضاً من أحوال الكفار في الآخرة، وأطنب في وصف أحوال المؤمنين هناك، جاء في هذه السورة بالإِطناب في وصف الكفار، والإِيجاز في وصف المؤمنين.. ثم بعد أن أكد الخبر بيوم القيامة، وأنه حق كائن لا محالة، وبعد أن خوَّف المكذبين من شدة هول ذلك اليوم، وفظاعة ما يقع فيه، عاد فخوَّفهم من بطش الله وانتقامه بأسلوب آخر فقال {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ}؟ أي ألم نهلك السابقين بتكذيبهم للرسل، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمود؟ {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ}؟ أي ثم ألحقنا بهم المتأخرين ممن كانوا مثلهم في التكذيب والعصيان، كقوم لوط وشعيب وقوم موسى "فرعون وأتباعه" ومن على شاكلتهم {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} أي مثل ذلك الإِهلاك الفظيع نفعل بهؤلاء المجرمين "كفار مكة" لتكذيبهم لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك ودمار لكل مكذب بالتوحيد والنبوة، والبعث والحساب {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تذكير للمكذبين وتعجيب من غفلتهم وذهولهم عن أبسط الأمور المشاهدة، وهي أن من خلقهم من النطفة الحقيرة الضعيفة كان قادراً على إِعادة خلقهم للبعث والحساب والمعنى: ألم نخلقكم يا معشر الكفار من ماءٍ ضعيف حقير هو منيُّ الرجل؟ وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل "حديث : ابن آدم أنَّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه"تفسير : الحديث {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} أي فجعلنا هذا الماء المهين في مكان حريز وهو رحم المرأة {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} أي إِلى مقدار من الزمن محدَّد معيَّن، معلوم عند الله تعالى وهو وقت الولادة، {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ} أي فقدرنا على خلقه من النطفة، فنعم القادرون نحن حيث خلقناه في أحسن الصور، وأجمل الأشكال {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك ودمار للمكذبين بقدرتنا قال الصاوي: هذه الآية تذكير من الله تعالى للكفار بعظيم إِنعامه عليهم، وبقدرته على ابتداء خلقهم، والقادرُ على الابتداء قادر على الإِعادة، ففيها ردٌّ على المنكرين للبعث.. ثم ذكَّرهم بنعمة إِيجادهم على الأرض حال الحياة، ومواراتهم في باطنها بعد الموت فقال {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْواتاً}؟ أي ألم نجعل هذه الأرض التي تعيشون عليها كالأم لكم، تجمع الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها؟ قال المفسرون: الكفت: الجمع والضم، فالأرض تجمع وتضم إِليها جميع البشر، فهي كالأم لهم، الأحياء يسكنون فوق ظهرها في المنازل والدور، والأموات يسكنون في بطنها في القبور {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 55] قال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} أي وجعلنا في الأرض جبالاً راسخات عاليات مرتفعات لئلا تضطرب بكم {وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً} أي وأسقيناكم ماءً عذباً حلواً بالغ العذوبة، أنزلناه لكم من السحاب، وأخرجناه لكم من العيون والأنهار، لتشربوا منه أنتم ودوابكم، وتسقوا منه زرعكم وأشجاركم {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي انطلقوا إِلى عذاب جهنم الذي كنتم تكذبون به في دار الدنيا، وهذا الكلام تقوله لهم خزنة النار تقريعاً وتوبيخاً.. ثم وضَّح ذلك العذاب وفصَّله فقال {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} أي اذهبوا فاستظلوا بدخانٍ كثيف من دخان جهنم، يتفرع منه ثلاث شعب {لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ} أي لا يظل من يكون تحته، ولا يقيه حر الشمس كما هو حال الظل الممدود، ولا هو يدفع عنه أيضاً ألسنة النار المندلعة من كل جانب قال الطبري: لا هو يظلهم من حرها، ولا يكنهم من لهبها، وذلك أنه يرتفع من وقود جهنم الدخان، فإِذا تصاعد تفرَّق شعباً ثلاثة قال المفسرون: سمَّى العذاب ظلاً تهكماً واستهزاءً بالمعذبين، فالمؤمنون في ظلال وعيون، والمجرمون في سموم وحميم، وظلٍ من يحموم، واليحموم دخانٌ أسود قاتم، فكيف يصح أن يسمى ما هم فيه ظلاً إِلا على طريق التهكم والاستهزاء؟ ثم زاد تعالى في وصف جهنم وأهوالها فقال {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ} أي إِن جهنم تقذف بشرر عظيم من النار، كلُّ شرارةٍ منه كأنها القصر العظيم قال ابن كثير: يتطاير الشرر من لهبها كالحصون {كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ} أي كأن شرر جهنم المتطاير منها الإِبل الصفر في لونها وسرعة حركتها قال الرازي: شبَّه تعالى الشرر في العظم بالقصر، وفي اللون والكثرة وسرعة الحركة بالجمالات الصفر، وهذا التشبيه من روائع صور التشبيه، لأن الشرارة إِذا كانت مثل القصر الضخم، فكيف تكون حال تلك النار الملتهبة؟ أجارنا الله من نار جهنم بفضله ورحمته {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك ودمار للمكذبين بآيات الله {هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} أي هذا اليوم الرهيب، الذي لا ينطق فيه أولئك المكذبون ولا يتكلمون كلاماً ينفعهم، فهم في ذلك اليوم خرس بكم {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} أي ولا يقبل لهم عذرٌ ولا حجة فيما أتوا به من القبائح والجرائم، بل لا يؤذن لهم في أن يعتذروا، لأنه لا تسمع منهم تلك الحجج والأعذار ولا تقبل كقوله تعالى {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ}تفسير : [غافر: 52] {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ} أي يقال لهم: هذا يوم الفصل بين الخلائق، الذي يفصل الله فيه بحكمه العادل بين السعداء والأشقياء، جمعناكم فيه مع من تقدمكم من الأمم لنحكم بينكم جميعاً {فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ} أي فإِن كان لكم حيلة في الخلاص من العذاب فاحتالوا، وانقذوا أنفسكم من بطش الله وانتقامه إِن قدرتم، وهذا تعجيزٌ لهم وتوبيخ {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك يومئذٍ للمكذبين بيوم الدين.. وبعد أن ذكر أحوال الأشقياء المجرمين، أعقبه بذكر أحوال السعداء المتقين فقال {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ} أي الذين خافوا ربهم في الدنيا، واتقوا عذابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هم يوم القيامة في ظلال الأشجار الوارفة، وعيون الماء الجارية، يتنعمون في دار الخلد، والكرامة، على عكس أولئك المجرمين المكذبين، الذين هم في ظلٍ من يحموم - وهو دخان جهنم الأسود - الذي لا يقي حراً، ولا يدفع عطشاً، ولا يجد المستظل به مما يشتهيه لراحته سوى شرر النار الهائل {وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} أي وفواكه كثيرة متنوعة مما يستلذون ويستطيبون {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي ويقال لهم على سبيل الأنس والتكريم: كلوا أكلاً لذيذاً واشربوا شرباً هنيئاً، بسبب ما قدمتم في الدنيا من صالح الأعمال {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي إِنا مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي من أحسن عمله، وأخلص نيته، واتقى ربه {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك ودمار للمكذبين بيوم الدين {كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ} أي يقال للكفار على سبيل التهديد والوعيد: كلوا من لذائذ الدنيا، واستمتعوا بشهواتها الفانية، كما هو شأن البهائم التي همُّها ملء بطونها ونيل شهواتها زماناً قليلاً الى منتهى آجالكم، فإِنكم مجرمون لا تستحقون الإِنعام والتكريم {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك ودمار يوم القيامة للمكذبين بنعم الله {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ} أي وإِذا قيل لهؤلاء المشركين صلُّوا لله، واخشعوا في صلاتكم لعظمته وجلاله، لا يخشعون ولا يصلون، بل يظلون على استكبارهم يصرون قال مقاتل: نزلت هذه الآية في ثقيف، امتنعوا عن الصلاة وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حطَّ عنا الصلاة فإِنا لا ننحني، إِنها مسبة علينا، فأبى وقال: لا خير في دينٍ لا صلاة فيه {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاكٌ ودمار يوم القيامة للمكذبين بأوامر الله ونواهيه {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}؟ أي فبأي كتابٍ وكلام بعد هذا القرآن المعجز الواضح يصدّقون إِن لم يؤمنوا بالقرآن؟ فإِذا كذبوا بالقرآن ولم يؤمنوا به، مع بلوغه الغاية في الإِعجاز، ونصوع الحجة، وروعة البيان، فبأي شيءٍ بعد ذلك يؤمنون؟ قال القرطبي: كرر قوله {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} عشر مراتٍ للتخويف والوعيد، وقيل: إِنه ليس بتكرار، لأنه أراد بكل قولٍ منه غير الذي أراده بالآخر، كأنه ذكر شيئاً فقال: ويلٌ لمن يكذب بهذا، ثم ذكر شيئاً آخر فقال: ويل لمن يكذب بهذا، وهكذا إِلى آخر السورة الكريمة. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التأكيد بذكر المصدر زيادة في البيان وتقوية للكلام مثل {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً * وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً * فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً} وهو من المحسنات اللفظية. 2- الطباق بين {عُذْراً .. و نُذْراً} وبين {أَحْيَآءً .. أَمْواتاً} وبين {ٱلأَوَّلِينَ .. وٱلآخِرِينَ} وكلها من المحسنات البديعية. 3- وضع الظاهر مكان الضمير، والمجيء بصيغة الاستفهام {لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ}؟ لزيادة تفظيع الأمر وتهويله. 4- الاستفهام التقريري {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ}؟ ومثله {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ}؟ 5- الجناس غير التام بين لفظتي {مَّهِينٍ} و{مَّكِينٍ}. 6- التشبيه المرسل المجمل {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ} والمرسل المفصل {كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ}. 7- المقابلة بين نعيم الأبرار وعذاب الفجار {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} قابل ذلك بقوله {كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ}. 8- أسلوب التهكم {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ * لاَّ ظَلِيلٍ} سمَّى العذاب ظلاً تهكماً وسخرية بهم. 9- المجاز المرسل {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ} أطلق الركوع وأراد به الصلاة فهو من باب اطلاق البعض وإِرادة الكل أي وإِذا قيل لهم صلوا لا يصلون. 10- توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل {هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ .. إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} الخ ويسمى بالسجع المرصَّع وهو من المحسنات البديعية.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاءُ بن السّائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} معناه الرِّيحُ تُرسلُ بالمعروفِ. ويقالُ: هي المَلائكةُ. ويقالُ: عُرفٌ تَتبعُ بعضَها بَعضاً. {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} معناه الرِّيحُ {وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً} معناه الرّيحُ. ويقال: المُمطرُ. ويقال: البَعثُ يوم القِيامةِ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} الآية هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها ظاهرة جداً وهو أنه ذكر أنه تعالى يرحم من يشاء ويعذب الظالمين وهذا وعد منه صادق فأقسم على وقوعه في هذه فقال: إن ما توعدون لواقع ولما كان للمقسم به موصوفات قد حذفت وأقيمت صفاتها مقامها وقع الخلاف في تعيين تلك الموصوفات فقال ابن مسعود: والمرسلات الملائكة أرسلت بالعرف ضد النكر، فالعاصفات قال ابن مسعود الشديدات الهبوب والناشرات قال السدي: الملائكة تنشر صحف العباد بالأعمال. فالفارقات قال ابن مسعود: الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام فالملقيات قال ابن عباس: الملائكة تلقي ما حملت من الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام والذي يظهر أن المقسم به شيئان ولذلك جاء العطف بالواو في والناشرات والعطف بالواو يشعر بالتغاير بل هو موضوعه في لسان العرب وأما العطف بالفاء إذا كان بالصفات فيدل على أنها رجعة لموصوف واحد كقوله: {وَٱلْعَادِيَاتِ ... فَٱلمُورِيَاتِ ... فَٱلْمُغِيرَاتِ} فإِنها راجعة إلى العاديات وهي الخيل وإذا تقرر هذا فالظاهر أنه أقسم أولاً بالرياح قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ}تفسير : [الأعراف: 57] فهي مرسلاته ويدل عليه عطف الصفة بالفاء كما قلنا وان العصف من صفات الريح في عدة مواضع من القرآن والقسم الثاني في ترق إلى أشرف من المقسم به الأول وهم الملائكة ويكون فالفارقات فالملقيات من صفاتهم كما قلنا في عطف الصفات وإلقاؤهم للذكر وهو ما أنزل الله تعالى يصح إسناده إليهم وما ذكر من اختلاف المفسرين في المراد بهذه الأوصاف ينبغي أن يحمل على التمثيل لا على التعيين وجواب القسم وما عطف عليه قوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ} وما موصولة بمعنى الذي. {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ} أي أذهب نورها فاستوت مع جرم السماء. {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ} صار فيها فروج بانفطارها. {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ} فرقتها الرياح وذلك بعد التسيير وقيل كونها هباء. {وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ} أي بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة. {لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} تعظيم لذلك اليوم وتعجيب مما يقع فيه من الهول والشدّة والتأجيل من الأجل أي ليوم عظيم أخرت. {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ} أي بين الخلائق وهو بدل من لأي يوم. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} مبالغة في عظم ذلك اليوم من الخلائق وجواب إذا محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره إذا كان كذا وكذا وقع ما توعدون. {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ} الأمم التي تقدمت قريشاً أجمعها ويكون الآخرين من تأخر من قريش وغيرهم وعلى التشريك يكون الأولين قوم نوح وإبراهيم عليهما السلام ومن كان معهم والآخرين قوم فرعون ومن تأخر وقرب من مدة الرسول صلى الله عليه وسلم والإِهلاك هنا إهلاك عذاب ونكال ولذلك جاء كذلك نفعل بالمجرمين فأتى بالصفة المقتضية لإِهلاك العذاب وهي الإِجرام ولما ذكر أنباء الأولين والآخرين ذكر ووقف على أصل الخلق التي يقتضي النظر فيها تجويز البعث. {مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} أي ضعيف وهو ماء الرجل والمرأة. {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} هو الرحم. {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} أي عند الله تعالى وهو وقت الولادة وقرىء: {فَقَدَرْنَا} بالتشديد والتخفيف قال أبو عبيدة: الكفات الوعاء أي تكفت الخلق أحياءً على ظهرها وأمواتاً في بطنها وانتصب أحياءً وأمواتاً بفعل يدل عليه ما قبله. {رَوَاسِيَ} جبالاً ثابتات. {شَامِخَاتٍ} مرتفعات. {وَأَسْقَيْنَاكُم} جعلناه سقياً لمزارعكم ومنافعكم. {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} يقال للمكذبين إنطلقوا أي من العذاب. {ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ} أمر تكراراً أو بياناً للمنطلق إليه كأنهم لما أمروا امتثلوا فانطلقوا إذ لا يمكنهم التأخير إذ صاروا مضطرين إلى الإِنطلاق. {ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} قال عطاء: هو دخان جهنم روي أنه يعلو من ثلاثة مواضع يظن الكافر أنه مغن من النار فيهرعون إليه فيجدونه على أسوأ وصف جمع شرارة. {لاَّ ظَلِيلٍ} نفي لمحاسن الظل. {وَلاَ يُغْنِي} أي ولا مغن عنهم من حر اللهب شيئاً. {إِنَّهَا تَرْمِي} الضمير في انها لجهنم. {بِشَرَرٍ} جمع شرارة. {كَٱلْقَصْرِ} كالدار العظيمة المشيدة وقرىء: {جِمَٰلَتٌ} بضم الجيم وكسرها والجمالات قال ابن عباس هي قلوص السفن وهي حبالها العظام إذا جمعت والصفر تشبيه بلون الشرر وقرىء يوم بالرفع مبتدأ وخبر وبالنصب فيكون هذا إشارة إلى الرمي بالشرر ويوم منصوب باسم الإِشارة. {فَيَعْتَذِرُونَ} عطف على ولا يؤذن داخل في حيز نفي الاذن أي فلا إذن فاعتذار ولم يجعل الاعتذار متسبباً عن الاذن فينصب وقال ابن عطية: ولم ينصب في جواب النفي لتشابه رؤوس الآي والوجهان جائزان "انتهى". فنجعل سبب امتناع النصب هو تشابه رؤوس الآي وقال: والوجهان جائزان فيظهر من كلامه استواء الرفع والنصب وان معناهما واحد وليس كذلك لأن الرفع كما ذكرنا لا يكون متسبباً بل صريح عطف والنصب يكون فيه متسبباً فافترقا. {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} خطاب للكفار والأولين قوم نوح عليه السلام وغيرهم من الكفار الذين تقدم زمانهم على زمان المخاطبين أي جمعناكم للفصل بين السعداء والأشقياء. {فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ} أي في هذا اليوم كما كان لكم في الدنيا ما تكيدون به دين الله وأولياءه. {فَكِيدُونِ} اليوم وهذا تعجيز لهم وتوبيخ. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} خطاب للمؤمنين في الآخرة على إضمار القول ويدل عليه بما كنتم تعملون. {كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ} خطاب للكفار في الدنيا. {قَلِيلاً} أي زماناً قليلاً إذ قصارى أكلكم وتمتعكم الموت وهو خطاب تهديد لمن أجرم من قريش وغيرهم. {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ} من قال انها مكية قال: هي في قريش ومن قال: هي في المنافقين وجاء في هذه السورة بعد كل جملة قوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} لأن كل جملة منها فيها إخبار الله تعالى عن أشياء وبأشياء من أحوال الآخرة وبتغريرات من أحوال الدنيا فناسب أن يذكر الوعيد عقيب كل جملة منها للمكذب بالويل في يوم الآخرة والضمير في بعده عائد على القرآن والمعنى أن تضمن من الإِعجاز والبلاغة والإِخبار بالمغيبات وغير ذلك مما احتوى عليه ما لم يتضمنه كتاب إلٰهي فإِذا كانوا مكذبين به فبأي حديث بعده يصدقون به إذ لا يمكن تصديقهم بحديث بعد أن كذبوا بهذه الحديث الذي هو القرآن.
الجيلاني
تفسير : {وَ} حق {ٱلْمُرْسَلاَتِ} أي: رياح الجذبات المهبة من قِبَل عالم اللاهوت؛ لاسترواح أرواح سكان عالم الناسوت وأشباحهم {عُرْفاً} [المرسلات: 1] للتعارف والائتلاف الواقع بينهم بحسب الحقيقة. {فَٱلْعَاصِفَاتِ} النازعات ملابس الناسوت، وثياب الإمكان عن أرواح المحبين المنجذبين نحو الحق {عَصْفاً} [المرسلات: 2] سريعاً شديداً تخليصاً لهم عن سجن الطبيعة تفريجاً وترويجاً. {وٱلنَّاشِرَاتِ} المنتشرات على أرض استعدادات أرباب الطلب والإرادات المتوجهين نحو الحق بعزيمة خالصة {نَشْراً} [المرسلات: 3] ليناً هيناً، بحيث يوقظهم عن نوم الغفلة، ويخلصهم عن مضيق الضلال، ويرشدهم إلى فضاء الوصال. {فَٱلْفَارِقَاتِ} الواصلات إلى بقعة الإمكان من قِبَل الرحمن؛ ليفصلن ويفرقن لساكنيها بين الحق والباطل، والحرام والحلال، والهداية والضلال الواقعة في سلوط طريق الحق، وسبيل توحيده {فَرْقاً} [المرسلات: 4] بيناً واضحاً؛ ليتنبهوا إلى مبدئهم ومعادهم. {فَٱلْمُلْقِيَٰتِ} الملقنات لحوامل أثقال الطبيعة والأركان، المسجونين في سجن الإمكان، المقيدين بسلاسل الزمان، وأغلال المكان {ذِكْراً} [المرسلات: 5] حسناً من عالم اللاهوت، يجرونه على ألسنتهم؛ لعلهم يتذكرون بها مبدأهم الأصلي، ومنشأهم الحقيقي. ليكون لهم ذكرهم هذا {عُذْراً} يزيل ويمحو سيئات عالم الناسوت، وآثام لوازم بقعة الإمكان بعدما تنبهوا بها إلى عالم اللاهوت، طرقوا نحوه مهاجرين من بقعة الناسوت {أَوْ نُذْراً} [المرسلات: 6] ينذرهم عن نيران الإمكان، وسعير الطرد والخذلان بعدما تذكروا نعيم عالم اللاهوت، وفضاء الجبروت. يعني: وبحق هذه المقسمات العظام، المكرمات عند الله {إِنَّمَا تُوعَدُونَ} أيها المكلفون من قِبَل الحق في يوم العرض والجزاء {لَوَٰقِعٌ} [المرسلات: 7] محقق وقعه وثبوته بلا ريب وتردد. وبعدما وقعت الواقعة، وقامت القيامة {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ} أي: الهويات المترتبة في عالم الكون والفساد {طُمِسَتْ} [المرسلات: 8] انمحقت وانمحت، وغابت وتلاشت عند ظهور شمس الذات. {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ} أي: نظام عالم الكون والفساد {فُرِجَتْ} [المرسلات: 9] وانفصمت وتلاشت. {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ} الرواسي التي هي أوتاد الأرض، وهي في الحقيقة عبارة عن الهياكل المحسوسة في عالم الكون والفساد {نُسِفَتْ} [المرسلات: 10] قلعت عن أماكنها، ثمَّ ذريت برياح الفناء. {وَإِذَا ٱلرُّسُلُ} المبعوثون؛ للإرشاد والتكميل، والإشهاد على صلاح العباد وسدادهم {أُقِّتَتْ} [المرسلات: 11] ووُقِّتَت؛ أي: غُيِّن لهم وقت الشهادة على أممهم بعدما أبهم عليهم وقتها في النشأة الأولى. كأنه قيل لهم من قِبَل الحق: {لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} [المرسلات: 12] وأُخرت شهادتهم؟. وأجيب أيضاً من جانبه سبحانه: {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ} [المرسلات: 13]. {وَمَآ أَدْرَاكَ} وأعلمك يا أكمل الرسل {مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} [المرسلات: 14]؟ أبهمه سبحانه تهويلاً وتفخيماً. وبالجملة: {وَيْلٌ} وهلاك مؤيد مستمر {يَوْمَئِذٍ} أي: في يوم الفصل {لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 15] به، المنكرين له في النشأة الأولى، سيما بعد إخبار الرسل والكتب، وكيف يكذبونه وينكرون عليه أولئك الضالون المكذبون، مع أنهم قد سمعوا حال المكذبين المنكرين المَّاضين؟! {أَلَمْ نُهْلِكِ} المكذبين {ٱلأَوَّلِينَ} [المرسلات: 16] كقوم نوح وعاد وثمَّود، ولم نستأصلهم؛ بسبب إنكارهم المنكرين المَّاضين؟! {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ} [المرسلات: 17] أي: نحن نُتبع ونُعقّب إهلاك الأولين بإهلاك الآخرين، كقوم شعيب وموسى وعيسى، وغيرهم أيضاً؛ بسبب تكذيب هذا اليوم، وتكذيب من أخبر به من الكتب والرسل. وبالجملة: {كَذَلِكَ} أي: مثلما فعلنا بالمكذبين السابقين، والآخرين اللاحقين {نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} [المرسلات: 18] أي: بعموم هؤلاء المجرمين الحاضرين، المكذبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآياته النازلة عليه. لذلك {وَيْلٌ} عظيم {يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 19].
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا طالب الوصل لما غلفت عن يوم الفصل واشتغلت بالفرع عن الأصل حين قرأت كلام الرب على سبيل العزل وما فهمت من الكلام إلا الحروف والمدِّ والشد ومعنى اللغات العربية التي كان كان أبو جهل اعلم منك ومن استاذك لأن فهم القرآن يتعلق بالقلب وأنت بلا قلب؛ لدسته في تراب الطبيعة فاسمع نصيحتي ومر إلى الكتاب وقل لأستاذك ليكتب لك ألف الأصل ويعلمك سرها وحقيقتها ويطلعك على ما أودع في صدقها من الدرر المستورة لتستر بها وتدخل في بروج الحروف وتشاهد نجوم النقطات المسعودة والمنحوسة ثم تعرج إلى كرسي الأبجاد ثم تستوي على عرش الكلمات ثم تشاهد كيفية استواء الرحمن على العرش ثم تنزل إلى العرش المبسوط في عالم الشرع وتفهم ما يقسم الرب به فقوله {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً } [المرسلات: 1] وتطلب في وجودك القوة المرسلة إلى القوى القالبية العارفة المتتابعة لتفهم أنه يقسم باللطيفة الجمالية المودعة في قلبك ثم يقسم باللطيفة الجلالية المستودعة في قالبك بقوله {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} [المرسلات: 2] ثم يقسم باللطيفة المنسبطة الحيوانية في قوله تعالى: {وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً} [المرسلات: 3] ثم يقسم باللطيفة المتميزة الفارقة بين الحق والباطل في قوله {فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً} [المرسلات: 4] ثم يقسم باللطيفة الذاكرة الملقية إليك ما كنت تنساه باشتغالك بتربية القالب بقوله {فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً} [المرسلات: 5] {عُذْراً أَوْ نُذْراً} [المرسلات: 6]؛ يعني: أعذاراً للقوى النفسية وإنذاراً للقوى القالبية {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ} [المرسلات: 7] جواب القسم يعني: يوم القيامة وما وعدت وأوعدت اللطيفة الخفية الذاكرة المنذرة {لَوَٰقِعٌ} أي: كائن لا محالة وله علامات فإذا ظهرت العلامات تيقن بتوعده {فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ} [المرسلات: 8]؛ يعني: إذا محيت أنوار الحواس الظاهر والباطن لغلبه نور الحق {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ} [المرسلات: 9]؛ يعني: إذا سماء الصدر صارت ذات فرجة ينزل عليك القوى العلوية على صور هائلة أو حسنة على قدر حسن أعمالك وقبحها {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ} [المرسلات: 10]؛ يعني: جبال قوة معدنية قالبك قلعت من أماكنها ونسفتها الرياح العاصفة نسفاً {وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ} [المرسلات: 11]؛ يعني: جمعت اللطائف المرسلة في ذلك الوقت المعلوم وقوعه يشهدون على أمم القوى بما عملوا {لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} [المرسلات: 12]؛ أي: لأي يوم أخرت هذه الأعمال {لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ} [المرسلات: 13] أخرت ليفصل بين الحق والباطل ويجزي كل أحد على وفق أعماله من الخير والشر {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} [المرسلات: 14] {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 15] كذبوا بيوم الفصل وقرءوا كلام الله هزواً على سبيل الهزل {أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ} [المرسلات: 16] أما سمعوا بالأولين الذين كذبوا بيوم الفصل وآثروا بحياة العاجلة الدنيوية وبنوا القصور الرفيعة والبساتين النزهة كيف أهلكناهم {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ} [المرسلات: 17] الذين اتبعوهم وأتباع الهوى ومخالفة المولى بالهلاك {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} [المرسلات: 18] أي نفعل بالقوى المجرمة المكذبة بيوم الفصل كما فعلنا بهم {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}[المرسلات: 19].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أقسم تعالى على البعث والجزاء بالأعمال، بالمرسلات عرفا، وهي الملائكة التي يرسلها الله تعالى بشئونه القدرية وتدبير العالم، وبشئونه الشرعية ووحيه إلى رسله. و { عُرْفًا } حال من المرسلات أي: أرسلت بالعرف والحكمة والمصلحة، لا بالنكر والعبث. { فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا } وهي [أيضا] الملائكة التي يرسلها الله تعالى وصفها بالمبادرة لأمره، وسرعة تنفيذ أوامره، كالريح العاصف، أو: أن العاصفات، الرياح الشديدة، التي يسرع هبوبها. { وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا } يحتمل أنها الملائكة، تنشر ما دبرت على نشره، أو أنها السحاب التي ينشر بها الله الأرض، فيحييها بعد موتها. { فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا } هي الملائكة تلقي أشرف الأوامر، وهو الذكر الذي يرحم الله به عباده، ويذكرهم فيه منافعهم ومصالحهم، تلقيه إلى الرسل. { عُذْرًا أَوْ نُذْرًا } أي: إعذارا وإنذارا للناس، تنذر الناس ما أمامهم من المخاوف وتقطع معذرتهم، فلا يكون لهم حجة على الله. { إِنَّمَا تُوعَدُونَ } من البعث والجزاء على الأعمال { لَوَاقِعٌ } أي: متحتم وقوعه، من غير شك ولا ارتياب. فإذا وقع حصل من التغير للعالم والأهوال الشديدة ما يزعج القلوب، وتشتد له الكروب، فتنطمس النجوم أي: تتناثر وتزول عن أماكنها وتنسف الجبال، فتكون كالهباء المنثور، وتكون هي والأرض قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وذلك اليوم هو اليوم الذي أقتت فيه الرسل، وأجلت للحكم بينها وبين أممها، ولهذا قال: { لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ } استفهام للتعظيم والتفخيم والتهويل. ثم أجاب بقوله: { لِيَوْمِ الْفَصْلِ } [أي:] بين الخلائق، بعضهم لبعض، وحساب كل منهم منفردا، ثم توعد المكذب بهذا اليوم فقال: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } أي: يا حسرتهم، وشدة عذابهم، وسوء منقلبهم، أخبرهم الله، وأقسم لهم، فلم يصدقوه، فاستحقوا العقوبة البليغة.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم وَالْمُرْسَلاَتِ 661 - أنا محمدُ بن سلمةَ، أنا ابن القاسمِ، عن مالكٍ. والحارثُ بنُ مسكينٍ، عن ابن القاسمِ، حدثني مالِكٌ، قال: حدثني ابنُ شِهابٍ عن عُبيد اللهِ بن عبد اللهِ، عن ابن عباسٍ أنَّ أُمَّ الفضل سمعتهُ يقرأ {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} فقالت: يا بُنيَّ ذَكرتني بقراءتِكَ هذه السورة إنها لآخرُ ما سمعتُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يقرأُ بها في المغرب. 662 - أنا أحمدُ بن سليمان بن عبد الملكِ، نا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيل، عن منصورٍ والأعمشِ، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللهِ قال: حديث : كُنا مع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم في غارٍ وأُنزلت عليه {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} فإنا لنتلقَّاها من فيه إذ خرجت علينا حيةٌ فابتدرناها فدخلت جُحرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وُقيت شرَّكم كما وُقيتم شرَّها ، تفسير : - زاد الأعمشُ في حديثهِ: قال عبد الله: إنا لنتلقاها من فيه رطبةً. - قال أبو عبد الرحمنِ: خالفه حفصُ بنُ غياثٍ، رواهُ عن الأعمشِ عن إبراهيم عن الإسودِ". 663 - أنا أحمد بن سُليمان، نا يحيى بنُ آدم، عن حفصِ بن غياثٍ عن الأعمشِ عن إبراهيم، عن الأسودِ، عن عبد اللهِ قال: حديث : كُنا مع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم بالخَيْفِ من منىً حتى نزلت {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} فخرجت حيةٌ، فقال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اقْتُلُوهَا" فابتدرناها فدخلت في جُحرِهَا .
همام الصنعاني
تفسير : 3445- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً}: [الآية: 1]، قال: الريح. {فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً}: [الآية: 2]، قال: الريح {وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً}: [الآية: 3]، قال: الريح {فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً}: [الآية: 5]، قال: الملائكة تُلقي القُرْآن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):